← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

الحج. وكذا (١) إن اعتمر بعد الحج لم يجب عليه هديٌ؛ نصَّ عليه، فقال (٢): لا يجب على من اعتمر بعد الحج هديٌ. فلو تحلَّل من الحج يوم النحر وأحرم فيه بعمرة، فقال القاضي (٣): لا يكون متمتعًا على ظاهر كلام أحمد؛ لأنه وإن كان من أشهر الحج (٤)، فقد جُعِل في حكم ما ليس من أشهره، بدليل أن الحج يفوت فيه ولا يدرك بإدراكه. وهذا مبنيٌ على جواز الإحرام بالعمرة. ومعنى العمرة في أشهر الحج: أن يحرم في أشهر الحج، فلو أحرم قبل هلال شوال بساعة لم يكن متمتعًا، وكانت عمرته للشهر الذي أهلَّ فيه، لا للشهر الذي أحلَّ فيه أو طاف فيه. نصَّ عليه في مواضع، حتى قال (٥): عمرة في شهر رمضان تعدل حجة، فإن أدرك يومًا من رمضان فقد أدرك عمرة في شهر رمضان. وقال (٦) فيمن دخل بعمرة في شهر رمضان ودخل الحرم في شوال: عمرته في الشهر الذي أهلَّ. واحتجّ على ذلك بما رواه بإسناده عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن

стр. 3012

عبد الله سئل عن المرأة تجعل على نفسها عمرة في شهر مسمًّى، ثم يخلو إلا ليلة واحدة، ثم تحيض، قال: لِتخرُجْ ثم لْتُهِلَّ بعمرة، ثم لتنتظِرْ حتى تطهرَ، ثم لْتطُفْ بالكعبة وتُصلي (١). ولا يُعرَف له مخالف في الصحابة. ولأن المتمتع إنما وجب عليه الدم لترفُّهِه بسقوط أحد السفرين، وذلك أنه قد كان يمكنه أن يُحرم بالحج فقط، فلما عدلَ عنه إلى الإحرام بعمرة وأتى بالحج أيضًا شُرِع له الهدي. فإذا أهلَّ قبل شوال لم يمكنه الإهلال بالحج؛ لأنه خلاف السنة، فأحرم بالعمرة في وقت تنفرد به، فهو كما لو أحرم لها وطاف قبل شوال. الشرط الثاني: أن يحجَّ من عامه ذلك ، فلو اعتمر في أشهر الحج، ورجع إلى مصره، أو أقام بالحرم ولم يحجَّ، فليس بمتمتع بالعمرة إلى الحج. الشرط الثالث: أن لا يسافر بعد العمرة ، فإن سافر ثم رجع إلى مكة فليس بمتمتع؛ لأنه سافر للحج سفرًا كما سافر للعمرة سفرًا، ولم يترفَّه بسقوط أحد السفرين. وأما حدّ السفر الذي يُخرجه عن التمتع، فقد قال أحمد في رواية أبي طالب: إذا اعتمر في أشهر الحج، ثم سافر سفرًا تُقصر فيه الصلاة فليس بمتمتع. ويعجبني هذا القول، وإنما يكون المتمتع من جاء إلى مكة في شوال أو ذي القعدة، ومن جاء في غير هذه الشهور فإنما هي عمرة، وليس هو متمتعًا. وإذا دخل بعمرة في هذه الشهور ثم انتظر حتى يهلّ بالحج من

стр. 3013

مكة فهو متمتع، فإن خرج إلى الميقات وأهلَّ بالحج فليس بمتمتع. وقال في رواية حرب والأثرم (١): من أحرم بعمرة في أشهر الحج فهو متمتع، إذا أقام حتى يحج، فإن خرج (٢) من الحرم سفرًا تُقصَر في مثله الصلاة، ثم رجع فحجَّ، فليس بمتمتع، ولا هديَ عليه. وقال في رواية يوسف بن موسى وأحمد بن الحسين (٣): إذا أقام فأنشأ الحج من (٤) مكة فهو متمتع، فإن خرج إلى الميقات فأحرم بالحج فليس بمتمتع. وقال في رواية عبد الله (٥): إذا سافر سفرًا يقصر فيه الصلاة فليس بمتمتع. واختلفت عبارة أصحابنا في ذلك؛ فقال القاضي في «المجرد» وابن عقيل في بعض المواضع وأبو الخطاب (٦) وجماعة وغيرهم: إذا خرج إلى الميقات فأحرم منه بالحج، أو خرج إلى موضع بينه وبين مكة ما تُقصر فيه الصلاة، فأحرم منه، فليس بمتمتع. وجعلوا كلَّ واحدٍ من خروجه إلى الميقات وإلى مسافة القصر رافعًا للمتعة؛ لأنه قد نصّ على كل منهما في رواية واحدة، وفي روايات متعددة.

стр. 3014

ومن هؤلاء من ذكر رواية أخرى: أن الذي يزيل المتعةَ السفرُ إلى مسافة القصر من غير اعتبار الميقات؛ لأنه قد نصّ على ذلك في روايات (١)، ولم يذكر الميقات. ومن سلك هذه (٢) السبيل لزمه أن يحكي رواية ثالثة: بأن الاعتبار بخروجه إلى الميقات من غير اعتبار مسافة القصر؛ لأنه قد نصّ على ذلك في روايات أُخَر (٣). وقال الخرقي (٤) وابن أبي موسى (٥) والقاضي (٦) وأبو الخطاب في «خلافهما» والشريف أبو جعفر وابن عقيل في مواضع: الاعتبار بمسافة القصر خاصةً، فمن سافر سفرًا تقصر فيه الصلاة فليس هو بمتمتع. قال القاضي (٧): إذا رجع المتمتع إلى الميقات بعد الفراغ من العمرة لم يسقط عنه دم المتعة، وإن رجع إلى موضع تُقصَر فيه الصلاة سقط عنه دم [ق ٣١٢] المتعة. قال: وقول أحمد «فإن خرج إلى الميقات فأحرم بالحج فليس بمتمتع» محمول على أن بين الميقات وبين مكة مسافة القصر. وعند هؤلاء أن معنى كلام أحمد يرجع إلى هذا.

стр. 3015

واعلم أن هذا الاختلاف لا يرجع إلى اختلاف في الحكم، وذلك لأن المواقيت كلَّها بينها وبين مكة مسافة القصر؛ فإن ذا الحليفة بينها وبين مكة عشر مراحل من ناحية الساحل، والجحفة بينها وبين مكة ثلاثة أيام، وسائر المواقيت بينها وبين مكة يومان قاصدان. فكل من خرج إلى ميقات فقد خرج إلى مسافة القصر، وقد يخرج إلى مسافة القصر من ناحية المدينة والشام، ولا يصل إلى الميقات. فإذن كلا (١) الطريقين جيدة، وإن كان الضابط في الحقيقة (٢) السفر إلى مسافة القصر. لكن من اعتقد في المسألة روايتين [و] توهَّم أنه يخرج إلى الميقات من لا يبلغ مسافة القصر، ليجعل المسألة على روايتين، أو تناول كلام أحمد في بعض المواضع، أو يقول: إنه لا يسقط عنه دم (٣) المتعة بالخروج إلى ميقاته، أو يعتقد أن كلًّا منهما شرط (٤) على انفراده= فقد غلط غلطًا مستنده عدم العلم بالمسافة، وهذا واقع (٥) في كلام طائفة من أصحابنا، وهو مخالفة واضحة لكلام أحمد؛ فإنه قد نصّ على أن الخروج إلى الميقات مُسقِط من غير تقييد، وهو جهلٌ (٦) بمسافات المواقيت. وإنما اعتبره أحمد لأنه إذا سافر بعد العمرة إلى مسافة القصر فأحرم

стр. 3016

منها بالحج من ناحية ميقاته أو غيرها، لم يترفَّهْ بسقوط أحد السفرين، بل سافر للحج سفرًا صحيحًا، فزال معنى التمتع في حقه، وإن لم يرجع إلى مصره أو لم يبلغ الميقات، فإن الموجب للدم سقوط أحد السفرين، بدليل وجوبه على القارن لما جمع بين النسكين في سفرة واحدة في أشهر الحج. ولو كانت العلة أنه لم يُحرِم من الميقات لم يجب على القارن دم. وقد تقدَّم أن المتمتع في لسان الصحابة والتابعين هو أن يجمع بين العمرة والحج في أشهره بسفرة واحدة، فإن سافر بينهما إلى مسافة القصر، ثم رجع فأحرم بالحج من مكة، أو أحرم به من دون مسافة القصر، فعليه دم لإحرامه دون ميقاته؛ لأن ميقات من أنشأ (١) الحج من دون المواقيت من موضعه، وليس عليه دم متعة، كما لو رجع إلى مصره ثم دخل مكة بغير إحرام. ولهذا أطلق أحمد القول بسفرٍ تقصر فيه الصلاة، ولم يشترط إحرامه منه في كونه غير متمتع. واشترط أبو الخطاب (٢) وغيره من أصحابنا: أن يحرم بالحج من مسافة القصر. وقال بعضهم: إذا سافر وأحرم من مكة فليس بمتمتع. وإن رجع إلى مكة غير قاصدٍ للحج مُحِلًّا، ثم بدا له الحج فأحرم منها، فعليه أيضًا دم كما تقدم. وإن سافر قبل التحلل من العمرة إلى ما تُقصر فيه الصلاة ورجع حرامًا،

стр. 3017

إما بأن يكون سائقَ هديٍ (١) أو لم يكن، فقد قيل: ليس بمتمتع (٢) أيضًا على ظاهر قول أصحابنا. والأشبه أنه متمتع، كما لو سافر القارن، أو أحرم بالحج من مكة، ثم سافر محرمًا إلى ما تقصر فيه الصلاة. الشرط الرابع: أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام ؛ لقوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وحاضرو المسجد الحرام: أهله ومن بينه [وبينه] (٣) مسافة لا تُقصر فيها الصلاة. وهل العبرة ببعده عن الحرم أو عن نفس مكة؟ على روايتين. وعنه أنهم هؤلاء ومن دون المواقيت مطلقًا. والأول هو المذهب. قال في رواية أبي طالب (٤) فيمن كان حول مكة فيما لا تُقصر فيه الصلاة: فهو مثل أهل مكة، ليس عليهم عمرة ولا متعة إذا قَدِمُوا في أشهر الحج. ومن كان منزله فيما تقصر فيه الصلاة فعليه المتعة إذا قدم في أشهر الحج، وأقام إلى الحج. وقال في رواية المرُّوذي (٥): إذا كان منزله دون الميقات مما لا تُقصر فيه الصلاة فهو من أهل مكة. فعلى هذا: أهل المواقيت ليسوا من حاضري المسجد الحرام؛ لأن

стр. 3018

أدناهم بينه وبين مكة ليلتان. وذكر القاضي (١) أن منها ما بينه وبين مكة دون ذلك، وهم أهل قرن وذات ... (٢). فصل وهل لحاضري المسجد الحرام أن يتمتعوا .... قال ابن أبي موسى (٣): لا يجوز التمتع لأهل حاضري المسجد الحرام، ولا لكل مَن منزلُه دون النُّصُب إلى مكة، للآية [﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]]. مسألة: (وفدية الجماع بَدَنةٌ، فإن لم يجد فصيامٌ كصيام التمتُّع، وكذلك الحكم في البدنة الواجبة بالمباشرة ودم الفوات) (٤). [ق ٣١٣] مسألة (٥): (والمُحْصَر يلزمه دمٌ، فإن لم يجد فصيام عشرة أيام) . وجملة ذلك: أن المحرم بالحج إذا صدَّه عدوٌّ عن البيت، ولم يكن له

стр. 3019

طريق آخر يذهب فيه، أو صُدَّ عن دخول الحرم، فإنه يجوز له التحلل ويرجع، لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. والتحلل لا يكون إلا بنية الإحلال والخروج من الإحرام. فلو حلق أو ذبح أو فعل شيئًا من المحظورات غيرَ ناوٍ للتحلل لم يصِرْ حلالًا، بخلاف ما لو فعل ذلك بعد إتمام النسك؛ لأنه إذا تمّ نسكه صار حلالًا بالشرع، حتى لو نوى دوام الإحرام لم يصح، كالصيام إذا غربت الشمس؛ والمصلي إذا سلَّم. وإذا لم يتمّ: فهو مخيَّر بين الإتمام والإحلال، كالمريض الصائم والمصلي الذي يجوز له قطع الصلاة، لا يخرج من العبادة إلا بما ينافيها من النية ونحوها، لكن المحرم لا يفسد إحرامه إلا بالوطء. ولا بدّ من ... (١). وليس له أن يتحلل حتى ينحر هديًا إن أمكنه؛ لأن الله يقول: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ فأمر بإتمام الحج والعمرة، وجعل ما استيسر من الهدي في حق المحصر قائمًا مقام الإتمام. وهذا يدلُّ على وجوب الهدي من وجوه: أحدها: أن التقدير: فإن أُحصرتم فعليكم ما استيسر من الهدي، أو ففرضُكم ما استيسر. فهو خبرُ مبتدأ محذوف، أو مبتدأ خبرٍ (٢) محذوف، ترك ذكر المحذوف لدلالة سياق الكلام عليه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ

стр. 3020

صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وكما قال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. الثاني: أنه أمر بالإتمام، وجعل الهدي في حق المحصر قائمًا مقام الإتمام، والإتمام واجب، فما قام مقامه يكون واجبًا؛ ولهذا لا يجوز له أن يتحلل (١) حتى ينحر الهدي؛ لأنه بدل عن تمام النسك. ولا يجوز له التحلل حتى يتمّ النسك. الثالث: أن قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ كقوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، وذلك أن الإحصار المطلق هو الذي يتعذَّر معه الوصول إلى البيت، وهذا يوجب الهدي لا محالة. الرابع: أنه قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، وهذا عامٌّ ... (٢) فإن أراد التحلل قبل النحر لم يكن له ذلك. حتى لو رفض إحرامه وفعل شيئًا من المحظورات فهو باقٍ على إحرامه. قال أصحابنا: فإن تحلل قبل الهدي فعليه دم لأجل إحلاله. وقال أبو الخطاب (٣): وإن نوى التحلل قبل الهدي والصيام ورفَضَ الإحرام، لزمه دمٌ وهو على إحرامه. ومعناه: إذا كان الرفض بالحلق ونحوه. فأما إن تعددت المحظورات ... (٤).

стр. 3021

وإذا نحر الهدي صار حلالًا بمجرد ذلك مع نية الإحلال، في إحدى الروايتين اختارها القاضي (١). وهذا ينبني على أن الحلاق ليس بواجب على المحرم المُتِمّ، فعلى المحصر أولى. وينبني أيضًا على أن الحلق ... (٢). قال القاضي (٣): فعلى هذا يحلُّ من إحرامه بأدنى ما يحظره الإحرام من طِيبٍ أو غيره. والأشبهُ أنه لا يحتاج إلى ذلك، بل بنفس الذبح. والرواية الثانية: عليه أن يحلق رأسه؛ لأن الحلاق واجب، ولأن النبي ﷺ وأصحابه حلقوا رؤوسهم في عمرة الحديبية. فصل وينحر الهدي في موضع حصْرِه حيث كان من حلٍّ أو حرم، هذا هو المنصوص عنه (٤) في مواضع، وعليه أكثر أصحابه (٥). وقال أبو بكر: إن أمكنه أن يبعث بالهدي حتى ينحر بمكة في الموضع بعث به، وإلا حلَّ يوم النحر. قال ابن أبي موسى (٦): قال بعض أصحابنا: لا ينحر هدي الإحصار إلا بالحرم، لقوله ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقوله: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى

стр. 3022

الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]. لأن الله قال: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، ثم قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، والهدي المطلق إنما هو ما أُهدِي إلى الحرم بخلاف النسك، ثم إنه قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. وهدي المحصر داخل في هذا، لا سيما وقد تقدم ذكره. ومحلُّ الهدي الحرمُ، لقوله سبحانه: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. [ق ٣١٤] ولأنه لو كان محلُّه موضع الحصر لكان قد بلغ محلَّه، ومن قال هذا زعم أن النبي ﷺ إنما نحر بالحرم، وأن طرف الحديبية من الحرم. ووجه الأول (١): أن النبي ﷺ وأصحابه لما صدَّهم المشركون عن العمرة زمن الحديبية نحروا وحلقوا بالحديبية عند الشجرة، وهي من الحلّ. ولأن الحلّ موضع للتحلُّل في حق المحصر، فيكون موضعًا للنحر كالحرم، وهذا لأن محلّ شعائر الله إلى البيت العتيق من الأعمال والهدي، فمتى طاف المحرم بالبيت فقد شرع في التحلل، ومتى وصلت الهدايا إلى الحرم فقد بلغت محلَّها. وهذا عند القدرة والاختيار. فأما في موضع العجز فقد جوَّز الله للمُحْصَر أن يحلَّ من إحرامه بالحلّ، وصار محلًّا له، فكذلك يصير محلًّا لهديه، ولا يقال: الهدي قد يمكن إرسالها ... (٢).

стр. 3023

وأما قوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ فإن محلّه المكان الذي يحلّ فيه؛ وهذا في حال الاختيار هو الحرم، كما قال: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]. فأما حال الاضطرار فإنه قد حلَّ ذبحه للمحصر حيثُ لا يحلُّ لغيره. وأما وقت الذبح والإحلال ففيه روايتان: إحداهما: أنه يذبحه وقت الإحصار ويحل عقيبه، نقلها الميموني وأبو طالب وابن منصور (١)، وهذه اختيار أصحابنا. والثانية: لا يذبح ويحلّ إلى يوم النحر، وهي اختيار أبي بكر. قال في رواية أبي الحارث (٢) فيمن أُحصِر بعدو: أقام حتى يعلم أن الحج قد فاته، فإذا فاته الحج نحر الهدي وإن كان معه في موضعه، ورجع إلى أهله وعليه الحج من قابلٍ، وإن كان إحصارَ مرضٍ (٣) لم يحلَّ من إحرامه حتى يطوف بالبيت. وقال في رواية ابن منصور (٤) في محرم أُحصِر بحج ومعه هدي قد ساقه: لا ينحر إلى يوم النحر، فقيل له: قد يئس من الوصول إلى البيت، فقال: وإن يئس، كيف ينحر قبل يوم النحر؟ ولا يحلُّ إلى يوم النحر. فإن لم يكن معه هديٌ صام عشرة أيام.

стр. 3024

وذلك لقوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. والمحلُّ اسم للمكان وللوقت الذي يحلُّ فيه ذبحه. ولهذا القول مأخذان ذكرهما أحمد: أحدهما: أن المحرم بالحج لا يحلُّ إلى يوم النحر، فإذا كان قد صُدَّ عن الوقوف والطواف فهو لم يُصدَّ عن الإحرام، فيجب أن يأتي بما أمكنه، وهو بقاؤه محرمًا إلى يوم النحر فحينئذٍ يتيقَّن فوتَ الحج، فيتحلَّل بالهدي كما يتحلَّل المفوِّت المُحِلُّ (١) بعمرة، وإلى هذا أشار في رواية أبي الحارث. الثاني: أن الهدي المَسُوق لا يجوز نحره إلا في الحرم يوم النحر، فإذا لم يمكن إيصاله إلى الحرم وجب أن يبقى إلى يوم النحر، فإنه وقت ذبحه، كدم التمتع والقران، وكذلك غير المسوق، فإن دم الإحصار يستفيد به التحلل كدم التمتع والقران، فيجب أن يؤخّر ذبحه إلى يوم النحر. ووجه الأول (٢): أن الله قال: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ وهذا مطلق، ومحلُّه هو ما يحلُّ ذبحه فيه من مكان وزمان، والشأن فيه أن هذا إن سُلِّم أن الوقت محلٌّ، فقد قيل: إن المحلّ هو المكان خاصة؛ لأن الله جعل المحلّ في الحج والعمرة، وهدي العمرة لا وقت له يختص به. وأيضًا لو لم يجز التحلل إلى يوم النحر لكان بمنزلة من فاته الحج، والمفوِّت لا يتحلَّل إلا بالعمرة، كالمحصر بمرض. يبيِّن ذلك أنه إذا فات الحج يبقى كالمحرم بعمرة، والعمرة ليس لها وقت تفوت فيه، فينبغي أن

стр. 3025

يبقى محرمًا إلى أن يصل كالمحصر بمرض، ولكان ينبغي أن لا يجوز التحلل للمحرم بعمرة (١)، إذ ليس لإحرامه غاية في الزمان. وأيضًا فإن هدي المحصر ليس بنسكٍ محض، وإنما هو دمُ جبرانٍ لما يستبيحه من المحظورات ويتركه من الواجبات، ولهذا لا يأكل منه شيئًا، فلم يُقيَّد (٢) بوقتٍ، كفدية الأذى وترك الواجب. وعكسه دم المتعة. فصل وأما قوله: «فإن لم يجد فصيام عشرة أيام»، فقد نصَّ أحمد على ذلك في غير موضع. قال في رواية الأثرم وابن منصور (٣): إذا أحرم بالحج ثم أُحصِر, وقد ساق معه هديًا, فلا يحلّ إلى يوم النحر، ولا ينحر إلى يوم النحر، وإن لم يكن معه هديٌ صام عشرة أيام قبل أن يحلّ، وليس هذا بمنزلة القارن والمتمتع. القارن والمتمتع يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، وهذا يصومهن كلَّهن قبل أن يحلّ. وقال في رواية أبي الحارث (٤): إذا لم يكن مع المحصر هديٌ يصوم عشرة أيام قبل يوم النحر، وإذا كان يوم النحر حلَّ، فإن كان إحرامه بعمرة يصوم عشرة أيام ثم يحلّ.

стр. 3026

ولا يختلف المذهب أن المحصر يصوم عشرة أيام إذا لم يجد الهدي، واختلف أصحابنا في وقت صومهن، وأكثرهم أنه يصومها قبل التحلل كالهدي، ولا يتحلل حتى يصومها كالمنصوص (١). وقال أبو بكر في «التنبيه»: يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، ولا يصوم العشرة أيام في (٢) وقت واحد؛ لأن هدي المحصر كهدي المتمتع، لأن سببها التمتع، فالصوم بالإحلال عنه كالصوم عن المتمتع (٣)، ويؤيد ذلك أن أصحاب رسول الله ﷺ لما صُدُّوا ... (٤). ووجه الأول: أن هذا الصائم (٥) [ق ٣١٥] قائم مقام تمام الحج والعمرة، فلا بدّ من فعله قبل الحلّ كالهدي، بخلاف صوم المتمتع (٦) وهَدْيه، فإنه إنما يُهدي بعد انقضاء عمرته وحجه، فكان قياس الصوم أن (٧) يفعله بعد ذلك، وإنما قُدِّمت الثلاثة لأنها مأمور بها في الحج. فعلى هذا إن قلنا: يتحلل بذبح الهدي قبل النحر، فتحلُّله بالصوم قبله أولى. وإن قلنا: لا يتحلل بالهدي إلى يوم النحر، ففي الصوم روايتان

стр. 3027

منصوصتان: إحداهما: لا يتحلل به إلى يوم النحر، فيصوم العشرة الأيام قبل يوم النحر متى شاء من حين الحصر، ولا يحلُّ إلى يوم النحر. نقلها أبو الحارث (١)، بناء على أن المحصر لا يحلّ إلى يوم النحر كالمطلق؛ ليستديم الإحرام، وليدخل وقت الفوات. والثانية: يصوم ويتحلل قبل النحر. نقلها الأثرم وابن منصور عنه مفرِّقًا بين الهدي والصيام؛ لأن الهدي لنحره وقت يختصّ به، فتأخّر حلُّه لأجله، بخلاف الصوم فإنه لا وقت له (٢). وهاتان الروايتان مفرَّعتان على المأخذين المتقدِّم ذِكرُهما. فصل وإذا أُحصر عن البيت بعد الوقوف بعرفة فهو مُحْصَر عند أصحابنا. قال أحمد (٣) في المحصر عن مكة: فيه اختلاف، فإن حُصِر بعدوٍّ ينحر الهدي ويحلُّ، كما فعل النبي ﷺ . فصل والمحصر في العمرة كالمحصر في الحج سواء. نصَّ عليه، وعليه جمهور أصحابه، إلا أنه لا يتأخر التحلل هنا قولًا واحدًا. والأصل فيه: الآية، وقصة رسول الله ﷺ وأصحابه عام الحديبية مع المشركين، فإنها

стр. 3028

سبب نزول الآية بإجماع أهل التفسير (١)، وهي السنَّة الماضية في المحصر. وقال ابن أبي موسى (٢): إن كان المحصر معتمرًا أقام على إحرامه حتى يصل إلى البيت، إذ لا وقتَ لها يفوت. فصل قال القاضي وابن عقيل وأبو محمد (٣) وغيرهم (٤) من أصحابنا: إذا كان للمحصر طريق لزمه قصدُها، سواء قربتْ أو بعدتْ، وسواء كانت برًّا أو بحرًا، وسواء رجا الإدراك أو خشي الفوات. وإن خُلِّي عن طريقه قبل التحلل لزمه السعي وإن خشي الفوات، ولو لم يُخلَّ عنه حتى فات الحج ولم يتحلل فحكمه حكم المفوِّت (٥)، فإن خُلِّي عن طريقه بعد ذلك لزمه السعي والتحلل بعمرة الفوات، وقضاها إذا قلنا: يقضي من فاته الحج، وإن استمرَّ الإحصار بعد الفوات فله التحلل من هذه الفائتة، وعليه دمان: دم الإحصار، ودم الفوات، والقضاء على المشهور من الروايتين. والمنصوص عن أحمد أنه إذا بقي محرمًا محصرًا حتى فاته الحج فله التحلل، وليس عليه إلا دم واحد دم الإحصار. وعنده في إحدى الروايتين يجب على المحصر تأخير الإحلال حتى

стр. 3029

يفوته الحج. وفي الرواية الأخرى لم يمنعه من ذلك، وكذلك ذكر القاضي في «خلافه»، وقال (١): حرمة الإحرام قبل الفوات أعظم منه بعد الفوات، فإذا كان له التحلل قبل الفوات بالدم، فأولى أن يكون له بعد. فصل قال أصحابنا القاضي وابن عقيل وغيرهما: إن كان العدوّ الصادُّ مسلمًا ... (٢). فصل ولا يجب قضاء النسك الذي أُحصِر عنه في إحدى الروايتين، فإن كان واجبًا قبل الإحرام كحجة الإسلام والنذر والقضاء فعلَه (٣) بالوجوب السابق، وسواء كان عليه نذرُ حجٍّ مطلق، أو نذرُ الحج ذلك العام. قال في رواية ابن القاسم (٤): ولا يعيد من أُحصر بعدوٍّ حجًّا ولا عمرة، إلا أن يكون رجلًا لم يحج قطُّ. وكذلك نقل أبو طالب والميموني (٥). والثانية: عليه القضاء، كما تقدم عن أبي الحارث. ونقل أبو طالب (٦) في موضع آخر: إن كان معه هديٌ نحره وإلا فلا ينحر، وعليه الحج من

стр. 3030

قابلٍ، كما فعل النبي ﷺ حين مُنع بالحديبية. وقوله: «وإلا فلا ينحر» يحتمل أنه إذا أوجب عليه القضاء لم يوجب عليه الهدي في عام الإحصار، ويحتمل أن عليه الصيام، ويحتمل أن لا شيء على العادم بحال. وإذا قضى حجة الإسلام أو غيرها لم يلزمه عمرة معها، على ما ذكره أحمد في قوله بقضاء التطوع، وهو قول القاضي في «خلافه» (١) وكثير من أصحابنا. وذكر القاضي في «المجرد» وابن عقيل في «الفصول» أنا إذا قلنا: يجب قضاء التطوع فعليه عمرة؛ لأن المحصر قد فوَّت الحج، ومن فوَّت الحج فعليه أن يحلّ بعمرة، فيلزمه قضاء هذه العمرة كما لزمه قضاء الحج. وظاهر المذهب: أنه لا يلزمه عمرة وإن أوجبنا قضاء التطوع؛ لأن هدي المحصر قام مقام بقية الأفعال، كما قامت عمرة المفوِّت، وعلى أنه ليس بمفوِّت إن خرج من إحرامه قبل الفوات، وإن خرج بعد الفوات فقد تقدم. فإن قلنا: يجب القضاء فلقول الله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤]، فبيّن الله أن الشهر الحرام الذي قضوا فيه العمرة بالشهر الحرام الذي أُحصِروا فيه. وأيضًا فإن النبي ﷺ [ق ٣١٦] قضى العمرة من العام القابل، وسُمِّيت عمرة القضاء. وإن قلنا: لا يجب، وهو المنصور عند أصحابنا، فلأن الذين أُحصِروا

стр. 3031

في عمرة الحديبية كانوا أكثر من أربع عشرة مائة، فلم يأمر النبي ﷺ أحدًا (١) منهم بالقضاء في العام المقبل، ولم يعتمر معه (٢) إلا نفر قليل، وقد مات منهم قبل ذلك ناس. مسألة (٣): (ومن كرَّر محظورًا من جنسٍ غيرِ قتل الصيد فكفارة واحدة، إلا أن يكون قد كفّر عن الأول، فعليه للثاني كفارة، وإن فعل محظورًا من أجناسٍ فلكل واحدٍ كفارة) . في هذا الكلام فصول: أحدها أنه إذا كرَّر محظورًا من جنس واحد غير قتل الصيد، مثل أن يلبس، أو يخلع ثم يلبس، أو يتطيب ثم يتطيب في وقت آخر، أو يجامع ثم يجامع، أو يحلق ثم يحلق ثم يحلق، أو يُقلِّم ثم يُقلِّم= فعليه كفارة واحدة ما لم يكن كفَّر عن الأول، في أشهر الروايتين (٤). قال في رواية ابن القاسم (٥) وقد حُكِي له قول بعضهم: إذا وجبتْ عليه كفارة في لباسٍ أو طيبٍ ونحو ذلك، ثم كفّر، ثم عاد بمثله= فعليه الكفارة،

стр. 3032

وإن لم يكفِّر حتى عاد فليس عليه إلا كفارة واحدة، فقال: هو هكذا إذا لم يكفِّر، فليس عليه إلا كفارة. وقال في رواية ابن منصور (١) فيمن وقع بأربع نسوة ــ وهو محرمٌ ــ في يوم واحد أو أيام متفرقة: فسد حجُّه، وعليه كفارة واحدة ما لم يكفِّر. والرواية الثانية: إن كان السبب مختلفًا، مثل مرض ثم مرض، أو مرض (٢) ثم حرّ ثم برد= فعليه كفارات. قال في رواية الأثرم (٣) في محرم اعتلَّ فلبس جُبَّةً، ثم برأ، ثم اعتلّ فلبس جبَّةً: يكفِّر كفّارتين، فإن اعتلَّ علّة واحدة فلبس عمامة، واحتاج في علته في الغد إلى جبةٍ وبعدَ غدٍ قميصٍ: فإذا كانت علّةً واحدة وكان شيئًا متقاربًا فكفارة، وإن تداوى بأدويةٍ دواءٍ بعد دواءٍ فحكمه حكم اللباس. ومعنى قوله: «وإن كان متقاربًا» أي فعل أشياءَ من المحظورات متقاربةَ المقصود حتى يكون جنسًا واحدًا؛ مثل العمامة والجبَّة والقميص؛ لأن كل واحد من هذه الأفعال موجب للكفارة بنفسه، فلم تدخل كفارته في غيره كما لو كفَّر عن الأول، لكن إذا كان السبب واحدًا فالفدية تبيح له ما اقتضاه ذلك السبب؛ ولهذا يجوز تقديمها على فعل المحظور، فلا يصير شيء من تلك الأمور محظورًا في حقه، فلا يحتاج إلى فدية ثانية، بخلاف ما إذا تعدَّد السبب، أو فعلَ المحظوراتِ عامدًا. فعلى هذه الرواية: إذا لبس للبرد في طرفي النهار وبالليل فإنه يخلع

стр. 3033

وقتَ الحرّ، وكذلك إن لبس لحرٍّ (١) وسطَ النهار فإنه يخلع وقت البرد، ويكون البرد (٢) سببًا واحدًا؛ لأنه شيء واحد له أوقات معلومة، فأشبه المريض مرضًا واحدًا إذا لم يبرأ، ولكن يحتاج إلى اللبس (٣) في أوقات الحمَّى ونحو ذلك. وعلى هذه الرواية أيضًا: إذا فعل ذلك دفعةً واحدة مثل إن لبس وتعمَّم واحتذى (٤)، أو حلق رأسه كله، لم يلزمه إلا كفارة واحدة أيضًا. والثالثة (٥): لكل واحدٍ كفارة مطلقًا، قال في رواية ابن منصور (٦) وقد سئل عن محرم مسَّ طِيبًا، ولبس ثوبًا، وحلق رأسه، ولبس الخفين وما أشبه ذلك مما لا ينبغي له أن يفعل، قال: عليه كفارة واحدة، وإن فعل ذلك واحدًا بعد واحدٍ فعليه دم لكل واحد. فقد سوَّى بين الجنس والجنسين؛ لأن الثوب والخفّ من جنس واحد. والأول أصح؛ لأنها أفعال من جنس واحد لا تتفاوت كفارتها (٧) بكثرتها، فتداخلت كما لو فعلها متصلةً، وذلك لأن الاتصال والانفصال لا يغيِّر موجب الشيء ومقتضاه، بدليل: قتل الصيد وقتل النفوس ونحو ذلك

стр. 3034

لما كانت متباينةً استوى فيها الاتصال والانفصال، فلما كانت هذه الأفعال متداخلةً عند الاتصال وجب أن تكون متداخلةً عند الانفصال. وأيضًا فإن الكفارات كالحدود تُشرع زاجرةً وماحيةً، فإن الحدود كفارات لأهلها، والكفارات حدود عن المحظورات، فوجب أن تتداخل كالحدود. وإن كان قد كفَّر عن الأول فعليه للثاني كفارة ثانية، هكذا أطلق أصحابنا. وهذا ينبغي إذا لم يدخل (١) الثاني في كفارة الأول، فإن من أصلنا أنه يجوز تقديم الكفارة على الفعل إذا أبيح؛ فلو مرض فاحتاج إلى اللبس أو الطيب، فافتدى لذلك، ثم لبس بعد ذلك مراتٍ، أو تطيَّب مرات لم يلزمه كفارة ثانية بلا تردد؛ لأن الفدية أباحت اللبس الثاني كما أباحت الأول (٢)، ولا فرق بينهما. ولهذا أطلق أحمد القولَ بوجوب كفارة واحدة إذا لبس مراتٍ لعلة واحدة، ولم يفرِّق بين أن يكفِّر أو لا يكفِّر، اللهم إلا أن (٣) ينوي أنه يستبيح اللبس مرةً واحدةً. ولو كفَّر ثم استدام المحظورَ فعليه كفارة ثانية كما لو ابتدأه، على ما ذكره في رواية ابن منصور (٤) فيمن لبس قميصًا عشرة [ق ٣١٧] أيام ناسيًا عليه كفارة واحدة ما لم يكفِّر.

стр. 3035

وهذا إذا لم يكن لعذرٍ. الفصل الثاني أن الصيد تتعدد كفارته بتعدُّد قتله ، فكلَّما قتل صيدًا (١) فعليه جزاؤه، سواء جزى الأولَ أو لم يَجْزِ. هذا أشهر الروايتين عن أبي عبد الله، رواها ابن القاسم وسندي وحنبل في موضع (٢). قال في رواية ابن القاسم: وإذا قتل المحرم الصيد فحُكِمَ عليه، ثم عاد فقتل، فإنه يُحكَم عليه كلَّما (٣) عاد. والذين قالوا: إن عاد لم يُحكم عليه إنما ذهبوا إلى التأويل فيه. والأمر على الحكم الأول عليه كفارة. وقد رُوي عن عمر بن الخطاب وغيره أنهم حكموا في الخطأ وفيمن قتل، ولم يسألوه هل كان قَتل قبل هذا أم لا (٤)؟ وإنما وجب عليه لتعظيم الإحرام مكانه، والكفارة تجب على المحرم إذا قتل الصيد عمدًا أو خطأً في الوجهين جميعًا، وقد روي عن عمر وغيره أنهم حكموا في الخطأ. وروى حنبل (٥) عنه أنه إذا لم يكفِّر عن الأول فكفارة واحدة كسائر المحظورات (٦). وهذا ينبغي أن يكون فيما جزاؤه واحد، فأما إذا اختلف

стр. 3036

الجزاء (١). هكذا ذكرها القاضي وغيره في موضع. ولفظهما في موضع آخر (٢): لا جزاء عليه، ينتقم الله منه. وهذا يقتضي أنه لا يكفّر عن الصّيد إلا مرةً واحدة، فإن قتله ثانيًا لم يُحكم عليه، سواء كفَّر عن الأول أو لم يكفِّر. وهو الصواب في هذه الرواية. ومن أصحابنا من يجعلها على ثلاث روايات (٣). وهذا إنما يكون في العمد. فأما الخطأ ... (٤). وهل يُفرَّق بين إحرام، أو إحرامين ... (٥). لأن الله قال: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ إلى قوله: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [المائدة: ٩٥]، فتوعَّد العائد إلى قتله بالانتقام، ولم يذكر شيئًا آخر كما ذكره في البادئ، بل فرَّق بينهما، فجعل على البادئ الجزاء، وعلى العائد الانتقام. ولأنه جعل الجزاء ليذوق القاتل وبال أمره بقتل الصيد، وذلك بإخراج الجزاء، ثم جعل العائد ينتقم الله منه، وإنما ذاك بعذابٍ يُنزِله الله به لا يكون له فيه فعلٌ، والجزاء هو يُخرِجه. وأيضًا فإنه جعل الطعام كفارة للقتل، ومن ينتقم منه لم يكفّر ذنبه.

стр. 3037

ويؤيِّد ذلك ما روى عكرمة عن ابن عباس قال: إذا أصاب المحرمُ (١) ثم عاد، قيل له: اذهبْ فينتقم الله منك. رواه النجّاد (٢). وقال ابن أبي عَروبة في «المناسك» (٣) عن قتادة: إنْ أصاب الصيدَ مرارًا خطأً حُكِم عليه، وإن أصابه متعمدًا حُكِم عليه مرّةً واحدةً، ومن عاد فينتقم الله منه. قال: ذُكِر لنا أن رجلًا عاد في عمدٍ، فبعث الله عليه نارًا فأكلتْه. وأيضًا فإنه إذا تكرَّر منه القتل فقد تغلَّظ الذنب، ولحِقَ بالكبائر الغليظة، وتلك لا كفارة فيها، كقتل العمد والزنا واليمين الغموس ونحو ذلك، بخلاف أول مرة فإنه قد يُعذَر فيه (٤). ووجه الأول: أن الله قال: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾، وهذا نهيٌ عن قتله في كل مرة؛ ثم قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾، وهذا يعمُّ جميعَ الصيد وجميعَ القتلاتِ على سبيل الجمع والبدل، كما يعمُّ جميعَ القاتلين، كما عمَّ قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢].

стр. 3038

ويوجب أيضًا تكرُّرَ الجزاء بتكرر شرطه، كما في قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وكما في قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦]. هذا هو المعهود في خطاب الشرع، وإن لم يُحمل خطابُ الناس على ذلك. على أن الشرط في خطاب الناس إذا تعلق بمحلٍّ واحد لم يتكرر بتكرُّره في ذلك المحلّ، كقوله: من دخل داري فله درهم، وإن تعلق بمَحَالَّ: تكرر بتكرُّره في تلك المحالّ، كما لو قال: من دخل دوري فله بكل دخولٍ درهم. وهنا محل القتل هو الصيد، وهو متعدد. وأيضًا فإنه أوجب في المقتول مثله من النَّعم، وذلك يقتضي أنه إذا قتل كثيرًا وجب كثير من النعم. وأيضًا فإن جزاء الصيد بدلُ مُتْلَفٍ متعدد بتعدد مبدله، كدية الآدمي وكفارته. وأيضًا فإن الجزاء شُرع جابرًا لما فوَّت، وماحيًا لما ارتكب، وزاجرًا عن الذنب. وهذا يوجب تكرره بتكرر سببه، كسائر المكفِّرات من الظهار والقتل والأيمان ومحظورات الإحرام وغير ذلك. وأما الآية فقد قال: ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥]، وهذا كقوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]. ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ في الجاهلية ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ في الإسلام ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾، وقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]. ويوضّح ذلك أن قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ إخبار عن عفوه عما مضى حين نزول الآية، قبل أن

стр. 3039

يقتل أحد صيدًا يُحكم عليه فيه، وما ذاك إلا ما قتلوه قبل نزول (١) الآية. وأيضًا فإن العفو يقتضي عدم المؤاخذة واللوم، ولو كان العفو عما يقتله في الإسلام لما أوجب عليه الجزاء. وأيضًا فإن قتل الصيد خطيئة عظيمة، ومثل هذه لا يقع [ق ٣١٨] العفو عنها عمومًا؛ فإن العفو عنها عمومًا يقتضي أن لا تكون ذنبًا. ألا ترى أن السيئات لما كفّرهن الله كان ذلك مشروطًا باجتناب الكبائر، فإن العفو عن الشيء والنهي عنه لا يجتمعان. ووجوب الجزاء بقتل الصيد متعمدًا لا يقتضي رفع المأثم، بل هو فاسق بذلك إلا أن يتوب. وقوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ يوجب توعُّد قاتل الصيد بالانتقام منه، وذلك لا يمنع وجوب الجزاء عليه، كما قال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣]، ولم يمنع ذلك وجوب الدية والقَوَد. وقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وقوله في المحاربين: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]، ولم يمنع ذلك وجوبَ ردّ المسروق إن كان باقيًا، وقيمته إن كان تالفًا، وقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] لم يمنع ذلك وجوب رجم أو نفي (٢). وهذا كثير، قد يذكر الله وعيد الذنوب في موضع، ويذكر جزاءها في الدنيا في موضع آخر.

стр. 3040

ثم يقال: من جملة الانتقام إيجاب (١) الجزاء عليه، كما قال: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥]، فيكون قد عفا عما سلف قبل نزول الآية، فلا عقاب فيه ولا جزاء، ومن عاد بعدها فينتقم الله منه بالعقوبة والجزاء. الفصل الثالث إذا فعل محظوراتٍ من أجناس مثل أن يلبس ويتطيَّب ويحلق، فعنه: عليه لكل (٢) جنسٍ كفارة، سواء فعلها في مرة أو (٣) مرات، لسبب أو أسباب. قال ابن منصور (٤): قلت: قال سفيان: في الطيب كفارة، وفي الثياب كفارة، وفي الشعر كفارة. قال أحمد: جيّد، في كل واحدٍ كفارة. وقال في رواية [ابن] إبراهيم (٥) في محرم مرض في الطريق، فحلق رأسه ولبس ثيابه واطَّلَى: عليه هديانِ. وهذا اختيار ... (٦). ونقل عنه ابن منصور (٧) في محرم مسَّ طيبًا، ولبس ثوبًا، وحلق رأسه (٨)، ولبس الخفين، وما أشبه ذلك مما لا ينبغي له أن يفعل، قال: عليه كفارة واحدة، وإن فعل ذلك واحدًا بعد واحد فعليه دم لكل واحد.

стр. 3041

فقد نصَّ على أنه إذا فعل ذلك في مكان واحد [و] وقتٍ واحد دفعةً واحدة= لم يلزمه إلا كفارة واحدة. وهكذا حرَّر هذه الرواية ابن أبي موسى والقاضي في «المجرد» وابن عقيل وغيرهم، واختارها ابن أبي موسى، قال (١): ولو لبس المحرم ثيابه، ومسَّ طيبًا، ولبس الخفيَّن، وحلق شعره، وأتى بذلك كله في مكان واحد= لزمه كفارة واحدة. وقيل عنه: كفارتان، إلا أن يفرِّق ذلك فيلزمه لكلّ فعلٍ كفارة واحدة، قولا واحدا. وأطلق القاضي في «خلافه» (٢) وأبو الخطاب وغيره القول بأن عنه رواية بالتداخل في الأجناس المختلفة مطلقًا، وحكى القاضي ذلك عن أبي بكر. ولفظ المنصوص يخالف ذلك. وذكر في «المجرد» رواية ثالثة ... (٣). فصل وأما صفة الأجناس: فإن الطيب كله جنس واحد، واللباس كله جنس واحد، ويدخل فيه تظليل المحمل. وتقليم الأظفار جنس واحد، وحلق الشعر جنس واحد، والمباشرة كلها جنس واحد، يعني إذا اتحد موجبها (٤). هكذا ذكره أصحابنا القاضي وأصحابه ومن بعدهم. ويحتمل كلامه (٥) أن يكون الحلق والتقليم جنسًا واحدًا.

стр. 3042

و هل شعر الرأس وشعر البدن جنس أو جنسان؟ على روايتين منصوصتين: إحداهما: هو جنسان، وهي اختيار أبي بكر والقاضي وأكثر أصحابنا؛ قال في رواية عبد الله، والمرُّوذي، وابن إبراهيم، وجعفر بن محمد (١): في الرأس كفارة، وفي البدن كفارة. والرواية الثانية: جنس واحد، اختارها أبو الخطاب (٢) وغيره. قال في رواية ابن منصور (٣): في الطيب كفارة، وفي الثياب كفارة (٤)، وفي الشعر كفارة. ولم يفصل. وقال أيضًا في رواية سندي (٥): شعر الرأس واللحية والإبط سواء، لا أعلم أحدا فرَّق بينهما (٦). إلا أن هذا في وجوب الفدية، وليس صريحًا بالتداخل. وقال في رواية ابن إبراهيم (٧) في محرم مرض في الطريق فحلق رأسه ولبس ثيابه واطَّلَى: عليه هديان.

стр. 3043

ولو كانا جنسين لأوجب ثلاثة دماء؛ لأن اللباس وحده فيه هدي؛ وذلك لأن حلق الشعر كله يشترك في الاسم الخاص، فوجب أن يكون جنسًا واحدًا كالطيب وتقليم الأظفار. ووجه الأول: أن شعر الرأس يخالف شعر البدن، فإن النسك يتعلق بأحدهما دون الآخر لاختلاف المقصود، ولذلك قد اختلفا في تغطية أحدهما دون الآخر، وفي دَهْن أحدهما دون الآخر، وفي غَسْل أحدهما بالسِّدر والخِطْمي دون الآخر. وعلى هذه الرواية: فتغطية الرأس ولُبس المخيط جنس واحد، وكذلك التطيُّب فيهما، في روايةٍ فيمن لبس عمامة وجُبّة: فهو كفارة إذا لم يفرِّق. وقد تقدَّم نصه (١) في رواية الأثرم على أنه إذا لبس [ق ٣١٩] اليوم عمامة، وغدًا جبَّة، وبعد غدٍ قميصًا لمرض واحد، فكفارة واحدة. لكن قد يقال: إنما اتحدت الكفارة بناء على أن الجنسين إذا فعلهما مرةً واحدة أو لسببٍ واحد اتحدت كفارتهما، لكن المنصوص عنه خلافه. وعنه: أن كفارة الرأس لا تدخل في كفارة البدن مطلقًا. قال في رواية عبد الله (٢) والمرُّوذي وابن إبراهيم (٣): في الرأس كفارة، وفي الجسد كفارة. وإذا حلق ولبس العمامة، وإذا تنوَّر ولبس القميص، ففي الرأس فدية وفي الجسد فدية، كفارتان. وكذلك في رواية الأثرم.

стр. 3044

قال ابن أبي موسى (١): اختلف قوله فيمن لبس الثيابَ، وغطَّى رأسه مكانه على روايتين (٢)، قال في إحداهما: عليه فدية واحدة، وقال في الأخرى: في الرأس (٣) فدية، وفي البدن فدية. ولم يختلف قوله: إنه إذا فرَّق لُبسَه أن عليه لكل لبسةٍ كفارة، ويخلع ما لَبِسَه، فإن لبس وكفَّر ثم عاد فلبسَ فكفارة ثانية، وكذلك من وجبت عليه كفارة من طيبٍ أو غيره فكفَّر ثم عاد إلى مثل ذلك، فعليه كفارة أخرى، فإن لم يكفّر حتى عاود إلى مثل ذلك الفعل فليس عليه إلا كفارة واحدة. وهذا صريح من ابن أبي موسى أن تغطية الرأس ولُبس المخيط جنسان، رواية واحدة. وإنما اختلفت الروايتان إذا فعلهما في مجلس واحد. ثم قال (٤): ولو وُجِدتْ به علة احتاج معها إلى لُبس المخيط، لبِسَ وكفَّر كفّارة واحدةً، سواء (٥) كانت (٦) العلة في رأسه وبدنه أو في أحدهما. فإن حدثَ به علّتانِ مختلفتان، إحداهما في رأسه والأخرى في بدنه، فلبس ثوبًا لأجل العلّة، وغطَّى رأسه لأجل الأخرى= فكفارتان. قال أبو بكر: الذي أقول به: في الرأس كفارة، وفي البدن كفارة، فأيشٍ

стр. 3045

ما (١) صنع في جسده من فعلٍ تكرر أو اختلف، فكفارة واحدة ما لم يكفِّر ثم يعود. فإذا كان في الرأس والجسد ولم يتكرر: فكفارة في الرأس، وكفارة في الجسد. وعلى هذا القول فالتعدّد لتعدّد المحلّ، والاتحاد لاتحاده، فكل ما يصنع في الرأس من تغطية وحلق وغيره ففيه كفارة واحدة، وما يصنع في البدن ففيه كفارة؛ لأن أحكام الرأس في الحلق واللباس والطيب خالفت أحكام البدن، فوجب أن لا يدخل أحدهما في الآخر، فصارا كالشخصين. وأما دخول بعض أفعال الرأس في بعض فهو مبني على تداخل الأجناس، وإنما اختار أبو بكر التداخل لأن من أصله أن الأجناس تتداخل كفارتها ... (٢)، وأما الدّهن إذا أوجبنا به الكفارة، أو إزالة الوسخ مثل (٣) السِّدر والخِطمي والرأس (٤) والبدن، أو التزين ... (٥). مسألة (٦): (والحلق والتقليم والوطء وقتل الصيد يستوي عَمْدُه وسهوه، وسائر المحظورات لا شيء في سهوه) . في هذه المسألة فصول:

стр. 3046

أحدها أن المحظور الذي يمكن تداركُه وإزالته عند الذكر ــ مثل اللباس والطيب ــ إذا فعله ناسيًا لإحرامه، أو جاهلًا بأنه حرام، فإذا ذَكر أو عَلِم فعليه أن يزيله في الحال، ولا كفارة عليه في إحدى الروايتين. قال في رواية أبي طالب (١): إذا وطئ ــ يعني ناسيًا ــ بطل حجُّه، وإذا قتل صيدًا، وحلق شعره لم يقدر على ردِّه، فهذه الثلاثة العمدُ والنسيانُ سواء، وكل شيء من النسيان بعد الثلاث فهو يقدر على ردِّه؛ مثل إذا غطَّى رأسه، ثم ذكر ألقاها عن رأسه وليس عليه شيء، أو لبس ثوبًا أو خفًّا وليس عليه شيء. وقال في رواية ابن القاسم (٢): إن تعمَّد التغطيةَ وجب عليه، والناسي يفزع إلى التلبية. ونحوه نقل حرب (٣). وهذا اختيار الخرقي (٤) وأبي بكر وأكثر متقدمي أصحابنا، وهو اختيار الشيخ (٥). والرواية الثانية: عليه الكفارة، قال في رواية ابن منصور (٦) فيمن لبس قميصًا ناسيًا عشرة أيام: عليه كفارة واحدة ما لم يكفِّر.

стр. 3047

وهذه الرواية اختارها القاضي (١) وأكثر أصحابه، مثل الشريف (٢) وابن عقيل وأبي الخطاب (٣) وغيرهم. لأن ذلك محظور من محظورات الإحرام، فاستوى فيه العامد والساهي في وجوب الفدية كالحلق (٤) وقتل الصيد والوطء. ولأنه (٥) سبب يوجب الفدية، فاستوى فيه العالم والجاهل كترك واجبات الحج. ولأن ما يحظره الإحرام لا فرق فيه بين العامد والمخطئ، كتفويت الحج. ولأن النسيان والجهل إنما هو عذر في فعل المحظور، ومحظورات الإحرام إذا فعلها لعذرٍ أو غير عذر فعليه الجزاء. ووجه الأولى: ما روى يعلى بن أُمية أن النبي ﷺ جاءه رجل متضمِّخٌ بطيب، فقال: يا رسول الله، كيف ترى في رجل أحرم في جبَّة بعدما تضمَّخ بطيب؟ فنظر إليه النبي ﷺ فجاءه الوحي، ثم سُرِّي عنه، فقال: «أين الذي سألني عن العمرة آنفًا؟» [ق ٣٢٠] فالتُمِسَ الرجل فجيء به، فقال: «أما الطيب

стр. 3048

الذي بك فاغسِلْه ثلاث مرات، وأما الجبّة فانزِعْها، ثم اصنعْ في العمرة كما تصنع في حجك». متفق عليه (١). فقد أمره النبي ﷺ بنَزْع المخيط، ولم يأمره (٢) بفدية لما مضى؛ لأنه كان جاهلًا، وكذلك لم يأمره بفدية لأجل الطيب، إذْ (٣) كان النهي عنه لأجل الإحرام. فإن قيل: التحريم إنما ثبت في ذلك الوقت؛ لأن النبي ﷺ انتظر الوحي حين سئل ... (٤). وأيضًا فإن النبي ﷺ قال للذي أكل ناسيًا: «الله أَطْعمَك وسَقاك» (٥)، فعُلِم أن فعل الناسي مضاف إلى الله، فلا يؤثّر في العبادة، ومثله يقال للكاسي: الله كساك، بل منافاة الأكل للصوم أشدُّ من منافاة اللُّبس للإحرام. وأيضًا فإن الأصل فيما كان من باب المنهي عنه: أن لا يؤثِّر فعلُه مع النسيان في حقوق الله؛ لأن المسلمين لما قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قال الله: قد فعلتُ (٦). وقال النبي ﷺ : «عُفِي

стр. 3049

لأمتي عن الخطأ والنسيان» (١)، بخلاف حقوق الآدميين، فإنهم لم يُعفَوا عن حقوقهم. وأما الفرق بين اللباس والحلق فسيأتي. الفصل الثاني أنه إذا قتل الصيد ناسيًا أو جاهلًا فعليه الكفارة، كما على العامد . هذا أشهر الروايتين عنه نقلها صالح، وعبد الله، وحنبل، والأثرم، وأبو طالب، وابن القاسم (٢). وروى عنه صالح (٣) أيضًا: لا كفارة في الخطأ والناسي والجاهل بالتحريم، وذلك لأن الله سبحانه قال: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ الآية إلى آخرها. وهذا يدلّ على أنه لا جزاء في الخطأ من وجوه. أحدها: أن الله نهى المحرم عن قتل الصيد، والناسي والمخطئ غير مكلَّف، فلا يكون منهيًّا، وإذا لم يكن منهيًّا لم يكن عليه جزاء؛ لأن القتل المضمون هو القتل المنهي عنه، كما دل عليه سياق الآية. الثاني: أنه قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ فقد نصّ على وجوب الجزاء على المتعمد، فيبقى المخطئ بريء الذمة، فلا يجوز أن يوجب عليه الشيء لبراءة ذمته.

стр. 3050

الثالث: أنه خصّ المتعمد بإيجاب الجزاء بعد أن تقدم ذكر القتل الذي يعمُّ المتعمدَ وغيره، ومتى ذُكرت الصفة الخاصة بعد الاسم العام كان تخصيصها بالذكر دليلًا قويًّا على اختصاصها بالحكم، أبلغَ مِن لو ذُكرت الصفة مبتدأة، إذ لو لم يختصّ بالحكم كان ذِكر المتعمد زيادةً في اللفظ ونقصًا في المعنى، ومثلُ هذا يُعدّ عِيًّا في الخطاب. وهذا المفهوم لا يكاد ينكره من له أدنى ذوقٍ بمعرفة الخطاب. الرابع: أن المتعمد اسم مشتقّ من العمد مناسب، فكان (١) ما منه الاشتقاق علةَ الحكم، فيكون وجوب الجزاء لأجل التعمُّد، فإذا زال التعمُّد زال وجوب الجزاء لزوال علته. الخامس: أنه أوجب الجزاء ليذوق وبالَ أمره، والمخطئ ليس عليه وبالٌ، فلا يحتاج إلى إيجاب الجزاء. وأيضًا فضمان الصيد ليس حقًّا لآدمي، وإنما هو حقٌّ لله. وما حرَّمه الله إذا فعله ناسيًا أو مخطئًا لا مؤاخذة عليه ولا جزاء. فعلى هذه الرواية: لو تعمَّد رمْيَه بآلةٍ تقتل غالبًا أو لا تقتل (٢)، ولم يقصد قتله= فهو متعمد أيضًا؛ لأنه فعل ما لا يحلّ له، وهو مؤاخَذ بذلك. ويحتمل كلامه أنه ليس بعمد. ولو قتل صبي أو مجنون صيدًا في الحرم، أو قتله الصبي وهو محرم ... (٣).
следующие страницы →