← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

قيل عنه أجوبة: أحدها: أنه قد روى يزيد بن الأصمّ عن ميمونة أن رسول الله ﷺ تزوَّجها وهو (١) حلال، قال: «وكانت خالتي وخالة ابن عباس». رواه مسلم وابن ماجه (٢). وفي رواية لأحمد والترمذي والبَرْقاني (٣) عن يزيد عن ميمونة أن رسول الله ﷺ تزوَّجها حلالًا وبنى بها حلالًا، وماتت بسَرِف، فدفنّاها في الظُلَّة (٤) التي بنى بها فيها. وفي رواية لأبي داود (٥): «تزوَّجني ونحن حلالانِ بسَرِفَ». وعن أبي رافع مولى رسول الله (٦) ﷺ أن رسول الله تزوَّج ميمونة حلالًا، وبنى بها حلالًا، وكنتُ الرسولَ بينهما. رواه أحمد والترمذي (٧)،

стр. 2837

وقال: «حديث حسن، ولا نعلم أحدًا أسنده غيرَ حماد بن زيد عن مطر [عن ربيعة] (١)، ورواه مالك (٢) عن ربيعة عن سليمان أن النبي ﷺ ، مرسلًا، ورواه سليمان بن بلال عن ربيعة مرسلًا». وهذه الرواية مقدَّمة على رواية ابن عباس لوجوه: أحدها: أنها هي المنكوحة، وهي أعلم بالحال التي تزوَّجها رسول الله ﷺ فيها ــ هل كان (٣) في حال إحرامه أو في غيرها ــ من ابن عباس. الثاني: أن أبا رافع كان الرسولَ بينهما، وهو المباشر للعقد، فهو أعلم بالحال التي وقع فيها من غيره. الثالث: أن ابن عباس كان إذ ذاك صبيًّا له نحو من عشر سنين، وقد يخفى على مَن هذه سِنُّه تفاصيلُ الأمور التي جرت في زمنه؛ أما أولًا: فلعدم كمال الإدراك والتمييز، وأما ثانيًا: فلأنه لا يداخل في هذه الأمور ولا يباشرها، وإنما يسمعها من غيره، إما في ذلك الوقت أو بعده. الرابع: أن السلف طعنوا في رواية ابن عباس هذه، فروى أبو داود (٤)

стр. 2838

عن سعيد بن المسيب قال: وهم ابن عباس في قوله: «تزوَّج ميمونة وهو محرم». وقال أحمد في رواية أبي الحارث (١) وقد سئل عن حديث ابن عباس: هذا الحديث خطأ. وقال في رواية المرُّوذي (٢): أذهب إلى حديث نُبيه بن وهب، فقال له المرُّوذي: إن أبا ثور قال لي: بأي شيء تدفع حديث ابن عباس؟ فقال أبو عبد الله: الله المستعان، قال سعيد بن المسيب: وهم ابن عباس، وميمونة تقول: تزوَّج وهو حلال، وقال: إن كان ابن عباس ابنَ أخت ميمونة فيزيد بن الأصم ابنُ أخت ميمونة، وقال أبو رافع: كنتُ السفيرَ بينهما. وعمر بن الخطاب يفرِّق بينهما. وقال (٣): هذا بالمدينة لا يُنكِرونه. وقال ميمون بن مهران: أرسل إليَّ عمر بن عبد العزيز أن سَلْ يزيد بن الأصم كيف تزوَّج رسول الله ﷺ ميمونة، فسألتُه فقال: تزوَّجها وهو حلال. رواه سعيد (٤). وقال عمرو بن دينار: أخبرتُ الزهري به، يعني بحديثه عن جابر بن زيد (٥) عن ابن عباس، فقال: أخبرني يزيد بن الأصم ــ وهي خالته ــ أن رسول الله ﷺ

стр. 2839

تزوَّجها وهو حلال. رواه مسلم (١). فهذا سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز والزهري، وهو قول أبي بكر بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار وعامة علماء المدينة، وهم أعلمُ الناس بسنة ماضية، وأبحثُهم عنها، قد استبان لهم أن الصواب رواية من روى أنه تزوَّجها حلالًا، وكذلك سليمان بن يسار يقول ذلك وهو مولاها. الخامس: أن الرواة (٢) بأنه تزوَّجها [ق ٢٧١] حلالًا كثيرون. فهي منهم، وأبو رافع. وعن ميمون بن مِهْران عن صفية بنت شيبة ــ وكانت عجوزًا ــ أن النبي ﷺ ملك ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وخطبها وهو حلال. ذكره القاضي (٣). [و] (٤) عن ميمون بن مهران قال: أتيت صفية ابنة شيبة امرأة كبيرة فقلت لها: أتزوَّج رسول الله ﷺ ميمونة وهو محرم؟ قالت: لا والله، ولقد تزوَّجها وهما حلالان. رواه ابن أبي خيثمة (٥). ورواه من التابعين خلق كثير.

стр. 2840

وأما الرواية الأخرى فلم تُرْوَ (١) إلا عن ابن عباس، وعن أصحابه الذين أخذوها عنه، قال ابن عبد البر (٢): ما أعلم أحدًا من الصحابة رُوي عنه أنه ﵇ نكح ميمونة وهو محرم إلا ابن عباس. وإذا كان أحد الخبرين أكثرَ نقَلَةً ورُواةً قُدِّم على مخالفه، فإنَّ تطرُّق الوهم والخطأ إلى الواحد أولى من تطرقه إلى العدد، لا سيما إذا كان العدد أقربَ إلى الضبط وأجدرَ بمعرفة باطن الحال. السادس: أن في رواية عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ تزوَّجها وهما محرمان (٣)، وأن عقد النكاح كان بسرِفَ، ولا ريب أن هذا غلط، فإن عامة أهل السير ذكروا (٤) أن ميمونة كانت قد بانت من زوجها بمكة، ولم تكن مع النبي ﷺ في عمرته، فإنه لم يَقدَمْ بها من المدينة، وإذا كانت مقيمة بمكة فكيف تكون محرمةً معه بسرِفَ؟ أم كيف ــ وإنما بعث إليها جعفر بن أبي طالب ــ خطَبَها؟ وهو يُوهّن الحديث ويعلّله. السابع: أن النبي ﷺ تزوَّجها في عمرة القضية في خروجه، ورجع بها معه من مكة، وإنما كان يُحرم من ذي الحليفة، فيُشبِه أن تكون الشبهة دخلت على من اعتقد أنه تزوَّجها محرمًا من هذه الجهة، فإن ظاهر الحال

стр. 2841

أنه تزوّجها في حال إحرامه. أما من روى أنه تزوّجها حلالًا فقد اطلع على حقيقة الأمر وأخبر به، فإما أن يكون تزوَّجها قبل الإحرام أو بعد قضاء عمرته، لا سيما ومن روى أنه تزوَّجها قبل الإحرام معه مزيدُ علمٍ. وقد روى مالك (١) عن ربيعة عن سليمان بن يسار أن رسول الله ﷺ بعث مولاه أبا رافع ورجلًا من الأنصار، فزوَّجاه ميمونة بنت الحارث ورسول الله ﷺ بالمدينة قبل أن يخرج. ورواه الحميدي (٢) عن عبد العزيز بن محمد عن ربيعة عن سليمان بن يسار أن رسول الله ﷺ بعث العباس بن عبد المطلب وأبا رافع، فزوَّجاه بسرِفَ وهو حلال بالمدينة. وهذا فيه نظر، وهذا الحديث وإن كان مرسلًا فهو يقوى من وجهين (٣): أحدهما: أن سليمان بن يسار هو مولاها، فمثله قد يطلع على باطن حالها، ومعه مزيدُ علمٍ خفي على غيره. الثاني: أنه هو الذي روى حديث أبي رافع عنه كما تقدم، وأهل الحديث يعدُّونه حديثًا واحدًا، أسنده سليمان تارةً، وأرسله أخرى، فيعلم أنه

стр. 2842

تلقَّى هذا الحديث عن أبي رافع، وهو كان الرسولَ في النكاح. وقد روى يونس بن بكير (١) عن جعفر بن بُرقان عن ميمون بن مِهران عن يزيد بن الأصمّ قال: تزوَّج رسول الله ﷺ ميمونة وهو حلال، بعث إليها الفضل بن العباس ورجل معه، فزوَّجوه إياها. وهذا يوافق الذي قبله في تقدُّم النكاح، ويخالفه في تسمية أحد الرجلين. فإن قيل: فقد تقدم في (٢) رواية أبي داود (٣) من حديث حماد بن سلمة عن حبيب بن الشهيد عن ميمون بن مهران عن يزيد بن الأصم عن ميمونة قالت: تزوجني رسول الله ﷺ ونحن حلالان بسَرِفَ. وفي رواية: «بسَرِفَ ونحن حلالٌ بعدما رجعنا من مكة». رواه أحمد (٤). وهذا لا يكون (٥) إلا بعد العمرة وهو قافلٌ من مكة إلى المدينة. وقد روى الأوزاعي قال: حدثنا عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم. قال سعيد بن المسيب: وهم ابن عباس وإن كانت خالتَه، وتزوج رسول الله ﷺ بعدما حلَّ. رواه ابن عبد البر (٦).

стр. 2843

وقال ابن إسحاق: حدثني ثقة (١) عن ابن المسيّب أنه قال: هذا عبد الله بن عباس يزعم أن رسول الله ﷺ نكح ميمونة وهو محرم، وكذبَ، وإنما قدِمَ رسول الله ﷺ مكة، فكان الحلُّ والنكاح جميعًا، فشُبِّه ذلك على الناس (٢). وهذا يدلُّ على أن من روى أنه تزوجها حلالًا اعتقد تأخُّر العقد عن الإحرام، وابن عباس أخبر بوقوعه قبل ذلك، فيكون هو الذي قد اطلع على ما خفي على غيره. ويؤيد ذلك ما روى سُنَيد (٣) عن زيد (٤) بن الحباب عن أبي معشر عن شُرحبيل بن سعد قال: لقي العباس بن عبد المطلب رسول الله ﷺ بالجحفة حين اعتمر عمرة القضية، فقال له العباس: يا رسول الله (٥) تأَيَّمتْ (٦) ميمونة

стр. 2844

بنت الحارث بن حرب من (١) أبي [ق ٢٧٢] رُهْم بن عبد العزّى، فهل لك في أن تزوَّجَها؟ فتزوّجها رسول الله ﷺ وهو محرم، فلما أن قدم مكة أقام ثلاثًا، فجاءه سهيل بن عمرو في نفر من أصحابه من أهل مكة، فقال: يا محمد اخرجْ عنا، اليوم آخرُ شرطِك، فقال: «دعوني أبتني بامرأتي وأصنع لكم طعامًا»، فقال: لا حاجة لنا بك ولا بطعامك، اخرج عنا. فقال له سعد: يا عاضَّ بَظْرِ أمِّه! أرضُك وأرضُ أمك دونه، لا يخرج رسول الله ﷺ إلا أن يشاء! فقال رسول الله ﷺ : «دَعْهم فإنهم زارونا (٢) لا نؤذيهم»، فخرج (٣) فبنى بها بسَرِفَ. وروى ابن إسحاق (٤) قال: حدثني أبان بن صالح وعبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد وعطاء عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة بنت الحارث في سَفْرته في هذه العمرة، وكان الذي زوَّجه العباس بن عبد المطلب، فأقام رسول الله ﷺ ثلاثًا، فأتاه حُويطب بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد وُدّ في نفرٍ من قريش، وكانت قريش قد وكَّلتْه بإخراج رسول الله ﷺ من مكة، فقالوا: قد انقضى أجلُك فاخرج عنا، فقال لهم: «لو تركتموني فعرَّستُ بين أظهركم، وصنعنا طعامًا فحضرتموه (٥)» فقالوا: لا حاجة لنا بطعامك فاخرجْ عنا. فخرج وخلَّف أبا رافع مولاه على ميمونة

стр. 2845

حتى أتاه بها بسَرِفَ، فبنى عليها رسول الله ﷺ هنالك. وقد ذكر البخاري بعض هذا الحديث تعليقًا (١)، فقال: وزاد ابن إسحاق: حدثني ابن نجيح وأبان بن صالح عن عطاء ومجاهد عن ابن عباس: «تزوج النبي ﷺ ميمونة في عمرة القضاء». فقد اضطربت هذه الروايات في وقت تزوُّجه، فمِن قائلٍ إنه تزوَّجها قبل الإحرام، ومن قائلٍ عقبَ الحلّ بمكة، ومن قائلٍ بسرِفَ وهما حلالان، إما قبل الإحرام أو بعد رجوعه إلى المدينة. ثم أجود ما فيها حديث يزيد بن الأصمّ عن ميمونة، وحديث سليمان بن يسار عن أبي رافع، وقد رُوِيا مرسلينِ من وجوه هي أقوى من رواية من أسند، وهذه علة فيهما إن لم توجب الردَّ فإنها توجب ترجيح (٢) حديث ابن عباس الذي هو أصح إسنادًا. قال عمرو بن دينار: حدثتُ (٣) ابنَ شهاب عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ نكح ميمونة وهو محرم، فقال ابن شهاب: حدثني يزيد بن الأصم أن رسول الله ﷺ تزوَّج ميمونة وهو حلال، قال عمرو: فقلت لابن شهاب: أتجعل حفظ ابن عباس كحفظ أعرابي يبول على عقبيه؟ (٤). قيل (٥): أما رواية من روى أنه تزوَّجها وهما حلالان بسَرِفَ ــ إن كانت

стр. 2846

محفوظة ــ فإن معناها والله أعلم أنه بنى بها ودخل بها بسرف، كما فسّرت ذلك جميع الروايات، فإنها كلها متفقة على أنه بنى بها بعد منصَرَفه من عمرته بسرف، وأكثر الروايات على أن عقد النكاح تقدَّم على ذلك، وقد تقدم أنه أراد أن يبني بها بمكة، اللهم إلا أن يكون تقدم الخِطبة والركون (١)، ولم يعقد العقد إلا بسرف حين البناء؛ فإن هذا ممكن، وعلى هذا حمل القاضي (٢) الروايتين، وفسَّر قوله: «دعوني أُعرِّس»، معناه: أعقِد وأعرِّس، فلما منعوه خرج إلى سرِفَ فعقدَ وعرَّس (٣). وأما رواية من روى أنه تزوَّجها قبل الإحرام أو بعده، فإما أن يكون الأول هو المطلع على حقيقة الأمر وخفي على الثاني، فإن ذاك مُثبِت وهذا نافٍ، لاسيما وسليمان بن يسار ويزيد بن الأصم أعلم بهذه القضية من غيرهما، ثم لم يتحدث بالعقد ولم يظهر إلا بعد مقدَمِه مكة وانقضاء عمرته، ومن هنا اعتقد من اعتقد أن العقد وقع في أثناء الإحرام. وقد ذكر هذا القاضي (٤)، وقال: هذا تأويل جيد. أو أن يكون (٥) بعث أبا رافع ومن معه فخطبا له، ووقع الاتفاق والمواطأة على العقد، ثم لم يعقد إلا بعد الإحرام. وأما كونهما قد رُوِيا مرسَلينِ، وكون يزيد بن الأصم لا يَعدِل ابنَ عباس= فليس بشيء، فإنه قد رُوِي مسندًا من وجوه مرضية مخرَّجة في

стр. 2847

الصحاح والحسان. والقصة إذا أسندها من يحدّثها تارة وأرسلها أخرى كان أوكدَ في ثبوتها عنده وثقتِه بحديث من حدّثه، فإنه إنما يُخاف في الإرسال من ضعف الواسطة، فمتى سمّاه مرةً أخرى زال الريب. وابن عباس ﵁ لم يعارِض به يزيدَ بن الأصم في شيء يكون ابن عباس أعلمَ به منه، وإنما هو أمر نقليٌّ، العالم والجاهل فيه سواء. ثم ابن عباس لم يُسند روايته إلى أحد، ويزيد قد أسند روايته إلى خالته المنكوحة أم المؤمنين، ولا ريب أنها أعلم بحالها من ابن أختها ابن عباس. الجواب الثاني: أن تزوُّج ميمونة وإن لم يُحكَم فيه بصحة رواية من روى أنه تزوَّجها حلالًا فلا ريب أنه قد اضطربت فيه [ق ٢٧٣] النقَلَة، ومع ما تقدم فلا وجه يصح الاحتجاج بها (١) لعدم الجزم بأنه تزوجها وهو محرم، فتتساقط الروايتان. وحديث عثمان لا اضطراب فيه ولا معارض له. الجواب الثالث: أنه لو تيقَّنا أنه تزوَّجها محرِمًا لكان حديث عثمان هو الذي يجب أن يُعمل به لأوجهٍ: أحدها: أن حديث عثمان ناقل عن الأصل الذي هو الإباحة، وحديث ابن عباس مُبقي (٢) على الأصل، فإن قدّرنا حديث ابن عباس متأخرًا لزم تغييرُ الحكم مرتين، وإن قدّرنا حديث عثمان متأخرًا لكان تزوُّجُ ميمونة قبل التحريم، فلا يلزم إلا تغيير الحكم مرةً واحدة، فيكون أولى. الثاني: أن حديث ابن عباس كان في عمرة القضية قبل فتح مكة وقبل فرض الحج، كما تقدم، ولم تكن أحكام الحج قد مُهِّدت، ولا محظورات

стр. 2848

الإحرام قد بُيِّنت، وحديث عثمان إنما قاله ﷺ بعد ذلك؛ لأن النهي عن اللباس والطيب إنما بيِّن في حجة الوداع، فكيف النهي عن عقد النكاح؟ إذ حاجة المحرمين إلى بيان أحكام اللباس أشدُّ من حاجتهم إلى بيان حكم النكاح، والغالب أن البيان إنما يقع وقت الحاجة. فهذه القرائن وغيرها تدلُّ من كان بصيرًا بالسنن كيف كانت تُسَنُّ، وشرائع الإيمان كيف كانت تنزل= أن النهي عن النكاح متأخر. الثالث: أن تزوُّجه فعلٌ منه، والفعل يجوز أن يكون خاصًّا به، وحديث عثمان نهيٌ لأمته، والمرجع إلى قوله أولى من فعله، ومن ردَّ نصَّ قوله وعارضه بفعله فقد أخطأ. الرابع: أن حديث عثمان حاظرٌ وحديث ابن عباس مبيح، والأخذ بالحاظر أحوط من الأخذ بالمبيح. الخامس: أن أكابر الصحابة قد عملوا بموجب حديث عثمان، وإذا اختلفت الآثار عن رسول الله ﷺ نظرنا إلى ما عمل به الخلفاء الراشدون. ولم يخالفهم أحد من الصحابة فيما بلغنا إلا ابن عباس، وقد عُلِم مستند فتواه، وعُلِم أن من حرّم نكاح المحرِم من الصحابة يجب القطع بأنه إنما فعل ذلك عن علمٍ عنده خفي على من لم يحرِّمه، فإن إثبات مثل هذه الشريعة لا مطمعَ في دَرْكِه بتأويل أو قياس، وأصحابُ رسول الله ﷺ أعلمُ بالله وأخشى له (١) من أن يقولوا على الله ما لا يعلمون. بخلاف من أباحه، فإنه قد يكون مستنده الاكتفاء بالبراءة الأصلية، وإن كان قد ظهر له في هذه المسألة مستند آخر مضطرب.

стр. 2849

السادس: أن أهل المدينة متفقون على هذا عملًا (١) وَرِثُوه من زمن الخلفاء الراشدين إلى زمن أحمد ونظرائه، وإذا اعتضد أحد الخبرين بعمل أهل المدينة كان أولى من غيره في أصح الوجهين، وهو المنصوص عن أحمد في مواضع. وقد تقدَّم أنه اعتضد في هذه المسألة [بعمل] (٢) أهل المدينة، لا سيما إذا كانوا قد رووا هم الحديث، فإن نقلهم أصحّ من نقلِ غيرهم من الأمصار، وهم أعلم بالسنة من سائر أهل الأمصار، وكان عندهم من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين أُمِرنا باتباعهم بإحسانٍ ما لم يكن عند غيرهم. وإنما كان الناس تبعًا لهم في الرأي والرواية إلى انصرام خلافة عثمان وبعد ذلك، فإن لم يكونوا أعلمَ من غيرهم، فلم يكونوا بدونِ من سواهم. ونحن وإن لم نُطلِق القول بأن إجماعهم حجة (٣) فإنا نضعهم مواضعهم، ونؤتي كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، ونعرف مراتب المحدثين والمفتين والعاملين لنرجِّح عند الحاجة من يستحق الترجيح. وفي المسألة أقيسة شَبَهية (٤)، ومعانٍ فقهية. وأيضًا فإن الإحرام يحرِّم (٥) جميع دواعي النكاح تحريمًا يوجب الكفارة، مثل القُبلة والطيب، ويمنع التكلم بالنكاح والزينة، وهذه مبالغة في حَسْم موادّ النكاح عنه. وعقدُ النكاح من أسبابه ودواعيه، فوجب أن يُمنع منه.

стр. 2850

وعكسه الصيام والاعتكاف، فإنه يحرِّم القُبلة، ولا يمنع الطيب والتكلُّم بالنكاح. والاعتكاف وإن قيل بكراهة الطيب فيه فإنه لا يحرِّم ذلك، ثم لا كفارة في شيء من مقدِّمات النكاح إذا فعله في الصيام والاعتكاف. وقد بالغ الشرع في قطع أسبابه، حتى إنه يفرّق بين الزوجين في قضاء الحجة الفاسدة. وأيضًا فإن المقصود بالنكاح حِلُّ الاستمتاع، فمن حقِّه أن لا يصح إلا في حلٍّ يقبل الاستمتاع، وأن لا يتأخر حلُّ الاستمتاع عن العقد؛ لأن السبب إذا لم يُفِدْ حكمه ومقصوده وقع باطلًا، كالبيع في محلٍّ لا يملك (١)، والإجارة على منافع لا تُستوفى. ولهذا لم يصح في المعتدّة من نكاح أو وطء (٢) شبهة أو زنًا، ولا في المستبرأة في ظاهر المذهب، وإن قيل: تعتدُّ بعد العقد. وسائرُ أحكام النكاح من الإرث ووجوب [ق ٢٧٤] النفقة وجواز الخلوة والنظر توابعُ لحِلِّ الاستمتاع. وإنما صح نكاح الحائض والنُّفَساء والصائمة لأن بعض أنواع الاستمتاع هناك ممكن، أو وقت الاستمتاع قريب، فإن الصائم يستمتع بالليل، والحائض يُستمتع منها بما دون الفرج. وأما المعتكف فإن أصحابنا قالوا: يصح نكاحه لأن منعه ... (٣). والإحرام يمنع الاستمتاع بكل حال منعًا مؤكدًا، لطول (٤) مدته على

стр. 2851

وجه يفضي الاستمتاع إلى مشاقَّ شديدة: من المضيِّ في الفاسد، ووجوب القضاء والهدي، والتعرُّض لسخط الله وعقابه. والإحرام لا يُنال إلا بكُلَف ومشاقَّ، وليس في العبادات أشدُّ لزومًا وأبلغُ نفوذًا منه، فإيقاع النكاح فيه إيقاعٌ له [في مشقة] (١). وأيضًا فإن الإحرام مبناه على مفارقة العادات في الترفُّه، وترك أنواع الاستمتاعات، فلا يلبس اللباس المعتاد، ولا يتطيَّب ولا يتزيَّن ولا يتظلَّل، ويلازم الخشوع والاخْشِيشان، ويقصد بيت الله أشعثَ أغبرَ أدفرَ قمِلًا. ولا شكّ أن من يتزوج فقد فتح باب التنعم والاستمتاع، وعقد أسباب اللذة والشهوة، وتعرَّض للّهو واللعب، وحاله مخالفة لحال الخاشع المعرض عن جميع العادات. والصائم يخالفه في عامة هذه الأشياء، فإن محفيه (٢) الطيب والمِجْمر. والمعتكف بينهما. وأيضًا فإن المعتدّة عن وفاة الزوج مُنِعت الطيبَ والزينة، حسمًا لموادِّ النكاح، ومفارقةً لحال المتزوجة، وأُلزِمتْ لزومَ المنزل، والمحرمة قد مُنِعت الطيبَ والزينة، فهي كالمعتدّة من [هذا] الوجه. وأيضًا فإن المقصود من النكاح الاستمتاع، فلما مُنع المحرم من النكاح مُنع من مقصوده، كتملُّك الصيد لمّا كان مقصوده (٣) ابتذال الصيد وإتلافه مُنع منه كما (٤) كان ممنوعًا من مقصوده؛ يوضح ذلك: أن نفس مِلك الصيد

стр. 2852

لا محظور فيه كملك [النكاح] (١)، ولهذا لا يُمنع دوام ملك النكاح والصيد، وإنما يُمنع من ابتدائهما، وعكسه شِرى الجواري والطيب واللباس، لما لم يكن مقصوده مجرد الاستمتاع لم يُمنع منه. فصل وإذا تزوج وهو محرم ... (٢). فصل ولا كفارة في النكاح؛ لأنه يقع باطلًا فلم يوجب كفارة (٣)، كشراء الصيد واتِّهابه. وهذا (٤) لأنه لا أثر لوقوعه، فإن مقصوده لم يحصل، بخلاف الوطء واللباس ونحو ذلك. وكل ما وقع على مخالفة الشرع وأمكن إبطاله اكتُفِي بإبطاله عن كفارة أو فدية، بخلاف الأمور التي لا يمكن إبطالها. ولأنه من باب الأقوال والأحكام، وهذا الباب لا يوجب كفارة في الإحرام تختصُّ به، كما لو تكلَّم بكلام محرّم. فصل وأما تزويجه للحلال من رجل أو امرأة بطريق الولاية أو الوكالة أو بطريق الفضول ــ وقلنا: ينعقد تصرُّفُ الفضولي ــ فلا يصح أيضًا (٥) في

стр. 2853

أشهر الروايتين، وفي الأخرى يصح؛ لأن الزوجين لا مانع فيهما، والمنع القائم بالوكيل والولي لا يتعدَّى إليهما. فعلى هذه الرواية يُحمل النهي على الكراهة. والأول أصح؛ لأن النبي ﷺ نهى المحرم أن يَنكح أو يُنكح نهيًا واحدًا، فالتفريق بينهما لا يجوز. ولأن أصل النهي التحريم، وكل من لا يصح منه العقد (١) لنفسه بحال لا يصح لغيره، كالسفيه والمجنون والمرتدّ. ولأن المحرم ممنوع أن يتكلّم بالنكاح، وذلك [يُعدُّ] منه رفَثًا (٢)، وعقده له تكلُّمٌ به. ولأن تزويجه لغيره يفضي إلى تذكُّره واشتهائه، والمحرم ممنوع من جميع مقدِّماته. ولأنه إعانة على استحلال ما هو محرم عليه، فلم يجز كإعانة الحلال على الوطء أو اللباس أو التطيُّب، فإنه إعانة على الاستمتاع بما هو مباح له، لا على استحلال ما هو محرم عليه، وهذا لأن فرج الزوجة لا يباح إلا بالعقد، كما أن الصيد المباح لا يباح إلا بتملك، ولحمه لا يباح إلا بالتذكية، بخلاف اللباس والطيب والوطء للحلال؛ فإنه حلال في نفسه. وهذا شَبه وتمثيل حسن. وهذا في التزويج بالولاية الخاصة وهي النسب (٣)، فأما بالولاية (٤) العامة وهي ولاية السلطان من الإمام والحاكم، ففيه وجهان: أحدهما: ليس له أن يزوِّج بذلك أيضًا، لعموم الحديث والقياس. وهذا

стр. 2854

ظاهر كلام أحمد، فإنه منع المحرم أن يزوّج مطلقًا ولم يفرّق، فعلى هذا يُزوِّج (١) خلفاء السلطان المُحِلُّون. والثاني: يجوز ذلك؛ لأن الحاجة العامة تدعو إلى ذلك، وقد يستباح بالولاية العامة ما لا يستباح بالخاصة، كتزويج الكافرة. وهذا ضعيف، فإن الأدلة الشرعية قد عمَّت، والفرق بينه وبين غيره إنما هو في أصل ثبوت الولاية، ولا ريب أن ولايته لا تزول بالإحرام، كما لا تزول ولاية غيره من الأولياء، أما نفس العقد بالولاية فلا فرق بينه وبين غيره. ولأن المانع هو شيء قائم به يقدح في [ق ٢٧٥] إحرامه، ولا فرق بينه وبين غيره في ذلك، ولا حاجة إلى مباشرته (٢) لوجود خلفائه. هذه طريقة القاضي (٣) وغيره من أصحابنا. وقال ابن عقيل: ليس له أن يباشر العقد، لكن هل يصح أن يباشر خلفاؤه وهو محرم؟ على وجهين، وهذا بعيد جدًّا. فأما التزويج بملك اليمين ... (٤). وأما غيره من الأولياء إذا أحرم واحتاجت المرأة إلى من يزوِّجها، فقيل: قياس المذهب أن الولاية تنتقل إلى من هو (٥) أبعدُ منه من العصبة كما لو

стр. 2855

غاب، ويتوجه أن لا تتزوج حتى يحلّ. ومن وُكِّل في النكاح وهو محرم وزَوَّج بعد تحليله، جاز على مقتضى ما ذكره القاضي وابن عقيل، سواء قبل الوكالة وهو محرم أو بعد الإحرام، ولو كان التوكيل قبل الإحرام لم يبطل بالإحرام بطريق الأولى. فصل وأما ارتجاع زوجته المطلَّقة قبلَ الإحرام أو في حال الإحرام، ففيه روايتان: إحداهما: له ذلك، قالها عبد الله (١)، وهي اختيار الخرقي (٢)، .... (٣)، وأبي الخطاب وغيرهم؛ لأن الرجعية زوجة بدليل ثبوت الإرث بينهما، وثبوت الطلاق والخلع بينهما، وأن الرجعة لا تفتقر إلى ولي ولا مهر ولا رضًا، فارتجاعها ليس ابتداء مِلْك، وإنما هو إمساك، كما قال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٤) [البقرة: ٢٢٩]، ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]. ولأن الرجعية (٥) [إن] (٦) كانت مباحةً

стр. 2856

فارتجاعها ليس استحلالًا لفرج، وإن كانت محظورةً فمجرد إزالة الحظر ليس ممنوعًا منه كتكفير المظاهر. ولأن الأصل عدم الحظر والمنع، وإنما حظرت السنة النكاح، والرجعة ليست نكاحًا ولا في معناه، فتبقى على الأصل. والثانية: لا تجوز الرجعة وإن أفضى إلى البينونة في حال الإحرام، نقلها أحمد بن أبي عبدة والفضل بن زياد وحرب (١)، وهي اختيار القاضي (٢) وأكثر أصحابه، مثل الشريف أبي جعفر وابن عقيل وأبي المواهب العُكْبَري وأبي الخطّاب في «خلافه» (٣). لأن المحرم ممنوع من التكلم بالنكاح وهو الرفث، والارتجاعُ تكلُّمٌ به. ولأن النبي ﷺ نهاه أن يَنكح أو يُنكح أو يخطب، وارتجاعه أقرب إليه من أن ينكح غيره أو أن يخطب، فإذا مُنع من أن يزوِّج أو يخطُب فمنعه من الرجعة أولى. وهذا لأن المقصود حسم أبواب النكاح ومنع التعلُّق به بوجهٍ من الوجوه، والمرتجع متعلق به تعلقًا ظاهرًا. ولأن الارتجاع وسيلة إلى الوطء ومقدمة له، فإن الراغب في الرجعة لا يؤمن عليه أن يرغب في الوطء، فمُنِع منها كالطيب. وعامة المعاني والأشياء المعتبرة في النكاح قد يمكن اعتبارها في الرجعة، بل ربما كان الارتجاع أشدَّ داعية من ابتداء النكاح، فإن تشوُّف (٤) النفس إلى امرأة يعرفها أكثر من

стр. 2857

تشوُّفها إلى امرأة لا يعرفها، ولهذا مُنع في قضاء الحج من الاجتماع بالمرأة. ولأن المنع من النكاح لم يكن لنقصٍ في ملك التصرُّف ولا لنقصٍ (١) في المحل، وإنما كان المعنى يعود إلى ... (٢). ولأن الرجعة استحلالٌ مقصود للبُضْع، وإثباتٌ لملك النكاح، فمُنِع منه كالعقد المبتدأ، وذلك لأن الطلاق يوجب التحريم وزوال ملك النكاح، إما في الحال أو في المآل بعد انقضاء العدة، والرجعة ترفع هذا التحريم، وتعيد الملك تمامًا. ولا نسلِّم أنه ليس بنكاح بل هو نكاح، ولهذا تصح بلفظه على أحد الوجهين، وفي الآخر إنما لم يصح بلفظه لكونه لا يدل على خصوص معنى الرجعة، كالوجهين في صحة الإجارة بلفظ البيع، مع أن الإجارة معاوضة محضة. ولأن كل من لا يصح منه النكاح بحالٍ لا يصح منه (٣) الرجعة، كالصبي والمجنون والكافر. ولأن من حَظَرَ عليه الإحرام شيئًا حَظر عليه استصلاحه واستبقاءَه. فأما المرأة المطلَّقة إن كانت هي المحرمة، فهل للزوج الحلال أن يرتجعها؟ ... (٤). فإن لم يكن له ذلك فهل للرجعية أن تُحرِم؟ .... (٥).

стр. 2858

ويجوز أن يفيء المُولي باللسان وهو محرم، ذكره ابن عقيل؛ لأن الإيلاء لا يوجب التحريم (١). ويجوز أن يصالح الناشز. ويجوز أن يكفِّر المظاهر وهو محرم؛ لأن الظهار لا يوجب خللًا في العقد، حتى تكون الكفارة مُصلِحةً للعقد، وليست كلامًا من جنس الرفث، فليست مثل النكاح لفظًا ولا معنى، وإنما هي عتق أو إطعام أو صيام يحلِّل يمينًا عليه. ولأن مقصودها رفع (٢) حكم اليمين تحليلًا أو تكفيرًا، كما أن مقصود شراء الجارية مِلك الرقبة، ولهذا قد تؤثّر في حلّ الفرج وقد لا تؤثّر، كما لو وطئ ثم زال النكاح بموت المرأة أو طلاقها، فإنه يجب عليه التكفير، كما أن ملك الرقبة قد يؤثّر في حلّ الفرج وقد لا يؤثّر. فصل فأما إذا خطب المحرم امرأة لنفسه وتزوَّجها بعد الحل، أو خطبها لرجل [ق ٢٧٦] حلال، أو خطبت المحرمة لمن يتزوجها بعد الحلّ= فقال القاضي وابن عقيل في بعض المواضع وأبو الخطاب وكثير من أصحابنا: تُكرَه الخطبة ولا تحرم، ويصح العقد في هذه الصور. وقال ابن عقيل في موضع (٣): لا يحلُّ له أن يخطب ولا يشهد. وهذا قياس المذهب؛ لأن النبي ﷺ نهى عن الجميع نهيًا واحدًا ولم يفصِّل، وموجب النهي التحريم، وليس لنا ما يعارض ذلك من أثر ولا نظر، بل روي

стр. 2859

ما يؤكد ذلك، فعن نافع أن عبد الله بن عمر قال: لا يصلح للمحرم أن يخطب ولا يَنكح ولا يخطب على غيره ولا يُنكِح غيره. رواه حرب (١) .... (٢). ولأن الخطبة مقدمة النكاح وسبب إليه، كما أن العقد سبب للوطء، والشرع قد منع ذلك كله حسمًا للمادة. ولأن الخطبة كلام في النكاح وذكرٌ له، وربما طال فيها (٣) الكلام، وحصل بها أنواع من ذكر النساء، والمحرِم ممنوع من ذلك كله. ولأن الخطبة تُوجب تعلقَ القلب بالمخطوبة، واستثقالَ الإحرام، والتعجُّلَ إلى انقضائه لتحصيل مقصود الخطبة، كما يقتضي العقد تعلقَ القلب بالمنكوحة، ولهذا مُنعت المعتدة أن تخطب كما مُنعت أن تنكح، ونُهي الرجل أن يخطب على خطبة أخيه كما نُهيت المرأة أن تسأل طلاق أختها. فأما الشهادة فقد سوَّى كثير من أصحابنا بينها وبين الخطبة كراهةً وحظرًا. وقال القاضي في «المجرد»: لا يُمنع من الشهادة على عقد النكاح؛ لأنه لا فعلَ له فهو كالخاطب، ... (٤) أن الشهادة لا تُكره مطلقًا إذ لا نصَّ فيها،

стр. 2860

ولا هي في معنى المنصوص. فأما توكيلُ غيره أو التوكُّل له ... (١). مسألة (٢): (الثامن: المباشرة لشهوة فيما دون الفرج، فإن أنزلَ بها ففيها بدنةٌ، وإلا ففيها شاةٌ) . في هذا الكلام مسألتان: إحداهما: أن المحرم لا يجوز له أن يباشر لشهوةٍ، سواء في ذلك القُبلة والغمز والوطء دون الفرج وغير ذلك، وسواء باشر امرأة أو صبيًّا أو بهيمةً ... (٣)، ولا يحلُّ له الاستمناء (٤) ولا النظر لشهوة. عن ميمون بن مهران: أن عائشة سئلت ما يحلُّ للصائم من امرأته؟ قالت: كل شيء ما خلا الفرج، قيل لها: ما يحلُّ للرجل من امرأته (٥) إذا كانت حائضًا؟ قالت: ما فوق الإزار، قيل لها: ما يحرم عليه (٦) إذا كانا محرمين؟ قالت: كل شيء إلا كلامها. رواه أحمد (٧).

стр. 2861

ومن باشر لشهوة ولم يُنزِل لم يفسد حجه، وقد ذكر غير واحد أن ذلك إجماع، لكن عليه الكفارة، وأما قدرُها فذكر أصحابنا فيه روايتين: إحداهما: عليه شاة، سواء كان في الحج أو العمرة، وسواء باشر بوطء دون الفرج أو بغير ذلك، نصَّ في رواية ابن الحكم (١) في الذي يقبض على فرج امرأته، قال: يُهريق دمًا، شاةٌ تُجزئه. وقال في رواية صالح (٢) في الذي يقبِّل لشهوة: أكثر الناس يقولون: فيه دم. وذكر في رواية عبد الله (٣) عن سعيد بن جبير وقتادة وأبي معشر والحسن والزهري وعطاء وابن شبرمة وعبد الله بن حسن بن حسن: أن عليه دمًا (٤). قال: وروي عن عطاء قال: «يستغفر الله، ولا يعُدْ» (٥). ولم يحك عن أحد أن عليه بدنة، وهذا اختيار الخرقي (٦).

стр. 2862

وقال في رواية المرُّوذي (١) في المحرم يقبِّل امرأته: عليه دم، فإن أنزل فقد فسد حجه؛ لأنه استمتاع مجرد لا إنزال معه. والثانية: عليه بدنة في جميع المباشرات إذا كانت في الحج. قال في رواية [ابن] (٢) إبراهيم في محرم وطئ دون الفرج فأنزل: فسد حجه، فإن لم ينزل فعليه بدنة. وهذا اختيار القاضي (٣) وأصحابه، مثل الشريف (٤) وأبي الخطاب؛ لأنه مباشرة لشهوة أوجب كفارة، فكان بدنةً كالوطء، وهذا لأن جنس المباشرة أغلظ المحظورات، فتعلَّق بجنسها أرفع الكفارات، وهو البدنة جزاءً لكل محظور بقدره، ولا يصح الفرق بالإفساد؛ لأن الإفساد يوجب القضاء ويوجب الكفارة. والأجود إقرار نصوص الإمام، ف إن كانت المباشرة وطأً دون الفرج ففيها بدنة، وإن كانت قبلةً أو غمزًا ففيها شاة ، كما فرقنا بينهما في التعزير ... (٥). وقد قال في رواية أبي طالب (٦) في محرم أتى أهله دون الفرج: فسد

стр. 2863

حجه؛ لأنه قد قضى حاجته. ولم يذكر إنزالًا، لكن قد يُحمل على الغالب. المسألة الثانية: إذا أنزل المني بالمباشرة بقُبلة أو غمْزٍ أو بالوطء دون الفرج ونحو ذلك، فهل يفسد نسكه؟ على ثلاث روايات: أحدها: يفسد حجه كالوطء في الفرج، نقلها المرُّوذي في القبلة، ونقلها أبو طالب و [ابن] (١) إبراهيم في الوطء دون الفرج. وهذا اختيار القاضي (٢) وأصحابه؛ لأن كل عبادة أفسدها الوطء أفسدها الإنزال عن مباشرة، كالصيام والاعتكاف، لاسيما ومنعُ الإحرام من المباشرة أشدُّ من منع الصيام، فإذا أفسدَ ما لا يعظم وقعُه فيه، فإفساد ما يعظم وقعُه أولى. وأيضًا فإن المباشرة مع الإنزال قد يحصل بها من المقصود واللذة أكثر من الوطء المجرد عن إنزال؛ [ق ٢٧٧] ولهذا ما زال الإنزال موجبًا للغسل، والوطء المجرد قد عري عن الغسل في أول (٣) الإسلام. والرواية الثانية: لا يفسد، نقلها الميموني (٤) في المباشرة إذا أمنى مطلقًا، ونقلها ابن منصور (٥) في الجماع دون الفرج إذا أنزل، وهذا اختيار ... (٦). لأن الأمر إنما جاء في الجماع، والمباشرةُ دون الفرج دونه في

стр. 2864

أكثر الأحكام، فلم يجز أن يُلحَق به بمجرد القياس، لجواز أن يكون الإفساد معلّقًا بما في الجماع من الخصائص. والرواية الثالثة: الفرق بين الجماع دون الفرج وبين القُبلة والغَمْز، فإن وطئ دون الفرج فأنزل فسد حجه، وإن قبَّل فأنزل لم يفسد. وهذه اختيار الخرقي (١)، وقد ذكر الرواية الأولى ولم يذكر الثانية، وذكر ابن أبي موسى (٢) الروايتين في الوطء دون الفرج، ولم يذكر في المباشرة خلافًا. فإن قلنا: قد فسد حجه، فعليه بدنة بلا ريب في الحج، وإن قلنا: لم يفسد فعليه بدنة أيضًا، نصَّ عليه في رواية الميموني (٣) في المباشرة إذا أمنى مطلقًا، وهذا قول كثير من أصحابنا في القبلة وغيرها من المباشرات، ونقل عنه ابن منصور (٤) إن جامع دون الفرج وأنزل فعليه بدنة وقد تمَّ حجه، وإن قبَّل فأمنى أو أمذى أو لم يُمنِ ولم يُمذِ أرجو أن يُجزئه شاة. وكذلك قال ابن أبي موسى (٥): ولو باشرها كان عليه دم شاةٍ، ولو قبّلها لزمه دم شاة، فإن وطئها دون الفرج فأنزل فعليه بدنة قولًا واحدًا، وفي فساد حجه روايتان. وإن أمذى بالمباشرة فنقل عنه ابن منصور أن في ذلك ما في المباشرة المجردة، كما تقدم.

стр. 2865

فأما المباشرة من فوق حائل فقال أصحابنا القاضي وابن عقيل وغيرهما: لا أثر لها، كما لا أثر لها في نقض الوضوء. ويحرم عليه أن ينظر لشهوة، فإن نظر لشهوة فلم يُنزِل ... (١). قال الخرقي (٢): وإن نظر فصرف بصره فأمنى فعليه دم. وإن أمذى فعليه شاة، وإن أمنى لم يفسد حجه وعليه دم، وهل هو بدنة أو شاة؟ على روايتين (٣). وحكى ابن عقيل إحدى الروايتين: عليه بدنة في مطلق الإنزال، والأخرى: عليه بدنة إن أمنى وشاة إن أمذى، وذكر أنها اختيار شيخه. وهذا غلط، وذلك لما روى مجاهد قال: جاء رجل إلى ابن عباس ﵄ فقال: يا ابن عباس، أحرمتُ فأتتني فلانة في زينتها، فما ملكت نفسي أن سبقتني شهوتي. فضحك ابن عباس ﵀ حتى استلقى، ثم قال: إنك لشَبِقٌ، لا بأس عليك، أَهرِقْ دمًا، وقد تمَّ حجُّك. رواه سعيد (٤). وفي رواية النجاد (٥) عن ابن عباس في محرمٍ نظر إلى امرأته حتى أمنى، قال: عليه شاة.

стр. 2866

وفي رواية له (١) قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: فعلَ الله بهذه وفعلَ، إنها تطيبتْ وأتتني، وكلَّمتني وحدَّثتني (٢) حتى سبقتني الشهوة، فقال ابن عباس: انحَرْ بدنةً وتمَّ حجك. ولا يُعرف له مخالفٌ (٣) في الصحابة، بل (٤) ولا في التابعين، بل المنقول عن سعيد بن جبير أن عليه دمًا وحجّه تامّ (٥). وقال عطاء: عليه ناقة ينحرها (٦). وقال الحسن: عليه بدنة، والحج من قابلٍ (٧). وهذا لأن تكرار النظر لشهوة حرام يمكن الاحتراز منه، فإذا اقترن به الإنزال تغلَّظ، فأوجب الفدية كالمباشرة. وإنما يفسُد الحج لما تقدم عن ابن عباس، ولأن .... (٨)، ويتخرَّج فساد الحج كالصوم.

стр. 2867

ثم إن قلنا: يجب بدنة، وهي (١) اختيار الخرقي والقاضي وابن عقيل ... (٢)، وهذا فيما إذا كرّر النظر، فأما النظرة الواحدة إذا تعمَّدها ولم يُدِمْها فأمنى فعليه شاة، هكذا قال أصحابنا. وعنه ما يدل على أنه لا شيء عليه؛ قال في رواية ابن إبراهيم (٣): إذا كرَّر النظر فأنزل فعليه دم. وعنه ما يدل على أن عليه بدنة، قال في رواية حنبل (٤): إذا أمنى من نظرٍ وكان لشهوةٍ فعليه بدنة، وإن أمذى فعليه شاة. وإن أمنى أو أمذى بفكرٍ غالب فلا شيء عليه، وإن استدعى الفكرَ ففيه وجهان (٥): أحدهما: لا شيء عليه، قاله القاضي وأبو الخطاب وغيرهما. والثاني: أن الفكر كالنظر، قاله ابن عقيل. فعلى هذا إذا لم يستدِمْه ففيه دم، وإن استدامه فهل فيه بدنة أو شاة؟ على وجهين. ولا يفسد الحج بحال، ويتخرّج في النظر والتفكُّر (٦) إذا استدامهما أن يفسد الحج. والمنقول عن أحمد في التفكر يحتمل (٧) الوجهين، زعم

стр. 2868

القاضي (١) أن ظاهره يقتضي أن لا يتعلق بالتفكر حكم، وزعم ابن عقيل أنه يدل على أنه يتعلق بالمستدعى منه حكم. قال في رواية أبي طالب وأحمد بن جميل (٢) في محرمٍ نظر فأمنى: فعليه دم، قيل له: فإن ذكر شيئًا فأمنى؟ قال: لا ينبغي أن يذكر، قيل له: وقع في قلبه شيء، قال: أرجو أن لا يكون عليه شيء. فمن حيث جعل في الإنزال بالنظر دمًا، ولم يجعل في الإنزال بالذِّكْر شيئًا، بل نهاه عنه= كان قول القاضي متوجهًا. ومن حيث فرَّق بين ما يقع في قلبه [ق ٢٧٨] في أنه لا شيء عليه، وبين ما يذكره عمدًا= يتوجه قول ابن عقيل. إلا أن للقاضي أن يقول: استدعاء الفكر مكروه، فيُنهى عنه، ولهذا قال: لا ينبغي له أن يذكر حيث الغالب منه، فإنه لا يوصف بالكراهة، فالفرق عاد إلى هذا لا إلى وجوب الدم. والدم الواجب بالمباشرة ونحوها من الاستمتاع يتعين، ولا يُجزئ عنه الصيام والصدقة مع وجوده، بخلاف ما يجب بالطيب واللباس، قاله القاضي في «خلافه» (٣) والمنصوص عنه أنه يُخيَّر (٤)، قال في رواية الميموني: والمتمتع إذا طاف فجامع قبل أن يقصر أو يحلق، فإن ابن عباس قد أفتى في هذا (٥) بعينه: عليه دم، أو فدية من صيام، أو صدقة، أو نسك، وإنما يحل

стр. 2869

بالحلق أو التقصير. وهكذا ذكره القاضي وابن عقيل وغيرهما من أصحابنا إذا كان الدم شاة، فإن كان بدنة قضى ولم يفسد حجه. فهل هو على الترتيب أو التخيير على وجهين؛ أحدهما: أنه على الترتيب قاله ابن عقيل (١). مسألة (٢): (التاسع: الوطء في الفرج، فإن كان قبل التحلُّل الأول أفسد الحج، ووجب المضيُّ في فاسده والحجُّ من قابلٍ، وعليه بدنة، وإن كان بعد التحلل الأول ففيه شاة، ويُحرِم من التنعيم ليطوف محرمًا) . هذا الكلام فيه فصول: أحدهما أن الجماع حرام في الإحرام وهو من الكبائر، لقوله سبحانه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٧]، قال ابن عبد البر (٣): أجمع علماء المسلمين على أن وطء النساء على الحاج حرام من حين يُحرِم حتى يطوف طواف الإفاضة. الفصل الثاني أن المحرم إذا وطئ في الإحرام فسد حجه والإحرام باقٍ عليه، وعليه أن يمضي فيه فيُتِمَّه، ويكون حكم هذا الإحرام الفاسد حكم الإحرام

стр. 2870

الصحيح في تحريم المحظورات، ووجوب الجزاء بقتل الصيد وغيره من المحظورات، ثم عليه قضاء الحج من قابلٍ، وعليه أن يُهدي بدنة. قال ابن عبد البر (١): أجمعوا على أن من وطئ قبل الوقوف بعرفة فقد أفسد حجه، وعليه قضاءُ الحج والهديُ قابلًا. قال بعض أصحابنا (٢): لا نعلم في وجوب القضاء خلافًا في المذهب ولا في غيره، ونصوص أحمد وأصحابه التي توجب قضاء الحجة الفاسدة أكثر من أن تحصر. وقد ذكر أبو الخطاب الحكم هكذا (٣)، كما ذكره غيره في المناسك. وقال في الصيام (٤): من دخل في حجة تطوعٍ أو صوم تطوعٍ لزمه إتمامهما (٥). فإن أفسدهما أو فات وقت الحج، فهل يلزمه القضاء؟ على روايتين. وأصحابنا يعدُّون هذا غلطًا، وإنما الروايتان في الفوات خاصة، وفي الإحصار أيضًا؛ لما روى يحيى بن أبي كثير قال: أخبرني يزيد بن نعيم أو زيد بن نعيم ــ شك الراوي ــ أن رجلًا من جُذام جامع امرأته وهما محرمان، فسأل الرجل رسول الله ﷺ ، فقال لهما: «اقضيا نُسككما، وأهدِيا هديًا، ثم ارجعا حتى إذا جئتما المكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما فتفرَّقا، ولا يرى واحد منكما صاحبه، وعليكما حجة أخرى، فتُقبِلان حتى إذا كنتما بالمكان

стр. 2871

الذي أصبتما فيه ما أصبتما فأحرِما، وأتِمَّا نسككما وأهدِيا». رواه أبو داود في «المراسيل» (١). وقال ابن وهب (٢): أخبرني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي، عن سعيد بن المسيب أن رجلًا من جُذام جامع امرأته وهما محرمان، فسأل الرجل النبي ﷺ ، فقال لهما: «أتِمَّا حجكما، ثم ارجعا وعليكما حجة أخرى من قابلٍ، حتى إذا كنتما في المكان الذي أصبتما فأحرِما وتفرَّقا، ولا يؤاكِلْ واحد منكما صاحبه، ثم أتِمَّا نُسككما، وأهدِيا». رواه النجاد (٣). وهذا المرسل قد شهد له ظاهر القرآن، وعملُ أصحاب رسول الله ﷺ وعوامِّ علماء الإسلام. وأيضًا فإنه إجماع الصحابة والتابعين؛ عن يزيد بن جابر قال: سألتُ (٤) مجاهدًا عن الرجل يأتي امرأته وهو محرم، قال: كان ذلك (٥) على عهد عمر بن الخطاب ﵁، فقال عمر: يقضيان حجهما، والله أعلمُ بحجهما،

стр. 2872

ثم يرجعان حلالًا، كل واحد منهما لصاحبه حلال، حتى إذا كان من قابلٍ حجَّا وأهدَيا، وتفرَّقا من حيث أصابا فلم يجتمعا حتى يقضيا حجهما (١). وعن عمرو بن شُعيب عن أبيه (٢) قال: كنت عند عبد الله بن عمرو، فأتاه رجل فقال: أهلكتُ نفسي فأفتِني، إني رأيت امرأتي فأعجبتْني، فوقعتُ عليها ونحن محرمان. فقال له: هل تعرف ابن عمر؟ قال: لا، فقال لي: اذهب به إلى ابن عمر، فانطلقت معه إلى ابن عمر، فسأله ــ وأنا معه ــ عن ذلك، فقال له ابن عمر: أفسدتَ حجك، انطلقْ أنت وأهلك مع الناس، فاقضُوا ما يقضون، وحِلَّ إذا حلُّوا، فإذا كان العام المقبل فحُجَّ أنت وامرأتك، وأهدِيا هديًا، قال: فإن لم تجدا فصوما ثلاثة أيام في الحج وسبعةً إذا رجعتما. فرجع إلى عبد الله بن عمرو، فقال: هل تعرف [ق ٢٧٩] ابن عباس؟ قال: لا، قال: فاذهب به إلى ابن عباس فسلْه، قال: ذهبتُ (٣) إلى ابن عباس، فسأله وأنا معه، فقال له مثل قول ابن عمر، فرجع إلى عبد الله بن عمرو فقال: أفتِني أنت، فقال: هل عسى أن أقول إلا كما قال صاحباي (٤).

стр. 2873

وعن أبي بشر عن رجل من قريش من بني عبد الدار قال: بينا (١) نحن جلوسٌ في المسجد الحرام إذ دخل رجل وهو يقول: يا لَهْفه! يا وَيْله! فقيل له: ما شأنك؟ فقال: وقعتُ على امرأتي وأنا محرم، فقيل له: ائتِ جبير بن مطعم، فإنه يصلي عند المقام، فأتاه فقال: أحرمتُ حتى إذا بلغتُ الصِّفاحَ (٢) زيَّن لي الشيطان، فوقعتُ على امرأتي، فقال: أفٍّ لك! لا أقول لك فيها شيئًا، وطرح بيده، فقيل له: ائتِ ابن عباس ابنَ عم رسول الله ﷺ وهو في زمزم، فسلْه فيُفرِّج عنك، قال: فدفعه الناس حتى أدخلوه على ابن عباس، فقال: يا ابن عباس، وقعتُ على امرأتي وأنا محرم، فقال: اقضيا ما عليكما من نُسككما هذا، وعليكما الحج من قابلٍ، فإذا أتيتما على المكان الذي فعلتما فيه ما فعلتما فتفرَّقا، ولا تجتمعان حتى تقضيانِ نسككما، وعليكما الهدي جميعًا. قال أبو بشر: فحدثتُ به سعيد بن جبير، فقال: صدقت، هكذا كان يقول ابن عباس (٣). وعن عبد العزيز بن رُفَيع قال: [سأل] رجل ابن عباس عن محرم جامع، قال: يمضيان لحجهما، وينحر بدنة، ثم إذا كان من قابلٍ فعليه الحج، ولا يمرَّانِ على المكان الذي أصابا فيه ما أصابا إلا وهما محرمان،

стр. 2874

ويتفرقانِ (١) إذا أحرما (٢). رواهن سعيد. وعن مالك (٣) أن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأبا هريرة سئلوا عن رجل أصاب أهله وهو محرم بالحج، فقالوا: ينفُذانِ لوجههما حتى يقضيا حجّهما، ثم عليهما حجُّ قابلٍ والهديُ، قال علي: فإذا أهلّا بالحج من عام قابلٍ تفرَّقا حتى يقضيا حجَّهما. وذلك لأن (٤) الله أمر بإتمام الحج والعمرة، فيجب عليهما المضيُّ فيه امتثالًا لما أوجبته هذه الآية، وعليهما القضاء لأنهما التزما حجة صحيحة، ولم يُوفِيا ما التزماه، فوجب عليهما الإتيان بما التزماه أولًا، ووجب الهديُ؛ لأن كل من فعل شيئًا من المحظورات فعليه دم، ووجب القضاء من قابلٍ؛ لأن القضاء على الفور. هذا هو المذهب المنصوص، وسواء قلنا: الحج المبتدأ على الفور أو على التراخي؛ لما تقدم من إجماع الصحابة على ذلك؛ ولأن الأداء كان قد وجب فعله بالشروع فيه، فصار واجبًا على الفور، والقضاء يقوم مقام الأداء؛ ولأن ... (٥). الفصل الثالث أنه لا فرق بين الوطء قبل الوقوف بعرفة أو بعده إذا وقع قبل التحلل

стр. 2875

الأول في أنه يفسد الحج، ويجب (١) عليه القضاءُ، وإهداءُ (٢) بدنة، لما روى النجّاد (٣)، عن مجاهد عن عمر بن الخطاب قال: يقضيان حجَّهما، والله أعلمُ بحجهما، وعليهما الحجُّ من قابلٍ، ويفترقان من حيث وقع عليها (٤)، وينحر بدنةً عنه وعنها. وعن الحكم بن عُتيبة عن علي قال: يفترقان، ولا يجتمعان إلا وهما حلالان، وينحر كل واحد منهما جَزورًا، وعليهما الحج من قابلٍ، يحرمان بمثل ما كانا أحرما به في أول مرة، فإذا مرَّا بالمكان الذي أصابها فيه تفرقا، فلم يجتمعا إلّا وهما حلالان (٥). وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس: عن رجل أصاب امرأته وهو محرم، قال: يمضيان لوجههما، ثم يحجان من قابلٍ، ويُحرمان من حيث أحرما، ويتفرقان، ويُهدِيان جَزورًا (٦). رواهن النجّاد، وقد تقدم عن ابن عباس مثل ذلك أيضًا.
следующие страницы →