← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

الصيد، فإنه يخرجه .... (١). فإن أخرج هدي الفساد قبل القضاء ... (٢). وليس عليه بالإفساد إلا هدي واحد، كما تقدم في أحد الحديثين المرسلين وسائر فتاوى الصحابة، وقد جاء في الحديث الآخر ذِكْر هديينِ، وهي قضية عين، فلعلهما كانا قد ساقا هديًا، وهذا لأن ... (٣). فإن كان هذا الواطئ قد ساق هديًا نحره في السنة الأولى كما يقضي سائر المناسك، ولم يُجزِئه عن هدي الإفساد، كما لا يجزئه عن سائر الدماء الواجبة عليه. فإن كان قد وجب عليه في الحجة الفاسدة دم بفعلِ محظورٍ من لباس أو طيب أو غير ذلك، لم يسقط عنه بفعل (٤) القضاء قولًا واحدًا. وإن كان قد وجب عليه بتركِ واجب؛ مثل: إن أحرم دون الميقات ثم أفسد الإحرام، أو أفاض من عرفات قبل الليل، أو ترك رمي الجمار ونحو ذلك، فهل يسقط عنه بفعل القضاء؟ ففيه روايتان منصوصتان: إحداهما: يسقط. نص عليه في رواية مهنّا (٥) في رجل جاوز الميقات إلى مكة، ثم أحرم بعمرة فأفسدها: عليه قضاؤها، يرجع إلى الوقت يُحرم منه، فقيل له: أفلا يكون عليه شيء لتركه الوقتَ أول مرة؟ قال: لا.

стр. 2907

وذلك لأن الدم قائم مقام النسك المتروك، فإذا قضى ما تركه فقد قام القضاء مقام ما ترك فأغنى عن الدم، بخلاف ما وجب لفعل محظور، فإن ذلك المحظور لم يخرج عنه كفارة، وبخلاف ما لو عاد إلى الميقات محرمًا، فإن إحرامه قد نقص نقصًا لم يُجْبَر بالعود إليه، وهنا قد أحرم إحرامًا مبتدأ من الميقات. والثانية: لا يسقط. نص عليه في رواية ابن منصور (١)، وذكر له قول سفيان في رجل جاوز الميقات فأهلَّ ثم جامع: عليه أن يحج من قابلٍ وعليه بدنة، وليس عليه دم لتركه الميقات، قال أحمد: عليه دم لتركه الميقات ويمضي في حجته، ويصنع ما يصنع الحاج، ويلزمه ما يلزم المحرم في كلّ ما أتى، لأن الإحرام قائم، وعليه الحج من قابلٍ والهدي. وهذه اختيار أصحابنا؛ لأن من أصلنا أن الدم الواجب بترك الإحرام من الميقات لا يسقط بالقضاء، كما لو أحرم دون الميقات ثم عاد إلى الميقات (٢) محرمًا. وأيضًا فإن الحجة الفاسدة حكمها حكم الصحيح في كل شيء، وعليه أن يَجْبُرها إذا ترك واجبًا أو فعل محظورًا، فلو قلنا: إن ما يفعله في قضائها يقوم مقام ما يفعله فيها، لكُنَّا لم نوجب عليه إتمام الحجة الفاسدة. ولأنه لو كان القضاء يقوم مقام ما يتركه في الحجة الفاسدة لم يجب عليه المضيُّ فيها، بل قد أوجب الشرع عليه إتمام الأولى وقضاءها.

стр. 2908

وإن كان متمتعًا أو قارنًا قد وجب عليه دم بسبب ذلك، ثم وطئ، فهل يسقط عنه دم المتعة والقران؟ على روايتين منصوصتين أيضًا: إحداهما: ليس عليه دم متعة ولا قران، وقد تقدم نصُّه على ذلك في رواية أبي طالب: فيما إذا وطئ وهو محرم بعمرة أو قارنٌ إن كان معه هدي نحره، وإلا فليس عليه هدي إلى قابلٍ، فإذا حجَّا أهديا. وقال أيضًا في رواية المرُّوذي (١) وقد سئل عن متمتع دخل مكة فوطئ قبل أن يطوف بالبيت، فقال: لا تقل: متمتع، ولكن قلْ: معتمر، يرجع إلى الميقات الذي أهلَّ منه، فيحرم بعمرة، وعليه دم، وإن كان الوقت ضيقًا أهلَّ بالحج، فإذا فرغ منه أهلَّ بالعمرة. فلم يوجب عليه دم التمتع، وذلك لأنه لم يترفَّهْ بسقوط أحد السفرين؛ لأنه قد وجب عليه سفر (٢) آخر في القضاء. والرواية الثانية: لا يسقط عنه دم المتعة والقران، نص عليه في رواية ابن منصور (٣)، وذُكِر له قول سفيان في رجل أهلَّ بعمرة في أشهر الحج ثم جامع أهله قبل أن يطوف بالبيت ثم أقام إلى الحج: يحج (٤) وعليه دمٌ لعمرته، وليس عليه دم للمتعة لأنه أفسدها، فقال أحمد: عليه دم للمتعة ودم لما أفسد من العمرة. لأن كل ما وجب الإتيان به في النسك الصحيح وجب الإتيان به

стр. 2909

في الفاسد [ق ٢٨٨] كالطواف؛ وذلك لأنه مأمور بإتمام الفاسد حتى يكون مثل الصحيح، إلا في أن أحدهما حصل فيه الوطء فأفسده والآخر عرِيَ عن ذلك. فعلى هذا إذا أحرم بقران القضاء فهل عليه دم غير دم (١) الفساد ودم القران الفاسد؟ كلام أحمد والأصحاب يقتضي أنه ليس عليه دم آخر. وأما المتمتع فإن كان قد وطئ في العمرة فقد وجب عليه قضاءٌ. فإذا قضاها ... (٢). فإن لم يقضِها قبل الحج فعليه دم لترك الميقات، نص عليه ... (٣). فصل والدم الواجب بالوطء ونحوه أربعة أقسام: أحدها: بدنة مع الإفساد. والثاني: شاة مع الإفساد. والثالث: بدنة بلا إفساد. والرابع: شاة بلا إفساد. فصل وعليهما أن يتفرقا في القضاء؛ قال في رواية ابن منصور (٤) في الذي يصيب أهله مهلًّا بالحج: يُهِلّان من قابلٍ ويتفرقان، وأرجو أن يجزئهما

стр. 2910

هدي واحد. وقال في رواية الأثرم (١) في الرجل يصيب امرأته (٢) وهما محرمان: يتفرقان إذا عادا إلى الحج في النزول والمَحْمِل والفُسطاط وما أشبه ذلك. لأن في أحد الحديثين المرسلين (٣): فقال لهما رسول الله ﷺ : «اقضِيا نسككَما وأَهدِيا هديًا، ثم ارجعا، حتى إذا جئتما المكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما فتفرَّقا، ولا يرى واحد منكما صاحبه، وعليكما حجة أخرى، فتُقبِلان حتى إذا كنتما بالمكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما فأحرِما». وفي الآخر: فقال لهما: «أتِمَّا حجَّكما ثم ارجعا، وعليكما حجة أخرى [من] قابلٍ، حتى إذا كنتما في المكان الذي أصبتما فأحرِما وتفرَّقا، ولا يرى واحد منكما صاحبه، ثم أتِمَّا مناسككما وأهدِيا». وفي حديث عمر (٤): «يقضيان حجهما ــ والله أعلم بحجهما ــ ثم يرجعان حلالًا، كل واحد منهما لصاحبه حلالًا، حتى إذا كانا من قابلٍ حَجّا وأهدَيا، وتفرقا من حيث أصابا، فلم يجتمعا حتى يقضيا حجهما». وفي الرواية المشهورة عن ابن عباس: «اقضيا ما عليكما من نسككما هذا، وعليكما الحجُّ من قابلٍ، فإذا أتيتما على (٥) المكان الذي فعلتما فيه ما

стр. 2911

فعلتما فتفرقا، ولا تجتمعان حتى تقضيان نسككما». وفي رواية أخرى عنه: «ولا يمرّان على المكان الذي أصابا فيه ما أصابا (١) إلا وهما محرمان، ويتفرقان إذا أحرما». وفي رواية أخرى عنه: «ويُحرِمان من حيث كانا أحرما، ويتفرقان». وعن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة (٢): أنه سئل (٣) ابن عباس عن رجل أصاب امرأته وهو محرم، قال: عليهما الحج من قابلٍ، ثم يتفرقان من حيث يحرمان، ولا يجتمعان حتى يقضيا مناسكهما، وعليهما الهدي. رواه النجّاد (٤). وفي رواية الحكم (٥) عن علي قال: يفترقان (٦) ولا يجتمعان إلا وهما حلالان، وينحر كل واحد منهما جَزورًا، وعليهما الحج من قابلٍ، يُحرمان بمثل ما كانا أحرما به في أول مرة، فإذا مرّا بالمكان الذي أصابها فيه تفرقا، فلم يجتمعا (٧) إلا وهما حلالان. وذكر مالك (٨) عن علي: فإذا أهلَّا بالحج من عام قابلٍ تفرقَا، حتى

стр. 2912

يقضيا حجَّهما. فهذه أقوال الصحابة مع المرسل المرفوع لا يُعرَف أثر صريح يخالف ذلك. وذلك لأنه إذا جامعها في المكان الذي واقعها فيه لم يُؤمَن أن تتكرر تلك الحال، فتدعوه نفسه إلى مواقعتها، فيُفسِد الحجة الثانية كما أفسد الأولى، فإن رؤية الأمكنة تُذكِّر بالأحوال التي كانت فيها، وشهوة الجماع إذا هاجت فهي قاهرة (١) لا تنضبط، وهذا معروف في الطباع، وقد (٢) ذكر الشعراء ذلك في أشعارهم، حتى قيل: إن سبب حب الوطن ما قضته النفس من الأوطار فيه، وربما قد جرِّب. وأيضًا فإن مفارقة الحال والمكان الذي عصى الله فيه من تمام التوبة. وأيضًا فإنهما لما اجتمعا على معصية الله كان من توبتهما أن يتفرقا في طاعة الله، لقوله ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، وقد قال طاوس: «ما اجتمع رجلان على غير طاعة الله إلا تفرَّقا عن تَقالٍ (٣)» (٤)، فإن تعجَّلا ذلك التقال (٥) في الدنيا كان خيرًا لهما من تأخيره إلى الآخرة.

стр. 2913

وأيضًا ... (١). فعلى هذا ليس عليه أن يفارقها في الإحرام الفاسد، ولا بعد رجوعهما (٢) قبل الإحرام بحَجة القضاء. فأما أحد الحديثين المرسلين، وحديث علي ... (٣). فإذا أحرما بالقضاء فهل يفارقها من حين الإحرام أو إذا بلغا مكان الإصابة؟ فيه روايتان ذكرهما ... (٤). إحداهما: من حين الإحرام، وهو ظاهر ما ذكرناه عن أحمد؛ لأنه كذلك في حديث علي وحديث ابن عباس (٥)، ولأنه يُخاف عليهما فساد الإحرام في أوله كما يُخاف عليهما في آخره. والثانية: من الموضع الذي أصابها فيه، وهو الذي ذكره ابن أبي موسى (٦) والقاضي (٧) [ق ٢٨٩] وأصحابه وعامة ... (٨)؛ لأن الذي في المرفوع: «حتى إذا كنتما في المكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما فتفرَّقا». وكذلك رُوي عن عمر ولم يختلف عنه، وكذلك هو أجود الروايتين عن علي وابن عباس.

стр. 2914

ولعله يُجمع بين الروايات بأن يكون التفرُّق من حين الإحرام مستحبًّا (١)، ومن موضع الإصابة واجبًا (٢)، ولعله يستحبُّ التفرق في الحجة الفاسدة. ولا يزالان متفرقين إلى حين الإحلال الثاني، لأن ما قبل ذلك فالجماع محرم عليه، ويتوجه ... (٣). وصفة التفرق على ما ذكره أحمد: أن لا يجتمعا في محمل ولا فسطاط، في الركوب ولا في النزول، وفي المرسل: «أن لا يرى أحدهما صاحبه». فأما كونهما في رُفقةٍ أو في قِطار فلا يضرُّهما. وهل هذا التفرق واجب أو مستحب؟ خرَّجها ابن حامد على وجهين، أحدهما: أنه واجب، وهو ظاهر كلام أحمد والآثار المروية في ذلك .... (٤). مسألة (٥): (والمرأة كالرجل، إلا أن إحرامها في وجهها، ولها لُبْسُ المخيط) . في هذا الكلام فصول: أحدها: أن المرأة في تحريم الطيب وقتل الصيد وتقليم (٦) الأظافر والحلق والمباشرة كالرجل؛ لما تقدَّم من الأدلة الدالة على تحريم ذلك

стр. 2915

عليهما؛ ولأن المعاني التي من أجلها حُرِّم ذلك على الرجل موجودة في المرأة وربما كانت أشدَّ. الثاني: أنها لا يحرم عليها لبس المخيط ولا تخمير الرأس؛ فلها أن تلبس الخفين والقميص لما تقدم؛ وذلك لأنها محتاجة إلى ستر ذلك لأنها عورة، ولا يُحصِّل سترَه (١) في العادة إلا ما صُنِع على قدره، ولو كُلِّفتِ السترَ بغير المخيط لشقّ عليها مشقة شديدة. ولما كان الستر واجبًا وهو مصلحة عامة لم يكن محظورًا في الإحرام. وسقط عنهن التجرُّد كما سقط استحباب رفع الصوت بالإهلال والصعود على مزدلفة والصفا والمروة، لما فيه من بروزها وظهورها. الفصل الثالث: أن إحرامها في وجهها، فلا يجوز لها أن تلبس النقاب والبرقع ، وهذا إجماع. قال أصحابنا: وستر رأسها واجب، فقد اجتمع في حقها وجوب (٢) ستر الرأس ووجوب كشف الوجه، ولا يمكن تكميل أحدهما إلا بتفويت تكميل الآخر. فيجب أن تكمل الرأس لأنه أهم، كما وجب أن تستر سائر البدن ولا تتجرد؛ ولأن المحظور أن تستر الوجه على الوجه المعتاد كما سيأتي. وسترُ شيء يسير منه تبعًا للرأس لا يُعدُّ سترًا للوجه. فأما في غير الإحرام فلا بأس أن تطوف منتقبةً، نصّ عليه. فإن احتاجت إلى ستر الوجه، مثل أن يمرَّ بها الرجال وتخاف [أن] يروا وجهها، فإنها ترسل من فوق رأسها على وجهها ثوبًا، نصّ عليه.

стр. 2916

قال أبو عبد الله في رواية أبي طالب (١): وإحرام الرجل في رأسه، ولا يغطِّي رأسه (٢)، ومن نام فوجد رأسه مغطًّى فلا بأس، والأذنان من الرأس. يخمِّر أسفلَ من الأذنين وأسفلَ من الأنف. والنبي ﷺ قال: «لا تُخمِّروا رأسه» (٣). فأذهبُ إلى قول النبي ﷺ . قال: وإحرام المرأة في وجهها، لا تنتقب و [لا] تتبرقع، وتُسدلِ الثوب على رأسها من فوق، وتلبس من خزِّها وقَزِّها (٤) ومعصفرها وحُليِّها في إحرامها، مثل قول عائشة ﵂. وذلك لما روت عائشة قالت: «كان الرُّكبان يمرُّون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حَاذَوا (٥) بنا سَدَلَتْ إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه». رواه أحمد ﵁، وأبو داود وابن ماجه (٦). ولو فعلت ذلك لغير حاجة جاز، على ما ذكره أحمد ﵁.

стр. 2917

قال ابن أبي موسى (١): إن احتاجتْ سدلتْ. لكن عليها أن تُجافي ما تسدله عن البشرة، فإن أصاب البشرة باختيارها افتدت، وإن وقع الثوب على البشرة بغير اختيارها رفعتْه بسرعة، ولا فدية عليها، كما لو غطى ... (٢). فإن لم ترفعه عن وجهها مع القدرة عليه افتدتْ، هذا قول القاضي وأصحابه وأكثر متأخري أصحابنا (٣)، وحملوا مطلق كلام أحمد عليه، لأنه قال (٤): إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها، قالوا: لأن وجه المرأة كرأس الرجل بدليل ما روي ... (٥). ورأس الرجل لا يجوز تخميره بمخيط ولا غير مخيط, فكذلك وجه المرأة. لكن موجب هذا القياس أن لا تخمِّر وجهها بشيء منفصل عنه كرأس الرجل وهذا غير صحيح. والذي يدل عليه كلام أحمد وقدماء أصحابه: جواز الإسدال، سواء وقع على البشرة أو لم يقع؛ لأن أحمد قال: تسدل الثوب، وقال ابن أبي موسى (٦): إحرامها في وجهها، فلا تغطِّيه ولا تتبرقع، فإن احتاجت سدلت على وجهها. لأن عائشة ذكرت أنهن كنّ يُدلين [ق ٢٩٠] جلابيبهن على وجوههن من رؤوسهن، ولم تذكر مجافاتها، فالأصل عدمه؛ لاسيما وهو لم

стр. 2918

يُذكر، مع أن الحاجة داعية (١)، والظاهر أنه لم يُفعَل؛ لأن الجلباب متى أرسل مسّ بَشرةَ (٢) الوجه؛ ولأن في مجافاته مشقة شديدة، والحاجة إلى ستر الوجه عامة. وكلُّ ما احتيج إليه لحاجة عامة أُبِيح مطلقًا، كلبس السراويل والخفّ. فعلى هذا التعليل إن باشر لغير حاجة الستر ... (٣). ولأن وجه المرأة كبدن الرجل وكيد المرأة؛ لأن النبي ﷺ قال: «لا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القُفّازَين»، ولم ينهها عن تخمير الوجه مطلقًا. فمن ادعى تحريم تخميره مطلقًا فعليه الدليل، بل تخصيص النهي بالنقاب وقِرانُه بالقفّاز دليل على أنه إنما نهاها عما صُنع لستر الوجه، كالقفّاز المصنوع لستر اليد، والقميص المصنوع لستر البدن. فعلى هذا يجوز أن تخمِّره بالثوب من أسفل ومن فوق، ما لم يكن مصنوعًا على وجه يثبت على الوجه، وأن تخمِّره بالمِلْحفة وقت النوم. ورأس الرجل بخلاف هذا كله. وقال ابن أبي موسى (٤): ومتى غطَّت وجهها أو تبرقعت افتدتْ. فصل ولا يجوز للمحرمة لبس القُفَّازين ونحوهما؛ وهو كل ما يصنع لستر اليدين إلى الكوعين. هذا نصُّه (٥) ومذهبه، لا خلاف فيه. وكلام الشيخ هنا

стр. 2919

يقتضي جواز لبسهما؛ لأنه لم يذكره، وأباح لبس المخيط مطلقًا. وهذا تساهلٌ في اللفظ لا يؤخذ منه مذهب؛ لأنه قد صرَّح بخلاف ذلك (١)، وذلك لما روى الليث عن نافع عن ابن عمر قال: قام رجل فقال: يا رسول الله، ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام؟ فقال النبي ﷺ : «لا تلبس القميص، ولا السراويلات، ولا العمائم، ولا البرانس (٢)، ولا الخِفاف، إلا أن يكون أحد ليست له نعلان فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفلَ من الكعبين، ولا تلبسوا شيئًا مسَّه الزعفران والورس، ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القُفَّازين». رواه أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي (٣). وعن محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ ينهى النساء في الإحرام عن القُفَّازين والنِّقاب، وما مسَّ الورس والزعفران من الثياب. رواه أحمد وأبو داود (٤). وأيضًا فإن حق المحرم أن لا يلبس شيئًا من اللباس المصنوع للبدن، لكن رخّص للمرأة أن تلبس ما تدعو إليه الحاجة لأنها عورة. ولا حاجة بها إلى أن تستر يديها بذلك؛ لأن سترها يحصل بالكُمّ وبإدخالها في العُبِّ (٥) ونحو ذلك، فلا حاجة إلى صنع القفّاز ونحوه، كبدن الرجل لما أمكن ستره بالرداء ونحوه لم يجزْ سترُه بالقميص. وهذا بخلاف

стр. 2920

قدميها، فإنها لو أُمرتْ بلبس النعلين (١)، أيضًا فإن يديها تظهر غالبًا، فسترهما بالقُفَّاز ونحوه صونٌ لهما في حال الإحرام، فلم يجزْ. وقد سلك بعض أصحابنا (٢) في ذلك طريقة؛ وهو (٣) أن اليدين ليسا من العورة، فوجب كشفهما كالوجه، وعكسه القدمان وسائر البدن، وذلك لأن العورة يجب سترها بخلاف ما ليس بعورة. ومن سلك هذه الطريقة جوَّز لها أن تصلِّي مكشوفة اليدين. وهذه الطريقة فيها نظر لوجوه: أحدها: أن اليدين لا يجب كشفهما، ولا يحرم تعمُّدُ تخميرِهما بما لم يصنع على قدرهما بالإجماع، فإن لها أن تقصد إدخال اليد في الكمّ وفي الجيب من غير حاجة، ولو كان مطلق الستر حرامًا إلا لحاجة لما جاز ذلك. الثاني: أن كون الوجه واليدين ليسا بعورة لا يبيح إبداءهما للرجال بكل حال، وكون العضد والساق عورة لا يوجب سترهما في الخلوة، وإنما يظهر أثر ذلك في الصلاة ونحوها (٤). * * * *

стр. 2921

باب الفدية مسألة: (وهي على ضربين؛ أحدهما: على التخيير، وهي فدية الأذى واللبس والطيب، فله الخيار بين [صيام] (١) ثلاثة أيام، أو إطعامِ ثلاثة آصُعٍ من تمرٍ لستة مساكين، أو ذبحِ شاة) (٢). الأصل في هذه الفدية قوله سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فأباح الله سبحانه الحلق للمريض، ولمن في رأسه قَمْلٌ يؤذيه، وأوجب عليه الفدية المذكورة، وفسَّر مقدارَها رسول الله ﷺ كما تقدم في حديث كعب بن عُجرة، وهو الأصل في هذا الباب، فقال له: «فاحْلِقه (٣) واذبحْ شاة، أو صُمْ ثلاثة أيام، أو تصدَّقْ بثلاثة آصُعٍ من تمرٍ بين ستة مساكين» (٤). وقد أجمع المسلمون على مثل هذا. وتقديره ﷺ لِما ذُكر في كتاب الله من صيام أو صدقة أو نسكٍ [ق ٢٩١] مثلُ تقديره لأعداد الصلاة وللركعات والأوقات، وفرائض الصدقات ونُصُبها، وأعداد الطواف والسعي والرمي وغير ذلك، إذ كان هو المبيِّن عن الله معانيَ كتابه ﷺ . وأما من حلقَ شعر بدنه، أو قلَّم أظفاره، أو لبس، أو تطيَّب= فملحقٌ

стр. 2922

بهذا المحظور في مقدار الفدية؛ لأن الله حرَّم ذلك كله في الإحرام. فصل إن فعل المحظور لعذر ففديته على التخيير كما ذكرناه، وإن فعله لغير عذر ففيه روايتان: إحداهما: أن فديته على التخيير أيضًا كما ذكره الشيخ؛ لأن كل كفارة وجبت على التخيير وسببها مباحٌ وجبت على التخيير، وإن كان محظورًا كجزاء الصيد. وأيضًا فإن الكفارة جَبْرٌ لما نقص من الإحرام بفعل المحرَّم، والنقص لا يختلف بين أن يكون بسبب مباح أو محظور، إلا أن في أحدهما (١) جائزًا، والآخرِ حرامًا، فلو لم يكن كل واحد من الكفارات الثلاث جابرًا لنقص الإحرام لما اكتُفِي به مع وجود غيره؛ ولهذا كفارة اليمين تجب على التخيير سواء كان الحنث جائزًا أو حرامًا. وأيضًا فإن كون سبب الكفارة جائزًا لا يوجب التخيير، بدليل دم المتعة والقران، هو على الترتيب وإن كان سببه جائزًا، فلما كانت هذه الكفارة على التخيير عُلِم أن ذلك ليس لجواز السبب، بل لأنها جابرة لنقص الإحرام. وأما الآية فإنما لم يذكر فيها إلا المعذور، لأن الله بيَّن جواز الحلق ووجوب الفدية، لأنه قد نهى قبل ذلك عن الحلق، وهذا الحكمان يختصان المعذور خاصة.

стр. 2923

والرواية الثانية: أنه يلزمه الدم عينًا (١)، و [لا] يتخيَّر (٢) بين الخصال الثلاثة. فإن عَدِمَ الدمَ فعليه الصدقة، وإن لم يجد انتقل إلى الصيام. نصَّ عليه في رواية ابن القاسم وسندي (٣)، في المحرم يحلق رأسه من غير أذى: ليس هو بمنزلة من يحلق من أذى؛ إذا حلق رأسه من أذى فهو مخيَّر في الفدية. ومثل هذا لا ينبغي أن يكون مخيَّرًا. وهذا اختيار القاضي (٤) وأصحابه مثل الشريف أبي جعفر (٥) وأبي الخطاب، ولم يذكروا في تعليقهم خلافًا. قال ابن أبي موسى (٦): وإن حلق رأسه لغير ضرورة (٧) فعليه الفدية، وليس بمخيَّرٍ فيها، فيلزمه دم. وإن تنوَّر (٨) فعليه فدية على التخيير. ففرق بين حلق الرأس والتنوُّر، ولعل ذلك لأن حلق الرأس نسكٌ عند التحلل، فإذا فعله قبل وقته فقد فعل محظورًا وفوَّت نسكًا في وقته، ومن ترك شيئا من نسكه فعليه دم. بخلاف شعر البدن فإنه ليس في حلقه تركُ نسكٍ؛ لأن الله سبحانه إنما ذكر التخيير في المريض ومن به أذى، وذلك يقتضي أن غير المعذور بخلاف ذلك لوجوه:

стр. 2924

أحدها: أن «مَنْ» حرف شرط، والحكم المعلّق بشرطٍ= عَدَمٌ عند عدمه حتى عند أكثر نفاة المفهوم. والحكم المذكور هنا وجوب فدية على التخيير إذا حلق، فلو كانت هذه الفدية مشروعة في حال العذر وعدمِه لزم إبطال فائدة الشرط والتخصيص. وقولهم: التخصيص لجواز الحلق وإباحته، يُجاب عنه بأن الجواز ليس مذكورًا في الآية، وإنما المذكور وجوب الفدية، وإنما الجواز يستفاد من سياق الكلام، ولو كان الجواز مذكورًا أيضًا فالشرط شرط في جواز الحلق وفي هذه (١) الفدية المذكورة. الثاني: المريض ومن به أذًى معذور في استباحة المحظور، والمعذورُ يناسب حاله التخفيف عنه والترخيص له، فجاز أن تكون التوسعة له في التخيير لأجل العذر؛ لأن الحكم إذا عُلِّق بوصف مناسب كان ذلك الوصف علة له. وإذا كان علة التوسعة هو العذر لم يجز ثبوت الحكم بدون علته. يوضِّح هذا أن الله بدأ بالأخف فالأخف من خصال الفدية؛ قال: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] تنصيصًا على أن «أو» للتخيير، إذ وقع الابتداء بأدنى الخصال، وغير المعذور بعيد من هذا، ولهذا بدأ في آية الجزاء بأشد الخصال وهو المثل لما ذكر المتعمد (٢). الثالث: أن الله سماها فدية، والفدية إنما تكون في الجائزات كفدية الصيام، وهذا لأن الصائم والمحرم ممنوعان مما حُرِّم عليهما محبوسان عنه، كالرقيق والأسير الممنوع من التصرف، فجوَّز الله لهما أن يفتديا

стр. 2925

أنفسهما عند الحاجة كما يفتدي الأسير والرقيق أنفسهما، وكما تفتدي المرأة نفسها من زوجها. ومعلوم أنه إذا لم يحتجْ إلى الحلق لم يأذن الله له أن يفتدي نفسه، ولا يفتكُّ (١) رقبته [ق ٢٩٢] من حبْس (٢) الإحرام، فلا يكون الواجب عليه فدية. والله سبحانه إنما ذكر التخيير تقسيمًا للفدية وتوسيعًا في الافتداء، فلا يثبت هذا الحكم في غير الفدية. وبهذا يظهر الفرق بين هذه الفدية وبين جزاء الصيد وكفارة اليمين؛ لأن الله ذكر التخيير في جزاء الصيد مع النص على أنه قتله متعمدًا، فكان التخيير في حق المخطئ أولى، وذكر الترتيب والتخيير في كفارة اليمين مطلقًا. وأيضًا فإنها كفارة وجبت لفعل محظور، فتعيَّن فيها الدم ككفارة الوطء وتوابعه، ومعلوم أن إلحاق المحظور بالمحظور أولى من إلحاقه بجزاء الصيد. ولأن الله أوجب الدم على المتمتع عينًا حيث لم يكن به حاجة إلى التمتع بحِلّه مع جواز التمتع به، فلأن يجب على من تمتع في الإحرام من غير حاجة مع تحريم الله أولى، وعكسُه المعذور. ولأنها كفارة وجبت لجناية على الإحرام لا على وجه المعاوضة، فوجب الدم عينًا كترك الواجبات، وعكسه جزاء الصيد فإنه وجب بدلًا (٣) لِمُتلَف، فهو مقدَّر بقدر مُبدَلِه، وأبدالُ المتلَفات لا يفرَّق فيها بين مُتلَف ومُتلَف، بخلاف الكفارات التي لخللٍ في العبادة كالوطء في رمضان

стр. 2926

والإحرام، وترك واجبات الحج. فإن فعلَ المحظورَ ناسيًا أو جاهلًا بتحريمه أو مخطئًا، وأوجبنا عليه الكفارة، فهو كمن فعل لغير عذر؛ لأنه لم يأذن له الشرع في إتيانه، وخطاؤه يصلح أن يكون مانعًا من الإثم، أما مخفِّفًا للكفارة فلا. وهذا بخلاف المعذور، فإن الحلق صار في حقه مباحًا جائزًا، ولم يصِرْ في الحقيقة من محظورات الإحرام إلا بمعنى أن جنسه محظور، كالأكل في رمضان للمسافر والمريض. ولهذا نوجب على من جامع ناسيًا الكفارةَ، ولا نُوجبها على من أبيح له الفطر. فصل إذا أراد الحلق أو اللبس أو الطيبَ لعذرٍ جاز له إخراج الفدية بعد وجود السبب المبيح وقبل فعل المحظور ، كما يجوز تحليل اليمين بعد عقدها وقبل الحنث، سواء كانت (١) صياما أو صدقة أو نسكًا. فصل يجوز إخراج الفدية حيث وجبت من حلٍّ أو حرم، وكذا حيث جازت ؛ لأن الله سبحانه سمى الدم الواجب هنا نسكًا، والنسك لا يختص بموضع، فإن الضحايا لما سميت نسائك جاز أن تُذبَح في كل موضع، سواء كانت واجبة أو مستحبة، كما قال: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام: ١٦٢]، وقال النبي ﷺ لأبي بردة: «هي خير نَسِيكَتَيك» (٢)، بخلاف دم المتعة وجزاء الصيد فإنه

стр. 2927

سماه هديًا، والهدي ما أُهدِي إلى الكعبة. وأما هدي المحصر ... (١). مسألة (٢): (وكذلك الحكم في كلِّ دم وجب لتركِ واجبٍ) . هذا قول الشيخ ﵀، ووجهه أن ترك الواجب بمنزلة فعل المحظور في أن كلًّا منهما ينقُص النسك، وأنه يفتقر إلى جُبرانٍ يكون خلفًا عنه. فعلى هذا: هل يكون على التخيير أو الترتيب؟ على روايتين؛ لأن ترك الواجب إذا أذن فيه الشرع لم يجب فيه شيء، كترك الحائض طواف الوداع، وترك أهل السقاية والرِّعاء (٣) المبيتَ بمنى ونحو ذلك. نعم قد يتركه جهلًا أو عجزًا. والذي عليه أكثر أصحابنا ... (٤). مسألة (٥): (وجزاء الصيد مثل ما قتل من النَّعَم، إلا الطائر فإن فيه قيمته، إلا الحمامة فيها شاة، والنعامة فيها بدنة) . في هذا الكلام فصول:

стр. 2928

أحدها أن ما وجب ضمانه من الصيد إما بالحرم أو بالإحرام فإنه يضمن بمثله من بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم، وهو ما شابهه في الخلقة والصفة تقريبًا؛ لأن الله سبحانه قال: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]. وقد قرئ بالتنوين، فيكون المثل هو الجزاء بعينه، وهو بدل منه في الإعراب، و (١) ﴿جَزَاءُ مِثْلِ مَا قَتَلَ﴾ بالإضافة (٢)، والمعنى: فعطاءُ مثلِ المقتول، فالجزاء على هذا مصدر أو اسم مصدر أضيف إلى مفعوله، وضُمِّن معنى الإعطاء والإخراج والإيتاء. ومثل هذا: القراءتان في قوله تعالى: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٣) [البقرة: ١٨٤]، وإن كان بعض القراء فرَّق بينهما، حيث جعل الفدية نفس الطعام، وجعل الجزاء إعطاء المثل. والمراد بالمثل: ما ماثلَ (٤) الصيدَ من جهة الخلقة والصورة، سواء كانت قيمته أزيدَ من قيمة المقتول أو أنقص؛ بدلالة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة. أما الأول فمن وجوه: أحدها: أن الله أوجب مثل المقتول، والمثل إنما يكون من جنس مثله،

стр. 2929

فعُلِم أن المثل حيوان، ولهذا يقول الفقهاء في الأموال: ذوات الأمثال، وذوات القيم، وهذا الشيء يُضمن (١) بمثله، وهذا يُضمن بقيمته. والأصل [ق ٢٩٣] بقاء العبارات على ما كانت عليه في لغة العرب الذين (٢) نزل القرآن بلسانهم، وقيمة المتلف لا يسمَّى مِثلًا. الثاني: أن الله أوجب المثل من النعم احترازًا من إخراج المثل من نوع المقتول، فإنه لو أطلق المثل لفُهِم منه أن يُخرَج عن الضبع ضبع، وعن الظبي ظبي (٣). ولو كان المثل هو قيمة المقتول لكان الواجب في ذمة القاتل قيمة الصيد، ثم إنه يصرفها في شِرى هدي، أو شِرى صدقة، وحينئذٍ فلا فرق بين الهدي وبين الصدقة حتى يجعل المثل من أحدهما دون الآخر. الثالث: أن قوله: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ بيان لجنس المثل، كقولهم: باب من حديد وثوب [من] (٤) خزّ، وذلك يوجب أن يكون المثل من النعم، ولو كان المثل هو القيمة والنعم مَصرِف لها لقيل: جزاء مثل ما قتل في النعم. الرابع: أنه لو كان المراد بالمثل القيمة لم يكن فرقٌ بين صرفها في الهدي والصدقة، وكذلك لو أريد بالمثل الهديُ باعتبار مساواته للمقتول في القيمة، فإن الهدي والقيمة مثلٌ بهذا الاعتبار، وكان يجب على هذا أن يقال: (فجزاءُ مثلِ ما قتل من النعم هديًا بالغ الكعبة أو كفارةٍ طعامِ مساكين) بالخفض، والتقدير: فجزاء مثل المقتول من النعم ومن الكفارة، فإنهما على

стр. 2930

هذا التقدير سواء. فلما كانت القراءة برفع (١) «كفارة» عُلِم أنها معطوفة على «جزاء» وأنها ليست من المثل المذكور في الآية، وذلك يوجب أن لا يكون المثل القيمةَ ولا ما اشتُرِي بالقيمة. الخامس: أنه سبحانه قال في جزاء المثل: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، ولا يجوز أن يكون المراد به تقويم المتلف (٢)؛ لأن التقويم بالنسبة إلى الهدي والصدقة واحد. فلما خصّ حكم (٣) ذوي العدل بالجزاء دون الكفارة عُلِم أنه المثل من جهة الخلقة والصورة. فإن قيل: فالآية تقتضي إيجاب (٤) الجزاء في قتل صيد، وذلك يعمُّ ما له نظير وما لا (٥) نظير له، وهذا إنما يكون في القيمة. قلنا: يقتضي إيجاب جزاء المثل من النعم إن أمكن (٦)؛ لأنه أوجب واحدًا من ثلاثة، وذلك مشروط بالإمكان، بدليل: من يوجب القيمة إنما يصرفها في النعم إذا أمكن أن يشترى بها هديٌ (٧)، فتكون القيمةُ لا تصلح لشراء هديٍ هو بمثابة عدم النظير في الخلقة. وأما السنة ــ وعليه (٨) اعتمد أحمد ــ فما روى جابر بن عبد الله قال:

стр. 2931

جعل رسول الله ﷺ في الضبع يصيبه المحرم كبشًا، وجعله من الصيد. رواه أبو داود وابن ماجه (١). وأما إجماع الصحابة: فإنه روي عن عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت وابن عمر وابن عباس وابن الزبير أنهم قضوا في النعامة ببدنة، وفي حمار الوحش وبقرة الإيَّل والثَّيْتَل (٢) والوعل ببقرة، وفي الضبع بكَبْش، وفي الغزال بعَنْزٍ، وفي اليربوع بجَفْرة (٣). وإنما حكموا بذلك لمماثلته في الخلقة لا على جهة القيمة، لوجوه: أحدها: أن ذلك مبيَّن في قصصهم، كما سيأتي بعضه إن شاء الله. الثاني: أن كل واحدة من هذه القضايا تعددت في أمكنة وأزمنة مختلفة، فلو كان المحكوم به قيمةً (٤) لاختلفت باختلاف الأوقات والبقاع، فلما قضوا به على وجه واحد عُلِم أنهم لم يعتبروا القيمة. الثالث: أنه معلوم أن البدنة أكثر قيمةً من النعامة، والبقرة أكثر قيمةً من حمار الوحش، والكبش أكثر قيمةً [من الضبع] (٥)، كما شهد به عرف الناس. الرابع: أنهم قضوا في اليربوع جَفْرة (٦).

стр. 2932

الفصل الثاني أن ما تقدم فيه حكمُ حاكمين (١) من أصحاب رسول الله ﷺ فهو على ما حكما، لا يحتاج إلى استئناف حكم ثانٍ ؛ قال في رواية أبي النضر (٢): ما حكم فيه أصحاب رسول الله ﷺ من الجزاء فعلى ما حكموا؛ لأنهم أعدلُ مَن يحكم فيه. ولو حكموا بخلاف حكمهم فلا يترك حكمهم لقول من بعدهم. ولو أن رجلًا أصاب صيدًا لم يكن فيه عن أصحاب رسول الله ﷺ حكمٌ، جاز أن يقول القاتلُ الصيدِ لرجلٍ آخر معه أن يحكما (٣) في ذلك، فيكون هو الحاكم وآخر معه. قال في رواية الشالنجي (٤): إذا أصاب صيدًا فهو على ما حكم أصحاب رسول الله ﷺ ، فكلُّ ما يُسمَّى (٥) فيه شيء فهو على ذلك، وفي الضبع شاة. وقال في رواية أبي داود (٦) في الذي يصيب الصيد: يتبع ما جاء، قد حُكِم فيه وفُرغ. وقال في رواية أبي النضر (٧): ما حكم فيه أصحاب رسول الله ﷺ فلا

стр. 2933

يحتاج أن يُحكم عليه مرة أخرى. وذلك لأن النبي ﷺ قضى في الضبع يصيبه المحرم بكبش، ومعلوم أنه لم يقض به على محرم بعينه فكان عامًّا. وأيضًا [ق ٢٩٤] فلو لم يقض إلا في قضية خاصة، فإذا حدثت قضية أخرى فلو قضى فيها بغير ما قضى رسول الله ﷺ لكان خطأ؛ لأن المثل هنا هو من جهة الخلقة والصورة، وذلك حكم بالمماثلة بين نوع ونوع، وأنواع الحيوان لا تختلف نسبة بعضها إلى بعض باختلاف الأعصار والأمصار. وأيضًا فإن الصحابة لما قضوا في أنواع من الصيد بأمثال معروفة كان ذلك قضاء في مثل تلك القضايا؛ لأن ذلك القضاء لا يختلف باختلاف قاتل وقاتل، ولا باختلاف الأوقات والأزمنة، وإذا كان قضاء في نوع تلك القضايا لم يجز نقضه ولا مخالفته. فأما ما حكم فيه التابعون ومن بعدهم .... (١). وما لم يحكم فيه الصحابة أو لم يبلغنا حكمهم: فلا بدَّ من استئناف حكم حاكمين، ويجب أن يكونا عدلين كما قال تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. والمعتبر العدالة الظاهرة؛ وهو أن لا يُعرف [بفسقٍ] (٢). ولا بد أن يكونا من أهل الخبرة والاجتهاد في معرفة [المماثلة] (٣)،

стр. 2934

وهل يكونا (١) فقيهين؟ قال أبو بكر: لا بد أن يكونا جميعًا من أهل العلم والمعرفة بالمماثلة ... (٢). ويجوز أن يكون أحدهما هو القاتل للصيد، نصّ عليه (٣). وكذلك إن كانا جميعًا قتلاه، ذكره القاضي (٤) وأصحابه وغيرهم، مثل الشريف أبي جعفر وأبي الخطاب في «خلافه»؛ فإن كل واحد من الحكمين ركن في الحكم، فما جاز في أحدهما جاز في الآخر. وذلك لما روى سفيان بن عيينة، ثنا مخارق، عن طارق (٥) قال: خرجنا حُجَّاجًا، فأوطأ رجل منا ــ يقال له أربدُ بن عبد الله ــ ضَبًّا ففَزَرَ ظهره (٦)، فلقي عمر فأخبره، فقال: احكُمْ فيه يا أربد، قال: أنت خير مني وأعلم، فقال: إنما آمرك أن تحكم ولم آمرك أن تزكّيني، قال: فيه جَدْي قد جمع الماء والشجر، فقال: ذلك فيه. رواه سعيد (٧). وقثنا أبو الأحوص، ثنا مخارق، عن طارق، قال: خرجنا حُجَّاجًا، حتى إذا كنا ببعض الطريق أوطأ رجل منّا ضبًّا وهو محرم فقتله، فأتى الرجل عمر يحكم عليه، فقال له عمر ﵀: احكم معي، فحكما: فيه جَدْي قد جمع

стр. 2935

الماء والشجر، ثم قال عمر: بإصبعه ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١). ولا يُعرف له مخالف في الصحابة. وأيضًا فقوله (٢): ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ يعمُّ القاتلَ وغيرَه، بخلاف قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، فإن المُشْهِد غير المُشْهَد؛ لأن الفاعل غير المفعول، وهنا لم يقل: حَكِّموا فيه ذوي عدل، وإنما قال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾، والرجل قد يكون حاكمًا على نفسه إذا كان الحقّ لله، لأنه مؤتمن على حقوق الله، كما يُرجع إليه في تقويم قيمة المثل إذا أراد أن يخرج الطعام، وفي تقويم عروض التجارة، والدليل على ذلك ما احتج به أبو بكر من قوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥]، فأمر الله الرجل أن يقوم بالقسط ويشهد لله على نفسه. قال القاضي وابن عقيل: وهذا إنما يكون إذا قتله خطأً أو عمدًا لمخمصة. فأما إن قتله عمدًا فلا يصح حكمه (٣)؛ لأنه فاسق، بخلاف تقويم عروض التجارة فإن صاحبها يقوّمها وإن كان فاسقًا؛ لأنه لم ينصّ على عدالته. ووجهُ هذا أن قتل الصيد من الكبائر؛ لأن الله توعَّد عليه بقوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [المائدة: ٩٥]، ولأن الله سمَّى محظورات الإحرام فسوقًا في قوله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ [البقرة: ١٩٧]، لكن هذا

стр. 2936

يقتضي أنه إذا قتله عمدًا وتاب جاز حكمه، ولم يذكر القاضي وأصحابه في «خلافهم» هذا الشرط. وإذا اختلف الحَكَمانِ ... (١). وإن حَكَم في قضية واحدة حَكَمانِ مختلفان لرجلين، فهل يكونان (٢) مصيبين؟ ... (٣). الفصل الثالث فيما قد (٤) مضى فيه الحكم واستقرَّ أمره قال في رواية حنبل (٥): حكم رسول الله ﷺ في الضبع بكَبْش. وهي جارحة من جملة السباع. وقال في رواية أبي الحارث (٦): وإذا اصَّادَ المحرمُ بقرةً وحشية (٧) فقد قال الله: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] عليه بقرة، وفي النعامة بدنة، وفي حمار الوحش بدنة كذلك. قال عطاء: في حمار الوحش بدنة، وفي الثَّيتل بقرة، وفي الوَعِل بقرة، وفي الأُ يَّل بقرة، وفي الظبي شاة، وفي

стр. 2937

الأرنب جَفْرة، وفي اليربوع جفرة (١). والجفرة: الصغيرة من الغنم. وقال في رواية أبي طالب (٢): أذهب إلى حديث عمر (٣): في الضبع كبشٌ، وفي الظبي شاة، وفي الأرنب جَفْرة، وفي اليربوع جَدْي. أما النعامة ففيها بدنة. وأما حمار الوحش ففيه روايتان: إحداهما: فيه بدنة، نصَّ عليه في رواية أبي الحارث، وهو قول أبي بكر وابن أبي موسى (٤). والثانية: بقرة، وهو قول القاضي (٥) وأصحابه. والأُيَّل بضم الهمزة وكسرها ــ فيما ذكره الجوهري (٦) ــ مع فتح الياء المشددة: [ق ٢٩٥] ذكر الأوعال، قال (٧): والثَّيتل: الوَعِل المُسِنّ، والوَعِل:

стр. 2938

الأروى (١). وأما الضبع: ففيها كَبْشٌ: الجَذَع من الضأن، أو الثَّنِيُّ (٢) من المَعْز. هذا لفظه (٣) ولفظ أكثر أصحابه، وكذلك جاء الحديث المرفوع (٤)، وكذلك لفظ عمر. وعن مجاهد قال علي: الضبع صيدٌ، وفيه كَبْشٌ إذا أصابه المحرم. رواه سعيد (٥). ولفظ بعض أصحابنا: شاة، وسوّى بينهما وبين الظبي والثعلب. وفي الظبي شاة. هذا لفظ أحمد (٦). وقال أبو الخطاب (٧): في الظبي كَبْشٌ، وفي الغزال عَنْزٌ. وكذلك قال ابن أبي موسى (٨): في الظبي شاة، وفي الغزال عَنْز. وذلك لما روى مالك (٩) عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب قضى في الضبع بكبش، وفي الغزال بعَنْزٍ، وفي الأرنب بعَناقٍ، وفي

стр. 2939

اليربوع بجَفْرة. ورواه ابن عيينة عن أبي الزبير عن جابر قال: حكم عمر ﵀: في الضبع شاة (١)، وفي الظبي شاة، وفي الأرنب عَناق، وفي اليربوع جَفْرة (٢). ومعلوم أنه ما (٣) حكم بذلك إلا مع حَكَمٍ آخر. وعن محمد بن سيرين: أن رجلًا جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: إني أجريتُ أنا وصاحبٌ لي فرسين نستبق إلى ثُغْرةِ ثَنيَّةٍ (٤)، فأصبنا ظبيًا ونحن مُحرِمان، فماذا ترى؟ فقال عمر لرجل إلى جنبه: تعالَ حتى نحكم أنا وأنت. قال: فحكما عليه بعَنْزٍ. فولَّى الرجل وهو يقول: هذا أمير المؤمنين لا يستطيع أن يحكم في ظبي حتى دعا رجلًا حكمَ معه. فسمع عمر قول الرجل، فدعاه فسأله: هل تقرأ سورة المائدة؟ فقال: لا، قال: فهل تعرف هذا الرجل الذي حكم معي؟ فقال: لا، فقال: لو أخبرتَني أنك تقرأ سورة المائدة لأوجعتُك ضربًا. ثم قال: إن الله يقول في كتابه: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]. وهذا عبد الرحمن بن عوف. رواه مالك (٥). وعن قَبيصة بن جابر قال: خرجنا حجّاجًا فكثر مِراءُ القوم أيهما أسرع

стр. 2940

شدًّا: الظبي أم الفرس؟ فسنحَ لنا ظبي، فرماه رجل منّا فما أخطأ خُشَّاءَه (١)، فركبَ رَدْعَه (٢)، فأُسقِط في يدي الرجل، فانطلقت أنا وهو إلى عمر بن الخطاب، فجلسنا بين يديه، فقصّ عليه صاحبي القصةَ، فقال: أخَطَأً أصبتَه أم عمدًا؟ قال: تعمَّدتُ رمْيَه وما أردتُ قتله، فقال: لقد شرَّكتَ الخطأ والعمد، قال: ثم اجتنح (٣) إلى رجل يليه كأنَّ على وجهه قُلْبًا (٤)، فسارَّه ثم أقبل على صاحبي، فقال: عليك شاة، تصدَّق بلحمها وتُبقي (٥) إهابها سقاءً، فلما قمنا قلت لصاحبي: إن فُتيا ابن الخطاب لا تُغني عنك من الله شيئًا، انحَرْ ناقتك وعظِّمْ شعائر الله. فذهب ذو العينين فنما ذلك إلى عمر بن الخطاب، فأقبل على صاحبي صُفوقًا بالدِّرَّة (٦)، وقال: قاتلك [الله]، تقتلُ الحرام وتَعدَّى الفتيا! ثم أقبل عليَّ فأخذ بمجامع ثوبي، فقلت له: إنه لا يحلُّ لك مني شيء حرّمه (٧) الله عليك، فقال: ويحك إني أراك شابًّا فصيح اللسان فسيح الصدر، أوَما تقرأ في كتاب الله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾؟ ثم قال: قد يكون في الرجل عشرة أخلاق، تسعة منهن حسنة وواحدة سيئة، فتُفسِد

стр. 2941

الواحدة التسعَ، فاتقِّ طيرات (١) الشباب (٢). وأما الثعلب ففيه شاة. هذا لفظه ولفظ أكثر أصحابه، ولفظ أبي الخطاب (٣): عَنْز. والمنصوص عنه في عامة كلامه: أنه يُودَى (٤)، وصرَّح في بعض الروايات أنه يُودَى مع المنع من أكله، وهذه طريقة الخلّال وغيره. وأما أبو بكر والقاضي وغيرهما فجعلوا جزاءه مبنيًّا (٥) على الروايتين في أكله، وقد دلَّ كلام أحمد أيضًا على هذه الطريقة على ما تقدم (٦). واختار القاضي أنه لا يُودَى بناءً على أنه لا يؤكل. وصرَّح ابن أبي موسى فيه بنقل الروايتين؛ قال (٧): فيه روايتان؛ إحداهما: أنه صيد وفيه شاة، والأخرى: ليس بصيد ولا شيء فيه. وبالجملة فمن وَداه لا بدَّ أن يلتزم أحد شيئين: إما أنه مباح، وإما أن بعض ما لا يُحكم بإباحته يُودَى. وفي الأرنب شاة. هذا لفظ أحمد في رواية أبي الحارث. ولفظه في

стр. 2942

رواية أبي طالب (١): فيها جفرة. والجفرة عَناق لها أربعة أشهر. وقال ابن أبي موسى (٢): في الأرنب عناق، وقيل: جفرة. وقال [أبو الخطاب] (٣): فيها عَناق، وهي قبل أن تصير جَذَعة. لما تقدم عن عمر أنه حكم في الأرنب بعَناق. وقال الجوهري (٤): العَناق الأنثى من ولد المَعْز. وعن سعيد بن جبير قال: كان ابن عباس يقول: في طير حمام مكة شاةٌ، وفي الأرنب حَمَلٌ، وفي اليربوع حَمَلٌ، وفي الجرادة قبضة من طعام أو تمرة جَلْدَة (٥). رواه سعيد (٦). وأما اليربوع ــ وهو دابة بيضاء أكبر من الفأرة يمشي برجلين ــ فقد قال في رواية أبي الحارث (٧): فيه جَفْرة. وهي الصغيرة من الغنم، [ق ٢٩٦]

стр. 2943

وذلك لما تقدم عن عمر أن فيه جَفْرة. وعن أبي عبيدة: أن رجلا ألقى جُوالِقًا (١) على يربوعٍ فقتله، فحكم فيه عبد الله جفرةً. رواه سعيد (٢). وقال أحمد في رواية أبي طالب (٣): في اليربوع جَدْي. وقد حكاها ابن أبي موسى (٤) على روايتين. وليس هذا باختلاف معنًى، فإن الجَفْر من أولاد المَعْز: ما بلغ أربعة أشهر وجَفَرَ جنباه وفُصِل عن أمه. هذا قول الجوهري (٥) وبعض أصحابنا (٦). كأنه سُمّي بذلك لاتساع (٧) جوفه بما يغتذيه (٨) من غير اللبن، ومنه الجَفْر، وهو البئر الواسعة التي لم تُطْوَ، ويقال للجَوف: جُفْرة. وقال القاضي: الجَفْرة التي فُطِمت عن اللبن. وكذلك قال أبو الخطاب (٩): الجَفْرة الجَدْي حين يُفْطم.

стр. 2944

وفي حِلّ اليربوع روايتان، فيكون في جزائه بالإحرام مثل ما في الثعلب على ما تقدم. وأما الضَّب فيُودَى قولًا واحدًا. وهل فيه شاة أو جَدْي ــ وهو ما دون الجَذع ــ؟ على وجهين، أحدهما: شاة. والثاني: جَدْي، وهو المشهور، ذكره ابن أبي موسى (١). لما تقدم عن عمر أنه حكم فيه هو وأربدُ بجدْيٍ قد جمع الماء والشجر، يعني استغنى عن أمه بالرعي والشرب. وفي الوَبْر جَدْيٌ. قاله أصحابنا (٢)؛ قالوا: وهو دُوَيبَّة سوداء أكبر من اليربوع (٣). وحكمه حكم الثعلب، لأن في حلّه روايتان (٤). وقال عطاء ومجاهد: في الوَبْر شاة (٥). وذكر ابن أبي موسى (٦): في الوبر شاة. وفي اليربوع جَدْي، وقيل: عنه جَفْرة. وفي السِّنَّور (٧) حكومة. وفي الثعلب روايتان. وأما السنور فقد قال في رواية الكوسج (٨): في السنور الأهلي وغير

стр. 2945

الأهلي حكومة. أما السنور الأهلي ففي ضمانه روايتان كما تقدم، لأنه لا يحل. وأما الوحشي ففي حلّه روايتان، فهو كالثعلب في الضمان، فإذا قلنا: يضمن ففيه حكومة؛ لأنه لم يمضِ من السلف فيه حكمٌ. والحكومة: أن يُحكَم بمثله من النعم. فصل وأما الطير فثلاثة أنواع؛ أحدها: الحمام، وفيه شاة شاة. قال أحمد في رواية ابن القاسم وسندي (١): كل طير يَعُبُّ الماء مثلَ الحمام، يشرب كما يشرب الحمام، فيه شاة، وما كان مثلَ العصفور ونحوه ففيه القيمة، ويلزم المحرمَ كما يلزم الحلالَ في حمام الحرم. والطير صيد، والدجاج ليس بطير، وإنما (٢) أهلي. وقال في رواية ابن منصور (٣): حمام الحل والحرم سواء. وذلك لما روى ... (٤). وعن سعيد بن جبير قال: كان ابن عباس يقول: في طير حمام مكة
следующие страницы →