← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

أحدها أن المحظور الذي يمكن تداركُه وإزالته عند الذكر ــ مثل اللباس والطيب ــ إذا فعله ناسيًا لإحرامه، أو جاهلًا بأنه حرام، فإذا ذَكر أو عَلِم فعليه أن يزيله في الحال، ولا كفارة عليه في إحدى الروايتين. قال في رواية أبي طالب (١): إذا وطئ ــ يعني ناسيًا ــ بطل حجُّه، وإذا قتل صيدًا، وحلق شعره لم يقدر على ردِّه، فهذه الثلاثة العمدُ والنسيانُ سواء، وكل شيء من النسيان بعد الثلاث فهو يقدر على ردِّه؛ مثل إذا غطَّى رأسه، ثم ذكر ألقاها عن رأسه وليس عليه شيء، أو لبس ثوبًا أو خفًّا وليس عليه شيء. وقال في رواية ابن القاسم (٢): إن تعمَّد التغطيةَ وجب عليه، والناسي يفزع إلى التلبية. ونحوه نقل حرب (٣). وهذا اختيار الخرقي (٤) وأبي بكر وأكثر متقدمي أصحابنا، وهو اختيار الشيخ (٥). والرواية الثانية: عليه الكفارة، قال في رواية ابن منصور (٦) فيمن لبس قميصًا ناسيًا عشرة أيام: عليه كفارة واحدة ما لم يكفِّر.

стр. 3047

وهذه الرواية اختارها القاضي (١) وأكثر أصحابه، مثل الشريف (٢) وابن عقيل وأبي الخطاب (٣) وغيرهم. لأن ذلك محظور من محظورات الإحرام، فاستوى فيه العامد والساهي في وجوب الفدية كالحلق (٤) وقتل الصيد والوطء. ولأنه (٥) سبب يوجب الفدية، فاستوى فيه العالم والجاهل كترك واجبات الحج. ولأن ما يحظره الإحرام لا فرق فيه بين العامد والمخطئ، كتفويت الحج. ولأن النسيان والجهل إنما هو عذر في فعل المحظور، ومحظورات الإحرام إذا فعلها لعذرٍ أو غير عذر فعليه الجزاء. ووجه الأولى: ما روى يعلى بن أُمية أن النبي ﷺ جاءه رجل متضمِّخٌ بطيب، فقال: يا رسول الله، كيف ترى في رجل أحرم في جبَّة بعدما تضمَّخ بطيب؟ فنظر إليه النبي ﷺ فجاءه الوحي، ثم سُرِّي عنه، فقال: «أين الذي سألني عن العمرة آنفًا؟» [ق ٣٢٠] فالتُمِسَ الرجل فجيء به، فقال: «أما الطيب

стр. 3048

الذي بك فاغسِلْه ثلاث مرات، وأما الجبّة فانزِعْها، ثم اصنعْ في العمرة كما تصنع في حجك». متفق عليه (١). فقد أمره النبي ﷺ بنَزْع المخيط، ولم يأمره (٢) بفدية لما مضى؛ لأنه كان جاهلًا، وكذلك لم يأمره بفدية لأجل الطيب، إذْ (٣) كان النهي عنه لأجل الإحرام. فإن قيل: التحريم إنما ثبت في ذلك الوقت؛ لأن النبي ﷺ انتظر الوحي حين سئل ... (٤). وأيضًا فإن النبي ﷺ قال للذي أكل ناسيًا: «الله أَطْعمَك وسَقاك» (٥)، فعُلِم أن فعل الناسي مضاف إلى الله، فلا يؤثّر في العبادة، ومثله يقال للكاسي: الله كساك، بل منافاة الأكل للصوم أشدُّ من منافاة اللُّبس للإحرام. وأيضًا فإن الأصل فيما كان من باب المنهي عنه: أن لا يؤثِّر فعلُه مع النسيان في حقوق الله؛ لأن المسلمين لما قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قال الله: قد فعلتُ (٦). وقال النبي ﷺ : «عُفِي

стр. 3049

لأمتي عن الخطأ والنسيان» (١)، بخلاف حقوق الآدميين، فإنهم لم يُعفَوا عن حقوقهم. وأما الفرق بين اللباس والحلق فسيأتي. الفصل الثاني أنه إذا قتل الصيد ناسيًا أو جاهلًا فعليه الكفارة، كما على العامد . هذا أشهر الروايتين عنه نقلها صالح، وعبد الله، وحنبل، والأثرم، وأبو طالب، وابن القاسم (٢). وروى عنه صالح (٣) أيضًا: لا كفارة في الخطأ والناسي والجاهل بالتحريم، وذلك لأن الله سبحانه قال: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ الآية إلى آخرها. وهذا يدلّ على أنه لا جزاء في الخطأ من وجوه. أحدها: أن الله نهى المحرم عن قتل الصيد، والناسي والمخطئ غير مكلَّف، فلا يكون منهيًّا، وإذا لم يكن منهيًّا لم يكن عليه جزاء؛ لأن القتل المضمون هو القتل المنهي عنه، كما دل عليه سياق الآية. الثاني: أنه قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ فقد نصّ على وجوب الجزاء على المتعمد، فيبقى المخطئ بريء الذمة، فلا يجوز أن يوجب عليه الشيء لبراءة ذمته.

стр. 3050

الثالث: أنه خصّ المتعمد بإيجاب الجزاء بعد أن تقدم ذكر القتل الذي يعمُّ المتعمدَ وغيره، ومتى ذُكرت الصفة الخاصة بعد الاسم العام كان تخصيصها بالذكر دليلًا قويًّا على اختصاصها بالحكم، أبلغَ مِن لو ذُكرت الصفة مبتدأة، إذ لو لم يختصّ بالحكم كان ذِكر المتعمد زيادةً في اللفظ ونقصًا في المعنى، ومثلُ هذا يُعدّ عِيًّا في الخطاب. وهذا المفهوم لا يكاد ينكره من له أدنى ذوقٍ بمعرفة الخطاب. الرابع: أن المتعمد اسم مشتقّ من العمد مناسب، فكان (١) ما منه الاشتقاق علةَ الحكم، فيكون وجوب الجزاء لأجل التعمُّد، فإذا زال التعمُّد زال وجوب الجزاء لزوال علته. الخامس: أنه أوجب الجزاء ليذوق وبالَ أمره، والمخطئ ليس عليه وبالٌ، فلا يحتاج إلى إيجاب الجزاء. وأيضًا فضمان الصيد ليس حقًّا لآدمي، وإنما هو حقٌّ لله. وما حرَّمه الله إذا فعله ناسيًا أو مخطئًا لا مؤاخذة عليه ولا جزاء. فعلى هذه الرواية: لو تعمَّد رمْيَه بآلةٍ تقتل غالبًا أو لا تقتل (٢)، ولم يقصد قتله= فهو متعمد أيضًا؛ لأنه فعل ما لا يحلّ له، وهو مؤاخَذ بذلك. ويحتمل كلامه أنه ليس بعمد. ولو قتل صبي أو مجنون صيدًا في الحرم، أو قتله الصبي وهو محرم ... (٣).

стр. 3051

ووجه الأول ... (١)، وعن ابن جريج: قلت لعطاء: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾، قلت له: فمن قتله خطأً أيُغرم، وإنما جعل الغرم على من قتله متعمدًا (٢)؟ قال: نعم، يُعظّم بذلك حرمات الله، ومضت به السنن (٣). ولئلا يدخل الناس في ذلك، فإنه لو لم يُجعل على قاتل الصيد حرامًا خطأً غُرمٌ، أوشَكَ (٤) الذي يقتله عمدًا يقول: إنما قتلته خطأ. قال (٥): ولذلك قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾. قال (٦): وقال عمرو بن دينار: رأيتُ الناس أجمعين يُغرِّمون في الخطأ. وعن عُقيل عن ابن شهاب أنه سئل عن قتل المحرم الصيد خطأً، فقال: زعموا أن كفارة ذلك خطأً سنةٌ (٧)، وكفارة العمد في القرآن (٨). رواهن

стр. 3052

دُحَيم (١) وغيره. فقد ذكر هؤلاء التابعون مُضِيَّ السنة والإجماع بالكفارة في الخطأ، والسنة إذا أُطلقت: فإما سنة رسول الله ﷺ أو سنة خلفائه الراشدين، وبكل حالٍ فذلك حجة يجب اتباعه. والمرسل إذا أُرسل من وجوه مختلفة صار حجةً وفاقًا. وقد روى جابر عن الحكم أن عمر كتب إلى أهل الأمصار أن قتل الصيد العمد والخطأ سواء. رواه دُحيم والنجَّاد (٢)، ولفظه: أن عمر كتب: احكُمْ عليه في الخطأ والعمد. قال أحمد (٣): قد روي عن عمر وغيره: أنهم حكموا في الخطأ. وعن ابن مسعود في رجلٍ أَلقى جُوالقًا على ظَبْي، فأمر بالجزاء. رواه أحمد (٤)، قال: هذا لا يكون عمدًا، إلا أن [ق ٣٢١] هذا شِبهُ عمدٍ إلا أن (٥) لا يتعمده.

стр. 3053

وعن [علي بن] أبي طلحة عن ابن عباس: قوله: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، قال: إن قتله متعمدًا أو ناسيًا حُكِم عليه، فإن عاد متعمدًا عُجِّلت له العقوبة إلا أن يغفر الله ﵎. رواه جماعة (١). وأيضًا فإن الله سبحانه أوجب في قتل المعصوم خطأً ديةً وكفارة، والدية حقٌّ لورثته، والكفارة حقّ لله، ولم يسقط ذلك بكونه مخطئًا، فقتلُ الصيد خطأً في معنى ذلك سواء؛ لأنه قتل حيوان معصوم مضمون بكفارة، وكونه معفوًّا عنه لا (٢) يؤاخذ بالخطأ لا يمنع وجوب الكفارة، كالكفارة في قتل الآدمي، وذلك لأن المتعمد يستحقّ الانتقام من الله، ويجب عليه الكفارة، فالمخطئ قد عُفي له عن الانتقام، أما الكفارة فلا. وأما تخصيص المتعمد في الآية، فلأن الله ذكر وجوب الجزاء ليذوق وبال أمره، وأنه عفا عما سلف، وأن من عاد انتقم الله منه، وهذه الأحكام مجموعها لا تثبت إلا لمتعمدٍ، وليس في ذلك ما يمنع ثبوت بعضها في حق المخطئ، بل يجب ترتيب هذه الأحكام على ما يقتضيها من تلك الأفعال، فالجزاء بدل المقتول، والانتقام عقوبة القاتل، وهذا كما قال: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآيتين [الفرقان: ٦٨، ٦٩]، وقوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ الآية [النساء: ١١٥]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ الآية [النساء: ١٤]. وهذا كثير في القرآن والحديث،

стр. 3054

يُرتَّب الجزاء على أمور، ويكون بعضه مرتّبًا على بعضٍ (١) منفردًا. الفصل الثالث إذا حلق شعرًا وقلَّم ظُفرًا ناسيًا أو مخطئًا أو جاهلًا، فالمنصوص عنه أن فيه الكفارة ، قال في رواية صالح وعبد الله (٢) وحنبل (٣): من زعم أن الخطأ والنسيان مرفوع عنه يلزمه لو قتل صيدًا ناسيًا، أو تنوَّر ناسيًا وهو محرم، لم يكن عليه شيء، وقد أوجب الله في قتل الخطأ تحرير رقبة. وقد تقدم نصه (٤) في رواية أبي طالب على مثل ذلك، وأن قتل الصيد وحلق الشعر والوطء يستوي عمده وخطؤه. وخرَّج أبو الخطاب (٥) وغيره أنه لا شيء عليه كالرواية التي في قتل الصيد وأولى، لأن قتل الصيد إتلاف محض بخلاف الحلق والتقليم، فإنه يُشبِه الترفُّه والاستمتاع. ولأن قتل الصيد ضمان كضمان (٦) الأموال، فتُقدَّر كفارته بقدره، بخلاف الشعر والظُّفر، فإن كفارته ككفارة الطيب واللباس. وهذا قول قوي. وأما على المشهور، فقد فرَّق من لم يوجب الكفارة في اللباس والطيب

стр. 3055

إذا كان خطأ، [بينه] وبين هذا، من أصحابنا لوجهين: أحدهما: أن الحلق والقلم إتلافٌ، والمحظور منه جهة الإتلاف، ولهذا لو نتفَ الشعر أو أحرقه لزمته الفدية، وإن لم يكن فيه (١) استمتاع، وباب الإتلاف يستوي فيه العامد والمخطئ كإتلاف النفوس والأموال. واللباس والطيب استمتاع، والمحظور منه جهة (٢) الاستمتاع، ولهذا لو أحرق الطيب أو أتلفه لم يلزمه شيء، والاستمتاع فعل يفعله المحرم، فاعتُبِر فيه القصد إليه والعلم بتحريمه، جريًا على قاعدة المحظورات في أن ما كان مقصودُه التركَ لا يأثم بفعله ناسيًا، وقياسًا على أكل الصائم. وهذا الفرق لا يجيء على أصلنا؛ لأن الجماع استمتاع محض، وقد استوى فيه العامد والساهي. والفرق الثاني وهو فرق أحمد: أن الحلق والتقليم والقتل والوطء قد فات على وجهٍ لا يمكن تداركُه وتلافِيه، ولا يقدر على ردّه، ولا على إزالة أثره الباقي بعد زواله. وأما اللباس والطيب فإذا ذَكر أمكنه نزعُ الثياب وغَسْل الطيب، فكان ذلك كفارة (٣) ما فعله الناسي في حال النسيان. فعلى [هذا] (٤) مقدمات الوطء، والدهن، وغسل الرأس بالخطمي والسدر، وكذلك غَسْل البدن بذلك، وإزالة الوسخ= تُلحق بالوطء. وعلى الوجه الأول تُلحق بالطيب.

стр. 3056

فصل وإن حلق حلالٌ رأسَ محرم وهو (١) نائم، أو أكرهَه على ذلك بأن حلقه الحلال ولم يقدر المحرم على الامتناع، لضبطِه أو تقييدِه أو توعُّدِه إن لم يُمكِّنه، فقال ابن أبي موسى (٢): هي على وجهين: أحدهما: الفدية على الحلال دون المحرم. والوجه الآخر: الفدية على المحرم، ويرجع بها على الحلال. مسألة (٣): (وكلُّ هَدْي أو إطعام فهو لمساكين الحرم، إلا فديةَ الأذى يُفرِّقها في الموضع الذي حلق، وهديَ المحصر ينحره في موضعه، وأما الصيام فيجزئه بكل مكان) . فيه فصول: أحدها أن الهدي عشرة أنواع: أحدها: هدي المُحْصَر. والثاني: هدي المتمتع. والثالث: جزاء الصيد.

стр. 3057

والرابع: فدية الأذى. والخامس: [ق ٣٢٢] ما وجب لترك واجبٍ. والسادس: هدي الإفساد وما في معناه. والسابع: هدي الفوات وما في معناه. والثامن: الهدي المنذور في الذمة. والتاسع: الهدي المعيَّن واجبًا. والعاشر: الهدي المعيَّن تطوعًا. وهذه كلها لا تُذبح إلا بالحرم، وكل ما ذُبح بالحرم فإنه لا يُفرَّق إلا في الحرم للمساكين الذين به من المستوطنين والمقيمين والواردين وغيرهم، حتى لو جاء رجل من أهل الحل [إلى] (١) أحد في الحرم جاز، إلا ما استثنيناه. أما هدي التمتع فإنه هديُ نسكٍ، وإنما يُذبح يوم النحر، والحاج يوم النحر لا يكون إلا بالحرم؛ ولأن .... (٢). وأما جزاء الصيد فلقوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]. وأما هدي الإفساد والفوات ... (٣). وأما هدي المُحْصَر فيذبح في موضع حَصْره على الصحيح، كما تقدم.

стр. 3058

وأما فدية الأذى فقد تقدَّم أمرها (١)؛ لأن النبي ﷺ أمر كعب بن عُجْرة أن يحلق رأسه ويُهدِي في الحلّ، قبل أن يُصَدُّوا عن البيت، وقد سمَّاه الله نُسُكًا، وحديث علي (٢). الفصل الثاني أن الإطعام الواجب حيث يجب الهدي حكمه حكم ذلك الهدي ؛ كالإطعام في جزاء الصيد، والإطعام عن صوم التمتع، والإطعام لتركِ واجبٍ أو فعلِ محظور. الفصل الثالث أن الصوم يُجزئ بكل مكان ، حتى صوم الأيام السبعة في التمتع؛ لأنه ليس لأهل الحرم حظٌّ في الصوم عندهم، ولأن جنس الصوم في الشرع لم يختصَّ بمكان دون مكان، بخلاف الصلاة والذبح والصدقة. لكن إذا وجب عليه الصوم فهل يجوز تأخيره؟ ... (٣). * * * *

стр. 3059

باب دخول مكة مسألة (١): (يُستحبُّ أن يدخل مكة (٢) من أعلاها) . هذا على ظاهر قول أصحابنا مستحبٌّ لكل من أراد الدخول إلى مكة، سواء أتاها من ناحية التنعيم أو من غيرها. وجملة ذلك: أنه يستحبُّ دخول مكة من أعلاها والخروج من أسفلها؛ وذلك لما روى ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ يدخل من الثَّنية العليا التي بالبطحاء، ويخرج من الثنية السُّفلى. رواه الجماعة (٣) إلا الترمذي، وفي رواية للبخاري (٤): «أن رسول الله ﷺ دخل مكة من كَدَاءٍ من الثنية العليا التي عند البطحاء، وخرج من الثنية السفلى». وهذا إشارة (٥) إلى تكرُّرِ (٦) دخوله من ذلك الموضع. وعن عائشة أن النبي ﷺ لما جاء مكة دخل من أعلاها، وخرج من أسفلها (٧). وفي لفظ: «دخل عامَ الفتح من كَدَاءٍ التي بأعلى مكة». متفق

стр. 3060

عليه (١). ولأبي داود (٢): «دخل رسول الله ﷺ عامَ الفتح من كَدَاءٍ من أعلى مكة، ودخل في العمرة من كُدًى» (٣). وفي رواية للبخاري (٤): «أن رسول الله ﷺ دخل عام الفتح من كَدَاءٍ، وخرج من كُدًى من أعلى مكة». وكذلك روى البخاري (٥) عن عروة بن الزبير قال: وأمر رسول الله ﷺ يومئذٍ ــ يعني يوم الفتح ــ خالد بن الوليد أن يدخل مكة (٦) من أعلى مكة من كَدَاء (٧)، ودخل النبي ﷺ من كُدًى. ويُشبِه أن يكون ذلك ــ والله أعلم ــ لأن الثنية العليا التي تُشرِف على الأبطح والمقابر إذا دخل منها الإنسان فإنه يأتي من وجه البلد والكعبة، ويستقبلها استقبالًا من غير انحراف، بخلاف الذي يدخل من الناحية السفلى، فإنه يدخل من دُبُر البلد والكعبة. وإنما يخرج من الثنية السفلى لأنه يستدبر الكعبة والبلد، فاستُحِبَّ أن يكون ما يليه منها مؤخرها؛ لئلّا يستدبر وجهها، وليكون قد دخل من طريقٍ وخرج من أخرى، كالذاهب إلى العيد.

стр. 3061

وفي خروجه ﷺ عام الفتح من دُبُرِها ــ مع أنه كان يريد حنينًا والطائف ــ دليلٌ على أن الإنسان يتعمَّد ذلك وإن لم يكن وجهَ قصْدِه. فصل قال أحمد في رواية المرُّوذي: فإذا دخلتَ الحرم فقل: اللهم هذا حرمك وأمنُك الذي من دخله كان آمنًا، فأسألك أن تُحرِّم لحمي ودمي على النار، اللهم أجِرْني من عذابك يوم تبعث عبادك. فإذا دخلتَ مكة فقل: اللهم أنت ربي، وأنا عبدك، والبلد بلدك، جئتُ فارًّا منك إليك لأؤدِّي فرائضك، متبعًا لأمرك، راضيًا بقضائك، أسألك مسألةَ المضطرِّ إلى رحمتك، المشفقِ من عذابك، الخائفِ من عقوبتك، أسألك أن تستقبلني اليومَ بعفوك، واحفظْني برحمتك، [ق ٣٢٣] وتجاوزْ عني بمغفرتك، وأَعِنِّي على أداء فرائضك. ويُستحب أن يغتسل لدخول مكة. ولا بأس بدخول مكة ليلًا، نصَّ عليه (١). قال أصحابنا: يُستحبّ دخولها ليلًا، ويجوز نهارًا (٢)؛ لأن النبي ﷺ دخلها في حجة الإسلام (٣) نهارًا، وكذلك في عمرة القضية، وعام الفتح، ودخلها في عمرة الحديبية ليلًا ... (٤).

стр. 3062

وقد روي عن ابن عباس موقوفًا قال: «كانت الأنبياء تدخل الحرمَ مُشاةً حُفاةً، ويطوفون بالبيت ويقضون المناسك حُفاةً مُشاةً». رواه ابن ماجه (١). مسألة (٢): (ويدخل المسجدَ من باب بني شيبة اقتداءً برسول الله ﷺ -). وذلك لما روي عن عبد الله بن عمر قال: دخل رسول الله ﷺ ودخلنا معه من باب بني عبد مناف، وهو الذي يسميه الناس باب بني شيبة، وخرجنا إلى المدينة من باب الحَزْورة، وهو باب الخياطين (٣). رواه الطبراني من طريق عبد الله بن نافع (٤).

стр. 3063

وذلك لما تقدم في دخول مكة من أعلاها؛ لأن باب بني شيبة أقرب بابٍ، إذا دخله (١) الداخل استقبل وجه الكعبة، وهو أبعد بابٍ من هذه الناحية عن الحجر الأسود، فيكون ممرُّه في المسجد أولى من ممرِّه خارجَ المسجد، إما إلى ناحية الصفا أو ناحية دار الندوة. ويُستحب أن يقول عند دخول المسجد ما يُستحب عند سائر المساجد. مسألة (٢): (فإذا رأى البيت رفع يديه وكبَّر الله وحَمِدَه ودعا) . قال أحمد في رواية المرُّوذي: إذا رأيتَ البيت فارفعْ يديك بباطن كفَّيك، وقل: الله أكبر الله أكبر، اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحيِّنا ربَّنا بالسلام (٣)، اللهم زِدْ بيتك هذا تعظيمًا وتكريمًا وإيمانًا ومهابةً ... (٤). وروي عن سعيد بن المسيب قال: سمعتُ من عمر كلمةً لم يبقَ أحد سمعها غيري، حين رأى البيت قال: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحيِّنا ربنا بالسلام» (٥). وفي لفظ: «أن عمر بن الخطاب كان إذا نظر إلى

стр. 3064

البيت قال: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، حيِّنا ربَّنا بالسلام». رواه سعيد والشافعي وأحمد وغيرهم (١). وعن حذيفة بن أَسِيد أن النبي ﷺ كان إذا نظر إلى البيت قال: «اللهم زِدْ بيتك هذا تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابةً». رواه الطبراني في «مناسكه» (٢). وأما المكان الذي يُرى منه البيت فقد كان قديمًا يُرى من موضع يقال له «رأس الردم» بعد أن يدخل مكة بقليل، ويقال: كان يُرى قبل دخول البلد عند الحَجُون. فهذا كان لأنه لم يكن بمكة بناء أعلى من الكعبة وكانت هذه الأمكنة منخفضة (٣). فأما اليوم فإن البيت لا يُرى إلى (٤) أن يدخل الرجل

стр. 3065

المسجد. وكذلك في كلام أحمد وأصحابه. مسألة (١): (ثم يبتدئ بطواف العمرة إن كان معتمرًا، وبطواف القدوم إن كان مفرِدًا أو قارنًا) . وجملة ذلك: أن المحرم إذا دخل المسجد فإنه لا يبتدئ بشيء قبل الطواف بالبيت. هذا هو [المذهب] (٢) الذي عليه عامة أصحابه (٣). وقال ابن عقيل: يُستحب أن يُقدِّم على الطواف تحيةَ المسجد الحرام، إلا أن يكون عليه فائتة فيقدِّم الفائتة على التحية. قال: وإنما جعلنا التحية قبل الطواف لأن الدخول إلى المسجد قبل المُضِيّ، فيبدأ بالأسبق فالأسبق. وهذا الذي قاله ليس بشيء، فإن المسجد الحرام تحيته الطواف بالبيت، وهي تحية البيت والمسجد. وهذه هي السنة الماضية؛ فإن رسول الله ﷺ لما دخل المسجد الحرام هو وأصحابه لم يبدؤوا بشيء قبل الطواف بالبيت؛ فروى أبو الأسود أن رجلًا من أهل العراق قال له: سَلْ لي عروةَ بن الزبير عن رجل يُهِلُّ بالحج، فإذا طاف بالبيت أيحلُّ أم لا؟ فإن قال لك: لا يحلُّ، فقل له: إن رجلًا يقول ذلك، قال: فسألته فقال: لا يحلُّ من أهلَّ بالحج إلا بالحج، فقلت: فإن رجلًا كان يقول ذلك، فقال: بئس ما قال. فتصدَّاني الرجل فسألني فحدَّثتُه،

стр. 3066

فقال: فقل (١): إن رجلًا كان يُخبِر أن رسول الله ﷺ قد فعل ذلك، وما شأنُ أسماء والزبير فعلا ذلك؟ فذكرتُ له ذلك، فقال: من هذا؟ قلت: لا أدري، قال: فما (٢) بالُه لا يأتيني بنفسه يسألني؟ أظنُّه عراقيًّا، قلت: لا أدري، قال: فإنه قد كذَبَ، قد حجَّ رسول الله ﷺ ، فأخبرتْني عائشة أنه أول شيء بدأ حين قَدِمَ مكة أنه توضَّأ، ثم طافَ بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم حجَّ أبو بكر فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، [ق ٣٢٤] ثم لم تكن عمرة، ثم عمر مثل ذلك، ثم حجَّ عثمان فرأيته أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم معاوية وعبد الله بن عمر، ثم حججتُ مع أبي الزبير بن العوام، فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم رأيتُ المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك، ثم لم تكن عمرة، ثم آخِرُ من رأيتُ ابن عمر فعل ذلك، ثم لم ينقُضْها بعمرة، وهذا ابن عمر عندهم أفلا يسألونه؟ ولا أحدٌ ممن مضى، ما كانوا يبدؤون بشيء حين يضعون أقدامهم أولَ من الطواف بالبيت، ثم لا يحلُّون. وقد رأيتُ أمي وخالتي حين تَقْدَمان لا تبدآن (٣) بشيء أولَ من الطواف بالبيت، تطوفانِ به ثم لا تحلّانِ، وقد أخبرتني أمي أنها أقبلتْ هي وأختُها والزبير وفلان وفلان بعمرةٍ قطُّ، فلما مسحوا الركنَ حلُّوا. قد كذب فيما ذكر. أخرجاه (٤).

стр. 3067

فصل وإن كان عليه فائتةٌ ذكرها حين الدخول أو قبل ذلك، بدأ بها قبل الطواف؛ لأن قضاءها واجب على الفور حين يذكرها، لا كفارةَ لها إلا ذلك. وكذلك إن أدرك مكتوبةً في جماعة؛ لأنه يخشى فوتَ الجماعة، ولا يخشى فوتَ (١) الطواف، إلا أن يكون هناك جماعات متعددة (٢). ولم يستثنِ ابن عقيل إلا الفرض، واستثنى القاضي وغيره الفريضةَ وركعتي (٣) الفجر والوتر، إذا خاف فوتَ ذلك قدَّمه على الطواف. وهذا أصحُّ لأن الوتر مؤكَّد، لكن استثناء ركعتي الفجر ليس بمستقيمٍ على أصلنا؛ لأنه إن لم يكن صلَّى الفجر فإذا خاف فوتَ سنتها فهو لخوف المكتوبة أشدُّ، فيبدأ بالسنة والمكتوبة، فلا معنى لتخصيص ركعتي الفجر، وإن كان صلّى المكتوبة، فإنه (٤) يؤخِّر قضاء السنة إلى طلوع الشمس، وهو أولى من صلاتها قبل طلوعها، فلا معنى لخوف فوتِها (٥). وأما إذا خاف فوتَ سنة الظهر أو المغرب بعدها، فعلى ما ذكره القاضي يقدِّم الطواف، وقال غيره: متى خشي فوتَ سنةٍ راتبةٍ قدَّمها على الطواف.

стр. 3068

فصل والسنة لكل من دخل المسجد الحرام ... (١). مسألة (٢): (ويضطبع بردائه، فيجعل وسطَه تحت عاتقه الأيمن، وطرفَيه على الأيسر) . الاضطباع: افتعال من الضَّبْع وهو العضد، ويسمى التأبُّط (٣)؛ لأنه يجعل وَسَط الرداء تحت الإبط ويُبدِي ضَبْعَه الأيمن، وقيل: يُبدي ضَبْعَيْه (٤). وأصله اضْتباع، وإنما قُلبت التاء طاءً لمجاورة حرف الاستعلاء، كما يقال: اصطباغ (٥)، واصطياد، واضطرار، واضطهاد. والأصل في ذلك ما روي عن ابن عباس أن النبي ﷺ اضطبع فكبَّر، فاستلم وكبَّر، ثم رملَ ثلاثة أطواف. كانوا إذا بلغوا الركن اليماني وتغيَّبوا من قريش مَشَوا، ثم يطلعون عليهم يَرمُلون، تقول قريش: كأنهم الغِزْلان. قال ابن عباس: فكانت سنةً. رواه أبو داود (٦).

стр. 3069

وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ اعتمر (١) من جِعرانةَ، فاضطبعوا، وجعلوا أرديتَهم تحت آباطهم، ووضعوها على عواتقهم، ثم رَمَلوا. رواه أحمد (٢). وفي لفظٍ له ولأبي داود (٣): «أن رسول الله ﷺ وأصحابه اعتمروا من جعرانة، فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتَهم تحت آباطهم، ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى». وعن يعلى بن أمية أن النبي ﷺ لما قدِمَ طاف بالبيت، وهو مضطبع ببُرْدٍ له حضرمي. رواه الخمسة إلا النسائي (٤)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وهذا لفظ أحمد. ولفظ أبي داود: «طاف النبي ﷺ مضطبعًا ببُرْدٍ أخضر». ولفظ الترمذي وابن ماجه: «طاف بالبيت مضطبعًا وعليه بُرْد». لم يقل ابن ماجه: «بالبيت». فقد ذكر ابن عباس أن النبي ﷺ أولَ ما اضطبع في عمرة القضاء ليستعينوا بذلك على الرَّمَل؛ ليرى المشركون قوَّتهم، ثم اضطبع في عمرة

стр. 3070

الجِعرانة وقد ذهب المشركون، ثم اضطبع في [حجة الوداع] (١). وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: فِيمَ الرَّمَلانُ الآنَ والكشفُ عن المناكب، وقد أطَّأ الله الإسلامَ ونَفَى الكفر وأهله؟ ومع ذلك لا نَدَعُ شيئًا كنّا نفعله على عهد رسول الله ﷺ . رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه (٢). فبيَّن أن العبادة قد تُشرع أولًا لسبب، ثم يزول ذلك السبب (٣)، ويجعلها الله سبحانه عبادةً وقُربة؛ كما قد رُوي في الرَّمَل، والاضطباع، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار. وأول ما يضطبع إذا أراد أن يستلم الحجر قبل أن يستلم، فيما ذكره كثير من أصحابنا، وهو معنى كلام المصنف، وهو ظاهر حديث ابن عباس المتقدم. وقال أحمد في رواية المرُّوذي: يضطبع بعد أن يستلم الحجر؛ لأن الاضطباع إنما يكون ... (٤). ويضطبع في جميع [ق ٣٢٥] الأشواط السبعة، فإذا قضى طوافه سوَّى ثيابه، ولم يضطبع في ركعتي الطواف؛ لأن الاضطباع في الصلاة مكروه، هكذا قال القاضي وابن عقيل وغيرهما. وقال أبو بكر الأثرم (٥): إنما يضطبع في الأشواط الثلاثة التي يرمُلُ

стр. 3071

فيها؛ لأن الاضطباع إنما هي (١) معونة على الرمل، وإنما فُعِلَ تبعًا له، فإذا لم يرمُل لم يضطبع. فأما الاضطباع في السعي، فقال أحمد (٢): ما سمعتُ فيه شيئًا. قال أصحابنا ... (٣). مسألة (٤): (ويبدأ بالحجر الأسود، فيستلمه ويقبِّله، ويقول: بسم الله والله أكبر، اللهم (٥) إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك محمد ﷺ -). وجملة ذلك: أن السنة للطائف أن يبتدئ بالحجر الأسود، فيستلمه بيده. والاستلام هو مسحه بيده، وفي اشتقاقه (٦) وجهان ... (٧)، والتقبيل بالفم. وذلك لما روى جابر في حديثه في صفة حجة النبي ﷺ ، قال: «حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن، فرملَ ثلاثًا، ومشى أربعًا» (٨). وفي رواية: «لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه، ثم مشى على يمينه، فرملَ ثلاثًا، ومشى

стр. 3072

أربعًا». رواه مسلم (١). وعن ابن (٢) عمر قال: «فطاف رسول الله ﷺ حين قدم مكة، فاستلم الركن أولَ شيء، ثم خَبَّ ثلاثة أطوافٍ من السبع، ومشى أربعة أطواف، ثم ركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين، ثم سلَّم فانصرف فأتى الصفا، فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف». متفق عليه (٣). وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: رأيتُ عمر بن الخطاب (٤) قبَّل الحجر، وقال: لولا أني رأيت رسول الله ﷺ قبَّلك ما قبَّلتُك (٥). وعن عابس بن ربيعة، عن عمر أنه جاء إلى الحجر فقبَّله، فقال: إني لأعلم أنك حجر لا تضرُّ ولا تنفع، ولولا أني رأيتُ رسولَ الله ﷺ يقبِّلك ما قبَّلتُك». متفق عليهما (٦). وعن سُويد بن غَفَلة قال: رأيتُ عمر قبَّل الحجر والتزمه، وقال: رأيت رسول الله ﷺ بك حفيًّا. رواه مسلم (٧).

стр. 3073

وعن الزبير بن عَربي قال: سأل رجل [ابنَ] (١) عمر عن استلام الحجر، فقال: رأيتُ رسول الله ﷺ يستلمه ويقبِّله، وقال: [قلتُ]: أرأيتَ إن زُحِمتُ؟ أرأيتَ إن غُلِبتُ؟ قال: اجعل «أرأيتَ» باليمن! رأيت رسول الله ﷺ يستلمه ويقبِّله. رواه البخاري (٢). فإن لم يُمكِنْه تقبيلُه استلمه وقبَّل يده. ذكره أصحابنا، لما روى نافع قال: رأيتُ ابن عمر استلم الحجر بيده، ثم قبَّل يدَه، وقال: ما تركتُه منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله. متفق عليه (٣). ولأن النبي ﷺ كان يستلمه بالمِحْجَن، ويُقبِّل المِحْجَن، فتقبيل اليد إذا استلمه بها أولى. وقال ابن جريج: قلت لعطاء: هل رأيتَ أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ إذا استلموا قبَّلوا أيديهم؟ قال: نعم، رأيت جابر بن عبد الله، وابن عمر، وأبا سعيد، وأبا هريرة، إذا استلموا قبَّلوا أيديهم. رواه الشافعي (٤). فإن كان راكبًا استلمه بعصًا ونحوها، وهل يستحب له ذلك راجلًا؟ ... (٥).

стр. 3074

لما رُوي عن ابن عباس قال: طاف النبي (١) ﷺ في حجِّه على بعيرٍ يستلم الركن بمِحْجَن. رواه الجماعة إلا الترمذي والنسائي (٢). وفي رواية لأحمد والبخاري (٣): «طاف رسول الله ﷺ على بعيرٍ، كلّما أتى على الركن أشار إليه بشيء في يده وكبَّر». ومعنى هذه الرواية: أنه يشير إليه إشارةً يمسُّ بها الحجر، كما جاء مفسَّرًا أنه استلم الركن بمحجنه (٤)، ولو لم يمسَّ المحجنُ الحجرَ لكانت الإشارة باليد أولى. وعن أبي الطُّفيل قال: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت، ويستلم الركن بمِحْجَن معه، ويقبِّل المِحجن. رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه وأحمد، ولم يذكر تقبيل المحجن (٥). وعن مجاهد أن رسول الله ﷺ طاف ليلةَ الإفاضة على راحلته، واستلم الركن». يعني يستلم الركن بمحجنه (٦) ويقبِّل المحجن. رواه أبو داود في

стр. 3075

«المراسيل» (١). ويُستحبُّ له أن يقبّل ما يستلمه به لما تقدَّم من النصّ، فإن لم يمكنه التقبيلُ ولا الاستلام بيده ولا شيء في يده (٢)، فقال كثير من أصحابنا: يشير إليه بيده، منهم القاضي وأصحابه. والمنصوص عنه في رواية المرُّوذي: ثم ائتِ الحجرَ الأسود، فاستلِمْه إن استطعتَ وقبِّلْه، وإن لم تستطع فقمْ بحِياله، وارفعْ يديك وقلْ: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعدَه، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حيٌّ لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير. اللهم تصديقًا بكتابك، واتباعًا لسنتك وسنة نبيك محمد ﷺ ، لا إله إلا الله، والله أكبر. اللهم إليك بسطتُ [ق ٣٢٦] يدي، وفيما لديك عَظُمتْ رغبتي، فاقبلْ دعوتي، وأقِلْني عَثْرتي، وارحمْ تضرُّعي، وجُدْ لي بمغفرتك يا إلهي، آمنتُ بك، وكفرتُ بالطاغوت. وكذلك نقل عنه عبد الله (٣): أنه يستقبله ويرفع يديه ويكبر. وكذلك قال القاضي: إن لم يمكن استلامه لأجل الزحمة قام حِيالَه، ورفع يده وكبّر. هكذا قال في رواية الأثرم، ولم يقل: إنه يقبِّل.

стр. 3076

وهذا أصحُّ لما روي عن عمر بن الخطاب أن النبي (١) ﷺ قال له: «يا عمر، إنك رجل قوي، لا تُزاحِمْ على الحجرِ فتؤذي الضعيف، إن وجدتَ خَلْوةً (٢) فاستلمْه، وإلا فاستقبِلْه وهَلِّلْ وكَبِّر». رواه أحمد (٣). وروى الأزرقي في «أخبار مكة» (٤) عن جدّه، عن ابن عيينة، عن أبي يعفور العبدي قال: سمعتُ رجلًا من خُزاعةَ كان أميرًا على مكة مُنصَرَفَ الحاجِّ عن مكة، يقول: إن رسول الله ﷺ قال لعمر بن الخطاب: «يا عمر، إنك رجل قويٌّ، وإنك تؤذي الضعيف، فإذا وجدتَ خَلاءً (٥) فاستلِمْه، وإلا فامضِ وكبِّر». هذا معنى المنصوص عن أحمد. وعن هشام بن عروة أن عمر ﵁ كان يستلمه إذا وجد فجوةً، فإذا

стр. 3077

اشتدَّ الزِّحام كبَّر كلّما حاذَى (١). رواه الأزرقي (٢). ولأن الإشارة إليه بالاستلام من غير مماسَّة ليس فيه [أثر] (٣)، ولا معنى فيه، فأشبه الإشارة إليه بالقُبلة. وبكل حالٍ فلا يقبِّل يده إذا أشار إليه بالاستلام من غير استلام؛ لأن التقبيل إنما هو للحجر أو لما مسَّ الحجرَ. وأما رفع اليد فهو مسنون عنده. وأما السجود عليه، فقد ذُكِر لأحمد حديث ابن عباس في السجود على الحجر فحسّنه. وقد رواه الأزرقي (٤)، عن جدّه، عن ابن عيينة، عن ابن جريج، عن محمد بن عبّاد بن جعفر قال: رأيتُ ابن عباس ﵄ جاء يوم التروية وعليه حُلَّةٌ مُرجِّلًا رأسَه، فقبَّل الحجر وسجد عليه، ثم قبَّله وسجد عليه (٥) ثلاثًا. ورواه أبو يعلى الموصلي في «مسنده» (٦) من حديث أبي داود

стр. 3078

الطيالسي، عن جعفر بن عثمان المخزومي قال: رأيتُ محمد بن عبّاد بن جعفر قبَّل الحجر، وسجد عليه، وقال: رأيتُ خالي ابن عباس يُقبِّل الحجر ويسجد عليه، وقال: رأيتُ عمر يقبِّل الحجر ويسجد عليه، وقال: رأيتُ رسول الله ﷺ يفعله. وحديث عمر ــ الذي تقدم في «صحيح مسلم» أنه قبَّل الحجر والتزمه، وقال: «رأيتُ رسول الله ﷺ بك حفيًّا» ــ يؤيِّد هذا. وروى الأزرقي (١) أن طاوسًا أتى الركنَ فقبَّله ثلاثًا، ثم سجد عليه، وقال: قال عمر بن الخطاب: إنك حجر، ولولا أني رأيتُ رسول الله ﷺ يقبِّلك ما قبَّلتك. وهل يستلم الركن غير الحجر؟ ... (٢). وأما الذكر الذي يقال عنده، فقد تقدم حديث ابن عباس الصحيح أن النبي ﷺ كان كلَّما أتى الركنَ أشار إليه بشيء في يده وكبَّر. وقال لعمر: «استقبِلْه وهلِّل وكبر»، وفي لفظ: «كبِّر وامْضِ». فقد أمر النبي ﷺ بالتكبير والتهليل، وهذا هو المنصوص عن أحمد.

стр. 3079

قال ابن جريج: قلت [لعطاء] (١): هل بلغك من قولٍ يُستحبُّ عند استلام الركنين؟ قال: لا، وكأنه يأمر بالتكبير. ذكره الأزرقي (٢). وأما الزيادة التي ذكرها أصحابنا، فقد رُوي عن ابن عمر أنه كان إذا استلم الركن قال: «بسم الله والله أكبر». رواه الأزرقي والطبراني بإسناد جيد (٣). وروي أيضًا عن الحارث عن علي أنه كان إذا استلم الحجر قال: «اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك وسنة نبيك محمد ﷺ » (٤). وروى الأزرقي (٥) عن جده (٦) عن سعيد بن سالم، أخبرني موسى بن عبيدة عن سعد بن إبراهيم عن سعيد بن المسيب (٧) أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول إذا كبّر لاستلام الحجر: «بسم الله والله أكبر على ما هدانا، لا إله إلا هو وحده لا شريك له، آمنتُ بالله، وكفرتُ بالطاغوت وباللات والعُزَّى وما يُدعى من دون الله، ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ

стр. 3080

يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦]». قال عثمان (١): بلغني أنه يستحب أن يقال عند استلام الركن: «بسم الله والله أكبر، اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا بما جاء به محمد ﷺ ». فصل وأما فضل (٢) الحجر الأسود واستلامِه وتقبيلِه ومعنى ذلك، فقد روى ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «يأتي هذا الحجرُ يومَ القيامة له عينانِ يُبصر بهما، ولسانٌ ينطق به، يشهد لمن استلمه بحقّ». رواه الخمسة إلا أبا داود وابن ماجه (٣)، وقال الترمذي: حديث حسن. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «نزل الحجرُ الأسود من الجنة وهو أشدُّ بياضًا من اللبن، فسوَّدَتْه خطايا بني آدم». رواه أحمد والترمذي (٤)

стр. 3081

وقال: حديث حسن صحيح، وللنسائي (١) منه: «الحجر الأسود من الجنة». وعن عبد الله بن عمرو قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إن الركن والمقام ياقوتتانِ [ق ٣٢٧] من ياقوت الجنة طمسَ الله نورَهما، ولو لم يَطمِسْ نورَهما لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب». رواه أحمد في «المناسك»، والترمذي (٢) وقال: «حديث غريب»، قال: «ويُروى موقوفًا عن عبد الله بن عمرو قوله». وقد رواه الأزرقي وغيره (٣) بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو. وروى (٤) بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: «ليس في الأرض من الجنة إلا الركنُ الأسود والمقام، فإنهما جوهرتان من جوهر (٥) الجنة، ولولا ما مسَّهما من أهل الشرك ما مسَّهما ذو عاهةٍ إلا شفاه الله ». وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من فاوضَه (٦) ــ يعني الركن

стр. 3082

الأسود ــ فإنما يُفاوِضُ يدَ الرحمن». رواه ابن ماجه (١) من طريق إسماعيل بن عيّاش. وعن ابن عباس قال: «إن هذا الركن الأسود يمينُ الله في الأرض ، يُصافِح بها عبادَه مصافحةَ الرجل أخاه». رواه محمد بن أبي عمر العَدَني والأزرقي بإسناد صحيح (٢). وعن ابن عباس أيضًا قال: «الركن يمينُ الله في الأرض، يُصافِح بها خلقَه، والذي نفسُ ابن عباس بيده ما من امرئٍ مسلمٍ يسأل الله عنده شيئًا إلا أعطاه إيّاه». رواه الأزرقي والطبراني بطريقين مختلفين (٣). وروى الأزرقي (٤) عن عكرمة قال: إن الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن لم يُدرِكْ بيعةَ رسول الله ﷺ فمسح الركنَ فقد بايع الله ورسوله. وروى الأزرقي (٥) عن محمد بن أبي عمر العدني، قثنا عبد العزيز بن

стр. 3083

عبد الصمد العمّي، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري قال: خرجنا مع عمر ﵁ إلى مكة، فلما دخلنا الطوافَ قام عند الحجر، وقال: والله إني لأعلم أنك حجرٌ لا تضرُّ ولا تنفع، ولولا أني رأيتُ رسول الله ﷺ قبَّلك ما قبَّلتُك، ثم قبَّله يعني في الطواف فقال له علي: بلى يا أمير المؤمنين، هو يضر وينفع! قال: وأين ذلك؟ قال: في كتاب الله. قال: وأين ذلك من كتاب الله ؟ قال: قال الله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّياتهم (١) وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢] قال: فلما خلقَ آدم ﵇ مسح ظهره، فأخرج ذريته من صُلْبه، فقرَّرهم أنه الرب وهم العبيد، ثم كتب ميثاقَهم في رَقٍّ، وكان هذا الحجر له عينانِ ولسان، فقال له: افتَحْ فاك، فأَلْقمَه ذلك الرَّقَّ، وجعله في هذا الموضع، وقال: تشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة. قال: فقال عمر: أعوذ بالله أن أعيشَ في قومٍ لستَ فيهم يا أبا حسن. فصل والسنة أن يبتدئ بالحجر في أول الطواف، وأن يستقبل الركنَ في أول الطواف، سواء استلمه وقبَّله أو لم يفعل، وهل ذلك واجب، لأن النبي ﷺ قال لعمر: «إن وجدتَ خلوةً فاستلِمْه، وإلا فاستقبلْه وهلِّل وكبِّر»؟ قال القاضي (٢): من شرط الطواف الاستقبال، فلا يجوز أن يبتدئ الطواف غيرَ

стр. 3084

مستقبلٍ للركن ... (١). قال القاضي وأصحابه وكثير من أصحابنا: وكمال الطواف أن يبتدئ بالحجر فيحاذِي بجميع بدنه جميعَ الحجر؛ وهو أن يأتي عن يمين الحجر من ناحية الركن اليماني، ثم يجتاز بجميعه على يمين نفسه؛ لأن كل ما قابلك كان يمينُك حذاءَ يسارِه، ويسارُك حذاءَ يمينِه؛ لأن السنة أن يبتدئ بالطواف بالحجر الأسود، ولا يطوف جميعه بالحجر الأسود إلا بذلك، فإن حاذى بعضَ الحجر بكل بدنه ــ وأمكن هذا لكونه دقيقًا ــ أجزأه؛ لأنه قد ابتدأ بطواف جميعه بالحجر؛ لأن استيعاب ... (٢). وإن حاذى ببعض بدنه كلَّ الحجر أو بعضَه فهل يجزئه؟ على وجهين ... (٣)، فإن لم يجزئه لَغَت الطوفة الأولى، فإذا حاذى الحجر في الشوط الثاني فهو أول طوافه. والكمال أن يُحاذِي في الأخير بكل بدنه جميع الحجر (٤). فعلى ما قالوه: إما أن يذهب إلى يمين الحجر بعد استقبال الركن واستلامه، وهل يستقبله بعد ذلك؟ وإما أن يبتدئ (٥) من يمين الحجر فيستقبله ... (٦) وهذا

стр. 3085

أشبهُ بالسنة؛ فعن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ لما قدِمَ مكة أتى الحجرَ فاستلمَه، ثم مشى على يمينِه فرَملَ ثلاثًا، ومشى أربعًا. رواه مسلم (١). وفي حديث ابن عمر قال: «وطاف رسول الله ﷺ حين قدِمَ مكةَ، فاستلم الركنَ أولَ شيء، ثم خبَّ ثلاثةَ أطوافٍ، ومشى أربعةً». متفق عليه (٢). ولم يذكر جابر أنه ذهب إلى ناحية يسارِه قليلًا بعد الاستلام؛ ولأنه (٣) [كان] محاذيًا للحجر مستقبلًا له، ولو فعل ذلك لم يكن قد خبَّ عقبَ الاستلام؛ فإنه من يمشي هكذا لا يخبُّ، ولو فعل ذلك لنقلوه. مسألة (٤): (ثم يأخذ [ق ٣٢٨] على يمينه، ويجعل البيت على يساره، فيطوف سبعًا). وجملة ذلك: أن الطائف يبتدئ في مروره بوجه الكعبة، فإذا استلم الحجر الأسود أخذَ إلى جهة يمينه، فيصير البيت عن يساره، ويكمل سبعة أطواف. وهذا من العلم العام والسنة المتواترة الذي تلقَّته الأمة عن نبيها، وتوارثَتْه فيما بينها خلفًا عن سلف، وهو من تفسير رسول الله ﷺ معنى قوله: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، كما فسَّر أعداد الصلاة وأوقاتها. وقد تقدَّم في حديث جابر:
следующие страницы →