← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

هو يحتاج إليها في أرض العدو، ألا ترى أنه إذا أراد الرجل أن يحلّ الحبلَ أو الشيء، ولم يكن له أظفار لم يستطع (١). وروى عبيد الله (٢) بن بطة بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال: "من قصَّ أظفاره مخالفًا لم ير في عينيه رمَدًا" (٣). وفسَّر أبو عبد الله بن بطة ذلك بأن يقصَّ الخنصر من اليمنى ثم الوسطى ثم الإبهام ثم البنصر ثم السبَّاحة، ويقص من (٤) اليسرى الإبهام ثم الوسطى ثم الخنصر ثم السبَّاحة ثم البنصر (٥). وذكر أن عمر بن رجاء فسَّره كذلك. وجاء فيه لون آخر ذكره القاضي أبو يعلى عن وكيع أنه روي عن عائشة قالت: [٦٩/أ] قال رسول الله ﷺ : "يا عائشة إذا أنتِ قلَّمتِ أظفارك فابدئي بالوسطى ثم الخنصر ثم الإبهام ثم البنصر ثم السبَّابة، فإنَّ ذلك يورث الغنى" (٦). هذه الصفة لا تخالف الأولى إلا في الابتداء بالوسطى قبل

стр. 317

الخنصر، ومبنى ذلك على الابتداء بالأيمن فالأيمن من كل يد مع المخالفة. ويستحبُ غسلُ رؤوس الأنامل بعد قصِّ الأظفار، لإزالة ما عليها من الوسخ، ولأنه يقال: إنّ حكَّ الجسد بها قبل الغسل يضرُّه (١). وفي حديث الفطرة: "غسل البراجم"، والبراجم: العُقَد التي في ظهور الأصابع، والرواجب (٢) ما بينها. ومعناه غسلُ المواضع التي تتَّسخ ويجتمع فيها الوسخ. ويستحبُّ أن يأخذ (٣) الظفر في كل أسبوع، لما روى عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ كان يأخذ أظفاره وشاربه في كلِّ جمعة (٤). وإن ترَكَه أكثر من ذلك فلا بأس، ما لم يجاوز أربعين يومًا، لما روى أنس قال: وقَّت لنا رسولُ الله ﷺ في قص الشارب وتقليمِ الأظفار ونتفِ الإبط وحلقِ العانة أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة. رواه الجماعة إلا البخاري (٥).

стр. 318

ويستحبُّ فيما ذكره القاضي أن يكون يوم الجمعة، لما روى ابن بطة بإسناده عن [ابن] (١) حميد بن عبد الرحمن عن أبيه قال: من قصَّ أظفاره يوم الجمعة أُدخِلَ في شفاءٍ، وأُخرج منه داءٌ (٢). وقال يزيد بن هارون (٣) في حديث له: من قلَّم أظفاره يوم الجمعة لم يَمُتْ بالماء الأصفر (٤). وبإسناده عن نافع عن ابن عمر أنه كان يقلِّم [٦٩/ب] أظفاره ويقصُّ شاربه كلَّ جمعة (٥). وذكر غيرُه يوم الخميس، لما روي أنّ عليًّا قال: رأيت رسول الله ﷺ يقلِّم أظفاره يوم الخميس، ثم قال: "يا عليُّ، قصُّ الظفر ونتفُ الإبط وحلقُ العانة يومَ الخميس. والغسلُ واللباسُ والطيبُ يومَ الجمعة" (٦).

стр. 319

وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "يصبح المؤمن يوم الجمعة وهو مُحرِم، فإذا صلَّى حلَّ. فإذا مكث في الجامع حتى يصلي العصر مع إمامه كان كمن أتى بحجَّة وعمرة". فقيل: يا رسول الله متى نتأهَّب للجمعة؟ قال: "يوم الخميس". رواه الحاكم (١)، وأخرجه أيضًا من حديث ابن عباس وابن عمر وسهل بن سعد (٢). ويستحبّ دفنُ ما أزال من شعره وظفره. نصَّ عليه (٣)، وحكاه عن ابن عمر؛ لِما روت مِيل بنت مِشْرَح الأشعري أنها رأت أباها مِشْرَحًا يقلِّم أظفاره، ثم يجمعها ويدفنها، ويخبر أنه رأى رسول الله ﷺ يفعل ذلك. رواه البخاري في "تاريخه"، والخلال وابن بطّة (٤).

стр. 320

وروى حرب بإسناده عن قبيصة بن ذؤيب عن النبي ﷺ أنه قال: "ادفنوا شعوركم وأظفاركم ودماءكم، لا تلعَبْ بها سحرةُ بني آدم" (١). وعن عائشة: أنها قلَّمَتْ أظفارَها، فدفنَتْها (٢). وعن ابن عمر أنه حلَق رأسه، فأمر بدفن شعره (٣). وروى ابن بطّة عن رجل من بني هاشم قال: أمر رسولُ الله ﷺ بدفن الدم والشعر (٤). وأمّا الختان [٧٠/أ] فواجبٌ على الرجال في المنصوص المعروف من المذهب؛ لأن الله سبحانه أمرنا باتباع ملّة إبراهيم ﵇، والختان من ملَّته، لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "اختتَن إبراهيم خليل الرحمن بعد ما أتت عليه ثمانون سنة، واختتنَ بالقَدُوم" متفق عليه (٥). فإن قيل: فمِن (٦) ملَّتِه سائرُ خصال الفطرة، وهي غير واجبة، لا سيَّما

стр. 321

وقد قرَن النبي ﷺ بينه وبينها في نسق واحد. قلنا: إزالة الشعور والأظفار، القصدُ بها إزالة ما يجتمع بسببها من العرق والوسخ والدرن، وإزالة الأوساخ ليست واجبة، وكذلك ما قُصِدت به. وأما قُلفة الذكر، فالمقصود بقطعها التطهير من النجاسة التي تحتقن فيها، ونجاسة البول تجب إزالتها، وعامَّة عذاب القبر منها، فلذلك وجب إزالة ما يوجب احتقانها واجتماعها. يؤيد ذلك أنّ المقطوع هنا من أصل الخلقة، وكذلك يُحشَر الخلق يوم القيامة غُرْلًا. فلولا أن إزالتها من الواجبات لما تكلف قطعه بخلاف الشعر والظفر. ولأن البول المحتقن في القلفة نجاسةٌ شُرِع زوالها، فكان واجبًا كسائر النجاسات. وكذلك قال ابن عباس: الأقلف لا يَقبل الله له صلاةً، ولا تؤكل ذبيحته ولا تُقبل شهادته (١). وأما المرأة، ففيها روايتان. إحداهما: أن خفضها واجب كالرجل. والثانية: لا يجب، لأن ترك ختان [٧٠/ب] الرجل مظِنّة احتقان النجاسة بخلاف المرأة. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "الختان سنّة للرجال، مكرُمة (٢) للنساء" رواه أحمد (٣). يعني بالسنّة: الطريقة الشرعية.

стр. 322

وإنما يجب إذا غلب على الظن سلامةُ المختون. فأما إن خُشي عليه لِكبَر أو مرض، فإنه يسقط، بل يمنع منه. وإنما يجب الختان إذا وجبت الطهارة والصلاة، لأنه إنما شُرِع لذلك. والختان قبل ذلك أفضل، وهو قبل التمييز أفضل من بعده في المشهور، لأنه قُرْبة وطُهْرة، فتقديمها أحرز، لأن فيه تخليصًا من مسِّ العورة ونظرها، فإن عورة الصغير لا حكم لها. ولذلك (١) يجوز مسُّها وتقبيلُها، كما كان النبي ﷺ يقبِّل زُبَيبةَ الحسَن (٢). وقيل: التأخير إلى سنِّ التمييز أولى، لما روى سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس: مثلُ مَن أنت حين قُبِض النبي ﷺ ؟ قال: أنا يومئذ مختون. قال: وكانوا لا يختِنون الرجلَ حتى يدرك (٣). يعني ــ والله أعلم ــ حتى يقارب

стр. 323

الإدراك مثل يراهق (١). وفي رواية لأحمد (٢): توفي النبي ﷺ ، وأنا ابن عشر سنين مختون. وعن علي أنه كره أن تختتن الجارية قبل سبع سنين (٣). ولا يكره بعد سبعة أيام. وقبلها فيه روايتان. إحداهما: يُكره، لأنه فعل اليهود، فكره التشبُّه بهم. والأخرى: لا يكره، لأنه لم يثبت فيه نهي. وقد روي عن أبي جعفر أن فاطمة كانت تختِن ولدَها [٧١/أ] يوم السابع (٤). وروي عن مكحول وغيره أنَّ إبراهيم ختَن ابنَه إسماعيل لثلاث عشرة سنة، وختَن ابنَه إسحاق لسبعة أيام (٥). ويؤخذ في ختان الرجل جلدةُ الحَشَفة، وإن أُخِذ أكثرُها جاز. وأما المرأة فيستحبُّ ألا يجتذَّ خافضها. نصَّ عليه، وحكى عن عمر (٦) أنه قال لختَّانة: أبقِي منه شيئًا إذا خفَضتِ. وعن أم عطية أن رسول الله ﷺ أمر ختّانةً

стр. 324

تختِن فقال: "إذا ختَنتِ فلا تَنْهَكِي، فإنّ ذلك أحظَى للمرأة وأحبُّ للبعل" رواه أبو داود (١). وقالت ميمونة زوج النبي ﷺ لختّانة: إذا خفَضِت فأشِمِّي ولا تَنْهَكي، فإنه أسرَى للوجه (٢)، وأحظى لها عند زوجها. رواه حرب في "مسائله" (٣).

стр. 325

باب المسح على الخفين مسألة (١): (يجوز المسح على الخفَّين وما أشبههما من الجوارب الصَّفيقة التي تثبت في القدمين، والجَراميق (٢) التي تُجاوز الكعبَين، في الطهارة الصغرى، يومًا وليلًة للمقيم، وثلاثًا للمسافر [من الحدث إلى مثله] (٣) لقول رسول الله ﷺ : "يمسح المسافرُ ثلاثة أيام ولياليهن، والمقيمُ يومًا وليلةً"). هذا الكلام فيه فصول: الأول أنَّ المسح على الخفين جائز في الوضوء للسنة المستفيضة المتلقّاة بالقبول، وسنة رسول الله ﷺ تفسِّر (٤) القرآن، فقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] بالنصب خطاب لمن رجله في غير الخفَّين المشروطين، وقراءةُ الخفض خطاب للابسي الخِفاف؛ أو يكون المسح على كلتا القراءتين (٥) يجمع المسح على الرجل مع الحائل وعدمه، أو تكون

стр. 326

كلتا القراءتين في غير اللابسين. وعُلِم ذلك كلُّه بالسنة، وهي ما روي عن جرير أنه بال، ثم توضأ ومسح على خفَّيه، فقيل له: تفعل هذا؟ قال: نعم رأيت رسول الله ﷺ بال، ثم توضأ ومسح على خفَّيه. قال إبراهيم: فكان يعجبهم هذا الحديث، لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة. رواه الجماعة (١). وفي رواية لأحمد قال: ما أسلمتُ إلا بعد أن نزلت المائدة، وأنا رأيت رسول الله ﷺ يمسح بعد ما أسلمتُ (٢). قال أحمد: سبعة وثلاثون نفسًا يروون المسح عن النبي ﷺ ، ويروون عن الحسن، قال: حدثني سبعون من أصحاب النبي ﷺ أنه مسح على الخفَّين (٣). الفصل الثاني أنه جائز على الخفين، وعلى كل ما أشبههما من الجوارب والجراميق، سواء لبس ذلك على ما يجوز المسح عليه، أو على ما لا يُمسح عليه. ولذلك ثلاثة شروط: أحدها: أن يستر محلَّ الفرض، وهو القدم إلى ما فوق الكعبين.

стр. 327

والثاني: أن يثبت في القدم بنفسه. والثالث: أن يمكن متابعة المشي فيه. لِما روى عبد الرحمن بن عوف عن بلال أن النبي ﷺ كان يتوضَّأ ويمسح على عمامته ومُوقَيه. رواه أحمد وأبو داود (١). قال الجوهري (٢): "المُوق: الذي يُلبَس فوق [٧٢/أ] الخفِّ، فارسي معرب". والموق إنما يُلبس غالبًا فوق الخفّ. وعن المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ توضّأ، ومسح على الجوربين والنعلين. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح (٣).

стр. 328

ولأن ما يُلبس في الرِّجل إذا كان [ساترًا] (١) المحلَّ الفرضَ [و] يمشى فيه عادةً، فقد شارك الخفَّ في المعنى الذي أبيح له المسح، فيشاركه فيه، سواءٌ كان مما يقطع به المنازل والقفار أو لا. ولهذا يُمسح على الخفّ من جلد وإن لم يكن له نعل. وذلك لأن المشي فيه عادةً هو مظنة الحاجة إلى لبسه، وستره لمحلِّ الفرض لينتقل الفرض إليه، فإذا حصلا تعيَّن جوازُ المسح عليه. ولذلك كان المسح على ذلك منتشرًا في الصحابة من غير مخالف. قال أحمد: يُذكر المسح على الجوربين عن سبعة أو ثمانية من الصحابة (٢). وجورب الخِرَق كجورب الصوف إذا كان صفيقًا حيث يمشى في مثله عادة. وإن كان رقيقًا يتخرَّق في اليومين أو الثلاثة، أو لا يثبت بنفسه، لم يمسح عليه؛ لأن (٣) مثله لا يمشى فيه عادة، ولا يحتاج إلى المسح عليه. وإذا ثبت الجوربان بنعلين يمسح عليهما، كما جاء في الحديث. وقال أحمد: يذكر المسح على الجوربين والنعلين عن عدَّة من أصحاب رسول الله ﷺ . ويمسح على الجورب وعلى سُيُور النعل التي على ظاهر القدم كما جاء

стр. 329

في الحديث. ولا يمسح أسفله وعقبه، لأنه ليس بمحلِّ [٧٢/ب] المسح في الخفّ. فإنْ مسَح الجوربَ وحده، أو النعل وحده، فقيل: لا يجزئه، لأن الرخصة إنما جاءت في هذه المواضع خاصّةً. وقيل: يجزئ، لأنهما أُجرِيَا مُجرَى جَوربٍ منعَّل. فأما الشرط الأول، فيفيد أنه لا يجوز المسح على الخفّ المخرَّق أو الواسع الذي يُرى منه بعضُ القدم، أو الخفيف الذي يصِف القدم، أو القصير الذي هو دون الكعبين؛ لأن الرِّجل متى بدت هي أو بعضها كان [حكمُ] (١) الظاهر الغسلَ، والجمعُ بين المسح والغسل لا يجوز، فيتعيَّن غسلُ الجميع. وقد قال بعض أصحابنا: إن المسح على المخروق الذي يمكن متابعة المشي فيه [جائز] (٢) لأن خفاف القوم لم تكن تخلو من مثل هذا، ولم تقيَّد الرخصة بالساتر دون غيره (٣). فأمّا إن كان فيه خرق ينضمُّ على الرجل، ولا تبدو منه القدم، جاز المسح عليه. نصَّ عليه، لأن القدم مستور بالخفّ. وأمَّا إن لم يثبت وما في معناه بنفسه، إمَّا لسعةٍ فيه أو شَرَجٍ (٤)، فقال

стр. 330

أصحابنا: لا يجزئه مسحه، وإن كان قد شدَّه أو شرَجَه، لأنه كاللِّفافة. قال أحمد في المسح على الجوربين بغير نعل: إذا كان يمشي عليهما ويثبتان في رجليه، فلا بأس (١). وقال أيضًا: إذا كان يمشي فيه فلا ينثني، فلا بأس بالمسح عليه، فإنه إذا انثنى ظهر موضع الوضوء (٢). قالوا: هذا كان القياس في الجوربين مع النعلين، لكن خالفناه للخبر، ولأن الحاجة تدعو [٧٣/أ] إلى لبس الجوربين كذلك، بخلاف ما لا يثبت إلا بشدِّه، فإنه لا يُلبَس غالبًا (٣). وقد خرَّج بعض أصحابنا وجهًا في اللِّفافة أنه يمسح عليها إذا وجد مشقة بنزعها، فالخفّ والجورب الذي يثبت بالشدِّ أولى. وهذا قياس الجوربين إذا ثبتا بنعلين، فإن ثبت بنفسه لكن بشدِّه أو شَرْجِه ستَر القدمَ مسَح عليه في أقوى الوجهين، لأنه كالساتر بنفسه، ومشقةُ خلعه أظهر. وفي الآخر: لا يجزئه. اختاره أبو الحسن الآمدي (٤)، لأنه كما لم يكفِ ثبوته بالشدِّ والشَّرْج، فكذلك سترُه. والصحيح: الأول، لأن الستر ليس هو مقصود اللبس، وإنما اعتبرناه لئلا يجب غسل البادي، بخلاف ثبوته؛ ولأنه لو ستَر القدمَ بانضمام بعضه

стр. 331

إلى بعض لجاز المسح على المنصوص، فهذا أولى. وسواء كان الخف من جلود أو لُبود أو خشب أو زجاج في أشهر الوجهين. وفي الآخر: لا يجوز إلا في ملبوس معتاد، كما لم يجُز في اللفائف، فلا يجوز في الخشب والزجاج والصفر والنحاس. وأمّا ما لا يمكن متابعة المشي فيه، إما لضيقه أو ثقله أو تكسُّره بالمشي أو تعذُّره، كرقيق الخِرَق أو اللُّبود، لم يجُز مسحُه، لأنه ليس بمنصوص ولا في معنى المنصوص. وأما الخفّ المحرَّم كالحرير والمغصوب، فقيل: هو على روايتي الصلاة في الدار المغصوبة. وقيل: لا يجزئ قولًا واحدًا، لأنه رخصة، فلا يستباح بمعصية، كالقصر في [٧٣/ب] سفر المعصية، وصلاة الخوف في القتال المحرَّم. وقد تقدَّم مثل هذا في الاستنجاء بالمغصوب. ولو لبس جلدًا نجسًا لحاجةٍ، كبلاد الثلج التي يخشى فيها من سقوط أصابعه بخلعه، أجزأه مسحُه في أحد الوجهين، لأنه مأذون فيه. وإن تنجَّس الماء بالملاقاة، فإن ذلك لا يمنع، كما لا يمنع تنجُّسه على بدن الجنب في أحد الوجهين. ولا يجزئه في الآخر، وهو أقوى؛ لأنه مأمور بخلعه في الأصل، وإنما أبيح لبسُه هنا للضرورة، فأشبه من لم يستطع خلعَ الخفِّ الطاهر بعد انقضاء المدة، فإن هذه حالة نادرة. فعلى هذا يكون حكمه حكم [مَن] (١) فرضه الغسل، وقد عجز عنه لقروح أو بَرد، فيتيمم ويصلِّي.

стр. 332

ولو كان بقدمه أو بباطن خفِّه نجاسة لا تُزال إلا بنزعه، فقد قيل: هو كالوضوء قبل الاستنجاء، لأن الصلاة لا تمكن مع هذه الطهارة غالبًا إلا بنقضها. والصحيح: أنه يصحّ، لطهارته، ويستفيد بذلك مسَّ المصحف والصلاة، إن عجز عن إزالة النجاسة، كما لو توضَّأ وعلى فرجه نجاسة من غيره، بخلاف النجاسة الخارجة، فإنها لما أوجبت طهارتين جعلت إحداهما تابعة للأخرى. ومن كان لابسًا خفًّا، فالمسح عليه أفضل من أن يخلعه ويغسل في أقوى الروايتين، لأن هذا كان عادة رسول الله ﷺ ، ولم يُنقل عنه أنه خلع وغسل؛ ولأن في ذلك ردًّا للرخصة وتشبُّهًا لأهل البدع، فيكون مفضولًا. والثانية: المسح والغسل سواء، لأن كلًّا منهما جاءت به السنة. وأما من لا خفَّ عليه، فلا يستحبُّ له أن يلبسه لقصد المسح، كما لا يستحبُّ له أن يسافر لأن يقصر. الثالث (١) أن المسح إنما يجوز في الطهارة الصغرى دون الكبرى، لما روى صفوان بن عسَّال المرادي قال: أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنَّا سَفْرًا ــ أو مسافرين ــ أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم. رواه أحمد والنسائي والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح (٢)

стр. 333

ولأن الطهارة الكبرى يجب فيها غسلُ ما يمكن غسله من غير ضرر، وإن كان مستورًا بأصل الخلقة، كباطن شعر الرأس واللحية؛ فما هو مستور بغير الخلقة أولى، بخلاف الوضوء فإنه يسقط فيه غسلُ ما استتر بنفس الخلقة، فجاز أن يشبَّه به الخفّ في بعض الأوقات. وهذا لأن الوضوء يتكرر بخلاف الغسل، ولأن الغسل يشبه بإزالة النجاسة من حيث لا يتعدَّى حكمُه محلَّه، بخلاف الوضوء. ولأن تحت كلِّ شعرة جنابة، فيحتاج إلى بلِّ الشعر وإنقاء البشر. الرابع أن المقيم يمسح يومًا وليلةً، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن. فإذا مضت المدّة بطل حكم الطهارة، ويحتاج إلى لبس ثان على طهارة غسل، إن أحبَّ المسح ثانيًا، وهلمّ جرًّا؛ سواء كان في دار الحرب أو دار الإسلام، وسواء في ذلك حال شدّة البرد وغيره. نصَّ عليه، لما تقدَّم من [٧٤/ب] حديث صفوان. وعن شريح بن هانئ قال: سألت عائشة ﵂ عن المسح على الخفين فقالت: سَلْ عليًّا فإنه أعلم بهذا الأمر منّي، كان يسافر مع رسول الله ﷺ . فسألته، فقال: قال رسول الله ﷺ : "للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة" رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه (١). وعن خزيمة بن ثابت عن النبي ﷺ أنه سئل عن المسح على الخفين فقال: "للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة" رواه أحمد

стр. 334

وأبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح (١). والسفر المعتبر للمدّة هو السفر المبيح للقصر في قدره وإباحته. فإن كان دون مسافة القصر أو كان محرَّمًا مسح كالمقيم، جعلًا لوجود هذا السفر كعدمه. وقيل: في السفر المحرم لا يمسح أصلًا عقوبة له، لأن المسح في الأصل رخصة، فلا يُعان به على سفره. وهو ضعيف، فإنّ الرُّخَص التي لا تختص السفر يجوز للعاصي بسفرٍ فعلُها، كالفطر في المرض، والجمع بين الصلاتين له، وما أشبه ذلك. وأول المدّة المعتبرة: من وقت الحدث بعد أن يلبس الخفَّ إلى مثل ذلك الوقت في أشهر الروايتين. وفي الأخرى: من حين المسح بعد الحدث إلى مثله، لظاهر قوله: يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن. فلو كان أوله الحدث لكان [٧٥/أ] المسح أقلَّ من ثلاث، وقد لا يمسح أصلًا إذا عدم الماء بعد الحدث ثلاثًا، وقال عمر: امسَحْ إلى مثل ساعتك التي مسحتَ فيها. رواه الخلال (٢). ووجه الأول: أنه أمر في حديث صفوان أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام

стр. 335

ولياليهن من الغائط والبول والنوم، فمفهومه أنّها تُنزَع لثلاث تَضَمَّنُهنّ (١) من الغائط والبول والنوم، ولأن ما بعد الحدث وقت يباح فيه المسح، فكان من المدّة، كما بعد الحدث الثاني والثالث. وهذا لأن أول وقت العبادة ما جاز فيه فعلُها، لا (٢) ما وقع [فيه] (٣) فعلُها كالصلاة والأضحية. ومعنى قوله: يمسح المسافر ثلاثًا، أي يجوز (٤) له المسح ثلاثًا، بدليل ما بعد الحدث الثاني فإنه من المدة، وقد لا يحتاج فيه إلى المسح، أو بناء على أن الغالب وقوع المسح عقيب الحدث، وهذا معنى قول عمر إن شاء الله تعالى. مسألة (٥): (ومتى مسح ثم انقضت المدة أو خلع قبلها بطلت طهارته) . لا يختلف المذهب أنه إذا انقضت المدة المعتبرة أو خلع (٦) قبلها بطل حكمُ المسح، فلا يجوز أن يصلِّي به، سواء نزع خفَّيه بعد انقضاء المدة أو لم ينزعهما، لأن هذه الحال لا يجوز أن يبتدئ طهارة المسح فيها، لأن النبي ﷺ إنما أذن في المسح ثلاثًا لمن ليس على طهارة غسل، وأمَر بالخلع عند

стр. 336

انقضاء المدة، فمتى انقضت [٧٥/ب] المدة خلَع الخفَّ، فإنه شرط المسح. وكلُّ حال لا يجوز فيها ابتداء الطهارة لا يجوز فيها استدامتها، كالتيمم بعد رؤية الماء. وهذا لأن ابتداء الطهارة خصوصًا أقوى من استدامتها، لأنه فعل، وذاك حكم. ولهذا يجوز ابتداؤها مع قيام الحدث وطهارة المتيمِّم والمستحاضة بعد خروج الوقت، ولا يجوز استدامتها. فإذا كان بعد انقضاءِ المدّة وخلع الخف يمتنع ابتداء طهارة المسح، فكذلك يمتنع استدامتها. ويفارق هذا إذا زال (١) شعره أو ظفره أن طهارتها بحالها، لأنّ ما تحت الشعر والظفر لم يتعلَّق به الحدثُ الأصلي قبل ظهوره، بدليل أنه لا يُشرع طهارته، وإنما تعلَّق به الحدثُ التابعُ كغير أعضاء الوضوء، فإذا زال الحدث عن محلِّ الوضوء زال عنه تبعًا، فلا يعود إليه حتى يعود إليها. والرِّجل تعلَّق بها الحدثُ الأصلي بدليل أنها تشرع طهارتها، فلو غسلها في الخفِّ أجزأ. ولهذا يتعدَّى حكم الحدث إحدى الرجلين إلى الأخرى، ولا يتعدَّى موضع الشعر والظفر إلى غيره، فإذا زال عنها بشرط عاد إليها بفواته (٢)، وتبطل الطهارةُ بذلك في أصحِّ الروايتين كما ذكر الشيخ، فإذا أراد عودها احتاج إلى طهارة كاملة. وفي الأخرى: تبطل طهارة الرجلين خاصَّةً، فيكفيه غسلهما، لأن الوقت واللبس إنما هو معتبر فيهما خاصَّة، فإذا زال كانتا كرِجْلين لم تُغسَلا، فيكفي غسلُهما خاصّة. وهذا بمثابة من توضأ إلا غسل [٧٦/أ] رجليه، فانقلب الماء، فيتيمَّم لهما، فلو وجد الماء بعد ذلك بيسير أو بكثير، وقلنا:

стр. 337

الموالاة ليست شرطًا= كفاه غسلُ رجليه. وبنوا هذا على أن الطهارة تتبعَّض، وأنه يجوز تفريقها كالغسل. فإمّا أن نقول: إنّ الحدث لم يرتفع عن الرِّجل خاصّة، فتُغسل بحكم الحدث السابق؛ أو نقول: ارتفع عنها وعاد إليها خاصّة. ووجه الأول أن ما أبطل طهارةَ عضوٍ أبطلَ طهارةَ سائر الأعضاء، كسائر النواقض. ثم من أصحابنا من بنى هذا على أن الموالاة واجبة، فإذا تأخَّر غسلُ الرِّجلين لم يصحَّ، كما لو كانتا ظاهرتين. والتزموا على هذا أنه لو كان الخلع وانقضاء المدة عقيب المسح كفى غسلُ رجليه. وبنوا هذا على أن طهارة المسح لا ترفع حدث الرِّجل، وإنما تبيح الصلاة بها، لأنها طهارة موقتة، فلم يرتفع الحدث كالتيمم وطهارة المستحاضة. فإذا ظهرت الرِّجل وانقضت المدة ظهر حكم الحدث (١) السابق. والمنصوص أنه يجب عليه استئناف الوضوء سواء طال الفصل أو قصر بناء على شيئين: أحدهما: أن المسح يرفع الحدث رفعًا موقتًا، لأن رفع الحدث شرط لصحة الصلاة مع القدرة عليه، فلو لم يحصل لم تصحَّ الصلاة، لأنه قادر على غسل رجليه، بخلاف المتيمِّم والمستحاضة فإنهما عاجزان عن رفع الحدث. والثاني: أنه إذا ارتفع ثم عاد إلى الرِّجل سرَى إلى بقية الأعضاء، لأن الحدث لا يتبعَّض، فلا يرتفع عن عضو حتى يرتفع عن الجميع، [٧٦/ب] بدليل أنه لا يستفاد ببعضه فائدة أصلًا، وأنَّ حكمه يتعدَّى محلَّه، وذلك

стр. 338

معلَّق على طهارة جميع الأعضاء. ويمكن أن يُبنى على أنه وإن لم يرفع لكن الإباحة لا تتعلَّق ببعض الأعضاء دون بعض، فمتى استباح الصلاة بمسح الرِّجل، ثم زالت الإباحة عنها، زالت عن جميع الأعضاء. ويلزم على هذا، متى تيمَّم لرجليه ثم وجد الماء عقيبَ ذلك، أنه يعيد الوضوء. وخلعُ أحد الخفَّين كخلعهما، فيوجب عليه غسلَهما أو جميعَ الطهارة، على اختلاف الروايتين، كما لو ظهر بعضُ القدم. وكذلك إذا خرج (١) القدم أو بعضه إلى ساق الخفِّ خروجًا لا يمكن متابعةُ المشي معه، في إحدى الروايتين. وفي الأخرى: إن جاوز العقب موضع الغسل فهو كنزعه. وإن كان دونه لم يؤثِّر لأنه يسير. والأولى أقوى، لأن (٢) استقرار القدم هو الشرط في جواز المسح، بدليل ما لو أحدَث قبل استقرارها فإنه لا يمسح. وما كان شرطًا في ابتداء الطهارة كان شرطًا في بقاء حكمها، كما تقدَّم. مسألة (٣): (ومن مسح مسافرًا ثم أقام، أو مقيمًا ثم سافر، أتم مسحَ مقيم) . أمَّا إذا مسح بعضَ المدة وهو مسافر، ثم أقام، أتمَّ على مسح يوم وليلة،

стр. 339

إلا أن يكون قد مسحهما (١) قبل إقامته، فيخلَع. وهذا بلا تردُّد. وأما إذا مسح بعض المدة مقيمًا ثم سافر، ففيها روايتان: إحداهما: يُتِمُّ مسحَ مسافر. اختارها (٢) الخلال وصاحبه أبو بكر (٣)، لأنه سافر في أثناء المدة، فأشبه ما لو أحدث [٧٧/أ] ولم (٤) يمسح حتى سافر، فإنه يمسح تمام ثلاثة أيام ولياليهن، وإن كان ابتدأهن من حين الحدث الموجود في الحضر. ولأن المسحات عبادات لا يرتبط بعضها ببعض، ولا يفسُد أولها بفساد آخرها، فاعتُبر كلُّ مسح بالحال الحاضرة، كالصلوات والصيام، بخلاف الصلاة الواحدة. والأخرى: يُتِمّ مسحَ مقيم، كما ذكره الشيخ. وهو اختيار الخِرَقي والقاضي وأكثر أصحابنا (٥)، لأن المسح عبادة يختلف قدرُها بالحضر والسفر، فإذا وُجِد أحد طرفيها في الحضر غُلِّب حكمُه كالصلاة. وهذا لأن المسحات وإن كن عبادات لا يرتبط بعضها ببعض، لكن وقتها وقت واحد، بعضه مرتبط ببعض، ولا بد من بناء أحد طرفيه على الآخر. فإذا وقع بعضُ المدة في الحضر وجوَّزنا أن يُتمَّ مسحَ ثلاث لكان قد وقع مسحُ الثلاث في الإقامة (٦) والسفر، وهو خلاف الحديث. وهذا أشبه بالصلاة الواحدة من الصلوات، لأن تلك لا يرتبط بعضها ببعض في الوقت ولا في الفعل. ولو

стр. 340

جُعلت كالعبادات لكان القياس أن يعطَى كلٌّ بحسابه، فإذا مسح ثلثَ يوم في الحضر، فقد مسح ثلثَ مدّته، فيمسح في السفر ثلثي مدته، وهي يومان وليلتان. وهذا ــ مع أنه لا يقال به (١) ــ لا يصح، لأن من شأن العبادات وأوقاتها المتعلّقة بالسفر والحضر أن يتعلَّق بأحدهما لا بهما، ولأنه يفضي إلى جعل مدّة ثالثة غير الواحد والثلاثة، وهو خلاف السنة. وأمَّا [٧٧/ب] إذا أحدث في الحضر ولم يمسح حتى سافر، فإنما أبحنا له أن يمسح مسحَ مسافر، وإن كان أولها في الحضر، لأن العبادة لم يُفعل شيءٌ منها، ولا وجبت في الحضر، وإنما وُجد وقتُ جوازها، فأشبه ما لو دخل وقتُ الصلاة على صبيٍّ مقيم، فبلغ في الوقت بعد سفره. ولأنّ المسح جميعَه إذا وقع في السفر تحقَّق في حقِّه جميعُ مشقّة السفر، بخلاف ما إذا وُجد بعضه، فإنما يثبت في حقِّه بعضُ المشقة، والله أعلم. وإذا شكَّ في أول مدة المسح بني على الأصل، وهو وجوب غسل الرجلين. فلو شكَّ المسافر هل ابتدأ المسح في الحضر أو السفر بنى على مسح حاضر، لأن مدّته على اليقين. كما لو شكَّ المقيم هل ابتدأ المدّة في الحضر أو السفر، فلو مسح بعد يوم وليلة، ثم ذكر أنه أنشأ المسح في السفر= أعاد تلك الصلاة؛ كما لو صلَّى إلى بعض الجهات بغير اجتهاد ثُمَّ تبيَّن (٢) أنها جهة القبلة، أو صلَّى قريبَ الزوال بغير اجتهاد ثم تبيَّن أنه بعد الزوال. هذا هو المشهور.

стр. 341

وإن قلنا: إن المسافر إذا مسح في الحضر ثم سافر بنى على مسح مسافر، فكذلك هنا، لأن مسحه على التقديرين، لكنه يحسب المدّة من حين احتمال المسح (١) في الحضر، أو من حين احتمال المسح، على اختلاف الروايتين. وكذلك كلُّ طاهر لبس خفَّيه ثم شكَّ في الحدث، فإنه يبني حكم المدة على أول أوقات الشك، ويبني بتلك الطهارة التي لبِس عليها وشكَّ في زوالها على الصحة أخذًا [٧٨/أ] باليقين في كلِّ واحد من الحكمين. مسألة (٢): (ويجوز المسح على العمامة إذا كانت ذاتَ ذوائب (٣) ساترةً لجميع الرأس، إلا ما جرت العادة بكشفه). لا يختلف المذهب في جواز المسح على العمامة في الجملة، وأنه يجزئ عن مسح ما وازنه من الرأس، لما روى عمرو بن أمية الضَّمْري قال: رأيت رسول الله ﷺ يمسح على عمامته وخفَّيه. رواه أحمد والبخاري وابن ماجه (٤). وعن بلال قال: مسح رسول الله ﷺ على الخفَّين والخمار. رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي (٥).

стр. 342

وفي رواية لأحمد (١): أن رسول الله ﷺ قال: "امسحوا على الخفَّين والخمار" (٢). وعن المغيرة بن شعبة قال: توضأ رسول الله ﷺ [ومسَح] (٣) على الخفَّين والعمامة. رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح (٤). فإن قيل: المراد بذلك أنه مسح بعضَ رأسه وتمَّم المسحَ على العمامة، كما أخرجا في "الصحيحين" (٥) عن المغيرة بن شعبة أنه مسَح (٦) على ناصيته وعمامته، فنقول: المجزئ مسحُ بعض الرأس، والمسحُ على العمامة استحباب. وكذلك حكاه الترمذي (٧) عن غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ : لا يمسَح على العمامة إلا أن يمسحَ برأسه مع العمامة. قلنا: لا يصح أن يكون الفرض إنما سقط بمسح بعض الرأس لوجوه: أحدها: ما تقدَّم من أن استيعاب الرأس بالمسح واجب. الثاني: [٧٨/ب] ما روى ثوبان قال: بعث رسول الله ﷺ سريّةً، فأصابهم البرد، فلما قدموا عليه شكَوا ما أصابهم، فأمرهم أن يمسحوا على العصائب

стр. 343

والتَّسَاخين. رواه أحمد وأبو داود (١). والعصائب: العمائم، والتساخين: الخِفاف. فلو كان بعض الرأس هو الممسوح، والفرض قد سقط، لم يكن إلى الأمر بالعصائب حاجةٌ لقومٍ شَكَوا البرد، وخافوا البرد أن يلحق رؤوسهم وأرجلهم. الثالث: أنه أمرهم بمسح العصائب مطلقًا، كما أمرهم بالخِفاف مطلقًا، ولم يأمرهم مع ذلك بمسح بعض الرأس. وتأخيرُ البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، لا سيَّما وقد قرنه بمسح الخفِّ الذي ليس معه غيره. وكذلك سائر أصحابه (٢) الذين نقلوا أنه مسَح على الخفين والعمامة فهموا من المسح على العمامة ما فهموا من المسح على الخفَّين: أنّ لباس العضو نائبٌ (٣) عنه. الرابع: أن المسح على العمامة إجماع الصحابة، ذكره إسحاق (٤) والترمذي (٥) عن أبي بكر وعمر. وقال أبو إسحاق الشَّالَنْجي: روي المسح

стр. 344

على العمامة عن ثمانية من الصحابة، وهم (١): أبو بكر وعمر وعلي وسعد بن أبي وقاص وأبو موسى الأشعري وأنس بن مالك وعبد الرحمن بن عوف وأبو الدرداء. وروى الخلال بإسناده عن عمر قال: من لم يطهِّره المسح على العمامة، فلا طهَّره الله (٢). ولو كان المسح على العمامة وجوده كعدمه في حصول الإجزاء به، وأن الفرض إنما هو مسحُ بعض الرأس لم يكن في حكاية هذا عن الصحابة فائدة، ولكان الواجب أن يقال: مذهبهم جواز [٧٩/أ] مسح بعض الرأس، ثم لم يذكروا مسح بعض الرأس أصلًا، فكيف ينسب إليهم ما لم يقولوه، ولاستحال قول عمر: من لم يطهِّره المسح على العمامة، فلا طهَّره الله؛ فإن المخالف يقول: إنما طهَّره مسحُ بعض الرأس. الخامس: أن أبا بكر عبد العزيز روى بإسناده عن عمر بن رُديَح عن عطاء بن أبي ميمونة عن أبي بردة عن المغيرة بن شعبة قال: غزونا مع رسول الله ﷺ ، فأمرنا أن نمسح على الخفين والعمامة ثلاثة أيام ولياليهن في السفر، ويومًا وليلةً للمقيم (٣).

стр. 345

وقد قال يحيى بن معين: عمر بن رُدَيح صالح الحديث (١). وروى الخلال (٢) بإسناده عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة أن النبي ﷺ قال: "يمسح على الخفين والعمامة ثلاثًا في السفر، ويومًا وليلةً للمقيم". وأحاديث شهر حِسان. والتوقيت إنما يكون في البدل واللباس والحائل. السادس: إنما نقول بموجب دليلهم في إحدى الروايتين، وأنه إنما يجزئ المسح على العمامة إذا مسح ما يظهر من الرأس عادة كمقدَّمه، كما دلَّ عليه حديث المغيرة بن شعبة، وكما نُقِل عن بعض الصحابة. وهذا لأن العمامة نابتْ عن مسح ما سترتْه، فبقي الظاهر (٣) على الأصل. ولا يقال: ففي هذا جمعٌ بين البدل والمبدل، لأنا نقول: مسحُ العمامة مع الرأس مشروع إجماعًا، مع أنه خلاف قياس الرِّجل، إما استحبابًا أو وجوبًا. وذلك لأن ستر جميع الرأس غير معتاد، بخلاف ستر جميع القدم. فمن أين لهم [٧٩/ب] أن مسح بعض الرأس بدون العمامة هو المجزئ؟

стр. 346

والرواية الأخرى، وهي الصحيحة: أنه لا يجب مسح ما يظهر، لأن في حديث بلال وثوبان أمر بمسح الخمار والعصائب ولم يذكر شيء آخر، وكذلك عامة من حكى عنه (١) المسح على العمامة لم يذكروا الناصية إلا المغيرة، فيكون قد فعله في بعض الأوقات، إذ لو كان هو المداوم عليه لما أغفله الأكثرون. ولا يجب مسح الأذنين على الروايتين، لأنه لم يُنقل عنه مع مسح العمامة، ولأنهما من الأصل تبعًا، وقد انتقل الفرض عنه إلى غيره؛ ولأنه عضو يسقط في التيمم، وجاء طهوره في القرآن بلفظ المسح، فشرع المسح على لباسه كالرجلين وأولى، لأن المسح إلى المسح أقرب من المسح إلى الغسل (٢)؛ ولأن الغالب أنه مستور بلباسه، واستيعابُه يشقُّ؛ ولأن العمامة محلٌ لتكميل وظيفة المسح، فكانت محلًّا للمسح المجزئ، كجوانب الرأس. وعكسُه مسحُ باطن الخف. وفي مسح المرأة على مِقْنَعتها ــ وهي خِمارها المُدارُ تحت حلقها ــ روايتان: إحداهما: لا يجوز، لأن نصوص الرخصة (٣) إنما تناولت الرَّجل بيقين، والمرأة مشكوك فيها؛ ولأنها ملبوس على رأس المرأة، فهو كالوقاية. والثانية: يجوز، وهي أظهر، لعموم قوله: "امسحوا على الخفينوالخمار" والنساء يدخلن في الخطاب المذكور تبعًا للرجال، كما دخلن في المسح على الخفين.

стр. 347

وذكر الإمام أحمد وابن المنذر عن أم سلمة زوج النبي [٨٠/أ] ﷺ أنها كانت تمسح على الخمار (١)، فلولا أنها علمت ذلك من جهة رسول الله ﷺ نصًّا أو دلالةً لَما عملَتْه، وهي أفهم لمراده؛ ولأن الرأس يجوز للرجل المسح على لباسه، فجاز للمرأة كالرجل؛ ولأنه لباس يباح على الرأس يشقُّ نزعُه غالبًا، فأشبه عمامة الرجل وأولى، لأن خمارها يستر أكثر من عمامة الرجل، ويشقُّ خلعه أكثر، وحاجتها إليه أشدُّ من الخفين. فأما العمامة للمرأة، فلا يجوز المسح عليها، لأنها منهيَّة عن ذلك. وكذلك كلُّ ما فيه تشبُّه بالرجال. وإن فرضت الإباحة بعض الأوقات لحاجة، فهي حالة نادرة. فأما مسحُ الرجل على القلانس المبطَّنات الكبار، كالنوميَّات (٢) التي تتخذ للنوم، والدَّنِّيّات (٣) التي كانت القضاة تلبسها مستقدمًا (٤)، ففيه روايتان: إحداهما: يجوز، لأن عمر (٥) وأبا موسى (٦) وأنس بن مالك (٧)

стр. 348

رخَّصوا في ذلك، ولأنه ملبوس مباح معتاد للرأس أشبه العمامة. قال بعض أصحابنا: وهذا إذا كانت محبوسة تحت الذَّقَن كالعمامة والخمار (١). والثانية: لا يجوز، لأن ذلك لباس لا يشقُّ نزعه، فأشبه القلنسوة غير المبطَّنة، ولأن الحديث إنما جاء عن رسول الله ﷺ في العمامة، وهذه لا تُشبهها من كلِّ وجه، فلم تلحق بها. فصل ومن شرط جواز المسح على العمامة أن تكون ساترة لجميع الرأس، إلا ما جرت العادة بكشفه مثل مقدَّم الرأس والأذنين، [٨٠/ب] فإن هذا يُعفى عنه، بخلاف الخفّ فإنه لا يعفى عن يسيره، لأن العمائم إنما تلبس على هذه الصفة. ثم هي على ثلاثة أقسام: أحدها: أن تكون محنَّكة، فيجوز المسح عليها، سواء كان لها ذؤابة أو لم تكن، من غير اختلاف نعلمه في المذهب، وكلام الشيخ على هذا لا مفهوم له. والمحنَّكة: هي التي يدار تحت الحَنَك منها كَوْرٌ أو اثنان (٢)، وتسمى "المحنَّكة"، أو "المتلحَّاة"، لأن هذه كانت عِمَّة المسلمين على عهد رسول الله ﷺ وأصحابه، فانصرف كلامه وكلام أصحابه إليها، ولم يكونوا كلُّهم يُرخون الذوائب؛ ولأنَّ هذه يشقُّ نزعُها، فجاز المسح عليها كالخفّ.

стр. 349

الثاني: أن لا تكون محنكة ولا ذات ذؤابة، فالمذهب المعروف أنه لا يمسح عليها، لأنها لم تكن عِمَّة المسلمين فيما مضى، ولا تلحق بها، لوجهين: أحدهما: أنها لا يشقُّ نزعها كنزع المحنَّكة، ولا تستر سترها، فأشبهت الطاقية والكُلتة (١). والثاني: أنه منهيٌّ عنها. قال عبد الله: كان أبي يكره أن يعتمَّ الرجل بالعمامة ولا يجعلها تحت حلقه (٢). وقال أيضا: يكره أن لا تكون تحت الحنَك كراهية شديدة، وقال: إنما يتعمَّم مثل ذلك اليهود والنصارى والمجوس (٣). وقال أيضًا: أحبُّ الرجل إذا اعتمَّ أن يتحنَّك بها، ولا يعتمَّ إلا بتحنيك فإنه مكروه. وقال الميموني: رأيت أبا عبد الله، وعمامتُه تحت ذقنه؛ ويكره غير ذلك (٤). وذلك لما روى أبو عبيد في آخر "الغريب" (٥) عن النبي ﷺ أنه أمر

стр. 350

بالتلحِّي، ونهى عن الاقتعاط (١). قال أبو عبيد: أصل هذا الحديث في لبس العمائم. إذا لاثها المعتمُّ على رأسه، ولم يجعلها تحت حنكه، قيل: اقتعَطَها فهو المنهي عنه. وإذا أدارها تحت الحنك قيل: تلحَّاها تلحِّيًا (٢)، فهو المأمور به. وروى أبو حفص العكبري عن جعدة بن هبيرة قال: رأى عمر بن الخطاب رجلًا يصلي، وقد اقتعط بعمامته، فقال: ما هذه العمامة الفاسقية؟ ثم دنا منه، فحلَّ لَوْثًا من عمامته، فحنَّكه بها، ومضى (٣). وروى أبو محمد الخلال بإسناده عن طاوس في الرجل يلوي العمامة على رأسه ولا يجعلها تحت ذقنه، قال: تلك عِمَّة الشيطان (٤). وعن الحسن أنه بينما هو يطوف بالبيت إذ أبصر على رجل عمامة قد اعتمَّ بها، ليس تحت ذقنه منها شيء، فقال له الحسن: ما هذه الفاسقية؟ (٥).

стр. 351

وعن عمران المقبري قال: هذه العِمَّة (١) التي لا يُجعَل (٢) تحت الحلق منها عمة قوم لوط، يقال لها "الأبارية" (٣). ويتخرَّج جواز المسح عليها كالقلنسوة المبطَّنة، وأولى، لأنها في الستر ومشقّة النزع لا تنقص عنها. وذلك لأنها داخلة في مسمَّى العمائم والعصائب التي جاء الإذن بها. وأما كراهية لبسها (٤)، فقد رخَّص فيه إسحاق بن راهويه وغيره من أهل العلم. واحتجُّوا بما روى وهب بن جرير عن أبيه عن يعلى بن حكيم عن سليمان بن أبي عبد الله قال: أدركت أبناء المهاجرين والأنصار، فكانوا يعتمُّون ولا يجعلونها تحت الحنك (٥). لكن المنصوص عن أحمد [٨١/ب] الكراهية كما تقدَّم. وأنكر هذا الحديث، وقال: حديث منكر، ما أدري أي شيء ذلك الحديث! وقال أيضًا وقد سئل عنه: ما أدري ما هو (٦): وقيل له: تعرف سليمان بن أبي عبد الله؟ فقال: لا. وردُّ أحمد له، لأن إجماع السلف على خلافه. قيل له: سمعت أنت هذا الحديث من وهب؟ فقال: نعم. وهو معروف، ولكن الناس على غير هذا

стр. 352

الذي رووا عن (١) يعلى بن حكيم. ولأن أولئك الذين نُقِل عنهم لم يُعرَف مَن هم (٢)؟ ولعلهم من جملة من أنكر عليه كما ذكرنا آنفًا. لكن المحكي عن أحمد فيها لفظ الكراهة، والأقرب أنها كراهة لا ترتقي إلى حدِّ التحريم. ومثل هذا لا يمنع الترخيص، كما قلنا في سفر النزهة أنه يبيح القصر على ظاهر المذهب. يؤيد هذا أن الكراهة على ما ذكر، فلا يختلف بين إرخاء الذؤابة (٣) وتركه، ومع هذا فيقال: مال جماعة من أصحابنا إلى المسح على ذات الذوائب. القسم الثالث: أن تكون ذات ذؤابة بلا حنك، فيجوز المسح عليها في أحد الوجهين، وهو الذي ذكره الشيخ؛ لأن إرخاء الذؤابة من السنة. قال أحمد في رواية الأثرم وإبراهيم بن الحارث: ينبغي أن يُرخي خلفه من عمامته، كما جاء عن ابن عمر (٤). يشير بذلك إلى ما روى أبو بكر الخلال بإسناده عن نافع كان ابن عمر يعتمَّ ويُرخيها بين كتفيه (٥). وبإسناده عن عبيد الله بن عمر قال: أخبرني أشياخنا [٨٢/أ] أنهم رأوا أصحاب النبي ﷺ يعتمُّون، ويُرخونها تحت أكتافهم (٦).

стр. 353

وبإسناده عن عاصم بن محمد عن أبيه قال: رأيت عبد الله بن الزبير اعتمَّ وأرخاها من خلفه نحو ذراع (١). وبإسناده عن سلمة بن وردان (٢) قال: رأيت على أنس بن مالك عمامة سوداء قد أرخاها من خلفه (٣). وقد روى أبو محمد الخلال بإسناده عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ دعا علي بن أبي طالب، فإذا هو رَمِد، فتفل في عينيه، ودعا له بعمامة سوداء، وأرخى طرف العمامة من بين كتفيه، ثم قال: "سِرْ". فسار، ففتح الله عليه (٤). وعن ابن عمر قال: عمَّم النبي ﷺ عبد الرحمن بن عوف عمامة سوداء كرابيس (٥)، وأرخاها من خلفه قدر أربع (٦) أصابع، وقال: "هكذا فاعتمَّ، فإنه أعرف وأجمل" (٧).

стр. 354

فإذا أرخاها ذؤابةً ولم يتحنَّك، فقد أتى ببعض السنة. والنهي عن الاقتعاط كان لئلا يتشبه بأهل الكتاب، وبهذا يحصل قطعُ التشبُّه (١)، لأنها ليست من عمائمهم. وحملوا حديث سليمان بن أبي عبد الله على أن تلك العمائم كانت بذوائب. والثاني: لا يجوز، لأن عموم النهي يشملها، ولأنها لا يشقُّ نزعها. ويشترط للمسح على العمامة ما يشترط لمسح الخفِّ (٢) من لبسها على طهارة كاملة، ومن اعتبار الوقت. وإذا خلعها بطلت طهارته. وكذلك إذا انكشف رأسه إلا أن يكون يسيرًا، مثل أن يرفعها بقدر ما يدخل يده لحكِّ (٣) رأسه أو لمسحه في الوضوء [٨٢/ب] ونحو ذلك، فلا بأس به ما لم يفحُش. ولو انتقضت فكذلك؛ إلا أن ينتقض (٤) بعضها ككور أو كورين، ففيه روايتان: إحداهما: لا تبطل الطهارة، لأن العضو مستور ببعض الممسوح، فأشبه ما لو زالت ظهارةُ الخفِّ (٥) وبقيت بطانته.

стр. 355

والثانية: تبطل. وهي المشهورة، لأنه بانتقاض بعضها ينتقض سائرها، فلم تبق على حال تثبت بنفسها، فأشبه ما لو انفتق الخفُّ فتقًا لا يثبت في الرجل معه. وعلى الرواية التي تقول: يجوز غسل رجليه في مسألة (١) الخف، يحتاج هنا إلى مسح رأسه وغسل رجليه لأجل الترتيب. فصل السنة: أن يمسح أعلى الخف، دون أسفله وعقبه. والأفضل أن يضع يده مفرَّجةَ الأصابع على أصابع رجليه، ثم يجرَّها إلى ساقه. ولو بدأ بأسفل الساق قبل رؤوس الأصابع جاز. وقال ابن أبي موسى: السنة أن يمسح أعلاه وأسفله (٢)، لما روى المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ مسَح أعلى الخف وأسفله. رواه الخمسة إلا النسائي (٣). ولأنه موضع يحاذي محلَّ الفرض، فأشبه أعلاه. ولأنه استيعاب بالمسح، فكان مشروعًا كمسح الرأس والعمامة.
следующие страницы →