← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

أحدها: أن كل حيوان نهى الشرع عن قتله فإنه حرام، كما نهى عن قتل الضفدع، وعن قتل (١) الهدهد والصُّرَد، وعن قتل الآدمي؛ لأن النهي عن قتله يقتضي شرفه وكرامته، وذلك يوجب حرمته. الثاني: أنه سمَّى جرحه قتلًا، والقتل إذا أطلق في لسان الشرع فإنه يقتضي الفعل المُزهِق للروح الذي لا يكون ذكاة شرعية، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢]، ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] إلى غير ذلك من ذكر قتل الآدمي. وقال النبي ﷺ : «ينزلِ ابنُ مريم حَكَمًا عَدْلًا وإمامًا مُقسِطًا، فيكسِر الصليبَ ويقتلُ الخنزيرَ» (٢). وقال: «خمسٌ من الدوابّ يُقتَلن في الحِلِّ [والحرم]، ولا جُناحَ على من قتلَهن» (٣). وقال: «اقتلوا الأبترَ وذا (٤) الطُّفْيتين» (٥). وأمر بقتل الأسودين في الصلاة: الحيَّة والعقرب (٦).

стр. 2802

ونهى عن قتل الحيوان لغير مأكُلَةٍ (١). وقال: «من قتل عصفورًا بغير حقِّه فإنه يَعِجُّ إلى الله يومَ القيامة يقول: ربّي سَلْ هذا فيم قتلَني؟» (٢). وسئل عن ضِفدعٍ تُجعل في دواء، فنهى عن قتلها وقال: «إن نقيقَها تسبيح» (٣).

стр. 2803

ونهى عن قتل أربعٍ من الدوابّ (١). وقال في الفعل المبيح: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]. وقال: «دِباغُ الأديمِ ذكاتُه» (٢). وقيل له: «أما تكون الذكاةُ إلا في الحَلْق واللَّبَّة؟» (٣). فلما سمَّى الله [ق ٢٦٣] سبحانه رمي الصيد بالسهم وإزهاقَ روحه قتلًا ولم يسمِّه ذكاةً ولا عَقْرًا، عُلم أنه ليس مذكًّى تذكيةً شرعيةً.

стр. 2804

وأيضًا فإن هذا عَقْر قد حرَّمه الشرع لمعنى في القاتل، فلم يُفِد الإباحة ولا الطهارة كذبح المجوسي والمرتدّ، وعكسه ذبحُ المسروق والمغصوب إن سُلِّم، فإن ذلك المعنى في المالك، وهو أن نفسه لم تطِبْ به، ولهذا لا يختلف حال الغاصب قبل الإذن وبعده إلا فيما يتعلَّق بالمغصوب خاصة، بخلاف المحرم، فإن إحرامه صفة في نفسه تكون مع وجود الصيد وعدمه كدين المشرك والمرتدّ. وأيضًا فإنه عَقْرٌ محرَّمٌ لحق الله فلم يُفِد الإباحة، كالعقر في غير الحلق واللَّبَّة، وبكلب غير معلَّم، وبدون التسمية، وبدون قصد الذكاة، وعَقْر المشرك. وذلك لأن الحيوان قبل الذكاة حرام، فلا يباح إلا بأن يذكَّى على الوجه المأذون فيه، كما أن الفرج قبل العقد محرَّم، فلا يباح إلا بعقد شرعي. فإذا نهى الشارع عن عقره لم يكن عقره مشروعًا، فيبقى على أصل التحريم، كما لو نكح المرأة نكاحًا لم يُبِحه الشارع. ولأنه قتلٌ لا يُبيح (١) المقتولَ لقاتله بحال، فلا يباح لغيره كسائر ما نهى عنه الشرع من القتل. ولأنه قتل محرَّم لحرمة الحيوان وكرامته، فلا يفيد الحلَّ، كذبح الإنسان والضفدع والهدهد. ولأن جرح الصيد الممتنع يفيد الملك والإباحة، واقتضاؤه الملكَ أقوى من اقتضائه الإباحةَ؛ لأنه يحصل بمجرد إثباته وبدون قصد الذكاة، ويثبت للمشرك، فإذا كان جرح الصيد في حال الصيد لا يفيد الملك، فأن لا يفيد الإباحةَ أولى وأحرى. وصيد الحرم إذا ذُبِح فيه بمنزلة الميتة، كالصيد الذي يذبحه المحرم،

стр. 2805

قال في رواية ابن منصور (١) وقد سئل هل يؤكل الصيد في الحرم؟ قال: إذا ذُبِح في الحلّ. ونقل عنه أيضًا (٢): إذا رماه في الحل فتحامل فدخل الحرم يكره أكله. وقال في رواية حنبل (٣): وإن دخل الحرمَ فلا يصطاد، ولا أرى أن يذبح، إلا أن يُدخِل مذبوحًا من خارج الحرم فيأكله، ولا أرى أن يذبح شيئًا من صيد الحلّ ولا الحرم. وكذلك صيد المدينة الذي يصطاد (٤) فيه، قال في رواية حنبل (٥): صيد المدينة حرامٌ أكله حرامٌ صيده. وخرَّجها القاضي (٦) على وجهين، أحدهما: كذلك، والثاني: الفرق؛ لأن حرمة حرم المدينة لا يوجب زوال الملك في الصيد المنقول إليها من خارجٍ، بخلاف حرمة حرم مكة. وإن أخرجه من الحرم ثم ذبحه لم يحلَّ أيضًا، كما لو أمسكه حتى تحلل ثم ذبحه. وإذا اشترك حلال (٧) وحرام في قتل صيد فهو حرام أيضًا، كما لو اشترك مسلم ومجوسي في الذكاة. وإن أعان المحرم حلالًا بدلالة أو إعارة آلةٍ ونحو ذلك، فقال

стр. 2806

القاضي (١) وأصحابه: هو ذكيٌّ مباح للحلال ولغير المحرم الدالّ؛ لأن في حديث أبي قتادة: فبينما هم يسيرون إذ رأوا حُمُرَ وحْشٍ، فحمل عليها أبو قتادة، فعقر منها أتانًا، فنزلوا فأكلوا من لحمها، قال: فقالوا: أكلنا لحما ونحن محرمون، فحملوا ما بقي من لحم الأتان، فلما أتوا رسولَ الله ﷺ قالوا: يا رسول الله، إنا كنا أحرمنا، وكان أبو قتادة لم يُحرِم، فرأينا حمر وحش، فحمل عليها أبو قتادة، فعقرَ منها أتانًا، فنزلنا فأكلنا من لحمها، فقالوا: أنأكل لحم صيدٍ ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي. فقال: «هل منكم أحد أمره أن يحملَ عليها أو أشار إليها؟» قالوا: لا. قال: «فكلوا ما بقي من لحمها». رواه البخاري (٢). وفي لفظ مسلم (٣): «هل معكم أحد أمره أو أشار إليه بشيء؟» قال: قالوا: لا. قال: «فكلوا ما بقي من لحمها». وهذا يقتضي أنه لو أشار بعضهم حرم على جميعهم. وقال أبو بكر (٤): إذا أبان المحرم فاصَّادَه (٥) حلال، فعلى المحرم الجزاء، ولا يأكل الحلال والمحرم من الصيد؛ لأنه في حكم الميتة.

стр. 2807

ولأنه إذا أعان المحرم على قتله كان مضمونًا عليه، وضمانه يقتضي أنه قتل بغير حق فيكون ميتة، فإن الذكيَّ لا يضمن، كما لو ذبحه الحلال لحرام (١). وإن كسر بيضَه أو قطع شجرة لم يجزْ له الانتفاع بها، وأما لغيره ... (٢). فإذا اضطُرَّ إلى الصيد جاز له عَقْره، ويأكله وعليه الجزاء؛ لأن الضرورة تبيح أكل جميع المحظورات، سواء كان المنع لحقّ الله أو لحقّ آدمي، والصيد لا يخرج عن هذين. وإذا قتلَه فهل يكون ذكيًّا بحيث يباح أكله للمُحِلِّين أو ميتةً؟ قال [القاضي] (٣): ليست هذه ذكاةً، بل هو ميتة في جميع الأحوال؛ لأن أحمد قال: إنما سماه الله قتلًا. و إذا وجد المضطرُّ ميتة وصيدًا فإنه يأكل الميتة ويدع الصيد . نص عليه في رواية الجماعة .... (٤)؛ لأن الله استثنى حِلَّ الميتة في كتابه للمضطر [ق ٢٦٤] بقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، ولم يستثنِ حِلَّ الصيد لأحد، وإنما أبيح استدلالًا وقياسًا، وما ثبت حكمه بالنص مقدَّم على ما ثبت بالاجتهاد، لا سيما وهو في هذا الحال قد لا يكون مضطرًّا إلى الصيد.

стр. 2808

وأيضًا فإن الصيد يحرم أخذه وقتله وأكله، والميتة إنما يحرم أكلها خاصةً، وما حرم فيه ثلاثة أفعال أعظمُ مما يحرم فيه فعل واحد. وأيضًا فإن الصيد قد صار بالإحرام حيوانًا محترمًا يُشبِه الآدميَّ وماله، والميتة لا حرمة لها في نفسها، فيكون استحلال ما لا حرمة له أولى من استحلال ما هو محترم، كما تُقدَّم الميتة على أخذ أموال الناس. وأيضًا فإن الصيد يوجب بقاء الجزاء في ذمته، والميتة بخلاف ذلك. فإن قيل: الصيد أيسر؛ لأن من الناس من يقول: هو ذكيٌ، وإن أكله حلال. قيل: هذا غلط؛ لأن أحدًا من المسلمين لم يقل إنه حلال للقاتل ولا ذكيٌّ بالنسبة إليه، وكونه حلالًا لغيره لا يؤثر فيه، كطعام الغير مع الميتة، فإن الميتة تُقدَّم عليه. فإن وجد ميتة وصيدًا قد ذبحه محرم، فقال القاضي (١): يأكل ذبيحة المحرم هنا ويترك الميتة؛ لأنه لا يحتاج أن يفعل في الصيد غير الأكل، وأكله أخفُّ حكمًا من أكل الميتة؛ لأن من الناس من يقول: هو ميتة وذكيٌّ. فأما إن ذبح هو الصيد فهنا ينبغي أن يقدِّم الميتة. وإن وجد صيدًا وطعامًا مملوكًا لا يعرف مالكه فقال ... (٢): يقدم أكل طعام الغير، وقيل: ... (٣).

стр. 2809

فصل فأما ما صاده الحلال بغير معونة من المحرم وذكَّاه، فإنه مباح للمحرم إذا لم يَصِدْه لأجله ولا عَقَره لأجله، ومتى فعل ذلك لأجله فهو حلال للحلال، حرام على المحرم، سواء علم الحرامُ بذلك أو لم يعلم. وهل يحرم على غيره؟ .... (١) نصَّ على هذا في رواية الجماعة؛ فقال (٢): إذا صِيْدَ الصيد من أجله لم يأكله المحرم، ولا بأس أن يأكل من الصيد إذا لم يُصَدْ من أجله إذا اصطاده الحلال. وذلك لما روى عمرو بن أبي عمرو، عن المطَّلب بن عبد الله بن المطَّلب (٣) بن حَنْطَب، عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: «صيدُ البرِّ لكم حلال وأنتم حُرُم، ما لم تصيدوه أو يُصَدْ لكم». رواه الخمسة إلا ابن ماجه (٤). وقال الشافعي (٥): هذا أحسن حديثٍ روي في هذا الباب وأقيسُ.

стр. 2810

وقال أحمد في رواية عبد الله (١): قد روي عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: «لحمُ الصيدِ لكم حلال إلا ما صِدتم أو صِيْد لكم». وكرهه عثمان بن عفان لما صيد له. وحديث أبي قتادة أن النبي ﷺ أمرهم أن يأكلوا وهم حُرُم، وكان أبو قتادة صاده وهو حلال. فإذا صاده الحلال فلا بأس أن يأكله المحرم إذا لم يُصَد من أجله، ولا يأكله إذا صِيْد من أجله. وعلي وعائشة وابن عمر كانوا يكرهون أن يأكل المحرم لحم الصيد، كأنهم (٢) ذهبوا إلى ظاهر الآية: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]. وهذا يدلُّ على صحة الحديث عنده. فإن قيل: فقد قال الترمذي (٣): المطَّلب لا نعرف له سماعًا من جابر ... (٤). قيل: قد رواه أحمد (٥) عن رجل ثقة من بني سلمة عن جابر قال: سمعت

стр. 2811

رسول الله ﷺ يقول: «لحمُ الصيد حلالٌ للمحرم ما لم يَصِدْه أو يُصَدْ له». وهذا الحديث مفسِّر لما جاء عن النبي ﷺ من كراهة صيد الحلال للمحرم ومن إباحته له. أما الأول: فروى ابن عباس عن الصَّعْب بن جَثَّامة أنه أهدى إلى رسول الله ﷺ حمارًا وحشيًّا وهو بالأَبْواء أو بوَدَّانَ، فردَّه عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: «إنا لم نردَّه عليك إلا أنَّا حُرُم» متفق عليه (١). وفي رواية: «لحم حمار» وفي رواية: «من لحم حمار وحش». وفي رواية: «شِقَّ حمارِ وحشٍ فردَّه». وفي رواية: «عَجُزَ وحشٍ يقطر دمًا». رواهن مسلم (٢) وغيره. فهذا لم يكن النبي ﷺ أعان عليه بوجه من الوجوه، ولا أمر به ولا علم أنه يُصاد له، وإنما يُشبِه ــ والله أعلم ــ أن يكون قد رأى لما أهداه أنه صاده لأجله؛ لأن الناس كانوا قد تسامعوا بقدوم رسول الله ﷺ ، وكلٌّ يحبّ أن يتقرَّب (٣) إليه ويُهدي إليه، فلعل الصعب إنما صاده لأجل النبي ﷺ ، وإذا كان هذا يكون تركُه واجبًا. أو يكون خشي ﷺ أن يكون صِيْدَ لأجله، فيكون قد تركه تنزُّهًا، وكذلك قال الشافعي (٤) ﵁، كما كان يدع التمرة خشيةَ أن تكون من تمر الصدقة (٥).

стр. 2812

وعن طاوس قال: قدم زيد بن أرقم فقال له عبد الله بن عباس يستذكره: كيف أخبرتَني عن لحم صيد أُهدِي إلى رسول الله ﷺ وهو حرام؟ قال: أُهدِي له عضوٌ من لحم صيدٍ فردَّه، وقال: «إنا لا نأكله، إنّا حُرُم». رواه أحمد ومسلم وأبو داود [ق ٢٦٥] وابن ماجه (١). وعن الحسن بن محمد عن عائشة قالت: أُهدِي لرسول الله ﷺ وَشِيقةُ ظبيٍ وهو محرم، ولم يأكله. رواه عبد الرزاق وأحمد في «مسائل عبد الله» (٢)، وقال (٣): قال ابن عيينة: الوشيقة ما طُبِخ وقدِّد. وعن إسحاق بن عبد الله بن الحارث عن أبيه، وكان الحارث خليفة عثمان على الطائف، فصنع لعثمان طعامًا فيه من الحَجَل (٤) واليعاقيب (٥) ولحم الوحش، وبعث إلى علي، فجاءه الرسول وهو يَخبِط (٦) لأباعرَ (٧) له، فجاءه وهو ينفُضُ الخبطَ عن يده، فقالوا له: كلْ، فقال: أطعِموه قومًا حلالًا فإنّا حُرُم، فقال علي: أَنشُد من كان هاهنا من أشجعَ أتعلمون أن رسول الله ﷺ أَهدى إليه رجلٌ حمارَ وحش وهو محرم، فأبى أن يأكله؟ قالوا: نعم.

стр. 2813

رواه أبو داود (١). ورواه أحمد (٢) من حديث علي بن زيد عن عبد الله بن الحارث قال: كان أبي الحارثُ على أمرٍ من أمر مكة في زمن عثمان، فأقبل عثمان إلى مكة، فقال عبد الله بن الحارث: فاستقبلت عثمان بالنزول بقُدَيد، فاصطاد أهل الماء حَجَلًا، فطبخناه بماء وملح، فجعلناه عُراقًا (٣) للثَّريد، فقدَّمناه إلى عثمان وأصحابه فأمسكوا، فقال عثمان: صيدٌ لم نصطده ولم نأمر (٤) بصيده، اصطاده قومٌ حِلٌّ فأَطعَموناه فما بأس، فقال عثمان: من يقول في هذا؟ فقالوا: علي، فبعث إلى علي فجاء. قال عبد الله بن الحارث: فكأني أنظر إلى علي حين جاء يَحُتُّ الخبطَ عن كفَّيه، فقال له عثمان: صيدٌ لم نصِدْه ولم نأمر (٥) بصيده، اصطاده قومٌ حِلٌّ، فأطعموناه فما بأسٌ، فغضب علي وقال: أنشُدُ الله رجلًا شهد رسول الله ﷺ حين أُتي بقائمةِ حمار وحش، فقال رسول الله ﷺ : «إنا قومٌ حُرُم، فأطعِموه أهل [الحل]» (٦)، قال: فشهد اثنا عشر رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ ، ثم قال علي: أنشُد الله رجلًا شهد رسول الله ﷺ حين أُتي ببيضِ النَّعام، فقال رسول الله ﷺ : «إنا قومٌ حُرم،

стр. 2814

أطعِموه أهلَ الحلّ». قال: فشهد دونهم من العدة من الاثني عشر، قال: فثنى عثمان وَرِكَه عن الطعام، فدخل رَحْلَه وأكل ذلك الطعام أهلُ الماء. فهذا الصيد قد كان صُنع لعثمان وأصحابه، وكان عثمان يرى أن ما لم يُعِنْ على صيده بأمرٍ أو فعلٍ فلا بأس به، فلما أخبره علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه لم يقبل ما أهدي إليه، رجع عن ذلك، وكان لا يأكل مما صنع له، فروى عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: رأيت عثمان ﵇ بالعَرْج وهو محرم في يوم صائفٍ وقد غطَّى رأسه بقطيفة أُرْجُوانٍ (١)، ثم أُتي بلحم صيد، فقال لأصحابه: كلوا، قالوا: ولا تأكل أنت؟ قال: إني لست كهيئتكم، إنما صِيْد من أجلي. رواه مالك وغيره (٢). وعن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: خرج أبي مع عثمان إلى مكة، فنزلوا ببعض الطريق وهم محرمون، فقُرِّب إلى عثمان ظبيٌ قد صِيد، فقال لهم: كلوا فإني غير آكله، فقال له عمرو: أتأمرنا بما لستَ آكلَه (٣)؟ فقال عثمان: لولا أني أظن أنما صيد لي وأُميتَ من أجلي لأكلتُ. فأكلوا ولم يأكل عثمان منه شيئًا. رواه سعيد والدارقطني (٤)، ولفظه: «إني لست في ذاك مثلكم، إنما صِيْد لي وأُميتَ باسمي».

стр. 2815

وما نُقل عن عثمان من الرخصة مطلقًا فقد رجع عنه؛ بدليل ما روى سعيد (١) عن بُسْر (٢) بن سعيد أن عثمان ﵁ كان يُصاد له الوحش على المنازل، ثم يذبح فيأكله وهو محرم سنتين من خلافته أو ثلاثة (٣)، ثم إن الزبير كلَّمه فقال: ما أدري ما هذا، يُصاد لنا أو من أجلنا، أن لو تركناه، فتركه. وهذا متأخر عما روى عبد الله بن الحارث عن أبيه قال: حججت مع عثمان ﵁، فأُتي بلحم صيد صاده حلال، فأكل منه، وعليٌّ جالس فلم يأكل، فقال عثمان: والله ما صِدْنا ولا أشرنا ولا أمرنا، فقال علي: ﴿حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] (٤). ثم اتفق رأي عثمان والزبير على أن معنى سنة رسول الله ﷺ أن ما صيد للمحرم لا يأكله، وكان ذلك بعد أن حدَّثه علي والأشجعيون بالحديث، فعُلِم أنهم فهموا ذاك من الحديث. ويدلُّ على ذلك أن ابن عباس هو الذي روى حديث الصعب وحديث زيد، وروى عبد الله في «مسند أبيه» (٥) عن علي قال: أُتي النبي ﷺ بلحم صيدٍ وهو محرم، فلم يأكله. وعن طاوس عن ابن (٦) عباس قال: لا يحلُّ لحم الصيد وأنت محرم.

стр. 2816

وتلا هذه الآية ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾. رواه سعيد وغيره (١). ومع هذا فقد روى سعيد وأحمد (٢) عن عكرمة عن ابن عباس قال: ما صِيدَ قبل أن تُحرِم فكلْ، وما صِيد بعدما تُحرم فلا تأكل. فيُشبِه ــ والله أعلم ــ أن يكون ما صيد بعد حِرْمِه (٣) يخاف أن يكون صِيْد لأجله، بخلاف ما صيد قبل الحِرْم (٤)، [ق ٢٦٦] فتتفق الآثار المروية في ذلك عن الصحابة على تفسير الحديث. وقد روى أحمد (٥) عن سعيد بن المسيب: أن عثمان بن عفان أُتِي بقَطًا مذبوحٍ وهو محرم، فأمر أصحابه أن يأكلوا ولم يأكل، وقال: إنما صِيد لي. وكان عليٌّ يكره ذلك على كل حال. وعن عبد الرحمن بن حاطب أن عثمان كره أكل يعاقيبَ اصِّيْدَتْ له، وقال: إنما اصِّيدَتْ وأُميتت لي (٦). وأما أحاديث الرخصة فما روى عبد الرحمن بن عثمان بن عبد الله

стр. 2817

التيمي وهو ابن أخي طلحة، قال: كنا مع طلحة ونحن حُرُم، فأُهدِي لنا طير وطلحة راقد، فمنّا من أكل ومنّا من تورَّع فلم يأكل، فلما أفاق طلحة وَفَّقَ مَن أكله، وقال: أكلناه مع رسول الله ﷺ . رواه أحمد ومسلم والنسائي (١). وعن عمير بن سلمة الضَّمْري عن رجل من بَهْزٍ أنه خرج مع رسول الله ﷺ يريد مكة، حتى إذا كانوا في بعض وادي الروحاء وجد الناس حمارَ وحشٍ عقيرًا، فذكروه للنبي ﷺ فقال: «أقِرُّوه حتى يأتي صاحبه». فأتى البهزي وكان صاحبه، فقال: يا رسول الله، شأنكم بهذا الحمار، فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر فقسَّمه في الرِّفاق وهم محرمون، قال: ثم مررنا حتى إذا كنا بالأَثَايَةِ (٢) إذا نحن بظبيٍ حاقفٍ (٣) في ظلٍّ فيه سهم، فأمر رسول الله ﷺ رجلًا أن يقف عنده حتى يُجيز الناس عنه. رواه مالك وأحمد والنسائي (٤).

стр. 2818

وعن أبي قتادة قال: كنت يومًا جالسًا مع رجال من (١) أصحاب النبي ﷺ في منزل في طريق مكة، ورسول الله ﷺ أمامنا، والقوم محرِمون، وأنا غيرُ محرم عامَ الحديبية، فأبصروا حمارًا وحشيًّا وأنا مشغول أخصِفُ نعلي، فلم يُؤذِنوني وأحبُّوا لو أني أبصرتُه، والتفتُّ فأبصرته، فقمت إلى الفرس فأسرجتُه، ثم ركبتُ ونسيتُ السوط والرمح، فقلت لهم: ناوِلوني السوط والرمح، فقالوا: والله لا نُعِينك عليه، فغضبتُ فنزلت فأخذتُهما، ثم ركبتُ فشددتُ على الحمار فعقرتُه، ثم جئت به وقد مات، فوقعوا فيه يأكلونه، ثم إنهم شكُّوا في أكلهم إياه وهم حُرُم، فرُحْنا وخبأتُ العضدَ معي، فأدركنا رسول الله ﷺ ، فسألناه عن ذلك فقال: «هل معكم منه شيء؟» فقلت: نعم، فناولتُه العضدَ، فأكلها وهو محرم. وفي رواية: «هو حلال فكلوه». متفق عليه (٢)، وللبخاري (٣): قال: «منكم أحدٌ أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟» قالوا: لا، قال: «فكلوا ما بقي من لحمها». ولمسلم (٤): «هل أشار إليه إنسان منكم أو أمره بشيء؟» قالوا (٥): لا، قال: «فكلوا». وقد روى عبد الرزاق (٦): قثنا معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: خرجت مع رسول الله ﷺ زمنَ الحديبية، وأَحرم أصحابي ولم أُحرم، فرأيت حمارًا فحملتُ عليه فاصطدتُه،

стр. 2819

فذكرت (١) شأنه لرسول الله ﷺ ، وذكرتُ أني لم أكن أحرمت، وأني إنما اصَّدْتُه (٢) لك، فأمر النبي ﷺ أصحابه فأكلوا، ولم يأكل منه حين أخبرته أني اصَّدْتُه (٣) لك (٤). رواه أحمد وابن ماجه والدارقطني (٥). وقال أبو بكر النيسابوري (٦): قوله: «إني اصطدتُه لك»، وقوله: «لم يأكل منه»، لا أعلم أحدًا ذكره في هذا الحديث غير معمر، وهو موافق لما رُوي [عن] (٧) عثمان أنه صِيْد له طائر وهو محرم فلم يأكل. وهذا إسناد جيد، إلا أن الروايات المشهورة فيها أنه أكل منه ﷺ ، فينظر. وعن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أنه أقبل من البحرين حتى إذا كان بالرَّبَذَة وجد ركْبًا من العراق محرمين، فسألوه عن صيد وجدوه عند أهل الربذة، فأمرهم بأكله. قال: ثم إني شككتُ فيما أمرتُهم، فلما قدمت

стр. 2820

المدينة ذكرت ذلك لعمر بن الخطاب، فقال: ماذا أمرتَهم به؟ قال: أمرتُهم (١) بأكله، فقال عمر: لو أمرتَهم بغير ذلك لفعلتُ بك، يتواعده (٢). وعن ابن عمر قال: قدم أبو هريرة من البحرين حتى إذا كان بالربذة سئل عن قوم محرمين أُهدي لهم لحمُ صيدٍ أهداه حلال، فأمرهم بأكله، فلما قدم على عمر ذكر ذلك له، فقال عمر: ما أمرتَهم؟ قال: أمرتُهم بأكله، قال: لو أمرتَهم بغير ذلك لأوجعتُك ضربًا، فقال رجل لابن عمر: أنأكله؟ فقال: أبو هريرة خير مني، وعمر خير مني. رواه سعيد (٣). ورُوي عن الشعبي ومجاهد قالا (٤): إذا رأيتم الناس يختلفون فانظروا ما فعل عمر فاتبعوه (٥). وأيضًا فإن الله سبحانه قال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، والمراد بالصيد نفس الحيوان المَصِيد، لا كما قال بعضهم: إنه مصدر صاد يصيد صيدًا، واصطاد يصطاد اصطيادًا، وأن المعنى: حُرِّم عليكم الاصطياد في حال الإحرام (٦)،

стр. 2821

لوجوه: أحدها: أن الله حيث ذكر الصيد، فإنما يعني به ما يصاد، كقوله: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا [ق ٢٦٧] لَكُمْ﴾، وإنما يستمتعون (١) بما يُصاد لا بالاصطياد. وقوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ بعد قوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١]. الثاني: أن التحريم والتحليل في مثل هذا (٢) إنما يضاف إلى الأعيان، وإن (٣) كان المراد أفعال المكلفين، كقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٥]، ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ ... غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾، ﴿يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وهذا كثير في القرآن والحديث. ثم قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾ [المائدة: ٩٦]، فعُلم أن المراد نفس المصيد. الثالث: أن قوله: ﴿صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ المراد به ما يُصاد منه؛ لأنه عطف عليه، وطعامُه: مالحُه وطافِيه، فلا بدَّ أن يكون المقرون بالطعام هو النوع الآخر وهو الرطب المصيد (٤)؛ ولأنه قال: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ﴾ وإنما يُستمتع بنفس ما

стр. 2822

يُصاد لا بالفعل، فإذا كان صيد البحر قد عُني به المصيد (١)، فكذلك صيد البر؛ لأنه مذكور في مقابلته. الرابع: أن الصحابة فسَّروه بذلك كما تقدم عنهم، ولم يُنقل عن مثلهم خلاف في ذلك. الخامس: أن الفعل لا يضاف إلى البر والبحر إلا على تكلُّف، بأن يقال: الصيد في البر والصيد في البحر، ثم ليس مستقيمًا؛ لأن الصائد لو كان في البحر وصيده في البر لحرم عليه الصيد، ولو كان بالعكس لحلَّ له، فعُلِم أن العبرة بمكان الصيد الذي هو الحيوان لا بمكان الاصطياد الذي هو الفعل. السادس: أنه إذا أطلق صيد البر وصيد البحر فُهِم منه الصيد البري والبحري، فيجب حملُ الكلام على ما يُفهم منه، وإذا كان المعنى: حُرِّم عليكم الصيد الذي في البر، فالتحريم إذا أضيف إلى العين (٢) كان المراد الفعل فيها. وقد فسَّرت سنة رسول الله ﷺ أن المراد فعلٌ يكون سببًا إلى هلاك الصيد، وأكلُ صيدٍ يكون للمحرم سببٌ في قتله بما ذكرنا عنه ﷺ ، كما فسّر قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] على اجتناب الفروج خاصةً. ودلَّ على ذلك أشياء: أحدها: أنه إنما حرم أكل الصيد؛ لأن إباحته تُفْضي إلى قتله، ولهذا بدأ الله سبحانه بالنهي عن قتله، فقال: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، ثم أتبعه بقوله:

стр. 2823

﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾، فالمقصود من التحريم: استحياء الصيد واستبقاؤه من المحرمين، وأن لا يتعرَّضوا له بأذى، ولهذا إذا قتلوه حرم عليهم وعلى غيرهم، قطعًا لطمع الانتفاع به إذا قتله المحرم بوجه من الوجوه، فإذا كان الحلال هو الذي قد صاده كما أباحه الله له وذكَّاه لم يقع شيء من الفعل المكروه، فلا وجه للتحريم على المحرم. وخرج على هذا ما إذا كان قصد الحلال اصطياده للحرام، فإن المحرم صار له سبب في قتل الصيد وإن لم يقصده، فإذا علم الحلال أن ما صاده الحلال (١) لا يحل، كفَّ الحلال عن الاصطياد لأجل الحرام، فلم يبقَ للمحرم سببٌ في قتله بوجه من الوجوه، وصار وجود المحرم في قتل الصيد كعدمه. الثاني: أن الصيد اسم للحيوان الذي يُصاد، وهذا إنما يتناوله إذا كان حيًّا، فأما بعد الموت فلم يُصَدْ، فإذا صاد المحرم الصيد وأكله، فقد أكل لحم الصيد وهو محرم، أما إذا كان قد صِيْد قبل إحرامه، أو صاده حلالٌ لنفسه ثم جاء به قَدِيدًا أو شِواءً أو قَدِيرًا، فلم يعترض المحرم لصيد البر، وإنما تعرض لطعامه، وقد فرَّق الله بين صيد البحر وطعامه، فعلم أن الصيد هو ما اصطِيدَ منه، والطعام ما لم يُصْطَدْ منه، إما لكونه قد طفا أو لكونه قد ملُح، ثم إنما حُرِّم على المحرم صيد البر خاصة دون طعام صيد، فعُلِم أنه إنما حرم ما اصطيد في حال الإحرام. فإذا كان قد اصطاده هو أو اصطيد (٢) لأجله فقد صار للمحرم سببٌ في

стр. 2824

قتله حين هو صيد، فلا يحلُّ له (١). أما إذا صاده الحلال وذبحه لنفسه، ثم أهداه أو باعه للمحرم فلم يصادفه المحرم إلا وهو طعام لا صيد، فلا يحرم عليه، وهذا بيِّن حسن. وقد روي عن عروة عن الزبير أنه كان يتزوَّد صفيفَ الظباء في الإحرام، رواه مالك (٢). الثالث: أن الله إنما حرَّم الصيد ما دمنا حُرُمًا، ولو أحلَّ الرجل وقد صاد صيدًا أو قتله وهو محرم لحرم عليه بعد الإحرام، فعلم أن المقصود تحريمه إذا كان صيدًا وقت الإحرام، فإذا صيد قبل الإحرام أو صاده غير محرم، فلم يتناول الصيد وقت الإحرام، ولا تناوله أحد بسبب محرم، فلا يكون حرامًا في حال الإحرام، كما أنه لو تناوله أحد في حال الإحرام كان حرامًا في حال الإحلال. الرابع: أن الصيد اسم مشتقٌّ من فعل؛ لأن معناه المصيد. الخامس: أن الله [ق ٢٦٨] لو أراد تحريم أكله لقال: ولحم الصيد، كما قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، وذلك أن المحرَّم إذا كان لا حياة فيه كالدم والميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردّية والنطيحة أضيف التحريم إلى عينه؛ للعلم بأن المراد الأكل ونحوه. أما إذا كان حيًّا فلو قيل: والخنزير، لم يُدْرَ ما المحرَّم منه؛ أهو قتلُه أو أكلُه أو غير ذلك، فلما قيل: ولحم الخنزير عُلم أن المراد تحريم الأكل

стр. 2825

ونحوه. فلما قال في الصيد: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾ [المائدة: ٩٦]؛ عُلِم أن المراد تحريمُ قتله وتحريمُ الأكل الذي يفضي إباحته إلى قتله، لا مطلق تحريم أكل لحمه، وهذا حسنٌ لمن تأمله. فعلى هذا إذا صِيد من أجل مُحرِم بعينه جاز لغيره من المحرمين الأكلُ منه. ذكره أصحابنا القاضي [وغيره] (١). قال في رواية عبد الله (٢): المحرم إذا اصِّيْدَ الصيدُ من أجله لا يأكله المحرم؛ لأنه من أجله صِيد، ويأكله غيره، ولا بأس أن يأكل المحرم من الصيد الذي لم يُصَد من أجله إذا صاده حلال. وقد أخذ بحديث عثمان، وفيه: أنه أمر أصحابه بأكله ولم يأكل هو. وكذلك في الحديث المرفوع إن كان محفوظًا. ولأن قوله ﷺ : «صيد البر حلال لكم وأنتم حُرُم ما لم تصيدوه أو يُصَدْ لكم» دليل على أن المحرم إذا لم يَصِدْه هو (٣) ولا صِيدَ له، فهو حلال وإن صِيْدَ لمحرِم آخر؛ ولأنه إذا لم يُصَدْ (٤) لهذا المحرم لم يكن له سبب في قتله. فأما إن كان الصيد لنوع المحرِمين، مثل أن يكون أهل المياه والأعراب وغيرهم يُعِدُّون لحم الصيد لمن يمرُّ بهم من المحرمين يبيعونهم أو يُهدون لهم ... (٥)، وكذلك إذا صادوه للرئيس وأصحابه.

стр. 2826

وإن كانوا قد صادوه ليبيعوه (١) على المحرمين وغيرهم إذا اتفق، وإنما يتفق غالبًا المحرمُ، مثل مرارة الضبع التي تشتريه الناس من الأعراب ... (٢). ف إذا أكل الصيد مَن صِيْد لأجله من المحرمين وجب عليه الجزاء ، كما لو أعان على قتله بدلالة أو إشارة؛ لأن هذا الأكل إتلافٌ ممنوع منه لحقّ الإحرام. فضمنه بالجزاء كما لو قتله، بخلاف أكل لحم الصيد الذي قتله، فإن ذاك إنما يحرم لكونه ميتة. فإن أتلف الصيد الذي صِيْد لأجله بإحراقٍ ونحوه بإذن ربه، ففيه وجهان: أحدهما: يضمنه كالأكل. والثاني: وهو أظهر، لا يضمنه؛ لأنه لم ينتفع على الوجه الذي قصد لأجله، وهو في (٣) نفسه ليس بصيد محترم، فأشبه ما لو حرق الطيب ولم يتطيَّب به، وهذا لأنه إذا أكله فكأنه قد أعان على قتله بموافقة قصد الصائد، فيصير ذلك ذريعة إلى قتل الصيد بسبب المحرمين. أما إذا أحرقه فليس ذلك مقصود الصائد. وسائر وجوه الانتفاع من اللبس والتداوي ونحو ذلك مثل الأكل، وما لا منفعة أصلًا مثل الإحراق.

стр. 2827

فصل وكما يحرم قتل الصيد تحرم الإعانة عليه بدلالة أو إشارة أو إعارةِ آلةٍ لصيده أو لذبحه. وإذا أعان على قتله بدلالة أو إشارة أو إعارة آلة ونحو ذلك، فهو كما لو شَرِكَ في قتله، فإن كان المُعان حلالًا فالجزاء جميعه على المحرم، وإن كان حرامًا اشتركا فيه؛ لما تقدم في حديث أبي قتادة أنه قال: فأبصَروا حمارًا وحشيًّا وأنا مشغول أخصِفُ نعلي، فلم يؤذنوني، وأحبُّوا لو أني أبصرته، والتفتُّ فأبصرته، فقمت إلى الفرس فأسرجتُه، ثم ركبت ونسيت السوط والرمح، فقلت لهم ناولوني السوطَ والرمح، فقالوا: والله لا نُعِينك عليه، فغضبتُ فنزلتُ فأخذتُهما ثم ركبت. لفظ البخاري (١). وفي رواية لهما (٢): «فجعل بعضهم يضحك إلى بعض، فنظرتُ فرأيته، فحملتُ عليه الفرس فطعنته، فأثْبتُّه (٣)، فاستعنتُهم فأبوا أن يعينوني» (٤). وفي رواية: «فرأيت أصحابي يتراءون شيئًا، فنظرتُ فإذا حمارُ وحشٍ، يعني فوقعَ سوطه، فقالوا: لا نُعينك عليه بشيء، إنا محرِمون، فتناولتُه فأخذته». هذا لفظ البخاري (٥).

стр. 2828

ولفظ مسلم (١): «فإذا حمارُ وحشٍ، فأسرجتُ فرسي وأخذت رمحي ثم ركبتُ، فسقط مني السوط، فقلت لأصحابي وكانوا محرمين: ناوِلوني السوط، فقالوا: والله لا نُعينك عليه بشيء، فنزلتُ فتناولته». وفي رواية (٢): «فسأل أصحابه أن يُناوِلوه سوطَه فأبوا، فسألهم رمْحَه، فأبوا عليه، فأخذه ثم شدَّ على الحمار فقتله». وفي الحديث (٣): فلما أتوا رسولَ الله ﷺ قالوا: يا رسول الله إنا كنا أحرمنا، وكان أبو قتادة لم يُحرِم، فرأينا حُمُرَ وحشٍ، فحمل عليها أبو قتادة فعقَرَ منها أتانًا، فنزلنا فأكلنا من لحمها، فقلنا: أنأكل لحمَ صيدٍ ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحمها (٤) فقال: «هل معكم أحدٌ أمره أو أشار إليه بشيء؟»، قالوا: لا، قال: «فكلوا ما بقيَ من لحمها». وفي لفظ لمسلم (٥): «هل أشار إليه [ق ٢٦٩] إنسان منكم أو أمره بشيء؟» قالوا: لا، قال: «فكلوا». وللبخاري (٦): «منكم أحدٌ أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟» قالوا: لا، قال: «فكلوا ما بقيَ من لحمها».

стр. 2829

وللنسائي (١): «هل أشرتم أو أعنتم؟» قالوا: لا، قال: «فكلوا». فقد امتنع القوم من دلالته بكلام أو إشارة، ومن مناولته سوطَه أو رمحه وسمَّوا ذلك إعانة، وقالوا: لا نُعينك عليه بشيء إنا محرمون، وما ذاك إلا أنه قد استقرَّ عندهم أن المحرم لا يُعين على قتل الصيد بشيء. قال القاضي (٢): ولا خلاف أن الإعانة توجب الجزاء. والنبي ﷺ قال: «منكم أحدٌ أمرَه أن يَحمِلَ عليها أو أشار إليها؟» فجعل ذلك بمثابة الإعانة على القتل، ولهذا قال: «هل أشرتم أو أعنتم؟». ومعلوم أن الإعانة على القتل توجب الجزاء والضمان، فكذلك الإشارة. وأيضًا ما روي عن عكرمة عن علي وابن عباس في محرِم أشار إلى بيض النعام (٣)، فجعل عليه الجزاء (٤). وعن مجاهد قال: أتى رجل ابنَ عباس فقال: إني أشرتُ بظبيٍ وأنا محرِم، قال: فضمَّنه (٥). وعن ... (٦) أن رجلًا أتى عمر بن الخطاب، فقال له: يا أمير المؤمنين، إني أشرتُ إلى ظبيٍ وأنا محرم، فقتله صاحبي، فقال عمر لعبد الرحمن بن

стр. 2830

عوف: ما ترى؟ قال: أرى عليه شاة، قال: فأنا أرى ذلك (١). رواهنّ النجّاد. مسألة (٢): (السابع: عقْدُ النكاح لا يصحُّ منه، ولا فديةَ فيه) . وجملة ذلك: أن المحرم إن كان رجلًا لا يصح أن يتزوَّج بنفسه ولا وكيله ولا وليّه، بحيث لو وكَّل وهو حلال رجلًا لم يجزْ أن يزوِّجه بعدما يُحرِم الموكِّل، فأما إذا وكّل وهو حرام مَن زوَّجه بعد الحلّ فقال القاضي وابن عقيل: يجوز ذلك. فعلى هذا لو وكَّل وهو حلال ثم أحرم ثم حلَّ جاز أن يزوِّج الوكيل بذلك التوكيل (٣) المتقدم وأولى؛ لأن العبرة بحال العقد، ولأن التصرف بالوكالة الفاسدة جائز؛ لكن هل يجوز الإقدام على التوكيل؟ وإن كانت امرأة لم يجز أن تُزوَّج وهي محرمة بإذن متقدمٍ على الإحرام أو في حال الإحرام؛ لكن إذا أذنت حال الإحرام .... (٤)، وذلك لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ [البقرة: ١٩٧]. وعن عثمان بن عفان أن رسول الله ﷺ قال: «لا يَنْكِح المحرم ولا يُنْكِح ولا يخطُب». رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي (٥).

стр. 2831

وفي رواية (١) عن نُبَيه بن وَهْب: أن عمر بن عبيد الله أراد أن يزوِّج ابنه وهو محرم فنهاه أبان، وزعم أن عثمان حدَّث عن رسول الله ﷺ قال: «المحرم لا يَنكِح ولا يُنكِح». وفي رواية (٢): «أراد ابنُ معمر أن يُنكِح ابنَه بنتَ شيبة بن جُبَير (٣)، فبعثني إلى أبان بن عثمان وهو أمير الموسم، فأتيتُه فقلت: إن أخاك أراد أن يُنكِح ابنَه فأراد أن يُشهِدك ذاك، فقال: أَلا أُراه عراقيًّا جافيًا؛ إن المحرم لا يَنكِح ولا يُنكِح، ثم حدَّث عن عثمان بمثله يرفعه». رواهما أحمد بإسناد صحيح. وفي رواية عن نافع عن نُبَيه مثله، قال نافع: وكان ابن عمر يقول هذا القول، ولا يرفعه إلى النبي ﷺ . رواه سعيد بن أبي عروبة في «المناسك» (٤). وعن أيوب بن عتبة قثنا عكرمة بن خالد، قال: سألت عبد الله بن عمر عن امرأة أراد أن يتزوجها رجل وهو خارج من مكة فأراد أن يعتمر أو يحج، فقال: لا يتزوجها وهو محرم، نهى رسول الله ﷺ عنه. رواه أحمد وأبو بكر النيسابوري (٥).

стр. 2832

وروى سعيد (١) قثنا عمرو بن الحارث عن أيوب بن موسى عن عكرمة بن خالد المخزومي أن ابن عمر نهاه أن ينكح وهو محرم. وروى النفيلي قثنا مسلم بن خالد الزنجي عن إسماعيل عن نافع (٢) عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «المحرم لا يَنكح ولا يُنكح». قال النفيلي: هذا حديث منكر، وهذا رجل ضعيف، الزنجي. رواه الخلال عن الميموني عنه في «العلل» (٣). وعن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: «لا يتزوَّجُ المحرمُ ولا يزوِّج». رواه الدارقطني (٤). وأيضًا فقد عمل بذلك الخلفاء الراشدون وغيرهم من أكابر الصحابة، فعن [أبي] (٥) غطفان بن طَرِيف المُرِّي أن أباه طَرِيفًا تزوج امرأة (٦) وهو محرم، فردَّ عمر بن الخطاب نكاحه (٧).

стр. 2833

وعن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: لا يَنكِح ولا يخطب على نفسه ولا على غيره (١). رواهما مالك وغيره. وعن الحسن أن عليًّا قال: من تزوّج وهو محرم نزعنا منه امرأته ولا نُجِيز نكاحه. رواه ابن أبي عروبة وأبو بكر النيسابوري من حديث قتادة عنه (٢). وعن شَوذَب مولى زيد بن ثابت أنه تزوّج وهو محرم، ففرَّق بينهما زيد بن ثابت. رواه عبد الله بن أحمد (٣)، وقال: قرأت على أبي: يتزوج المحرم؟ قال: لا يتزوج، قال: يُروى عن عمر وعلي: يُفرَّق بينهما، وزيد بن ثابت قال: يُفرَّق بينهما، وابن عمر قال: لا يَنكح ولا يُنكح. وروي عن عثمان بن عفان عن النبي ﷺ قال: «لا يَنكِح المحرم ولا يُنكِح». وهؤلاء أكابر الصحابة [ق ٢٧٠] لم يُقدِموا على إبطال نكاح المحرم والتفريق بينهما إلا بأمر بيّنٍ وعلمٍ اطلعوه ربما يخفى على غيرهم، بخلاف من نُقِل عنه إجازة نكاح المحرم، فإنه يجوز أن يبني على استصحاب الحال. فإن قيل: فقد روى ابن عباس أن النبي ﷺ تزوَّج ميمونة وهو محرم. رواه

стр. 2834

الجماعة (١)، وفي رواية للبخاري (٢): «وبنى بها وهو حلال، وماتت بسَرِفَ». وللبخاري تعليقًا (٣): «تزوَّج النبي ﷺ ميمونة في عمرة القضاء» (٤). وفي رواية للنسائي (٥): «جعلتْ أمرها إلى العباس فأنكحَها إياه». وفي رواية عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ تزوَّج ميمونة بنت الحارث وهما محرمان. رواه أحمد (٦) من حديث حماد بن سلمة عن حميد عنه. وعن الشعبي وعطاء وعكرمة أن رسول الله ﷺ تزوَّج ميمونة وهو محرم. ولفظ الشعبي: «احتجم وهو محرِم، وتزوَّج الهلالية وهو محرِم». رواهن سعيد (٧). وعن أبي هريرة وعائشة ... (٨).

стр. 2835

وعن عكرمة عن ابن عباس أنه كان لا يرى به ــ يعني بنكاح المحرم ــ بأسًا، ويحدِّث أن رسول الله ﷺ تزوَّج ميمونة بنت الحارث وهو محرم (١) بسَرِفَ، وبنى بها لما رجع بذلك الماء. رواه سعيد بن أبي عروبة (٢) عن يعلى بن حكيم (٣) عنه. ويؤيّد ذلك أن النبي ﷺ اعتمر عمرة القضية من ذي الحليفة، فإنه لم يجزها بغير إحرام قط، وكانت ميمونة بمكة، وقد .... (٤) روي أنه قال لأهل مكة: «دعوني أُعرِّسْ بينكم لتأكلوا من وليمتها»، فقالوا: لا حاجة لنا في وليمتك، فاخرجْ من عندنا، فخرجَ حتى أتى سَرِفَ (٥) وعرَّسَ (٦) بها» (٧).

стр. 2836

قيل عنه أجوبة: أحدها: أنه قد روى يزيد بن الأصمّ عن ميمونة أن رسول الله ﷺ تزوَّجها وهو (١) حلال، قال: «وكانت خالتي وخالة ابن عباس». رواه مسلم وابن ماجه (٢). وفي رواية لأحمد والترمذي والبَرْقاني (٣) عن يزيد عن ميمونة أن رسول الله ﷺ تزوَّجها حلالًا وبنى بها حلالًا، وماتت بسَرِف، فدفنّاها في الظُلَّة (٤) التي بنى بها فيها. وفي رواية لأبي داود (٥): «تزوَّجني ونحن حلالانِ بسَرِفَ». وعن أبي رافع مولى رسول الله (٦) ﷺ أن رسول الله تزوَّج ميمونة حلالًا، وبنى بها حلالًا، وكنتُ الرسولَ بينهما. رواه أحمد والترمذي (٧)،

стр. 2837

وقال: «حديث حسن، ولا نعلم أحدًا أسنده غيرَ حماد بن زيد عن مطر [عن ربيعة] (١)، ورواه مالك (٢) عن ربيعة عن سليمان أن النبي ﷺ ، مرسلًا، ورواه سليمان بن بلال عن ربيعة مرسلًا». وهذه الرواية مقدَّمة على رواية ابن عباس لوجوه: أحدها: أنها هي المنكوحة، وهي أعلم بالحال التي تزوَّجها رسول الله ﷺ فيها ــ هل كان (٣) في حال إحرامه أو في غيرها ــ من ابن عباس. الثاني: أن أبا رافع كان الرسولَ بينهما، وهو المباشر للعقد، فهو أعلم بالحال التي وقع فيها من غيره. الثالث: أن ابن عباس كان إذ ذاك صبيًّا له نحو من عشر سنين، وقد يخفى على مَن هذه سِنُّه تفاصيلُ الأمور التي جرت في زمنه؛ أما أولًا: فلعدم كمال الإدراك والتمييز، وأما ثانيًا: فلأنه لا يداخل في هذه الأمور ولا يباشرها، وإنما يسمعها من غيره، إما في ذلك الوقت أو بعده. الرابع: أن السلف طعنوا في رواية ابن عباس هذه، فروى أبو داود (٤)

стр. 2838

عن سعيد بن المسيب قال: وهم ابن عباس في قوله: «تزوَّج ميمونة وهو محرم». وقال أحمد في رواية أبي الحارث (١) وقد سئل عن حديث ابن عباس: هذا الحديث خطأ. وقال في رواية المرُّوذي (٢): أذهب إلى حديث نُبيه بن وهب، فقال له المرُّوذي: إن أبا ثور قال لي: بأي شيء تدفع حديث ابن عباس؟ فقال أبو عبد الله: الله المستعان، قال سعيد بن المسيب: وهم ابن عباس، وميمونة تقول: تزوَّج وهو حلال، وقال: إن كان ابن عباس ابنَ أخت ميمونة فيزيد بن الأصم ابنُ أخت ميمونة، وقال أبو رافع: كنتُ السفيرَ بينهما. وعمر بن الخطاب يفرِّق بينهما. وقال (٣): هذا بالمدينة لا يُنكِرونه. وقال ميمون بن مهران: أرسل إليَّ عمر بن عبد العزيز أن سَلْ يزيد بن الأصم كيف تزوَّج رسول الله ﷺ ميمونة، فسألتُه فقال: تزوَّجها وهو حلال. رواه سعيد (٤). وقال عمرو بن دينار: أخبرتُ الزهري به، يعني بحديثه عن جابر بن زيد (٥) عن ابن عباس، فقال: أخبرني يزيد بن الأصم ــ وهي خالته ــ أن رسول الله ﷺ

стр. 2839

تزوَّجها وهو حلال. رواه مسلم (١). فهذا سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز والزهري، وهو قول أبي بكر بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار وعامة علماء المدينة، وهم أعلمُ الناس بسنة ماضية، وأبحثُهم عنها، قد استبان لهم أن الصواب رواية من روى أنه تزوَّجها حلالًا، وكذلك سليمان بن يسار يقول ذلك وهو مولاها. الخامس: أن الرواة (٢) بأنه تزوَّجها [ق ٢٧١] حلالًا كثيرون. فهي منهم، وأبو رافع. وعن ميمون بن مِهْران عن صفية بنت شيبة ــ وكانت عجوزًا ــ أن النبي ﷺ ملك ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وخطبها وهو حلال. ذكره القاضي (٣). [و] (٤) عن ميمون بن مهران قال: أتيت صفية ابنة شيبة امرأة كبيرة فقلت لها: أتزوَّج رسول الله ﷺ ميمونة وهو محرم؟ قالت: لا والله، ولقد تزوَّجها وهما حلالان. رواه ابن أبي خيثمة (٥). ورواه من التابعين خلق كثير.

стр. 2840

وأما الرواية الأخرى فلم تُرْوَ (١) إلا عن ابن عباس، وعن أصحابه الذين أخذوها عنه، قال ابن عبد البر (٢): ما أعلم أحدًا من الصحابة رُوي عنه أنه ﵇ نكح ميمونة وهو محرم إلا ابن عباس. وإذا كان أحد الخبرين أكثرَ نقَلَةً ورُواةً قُدِّم على مخالفه، فإنَّ تطرُّق الوهم والخطأ إلى الواحد أولى من تطرقه إلى العدد، لا سيما إذا كان العدد أقربَ إلى الضبط وأجدرَ بمعرفة باطن الحال. السادس: أن في رواية عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ تزوَّجها وهما محرمان (٣)، وأن عقد النكاح كان بسرِفَ، ولا ريب أن هذا غلط، فإن عامة أهل السير ذكروا (٤) أن ميمونة كانت قد بانت من زوجها بمكة، ولم تكن مع النبي ﷺ في عمرته، فإنه لم يَقدَمْ بها من المدينة، وإذا كانت مقيمة بمكة فكيف تكون محرمةً معه بسرِفَ؟ أم كيف ــ وإنما بعث إليها جعفر بن أبي طالب ــ خطَبَها؟ وهو يُوهّن الحديث ويعلّله. السابع: أن النبي ﷺ تزوَّجها في عمرة القضية في خروجه، ورجع بها معه من مكة، وإنما كان يُحرم من ذي الحليفة، فيُشبِه أن تكون الشبهة دخلت على من اعتقد أنه تزوَّجها محرمًا من هذه الجهة، فإن ظاهر الحال
следующие страницы →