← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

الذي أصبتما فيه ما أصبتما فأحرِما، وأتِمَّا نسككما وأهدِيا». رواه أبو داود في «المراسيل» (١). وقال ابن وهب (٢): أخبرني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي، عن سعيد بن المسيب أن رجلًا من جُذام جامع امرأته وهما محرمان، فسأل الرجل النبي ﷺ ، فقال لهما: «أتِمَّا حجكما، ثم ارجعا وعليكما حجة أخرى من قابلٍ، حتى إذا كنتما في المكان الذي أصبتما فأحرِما وتفرَّقا، ولا يؤاكِلْ واحد منكما صاحبه، ثم أتِمَّا نُسككما، وأهدِيا». رواه النجاد (٣). وهذا المرسل قد شهد له ظاهر القرآن، وعملُ أصحاب رسول الله ﷺ وعوامِّ علماء الإسلام. وأيضًا فإنه إجماع الصحابة والتابعين؛ عن يزيد بن جابر قال: سألتُ (٤) مجاهدًا عن الرجل يأتي امرأته وهو محرم، قال: كان ذلك (٥) على عهد عمر بن الخطاب ﵁، فقال عمر: يقضيان حجهما، والله أعلمُ بحجهما،

стр. 2872

ثم يرجعان حلالًا، كل واحد منهما لصاحبه حلال، حتى إذا كان من قابلٍ حجَّا وأهدَيا، وتفرَّقا من حيث أصابا فلم يجتمعا حتى يقضيا حجهما (١). وعن عمرو بن شُعيب عن أبيه (٢) قال: كنت عند عبد الله بن عمرو، فأتاه رجل فقال: أهلكتُ نفسي فأفتِني، إني رأيت امرأتي فأعجبتْني، فوقعتُ عليها ونحن محرمان. فقال له: هل تعرف ابن عمر؟ قال: لا، فقال لي: اذهب به إلى ابن عمر، فانطلقت معه إلى ابن عمر، فسأله ــ وأنا معه ــ عن ذلك، فقال له ابن عمر: أفسدتَ حجك، انطلقْ أنت وأهلك مع الناس، فاقضُوا ما يقضون، وحِلَّ إذا حلُّوا، فإذا كان العام المقبل فحُجَّ أنت وامرأتك، وأهدِيا هديًا، قال: فإن لم تجدا فصوما ثلاثة أيام في الحج وسبعةً إذا رجعتما. فرجع إلى عبد الله بن عمرو، فقال: هل تعرف [ق ٢٧٩] ابن عباس؟ قال: لا، قال: فاذهب به إلى ابن عباس فسلْه، قال: ذهبتُ (٣) إلى ابن عباس، فسأله وأنا معه، فقال له مثل قول ابن عمر، فرجع إلى عبد الله بن عمرو فقال: أفتِني أنت، فقال: هل عسى أن أقول إلا كما قال صاحباي (٤).

стр. 2873

وعن أبي بشر عن رجل من قريش من بني عبد الدار قال: بينا (١) نحن جلوسٌ في المسجد الحرام إذ دخل رجل وهو يقول: يا لَهْفه! يا وَيْله! فقيل له: ما شأنك؟ فقال: وقعتُ على امرأتي وأنا محرم، فقيل له: ائتِ جبير بن مطعم، فإنه يصلي عند المقام، فأتاه فقال: أحرمتُ حتى إذا بلغتُ الصِّفاحَ (٢) زيَّن لي الشيطان، فوقعتُ على امرأتي، فقال: أفٍّ لك! لا أقول لك فيها شيئًا، وطرح بيده، فقيل له: ائتِ ابن عباس ابنَ عم رسول الله ﷺ وهو في زمزم، فسلْه فيُفرِّج عنك، قال: فدفعه الناس حتى أدخلوه على ابن عباس، فقال: يا ابن عباس، وقعتُ على امرأتي وأنا محرم، فقال: اقضيا ما عليكما من نُسككما هذا، وعليكما الحج من قابلٍ، فإذا أتيتما على المكان الذي فعلتما فيه ما فعلتما فتفرَّقا، ولا تجتمعان حتى تقضيانِ نسككما، وعليكما الهدي جميعًا. قال أبو بشر: فحدثتُ به سعيد بن جبير، فقال: صدقت، هكذا كان يقول ابن عباس (٣). وعن عبد العزيز بن رُفَيع قال: [سأل] رجل ابن عباس عن محرم جامع، قال: يمضيان لحجهما، وينحر بدنة، ثم إذا كان من قابلٍ فعليه الحج، ولا يمرَّانِ على المكان الذي أصابا فيه ما أصابا إلا وهما محرمان،

стр. 2874

ويتفرقانِ (١) إذا أحرما (٢). رواهن سعيد. وعن مالك (٣) أن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأبا هريرة سئلوا عن رجل أصاب أهله وهو محرم بالحج، فقالوا: ينفُذانِ لوجههما حتى يقضيا حجّهما، ثم عليهما حجُّ قابلٍ والهديُ، قال علي: فإذا أهلّا بالحج من عام قابلٍ تفرَّقا حتى يقضيا حجَّهما. وذلك لأن (٤) الله أمر بإتمام الحج والعمرة، فيجب عليهما المضيُّ فيه امتثالًا لما أوجبته هذه الآية، وعليهما القضاء لأنهما التزما حجة صحيحة، ولم يُوفِيا ما التزماه، فوجب عليهما الإتيان بما التزماه أولًا، ووجب الهديُ؛ لأن كل من فعل شيئًا من المحظورات فعليه دم، ووجب القضاء من قابلٍ؛ لأن القضاء على الفور. هذا هو المذهب المنصوص، وسواء قلنا: الحج المبتدأ على الفور أو على التراخي؛ لما تقدم من إجماع الصحابة على ذلك؛ ولأن الأداء كان قد وجب فعله بالشروع فيه، فصار واجبًا على الفور، والقضاء يقوم مقام الأداء؛ ولأن ... (٥). الفصل الثالث أنه لا فرق بين الوطء قبل الوقوف بعرفة أو بعده إذا وقع قبل التحلل

стр. 2875

الأول في أنه يفسد الحج، ويجب (١) عليه القضاءُ، وإهداءُ (٢) بدنة، لما روى النجّاد (٣)، عن مجاهد عن عمر بن الخطاب قال: يقضيان حجَّهما، والله أعلمُ بحجهما، وعليهما الحجُّ من قابلٍ، ويفترقان من حيث وقع عليها (٤)، وينحر بدنةً عنه وعنها. وعن الحكم بن عُتيبة عن علي قال: يفترقان، ولا يجتمعان إلا وهما حلالان، وينحر كل واحد منهما جَزورًا، وعليهما الحج من قابلٍ، يحرمان بمثل ما كانا أحرما به في أول مرة، فإذا مرَّا بالمكان الذي أصابها فيه تفرقا، فلم يجتمعا إلّا وهما حلالان (٥). وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس: عن رجل أصاب امرأته وهو محرم، قال: يمضيان لوجههما، ثم يحجان من قابلٍ، ويُحرمان من حيث أحرما، ويتفرقان، ويُهدِيان جَزورًا (٦). رواهن النجّاد، وقد تقدم عن ابن عباس مثل ذلك أيضًا.

стр. 2876

فهؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ أوجبوا عليه القضاء والبدنة جميعًا. والهدي الذي فسَّروه هنا يبيِّن الهدي المطلق الذي جاء في كلامهم، وفي المرفوع المرسل: أن المراد به البدنة. وهذا لأن الجماع فيه معنيان: أنه محظور في الإحرام وهو أكبر المحظورات، وأنه مفسد (١) للإحرام. فمن حيث هو محظور: يوجب الفدية، وهو أكبر مما يوجب شاة، فأوجب بدنة، ومن حيث فسد الإحرام: وجب قضاؤه، فحجة القضاء هي الحجة التي التزمها أولًا. وهذا كالوطء في رمضان يوجب الكفارة العظمى ويوجب القضاء. وإنما لم يُفرَّق بين ما قبل الوقوف وما بعده لأن أصحاب رسول الله ﷺ سئلوا عن المحرم إذا جامع امرأته، فأفتوا بما ذكرناه من غير استفصال ولا تفصيل، وذلك يوجب عموم الحكم. وفي أكثر مسائلهم لم يبيِّن السائل أن الجماع كان قبل الوقوف. ولأن ما بعد الوقوف وقبل الرمي إحرام تامّ، ففسد الحج بالوطء فيه كما قبل الوقوف، وهذا لأن الوقوف يوجب إدراك الحج ويؤمن من فواته، وإدراكُ العبادة في وقتها لا يمنع ورودَ الفساد عليها، كما لو أدرك ركعة من الصلاة قبل خروج وقتها، أو أدرك ركعة من الجمعة أو الجماعة مع الإمام، فإنه قد أدرك، ومع هذا فلو ورد عليها الفساد لفسدت. قال: .... (٢). ولأن كل ما [ق ٢٨٠] أفسد العبادة إذا ورد قبل الخروج منها أفسدها، وإن كان قد مضى معظمها، كما لو أكل قُبيل غروب الشمس، أو أحدث قبل السلام أو قبل القعدة الأخيرة.

стр. 2877

فإن قيل: بعد الوقوف لم يبقَ عليه ركن إلا الطواف، والوطء قبل الإفاضة وبعد التحلُّل (١) لا يفسد، فإذا لم يبطل (٢) قبل الإفاضة لم يبقَ إلا واجبات من الوقوف بمزدلفة ورمي الجمرة، وهذه لو تركها بالكلية لم يبطل حجه، فأن لا يبطل إذا أفسدها أولى وأحرى. قيل: [تركُ] (٣) العبادة بالكلية أخفُّ من إبطالها، ولهذا لو ترك صوم رمضان لم تجب عليه كفارة، ولو جامع فيه مع النية وجبت الكفارة، ولو ترك حج النافلة لم يكن عليه شيء، ولو أبطله لأثِمَ ولزمه القضاء والهدي. وكذلك سائر الأعمال قد يُكره إبطالها، وإن لم يُكره تركها. والصلاة في أول الوقت له تأخيرها، وليس له إبطالها. فإذا وطئ فقد راغم العبادة وتعدَّى الحدَّ، بخلاف التارك. وأيضًا فإنه لو ترك رمي الجمرة حتى فات وقتها أو ترك الحلق فإن إحرامه باقٍ عليه، حتى ... (٤). الفصل الرابع إذا وطئ بعد التحلل الأول لم يبطل حجه ، لأنه قد حلَّ من جميع المحظورات إلا النساء، أو جاز له التحلل منها، وقد قضى تفثَه كما أمره الله، وما خرج منه وقضاه لا يمكن إبطاله. نعم يبطل ما بقي منه كما سنذكره.

стр. 2878

ولأنه بعد التحلل الأول ليس بمحرم، إذ لو كان محرمًا لما جاز له قتل الصيد، ولا لبس الثياب، ولا الطيب، ولا حلق الشعر، لكن عليه بقية من إحرامٍ (١) هو تحريم الوطء، ومجرد تحريم الوطء لا يُبطِل ما مضى قبله من العبادة. ومعنى قولنا: إذا وطئ بعد التحلل الأول أي بعد رمي جمرة العقبة، سواء ذبح وحلق أو لم يحلق ولم يذبح، وسواء قلنا: التحلل يحصل بمجرد الرمي أو لا يحصل إلا به وبالحلق. هذا هو المنصوص عن أحمد، وهو الذي عليه قدماء الأصحاب، ومن حقق هذا منهم، مثل الخرقي (٢) وأبي بكر وابن أبي موسى (٣) وغيرهم، فإنهم كلهم جعلوا الفرق بين ما قبل رمي جمرة العقبة وما بعدها من غير تعرضٍ إلى الحلق. قال في رواية أبي الحارث (٤) في الذي يطأ ولم يرمِ الجمرة: أفسد حجه، وإن وطئ بعد رمي الجمرة فعليه أن يأتي مسجد عائشة فيحرم بعمرة، فيكون أربعة أميال مكان أربعة أميال، وعليه دم. وهذا لأنا إن قلنا: التحلل الأول يحصل بالرمي وحده فلا كلام، سواء قلنا: الرمي واجب أو مستحب. وإن قلنا: يحصل بالرمي والحلق. والوطء قبل الحلق كالرمي (٥) قبل

стр. 2879

الحلق في العمرة، وذلك غير مفسد أيضًا، لأنه قد (١) جاز له الخروج من هذا الإحرام بالحلق. وإذا جاز الخروج منه (٢) بفعل ما ينافيه (٣) لم يكن الإحرام باقيًا على حاله، وإلى هذا أشار أحمد في رواية أبي الحارث، فقال: الإحرام قائم عليه، فإذا رمى الجمرة انتقض إحرامه. وأما القاضي في «المجرد» وأصحابه: فعندهم إذا وطئ قبل الحلق وقلنا: هو نسك واجب فسد حجه؛ لأنه وطئ قبل الحِل (٤) الأول. وهذا يضاهي قولهم: تفسد عمرته إذا وطئ فيها قبل الحلق. وإن قدَّم الحلق قبل (٥) الرمي ووطئ بعده ... (٦). وإن طاف قبل الرمي والحلق والذبح ثم وطئ لم يفسد نسكه؛ لأنه لم يبق عليه ركن وقد تحلل، وقد طاف في إحرام صحيح، وعليه دم فقط، ويحتمل أن لا دم عليه، ويتوجه أن يلزمه الإحرام من التنعيم ليرمي في إحرام صحيح. ولو أخّر الرمي وسائر أفعال التحلل عن أيام منى لم يتحلل، فلو وطئ فسد حجه أيضًا. نص عليه في رواية ابن القاسم وسندي (٧) فيمن لم يرمِ

стр. 2880

جمرة العقبة إلى الغد ووطئ النساء قبل الغد: فسد حجه، فقيل له: إنهم يقولون: إذا كان الوطء بعد خروج وقت الرمي فليس هو بمنزلة من وطئ قبل الرمي، فقال: أليس قد وطئ قبل الرمي؟ وإنما يحلُّ الوطء بالرمي. قال القاضي وابن عقيل: فقد نصّ على أن التحلل لا يقع بخروج وقته، وإنما يحصل بفعل التحلل؛ لأنها عبادة ذات أفعال، فلم يقع التحلل منها إلا بفعل التحلل، كالصلاة لا يقع التحلل منها إلا بفعل التحلل وهو السلام، بخلاف الصوم، فإنه فعل واحد فيقع التحلل منه بخروج وقته. وإذا ثبت أن التحلل لا يقع بخروج وقت التحلل، فإذا وطئ قبل أفعال التحلل ــ وهو (١) الرمي والطواف والحلاق ــ فيجب أن يفسد حجه، كما لو كان الوقت باقيًا. وهذا لأن فوات وقت الرمي لا يوجب حصول التحلل بمجرد مضيِّ الوقت، كما أن فوات وقت الوقوف لا يوجب حصول التحلل من الحج بمضيِّه، بل يتحلل بغير الرمي من الحلق والطواف، كما يتحلل من فاته الحج بالطواف والسعي. فصل وهل عليه بدنة أو شاة؟ على روايتين: إحداهما: عليه بدنة، نقلها الميموني (٢) فيمن بقي عليه شوط هل عليه دم؟ قال: الدم قليل، ولكن عليه بدنة، وأرجو أن تجزئه، [ق ٢٨١] لما روى مجاهد عن ابن عباس قال: إذا وقع الرجل على امرأته بعد كل شيء غير

стр. 2881

الزيارة، فعليه ناقة ينحرها (١). وعن عطاء عن ابن عباس أنه قال: عليه بدنة وقد تمَّ حجه (٢). رواهما سعيد بن منصور وابن أبي عروبة، ولفظه: كان يأمر من غشي أهله بعد رمي الجمرة ببدنة. وروي عن إبراهيم وعطاء والشعبي مثلُ ذلك (٣). وروي أيضًا عن ابن عباس وعطاء وإبراهيم والشعبي: على كل واحد منهما جَزورٌ (٤). ولا يعرف له مخالف في إيجاب البدنة. وعن عطاء عن ابن عباس أنه سئل عن رجل وقع بأهله وهو بمنى قبل أن يُفِيض، فأمره أن ينحر بدنة. رواه مالك (٥). والثانية: عليه دم شاة أو غيرها، نقلها بكر بن محمد كما ذكره الشيخ،

стр. 2882

وهو اختيار الخرقي (١) وأبي بكر وابن أبي موسى (٢). فصل وأما الواجب عليه إذا وطئ بعد التحلل الأول؛ فقد قال في رواية أبي الحارث (٣): يأتي مسجد عائشة فيُحرِم بعمرة، فيكون أربعةُ أميال مكانَ أربعة أميال، وعليه دم. وقال في رواية الميموني وابن منصور (٤) وابن الحكم: إذا أصاب الرجل أهله بعد رمي الجمرة ينتقض (٥) الإحرام (٦) ويعتمر من التنعيم، ويُهريق دم شاة ويجزئه، فإذا خرج إلى التنعيم فأحرم، فيكون إحرامٌ مكان إحرامٍ، ويُهريق دمًا. يذهب إلى قول ابن عباس: يأتي بدمٍ ويعتمر من التنعيم. وقال في رواية المرُّوذي (٧) فيمن وطئ قبل رمي جمرة العقبة: فسد حجه، وعليه الحج من قابل، فإن رمى وحلق وذبح ووطئ قبل أن (٨) يزور البيت عليه دم ويخرج إلى التنعيم (٩)؛ لأن عليه أربعة أميال مكان أربعة.

стр. 2883

وكذلك نقل أبو طالب: يعتمر من التنعيم لأنه من منى إلى مكة أربعة أميال، ومن التنعيم أربعة أميال. وقال في رواية الفضل بن زياد (١) في من واقعَ قبل الزيارة: يعتمر من التنعيم بعد انقضاء أيام التشريق. وذلك لما روى قتادة عن علي بن عبد الله البارقي: أن رجلًا وامرأة أتيا ابن عمر قضيا المناسك كلَّها ما خلا الطواف فغشِيَها، فقال ابن عمر: عليهما الحج عامًا قابلًا، فقال: إنا إنسانا [نِ] (٢) من أهل عُمان، وإن دارنا نائية، فقال: وإن كنتما من أهل عُمان، وكانت داركما نائية، حُجَّا عامًا قابلًا. فأَتَيا ابنَ عباس، فأمرهما أن يأتيا التنعيم، فيُهِلَّا منه بعمرة، فيكون أربعة أميال مكان أربعة أميال، وإحرام مكان إحرام، وطواف مكان طواف. رواه سعيد بن أبي عروبة في «المناسك» عنه (٣). وروى مالك (٤) عن ثور بن زيد الدِّيلي (٥)، عن عكرمة قال: لا أظنُّه إلا عن ابن عباس، قال: الذي يصيب أهلَه قبل أن يُفيض يعتمر ويُهدي. ورواه

стр. 2884

النجّاد (١) عن عكرمة عن ابن عباس من غير شك. فإذا اختلف الصحابة على قولين، أحدهما إيجاب حج كامل، والثاني إيجاب عمرة، لم يجز الخروجُ عنهما والاجتزاءُ بدون ذلك. ولا يُعرف في الصحابة من قال بخلاف هذين، وقد تقدَّم أنه لا يفسد جميع الحجة، فبقي قول ابن عباس. وأيضًا فإنه كان قد بقي عليه من الحج أن يُفيض من منى إلى مكة، فيطوف طواف الإفاضة، ويسعى معه إن كان لم يسعَ أولًا فيما بقي عليه من إحرامه، وهو الإحرام من النساء خاصة. فإذا وطئ فقد فسد هذا الإحرام، فإن ما يُفسِد الإحرام الكامل يُفسِد الإحرام الناقص بطريق الأولى. ولو لم يجب عليه استبقاء الإحرام من النساء إلى تمام الإفاضة لجاز الوطء قبلها، وهو غير جائز بالسنة والإجماع. فإذا فسد ما بقي من الإحرام: فلو جاز أن يكتفي به لجاز الاكتفاء بالإحرام الفاسد عن الصحيح ولَوَقعت الإفاضة وطوافها في غير إحرام صحيح، وهذا غير مُجزئ، وإذا وجب أن يأتي بإحرام صحيح فلا بدّ أن يخرج إلى الحلّ، ليجمع في إحرامه بين الحلّ والحرم. ثم اختلف أصحابنا في صفة ما يفعل: فمنهم من أطلق القول بأن عليه عمرة، يخرج إلى التنعيم، فيهلُّ بها على لفظ المنقول عن ابن عباس وأحمد. وقال الخرقي (٢): يمضي إلى التنعيم فيحرم ليطوف وهو محرم. وكذلك قال ابن أبي موسى (٣): ويخرجان إلى التنعيم فيحرمان بعمرة،

стр. 2885

ليطوفا طواف الإفاضة وهما محرمان. إنما الواجب عليه الإحرام فقط ليطوف في إحرام صحيح، وليس عليه سعي ولا حلق، لكن هل يلبِّي؟ وكيف يحرم؟ ... (١). وقال القاضي (٢) في آخر أمره: يمضي في بقية الحج في الإحرام الذي أفسده، فيطوف طواف الإفاضة، ويسعى إن كان لم يسعَ في ذلك الإحرام الفاسد، ثم يقضي هذا بإحرام صحيح من الحل يطوف فيه ويسعى، سواء كان قد سعى عقب طواف القدوم أو لم يسع؛ قال: لأن أحمد أطلق القول في رواية الجماعة أنه يحرم بعمرة، ولم يقل يمضي في بقية إحرامه، ومعناه: أنه يُحرِم ليفعل أفعال العمرة. وقد نُقِل عنه ما دلَّ (٣) على أنه يمضي فيما بقي. وقال في رواية الفضل (٤): إنه يعتمر من التنعيم بعد انقضاء أيام التشريق. فقد أمره بتأخير الإحرام بعد أيام التشريق، وليس [ق ٢٨٢] هذا إلا لاشتغاله ببقية أفعال الحج، لأن القضاء إنما يكون تمامَ ما بقي عليه. قال (٥): وقد نصَّ فيمن نسي طواف الزيارة حتى رجع [إلى] (٦) بلده: يدخل معتمرًا، فيطوف بعمرة، ثم يطوف طواف الزيارة.

стр. 2886

ووجه هذا: أنه قد أفسد ما بقي عليه، والإفساد يوجب المُضيَّ فيما بقي من النسك وقضاءَه، فوجب عليه أن يمضي فيه، ووجب القضاء. لكن الإحرام المبتدأ لا يكون إلا بحج أو عمرة، فوجب عليه أن يأتي بعمرة تامة تكون قضاء لما أفسده من بقية النسك، وعلى هذا فيلبِّي في إحرامه، ويحلق أو يقصِّر إذا قضاه لأنها عمرة تامة. وقال القاضي في «المجرد» والشريف أبو جعفر (١) وابن عقيل وغيرهم: إنما عليه عمرة فقط، وهذا هو المنقول عن ابن عباس وأحمد وهو الصواب. ثم اختلفت عباراتهم، فقال القاضي في موضع (٢) والشريف (٣): معناه أنه يحرم للطواف والسعي؛ وهو أفعال العمرة، فالمعنى: أنه يأتي في إحرامه بأفعال العمرة. وقال ابن عقيل: كلام أحمد يدل على أنه يحرم بنفس العمرة، حتى لا يكون إحرامه لمجرد الطواف والسعي الذي هو فعل من أفعال الحج، بل يُحرم بنسك كامل، ويجعل ما بقي من الحج داخلًا في أثنائه، ولا يكفيه أن يأتي بما بقي من غير إحرام. وهذا أجود، فعليه أن يأتي بعمرة تامة يتجرَّد لها، ويُهِلُّ من الحلّ، ويطوف ويسعى، ويقصِّر أو يحلق، ويعتقد أن هذه العمرة قائمة مقام ما بقي عليه، وأن طوافها هو طواف الحج الذي كان عليه، فإن ابن عباس وأحمد صرَّحا بأنه يعتمر ويُهدي، وفسَّرا ذلك بأربعة أميال مكان أربعة أميال.

стр. 2887

نعم وجب عليه إنشاء الإحرام ليأتي بما بقي عليه في إحرام صحيح، ومن لوازم الإحرام المبتدأ أن يتجنب فيه جميع المحظورات، وأن يهلّ فيه، وأن لا يتحلل منه إلا بعد السعي والحلق. وهذه الزيادات وإن لم تكن كانت واجبة، فإنها وجبت لجَبْر ما قد فسد من إحرامه، إذ لا يمكن الجبر إلا بإحرام صحيح، ولا يكون الإحرام الصحيح إلا هكذا. وقول أحمد: يعتمر بعد (١) أيام التشريق، ليس فيه دليل على أنه يُفيض في ذلك الإحرام الفاسد، وإنما أمره بذلك لأن العمرة يُشرع أن تكون بعد أيام التشريق، وهو يرمي الجمار أيام التشريق لأن رمي (٢) الجمار إنما يكون بعد الحل كله، فوقوعه بعد فساد الإحرام لا يضره، ووقوع طواف الإفاضة بعد أيام منى جائز. نعم قد يكره ... (٣). وإنما لم يجب عليه المضيُّ فيما بقي بإحرامه الفاسد وقضاؤه؛ لأن القضاء المشروع يَحكي الأداء، وهنا ليس القضاء مثل الأداء، وإنما وجب عليه عمرة فيها إحرام تام، وخروجٌ إلى الحل، وطواف وسعي وغير ذلك، وإنما كان عليه طواف فقط وهو متطيِّبٌ لابسٌ يُفيض إلى مكة من منى، فأغنى إيجابُ هذه الزيادات عن طوافه في ذلك الإحرام الفاسد. وأما من أوجب عليه إحرامًا صحيحًا ليطوف فيه فقط فهذا خلاف الأصول؛ لأن كل إحرام صحيح من الحلّ يتضمن الإهلال لا بدَّ له من إحلال، والمحرم لا يحلّ إلا بالحلق أو التقصير بعد طواف وسعي، فكيف

стр. 2888

يحلُّ بمجرد السعي (١)؟ اللهم إلا على قولنا بأن السعي والحلاق شيئان غير واجبين، فهنا يحل بمجرد الطواف، ويكون هذا عمرة ... (٢). ولا يتعين الإحرام من التنعيم، بل له أن يُحرم من أي الجوانب شاء. وإن اعتمر في أيام التشريق ... وإن وطئ بعد إفاضته، وقبل طوافه أو قبل تكميل الطواف، فنقل الميموني ... مسألة (٣): (وإن وطئ في العمرة أفسدها، وعليه شاة) . وجملة ذلك: أن ما يُفسِد العمرة يُفسِد الحج (٤)؛ وهو الوطء والإنزال عن مباشرة في إحدى الروايتين، ويجب المضيُّ في فاسدها (٥)، كالمضي في فاسد الحج، وحكم الإحرام باقٍ عليه كما تقدم في الحج، وعليه قضاؤها على الفور بحسب الإمكان من المكان الذي أحرم به أولًا، إلا أن يكون أحرم دون الميقات فعليه أن يحرم من الميقات. قال أحمد في رواية أبي طالب (٦): وإذا واقعَ المحرمُ امرأته وهما

стр. 2889

معتمران فقد أفسدا عمرتهما (١)، وعليهما قضاء، يرجعان إن كان عليهما، فيُهِلّان من حيث أحرما من الميقات، ولا يجزئهما إلا من الميقات الذي أهلَّا بالعمرة، وقَضَيا مثل ما أفسدا. وإن خشيا الفوات ولم يقدرا أن يرجعا أحرما من مكة وحجَّا، حجُّهما صحيح، فإذا كان يوم النحر ذبحا لتركهما الميقاتَ لما دخلا بغير إحرام من الميقات، فإذا فرغا من حجهما خرجا إلى ذي الحليفة، فأحرما بعمرة مكان العمرة التي أفسدا، فإذا قدما مكة ذبح كل واحد منهما هديًا لِما أفسدا من عمرتهما (٢) من الوقوع. فإن (٣) كانت بدنة كانت أجود، وإلا فشاة تجزئه. وعلى كل واحد منهما هديٌ إن كان استكرهها (٤)، وابن عباس يقول: على كل واحد منهما هديٌ أَكْرهها أو لم يُكرِهها (٥). فقد بيَّن أنه يجب قضاؤها [ق ٢٨٣] على الفور إلا إذا خشي فوتَ الحج، فإنه يُحرِم بالحج، وعليه دم غير دم الفساد لدخوله مكة بغير إحرام صحيح، كما لو دخلها حلالًا وأحرم بالحج منها.

стр. 2890

والدم الواجب شاة، والأفضل بدنة. هذا منصوصه وقول أصحابه. ويتخرَّج إذا أوجبنا في الوطء بعد التحلل الأول بدنةً أن (١) يجب في العمرة التامة بدنةٌ وأولى. والوطء المفسد للعمرة بلا ريب إذا وقع قبل كمال طوافها، فإن وطئها بعد الطواف وقبل السعي، وقلنا: السعي ركن= أفسدها أيضًا، وإن قلنا: هو واجب ... (٢). وإن وطئها بعد السعي وقبل الحلق، أو بعد الطواف [و] قبل الحلق، وقلنا: السعي سنة= لم تبطل عمرته بحال، سواء قلنا الحلاق واجب أو سنة، هذا هو المنصوص عنه في غير موضع، وعليه عامة أصحابه. قال ابن أبي موسى (٣): من وطئ في العمرة بعد الطواف قبل السعي بين الصفا والمروة أفسد العمرة، وعليه دمُ شاةٍ للفساد، وعمرةٌ مكانها (٤). وإن وطئ فيها بعد السعي قبل الحِلاق أساء، والعمرة صحيحة، وعليه دم. قال في رواية أبي طالب (٥) في معتمر طاف فواقع أهله قبل أن يسعى: فسدت عمرته وعليه مكانها، ولو طاف وسعى ثم وطئ قبل أن يحلق ويقصر: فعليه دم.

стр. 2891

وقال في رواية أبي داود (١): إذا جامع قبل أن يقصر، فقال ابن عباس: عليه دم. وإنما يحلُّ بالحلق أو التقصير. فقد نص على بقاء الإحرام ووجوب الدم مع صحة العمرة. وعنه رواية أخرى: لا دم عليه، وهذا بناء على أن الحِلاق مستحب، وأنه يتحلل بدونه. قال في رواية ابن إبراهيم (٢) وابن منصور (٣): فإذا أصاب أهله في العمرة قبل أن يقصِّر، فإن الدم لهذا عندي كثير. وقال القاضي في «المجرد»: إذا وطئ قبل الحلق فسدت عمرته، وعليه دم، لأنه وطئ قبل التحلل من إحرامه فأفسده، كما لو وطئ في الحج قبل التحلل الأول، ولأنه إحرام تام صادفه الوطء فأفسده كإحرام الحج، ولأن الحلق يحلّ به من العبادة فإذا ورد قبله أفسدها، كما لو أحدث المصلي قبل السلام. وعلى هذا يكون الحلق ركنًا في العمرة؛ لأن الواجب هو ما يَجبُره الدم إذا ترك. والحلق لا يتصور تركه على هذا القول، لأنه ما لم يطأ ولم يحلق فإحرامه باقٍ وهو لم يتحلل، وكلَّما فعل محظورًا فعليه جزاؤه، وإذا وطئ لم يخرج بالفساد من الإحرام، بل يحلق ويقضي. وأما على المذهب: فيفوت الحلق بالوطء. والأول هو الصواب (٤)،

стр. 2892

لما روى سعيد (١)، قثنا هُشيم، ثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير قال: جاءت امرأة إلى ابن عباس ﵁ فذكرت أن زوجها أصابها، وكانت اعتمرت فوقع بها قبل أن تقصِّر، فقال ابن عباس: شَبَق شديد شَبَق [شديد] مرتين، فاستحيت المرأة فانصرفت، وكره ابن عباس ما فرط منه، وندم على ما قال، واستحيا من ذلك، ثم قال: عليَّ بالمرأة فأُتي بها، فقال: عليكِ فدية من صيام أو صدقة أو نسك، قالت: فأيُّ ذلك أفضل؟ قال: النسك، قالت: فأيّ النسك أفضل؟ قال: إن شئت فناقة، وإن شئت فبقرة، قالت: أي ذلك أفضل؟ قال: انحري ناقة (٢). وقال: ثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير: أن امرأة أتت ابن عباس، فقالت: إني خرجت مع زوجي فأحرمنا بالعمرة، فطفتُ بالبيت وبين الصفا والمروة، فوقع بها قبل أن تقصِّر، ثم ذكر نحوه (٣). وروى سعيد بن أبي عروبة في «المناسك» (٤) عن قتادة، عن علي بن عبد الله البارقي: أن رجلًا وامرأته أتيا ابن عباس قد قضيا إحرامهما من عمرتهما ما خلا التقصير فغَشِيَها، قال: أيكما كان أعجل؟ ــ وقال بعدما ذهب بصره ــ فاستحيت المرأة فأدبرتْ، فدعاها، فقال: عليكما فدية من (٥)

стр. 2893

صيام أو صدقة أو نسك، فقالت المرأة: أيُّ ذلك أفضل؟ قال: النسك، قالت: فأيّ النسك أفضل؟ قال: ناقة تنحرينها. ولا يُعرف له في الصحابة مخالف. وأيضًا فإنه وإن كان على إحرامه فقد نقض إحرامه بجواز التحلل منه بالحلق، فلم يبقَ إحرامًا تامًّا. وأيضًا فالحلق وإن كان نسكًا واجبًا فلا ريب أنه تحلُّلٌ من الإحرام ليس هو مما يُفعل في الإحرام، بل هو برزخ بين كمال الحرم وكمال الحل. فإذا وطئ فإنما أساء لكونه قد تحلل بغير الحلق، ومثل هذا لا يُفسِد الإحرام، فعلى هذا لا يحلق بعد الوطء ولا يقصر. وأما كونه إحرامًا تامًّا فغير مسلم. مسألة (١): (ولا يفسد النسك بغيره) . قال ابن المنذر (٢): أجمع أهل العلم على أن الحج لا يفسُدُ بإتيان شيء حال الإحرام إلا الجماعَ. وذلك لأن الله سبحانه ذكر حلق [ق ٢٨٤] الرأس قبل الإحلال للمعذور، وأوجب به الفدية، ولم يوجب القضاء كما أوجبه في من أفطر في رمضان لمرض أو سفر، وحرَّم قتل الصيد حال الإحرام وذكر فيه العقوبة والجزاء

стр. 2894

ولم يفسد به الإحرام، ولم يوجب قضاء ذلك الإحرام. وقد أمر النبي ﷺ من أحرم في جُبَّةٍ (١) أن ينزِعها، ولم يأمره بكفارة ولا قضاء. والفرق بين المباشرة وبين غيرها من المحظورات من وجوه؛ أحدها: أن سائر محظورات الإحرام تُباح لعذر، فإنه إذا احتاج إلى اللباس والطيب والحلق وقتلِ الصيد فعَلَه وافتدى، والمباشرة لا تُباح بحالٍ (٢). فإن قيل: فلو كان به شبقٌ شديد يخاف من تشقُّقِ أنثييه، وقد قلتم إنه يفطر في رمضان ويقضي ... (٣). فصل وكل وطء في الفرج فإنه يُفسِد، سواء كان قُبلًا أو دُبرًا، من آدمي أو بهيمة. وقد خرَّج أبو الخطاب (٤) وغيره في وطء البهيمة وجهًا أنه لا يُبطِل، وسوَّى حكمه على الروايتين في وجوب الحدّ به، وفرَّق غيرهم من أصحابنا كما تقدم في الصيام. فأما إن وطئ ذكرًا أو بهيمة دون الفرج ... (٥). وإن حكَّ ذكرَه بسَرْجِه أو رَحْلِ دابته أو غير ذلك حتى أنزل فهو كالاستمناء.

стр. 2895

فصل ويفسد به الإحرام سواء فعله عامدًا أو ساهيًا، وسواء كان عالمًا بأنه محرَّم، أو بأن الوطء حرام عليه، أو بأنه مُفسِد، أو جاهل ببعض ذلك. هذا نصه ومذهبه؛ قال في رواية أبي طالب (١): قال سفيان: ثلاثة في الحجِّ العمدُ والنسيان سواء؛ إذا أتى أهله، وإذا أصاب صيدًا، وإذا حلق رأسه. قال أحمد (٢): إذا جامع أهله بطل حجُّه؛ لأنه شيء لا يقدر على ردِّه، والشَّعر إذا حلقه فقد ذهب، لا يقدر على رده، والصيد إذا قتله فقد ذهب، لا يقدر على رده، فهذه الثلاثة العمد والنسيان والخطأ [فيها سواء] (٣). وكل شيء من النسيان بعد هذه الثلاثة فهو يقدر على ردّه، مثل إذا غطَّى رأسه ثم ذكر ألقاها عن رأسه، وليس عليه شيء، أو لبِسَ ثوبًا أو خفًّا نزَعَه، وليس عليه شيء. وقال في رواية صالح وحنبل (٤): من زعم أن الخطأ والنسيان مرفوعانِ (٥) عنه، يلزمه لو وطئ أهله ناسيًا (٦) وهو محرم أن لا يكون عليه شيء، وإذا قتل صيدًا ناسيًا لا يكون عليه شيء. ويتخرج أنه لا يفسُدُ الإحرام بوطء الجاهل والناسي، ولا شيء عليه، كروايةٍ عنه في قتل الصيد، لا سيّما وقد سوَّى هو بين الجماع وقتل الصيد.

стр. 2896

وقد خرَّج أصحابنا تخريجًا أن الحلق والتقليم مثل قتل الصيد، فيلحق الجماع بذلك. وقد يقال: الجماع أولى بذلك من قتل الصيد، لأنه أقرب إلى الاستمتاع الذي هو اللباس والطيب من قتل الصيد، فإنه إتلافٌ محض، وعلى روايةٍ ذكرها بعض أصحابنا (١): أن جماع الناسي لا يبطل الصوم. ويتخرج أنه يوجب الكفارة ولا يُبطل الإحرام، كإحدى الروايتين فيمن جامع ناسيًا أو جاهلًا، حيث قلنا: يبطل الصوم ولا كفارة فيه، فإن إبطال الصوم نظير إيجاب الكفارة في الإحرام، ووجوب الكفارة هناك نظير فساد الإحرام، لأن كفارة الصوم لا تجب إلا بالجماع (٢)، كما لا يبطل الإحرام إلا بالجماع، بخلاف ما يُفسِد الصيام ويوجب الكفارة في الإحرام فإنه متعدد. لكن محظورات الإحرام عند أصحابنا أغلظُ من محظورات الصيام لوجهين: أحدهما: أن الإحرام في نفسه أوكدُ من الصيام من وجوه متعددة، مثل: كونه لا يقع إلا لازمًا، ولا يخرج منه بالفساد، وكونه يحرم فيه جميع المباشرات، وكونه لا يخرج منه بالأعذار. الثاني: أن الإحرام عليه علامة تدل عليه، من التجرُّد والتلبية وأعمال النسك ورؤية المشاعر ومخالطة الحجيج، فلا يُعذر فيه بالنسيان، بخلاف الصيام فإنه ترك محض.

стр. 2897

ووجهُ هذا عموم قوله سبحانه: ﴿لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال الله سبحانه: قد فعلتُ (١). وإيجاب القضاء والهدي مؤاخذة، وقول النبي ﷺ : «عُفِي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما اسْتُكْرِهوا عليه» (٢). وأيضًا فإن الجماع منهيٌّ عنه، والمقصود تركه، وما نُهي عنه إذا فُعل سهوًا أو نسيانًا لم يكن فاعله عاصيًا ولا مخالفًا، بل يكون وجود فعله كعدمه. ومن سلك هذه الطريقة طرَدَها في جميع المنهيات. وأيضًا فإن الجماع استمتاع، ففرق بين عمده وسهوه، كاللباس والطيب، وعكسه [ق ٢٨٥] الحلق وقتل الصيد. ووجه المذهب: ما تقدم في جماع الناسي في رمضان، فهنا أولى. وأيضًا فإن ما تقدم من الحديث المرفوع (٣)، وفتاوى الصحابة في

стр. 2898

أوقات متفرقةٍ لسُؤَّالٍ (١) شتَّى، ليس فيها استفصالٌ للسائل هل فعلتَ هذا عالمًا أو جاهلًا، عامدًا أو ناسيًا، ولا تفصيلٌ في الجواب بين مجامع ومجامع، مع ظهور الاحتمال في كون المجامع ناسيًا أو جاهلًا (٢)، ولو في بعض تلك الوقائع؛ فإن المسلم الذي قد أمَّ بيت الله وهو معظِّم لحرماته إذا وقع منه الجماع: فوقوعه منه لعدم علمه بتحريمه، أو اعتقادِه زوالَ الإحرام، أو نسيانِه أنه محرِم= أظهرُ من وقوعه منه عالمًا بأنه مُحرِم ذاكرًا لإحرامه، لا سيما والعهد قريب، والدين غَضٌّ، والسابقون الأولون بين ظهرانيهم. وقد يظهر هذا الاحتمال في مثل الذي واقعَ امرأته بعد السعي قبل التقصير، فإنه موضع شبهة، قد اعتقد جماعة من العلماء جواز ذلك. ويؤيد ظهورَه في تلك الوقائع أنه لم يُنقَل فيها توبيخٌ للمجامع، وتقريعٌ له، وإكبارٌ لما فعله، وإعظامٌ له؛ مع أن جماع المحرم من الذنوب الشديدة، وهو انتهاك للحرمة، وتعدٍّ للحدود، ولولا استشعار المفتين نوعَ عذرٍ للسُّؤَّال لأغلظوا لهم في الكلام. وأيضًا ما احتج به أحمد، وهو أن الجماع أمر قد وقع واستقر فلا يمكن ردُّه وتلافيه بقطعه أو إزالته (٣)، فصار مثل الإتلافات من (٤) قتل الصيد وحلق الشعر، حيث لا يمكن ردُّ التالف (٥) ولا إعادته. وعكسه الطيب

стр. 2899

واللباس؛ فإنه يمكن نزع اللباس وإزالة الطيب إذا ذكر وعلم التحريم، وذلك مثل الكفارة الماحية لما صدر منه، ولهذا أُمِر أن يفزع إلى التلبية، وهاهنا المجامع إذا ذكر بعد قضاء الجماع وعلم التحريم= لم يمكن منه فعلٌ فيه قطعٌ لما مضى ولا تركٌ له. يبيِّن هذا أن المحرم قد نُهي عن أشياء، فإذا فعلها ناسيًا فالنسيان يزيل عنه (١) العقوبة، ولا يزيل عنه الكفارة الجابرة لما فعل، والماحيةَ للذنب الذي انعقد سببه، والزاجرة عن قلة التيقظ والاستذكار. ولهذا وجبت الكفارة بقتل المسلم خطأً مع أن الدية بدلٌ عنه، ووجبت الكفارة بعَوْد المظاهر وإن كان ناسيًا أو جاهلًا. فالمحظور المستدام يمكن الإقلاعُ عنه ومفارقته، فجُعِل هذا كفارةً له عند من يقول به. ومحظورٌ قد فات على وجهٍ لا يمكن ردُّه ولا تركه، فلا بدَّ من كفارة. ولا يصح أن يقال: فما مضى من اللباس والطيب لا يمكن ردُّه؛ لأن اللباس والطيب المستدام فعل واحد، ولهذا لو كفَّر عنه واستدامه إلى آخر الإحرام لم يجب عليه كفارة أخرى، فإزالته إزالةٌ لنفس ما أوجب الكفارة. والجماع المتكرر أفعال متفرقة كقتل صُيُودٍ؛ ولهذا لو كفَّر عن جماع ثم جامعَ كان عليه كفارة أخرى، فذلك الجماع الذي وقع منه لا سبيل إلى استدراكه وردِّه البتة (٢). يبيِّن هذا أن اللابس والمتطيب يتأتَّى منه امتثال النهي عند العلم والذكر لمفارقة المنهي عنه، بخلاف المجامع والقاتل، فإنه لا يتأتَّى منه الامتثال

стр. 2900

بالفعل لكن بالعزم. فإن قيل: فلو لبس وتطيَّب، وأزالهما (١)، ثم ذكر. قيل: ذانك الفعلان مبناهما على الاستدامة، فإذا لم يستدمهما كان أولى أن لا تجب عليه كفارة، وطَرْدُه: المجامع لو ذكر فنزع فإنَّ نزْعَه لا يُعَدُّ مفارقة للمحظور، لأنه لا بدَّ من نزعٍ قريب، فلم يكن بذلك النزع متلافيًا لما فرَّط فيه. وأيضًا فإن الجماع سبب يوجب القضاء، فاستوى عمده وسهوه كالفوات، ولا يصح الفرق بكون الفوات بترك ركنٍ، وهذا بفعل محظور، لأن القتل والعلم (٢) فعل محظور، وقد أوجب مقتضاه. وأيضًا فإن الجماع أغلظ المحظورات وأكبر المنهيات، وجنسه لا يخلو عن موجِب ومقتضٍ، فإنه لا يقع باطلًا قطُّ؛ فإنه إن وقع في مِلكٍ قرَّر الملك، بحيث يستقر المهر إن كانت زوجة، ويستقر الثمن والملك إن كانت جارية معيبة أو فيها خيار، عمدًا وقع أو سهوًا. وإن وقع في غير مِلْك (٣) فلا يخلو عن عُقْرٍ (٤)، أو عُقْرٍ وعقوبة، أو عقوبةٍ فقط عند من يقول به، وهو ينشر حرمة المصاهرة في ملك (٥) اليمين، والنكاح الفاسد، والوطء بالشبهة بالإجماع.

стр. 2901

فإذا وقع في الإحرام الذي هو أغلظ العبادات ولم يكن له أثر، كان إخراجًا له عن حقيقته ومقتضاه، لاسيما والمُحرِم معه من العلامات على إحرامه ما يذكِّره بحاله، ويزجره عن مواقعة هذا المحظور. وأيضًا فإن إفساده للإحرام من باب خطاب الوضع والإخبار، الذي هو ترتيب الأحكام على الأسباب. وقد دلَّت السنة والإجماع على أن الجماع محرم، وأنه يُفسِد الإحرام، ويوجب القضاء والهدي. فإذا فعله ناسيًا أو جاهلًا كان ذلك عذرًا في الذم والعقاب اللذين هما من [ق ٢٨٦] توابع المعصية للأمر (١) والنهي. أما جعْلُ ذلك مانعًا من إفساد الحج وإيجاب القضاء والهدي فلا بدّ له من دليل، فإن ما كان من باب ترتيب الأحكام على الأسباب لا يؤثر فيه هذا إلا بدليل. وأكثرُ الأصول التي يقع فيها الفساد ويجب القضاء إذا وُجِد المفسد مع العذر، فمن ذلك الطهارة فإنها تفسد بوجود مفسداتها عمدًا وسهوًا، والصلاة تبطل بوجود العمل الكثير عمدًا وسهوًا، و (٢) بمرور القاطع بين يديه عمدًا وسهوًا، وفي الكلام والأكل خلاف معروف. وكذلك ملك النكاح ما يطرأ عليه فيفسده من صِهر ورضاع وغيرهما، لا فرق بين [العمد والسهو] ... (٣) وملك الأموال. وموجبات الكفارات في غالب الأمر توجبها مع العمد والسهو، ككفارة القتل والظهار وترك واجبات الحج. والحج قد يغلُظ على غيره، فإلحاقه بأكثر الأصول أولى من إلحاقه بأقلّها، ثم لم يجئ أصلٌ في ذلك إلا في

стр. 2902

الأكل في الصيام. فأما ما دون الجماع من المحظورات: فما قيل فيه إنه يُفسِد الإحرام فهو كالجماع، وأما ما لا يفسده ... (١). فصل ويجب أن يقضي مثل الذي أفسده، إن كان حجًّا قضى حجًّا، وإن كان عمرة قضى عمرة، وإن كان عمرة وحجًّا (٢) قضاهما. وعليه أن يحرم من أبعد الموضعين، وهما: المكان الذي أحرم منه أولًا، وميقات بلده؛ فلو كان أحرم بالعمرة أو الحجة الفاسدة من دون الميقات، فعليه أن يحرم في القضاء من الميقات، لأنه لا يجوز لأحد يريد الحج والعمرة أن يجاوز الميقات إلا محرمًا، ولأن تركه لواجبٍ أو فعلَه لمحظور في الأداء لا يُسوِّغ له تعديَ حدود الله في القضاء. وإن كان قد (٣) أحرم بهما من فوق الميقات، مثل أن يكون قد أحرم في مصره (٤) فعليه أن يحرم بالقضاء من ذلك الموضع. هذا نصه ومذهبه. قال في رواية أبي طالب (٥): في الرجل إذا واقع امرأته في العمرة عليهما قضاؤها من حيث أهلَّا بالعمرة، لا يُجزئهما إلا من حيث أهلَّا ﴿الحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤].

стр. 2903

وقال في رواية ابن مُشَيش (١): إذا أفسد الرجل الحج فعليه الحج من قابلٍ من حيث أوجب الإحرام. قيل له: فإن كان من أهل بغداد وقد أوجب الإحرام على نفسه، ولم يكن له من قابلٍ زادٌ ولا راحلة، [قال:] فعليه متى وجد. وقد نصَّ في المُحصَر (٢) على خلاف ذلك، لما تقدم عن ابن عباس أنه قال: ويحرمان من حيث أحرما. ولم يُنقل عن صحابي خلافه لقوله تعالى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ﴾، فأوجب على من انتهك حرمة ... (٣). فإن قيل: قد تقدم في الحديثين المرسلين: «حتى إذا كنتما بالمكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما، فأحرِما وتفرَّقا»، وهو قول النخعي، وحظُّه من القياس وافر؛ لأن تلك المسافة قطعها بإحرام صحيح (٤)، وإنما يقضي ما أفسده في المستقبل، ويؤيد هذا أن الواطئ بعد جمرة العقبة يقضي ما بقي عليه ... (٥). فصل وليس عليه إلا قضاء واحد. فإن كانت الحجة المقضيَّة حجة الإسلام سقط الفرض عنه إذا قضاها، وكذلك إن (٦) كانت نذرًا، وكذلك لو كانت

стр. 2904

قضاء فأفسدها لم يجب عليه إلا قضاء واحد، حتى لو أفسد القضاء ألف مرة لم يجب عليه إلا قضاء الواجب الأول، كسائر العبادات إذا أفسد (١) قضاءها (٢)؛ لأن كل قضاء يُفسِده إذا قضاه فإن قضاءه يقوم مقامه، فإذا أفسد هذا القضاء فإن قضاءه يقوم مقامه، وهلمَّ جرًّا. فمتى قضى قضاء لم يُفسده فقد أدَّى به (٣) الواجب. وقد قيل لأحمد (٤): أيتهما حجة [الفريضة:] (٥) التي أفسدها أو التي قضاها؟ قال: لا أدري. فصل وينحر هدي الفساد في عام القضاء. نصَّ عليه، قال في رواية أبي طالب (٦): إذا وطئ وهو محرم أو قارِنٌ فسد حجه في سنته التي وطئ فيها، فإن كان معه هديٌ نحره، وإلا فليس عليه هدي، وقد فسد حجه إلى قابلٍ إذا حج أهدى. وكان عطاء يقول: يعجِّل الهدي في هذه السنة، فيقول: ما يدري ما يحدث عليه. والذي أقول به: إن كان معه هديٌ نحرَه، وإذا حج من قابلٍ أهدى، وإن لم يكن معه هدي فليس عليه حتى يحج من قابلٍ. وكذلك نقل الأثرم. وقال القاضي: يجب إخراج الكفارة في السنة التي أفسدها، ولا يلزمه

стр. 2905

كفارة ثانية في السنة التي يقضي فيها، قال: ومعنى قول أحمد في رواية الأثرم: «إن كان معه هدي نحره، ويُهدي في السنة الثانية» يعني به هديًا أوجبه على نفسه، وقوله: «يهدي في السنة» يعني يكون في ذمته. قال ابن أبي موسى (١): فسد حجهما، وعلى كل واحد منهما بدنةٌ، والحجُّ من قابلٍ إن كانت طاوعته، وإن استكرهها كفَّر عنها، وأحجَّها من قابلٍ من ماله، وفُرِّق بينهما في المكان الذي أصابها فيه في العام الماضي. و [ق ٢٨٧] قيل عنه (٢): يُجزئهما بدنة واحدة طاوعتْه أم أكرهَها؛ لأن الهدي قد وجب عليه بنفس الإفساد ومواقعة المحظور، فوجب إخراجه حينئذٍ كسائر الدماء الواجبة بفعل المحظورات. ووجه المنصوص: أن الحديثين المرسلين وآثار الصحابة عامتها إنما فيها الأمر بالهدي مع القضاء، وهي العمدة في هذا الباب، لكن بعض ألفاظها محتملة وأكثر [ها] مفسّر، كما تقدم. وأيضًا فإنه إذا وجب القضاء والهدي فإنما يخرج الهدي مع القضاء كهدي الفوات، وعكسه الإحصار. وأيضًا فإن الهدي إنما [هو] جُبرانٌ للإحرام، وهذا الإحرام الفاسد إنما ينجبر بالقضاء والهدي، بخلاف الإحرام الصحيح فإنه ينجبر بمجرد الهدي. فأما إن أتى في الإحرام الفاسد محظورًا مثل اللباس والطيب وقتل

стр. 2906

الصيد، فإنه يخرجه .... (١). فإن أخرج هدي الفساد قبل القضاء ... (٢). وليس عليه بالإفساد إلا هدي واحد، كما تقدم في أحد الحديثين المرسلين وسائر فتاوى الصحابة، وقد جاء في الحديث الآخر ذِكْر هديينِ، وهي قضية عين، فلعلهما كانا قد ساقا هديًا، وهذا لأن ... (٣). فإن كان هذا الواطئ قد ساق هديًا نحره في السنة الأولى كما يقضي سائر المناسك، ولم يُجزِئه عن هدي الإفساد، كما لا يجزئه عن سائر الدماء الواجبة عليه. فإن كان قد وجب عليه في الحجة الفاسدة دم بفعلِ محظورٍ من لباس أو طيب أو غير ذلك، لم يسقط عنه بفعل (٤) القضاء قولًا واحدًا. وإن كان قد وجب عليه بتركِ واجب؛ مثل: إن أحرم دون الميقات ثم أفسد الإحرام، أو أفاض من عرفات قبل الليل، أو ترك رمي الجمار ونحو ذلك، فهل يسقط عنه بفعل القضاء؟ ففيه روايتان منصوصتان: إحداهما: يسقط. نص عليه في رواية مهنّا (٥) في رجل جاوز الميقات إلى مكة، ثم أحرم بعمرة فأفسدها: عليه قضاؤها، يرجع إلى الوقت يُحرم منه، فقيل له: أفلا يكون عليه شيء لتركه الوقتَ أول مرة؟ قال: لا.

стр. 2907

وذلك لأن الدم قائم مقام النسك المتروك، فإذا قضى ما تركه فقد قام القضاء مقام ما ترك فأغنى عن الدم، بخلاف ما وجب لفعل محظور، فإن ذلك المحظور لم يخرج عنه كفارة، وبخلاف ما لو عاد إلى الميقات محرمًا، فإن إحرامه قد نقص نقصًا لم يُجْبَر بالعود إليه، وهنا قد أحرم إحرامًا مبتدأ من الميقات. والثانية: لا يسقط. نص عليه في رواية ابن منصور (١)، وذكر له قول سفيان في رجل جاوز الميقات فأهلَّ ثم جامع: عليه أن يحج من قابلٍ وعليه بدنة، وليس عليه دم لتركه الميقات، قال أحمد: عليه دم لتركه الميقات ويمضي في حجته، ويصنع ما يصنع الحاج، ويلزمه ما يلزم المحرم في كلّ ما أتى، لأن الإحرام قائم، وعليه الحج من قابلٍ والهدي. وهذه اختيار أصحابنا؛ لأن من أصلنا أن الدم الواجب بترك الإحرام من الميقات لا يسقط بالقضاء، كما لو أحرم دون الميقات ثم عاد إلى الميقات (٢) محرمًا. وأيضًا فإن الحجة الفاسدة حكمها حكم الصحيح في كل شيء، وعليه أن يَجْبُرها إذا ترك واجبًا أو فعل محظورًا، فلو قلنا: إن ما يفعله في قضائها يقوم مقام ما يفعله فيها، لكُنَّا لم نوجب عليه إتمام الحجة الفاسدة. ولأنه لو كان القضاء يقوم مقام ما يتركه في الحجة الفاسدة لم يجب عليه المضيُّ فيها، بل قد أوجب الشرع عليه إتمام الأولى وقضاءها.

стр. 2908

وإن كان متمتعًا أو قارنًا قد وجب عليه دم بسبب ذلك، ثم وطئ، فهل يسقط عنه دم المتعة والقران؟ على روايتين منصوصتين أيضًا: إحداهما: ليس عليه دم متعة ولا قران، وقد تقدم نصُّه على ذلك في رواية أبي طالب: فيما إذا وطئ وهو محرم بعمرة أو قارنٌ إن كان معه هدي نحره، وإلا فليس عليه هدي إلى قابلٍ، فإذا حجَّا أهديا. وقال أيضًا في رواية المرُّوذي (١) وقد سئل عن متمتع دخل مكة فوطئ قبل أن يطوف بالبيت، فقال: لا تقل: متمتع، ولكن قلْ: معتمر، يرجع إلى الميقات الذي أهلَّ منه، فيحرم بعمرة، وعليه دم، وإن كان الوقت ضيقًا أهلَّ بالحج، فإذا فرغ منه أهلَّ بالعمرة. فلم يوجب عليه دم التمتع، وذلك لأنه لم يترفَّهْ بسقوط أحد السفرين؛ لأنه قد وجب عليه سفر (٢) آخر في القضاء. والرواية الثانية: لا يسقط عنه دم المتعة والقران، نص عليه في رواية ابن منصور (٣)، وذُكِر له قول سفيان في رجل أهلَّ بعمرة في أشهر الحج ثم جامع أهله قبل أن يطوف بالبيت ثم أقام إلى الحج: يحج (٤) وعليه دمٌ لعمرته، وليس عليه دم للمتعة لأنه أفسدها، فقال أحمد: عليه دم للمتعة ودم لما أفسد من العمرة. لأن كل ما وجب الإتيان به في النسك الصحيح وجب الإتيان به

стр. 2909

في الفاسد [ق ٢٨٨] كالطواف؛ وذلك لأنه مأمور بإتمام الفاسد حتى يكون مثل الصحيح، إلا في أن أحدهما حصل فيه الوطء فأفسده والآخر عرِيَ عن ذلك. فعلى هذا إذا أحرم بقران القضاء فهل عليه دم غير دم (١) الفساد ودم القران الفاسد؟ كلام أحمد والأصحاب يقتضي أنه ليس عليه دم آخر. وأما المتمتع فإن كان قد وطئ في العمرة فقد وجب عليه قضاءٌ. فإذا قضاها ... (٢). فإن لم يقضِها قبل الحج فعليه دم لترك الميقات، نص عليه ... (٣). فصل والدم الواجب بالوطء ونحوه أربعة أقسام: أحدها: بدنة مع الإفساد. والثاني: شاة مع الإفساد. والثالث: بدنة بلا إفساد. والرابع: شاة بلا إفساد. فصل وعليهما أن يتفرقا في القضاء؛ قال في رواية ابن منصور (٤) في الذي يصيب أهله مهلًّا بالحج: يُهِلّان من قابلٍ ويتفرقان، وأرجو أن يجزئهما

стр. 2910

هدي واحد. وقال في رواية الأثرم (١) في الرجل يصيب امرأته (٢) وهما محرمان: يتفرقان إذا عادا إلى الحج في النزول والمَحْمِل والفُسطاط وما أشبه ذلك. لأن في أحد الحديثين المرسلين (٣): فقال لهما رسول الله ﷺ : «اقضِيا نسككَما وأَهدِيا هديًا، ثم ارجعا، حتى إذا جئتما المكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما فتفرَّقا، ولا يرى واحد منكما صاحبه، وعليكما حجة أخرى، فتُقبِلان حتى إذا كنتما بالمكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما فأحرِما». وفي الآخر: فقال لهما: «أتِمَّا حجَّكما ثم ارجعا، وعليكما حجة أخرى [من] قابلٍ، حتى إذا كنتما في المكان الذي أصبتما فأحرِما وتفرَّقا، ولا يرى واحد منكما صاحبه، ثم أتِمَّا مناسككما وأهدِيا». وفي حديث عمر (٤): «يقضيان حجهما ــ والله أعلم بحجهما ــ ثم يرجعان حلالًا، كل واحد منهما لصاحبه حلالًا، حتى إذا كانا من قابلٍ حَجّا وأهدَيا، وتفرقا من حيث أصابا، فلم يجتمعا حتى يقضيا حجهما». وفي الرواية المشهورة عن ابن عباس: «اقضيا ما عليكما من نسككما هذا، وعليكما الحجُّ من قابلٍ، فإذا أتيتما على (٥) المكان الذي فعلتما فيه ما
следующие страницы →