← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

وقال: حديث حسن صحيح، وللنسائي (١) منه: «الحجر الأسود من الجنة». وعن عبد الله بن عمرو قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إن الركن والمقام ياقوتتانِ [ق ٣٢٧] من ياقوت الجنة طمسَ الله نورَهما، ولو لم يَطمِسْ نورَهما لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب». رواه أحمد في «المناسك»، والترمذي (٢) وقال: «حديث غريب»، قال: «ويُروى موقوفًا عن عبد الله بن عمرو قوله». وقد رواه الأزرقي وغيره (٣) بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو. وروى (٤) بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: «ليس في الأرض من الجنة إلا الركنُ الأسود والمقام، فإنهما جوهرتان من جوهر (٥) الجنة، ولولا ما مسَّهما من أهل الشرك ما مسَّهما ذو عاهةٍ إلا شفاه الله ». وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من فاوضَه (٦) ــ يعني الركن

стр. 3082

الأسود ــ فإنما يُفاوِضُ يدَ الرحمن». رواه ابن ماجه (١) من طريق إسماعيل بن عيّاش. وعن ابن عباس قال: «إن هذا الركن الأسود يمينُ الله في الأرض ، يُصافِح بها عبادَه مصافحةَ الرجل أخاه». رواه محمد بن أبي عمر العَدَني والأزرقي بإسناد صحيح (٢). وعن ابن عباس أيضًا قال: «الركن يمينُ الله في الأرض، يُصافِح بها خلقَه، والذي نفسُ ابن عباس بيده ما من امرئٍ مسلمٍ يسأل الله عنده شيئًا إلا أعطاه إيّاه». رواه الأزرقي والطبراني بطريقين مختلفين (٣). وروى الأزرقي (٤) عن عكرمة قال: إن الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن لم يُدرِكْ بيعةَ رسول الله ﷺ فمسح الركنَ فقد بايع الله ورسوله. وروى الأزرقي (٥) عن محمد بن أبي عمر العدني، قثنا عبد العزيز بن

стр. 3083

عبد الصمد العمّي، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري قال: خرجنا مع عمر ﵁ إلى مكة، فلما دخلنا الطوافَ قام عند الحجر، وقال: والله إني لأعلم أنك حجرٌ لا تضرُّ ولا تنفع، ولولا أني رأيتُ رسول الله ﷺ قبَّلك ما قبَّلتُك، ثم قبَّله يعني في الطواف فقال له علي: بلى يا أمير المؤمنين، هو يضر وينفع! قال: وأين ذلك؟ قال: في كتاب الله. قال: وأين ذلك من كتاب الله ؟ قال: قال الله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّياتهم (١) وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢] قال: فلما خلقَ آدم ﵇ مسح ظهره، فأخرج ذريته من صُلْبه، فقرَّرهم أنه الرب وهم العبيد، ثم كتب ميثاقَهم في رَقٍّ، وكان هذا الحجر له عينانِ ولسان، فقال له: افتَحْ فاك، فأَلْقمَه ذلك الرَّقَّ، وجعله في هذا الموضع، وقال: تشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة. قال: فقال عمر: أعوذ بالله أن أعيشَ في قومٍ لستَ فيهم يا أبا حسن. فصل والسنة أن يبتدئ بالحجر في أول الطواف، وأن يستقبل الركنَ في أول الطواف، سواء استلمه وقبَّله أو لم يفعل، وهل ذلك واجب، لأن النبي ﷺ قال لعمر: «إن وجدتَ خلوةً فاستلِمْه، وإلا فاستقبلْه وهلِّل وكبِّر»؟ قال القاضي (٢): من شرط الطواف الاستقبال، فلا يجوز أن يبتدئ الطواف غيرَ

стр. 3084

مستقبلٍ للركن ... (١). قال القاضي وأصحابه وكثير من أصحابنا: وكمال الطواف أن يبتدئ بالحجر فيحاذِي بجميع بدنه جميعَ الحجر؛ وهو أن يأتي عن يمين الحجر من ناحية الركن اليماني، ثم يجتاز بجميعه على يمين نفسه؛ لأن كل ما قابلك كان يمينُك حذاءَ يسارِه، ويسارُك حذاءَ يمينِه؛ لأن السنة أن يبتدئ بالطواف بالحجر الأسود، ولا يطوف جميعه بالحجر الأسود إلا بذلك، فإن حاذى بعضَ الحجر بكل بدنه ــ وأمكن هذا لكونه دقيقًا ــ أجزأه؛ لأنه قد ابتدأ بطواف جميعه بالحجر؛ لأن استيعاب ... (٢). وإن حاذى ببعض بدنه كلَّ الحجر أو بعضَه فهل يجزئه؟ على وجهين ... (٣)، فإن لم يجزئه لَغَت الطوفة الأولى، فإذا حاذى الحجر في الشوط الثاني فهو أول طوافه. والكمال أن يُحاذِي في الأخير بكل بدنه جميع الحجر (٤). فعلى ما قالوه: إما أن يذهب إلى يمين الحجر بعد استقبال الركن واستلامه، وهل يستقبله بعد ذلك؟ وإما أن يبتدئ (٥) من يمين الحجر فيستقبله ... (٦) وهذا

стр. 3085

أشبهُ بالسنة؛ فعن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ لما قدِمَ مكة أتى الحجرَ فاستلمَه، ثم مشى على يمينِه فرَملَ ثلاثًا، ومشى أربعًا. رواه مسلم (١). وفي حديث ابن عمر قال: «وطاف رسول الله ﷺ حين قدِمَ مكةَ، فاستلم الركنَ أولَ شيء، ثم خبَّ ثلاثةَ أطوافٍ، ومشى أربعةً». متفق عليه (٢). ولم يذكر جابر أنه ذهب إلى ناحية يسارِه قليلًا بعد الاستلام؛ ولأنه (٣) [كان] محاذيًا للحجر مستقبلًا له، ولو فعل ذلك لم يكن قد خبَّ عقبَ الاستلام؛ فإنه من يمشي هكذا لا يخبُّ، ولو فعل ذلك لنقلوه. مسألة (٤): (ثم يأخذ [ق ٣٢٨] على يمينه، ويجعل البيت على يساره، فيطوف سبعًا). وجملة ذلك: أن الطائف يبتدئ في مروره بوجه الكعبة، فإذا استلم الحجر الأسود أخذَ إلى جهة يمينه، فيصير البيت عن يساره، ويكمل سبعة أطواف. وهذا من العلم العام والسنة المتواترة الذي تلقَّته الأمة عن نبيها، وتوارثَتْه فيما بينها خلفًا عن سلف، وهو من تفسير رسول الله ﷺ معنى قوله: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، كما فسَّر أعداد الصلاة وأوقاتها. وقد تقدَّم في حديث جابر:

стр. 3086

«أن النبي ﷺ لما قدِمَ مكة أتى الحجر فاستلمه، ثم مشى على يمينه، فرمَلَ ثلاثًا، ومشى أربعًا». رواه مسلم. مسألة (١): (يرمُلُ في الثلاثة الأُوَل من الحجر إلى الحجر، ويمشي في الأربعة) . الأصل في ذلك: ما رُوي عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان (٢) إذا طاف بالبيت الطوافَ الأول خَبَّ ثلاثًا ومشى أربعًا، وكان يسعى ببطن المسيل (٣) إذا طاف بين الصفا والمروة (٤). وفي رواية: رملَ رسول الله ﷺ من الحجر إلى الحجر ثلاثًا، ومشى أربعًا (٥). وفي رواية: «رأيتُ رسول الله ﷺ إذا طاف في الحج أو العمرة أولَ ما يقدَمُ، فإنه يسعى ثلاثةَ أطوافٍ بالبيت ويمشي أربعةً» (٦) متفق عليهن. وقد تقدّم مثل ذلك في حديث جابر في صفة حجة الوداع، وهي آخر نُسكٍ فعله النبي ﷺ . وفي رواية: «رأيتُ رسول الله ﷺ رملَ من الحجر

стр. 3087

الأسود حتى انتهى إليه، ثلاثةَ أطواف». رواه مسلم (١). وأصل ذلك: ما روى ابن عباس قال: قدم رسول الله ﷺ وأصحابه، فقال المشركون: إنه يَقْدَمُ عليكم وقد (٢) وَهَنَتْهم حمَّى يثرب، وأمرهم النبي ﷺ أن يرمُلوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعه [أن يأمرهم] (٣) أن يرمُلُوا الأشواطَ كلها إلّا الإبقاءُ عليهم. متفق عليه. وهذا لفظ البخاري (٤). ولفظ مسلم (٥): «لما قدِمَ رسول الله ﷺ وأصحابه وقد وَهَنَتْهم حمَّى يثرب قال المشركون: إنه يقدَمُ عليكم غدًا قوم قد وهنَتْهم الحمّى، ولَقُوا منها شدّةً، فجلسوا مما يلي الحجر، وأمرهم النبي ﷺ أن يرمُلوا ثلاثةَ أشواط، ويمشوا ما بين الركنين، ليرى المشركون جَلَدَهم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمّى قد وهنَتْهم، هؤلاء أجلدُ من كذا وكذا. قال ابن عباس: ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرمُلوا الأشواطَ كلها إلا الإبقاءُ عليهم. وفي رواية عنه: «إنما رمَلَ رسول الله ﷺ ليُرِيَ المشركين قوتَه». متفق عليه (٦).

стр. 3088

فكان أول الرمَل هذا، ولذلك لم يرمُلوا بين الركنين اليمانيين؛ لأن المشركين كانوا من ناحية الحِجْر عند قُعَيْقِعَان لم يكونوا يرون مَنْ بين الركنين. وكان هذا في عمرة القضية، ثم اعتمر رسول الله ﷺ بعد ذلك عمرة الجِعرانة ومكةُ دار إسلام، ثم حجَّ حجة الوداع وقد نفى الله الشرك وأهله، ورمل من الحَجَر إلى الحجر، فكان هذا آخر الأمرين منه، فعُلِم أن الرمل صار سنةً. عن ابن عباس قال: رملَ رسول الله ﷺ في حجَّته وفي عُمَرِه كلها، وأبو بكر وعمر والخلفاء. رواه أحمد (١)، وقد رواه أبو داود في «مراسيله» (٢) عن عطاء: أن رسول الله ﷺ سعى في عُمَرِه كلها بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم أبو بكر وعمر وعثمان ﵃ والخلفاء هَلُمَّ جرًّا يسعَون كذلك. قال: «وقد أُسنِد هذا الحديث، وهذا الصحيح» (٣). وعن عمر أنه قال: «ما لنا وللرمَلِ؟ وإنما راءينا به المشركين وقد أهلكهم الله». ثم قال: «شيء صنَعه (٤) رسول الله ﷺ فلا نحبُّ أن نتركه».

стр. 3089

رواه البخاري وابن ماجه (١). وقد تقدّم عنه وعن ابن عباس في الاضطباع نحو ذلك. فصل قال أصحابنا: يُستحبّ للطائف الدنوُّ من البيت في الطواف، إلا أن يؤذي غيره أو يتأذّى بنفسه، فيخرج إلى حيث أمكنه، وكلّما كان أقرب فهو أفضل، وإن كان الأبعد أوسعَ مطافًا وأكثر خُطًى. فإن لم يمكنه الرمَلُ مع القرب لقوة الازدحام: فإن رجا أن يخفُّ الزَّحْم (٢) ولم يتأذَّ أحدٌ بوقوفه انتظر ذلك، ليجمع بين قربه من البيت وبين الرمل، فإن ذلك مقدَّم على مبادرته إلى تمام الطواف، وإن كان الوقوف لا يُشرع في الطواف. قال أحمد: فإن لم تقدر أن ترمل فقُمْ حتى تجد مسلكًا ثم ترمل. فإن لم يُمكِنه الجمعُ بين القرب والرمل، فقال القاضي وغيره: يخرج إلى حاشية المطاف فيرمل (٣)؛ لأن الرمل أفضل من القرب؛ لأنه هيئة في نفس العبادة، بخلاف القرب فإنه هيئة في مكانها. وقال ابن عقيل: يطوف قريبًا على حسب حاله؛ لأن الرمل هيئة، فهو كالتجافي في الركوع والسجود، ولا يترك الصف الأول لأجل تعذُّرها، فكذلك هنا لا يترك المكان القريب من البيت لأجل تعذُّر الهيئة.

стр. 3090

والأول ... (١)؛ لأن الرمل سنة [ق ٣٢٩] مؤكدة بحيث يُكره تركها، والطواف من حاشية المطاف لا يكره، بخلاف التأخُّر إلى الصف الثاني في الصلاة فإنه مكروه كراهةً شديدة. والفرق بين الصف الأول وبين داخل المطاف أن المصلّين في صلاة واحدة، ومن سنة الصلاة إتمام الصف الأول، بخلاف الطائفين فإن كل واحد يطوف منفردًا في الحكم، فنظير ذلك أن يصلّي منفردًا في قِبليّ المسجد مع عدم إتمام هيئات الصلاة، فإن صلاته في مؤخَّره مع إتمامها أولى. وأيضًا فإن تراصَّ الصفِّ وانضمامه سنة في نفسه، فاغْتُفِر في جانبها زوال التجافي، بخلاف ازدحام الطائفين فإنه ليس مستحبًّا، وإنما هو بحسب الواقع. وأيضًا فإن فضيلة الصف الأول ثبتت بنصوص كثيرة، بخلاف داخل المطاف، على أن المسألة التي ذكرها فيها نظر. فأما إن خاف إن خرج أن يختلط بالنساء طاف على حسب حاله، ولم يخرج. مسألة (٢): (وكلما حاذى الركن اليماني والحجر استلمهما، وكبَّر وهلَّل، ويقول بين الركنين: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]، ويدعو في سائره بما أحبَّ). في هذا الكلام فصول:

стр. 3091

أحدها أنه يستلم الركنين اليمانيين خاصة، ويكره استلام [غيرهما] (١). قال أحمد في رواية المرُّوذي (٢): «ولا تستلِمْ من الأركان شيئًا إلا ما كان من الركن اليماني والحجر الأسود، فإن زَحَمك الناس ولم يمكنك الاستلامُ فامضِ وكبِّر». وذلك لما روي عن ابن عمر قال: «لم أرَ النبي ﷺ يمَسُّ من الأركان إلا اليمانيين». رواه الجماعة إلا الترمذي (٣). وفي لفظٍ في «الصحيح» (٤): «لم أر رسول الله ﷺ يستلم (٥) من البيت ... » وفي لفظ (٦): «أن رسول الله ﷺ كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني». وعن نافع عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ لا يَدَعُ أن يستلم الركن اليماني والحجر في كل طوفةٍ، وكان عبد الله بن عمر يفعله. رواه أحمد وأبو داود والنسائي (٧). وفي لفظ لأحمد (٨): «كان رسول الله ﷺ يستلم هذين

стр. 3092

الركنين اليمانيين كلَّما مرَّ عليهما، ولا يستلم الآخَرَين». وعنه أيضًا قال: «ما تركتُ استلام هذين الركنين اليماني والحجر منذ رأيتُ رسول الله ﷺ يستلمهما، في شدةٍ ولا رخاءٍ». متفق عليه (١). وعن ابن عباس قال: «لم أر رسول الله ﷺ يستلم غير الركنين اليمانيين». رواه أحمد ومسلم (٢). وعن عبيد بن عمير أن ابن عمر كان يُزاحم على الركنين، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، إنك تزاحم على الركنين زحامًا ما رأيت أحدًا من أصحاب النبي ﷺ يزاحم عليه، قال: إنْ أفعلْ فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إن مسْحَهما كفارة للخطايا»، وسمعته يقول: «من طاف بهذا البيت أسبوعًا فأحصاه كان كعتق رقبةٍ»، وسمعته يقول: «لا يضعُ قدمًا ولا يرفع أخرى إلا حطَّ الله عنه بها خطيئة، وكتب له بها حسنةً». رواه الترمذي (٣) وقال: حديث حسن. وعن ابن عمر أنه قيل له: ما أراك تستلم إلا هذين الركنين، قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول (٤): «إنّ مسْحَهما يحطُّ الخطيئة». رواه أحمد

стр. 3093

والنسائي (١)، [وهذا] لفظه. وذلك لأن البيت لم يُتمَّم على قواعد إبراهيم، فالركنان اللذان يليان الحجر ليسا بركنين في الحقيقة، وإنما هما بمنزلة سائر الجدار، والاستلام إنما يكون للأركان، وإلا لاستُلِم جميع جدار البيت في الطواف. وأما تقبيل الركن اليماني ففيه ثلاثة أوجه: أحدها وهو المنصوص عن أحمد: أنه لا يقبِّله؛ قال عبد الله (٢): قلت لأبي ما يقبِّل الرجل (٣)؟ قال: يقبِّل الحجر الأسود، قلت لأبي: فالركن اليماني؟ قال: لا، إنما يستلم، ولا يقبّل إلا الحجر الأسود وحده. وكذلك قال في رواية الأثرم (٤): لا يقبِّل اليماني. وقال في رواية المرُّوذي: .... (٥)، وهذا قول أكثر أصحابنا مثل القاضي (٦) وأصحابه: مثل الشريف أبي جعفر (٧)، وأبي المواهب العكبري، وابن عقيل، وأبي الخطاب في «خلافه»، وغيرهم. وقال الخرقي (٨) وابن أبي موسى: يستلمه ويقبِّله كالحجر، قال ابن أبي

стр. 3094

موسى (١): يستلمه بفيه إن أمكنه، وإن لم يمكنه فبيده ويقبِّلها، قال: ولا يقبِّل إلا الركنين اليمانيين؛ لما روي عن ابن عباس قال: «كان النبي ﷺ يقبِّل الركن اليماني، ويضع خدَّه عليه». رواه الدارقطني (٢)، ورواه الأزرقي (٣) عن مجاهد مرسلًا، ومداره على عبد الله بن مسلم بن هرمز عن مجاهد. وقال أبو الخطاب (٤): يستلمه ويقبِّل يده، لما روي عن عمر بن قيس، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ استلم الحجر فقبَّله، واستلم الركن اليماني فقبَّل يده. رواه أبو بكر الشافعي في «الغيلانيات» (٥). والأول أصحُّ؛ لأن الذين وصفوا حجَّ رسول الله ﷺ وعُمَرَه ذكروا أنه كان [ق ٣٣٠] يستلم الحجر ويقبِّله، وأنه كان يستلم الركن اليماني، ولم يذكروا تقبيلًا، ولو قبَّله لنقلوه، كما نقلوه في الركن الأسود، لا سيما مع قوة اعتنائهم بضبط ذلك، وهذا ابن عمر أتبعُ الناسِ لما فعله رسول الله ﷺ في حجته لم يذكر إلا الاستلام.

стр. 3095

الفصل الثاني ما يقوله إذا استلم الركنين ، وتقدَّم عنه أنه يكبِّر، وقال في رواية عبد الله (١): إن قدر على الحجر استلمه، وإلا إذا حاذاه كبَّر ورفع يده ومضى. وقال ... (٢). مسألة (٣): (ثم يصلِّي ركعتين خلفَ المقام) . هذه السنة لكل طائفٍ أسبوعًا أن يصلِّي بعده ركعتين؛ لقوله سبحانه: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]. وعن ابن عمر قال: قدِمَ رسول الله ﷺ فطاف بالبيت سبعًا، وصلَّى خلف المقام ركعتين، ثم خرج إلى الصفا، وقد قال الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. متفق عليه (٤). وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: اعتمر رسول الله ﷺ فطاف بالبيت، وصلّى خلف المقام ركعتين ومعه من يستره من الناس، فقال له رجل: أَدخلَ رسول الله ﷺ الكعبةَ؟ قال: لا. رواه البخاري (٥).

стр. 3096

وهذا في عمرة القضية .... (١). مسألة (٢): (ويعود إلى الركن فيستلمه، ويخرج إلى الصفا من بابه) . وجملة ذلك: أن يختم الطواف باستلام الحجر، ثم يستلمه بعد ركعتي الطواف، سواء في ذلك (٣) طواف القدوم والزيارة والوداع؛ لأن في حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر عن النبي ﷺ : «حتى إذا أتينا البيتَ معه استلم الركن، فرملَ ثلاثًا ومشى أربعًا، ثم تقدَّم إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، فجعل المقامَ بينه وبين البيت، فكان أبي (٤) يقول: ــ ولا أعلم ذكرَه إلّا عن النبي ﷺ ــ كان يقرأ في الركعتين: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، ثم رجع إلى الركن فاستلَمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، «أبدأُ بما بدأ الله به»، فبدأ بالصفا، فرَقِيَ عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحَّد الله وكبّره، وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحدَه، أنجزَ وعدَه، ونصر عبدَه، وهزمَ الأحزاب وحدَه». ثم دعا بين ذلك، قال مثل هذا (٥) ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة، حتى انصبَّتْ

стр. 3097

قدماه في بطن الوادي، حتى إذا صعِدَتا مشى، حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخرُ طوافِه على المروة قال: «لو أني استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسُقِ الهديَ، وجعلتُها عمرةً، فمن كان منكم ليس معه هديٌ فليحِلَّ وليجعلْها عمرةً»، فقام سراقة بن جُعْشُم فقال: يا رسول الله، ألعامِنا هذا أم لأبدٍ؟ فشبَّك رسول الله ﷺ أصابعه واحدة في الأخرى، وقال: «دخلتِ العمرةُ في الحج» مرتين، «لا، بل لأبد الأبد»، وذكر الحديث، رواه مسلم (١) وغيره ... (٢). مسألة (٣): (ثم يخرج إلى الصفا من بابه، فيأتيه فيرقَى عليه، ويكبِّر الله ويهلِّله ويدعوه، ثم ينزِل فيمشي إلى العَلَم، ثم يسعى إلى العلم الآخر، ثم يمشي إلى المروة، فيفعل كفعله على الصفا ، ثم ينزل فيمشي في موضع مَشْيه، ويسعى في موضع سَعْيه، حتى يكمل سبعة أشواط، يحسب بالذهاب سعيةً (٤) وبالرجوع سعية، يفتتح بالصفا ويختم (٥) بالمروة). أما خروجه من باب الصفا، وهو الباب الأعظم الذي يواجه الصفا ... (٦).

стр. 3098

وأما [ق ٣٣١] رُقِيُّه على الصفا فلأن في حديث جابر: «أن النبي ﷺ رَقِيَ عليه حتى رأى البيت، واستقبل القبلة». ولهذا قال أصحابنا (١): إنه يرقَى على الصفا حتى يرى البيت ويستقبل القبلة، إلا أن هذا كان لما كانت الأبنية منخفضةً عن الكعبة. فأما الآن فإنهم قد رفعوا جدار المسجد، وزادوا فيه ما بينه وبين الصفا، حتى صار المسعى يلي جدار المسجد، وكان قبل ذلك بين المسجد والمسعى بناءٌ للناس، فاليوم لا يرى أحدٌ البيتَ من فوق الصفا، ولا من فوق المروة، نعم قد يراه من باب المسجد إذا خفض. فالسنة أن يكون على الصفا بحيث يتمكَّن من رؤية البيت لو كان البناء على ما كان. وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ لما فرغ من طوافه أتى الصفا، فعلَا عليه حتى نظر إلى البيت، ورفع يديه (٢) فجعل يحمد الله، ويدعو ما شاء أن يدعو. رواه مسلم وأبو داود (٣). ويُستحبُّ أن يرفع يديه، ويُسَنُّ أن يستقبل البيت في حال وقوفه على الصفا وعلى المروة، وكذلك في حال وقوفه بعرفة وبمزدلفة وبمنًى وبين الجمرتين؛ لأن في حديث جابر عن النبي ﷺ : «فاستقبل القبلة». وعن عروة قال: من السنة أن يصعد على (٤) الصفا والمروة، حتى يبدوَ

стр. 3099

له البيت فيستقبله (١). وعن عطاء أنه كان يقول: استقبل البيت من الصفا والمروة، ولا بدَّ من استقباله (٢). رواهما أحمد. ولأنه حالُ مُكْثٍ للذكر والدعاء، فاستُحِبَّ فيها استقبال القبلة كسائر الأحوال، وأوكد. ولأن الوقوف بالمشاعر نوع من الصلاة، وكذلك قال مجاهد في قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]: «إنها عرفة ومزدلفة ومنى ونحوهن» (٣)، فيُشرَع فيها استقبال القبلة كالصلاة التامة. ولأن المناسك هي حج البيت، فكان استقبال البيت وقتَ فعْلِها تحقيقًا لمعنى حج البيت وقصده. ولأن جميع العبادات البدنية الفعلية (٤) من القراءة والذكر والدعاء والصلاة والاعتكاف وذبح الهدي والأضحية يُسَنُّ استقبال الكعبة فيها، فما تعلَّق منها بالبيت أولى. وأما التكبير والتهليل والدعاء فقد ذكره جابر وغيره، وهو المقصود لما روت عائشة ... (٥).

стр. 3100

وأما صفة ذلك ففي رواية عن جابر أن النبي ﷺ كان إذا وقف على الصفا يكبِّر ثلاثًا، ويقول: «لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير»، يصنع ذلك ثلاث مراتٍ ويدعو، ويصنع على المروة مثل ذلك. رواه أحمد والنسائي (١). وقد تقدَّم في رواية مسلم أنه كان يقول مع هذا التوحيد: «لا إله إلا الله وحده، أنجزَ وعده، ونصر عبده، وهزمَ الأحزاب وحدَه»، وأنه يدعو بعد ذلك. وقال أحمد في رواية عبد الله (٢): إذا قدِمتَ مكةَ إن شاء الله فإن يحيى بن سعيد ثنا جعفر بن محمد ثنا أبي قال: أتينا جابر بن عبد الله فقال: استلم نبي الله ﷺ الحجر الأسود، ثم رمل ثلاثةً ومشى أربعةً، حتى إذا فرغ عَمَدَ (٣) إلى مقام إبراهيم، فصلّى خلفه ركعتين، ثم قرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، ثم استلم الحجر، وخرج إلى الصفا، ثم قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، ثم قال: «نبدأ بما بدأ الله به». فرقِيَ على الصفا حتى إذا نظر إلى البيت كبَّر، ثم قال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله أنجز وعدَه، وصدقَ عبدَه، وهزم الأحزابَ وحدَه». ثم دعا، ثم رجع إلى هذا الكلام، ثم دعا، ثم رجع

стр. 3101

إلى هذا الكلام، ثم نزل حتى إذا انصبَّت قدماه في الوادي رَمَل، حتى إذا صعدَ مشى حتى أتى المروة، فرقِيَ عليها حتى نظر إلى البيت، فقال عليها مثل ما قال على الصفا، فلما كان السابعُ عند المروة قال: «يا أيها الناسُ لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسُقِ الهديَ ولجعلتُها عمرة، فمن لم يكن معه هديٌ فليحلَّ وليجعلها عمرة». فحلَّ الناس كلهم. فعلى حديث جابر الذي اعتمده أحمد يكبِّر ويهلّل (١) على لفظ الحديث، ثم يدعو ثم يكبر ويهلّل، ثم يدعو ثم يكبر ويهلّل (٢)، فيفتتح (٣) بالتكبير والتهليل، ويختم به، ويكرِّره ثلاث مرات، والدعاء بينه (٤) مرتين، ولفظ التكبير في كل مرة ثلاثًا، كما جاء في بعض الروايات، ولفظ التهليل مرتين، مع ما فيه من زيادة الحمد والثناء. وعلى هذا يكون التكبير تسعًا، والتهليل ستًّا، والدعاء مرتين. ولفظ «الصحيح» (٥): «له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير». وفي رواية للنسائي (٦) عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: «نبدأ بما بدأ الله

стр. 3102

به»، فبدأ بالصفا، فرَقِيَ عليها حتى بدا له البيت، فقال ثلاث مرات: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير»، وكبَّر الله وحمِده، ثم دعا بما قُدِّر له، ثم نزل ماشيًا حتى تصوَّبتْ قدماه في بطن المسيل، [ق ٣٣٢] فسعى حتى صعدت قدماه، ثم مشى حتى أتى المروة، فصعد فيها، ثم بدا له البيت، فقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير»، قال ذلك ثلاث مرات، ثم ذكر الله وسبَّحه وحمِدَه، ثم دعا عليها بما شاء الله، فعلَ هذا حتى فرغ من الطواف. وفي حديث أبي هريرة المتقدم (١): «أنه رفع يديه، فجعل يحمد الله، ويدعو بما شاء الله أن يدعو». فهذا الحمد يمكن (٢) أن يكون هو الحمد الذي في ضمن التهليل، كما دلَّ عليه الرواية المفسرة، وعليه كلام أحمد، ويمكن أن يكون غيره. وذكر القاضي وأبو الخطاب وجماعة من أصحابنا: أنه يكبِّر ثلاثًا (٣)، قال القاضي: يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا، الحمد لله على ما هدانا. وقال أبو الخطاب (٤) وغيره: يكبِّر ثلاثًا، ويقول: الحمد لله على ما

стр. 3103

هدانا، ثم ابتدأ (١): «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير. (زاد أبو الخطاب: «وهو حيٌّ لا يموت»، ومنهم من لم يذكر إلّا «له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» كما جاء في أكثر الأحاديث) (٢) لا إله إلا الله وحده (زاد أبو الخطاب: لا شريك له) صدقَ وعدَه، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، لا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون». ثم يلبِّي ويدعو بما أحبَّ من دين ودنيا، ثم يُعيد الدعاء، ثم يلبِّي ويدعو بما أحبَّ من (٣) دين ودنيا، يأتي بذلك ثلاثًا. فعلى هذا يكون التكبير والتهليل تسعًا تسعًا، والدعاء ثلاثًا. ومنهم من لم يذكر إلا التكبير والتهليل ثلاثًا، والدعاء مرةً، ولم يذكر أنه يكرِّر ذلك ثلاثًا منهم [إلا] (٤) الأثرم وحده (٥). وقد استحبَّ أحمد في رواية المرُّوذي وغيره لما (٦) روي عن ابن عمر، فقال أحمد: ثم تصعد (٧) على الصفا، وقِفْ حيث (٨) تنظر إلى البنيان إن

стр. 3104

أمكنك ذلك، وقل: الله أكبر سبع مرات، ترفع بهن صوتك، وتقول: «لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حيٌّ لا يموت (١)، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله وحده، أنجز وعدَه، ونصر عبدَه، وهزمَ الأحزابَ وحده. لا إله إلا الله، ربّنا وربّ آبائنا الأولين، اللهم اعصِمْني بدينك». وذكر دعاء ابن عمر نحوًا مما يأتي، وفي آخره: «اللهم إنّا قد دعوناك كما أمرتَنا، فاستجبْ لنا كما وعدتَنا، واقضِ لنا حوائج الدنيا والآخرة». وقد روى بإسناد في رواية عبد الله (٢): قثنا إسماعيل بن إبراهيم، أبنا أيوب، عن نافع قال: كان ابن عمر (٣) إذا انتهى إلى ذي طُوًى بات به حتى يصبح، ثم يصلّي الغداةَ ويغتسل، ويحدِّث أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك، ثم يدخل مكة ضُحًى، ويأتي البيتَ فيستلم الحجرَ ويقول: بسم الله، الله أكبر، فإذا استلم الحجر رمل ثلاثةَ أطوافٍ يمشي ما بين الركنين، وإذا أتى على الحجر استلمه وكبَّر أربعةَ أطوافٍ مشيًا، ثم يأتي المقام فيصلِّي خلفه ركعتين، ثم يرجع إلى الحجر فيستلمه (٤)، ثم يخرج إلى الصفا من الباب الأعظم، فيقوم عليه، فيكبِّر سبعَ مرات ثلاثًا ثلاثًا، يكبّر ثم يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. لا إله

стр. 3105

إلا الله، ولا نعبد إلا إيّاه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون». ثم يدعو يقول: «اللهم اعصِمْني بدينك وطواعيتك وطواعية رسولك. اللهم جنِّبني حدودَك، اللهم اجعلْني ممن يحبُّك ويحبُّ ملائكتك ويحبُّ رسلك، ويحبُّ عبادك الصالحين. اللهم حبِّبني إليك وإلى ملائكتك وإلى رسلك (١)، وإلى عبادك الصالحين، اللهم يسِّرني لليسرى وجنِّبني العسرى، واغفِرْ لي في الآخرة والأولى، واجعلْني من أئمة المتقين، واجعلْني من ورثة جنة النعيم، واغفِرْ لي خطيئتي يوم الدين، اللهم إنك قلتَ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]،وإنك لا تُخلِف الميعاد، اللهم إذْ هديتَني للإسلام فلا تنزِعْه مني، ولا تنزِعْني منه حتى تَوفَّاني وأنا على الإسلام، اللهم لا تُقدِّمني لعذاب، ولا تؤخِّرني لسيئ الفتن».ويدعو بدعاء كثير حتى إنه ليُمِلُّنا وإنّا لشباب، وكان إذا أتى على المسعى سعى وكبَّر. [و] رواه الطبراني بإسناد صحيح (٢)، وفي لفظه (٣): «وكان يدعو بهذا مع دعاء له طويل على الصفا والمروة وبعرفات وبين الجمرتين وفي الطواف». قال أحمد في رواية [عبد الله] (٤): يدعو على الصفا بدعاء ابن عمر، وكلُّ ما دعا به أجزأه. وقال في المروة: ويكثر من الدعاء.

стр. 3106

وحديث ابن عمر هذا يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أن (١) يكبِّر ثلاثًا، ثم يهلِّل، ثم يدعو، يكرِّر ذلك سبع مرات. والثاني: أن يكبِّر سبع مرات، ثم يهلِّل، ثم يدعو فقط، وهو ظاهر رواية المرُّوذي. والثالث: أن يكبِّر ثلاثًا ثلاثًا سبع مرات، ثم يهلِّل، ثم يدعو. وهو ظاهر ما رواه أحمد واستحبَّه. وعلى هذين هل يكرِّر ذلك ثلاثًا؟ ... (٢). وإنما استحبَّ هذا لأن ابن عمر ﵄ كان شديدَ الاقتفاء لأثر رسول الله ﷺ خصوصًا في النُّسك؛ فإنه كان من أعلم الصحابة بها (٣)، فالاقتصار على عددٍ دون عددٍ يُشبه أن يكون إنما فعله توقيفًا (٤)؛ ولأن عدد الأفعال [ق ٣٣٣] سبع، فاستحبّ إلحاق الأقوال بها. ومن رجَّح هذا قال: أكثر الروايات في حديث جابر ليس فيها توقيتُ تكبير، ولعل حديث ابن عمر كان في بعض عُمَرِ النبي ﷺ ، أو لعل قول جابر: «كبَّر ثلاثًا» أي ثلاثَ نوباتٍ، ويكون كل نوبةٍ سبعًا. وأما الدعاء فقد استحبَّ أبو عبد الله دعاء ابن عمر، إذ ليس في الباب مأثورٌ غيره.

стр. 3107

والسنةُ رفعُ الصوت بالتكبير، نصَّ عليه (١)؛ لأن جابرًا سمع ذلك من النبي ﷺ ، ولولا جَهْرُه به لم يسمعوه. ولأنه شَرَفٌ (٢) من الأشراف، والسنةُ الجهرُ بالتكبير على الأشراف (٣). وأما الدعاء فلا يرفع به صوته؛ لأن سنة الدعاء السِّر، كما قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، وكما قال تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣]، ولذلك لم يذكر جابر ولا غيره عن النبي ﷺ لفظَ دعائه، حيث لم يسمعوه. وأما جهره بذلك حيث يسمع القريب منه فجائز، كما فعل ابن عمر، فإن كان فيه مقصودٌ صالح وإلا إسراره أفضل. وأما التلبية على الصفا والمروة في أثناء الذكر والدعاء، فقد استحبَّها القاضي وأبو الخطاب (٤) وغيرهما (٥)؛ لأن وقت التلبية باقٍ، وهو موطن ذكرٍ، فاستحبّ فيه التلبية، كما لو علا على شَرَفٍ غيرِ الصفا والمروة وأولى، لامتياز هذين الشَّرَفين بتوكيد الذكر. ولم يذكر أحمد وأكثر أصحابه مثل الأثرم هنا استحبابَ تلبية. وهذا

стр. 3108

أجود؛ لأن الذين أخبروا عن دعاء النبي ﷺ على الصفا والمروة ذكروا أنه كبَّر وهلَّل ودعا وحمِدَ الله، وقال بعضهم: سبَّح. ولو كان قد لبَّى لذكروه، فعُلِم أنه لم يُلبِّ، ولو كانت التلبية من سنة هذا الموقف لفعله رسول الله ﷺ كما فعل التكبير والتهليل. وأيضًا فإن التلبية مشروعة في عموم الإحرام، ولهذا المكان ذِكرٌ يختصُّه (١)، فلم يزاحم بغيره. وأيضًا فإن التلبية شعار المجيب للداعي، فشُرِع له ما دام يسير ويسعى إلى المقصد، فإذا بلغ مكانًا من الأمكنة التي دُعِي إليها فقد وصل إلى المقصود (٢)، فلا معنى للتلبية ما دام فيه، فإذا خرج منه وقصد مكانًا آخر لبَّى. ولهذا لم يُنقل عن النبي ﷺ أنه لبَّى بالمواقف، وإنما لبَّى حتى بلغ عرفة، فلما أفاض منها لبَّى إلى جَمْع، ثم لم يُنقل أنه لبَّى بها إلى أن رمى جمرة العقبة. فعلى هذا هل تكره التلبية؟ ... (٣). وهذا الكلام فيما إذا كان في حجّ أو قرانٍ، فأما إن كان معتمرًا عمرةً مفردة أو عمرةَ تمتُّعٍ، فإنه يقطع التلبية إذا استلم الحجر، فلا يلبِّي بعد ذلك في طوافٍ بالبيت ولا بين الصفا والمروة. وهذا هو (٤) المذهب المنصوص المشهور.

стр. 3109

وذكر القاضي في «المجرد» وأبو الخطّاب وغيرهما التلبيةَ على الصفا والمروة مطلقًا، ثم قالوا بعد ذلك (١): «فإن كان معتمرًا أو متمتعًا»، و «إن كان مفردًا أو قارنًا». وقد روى الأزرقي (٢) بإسناد صحيح عن مسروق، قال: «قدمتُ معتمرًا مع عائشة ﵂ وابن مسعود، فقلتُ: أيَّهما ألزمُ؟ ثم قلت: ألزمُ عبد الله بن مسعود، ثم آتي أمَّ المؤمنين فأسلِّم عليها، فاستلم عبد الله بن مسعود الحجر، ثم أخذ على يمينه، ورمل ثلاثة أطواف ومشى أربعة، ثم أتى المقام فصلّى ركعتين، ثم عاد إلى الحجر فاستلمه، وخرج إلى الصفا، فقام على صَدْعٍ (٣) فيه فلبَّى. فقلتُ له: يا أبا عبد الرحمن، إن ناسًا من أصحابك ينهون عن الإهلال هاهنا، قال: ولكني آمرُك به، هل تدري ما الإهلال؟ إنما هي استجابة موسى ﵇ لربه ، قال: فلما أتى الوادي رَملَ، قال: «ربِّ اغفر وارحَمْ، إنك أنت الأعزُّ الأكرم» (٤). والصوابُ الأول؛ لما تقدَّم عن النبي ﷺ أنه كان يلبِّي في عمرته حتى يستلم الحجر. وأثر ابن مسعود قد خالفه فيه عدة من أصحاب رسول الله ﷺ كما ذكره مسروق، وإذا تنازع أصحاب رسول الله ﷺ كانت السنة قاضيةً بينهم. وليس هو صريحًا بأن ابن مسعود كان معتمرًا، وإنما الصريح فيه أن

стр. 3110

مسروقًا كان هو المعتمر؛ لكن الظاهر أنه كان معتمرًا أيضًا، لأنهم إذ ذاك إنما كانوا يُحرِمون بعمرة في غير (١) أشهر الحج (٢)، كما كان عمر قد أمرهم به. وظاهره أن أكثر أصحاب النبي ﷺ كانوا ينهون عن الإهلال على الصفا مطلقًا في الحج والعمرة، كما تقدم. فصل وأما كون الطواف بالصفا والمروة سبعًا، وأن يحسب بالذهاب مرةً وبالعود مرةً، فيفتتح بالصفا ويختم به (٣)؛ فيكون وقوفه على الصفا أربع مرات، وعلى المروة أربعًا= فهي سنة رسول الله ﷺ المنقولة نقلًا عامًّا مستفيضًا، كما تقدّم أنه طاف سبعًا ختم بالمروة، وعليها كان التقصير والإحلال، [ق ٣٣٤] وعندها أمر أصحابه بالإحلال من إحرامهم. وأما صفة السعي بين الصفا والمروة، ففي حديث جابر عن النبي ﷺ : «ثم نزلَ يعني من الصفا، حتى إذا انصبَّتْ قدماه في بطن الوادي رمَلَ، حتى إذا صعِدتا مشى حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخرُ طوافٍ على المروة». رواه مسلم (٤) وغيره. وفي رواية للنسائي (٥): «ثم نزل ماشيًا، حتى تصوَّبتْ قدماه في بطن (٦)

стр. 3111

المَسِيل، فسعى حتى صعدتْ قدماه، ثم مشى حتى أتى المروةَ فصعِدَ فيها، ثم بدا له البيتُ». وتقدَّم حديث ابن عمر: «أن النبي ﷺ كان إذا طاف بالبيت الطوافَ الأول خبَّ ثلاثًا ومشى أربعًا، وكان يسعى ببطنِ المَسِيل إذا طاف بين الصفا والمروة». متفق عليه (١)، ولفظ البخاري: «بطنَ المسيل». وعن علي أنه رأى النبي ﷺ يسعى بين الصفا والمروة في المسعى، كاشفًا عن ثوبه قد بلغ إلى ركبتيه. رواه أحمد (٢). وعن صفية بنت شيبة [عن امرأةٍ منهم أنها رأت النبي ﷺ من خَوْخَةٍ (٣) وهو يسعى في بطن المسيل، وهو يقول: «لا يُقطع الأبطحُ إلا شَدًّا»] (٤). وذكر أصحابنا القاضي ومَن بعده أنه يسعى ببطن المسيل سعيًا شديدًا. ولفظ أحمد (٥): «وامْشِ حتى تأتي العَلَم الذي في بطن الوادي، فارمُلْ من

стр. 3112

العَلَم إلى العَلَم». وكذلك قال الأثرم: يسعى بين الميلين الأخضرين أشدَّ من الرَّمَل قليلًا، ويقول في رَمَله: «ربِّ اغفرْ وارحمْ، إنك أنت الأعزُّ الأكرم». وقد حدَّد الناس بطنَ الوادي الذي كان النبي ﷺ يسعى فيه بأن نصبوا في أوله وآخره أعلامًا، وتُسمَّى أميالًا، ويُسمَّى واحدها المِيْل الأخضر؛ لأنهم ربما لطخوه بلون خُضرةٍ ليتميز لونه للساعي، وربما لطخوه بحمرة. فأول المسعى حدُّ الميل المعلَّق بركن المسجد، هكذا ذكر كثير من المصنفين، وآخره الميلان المتقابلان؛ أحدهما بفِناء المسجد بحِيال دار العباس، هكذا في كثير من الكتب المصنفة؛ لأنه كان (١) كذلك في ذلك الوقت. واليومَ هي أربعة أميال: ميلان متقابلان أحمران أو أخضران عليهما كتابة، ثم ميلان أخضران. والدار المذكورة هي اليوم خَرِبةٌ؛ لكن الأعلام ظاهرة معلَّقة لا يَدْرُس عَلَمُها. وقد ذكر القاضي وأبو الخطاب (٢) وجماعة من أصحابنا أن أول المسعى من ناحية الصفا قبل أن يصل إلى الميل بنحوٍ من ستة أَذْرُع، وآخره محاذاة الميلين الآخرين. ولفظ أحمد: «ارمُلْ من العَلَم إلى العَلَم» كما ذكره الشيخ، وهكذا ذكر ... (٣). فصل ويُستحبُّ أن يذكر الله في السعي بين الصفا والمروة، قال أحمد في رواية

стр. 3113

المرُّوذي: ثم انحدِرْ من الصفا، وقلْ: «اللهم استعمِلْني بسنة نبيك، وتوفَّني على ملَّته، وأعِذْني من مُضِلَّات الفتن»، وامْشِ حتى تأتي العَلَم الذي ببطن الوادي، فارمُلْ من العَلَم إلى العَلَم، وقُلْ في رَمَلك: «ربِّ اغفر وارحمْ، وتجاوزْ عما تعلم، واهدِني للتي هي أقوم، إنك أنت الأعزُّ الأكرم. اللهم نَجِّنا من النار سِراعًا سالمين، وأدخِلْنا الجنة بسلام آمنين»، وامشِ حتى تأتي المروةَ، فتصعد عليها، وتقف منها حيثُ تنظر إلى البيت، ثم تكبِّر أيضًا، وتدعو بما دعوتَ به على الصفا، ثم تقول: «اللهم إني أعوذ بك من الفواحش ما ظهر منها وما بطن». وما دعوتَ به أجزأك، تفعلُ ذلك ثلاث مرات. وقال أحمد (١): كان عبد الله بن مسعود إذا سعى بين الصفا والمروة قال: «رب اغفر وارحم، وأنت الأعزُّ الأكرم». وقد تقدَّم ذلك عن ابن مسعود، وتقدَّم عن ابن عمر أنه كان إذا أتى على المسعى سعى وكبَّر. فصل وليس على النساء سعيٌ بين العَلَمين، ولا صعودٌ على الصفا والمروة، كما أنه ليس عليهن في الطواف رَمَلٌ ولا اضطباع؛ لأن المرأة مأمورة بالستر ما أمكن، وفي رَمَلِها ورُقِيِّها تعرُّضٌ لظهورها. فإن فعلتْ ذلك ... (٢). ومن أهلَّ بالحج من أهل مكة لم يكن عليه سعيٌ بين العَلَمين، كما لا رمَلَ عليه في الطواف. قاله ابن أبي موسى (٣).

стр. 3114

مسألة (١): (ثم يُقصِّر من شعره إن كان معتمرًا، وقد حلَّ إلا المتمتع إن كان معه هديٌ، والقارن والمفرد فإنه لا يحلُّ) . وجملة ذلك: أنه إذا طاف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد جاز له (٢) أن يحلّ من إحرامه ما لم يكن معه هديٌ، سواء كان قد أحرم بعمرة أو بحج أو بعمرة وحج كما تقدم، وكما سنَّه رسول الله ﷺ لأمته في حجة الوداع؛ لكن إن أحبَّ المفرد والقارن أن يبقيا على إحرامهما فلهما ذلك كما تقدم. ومعنى قول الشيخ: إلا المتمتع السائق والمفرد والقارن، يعني لا يقصِّرون ولا يحِلُّون؛ لكن من ساق الهدي فلا يَحِلُّ له الإحلال، والمفرد والقارن لا يجب عليهما الإحلال. ويجوز أن يكون معنى كلامه: أنه ما دام ناويًا للإفراد [ق ٣٣٥] والقران لم يَجزْ له الإحلالُ، وإنما يجوز له الإحلال إذا نوى الإحلال بعمرةٍ وفسخ نية الحج، وحينئذٍ لا يصير مفرِدًا ولا قارنًا. وأما المحرم بعمرة فإن لم يكن متمتعًا ــ بأن يكون قد أحرم بها قبل أشهر الحج أو في أشهر الحج، وهو لا يريد الحج من عامِه ــ فهذا يحِلُّ إحلالًا تامًّا؛ فيحلق شعره، وينحر هديه عند المروة وغيرها من بقاع مكة، وإن قصَّر جاز، كما فعل النبي ﷺ في عمرة القضية وعمرة الجعرانة. وقول الشيخ: «ثم يقصِّر من شعره» على هذا إما أن يكون أراد به بيان أدنى ما يتحلَّل به، أو ذكر التقصير لما اشتمل كلامه على المعتمر، متمتعًا كان أو مفردًا لعمرته.

стр. 3115

وأما المعتمر عمرةَ التمتع إذا لم يكن قد ساق الهدي فإنه يحلُّ إحلالًا تامًّا، سواء كان قد نوى التمتع في أول إحرامه أو في أثنائه، أو طاف للقدوم وسعى ثم بدا له التمتع؛ لكن يُستحبُّ أن يقصِّر من شعره، ويؤخِّر الحلاق إلى إحلاله من الحج، فيكون قد قصَّر في عمرته وحلَق في حجته، ولو حلق أولًا لم يمكنه في الحج حَلْقٌ ولا تقصير. وبذلك أمر النبي ﷺ أصحابه، فعن جابر بن عبد الله أنه حجَّ مع النبي ﷺ يومَ ساقَ البُدْنَ معه، وقد أهلُّوا بالحج مفرَدًا، فقال لهم: «أَحِلُّوا من إحرامكم بطوافٍ بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم أقيموا حلالًا حتى إذا كان يومُ التروية فأهِلُّوا بالحج، واجعلوا التي قدِمْتم بها متعة». فقالوا: كيف نجعلها متعةً وقد سمَّينا الحج؟ فقال: «افعلوا ما أمرتُكم، فلولا أني سُقْتُ الهديَ لفعلتُ مثل الذي أمرتُكم، ولكن لا يَحِلُّ مني حرام حتى يبلغ الهديُ مَحِلَّه»، ففعلوا. وعن ابن عمر وعائشة أن رسول الله ﷺ قال للناس: «من كان منكم أهدى فإنه لا يحلُّ من شيء حَرُمَ منه حتى يقضي حجّه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطُفْ بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصِّرْ وليحلِلْ، ثم ليُهِلَّ بالحج وليُهْدِ»، الحديث. متفق عليهما (١). وقد تقدَّمت الأحاديث أنه أمرهم أن يَحِلُّوا الحلَّ كلَّه، وأنهم لبسوا الثياب، وأتوا النساء. ولو حلق جاز، وقد روى يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن ابن عباس قال: أهلَّ النبي ﷺ بالحج، فلما قدِمَ طاف بالبيت وبين الصفا والمروة، ولم

стр. 3116

يقصِّر ولم يحِلَّ من أَجْلِ الهدي، وأمرَ من لم يكن ساق الهدي أن يطوف وأن يسعى، ويقصِّر أو يَحْلِق. رواه أبو داود (١). فصل وأما من ساق الهدي ففيه ثلاث روايات: إحداهن: لا ينحر هديه، ولا يحلُّ من إحرامه بتقصيرٍ ولا غيره إلى يوم النحر، سواء قدِمَ مكة (٢) في العشر أو قبله. قال في رواية حنبل (٣): إذا قدِمَ في أشهر الحج وقد ساق الهدْيَ لا يحلُّ حتى ينحره، والعشر أوكَدُ، إذا قدِمَ في العشر لم يحلَّ؛ لأن رسول الله ﷺ قدِمَ في العشر ولم يحلَّ. وهذه الرواية هي المشهورة عند أصحابنا، فيُمْنَع من الإحلال والنحر، سواء كان مفرِدًا للحج أو متمتعًا أو قارنًا. وهذا مما استفاض عن رسول الله ﷺ ، وقد تقدَّم ذِكرُ ذلك في حديث ابن عمر وعائشة: «تمتَّع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى، فساق معه الهديَ من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله ﷺ فأهلَّ بالعمرة، ثم أهلَّ بالحج، وتمتَّع الناس مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يُهْدِ، فلما قدِمَ رسول الله ﷺ مكةَ قال للناس: «من كان منكم أهدى فإنه لا يحلُّ من شيء حَرُم منه حتى يقضي حجَّه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطُفْ بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصِّرْ وليحلِلْ، ثم ليُهِلَّ بالحج،

стр. 3117

فمن لم يجدْ [هديًا] فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله». وذكر الحديث إلى أن قال: ثم لم يحلِلْ من شيء حَرُمَ منه حتى قضى حجَّه، ونحر هدْيَه يوم النحر. متفق عليه (١). وعن عائشة قالت: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فمنّا من أهلَّ بعمرة، ومنّا من أهلَّ بحج، فقدمنا مكة، فقال رسول الله ﷺ : «من أحرم بعمرة ولم يُهْدِ فليحِلَّ، ومن أحرم بعمرة فأهدى فلا يحِلّ حتى يحلَّ نحرُ هَدْيِه، ومن أهلَّ بالحج فلْيُتِمَّ حجَّه». متفق عليه. وقد تقدَّمت الأحاديث عن ابن عباس وجابر والبراء وغيرهم أن النبي ﷺ أمر جميع أصحابه أن يحِلُّوا إلا من ساق الهدي. وفي روايةٍ لابن عباس: «أهلَّ النبي ﷺ بعمرة، وأهلَّ أصحابه بحجٍّ، فلم يحلَّ النبي ﷺ ولا من ساق الهدي من أصحابه، وحلَّ بقيّتهم، وكان طلحة بن عبيد الله فيمن ساق الهدي فلم يحلَّ». رواه مسلم. وعن أسماء قالت: قال رسول الله ﷺ : «من كان معه هديٌ فليُقِمْ على إحرامه، ومن لم يكن معه هديٌ فليحِلَّ»، ولم يكن معي هديٌ فحللتُ، وكان مع الزبير هديٌ فلم يحلَّ. رواه مسلم. وعن أبي موسى أنه أهلَّ بإهلال النبي ﷺ ، قال: فقدمتُ عليه، فقال: «هل سُقْتَ من هَدْيٍ؟» قلت: لا، قال: «فطُفْ بالبيت وبالصفا و [ق ٣٣٦] المروة».

стр. 3118

وكان علي قد أهلَّ بإهلال النبي ﷺ وساق الهدي فلم يحلَّ، وقد تقدَّم ذلك. فهذه الأحاديث نصوصٌ في أن من ساق الهدي لا يحلُّ إلى يوم النحر، سواء كان متمتعًا أو مفردًا أو قارنًا؛ لأن النبي ﷺ منع كل من ساق الهدي من الإحلال، وقد كان فيهم المتمتع والمفرد والقارن، ولم يستثنِ المتمتع، ولو جاز الحِلُّ للمتمتع لوجب استثناؤه وبيان ذلك؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. ولأنه جعل سَوْقَ الهدي هو المانع من الإحلال, ولم يعلِّق المنعَ بغيره، فعُلِم أنه مانع في حق المتمتع كما أنه مانع من الفسخ في حقّ المفرِد والقارن، إذ لو كان هناك مانع آخر لبيَّنه. ولأن كل من جاز له الفسخ ــ سواء كان خاصًّا في حقّ الصحابة أو عامًّا للمسلمين إلى يوم القيامة ــ بمنزلة المتمتع في جواز الإحلال، فلما منع أصحاب الهدي من الإحلال عُلِم أن سَوْق الهدي مانع من الإحلال، حيث يجوز الحلُّ لغير السائق. ولأن حديث عائشة نص خاص في أن (١) المتمتع إذا ساق الهدي لا يحلُّ حتى ينحرَ هدْيَه ويقضي حجَّه (٢). وأيضًا فإن الله سبحانه قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، والحلق هو أول التحلُّل بمنزلة السلام من الصلاة، ولذلك قال النبي ﷺ : «إني لبَّدتُ رأسي وقلَّدتُ هديي، فلا أحِلُّ حتى أنحر»، وقال لأصحابه: «من

стр. 3119

ساق الهديَ فلا يحلُّ إلى يوم النحر»، فعُلِم أن الإحلال والنحر لا يكون إلى (١) يوم النحر، فعُلِم أنه لا يجوز الإحلال حتى يحلَّ نحْرُ الهدي، ولا يحلُّ نحْرُ الهدي إلى يوم النحر كما بيَّنه النبي ﷺ ؛ وذلك لأن نحر الهدي من أسباب التحلُّل، وتقليده له وسَوْقه بمنزلة الإحرام للرجل، ونَحْره بمنزلة الإحلال للرجل؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]، ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]، ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. والمَحِلُّ: مشتقّ من الحلّ، وذاك بإزاء الحرم، فعُلِم أنه ذو حرمٍ، وإنما ينقضي الإحرام يوم النحر لأن المتمتع إنما يتمُّ نسكه بالحج. والرواية الثانية: أن سائق الهدي يحلُّ ليقصِّر من شعر رأسه إن شاء، فأما غير ذلك من محظورات الإحرام فلا. قال في رواية أبي طالب (٢) في الذي يعتمر قارنًا أو متمتعًا ومعه الهدي: قصِّرْ من شعرك، ولا تمسَّ شاربك ولا أظفارك ولا لحيتك، كما فعل النبي ﷺ ، فإن شاء لم يفعلْ، وإن شاء أخذ من شعر رأسه وهو حرام. فقد بيَّن أنه يحلُّ من التقصير فقط، ولا يحلُّ من جميع المحظورات، كما يحلُّ الحاجُّ إذا رمى من بعض المحظورات؛ وذلك لما روى ابن عباس عن معاوية بن أبي سفيان قال: قصَّرتُ عن رسول الله ﷺ بمِشْقَصٍ. رواه البخاري (٣)، ورواه مسلم وأبو داود والنسائي (٤) عن ابن عباس قال: قال لي

стр. 3120

معاوية: إني قصَّرتُ من رأس (١) رسول الله ﷺ عند المروة بمِشْقَصٍ، فقلت له: لا أعلم هذه إلا حجةً عليك. وعن ابن عباس أيضًا قال: تمتَّع رسول الله ﷺ حتى مات، وأبو بكر حتى مات، وعمر حتى مات، وعثمان حتى مات، وكان أول من نهى عنها معاوية، قال ابن عباس: فعجبتُ منه، وقد حدَّثني أنه قصَّر عن رسول الله ﷺ بمِشْقَصٍ. رواه أحمد والترمذي (٢)، وقال: «حديث حسن». وفيه ليث بن [أبي] سُليم. وعن قيس بن سعد عن عطاء عن معاوية قال: أخذتُ من أطراف شعر رسول الله ﷺ بمِشْقَصٍ كان معي، بعدما طاف بالبيت وبالصفا والمروة في أيام العشر. قال قيس: والناس يُنكِرون هذا على معاوية. رواه النسائي (٣)، وروى أحمد (٤) نحوه. وأيضًا فإن قضاء العمرة يقتضي الإحلال، وسَوْق الهدي يقتضي بقاء الإحرام، فحلَّ بالتقصير خاصةً توفيةً لحقِّ العمرة ولتتميَّزَ عن الحج، وبقي على إحرامه من سائر المحظورات لأجْلِ سَوْقِ الهدي، لا سيما والتقصير متردّد بين النسك المحض وبين استباحة المحظورات.
следующие страницы →