← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

وعلم ذلك بالسنة؛ لأن (١) النبي ﷺ أهدى مرةً غنمًا متفق عليه (٢). ولأن عائشة ... (٣). وعن عكرمة أن رسول الله ﷺ قسم بين أصحابه في متعتهم غنمًا، فأصاب سعدًا يومئذٍ تَيْسٌ. رواه سعيد (٤). ولا يجب عليه الهدي حتى يكون واجدًا له؛ إما بأن يكون مالكه، أو يجد ثمنه. فإن كان عادمًا بمكة واجدًا ببلده بحيث يمكنه أن يقترض لم يجب ذلك عليه. نصَّ عليه في رواية الأثرم: إذا وجب عليه هديُ متعة وليس معه نفقة، وهو ممن لو استقرض أُقرِض، فلا يستقرض ويُهدي، قال الله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ﴾ وهذا ليس بواجد. وذلك لأنه قد وجب عليه الهدي أو بدَلُه في مكة، فلم يجب عليه الاقتراض، كما لو عَدِمَ الماء، وهذا بخلاف عادم الرقبة في الظهار على أحد ... (٥). ولأنها عبادة موقَّتة ذات بدلٍ، فإذا عدِمَ المبدلَ حين الوجوب جاز له الانتقال إلى بدله كالطهارة.

стр. 2977

ويجب الهدي والصوم عنه بعد الوقوف بعرفة (١) في إحدى الروايتين، وفي الأخرى: يجب إذا أحرم. قال في رواية ابن القاسم وسندي (٢) وقد سئل متى يجب صيام المتعة فقال: إذا عقد الإحرام. وقد تأوّل القاضي (٣) ذلك على أن الإحرام سبب للوجوب، كما أن النصاب سبب لوجوب الزكاة، لا أن الوجوب يتعلق به، وإنما يتعلق بيوم النحر، كما يتعلق وجوب الزكاة بالنصاب والحول. وأقرَّها أبو الخطاب وغيره على ظاهرها، وقال: معناه إذا أحرم بالحج. ويؤيِّد ذلك .... (٤). قال (٥): والصيام للمتعة يجب على المتمتع إذا عقد الإحرام، وكان في أشهر الحج. وهذا يدخل على من قال: لا تُجزئ الكفارة قبل الحنث، ولعل هذا لا يحج، ينصرف. وهم يقولون: يجزئه الصيام. وفي قلبي من الصيام أيام التشريق شيء. قال القاضي (٦): وقوله: «إذا عقد الإحرام» أراد به إحرام العمرة؛ لأنه شبَّهه بالكفارة قبل الحنث، وإنما يصح الشَّبَه (٧) إذا كان صومه قبل الإحرام

стр. 2978

بالحج؛ لأنه قد وُجِد أحد السببين؛ ولأنه قال: إذا عقد الإحرام في أشهر الحج، وهذا إنما يُقال (١) في إحرام العمرة؛ لأن من شرط التمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، لأن الله قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، وبإحرامه بالحج صار متمتعًا؛ لأنه ترفَّه بحلِّه وسقوطِ أحد السفرين عنه، ولأن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾، فجعله بعد إيجاب الهدي عليه مأمورًا بصيام ثلاثة أيام في الحج، وهو يؤمر قبل يوم عرفة، فعُلِم أنه قد وجب عليه الهدي قبل الصيام. والرواية الأولى اختيار القاضي (٢) ..... ثم اختلفوا في معناها؛ فقال القاضي في «خلافه» (٣) وأبو الخطاب وابن عقيل في بعض المواضع وغيرهم: معناها أنه يجب الدم (٤) عند انقضاء وقت الوقوف وهو طلوع الفجر يوم النحر؛ لأنه وقت التحلل، ووقت جواز الذبح. ويتوجه على هذه الطريقة: أن لا يجب حتى يرمي الجمرة، أو يجب إذا انتصفت ليلة النحر. وقال القاضي في «المجرد» وابن عقيل وغيرهما: معنى كلامه أنه إذا وقف بعرفة فقد وجب الدم (٥) عليه.

стр. 2979

وهذا معنى كلامه بلا ريب؛ قال في رواية المرُّوذي و [ابن] إبراهيم (١): ويجب على المتمتع الدم إذا وقف بعرفة، والقارن مثله، يُروى فيه عن عطاء. وفي لفظ آخر (٢) في متمتع مات قبل أن يذبح قال: إذا وقف بعرفة (٣) وجب عليه الهدي. قال القاضي وابن عقيل: يجب بالوقوف (٤)، ويتأخر إخراجه إلى يوم النحر، وذلك لأن الله إنما أوجب الهدي على من تمتع بالعمرة إلى الحج، وإنما يكون متمتعًا إذا أتى بالحج .... (٥). وأما وقت ذبح الهدي فإنه يوم النحر، فلا يجوز الذبح قبله، لكن يجوز يذبح (٦) فيه بعد طلوع الفجر، قاله القاضي (٧) وغيره. وقال: .... (٨) وهذا هو المذهب المعروف المنصوص؛ قال في رواية ابن منصور (٩): وأما هدي المتعة فإنه يذبح يوم النحر.

стр. 2980

وقال أبو الخطاب (١): لا يجوز نحْرُ هديه قبل وقت وجوبه. فظاهر كلامه أنا إذا قلنا «يجب بالإحرام بالحج»: ينحر حينئذٍ، وليس كذلك. وذكر بعض أصحابنا (٢) رواية: أنه إذا قدِمَ قبل العشر جاز أن يذبحه (٣) قبله، وإن قدِمَ فيه لم يذبحه إلى يوم النحر. وهذه الحكاية غلط؛ فإنه من لم يَسُقِ الهدي لم يختلف أنه لا يذبح إلى يوم النحر، ومن ساقه فقد اختلف عنه فيه، لكن الخلاف هو في جواز نحر الهدي المسوق، وفي تحلل المحرم. أما الهدي الواجب بالمتعة فلا، بل عليه أن ينحره يوم النحر. قال في رواية يوسف بن موسى (٤) فيمن قدِمَ متمتعًا وساق الهدي: فإن قدِم في شوال نحر الهديَ وحلَّ وعليه هدي آخر، وإذا قدم في العشر أقام على إحرامه ولم يحل. قال القاضي (٥): فقد نصَّ على أنه إذا نحر قبل العشر كان عليه هديٌ آخر، يعني في يوم النحر، ولم يعتدَّ بما ذبح قبله. لأن الله يقول (٦): ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]،

стр. 2981

وما بعد [ق ٣٠٤] الغاية يخالف ما قبلها، فاقتضى ذلك أن بعد بلوغ الهدي محلَّه يجوز الحلق، والحلق إنما يجوز يوم النحر، فعُلِم أن الهدي إنما يبلغ محلَّه يوم النحر. والآية عامة في هَدْي المُحْصَر وغيره لعموم لفظها وحكمها؛ فإن النبي ﷺ قال لأصحابه في حجة الوداع: «من لم يَسُقِ الهدي فليَحِلَّ، ومن ساق الهدي فلا يحلّ حتى يبلغ الهديُ محلَّه» (١). وعن عائشة ﵂ في حديث لها قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أحرم بعمرة ولم يُهْدِ فليحلّ، ومن أحرم بعمرة فأهدى فلا يحلّ حتى يحلّ بنَحْرِ (٢) هديه». متفق عليه (٣). وفي حديث ابن عباس عن النبي ﷺ : «من قلَّد الهديَ فإنه لا يحلّ حتى يبلغ الهديُ محلَّه». رواه البخاري (٤). وعن جابر أن النبي ﷺ قال: «لولا أني سقتُ الهديَ لفعلتُ مثل الذي أمرتُكم، ولكن لا يحلُّ مني حرام حتى يبلغ الهديُ محلَّه» (٥). وعنها وعن ابن عمر في حديث لهما ذكرا فيه: أن الناس تمتَّعوا مع رسول الله ﷺ ، فلما قدم رسول الله ﷺ قال للناس: «من كان منكم أهدى فإنه

стр. 2982

لا يحلُّ من شيء حَرُم منه حتى يقضي حجَّه». متفق عليهما (١). فقد بيَّن ﷺ أنه لا يحلُّ حتى يحلَّ نحْرُ الهدي، وبيَّن أنه لا يحلُّ حتى يقضيَ حجه، فعُلِم أنه لا يحلُّ نحرُ الهدي الذي ساقه ويبلغ محلَّه حتى يقضي حجه. فهديُه الذي لم يسُقْه بطريق الأولى. ولأن النبي ﷺ نهى جميع من معه هديٌ من متمتع ومفرد وقارن أن يحلُّوا إلى يوم النحر، وبيَّن أنه إنما منعَهم من الإحلال الهديُ الذي [معهم] (٢)، وكذلك أخبر عن نفسه أنه لا يحلُّ حتى ينحر، وحتى يبلغ الهدي محلَّه، ولو كان الذبح جائزًا قبل يوم النحر لنحروا وحلُّوا، ولم يكن الهدي مانعًا من الإحلال قبل يوم النحر إذا كان ذبحه جائزًا، وهذا بيّنٌ في سنة النبي ﷺ المستفيضة عنه. ولأن عامة أصحاب رسول الله ﷺ في حجة الوداع كانوا متمتعين، حلُّوا من إحرامهم لما طافوا بالبيت وبين الصفا والمروة، ولم ينحروا إلا يوم النحر، وذبح النبي ﷺ عن أزواجه يوم النحر وكنَّ متمتعاتٍ، وقد قال: «لتأخذوا عني مناسككم» (٣). فلو كان الذبح قبل النحر جائزًا لفعله بعض المسلمين، أو أمر به رسول الله ﷺ ، لاسيما والمبادرة إلى إبراء الذمة أولى من التأخُّر (٤).

стр. 2983

وعن صدقة بن يسار قال: كنت عند ابن عمر، فجاءه رجل كأنه بدوي في العشر، فقال: إني تمتعتُ فكيف أصنع؟ قال: طُفْ بالبيت وبين الصفا والمروة، وخُذْ ما تطايرَ من شَعرك، فإذا كان يوم النحر فعليك نسيكةٌ. قال: وما هي؟ قال: «شاة». رواه سعيد (١). ولأن الله قال: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]، ووفاء النذور هو فعلُ ما وجب عليهم من هديٍ، وقد جعل الله ذلك مع قضاء التَّفَث. ولأن الله قال: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]، وهذا يقتضي أن الانتفاع بها له وقت محدود. وأيضًا فإن هدي المتعة نسك، فلم يجز ذبحه إلى يوم النحر، كالهدي المنذور والأضحية الواجبة. ولأنه أحد أسباب التحلُّل، فلم يجز تقديمه على يوم النحر، كالحلق والرمي والطواف. ودليل الوصف ... (٢). الفصل الثاني (٣) أنه إذا لم يجد الهدي فعليه صيام ثلاثة أيام [في الحج] (٤) وسبعةٍ إذا

стр. 2984

رجع، بالكتاب والسنة والإجماع كما تقدم. قال في رواية المرُّوذي (١): ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] كمَّلت الحجَّ وأمْرَ الهَدْي ... (٢). أما الثلاثة فيجب أن يصومها قبل يوم النحر؛ لأن الله سبحانه أمر بصومها في الحج، ويوم النحر لا يجوز صومه، فتعيَّن أن يُصام قبله؛ لأن ما بعده ليس بحج، إلا أيام التشريق على إحدى الروايتين. والأفضل تأخير صومها حتى يكون آخرها يوم عرفة. هذا هو المذهب المنصوص في رواية الأثرم وأبي طالب (٣)، وعليه عامة الأصحاب. وحكى القاضي في «المجرد» أن الأفضل أن يجعل آخرها يوم التروية؛ لأن صوم يوم عرفة بعرفات لا يستحب، فإذا جعل آخرها يوم التروية أفطر يوم [عرفة] (٤)، وفطره أفضل. والأول أصحّ، لما روي ... (٥)؛ ولأنه يُستحب تأخيره، لعله يقدر على الهدي قبل الشروع في الصيام فإنه أفضل، وليتحقق عجزُه عن الهدي، وهذا يقتضي التأخير إلى آخر أوقات (٦) الإمكان، وصوم يوم عرفة ممكن؛ لأنه لم يُنهَ عن الصوم فيه، ولأن هذه الأيام الثلاثة ــ وهي يوم التروية، ويوم عرفة، واليوم

стр. 2985

الذي قبلهما ــ أخصُّ بالحج؛ لأن فيهن يقع المسيرُ إلى عرفات وبعضُ خطب الحج. والصائم (١) يوم عرفة بعرفة (٢) صائم في حال فعل الحج، فكان أشدَّ امتثالًا للأمر من غيره، فكان أفضل. وإنما لم يُستحبّ فيها صوم التطوع، فأما الواجب فإنه يُفعل فيها وفي غيرها. ويجوز الصوم من حين يُحرِم بالحج بلا تردُّد؛ قال في رواية ابن القاسم وسندي (٣): والصيام [ق ٣٠٥] للمتعة يجب على المتمتع إذا عقد الإحرام وكان في أشهر الحج. وهذا يدخل على من قال: لا تُجزئ الكفارة قبل الحِنْث، ولعل هذا لا يحج، ينصرف (٤)، وهم يقولون: يجزئه الصيام، وفي قلبي من الصيام أيام التشريق شيء. وإنما أراد إحرام [العمرة] (٥)، ذكره القاضي (٦) وغيره؛ لأنه قال: «إذا عقد الإحرام وكان في أشهر الحج»، وإنما يشترط هذا في الإحرام بالعمرة؛ لأن الإحرام بالحج (٧) في أشهره لا يؤثِّر في إيجاب الدم، ولأنه قاس به الكفارة قبل الحنث؛ لأن أحد السببين قد وُجد دون الآخر، ولأنه قال: «لعله لا يحج، ينصرف»، وإنما ينصرف ويترك الحج قبل أن يحرم به، ولأنه قال: «وهم يقولون يجزئه الصيام»، يعني أهل الرأي، فحكى عنهم قولهم في

стр. 2986

مسألة الخلاف، وهي الصوم بعد الإحرام بالعمرة، وإن وافقهم فيها، فأما الصوم بعد إحرام الحج فمجمع عليه لا يضاف إلى واحد بعينه. وقال في رواية الأثرم (١): قال الله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ قال: يصومها إذا أحرم، والإحرام يوم التروية، ويريد أن يصوم يومًا قبل التروية، ويكره أن يصومها قبل أن يقدم مكة، ولا يبالي أن يقدِّم أولها بعد أن يصومها في أشهر الحج، فإن صامها قبل أن يحرم فجائز. وذكر القاضي وابن عقيل رواية أخرى (٢): أنه يجوز صومها قبل الإحرام بالعمرة من أول أشهر الحج. ولعل ذلك لقوله: «ولا يبالي أن يقدِّم أولها بعد أن يصومها في أشهر الحج»، فاعتبر مجرد وقوعها في أشهر الحج، ولم يعتبر وقوعها بعد الإحرام. ثم قال: «فإن صامها قبل أن يحرم فجائز»، وعنى به إحرام العمرة، لأنه قد تقدم (٣) صومها قبل إحرام الحج قبل ذلك. وقال القاضي في «خلافه» (٤): قوله: «قبل (٥) أن يحرم بالحج (٦)» أراد به الإحرام بالحج. وقد حكى بعض أصحابنا رواية (٧): أنه إنما يجوز أن يصومها قبل إحرام الحج بعد التحلل من العمرة. ولعله أخذ ذلك من هذه

стр. 2987

الرواية؛ لأنه قد نص على جواز صومها قبل الإحرام بالحج إذا كان في أشهر الحج، ولم يُجِز صومَها من حين الإحرام بالعمرة، بل قد كره أن يصوم قبل أن يقدم مكة، لأنه يكون حينئذٍ معتمرًا لا حاجًّا، ويحتمل أنه إنما كره ذلك كراهة تنزيه لأنه مسافر، والصوم للمسافر مكروه عنده في إحدى الروايتين. وقال في رواية صالح (١): كان ابن عمر وعائشة يقولان: يصوم المتمتع حين يهلّ، فإن فاته صام أيام التشريق (٢). وذلك لما روى ابن عمر وعائشة أن رسول الله ﷺ لما قدم مكة قال للناس: «من كان منكم أهدى فإنه لا يحلُّ من شيء حرم منه حتى يقضي حجَّه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطُفْ بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصِّر وليحلِلْ، ثم ليُهِلَّ بالحج وليُهْدِ، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله». متفق عليه (٣). وقد تقدَّمت الأحاديث أن عامة أصحاب رسول الله ﷺ كانوا متمتعين في حجة الوداع، وأنهم إنما (٤) أحرموا بالحج يوم التروية حين ذهبوا إلى منى، ولم يستثنِ واحد منهم أنه أحرم قبل ذلك؛ وأمر النبي ﷺ أصحابه كلهم إذا خرجوا إلى منى أن يحرموا بالحج، ولم يأمر أحدًا منهم بتقديم إحرامه بالحج، مع علمه بأنهم متمتعون وأن كثيرًا منهم لا يجد الهدي، ولهذا بيَّن لهم حكم من يجد الهدي ومن لا يجده.

стр. 2988

ومن أحرم يوم التروية فإنه يحتاج أن يصوم يومًا من الثلاثة قبل الإحرام بالحج، بل يومين؛ لأن يوم التروية إنما أحرموا نهارًا وقد أنشأوا الصوم قبل الإحرام، ولو لم يجز الصوم قبل الإحرام بالحج لوجب تقديم الإحرام بالحج قبل أن يطلع فجر اليوم السابع، والصحابة لم يفعلوه، والنبي ﷺ لم يأمرهم به، بل أمرهم بخلافه، ولهذا لم يختلف نصُّ أحمد في هذه الصورة. ثم إن قيل: ... (١)، وإن قيل: يجوز قبل الإحرام بالعمرة، فيحمل (٢) قوله «في الحج» على أن المراد أشهر الحج. وأما وجه المشهور: فإنه إذا أحرم بالعمرة فقد انعقد سبب الوجوب في حقِّه، ودخل في التمتع، بدليل أنه لو ساق معه هديًا (٣) لمنعه الهديُ من الإحلال. فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾، وهذا يقتضي وقوع الصيام بعد الإحرام بالحج؛ لأنه إنما يكون متمتعًا بالعمرة إلى الحج إذا أحرم به، ولأنه قال: «في الحج» فإذا صام قبله لم يجز. قلنا: هو ينوي التمتع ويعتقده (٤) من حين يُحرِم بالعمرة، ويُسمَّى متمتعًا من حينئذٍ، ويقال: قد تمتع بالعمرة إلى الحج، كما يقال: أفرد الحج، وقرنَ بين العمرة والحج، وهذا كثير في الكلام المقبول. ولو لم يكن متمتعًا إلى أن يحرم بالحج، فليس في الآية أن الصوم بعد كونه متمتعًا، وإنما في الآية أن يصوم في

стр. 2989

الحج. على أن قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ﴾ يجوز أن يكون معناه: فمن أراد التمتع بالعمرة إلى الحج، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [النحل: ٩٨]، و ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦]، ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] أي يريدون العود ... (١). وأما قوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ فقد قال قوم: أي في حال الحج، ويكون نفس إحرام الحج ظرفًا ووعاءً للصوم، كما يقال: دعا في صلاته، وتكلَّم في صلاته، ولبَّى في حجه، وتمضمض في وضوئه، وهذا لأن الأزمنة لما كانت تحوي الأفعالَ وتشملُها فالفعل قد يحوي فعلًا آخر. وقال أصحابنا (٢): فصيام ثلاثة أيام في وقت الحج؛ لأن الفعل لا يكون ظرفًا للفعل إلا على سبيل التجوُّز مع تقدير الزمان. ولهذا قال أهل الإعراب: إن العرب تجعل المصادر [ظروفًا] (٣) أحيانًا على سبيل التوسع، إما على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، فيكون المحذوف مقدّرًا، وإما على تضمين الفعلِ الزمانَ لاستلزامه إياه، فيكون الزمان مضمَّنًا. قالوا: وإذا كان المعنى: فصيام ثلاثة أيام في وقت الحج، فالحج شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة، وكلام أحمد يشير إلى هذا الوجه، ويؤيِّد

стр. 2990

ذلك أنه قال: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾، ثم قال بُعيدَ ذلك: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، فكأنه قال: فصيام ثلاثة أيام في أشهر معلومات، والمعنى: فمن تمتَّع بالعمرة إلى الحج فليصم ثلاثة أيام في أشهر الحج، لا يؤخِّرهن عن وقت الحج. وعلى القول الأول (١): فإذا أحرم بالعمرة إلى الحج فهو حاجّ، فإذا صامها حينئذٍ فقد صامها في حجه؛ لأن العمرة هي الحج الأصغر، وعمرة المتمتع (٢) جزء من الحج وبعضٌ (٣) له؛ لأن النبي ﷺ قال: «إن الله قد أدخل عليكم في حجكم هذا عمرةً» (٤)، وقال (٥): «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، وشبَّك بين أصابعه» (٦). والمتمتع حاجٌّ من حين يحرم بالعمرة, إلا أن إحرامه يتخلَّله حِلٌّ, بخلاف من أفرد العمرة. فصل وأما صيام السبعة فيجوز تأخيره إلى أن يرجع إلى أهله، فإذا رجع إليهم [صامها] (٧)، فإن صامها في طريقه أو في مكة بعد أيام منى وبعد التحلل

стр. 2991

الثاني جاز، وإن صامها بعد التحلل الأول وقبل التحلل الثاني (١) لم يجزْ، سواء رجع إلى وطنه أو لم يرجع. ذكره القاضي (٢) .... قال في رواية أبي طالب (٣): إن قدر على الهدي وإلا يصوم بعد الأيام، قيل له: بمكة أم في الطريق؟ قال: كيف شاء. وقال في رواية الأثرم (٤) وقد سأله عن صيام السبعة، يصومهن في الطريق أم في أهله؟ فقال: كلٌّ قد تأوّلَه الناس، ووسَّع في ذلك كله. والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾، فذهب القاضي (٥) وأصحابه وغيرهم إلى أن معنى ذلك: إذا رجعتم من الحج؛ لأنه قد قال تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ ثم قال: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾، فتقدير الرجوع من الحج الذي تقدم ذكره أولى من تقدير الرجوع من السفر؛ لأنه لم يُذكر، ولأنه لو رجع إلى أهله قبل الإحلال الثاني لم يجز الصوم. فعُلِم أن الحكم مقيّد بالرجوع من الحج فقط، ويصح تسميته راجعًا من الحج بمعنيين: أحدهما: أنه قد عاد إلى حاله قبل الإحرام من الإحلال. والثاني: أنه يفعل في أماكن مخصوصة، فإذا قضاه ورجع عن تلك

стр. 2992

الأماكن وانتقل عنها سُمِّي راجعًا بهذا الاعتبار. وفيها طريقة أخرى أحسن من هذه، وهي طريقة أكثر السلف أن معنى الآية: إذا رجعتم إلى أهلكم. وهي طريقة أحمد؛ لأنه قال (١): إذا فرّط في الصوم وهو متمتع صام بعدما يرجع إلى أهله، وعليه دم. وقال في رواية جماعة: عليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع (٢)، وإن شاء صام في الطريق. وذلك لما أخرجا في «الصحيحين» (٣) عن ابن عمر وعائشة: أن رسول الله ﷺ لما قدِمَ مكة قال للناس: «من كان منكم أهدى فإنه لا يحلُّ من شيء حرم منه حتى يقضي حجَّه، ومن لم يكن أهدى فليطفْ بالبيت وبين الصفا والمروة، وليقصِّر وليحلِلْ، ثم ليُهِلَّ بالحج وليُهْدِ، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله». وذكر الحديث. وهذا تفسير من النبي ﷺ . وروى البخاري (٤) عن عكرمة عن ابن عباس أنه سئل عن متعة الحج، فقال: أهلَّ المهاجرون والأنصار وأزواج رسول الله ﷺ في حجة الوداع، وأهللنا، فلما قدِمنا مكة قال رسول الله ﷺ : «اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة، إلا من قلَّد الهدي». طُفنا بالبيت وبين الصفا والمروة، وأتينا النساء، ولبسنا الثياب. وقال: «من قلَّد الهديَ فإنه لا يحلُّ له حتى يبلغ الهدي محلَّه»، ثم أمرنا عشية التروية أن نُهِلَّ بالحج، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت

стр. 2993

وبالصفا والمروة فقد تمَّ حجنا، وعلينا الهديُ» كما قال الله: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ إلى أمصاركم، الشاة تُجزِئ. فجمعوا بين نُسكينِ في عامٍ، بين (١) الحج والعمرة، فإن [ق ٣٠٧] الله أنزله في كتابه، وسَنَّه نبيُّه ﷺ ، وأباحه للناس غير أهل مكة، قال الله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. وقوله: «إلى أمصاركم» يحتمل أن يكون مرفوعًا وموقوفًا (٢). وعن جابر ... (٣). وأيضًا فإن الرجوع المطلق إنما يُفهم منه الرجوع إلى الوطن ... (٤). لكن تأخير الصوم إلى مصره رخصة كما روى سعيد عن عطاء: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] قال: هي رخصة، إن شاء صام في الطريق، وإن شاء إذا قدِمَ إلى منزله (٥).

стр. 2994

وعن الحسن مثله، قال (١): هي رخصة (٢). وروى الأشجُّ (٣) عن مجاهد في قوله: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ قال: إن شاء صيامها (٤) في الطريق فعلَ، فإنما هي رخصة. وذلك لأن هذا بمنزلة قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، لمّا انعقد سبب الوجوب وتمَّ كان التأخير إلى حال الإقامة رخصة، وكذلك صوم السبعة إنما سببه المتعة، وهي قد تمّت بمكة، لكن لما كان الحاجُّ مسافرًا والصوم يشقُّ جوَّز له الشرعُ التأخير إلى أن يقدَم. وأيضًا فإن الحجيج إذا صدروا (٥) من منى فقد شرعوا في الرجوع إلى أهلهم، فإن عرفات ومنى هي منتهى سفرهم، فالمصدَرُ عنها قفولٌ من سفرهم ورجوعٌ إلى أوطانهم، ومُقامُهم بعد ذلك بمكة أو بالمدينة (٦) أو غيرهما كما يَعرِض لسائر المسافرين من المُقام. والأفعال الممتدّة ــ مثل الحج والرجوع ونحوه ــ يقع الاسم على المتلبس به إذا شرع فيه، وإن كان لا يتناول الاسمَ على التمام إلا إذا قضاه.

стр. 2995

يبيِّن هذا أن الصوم لا يختص بمكان دون مكان (١)، ولا بحال دون حال، فلو قيل: لا يجوز له الصوم بالطريق أو بمكة= لكان منعًا للصوم في بعض الأمكنة، وذلك غير معهود من الشرع، ولا معنى تحته. وأيضًا فعند أصحابه أن صوم السبعة قد وجب في ذمته بمكة، وقد نصَّ أحمد على ذلك؛ فقال في رواية المرُّوذي (٢): إذا مات ولم يصم السبعة أيام يُطعَم عنه بمكة موضع وجب عليه. وكل صوم وجب في ذمته فله البِدارُ إلى فعله، كقضاء رمضان والنذر. ودليل وجوبه أنه وجب بدلًا عن الهدي، والبدل لا يتأخر وجوبه عن وجوب المبدل منه؛ لأنه قائم مقامه. والأفضل أن يؤخِّر صومها إلى أن يقدَم؛ لأنه أخذٌ بالرخصة، وخروج من الخلاف، كما قلنا في صوم رمضان وأولى، إلا أن بينهما فرقًا (٣)، فإن صوم رمضان يصومه مقيمًا في غير وطنه. فصل ويجوز أن يصوم كل واحد من الثلاثة والسبعة متفرقًا، كما يجوز أن يصومه متتابعا. نصَّ عليه (٤)؛ لأن الله سبحانه أطلقه ولم يقيِّده بالتتابع، فيبقى على ما أطلقه الله سبحانه.

стр. 2996

فصل قد قلنا: إنه يجوز أن يصوم من حين الإحرام بالعمرة، وإنما يكون هذا إذا لم يجد هديًا حينئذٍ، ويغلب على ظنه أنه لا يجده إلى يوم النحر، فأما إن غلب عليه أنه يجده يوم النحر ... (١). فإذا شرع في صوم الثلاثة لم يلزمه الانتقالُ إلى الهدي، بل يمضي في صومه، وإن انتقل إليه فهو أفضل. قال في رواية حنبل (٢) في المتمتع إذا صام أيامًا، ثم أيسرَ، أرجو أن يُجزئه الصيام، ويمضي فيه. وقال في رواية ابن منصور (٣) في متمتع لم يجد ما يذبح، فصام، ثم وجد يوم النحر ما يذبح؛ فمتى دخل في الصوم فليس عليه. ويقول (٤) في الكفارات كلها: إذا دخل في الصوم يمضي فيه، وكذلك إذا تيمَّم ثم دخل في الصلاة فليمضِ. وهذا أصلٌ مطَّرد لنا في الكفارات كلها، إذا قدر على التكفير بالمال بعد الشروع في الصيام لم يلزمه الانتقال؛ لأن الصوم لا يبطل بوجود الرقبة والهدي.

стр. 2997

ويتخرَّج أن (١) يلزمه الانتقال؛ لأن الهدي على وجه مثل ذلك في (٢) الكفارات، أنه إذا أيسر في الصيام انتقل إلى المال، والانتقال هنا أوجه؛ لأن الهدي إنما يستقر وجوبه وإنما يجزئ ذبحه يوم النحر، بخلاف العتق في الكفارات، فإن وقت (٣) استقراره قبل الشروع في الصوم، نعم هو يُشبِه كفارة الظهار إذا قلنا لا تستقرُّ إلا بالوطء وكفّر قبله. وقد خرّج ابن عقيل أنه يلزمه الانتقال إلى الهدي (٤) بعد الشروع، على الرواية التي تقول: الاعتبار في الكفارات بأغلظ الحالين. وهذا تخريج غير سديد؛ لأن ذلك إنما يجيء فيما إذا وجد الهدي قبل الشروع في الصوم كما سنذكره. فإن وجب عليه الصوم فلم يشرع فيه حتى وجد الهدي، فهل يلزمه الانتقال إليه؟ ذكر أصحابنا (٥) فيه روايتين، أصحهما لا يلزمه الانتقال أيضًا، وبنوا ذلك على الروايتين في الكفارة: هل العبرة بحال الوجوب أو بأغلظ الحالين من حال الوجوب والأداء؟ وهذا ينبني على حال وجوب الصوم، فإن قلنا: يجب إذا أحرم بالحج، وكان قد أحرم قبل النحر بأيام، فهذه صورة مستقيمة. وأما [ق ٣٠٨] إن قلنا:

стр. 2998

إنه لا يجب الصوم ولا الهدي إلى يوم النحر، أو قلنا: يجب (١) إذا أحرم بالحج، فلم يحرم به إلى اليوم السابع أو الثامن أو التاسع، فإنما معناه: لا يجب وجوب استقرار في الذمة، وإلا فإنه يجب عليه فعل الصوم قبل يوم النحر بلا تردد، كما قلنا في المظاهر يجب عليه إخراج الكفارة قبل الوطء، وإن قلنا لا يستقر في ذمته إلا بالوطء. فنقول على هذا: إنما يجب عليه أداء الصوم قبل النحر بثلاث ليال، فإذا وجد الهدي بعد انقضاء بعضها من غير صوم ثم وجد الهدي، فهذه الصورة يجب أن يجب فيها الهدي ولا يجزئه الصوم، كما لو عزم المظاهر على العَوْد، ولم يصم حتى وجد الرقبة، وذلك لأنه وجد الهدي قبل أن يجب الصوم؛ فإن الصوم لا يجب في الذمة إلا إذا أحرم بالحج أو وقف بعرفة. ووجوب أدائه قبل ذلك ... (٢). وأما إن كان فرضه الصوم ودخل يوم النحر ولم يصم، ثم وجد الهدي، فهنا يُشبِه مسألة الكفارات، إلا أن الصوم هنا فات وقته، بخلاف الصوم في الكفارات، فقد فرَّط بتفويته. وقد اختلفت الرواية عنه: فعنه أنه يُهدي هديَيْن (٣) ولا يجزئه الصوم، وعنه: يقضي الصوم ويهدي، وعنه: يقضيه من غير هدي، كما سيأتي إن شاء الله. فإن هذه المسألة لها مأخذان؛ أحدهما: أنه قد استقرَّ البدل في الذمة. والثاني: أنه قد فوَّته.

стр. 2999

وأما التفريق بين أن يقدر على الهدي أو لا يقدر ... (١). فصل وإذا وجب عليه الهدي فلم يُهدِ حتى خرجت أيام الذبح، ففيه ثلاث روايات منصوصات: إحداهن: عليه هديان (٢): هدي متعته، وهدي آخر لتفريطه ، وهذا اختيار الشريف أبي جعفر، قال أصحابنا: لتأخيرٍ (٣) عن وقت الذبح. قال في رواية المرُّوذي (٤): إذا تمتَّع فلم يُهدِ إلى قابلٍ فإنه (٥) يُهدِي هديين. هكذا قال ابن عباس. وإذا صام فأفطر (٦) يوم عرفة، فإن عليه دمين. وكذلك نقل يعقوب بن بختان (٧). وقال في رواية أبي طالب (٨) في متمتع لم يكن معه هدي ولم يصم حتى جاز أيام النحر: صام عشرة إذا رجع، وعليه دم، قد فرَّط، وابن عباس يقول: من كان عليه دم فلم يذبحه حتى جاز يوم النحر فعليه دمان: دم الذي وجب عليه، ودم لما فرَّط. قيل له: تقول به؟ قال: نعم عليه دمان؛ دم لما

стр. 3000

عليه، ودم لما أخَّر (١). ولا فرق على هذه الرواية بين المعذور وغيره؛ لأن أحمد اعتمد على حديث ابن عباس، وهو في المعذور. قال القاضي (٢): والمذهب الصحيح أن المعذور وغيره سواء؛ لأن في رواية المرُّوذي: إذا لم يجد ثمنًا يشتري به حتى رجع إلى هاهنا عليه هديان، وهذه حالة عذر. وذلك لما احتج به أحمد من رواية علي بن بَذِيمة، عن مولى لابن عباس، عن ابن عباس فيمن تمتع فلم يصم ولم يُهدِ، قال: عليه دمان. رواه سعيد (٣). ورواه النجَّاد (٤)، ولفظه: عن علي (٥) بن بذيمة [عن] مولى لابن عباس قال: تمتعتُ فنسيتُ أن أنحر، وأخّرتُ هديي، فمضيت إلى ابن عباس، فقال: أهدِ هديينِ؛ هديًا [لمتعتك]، وهديًا لما أخَّرت. ولا يُعرف له مخالفٌ في الصحابة.

стр. 3001

ولأن الذبح في وقته نسك واجب، فمتى فوَّت الوقتَ فقد ترك شيئًا (١) من نسكه، ومن ترك شيئا من نسكه فعليه دم. وعكسه تأخير الوقوف والطواف إلى وقت يجوز، فإنه ليس فيه ترك واجب. ولأنه لو فوَّت نفسَ الحج لزمه القضاء والكفارة، فكذلك إذا فوَّت بعض واجباته التي يمكن قضاؤها، يجب أن تجب فيه الكفارة، إلحاقًا لأجزاء العبادة بأصلها، فإنه من أجلى الأقيسة. ولأن ما وقَّته بنذره إذا فوَّت وقته فعليه كفارة، فما وقَّته الشرع أحرى أن تجب الكفارة بتفويت وقته. ولا ينتقض هذا بتفويت الصوم والصلاة؛ لأن ذاك أعظم من أن تجب فيه كفارة. والرواية الثانية: ليس عليه إلا هدي التمتع فقط ، قال في رواية ابن منصور (٢) في متمتع لم يذبح حتى رجع إلى أهله: يبعث بالدم إذا كان ساهيًا، والعامد عليه دم واحد، إلا أنه قد أساء. وهذا اختيار ابن أبي موسى (٣)، وهو (٤) الذي نصره القاضي في «خلافه» (٥)؛ لأنه نسكٌ أخَّره إلى وقت جواز فعله، فلم يجب به دم، كما لو أخّر الوقوف إلى الليل، والطوافَ عن أيام منى، والمعنيُّ (٦) بجواز فعله

стр. 3002

إجزاؤه (١)، فأما حلُّ التأخير فلا. قال القاضي (٢): ولأنه دمٌ أخَّره عن وقت وجوبه، فلا يجب بتأخيره دم، كسائر الدماء الواجبات من الحِلاق وتقليم الأظفار وقتل الصيد. ولأن تأخير العبادة الموقَّتة عن وقتها إذا شُرِع قضاؤها لا يوجب إلا القضاء، بدليل تأخير الصوم والصلاة. والرواية الثالثة: إن أخَّره لعذرٍ لم يلزمه إلا هدي واحد، وإن أخَّره عمدًا فعليه هديانِ . قال حرب: قيل لأحمد: رجل حجَّ وعليه دم، فدفع نفقته إلى [ق ٣٠٩] رجل وغاب الرجل، فلم يكن معه ما يذبح حتى رجع إلى بلاده؟ قال: يبعث بدمٍ، إذا كان له عذر رجوتُ أن يجزئ عنه دم واحد، ويُروى عن بعضهم أنه قال: عليه دمان، وهذا إذا لم يكن له عذر، قيل له: فإن لم يقدر أن يبعث بدم؟ قال: لا أدري، وكأنه أوجبه عليه إذا وجد. وقال في رواية حرب (٣) في متمتع رجع إلى بلاده ولم يُهدِ: يُجزئ عنه دم واحد إذا كان له عذر، وبعضهم يقول: عليه دمان، وهذا إذا لم يكن له عذر. قال القاضي (٤): العذر مثل أن تضيق النفقة ولا يجد ما يشتري. وقال أبو الخطاب (٥): العذر مثل أن تضيع النفقة. وذكر ابن عقيل: العذر مثل النسيان ونحوه.

стр. 3003

قال ابن أبي موسى (١): لو سها عن الهدي إلى أن وصل إلى بلده لزمه إنفاذُ هديٍ يُنْحر بالحرم، لا يجزئه غير ذلك. وهذا لأن العبادات الموقَّتة إذا أُخِّرت عن وقتها لعذْرٍ (٢) وشُرِع قضاؤها لم تحتج إلى شيء آخر، مثل الصوم إذا أفطر لمرض أو سفر، والصلاة إذا أخّرها لنوم أو نسيان، بخلاف من أخَّرها تأخيرًا محرمًا، فإنه يأثم بذلك فيحتاج إلى كفارة ماحية. والعذر هنا مثل النسيان ونحوه مما لا يُسقِط وجوب الهدي (٣). فأما ضِيق النفقة وضياعها أو عَدم النَّعم ــ كما ذكره القاضي وأبو الخطاب ــ فهذا يمنع وجوب الهدي، ويجعل فرضَه الصومَ، فإذا لم يصم فهي المسألة الآتية، وإن صام فليس عليه شيء آخر إلا أن يكون واجدًا حين أحرم بالحج، فترك الصوم لذلك، فلما كان وقت الذبح ضاعت النفقة أو عُدمت النَّعم، أو كان قد ابتاع هديًا فضلَّ (٤)، فهنا هو معذور بترك الصوم والذبح. وبكل حالٍ إذا وجب عليه الهدي ولم يُهدِ (٥) سواء كان موسرًا أو معسرًا بعد ذلك؛ لأن الهدي قد استقرَّ في ذمته. وأما الصوم صومُ الثلاثة إذا فوَّته بعد وجوبه ــ وفواتُها أن لا يصومها قبل النحر في رواية، وفي رواية: أن لا يصومها إلى أن تنقضي أيام التشريق ــ

стр. 3004

فعن أحمد (١): أنه يتعين عليه الهدي ولا يجزئه الصوم بحال، كما تقدم عنه في رواية المرُّوذي: إذا صام فأفطر يوم عرفة فإن عليه دمين. وكذلك نقل يعقوب بن بُخْتان في المتمتع إذا لم يصم قبل يوم النحر، قال: عليه هديانِ يبعث بهما إلى مكة. فعلى هذا: إن كان قد فات وقت الذبح أيضًا فعليه هديان، ويجيء فيهما الروايتان الأُخريانِ (٢). وإن كان وقت الذبح باقيًا فعليه الذبح إن قلنا: المتمتع لا يصوم أيام التشريق، وإن قلنا: يصومها لم يفُتْ إلا بفوات الذبح، اللهم إلا أن يكون قد بقي يوم (٣) من أيام التشريق فإنه يمكن الذبح، ولا يمكن صوم الثلاثة بحال. وظاهر كلامه أن عليه هديَيْن بكل حال؛ وذلك لما رُوي عن سعيد بن المسيّب قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، إني تمتعتُ فلم أصم الثلاثة الأيام في الحج، قال: وجب عليك الهدي، قال: لا أجده، قال: فسَلْ في قومك، قال: ما أرى هاهنا أحدًا من قومي، فقال عمر: يا مُعيقِيب (٤)، أعْطِه ثمنَ شاة. رواه سعيد عن هُشَيم عن حجّاج عن عمرو بن شعيب عنه (٥).

стр. 3005

وعن عكرمة عن ابن عباس قال: الصوم قبل يوم النحر، يقول: فإن لم يصُمْ فعليه الهدي. رواه سعيد بإسناد صحيح (١). وروي عن أصحابه ــ وهم عطاء، وطاوس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة ــ نحوُ ذلك (٢)، وقد حكاه أحمد أيضًا عن ابن عباس، ولا يُعرف عن الصحابة والتابعين خلاف ذلك إلا قول ابن عمر وعائشة ومن وافقهما: إنه يصوم أيام منى (٣)، وذلك اتفاقٌ منهم على أنه لا يصومها بعد أيام منى بحال. ولأن الله إنما جوّز له الانتقال عن الهدي بأن يصوم ثلاثة أيام في الحج، فإذا لم يصمْها في وقتها لم يُجزئه فعلها في غير وقتها كسائر مناسك الحج، فتعيَّن عليه الهدي؛ لأن وقته قد يكون باقيًا. ولأنه عبادة مالية من وجه فتأخيرها عن وقتها أقرب. ولأنه هو الأصل، ولأن الصوم رخصة فلا يستباح مع المعصية. ولأنه لو خُيِّر بين صوم (٤) ثلاثة أيام في الحج وبين الهدي وفات وقت الصوم لتعيَّن الهدي، فلَأن يتعيَّن الهدي إذا كان هو الواجب الأصلي أولى وأحرى.

стр. 3006

ولأن العبادة الموقّتة إذا فاتت، فإن قلنا: لا يجوز القضاء إلا بأمر جديد فليس في قضاء صوم المتعة أمر. وإن قلنا: يقضي فلأن القضاء بدلٌ عن الأداء يسدُّ مسدَّه، وهنا قد أمكن إبدال الهدي الذي هو أصل الصوم، فهو أولى من الاستبدال بصوم. ولأن البدل إذا كان موقّتًا ففات وقته رجع إلى الأصل؛ كالمسح على الخفين. ولأن القضاء بدلٌ عن الأداء، فلو شُرِع في الأبدال لكان للبدل بدلٌ، وهذا يحتاج إلى دليل، فإنه لا يثبت بمجرد الرأي. ولأن الله أمر بثلاثة أيام في الحج وسبعة بعده، ووصفها بأنها كاملة، وهذه الصفة لا تثبت لأيام في غير الحج؛ لأنها لو ثبتت لها لجاز التأخير، وإذا لم تكن تلك (١) العشرة كاملة لم يُجزِئْ عنه؛ لأن الله إنما أمر (٢) بعشرة [ق ٣١٠] كاملة. ولأن صوم الثلاثة في الحج من المناسك وإن كانت صومًا، كما أن ركعتي الطواف من المناسك وإن كانت صلاة، ولهذا يصومها المتمتع عن غيره، فإن كل عبادة تختصُّ بالحج فإنها من المناسك، والمناسك الموقَّتة تفوت بفوات وقتها كالوقوف والرمي ونحو ذلك، ولا تُقضَى (٣) بحال، وإذا لم تُقْضَ فمنها ما يجب له بدل وهو الدم.

стр. 3007

وعن أحمد (١): أنه يقضيها، وهو المعروف عند أصحابنا (٢)؛ لأنه صوم واجب، فوجب أن يقضي إذا فات كصوم رمضان والمنذور الموقّت. ولأن الصوم والهدي في التوقيت سواء، فإذا قضى أحدهما قضى الآخر. ويقضيها مع صوم السبعة إن شاء متتابعًا وإن شاء متفرقًا. وهل عليه دم مع القضاء؟ على ثلاث روايات (٣): إحداهن: عليه دم، وهي اختيار الشريف أبي جعفر (٤) وغيره، كما تقدم نصه في رواية أبي طالب: إذا لم يكن معه هديٌ ولم يصم حتى جاز أيام النحر صام عشرة إذا رجع، وعليه دمٌ، قد فرَّط. وقال في رواية ابن الحكم: إذا وجب عليه الهدي من تمتعٍ أو جزاءِ صيدٍ أو كفارةِ ظهارٍ أو زكاة، ففرَّط فيها حتى ذهب ماله، فإن عليه هديَيْن. وإذا فرَّط في الصوم وهو متمتع صام بعدما يرجع إلى أهله، وعليه دم، ويروى عن ابن عباس: عليه هديانِ. ووجه ذلك: ما تقدم في الهدي. وحكى أبو الخطاب (٥) أن هذه الرواية خرَّجها شيخه القاضي أبو يعلى من الرواية التي في تأخير الهدي، واختار هو أنه لا يلزمه مع الصوم دم بحال، مع ذكر الروايتين في الهدي؛ لأن الصوم

стр. 3008

الواجب بأصل الشرع لا يجب بتأخيره عن وقته دم، بخلاف الهدي فإنه من المناسك، وتأخير المناسك في الجملة قد يوجب دمًا. والصواب طريقة شيخه؛ فقد ذكرنا نصَّ أحمد على هذه الرواية، وقد ذكرها القاضي منصوصةً في «خلافه» (١)، وكذلك أبو الخطاب في «خلافه»، ولعله خرَّجها في كتبه القديمة، ثم وجدها منصوصة، فليس ذلك ببدعٍ من فقهه (٢). والرواية الثانية: الفرق بين المعذور وغيره، كما تقدم عنه في الهدي. والرواية الثالثة: لا دمَ بحال، قال في رواية ابن القاسم (٣): إن لم يصم في الحج فليصم إذا انصرف، ولا يرجع إلى الدم؛ لأن عليه الصيام. وذلك لأن الصوم قد وجب في ذمته فلم يجب عليه غير قضائه، كصوم رمضان وصوم الكفارات كلها. فعلى هذا إذا أيسرَ في أيام الذبح فهل عليه الانتقال؟ على ما تقدم من الروايتين. ولو أراد على هذه الرواية أن يُهدِي ولا يصوم، فظاهر كلامه أنه لا يجزئه (٤)؛ لأنه قال: «عليه الصيام»؛ لأن الذبح قد فات وقته. ويتخرَّج جوازه كما قلنا في الكفارات كلها على ظاهر المذهب.

стр. 3009

وأما صوم السبعة فقياس المذهب أنه لا يجوز تأخيره بعد الرجوع إلى الأهل، كما لا يجوز تأخير الكفارات والنذور، وأولى؛ لأن الأمر المطلق يقتضي البِدارَ إلى الفعل، ولأنه قد قال تعالى: ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾، وهذا توقيت له، فلا يجوز تأخيره عن وقته؛ لأن «إذا» ظرف من ظروف الزمان. وأيضًا فإن قوله: ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ إما أن يكون تقييدًا لأول وقت الفعل (١) أو لآخره. ولا يجوز أن يكون وقتًا لأوله لما تقدم، فعُلِم أنه وقتٌ لآخره؛ لأنه لو قال: «سبعة بعد ذلك» لظنَّ ظانٌّ وجوبَ تقديمها إلحاقًا لها بالثلاثة، فقال: ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ بيان لجواز تأخيرها، ولو أريد بجواز التأخير مطلقًا لقيل: وسبعة من أيام أخر، أو متى شئتم، ونحو ذلك. فإن مات ولم يصم، فقال أحمد في رواية المرُّوذي (٢): إذا مات ولم يصم السبعة أيام يُطعَم عنه بمكة موضع وجب عليه . وهذا يقتضي وجوب الإطعام عنه بكل حال، سواء قدر على الصيام أو لم يقدر؛ لأنه أطلق، وبيَّن أنها وجبت عليه بمكة، وهو لا يتمكَّن من صومها بمكة في الغالب. وهذا هو الصواب، وهو قياس مذهبه؛ لأنه قد تقدَّم أن الهدي والصوم عنه يجب إما بالإحرام أو بالوقوف. ولا معنى لوجوبه إلا وجوب الإخراج عنه إذا مات، كما قد نصَّ عليه في الهدي (٣)؛ فإنه نصَّ على أنه يخرج عنه إذا

стр. 3010

مات بعد أن وقف بعرفة. فلو قلنا: لا يجب الصوم إلا بعد التمكُّن لم يصح الوجوب. وقال كثير من أصحابنا (١) ــ القاضي وابن عقيل وطوائف من أصحابنا ــ: لا يجب أن يطعم عنه إلا إذا تمكَّن من القضاء، كما قلنا في صوم رمضان: إذا مات قبل التمكُّن من قضائه لم يُطعَم عنه. والتمكُّن المعتبر: إما الاستيطان لأن المسافر لا يجب عليه، أو الصحة فقط. فإن قدر على صوم بعض العشرة أُطعِم عنه بقدر ما قدر عليه. قال ابن عقيل: ولا يُصام عنه، قولًا واحدًا. وظاهر النص [ق ٣١١] أجود، لأن هذا الصوم ليس واجبًا بأصل الشرع، وإنما هو بسبب من المكلّف، فهو كصوم النذر، وصوم الكفارة، وكالصوم عن جزاء الصيد، أو الصوم في فدية الأذى. وهذا لا تعتبر فيه القدرة. الفصل الثالث في الشروط التي بها يكون متمتعًا يجب عليه الهدي، وهي عشرة (٢): أحدها: أن يعتمر في أشهر الحج ، فإن اعتمر في رمضان أو ما قبله من الشهور لم يكن متمتعًا، ولا هديَ عليه، وهو أفضل من الاعتمار في أشهر

стр. 3011

الحج. وكذا (١) إن اعتمر بعد الحج لم يجب عليه هديٌ؛ نصَّ عليه، فقال (٢): لا يجب على من اعتمر بعد الحج هديٌ. فلو تحلَّل من الحج يوم النحر وأحرم فيه بعمرة، فقال القاضي (٣): لا يكون متمتعًا على ظاهر كلام أحمد؛ لأنه وإن كان من أشهر الحج (٤)، فقد جُعِل في حكم ما ليس من أشهره، بدليل أن الحج يفوت فيه ولا يدرك بإدراكه. وهذا مبنيٌ على جواز الإحرام بالعمرة. ومعنى العمرة في أشهر الحج: أن يحرم في أشهر الحج، فلو أحرم قبل هلال شوال بساعة لم يكن متمتعًا، وكانت عمرته للشهر الذي أهلَّ فيه، لا للشهر الذي أحلَّ فيه أو طاف فيه. نصَّ عليه في مواضع، حتى قال (٥): عمرة في شهر رمضان تعدل حجة، فإن أدرك يومًا من رمضان فقد أدرك عمرة في شهر رمضان. وقال (٦) فيمن دخل بعمرة في شهر رمضان ودخل الحرم في شوال: عمرته في الشهر الذي أهلَّ. واحتجّ على ذلك بما رواه بإسناده عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن

стр. 3012

عبد الله سئل عن المرأة تجعل على نفسها عمرة في شهر مسمًّى، ثم يخلو إلا ليلة واحدة، ثم تحيض، قال: لِتخرُجْ ثم لْتُهِلَّ بعمرة، ثم لتنتظِرْ حتى تطهرَ، ثم لْتطُفْ بالكعبة وتُصلي (١). ولا يُعرَف له مخالف في الصحابة. ولأن المتمتع إنما وجب عليه الدم لترفُّهِه بسقوط أحد السفرين، وذلك أنه قد كان يمكنه أن يُحرم بالحج فقط، فلما عدلَ عنه إلى الإحرام بعمرة وأتى بالحج أيضًا شُرِع له الهدي. فإذا أهلَّ قبل شوال لم يمكنه الإهلال بالحج؛ لأنه خلاف السنة، فأحرم بالعمرة في وقت تنفرد به، فهو كما لو أحرم لها وطاف قبل شوال. الشرط الثاني: أن يحجَّ من عامه ذلك ، فلو اعتمر في أشهر الحج، ورجع إلى مصره، أو أقام بالحرم ولم يحجَّ، فليس بمتمتع بالعمرة إلى الحج. الشرط الثالث: أن لا يسافر بعد العمرة ، فإن سافر ثم رجع إلى مكة فليس بمتمتع؛ لأنه سافر للحج سفرًا كما سافر للعمرة سفرًا، ولم يترفَّه بسقوط أحد السفرين. وأما حدّ السفر الذي يُخرجه عن التمتع، فقد قال أحمد في رواية أبي طالب: إذا اعتمر في أشهر الحج، ثم سافر سفرًا تُقصر فيه الصلاة فليس بمتمتع. ويعجبني هذا القول، وإنما يكون المتمتع من جاء إلى مكة في شوال أو ذي القعدة، ومن جاء في غير هذه الشهور فإنما هي عمرة، وليس هو متمتعًا. وإذا دخل بعمرة في هذه الشهور ثم انتظر حتى يهلّ بالحج من

стр. 3013

مكة فهو متمتع، فإن خرج إلى الميقات وأهلَّ بالحج فليس بمتمتع. وقال في رواية حرب والأثرم (١): من أحرم بعمرة في أشهر الحج فهو متمتع، إذا أقام حتى يحج، فإن خرج (٢) من الحرم سفرًا تُقصَر في مثله الصلاة، ثم رجع فحجَّ، فليس بمتمتع، ولا هديَ عليه. وقال في رواية يوسف بن موسى وأحمد بن الحسين (٣): إذا أقام فأنشأ الحج من (٤) مكة فهو متمتع، فإن خرج إلى الميقات فأحرم بالحج فليس بمتمتع. وقال في رواية عبد الله (٥): إذا سافر سفرًا يقصر فيه الصلاة فليس بمتمتع. واختلفت عبارة أصحابنا في ذلك؛ فقال القاضي في «المجرد» وابن عقيل في بعض المواضع وأبو الخطاب (٦) وجماعة وغيرهم: إذا خرج إلى الميقات فأحرم منه بالحج، أو خرج إلى موضع بينه وبين مكة ما تُقصر فيه الصلاة، فأحرم منه، فليس بمتمتع. وجعلوا كلَّ واحدٍ من خروجه إلى الميقات وإلى مسافة القصر رافعًا للمتعة؛ لأنه قد نصّ على كل منهما في رواية واحدة، وفي روايات متعددة.

стр. 3014

ومن هؤلاء من ذكر رواية أخرى: أن الذي يزيل المتعةَ السفرُ إلى مسافة القصر من غير اعتبار الميقات؛ لأنه قد نصّ على ذلك في روايات (١)، ولم يذكر الميقات. ومن سلك هذه (٢) السبيل لزمه أن يحكي رواية ثالثة: بأن الاعتبار بخروجه إلى الميقات من غير اعتبار مسافة القصر؛ لأنه قد نصّ على ذلك في روايات أُخَر (٣). وقال الخرقي (٤) وابن أبي موسى (٥) والقاضي (٦) وأبو الخطاب في «خلافهما» والشريف أبو جعفر وابن عقيل في مواضع: الاعتبار بمسافة القصر خاصةً، فمن سافر سفرًا تقصر فيه الصلاة فليس هو بمتمتع. قال القاضي (٧): إذا رجع المتمتع إلى الميقات بعد الفراغ من العمرة لم يسقط عنه دم المتعة، وإن رجع إلى موضع تُقصَر فيه الصلاة سقط عنه دم [ق ٣١٢] المتعة. قال: وقول أحمد «فإن خرج إلى الميقات فأحرم بالحج فليس بمتمتع» محمول على أن بين الميقات وبين مكة مسافة القصر. وعند هؤلاء أن معنى كلام أحمد يرجع إلى هذا.

стр. 3015

واعلم أن هذا الاختلاف لا يرجع إلى اختلاف في الحكم، وذلك لأن المواقيت كلَّها بينها وبين مكة مسافة القصر؛ فإن ذا الحليفة بينها وبين مكة عشر مراحل من ناحية الساحل، والجحفة بينها وبين مكة ثلاثة أيام، وسائر المواقيت بينها وبين مكة يومان قاصدان. فكل من خرج إلى ميقات فقد خرج إلى مسافة القصر، وقد يخرج إلى مسافة القصر من ناحية المدينة والشام، ولا يصل إلى الميقات. فإذن كلا (١) الطريقين جيدة، وإن كان الضابط في الحقيقة (٢) السفر إلى مسافة القصر. لكن من اعتقد في المسألة روايتين [و] توهَّم أنه يخرج إلى الميقات من لا يبلغ مسافة القصر، ليجعل المسألة على روايتين، أو تناول كلام أحمد في بعض المواضع، أو يقول: إنه لا يسقط عنه دم (٣) المتعة بالخروج إلى ميقاته، أو يعتقد أن كلًّا منهما شرط (٤) على انفراده= فقد غلط غلطًا مستنده عدم العلم بالمسافة، وهذا واقع (٥) في كلام طائفة من أصحابنا، وهو مخالفة واضحة لكلام أحمد؛ فإنه قد نصّ على أن الخروج إلى الميقات مُسقِط من غير تقييد، وهو جهلٌ (٦) بمسافات المواقيت. وإنما اعتبره أحمد لأنه إذا سافر بعد العمرة إلى مسافة القصر فأحرم
следующие страницы →