← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

يقصِّر ولم يحِلَّ من أَجْلِ الهدي، وأمرَ من لم يكن ساق الهدي أن يطوف وأن يسعى، ويقصِّر أو يَحْلِق. رواه أبو داود (١). فصل وأما من ساق الهدي ففيه ثلاث روايات: إحداهن: لا ينحر هديه، ولا يحلُّ من إحرامه بتقصيرٍ ولا غيره إلى يوم النحر، سواء قدِمَ مكة (٢) في العشر أو قبله. قال في رواية حنبل (٣): إذا قدِمَ في أشهر الحج وقد ساق الهدْيَ لا يحلُّ حتى ينحره، والعشر أوكَدُ، إذا قدِمَ في العشر لم يحلَّ؛ لأن رسول الله ﷺ قدِمَ في العشر ولم يحلَّ. وهذه الرواية هي المشهورة عند أصحابنا، فيُمْنَع من الإحلال والنحر، سواء كان مفرِدًا للحج أو متمتعًا أو قارنًا. وهذا مما استفاض عن رسول الله ﷺ ، وقد تقدَّم ذِكرُ ذلك في حديث ابن عمر وعائشة: «تمتَّع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى، فساق معه الهديَ من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله ﷺ فأهلَّ بالعمرة، ثم أهلَّ بالحج، وتمتَّع الناس مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يُهْدِ، فلما قدِمَ رسول الله ﷺ مكةَ قال للناس: «من كان منكم أهدى فإنه لا يحلُّ من شيء حَرُم منه حتى يقضي حجَّه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطُفْ بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصِّرْ وليحلِلْ، ثم ليُهِلَّ بالحج،

стр. 3117

فمن لم يجدْ [هديًا] فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله». وذكر الحديث إلى أن قال: ثم لم يحلِلْ من شيء حَرُمَ منه حتى قضى حجَّه، ونحر هدْيَه يوم النحر. متفق عليه (١). وعن عائشة قالت: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فمنّا من أهلَّ بعمرة، ومنّا من أهلَّ بحج، فقدمنا مكة، فقال رسول الله ﷺ : «من أحرم بعمرة ولم يُهْدِ فليحِلَّ، ومن أحرم بعمرة فأهدى فلا يحِلّ حتى يحلَّ نحرُ هَدْيِه، ومن أهلَّ بالحج فلْيُتِمَّ حجَّه». متفق عليه. وقد تقدَّمت الأحاديث عن ابن عباس وجابر والبراء وغيرهم أن النبي ﷺ أمر جميع أصحابه أن يحِلُّوا إلا من ساق الهدي. وفي روايةٍ لابن عباس: «أهلَّ النبي ﷺ بعمرة، وأهلَّ أصحابه بحجٍّ، فلم يحلَّ النبي ﷺ ولا من ساق الهدي من أصحابه، وحلَّ بقيّتهم، وكان طلحة بن عبيد الله فيمن ساق الهدي فلم يحلَّ». رواه مسلم. وعن أسماء قالت: قال رسول الله ﷺ : «من كان معه هديٌ فليُقِمْ على إحرامه، ومن لم يكن معه هديٌ فليحِلَّ»، ولم يكن معي هديٌ فحللتُ، وكان مع الزبير هديٌ فلم يحلَّ. رواه مسلم. وعن أبي موسى أنه أهلَّ بإهلال النبي ﷺ ، قال: فقدمتُ عليه، فقال: «هل سُقْتَ من هَدْيٍ؟» قلت: لا، قال: «فطُفْ بالبيت وبالصفا و [ق ٣٣٦] المروة».

стр. 3118

وكان علي قد أهلَّ بإهلال النبي ﷺ وساق الهدي فلم يحلَّ، وقد تقدَّم ذلك. فهذه الأحاديث نصوصٌ في أن من ساق الهدي لا يحلُّ إلى يوم النحر، سواء كان متمتعًا أو مفردًا أو قارنًا؛ لأن النبي ﷺ منع كل من ساق الهدي من الإحلال، وقد كان فيهم المتمتع والمفرد والقارن، ولم يستثنِ المتمتع، ولو جاز الحِلُّ للمتمتع لوجب استثناؤه وبيان ذلك؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. ولأنه جعل سَوْقَ الهدي هو المانع من الإحلال, ولم يعلِّق المنعَ بغيره، فعُلِم أنه مانع في حق المتمتع كما أنه مانع من الفسخ في حقّ المفرِد والقارن، إذ لو كان هناك مانع آخر لبيَّنه. ولأن كل من جاز له الفسخ ــ سواء كان خاصًّا في حقّ الصحابة أو عامًّا للمسلمين إلى يوم القيامة ــ بمنزلة المتمتع في جواز الإحلال، فلما منع أصحاب الهدي من الإحلال عُلِم أن سَوْق الهدي مانع من الإحلال، حيث يجوز الحلُّ لغير السائق. ولأن حديث عائشة نص خاص في أن (١) المتمتع إذا ساق الهدي لا يحلُّ حتى ينحرَ هدْيَه ويقضي حجَّه (٢). وأيضًا فإن الله سبحانه قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، والحلق هو أول التحلُّل بمنزلة السلام من الصلاة، ولذلك قال النبي ﷺ : «إني لبَّدتُ رأسي وقلَّدتُ هديي، فلا أحِلُّ حتى أنحر»، وقال لأصحابه: «من

стр. 3119

ساق الهديَ فلا يحلُّ إلى يوم النحر»، فعُلِم أن الإحلال والنحر لا يكون إلى (١) يوم النحر، فعُلِم أنه لا يجوز الإحلال حتى يحلَّ نحْرُ الهدي، ولا يحلُّ نحْرُ الهدي إلى يوم النحر كما بيَّنه النبي ﷺ ؛ وذلك لأن نحر الهدي من أسباب التحلُّل، وتقليده له وسَوْقه بمنزلة الإحرام للرجل، ونَحْره بمنزلة الإحلال للرجل؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]، ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]، ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. والمَحِلُّ: مشتقّ من الحلّ، وذاك بإزاء الحرم، فعُلِم أنه ذو حرمٍ، وإنما ينقضي الإحرام يوم النحر لأن المتمتع إنما يتمُّ نسكه بالحج. والرواية الثانية: أن سائق الهدي يحلُّ ليقصِّر من شعر رأسه إن شاء، فأما غير ذلك من محظورات الإحرام فلا. قال في رواية أبي طالب (٢) في الذي يعتمر قارنًا أو متمتعًا ومعه الهدي: قصِّرْ من شعرك، ولا تمسَّ شاربك ولا أظفارك ولا لحيتك، كما فعل النبي ﷺ ، فإن شاء لم يفعلْ، وإن شاء أخذ من شعر رأسه وهو حرام. فقد بيَّن أنه يحلُّ من التقصير فقط، ولا يحلُّ من جميع المحظورات، كما يحلُّ الحاجُّ إذا رمى من بعض المحظورات؛ وذلك لما روى ابن عباس عن معاوية بن أبي سفيان قال: قصَّرتُ عن رسول الله ﷺ بمِشْقَصٍ. رواه البخاري (٣)، ورواه مسلم وأبو داود والنسائي (٤) عن ابن عباس قال: قال لي

стр. 3120

معاوية: إني قصَّرتُ من رأس (١) رسول الله ﷺ عند المروة بمِشْقَصٍ، فقلت له: لا أعلم هذه إلا حجةً عليك. وعن ابن عباس أيضًا قال: تمتَّع رسول الله ﷺ حتى مات، وأبو بكر حتى مات، وعمر حتى مات، وعثمان حتى مات، وكان أول من نهى عنها معاوية، قال ابن عباس: فعجبتُ منه، وقد حدَّثني أنه قصَّر عن رسول الله ﷺ بمِشْقَصٍ. رواه أحمد والترمذي (٢)، وقال: «حديث حسن». وفيه ليث بن [أبي] سُليم. وعن قيس بن سعد عن عطاء عن معاوية قال: أخذتُ من أطراف شعر رسول الله ﷺ بمِشْقَصٍ كان معي، بعدما طاف بالبيت وبالصفا والمروة في أيام العشر. قال قيس: والناس يُنكِرون هذا على معاوية. رواه النسائي (٣)، وروى أحمد (٤) نحوه. وأيضًا فإن قضاء العمرة يقتضي الإحلال، وسَوْق الهدي يقتضي بقاء الإحرام، فحلَّ بالتقصير خاصةً توفيةً لحقِّ العمرة ولتتميَّزَ عن الحج، وبقي على إحرامه من سائر المحظورات لأجْلِ سَوْقِ الهدي، لا سيما والتقصير متردّد بين النسك المحض وبين استباحة المحظورات.

стр. 3121

و الرواية الثالثة: إن قدِمَ في العشر لم ينحَرْ ولم يحِلَّ، وإن قدِمَ قبل العشر نحَرَ وحلَّ إن شاء . ثم هل يحلُّ في العشر بالتقصير؟ مبنيٌّ على ما سبق؛ لكن المنصوص عنه أنه يحِلُّ به، قال في رواية يوسف بن موسى (١) وحرب فيمن قدِمَ متمتعًا وساقَ الهدي: فإن قدِمَ في شوال نحَرَ الهدي وحلَّ وعليه هديٌ آخر، وإذا قدِمَ في العشر أقام على إحرامه ولم يحِلَّ، فقيل له: معاوية يقول: قصَّرتُ عن رسول الله ﷺ بمِشْقَصٍ، فقال: إنما حلَّ بمقدار التقصير، ويرجع حرامًا مكانه. وقال في رواية أبي طالب: إذا كان قبل العشر نحرَ، لا (٢) يضيع، لا يموت، لا يُسْرَق. وهذا هو [ق ٣٣٧] الذي ذكره القاضي في «المجرد» من غير خلافٍ، قال: لأن له قبل العشر أن ينحر الهدي ويبقى بلا هَدْي، وفي العشر ليس له أن ينحر الهدي فلا يتحلل. وعامة أصحابنا على أنه ممنوع من الإحلال إذا قدِمَ في العشر رواية واحدة. وقال القاضي في «خلافه» (٣): هذه الرواية تقتضي أن سَوْق الهدي لا يمنع التحلُّل عنده، وإنما استحبَّ له المقام على إحرامه إذا دخل في العشر؛ لأنه لا يطول تلبُّسُه بالإحرام، وإذا دخل قبل العشر طال تلبُّسُه، فلا يأمنُ مواقعةَ المحظور. والطريقة المشهورة هي الصواب.

стр. 3122

ووجهُ ذلك (١) أن النبي ﷺ وأصحابه إنما قَدِموا في العشر، ومنعهم من الإحلال لأجل سَوْق الهدي، فثبت الحكم في مثل ذلك، ومن قَدِم قبل العشر لا يُشبِه ذلك؛ لأن المدة تطول، فيخاف أن يموت الهديُ أو يضِلّ أو يُسرق. ولأن النبي ﷺ نهى المضحِّي إذا دخل العشْرُ أن يأخذ من شَعره أو بَشَرِه (٢)، فالمتمتع الذي معه الهدي أولى أن لا يأخذ من شَعره وبَشَرِه، وما قبل العشر ليس بوقتٍ لمنع المُضَحِّي، فجاز أن لا يكون وقتًا لمنع المُهْدِي. ولأن العشر من أول أوقات النسك، وفيها تُضاعَف الأعمال الصالحة، ويُشرع (٣) التكبير الذي هو شعار العيد، وهي الأيام المعلومات التي يُذكر الله فيها على ما رزق من بهيمة الأنعام، ولها خصائص كثيرة، فجاز أن يؤخّر النحرُ والحلُّ فيها إلى يوم النحر، بخلاف ما قبلها. وعلى هذه الرواية يُنْحَر الهديُ قبل العشر، وعليه هديٌ آخر نصّ عليه؛ لأن دم المتعة لا يُنحَر إلا يوم النحر، وإنما فائدة النحر جواز إحلاله (٤) من العمرة. ومن أصحابنا من يحكي رواية: أنه يُجزئه ذلك عن هدي المتعة، وعلى

стр. 3123

هذه الرواية (١) لو كان مفردًا أو قارنًا فهل ينحر الهدي قبل العشر؟ وهل له أن يتحلل؟ والرواية الأولى اختيار أصحابنا، لما ذكرنا من الأحاديث الصريحة بذلك. وهم وإن قدِمُوا في العشر لكن النبي ﷺ علَّل بعلةٍ عامة، فقال: ... (٢). ولأنه قال لأصحابه: «من كان منكم (٣) أهدى فلا يحلّ من شيء حَرُم منه حتى يقضي حجَّه»، وهذا نهيٌ عن التحلُّل بالتقصير وغيره؛ فإنه نكرة في سياق النفي فكيف يجوز؟ وأمر الذين لم يسوقوا الهدي أن يتحللوا بالتقصير، فكيف يجوز أن يسوِّي بينهم في التقصير بعد إذنه فيه لمن لم يَسُقِ الهدي دون من ساق؟ وقال عن نفسه: «لا يحلُّ منّي حرامٌ حتى يبلغ الهدي محلَّه». وهذا نص في اجتنابه كلَّ المحرمات من التقصير وغيره. ثم هم إنما أنكروا أنه أمرهم بالتقصير ولم يقصِّر، فلو كان قد قصَّر زال هذا. ثم هو ﷺ قد خطبهم بهذا وأمرهم به وهو على المروة والناس حوله، فلو كان قد قصَّر من شعر رأسه لم يخْفَ ذلك على أصحابه في مثل ذلك المشهد العظيم، وكيف يقصِّر ولم يأمر غيره ممن ساق الهدي بالتقصير؟ ومن تأمل أحاديث حجة الوداع وأحوالها كان كالجازم بأن النبي ﷺ لم

стр. 3124

يحلَّ بشيء من الأشياء. فأما حديث معاوية فحديث شاذٌّ، وقد طعن الناس فيه قديمًا وحديثًا كما أخبر قيس بن سعد (١)، فإنهم أنكروا أن يكون النبي ﷺ قصّر. ويُشبِه ــ والله أعلم ــ أن يكون أصله أن معاوية قصَّر من رأس النبي ﷺ في عمرة الجعرانة، فإنه في عمرة القضية لم يكن أسلم بعدُ. والرواية الصحيحة المتصلة إنما فيها أنه قصَّر من رأس النبي ﷺ على المروة بمِشْقَصٍ، وكانت عمرة الجعرانة ليلًا، فانفرد معاوية بعلم هذا. أما حجة الوداع فكان وقوفه على المروة ضُحًى، والناس كلهم حوله، ومثل هذا لا يجوز أن ينفرد بروايته الواحدُ، وكانت الجعرانة في ذي القعدة. وأما الرواية التي فيها: «أنه قصَّر من رأسه في العشر» (٢) فرواية منقطعة؛ لأن عطاء لم يسمع من معاوية، ومراسيله ضعاف، ويُشبِه أن يكون الراوي لما سمع «عن معاوية أنه قصَّر من رأس النبي ﷺ بمِشْقَصٍ» اعتقد أنه كان (٣) في حجته، وقد عُلِم أن دخوله مكةَ كان في العشر، فحملَ هذا على هذا. يوضِّح هذا أن ابن عباس احتجَّ على معاوية بروايته هذه في جواز العمرة في أشهر الحج، وهم قد كانوا يسمُّون كل معتمر في أشهر الحج متمتعًا، وإن لم يحج من عامه، ولهذا لما (٤) سئل سعد عن المتعة قال: «فعلناها

стр. 3125

وهذا كان كافرًا بالعُرُش» (١) يعني معاوية، ومعاوية قد كان مسلمًا قبل حجة الوداع، وإنما أراد: فعلنا العمرةَ في أشهر الحج قبل أن يُسلِم معاوية، يعني عمرة القضية، فكيف ينهى عن العمرة في أشهر الحج؟! فصل فإن أراد المعتمر في أشهر الحج أن يرجع إلى مسافة القصر، فقياس المذهب أن يجوز له النحر والتحلل؛ لأنه قد أراد أن يخرج من حكم التمتع، فأشبه ما لو أراد أن يرجع من غير نية [ق ٣٣٨] العود، أو أراد أن يقيم ولا يحج. ومن كان من حاضري المسجد الحرام فتمتَّع وتطوَّع بهديٍ، فقال القاضي وابن عقيل: ينحره عقيب عمرته؛ لأنه لا هديَ عليه، فهو بمنزلة من اعتمر ولم يحج من عامه. والصواب .... (٢). فصل وكما أنه ممنوع من التحلل فهو ممنوع من نَحْر الهدي الذي ساقه، سواء كان واجبًا أو تطوعًا إذا قدِمَ في العشر، وإن قدم قبله فعلى الروايتين، وسواء كان محرمًا بعمرة أو حجٍّ أو بهما؛ لأن أصحاب رسول الله ﷺ الذين ساقوا الهدي كان فيهم المفرد والقارن والمتمتع، وقد منع الجميع من النحر والإحلال.

стр. 3126

مسألة (١): (والمرأة كالرجل إلا أنها لا ترمُلُ في طواف ولا سعي) . وجملة ذلك: أن المرأة كالرجل في دخول مكة، والطواف، والسعي، والإحلال، والبقاء على الإحرام، إلا أنها تفارقه في أحكام: أشدُّها: أنها لا ترمُلُ في الأشواط الثلاثة في الطواف، ولا تشتدُّ بين العلمين في السعي؛ لأن ... (٢). ومن ذلك: أنها لا تضطبع ولا ترفع صوتها بالتكبير على الشَّرَفَين، وترك الشيخ استثناء ذلك؛ لأنه قد تقدَّم ما ينبِّه على ذلك. ومن ذلك: أنها لا ترقى على الصفا والمروة. * * * *

стр. 3127

باب صفة الحج مسألة (١): (وإذا كان يوم التروية فمن كان حلالًا أحرم من مكة، وخرج إلى عرفات) . في هذا الكلام فصول: أحدها أن السنة أن يخرج الناس إلى عرفات (٢) يوم التروية وهو الثامن من أول النهار، حتى يدركوا صلاة الظهر بمنًى، فيصلُّوا بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ويقيموا بها حتى تطلع الشمس. قال جابر: «فلما كان يومُ التروية توجهوا إلى منًى، فأهلُّوا بالحج، وركبَ رسول الله ﷺ ، فصلَّى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكثَ قليلًا حتى طلعت الشمس». رواه مسلم (٣) وغيره. وعن عبد العزيز بن رُفَيع قال: سألت أنس بن مالك قلت: أخبِرْني بشيء عَقلْتَه عن النبي ﷺ ، أينَ صلَّى الظهر يوم التروية؟ قال: بمنًى، قلت: فأين صلّى العصر يوم النَّفْر؟ قال: بالأبطح، ثم قال: افعلْ كما يفعل أمراؤك.

стр. 3128

متفق عليه (١). وعن ابن عباس قال: صلّى رسول الله ﷺ الظهرَ يوم التروية والفجرَ يوم عرفة بمنًى. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه (٢). فإن تأخَّر الأمراء في الخروج إلى منى، وتعجلوا منها إلى عرفات ... (٣). فإن تعجَّل إلى منًى قبل يوم التروية، فقال عبد الله (٤): قلت لأبي: يتعجَّل الرجل إلى منًى قبل يوم التروية؟ قال: نعم يتعجَّل. ويستحبُّ أن يصلِّي بمنًى مع الإمام إن أمكن. قال أبو عبد الله: فإذا كان يومُ التروية فصلِّ مع الإمام الظهر والعصر بمنى إن استطعتَ، وقلْ في طريقك إلى منى: «اللهم إليك توجهتُ، وعليك اعتمدتُ، ووجهَك أردتُ، فأسألك أن تباركَ لي في سفري، وأن تقضيَ حاجتي، وتغفرَ لي»، ثم تقول إذا دخلتَ منى: «اللهم هذه منًى، وهي مما دللتَنا عليه من المناسك، فأسألك أن تَمُنَّ علينا بجوامع الخير كلِّه كما مننتَ على أوليائك وأهلِ طاعتك، فإنما أنا عبدك وابن عبدك، في قبضتك، ناصيتي بيدك، تفعل بي ما أردتَ»، وتبيت بها.

стр. 3129

الفصل الثاني (١) أنه من كان مقيمًا على إحرامه لكونه مفرِدًا أو قارنًا خرج إلى منًى، ومن كان حلالًا فهم قسمان: أهل مكة، والمتمتعون. فأما المتمتعون فالسنة أن يُحرموا يوم التروية، وسواء كانوا قد حلُّوا من إحرامهم أو لم يحلُّوا لأجل الهدي، كما أمر النبي ﷺ أصحابه أن يُحرِموا. قال ابن عباس: فلما قدِمنا قال رسول الله ﷺ : «اجعلوا إهلالكم بالحج عمرةً إلا من قلَّد الهديَ»، فطُفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وأتينا النساء، ولبسنا الثياب، وقال: «من قلَّد الهديَ فإنه لا يحلُّ حتى يبلغ الهديُ محِلَّه». ثم أَمرنا عشيةَ التروية أن نُهِلَّ بالحج، فإذا فرغنا من المناسك جئنا طُفنا بالبيت وبالصفا والمروة، فقد تمَّ حجُّنا وعلينا الهديُ. رواه البخاري (٢). وعن جابر عن النبي ﷺ قال: فقال لهم: «أحِلُّوا من إحرامكم بطواف بالبيت وبين الصفا والمروة، وقَصِّروا، ثم أقيموا حلالًا، حتى إذا كان يومُ التروية فأهِلُّوا بالحج، واجعلوا التي قدِمتُم بها متعةً». متفق عليه (٣). وفي رواية لمسلم (٤) عن جابر قال: «فحلَّ الناس كلُّهم وقصَّروا، إلّا النبي ﷺ ومن كان معه هدْيٌ، فلما كان يومُ التروية توجَّهوا إلى منًى، فأهلُّوا بالحج».

стр. 3130

وفي رواية قال: «أمرنا رسول الله ﷺ لما أحللنا أن نُحرِم إذا توجَّهنا إلى منًى، قال: فأهللنا من الأبطح». رواه مسلم (١). وقال البخاري (٢): قال أبو الزبير عن جابر: «أهللنا من الأبطح». وفي رواية: [ق ٣٣٩] «حتى إذا كان يومُ التروية وجعلنا مكة بظهرٍ أهللنا بالحج». رواه مسلم (٣)، والبخاري تعليقًا (٤). ولم يفرِّق أحمد في استحباب الإحرام يوم التروية بين واجدِ الهدي وعادمِه، بل أمر بالإحرام يوم التروية للمتمتع (٥) مطلقًا. وهذا هو المشهور في المذهب، وهو الذي قاله القاضي (٦) آخرًا هو وعامة أصحابه. وقال القاضي في «المجرد»: من لم يجد الهدي فإنه يُحرم ليلة السابع، ليصوم السابع والثامن والتاسع، وهي الأيام الثلاثة بعد إحرامه بالحج؛ لأن صومها قبل الإحرام بالحج فيه خلاف بين العلماء، فيحترز (٧) عنه. وزاد ابن عقيل على هذا فقال: يحرم يوم السادس، وعلى قياس من لم يَستحبّ له صومَ يوم عرفة (٨) يحرم ليلةَ السادس أو يومَ الخامس، ليصوم

стр. 3131

السادس والسابع والثامن. وهذا كله تصرُّفٌ في السنة (١) المسنونة بالرأي، وليس في شيء مضى من النبي ﷺ فيه سنةٌ إلا اتباعُها، وقد أمر أصحابه كلهم أن يحرموا يوم التروية، وكانوا كلهم متمتعين إلا نفرًا قليلًا ساقوا الهدي، وأمر من لم يجد الهدي منهم أن يصوموا ثلاثة أيام في الحج وسبعةً إذا رجع، ولم يأمره بالإحرام قبل يوم التروية، ومعلومٌ علمَ اليقين أن قومًا فيهم عشراتُ ألوفٍ (٢) في ذلك الوقت الضيق، يكون كثيرٌ منهم أو أكثرُهم غيرَ واجدِينَ للهدي، فكيف يجوز أن يقال: كان ينبغي لهؤلاء الإحرامُ يومَ السادس والخامس، ورسول الله ﷺ يأمرهم بالإحرام يوم الثامن؟! وما ذكروه من الاحتراز من الخلاف فإنما يُشرَع إذا أورثَ شبهةً، فإن الاحتراز من الشبهة مشروع. فإذا وضحَ الحقُّ، وعُرِفت السنة، وكان في الاحتراز [إعراضٌ] (٣) عما أمر الله به ورسوله= فلا معنى له. وأيضًا فإن المتمتع إذا أُمِر بتقديم الإحرام قلَّ ترفُّهه، وربما لم يُمكِنْه التمتعُ إذا قدِمَ مكة يومَ السادس أو السابع، وفي ذلك إخراجٌ للمتمتع عن وجهه. وأيضًا فإن الإحرام إنما يُشرع عند الشروع في السفر، ولهذا لم يحرم النبي ﷺ من الميقات إلا عند إرادة المسير، وقد بات فيه ليلةً، والحاجُّ إنما يتوجهون يوم التروية، ففي الأمر بالإحرام قبلها أمرٌ بالإحرام وهو مقيم، أو

стр. 3132

أمرٌ بالتقدم إلى منًى، وكلاهما أمرٌ بخلاف الأفضل المسنون، فلا يجوز الأمر بذلك. وأما وقت الاستحباب يوم التروية، فقال أبو الخطاب: الأفضل أن يُحرِم يوم التروية بعد الزوال. وقال القاضي وابن عقيل: يستحبّ أن يُوافي منًى بعد الزوال محرمًا. وقول أبي الخطاب أجود؛ لأن في الحديث: «أَمرنا عشيةَ التروية أن نُحرم بالحج» (١). وأما مكان الإحرام، فالمشهور عند أصحابنا أنه يستحبُّ أن يُحرِم من جَوْف الكعبة (٢)؛ قال أحمد في رواية المرُّوذي: إن (٣) كنتَ متمتعًا قصَّرتَ من شعرك وحللتَ، فإذا كان يومُ التروية صلّيتَ ركعتين في المسجد الحرام، وأهللتَ بالحج، تقول: «اللهم إني أريدُ الحجَّ فيسِّره لي، وتقبَّلْه منّي، وأعِنِّي عليه»، وإنما تشترط إذا كنتَ في الحرم، ثم قل: «لبيك اللهم .... » إلى آخره. وفي موضعه روايتان: إحداهما: بعد أن يخرج من المسجد، قال في رواية عبد الله (٤): فإذا كان يومُ التروية طاف بالبيت، فإذا خرج من المسجد لبَّى بالحج.

стр. 3133

وقال أيضًا (١): قلتُ لأبي: من أين يهلُّ بالحج؟ قال: إذا جعل البيتَ خلفَ ظهره، قلت: فإن بعض الناس يقول: يحرم من الميزاب، قال: إذا جعل البيت خلف ظهره أهلَّ. والرواية الثانية: يهلُّ من جوف المسجد، قال في رواية حرب في وصف المتعة: ويحلُّ إن لم يكن معه هدْيٌ، فإذا كان يومُ التروية أهلَّ بالحج من المسجد، وإن كان ساق الهدي أهلَّ بالحج يوم التروية مع كونه باقيًا على إحرامه. وهذا ظاهر رواية المرُّوذي. وقد استحبّ في رواية (٢) المرُّوذي أن يصلِّي ركعتين في المسجد ثم يحرم؛ لأن الإحرام يُستحبُّ أن يكون عقبَ صلاةٍ كالإحرام من الميقات. واستحبّ في رواية عبد الله (٣) أن يطوف حلالًا ثم يحرم بعد الطواف. وهذا الطواف لتوديع البيت لكونه خارجًا إلى الحلّ، ويُستحبُّ لمن خرج إلى الحلّ أن يودِّع البيت وأن (٤) يحرم عقب الطواف، كما استحبَّ لمن يحرم بغير مكة أن يحرم عقب الصلاة، ومتى طاف أحرم عقب ركعتي الطواف. وقال الأثرم (٥): قلت لأبي عبد الله: الذي يحرم من مكة من أين يحرم؟

стр. 3134

قال: إذا توجَّه إلى منًى، كما صنع أصحاب رسول الله ﷺ . وعن الحسن التميمي قال: قلت لابن عباس: إني تمتعتُ فأنا أريد أن أُهِلَّ بالحج، أين أُهِلُّ؟ قال: من حيثُ شئتَ، قلتُ: من المسجد؟ قال: من المسجد (١). وعن [ق ٣٤٠] الزبير بن عربي قال: قلت لابن عمر يا أبا عبد الرحمن، قال: حسن يا بُنَيَّ جميل (٢)، فقلت: من أين أُهِلُّ ومتى أُهِلُّ؟ قال: من حيث شئتَ ومتى شئتَ (٣). رواهما سعيد. ووجه الأول: أن كل ميقاتٍ فيه مسجد فإنه يستحبُّ الإحرام بعد الصلاة في مسجد (٤)، كميقات ذي الحليفة. وأما حديث جابر فإن النبي ﷺ إنما أمرهم بالإحرام إذا توجَّهوا إلى منًى، ولم يعيِّن مكانًا في أمره؛ لأن بقاع مكة والحرم مستوية في جواز الإحرام منها، فأحرمَ من شاء من الأبطح، كما أحرم خلقٌ من أصحابه من ذي الحليفة، ولم يدخلوا المسجد. ولو قدَّم المتمتع الإحرامَ جاز؛ قال الفضل: سألت أبا عبد الله عن

стр. 3135

متمتع أهلَّ بالحج حين رأى هلال ذي الحجة؟ فقال: كان ابن عمر يفعل ذلك، ثم أخَّر ذلك إلى يوم التروية. وقال في رواية الميموني (١): الوجه أن يُهِلَّ المتمتع بالحج في اليوم الذي أهلَّ فيه أصحاب رسول الله ﷺ ، فإن أهلَّ قبله فجائز. وأما من كان مقيمًا بمكة من أهلها وغيرهم ممن اعتمر قبل أشهر الحج أو لم يعتمر، ففيهم روايتان: إحداهما: هم وغيرهم سواء، يُحرِمون بالحج يوم التروية؛ قال في رواية أبي طالب (٢) في المكي: إذا كان يومُ التروية صلَّى الفجر وطاف بالبيت، فإذا توجَّه إلى منًى أحرم بالحج، لقول جابر: «فلما توجَّهنا أهللنا بالحج». والرواية الثانية: يُهِلُّ إذا رأى الهلال؛ قال في رواية أبي داود (٣): إذا دخل مكة متمتعًا يُهِلُّ بالحج يوم التروية إذا توجَّه من المسجد إلى منى، قيل له: فالمكي يُهلُّ إذا رأى الهلال؟ قال: كذا (٤) روي عن عمر. قال القاضي (٥): فقد نص على أن المتمتع يهلُّ يوم التروية، فالمكي يهلُّ قبل ذلك.

стр. 3136

وقال في موضع آخر (١): قول أحمد في المكي يهلُّ إذا رأى الهلال حكى في ذلك قول عمر، والحكم (٢) كالحكم في غيره (٣). وقد (٤) اختلف أصحابنا فيما إذا سئل أحمد عن مسألة فقال فيها: «قال فلان كذا» وأشار إلى بعض الفقهاء (٥)، فقال ابن حامد: يكون ذلك مذهبًا؛ لأنه قد استُدْعِي منه الجواب، فلولا أن ذلك مذهبه لم يكن قد أجاب. وذهب غيره إلى أنه لا يكون مذهبًا له؛ لجواز أن يكون قد أخبر بمذهب الغير ليقلِّده السائل. فأما إن أخبر بقول صحابي فهو عندهم مذهب، بناءً على أن قول الصحابي حجة، كما لو أخبر بآية أو حديثٍ ولم يتأوَّلْه ولم يُضعِّفه، فإنه يكون مذهبًا له بلا خلاف. وذلك لما روى القاسم بن محمد قال: قال عمر: يا أهل مكة ما لي أرى الناس يقدَمون شُعْثًا غُبْرًا وأنتم يفوحُ من أحدكم ريحُ الطيب (٦)، إذا رأيتم هلالَ ذي الحجة فأهِلُّوا. رواه سعيد (٧).

стр. 3137

ولأن النبي ﷺ أمر من أراد الأضحية إذا دخل العشر أن لا يأخذ من شَعره ولا ظُفره (١)، فالذي يريد الحج أعظم من ذلك، فيستحبُّ له أن يُحرِم من أول العشر وإن لم يُحرِم، فقد روى عبد الله بن السائب المخزومي قال: قال عمر ﵀: تجرَّدوا في الحج وإن لم تُحرِموا (٢). والرواية الأولى اختيار القاضي (٣) وغيره؛ لأنه قد (٤) ثبت أنه لا يستحبُّ تقديم الإحرام على الميقات المكاني، فكذلك على الميقات الزماني. ولأن النبي ﷺ لما حج حجة الوداع لم يُنقل أنه أمرَ أهل مكة بالإحرام من أول العشر، ولا قبل يوم التروية. ولأن السنة للمحرم أن يُحرِم عند إرادة السفر؛ بدليل أن النبي ﷺ بات بذي الحليفة ولم يُحرِم حتى أراد الرحيل. فأما أن يُحرم ويقيم مكانه، أو يقيم بمصر من الأمصار ... (٥). وبهذا احتجَّ ابن عمر ﵁. عن عطاء قال: رأيتُ ابن عمر ﵀ وهو في المسجد، فقيل له: قد رُئي هلال ذي الحجة، فخلع قميصه ثم

стр. 3138

أحرم، ثم رأيته من (١) العام المقبل وهو في البيت، فقيل له: قد رُئي هلال ذي الحجة، فخلع قميصه ثم أحرم، فلما كان العام الثالث قيل له: قد رُئي هلال ذي الحجة، فقال: وما أنا إلا كرجلٍ من أصحابي، وما أراني أفعلُ إلا كما فعلوا، فأمسكَ حتى كان يوم التروية، فأتى البطحاء، فلما استوتْ به راحلته أحرم. وعن مجاهد نحو ذلك، قال: يعني فسألته عن ذلك فقال: إني كنتُ امرأً من أهل المدينة، فأحببت أن أُهلِّ بإهلالهم، ثم ذهبت أنظر، فإذا أنا أدخل على أهلي وأنا محرم، وأخرج وأنا محرم، فإذا ذلك لا يصلح؛ لأن المحرم إذا أحرم خرج لوجهه، قلت: فأيَّ ذلك ترى؟ قال: يوم التروية، يوم التروية (٢). رواهما سعيد (٣). الفصل الثالث أنهم يبيتون بمنًى حتى تطلع الشمس على ثَبِيرٍ ، وهو الجبل المشرف على منًى، فلا يشرعون (٤) في الرحيل قبل طلوع الشمس، فأما شدُّ الأحمال ووضعها على الحمولة فليس من السَّير. الفصل الرابع أنهم يسيرون من منى إلى عرفات، ولا يقفون عند المشعر الحرام كما كانت الجاهلية [ق ٣٤١] تفعل، فينزلون قبل الزوال بنَمِرَةَ، ومن أصحابنا من

стр. 3139

قال: ينزلون بعرفة. قال أبو عبد الله في رواية المرُّوذي: ثم يغدو ــ يعني بعد المبيت بمنى ــ إلى عرفات، ويقول: «اللهم إليك توجهتُ، وعليك اعتمدتُ، ووجهَك أردتُ، أسألك أن تبارك لي في سفري، وتقضي حاجتي، وتغفر لي ذنوبي. اللهم إني لك أرجو، وإياك أدعو، وإليك أرغب، فأصلِحْ لي شأني كلَّه من الآخرة والدنيا». قال جابر بن عبد الله: فلما كان يومُ التروية توجَّهوا إلى منًى، فأهلُّوا بالحج، وركب رسول الله ﷺ ، فصلَّى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس، وأمر بقُبَّة من شعرٍ تُضرب بنَمِرة، فسار رسول الله ﷺ ، ولا تشكُّ قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفةَ، فوجد القُبة قد ضُرِبت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقَصْواء (١) فرُحِلَتْ له، فأتى بطنَ الوادي، فخطب الناس، فقال: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمَيَّ موضوع، ودماءُ الجاهلية موضوعة، وإن أول دمٍ أضعُ من دمائنا دمُ ابنِ ربيعة بن الحارث، كان مسترضعًا في بني سعد فقتلتْه هذيل. وربا الجاهلية موضوع، وأول ربًا أضعُ رِبانا ربا عباس (٢) بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله. فاتقوا الله في

стр. 3140

النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غيرَ مبرِّح، ولهنَّ عليكم (١) رزقُهن وكسوتُهن بالمعروف. قد تركتُ فيكم ما لن تضِلُّوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تُسأَلون عنّي فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك قد بلَّغتَ وأدَّيتَ ونصحتَ، فقال بإصبعه السبَّابة يرفعها إلى السماء ويَنكُتُها إلى الناس: «اللهم اشهدْ، اللهم اشهدْ» ثلاث مرات، ثم أذَّن، ثم أقام (٢) فصلَّى الظهر، ثم أقام فصلَّى العصر، ولم يُصلِّ بينهما شيئا، ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقفَ. رواه مسلم (٣) وغيره. وعن ابن عمر قال: غدا رسول الله ﷺ من منًى حين صلّى الصبح صبيحةَ يوم عرفة, حتى أتى عرفةَ، فنزل بنَمِرَة, وهي منزل الإمام الذي ينزل فيه بعرفة، حتى إذا كان عند صلاة الظهر راح رسول الله ﷺ مُهجِّرًا (٤)، فجمع بين الظهر والعصر، ثم خطب الناس، ثم راح فوقف على الموقف من عرفة. رواه أحمد وأبو داود (٥).

стр. 3141

وقد روى الأزرقي (١) عن ابن جريج قال: سألت عطاء أين كان رسول الله ﷺ ينزل يوم عرفة؟ قال: بنَمِرَة منزلِ الخلفاء، إلى الصخرة (٢) الساقطة بأصل الجبل عن يمينك وأنت ذاهب إلى عرفة (٣)، يُلقَى عليها ثوب يَستظلُّ به ﷺ . قال الأزرقي (٤): نَمِرة هو الجبل الذي عليه أنصاب الحرم، على يمينك إذا خرجتَ من مأزمَيْ عرفةَ تريد الموقف، وتحت جبل نمرة غارٌ أربعُ أذرُعٍ في خمس أذرعٍ، وذكروا أن النبي ﷺ كان ينزله يوم عرفة حتى يروح إلى الموقف، وهو منزل الأئمة اليوم، والغار داخل في جدار دار الإمارة في بيت في الدار. وروى أبو داود في «مراسيله» (٥) عن ابن جريج، قثنا أبان بن سلمان (٦): أن النبي ﷺ نزل يوم عرفة عند الصخرة المقابلة منازلَ الأمراء يوم عرفة، التي بالأرض في أسفل الجبل، وسُتِر إليها بثوب عليه.

стр. 3142

وأما سلوكه من منًى إلى عرفة، فقال القاضي في «الأحكام السلطانية» (١): يستحبُّ للإمام في الحج أن يخرج في اليوم الثامن من مكة، فينزل بخَيْفِ بني كِنانة حيث نزل رسول الله ﷺ ، ويبيت بها، ويسير بهم من غدِه ــ وهو اليوم التاسع ــ مع طلوع الشمس إلى عرفة على طريق ضَبّ، ويعود على طريق المأزمَيْن اقتداءً برسول الله ﷺ ، وليكون عائدًا في غير الطريق التي صدر منها، فإذا أشرف على عرفة نزل ببطن نَمِرَة، وأقام به حتى تزول الشمس، ثم سار منه إلى مسجد إبراهيم ﵇ بوادي عُرَنَة (٢). وقال الأزرقي (٣): «ضَبٌّ طريق مختصرة من المزدلفة إلى عرفة، وهي في أصل المأزمَيْن عن يمينك وأنت ذاهب إلى عرفة، وقد ذكروا أن النبي ﷺ سلكها حين عدل من منًى إلى عرفة، قال ذلك بعض المكيين». وروى بإسناده (٤) عن ابن جريج قال: سلك عطاء طريق ضَبٍّ، قال: هي طريق موسى بن عمران. وفي رواية (٥): فقيل له في ذلك، فقال: لا بأس، إنما هي طريق. والسنة أن ينزل الناس بنَمِرَة، وهي من الحلّ، وليست من أرض عرفات، وبها يكون سُوقهم. وأما أرض عرفات فليست السنة أن يُنزَل بها، [ق ٣٤٢] ولا يُباع فيها ولا

стр. 3143

يُشترى، وإنما تُدخَل وقتَ الوقوف. مسألة (١): (فإذا زالت الشمس يوم عرفة صلَّى الظهر والعصر يجمع بينهما) . قال أبو عبد الله في رواية المرُّوذي: فإذا أتيتَ فقل: «اللهم هذه عرفة، عرِّفْ بيننا وبين نبينا محمد ﷺ ». واغتسِلْ إن أمكنك، وصلِّ مع الإمام الظهر والعصر، فإن لم تدرِكْ الإمام جمعتَ بينهما، ثم صرتَ إلى عرفات، فوقفتَ على قربٍ من الإمام في أصل الجبل إن استطعت. وعرفات كلها موقف، وارفَعْ عن بطن عُرَنة، وقل: «الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حيٌّ لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير». وذكر دعاء كثيرًا. وجملة ذلك: أنه إذا زالت الشمس فإن الإمام والناس يقصدون مصلَّى النبي ﷺ ؛ وهو بطن وادي عُرَنة حيث خطب بالناس وصلَّى بهم، فيخطب الإمام بالناس، ويصلِّي بهم الصلاتين يجمع بينهما، ثم يسيرون إلى الموقف بعرفة. قال جابر: «حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقَصْواء (٢) فرُحِلَتْ له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس، ثم أذّن، ثم أقام فصلّى الظهر، ثم أقام فصلّى العصر، ولم يصلِّ بينهما شيئًا، ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف».

стр. 3144

رواه مسلم (١)، وفي حديث ابن عمر نحوه، وقد تقدم. وعن سالم قال: كتب عبد الملك إلى الحَجَّاج أن لا يُخالفَ ابنَ عمر في الحج، فجاء ابن عمر وأنا معه يوم عرفة حين زالت الشمس، فصاح عند سُرادِق (٢) الحَجَّاج، فخرج وعليه مِلْحَفةٌ معصفرة، فقال: ما لك (٣) يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: الرَّواحَ إن كنت تريد السنة، قال: هذه الساعة؟ قال: نعم، قال: فأَنظِرْني حتى أُفِيضَ على رأسي ثم أخرج. فنزل حتى خرج الحجاج، فسار بيني وبين أبي، فقلت: إن كنت تريد السنة فاقْصُرِ الخطبةَ وعَجِّل الوقوف، فجعل ينظر إلى عبد الله، فلما رأى ذلك عبد الله قال: صدق. رواه البخاري والنسائي (٤). وعن ابن عمر قال: لما قتل الحجاج ابن الزبير أرسل إلى ابن عمر أيَّة ساعةٍ (٥) كان رسول الله ﷺ يروح في هذا اليوم؟ قال: إذا كان ذلك رُحْنا، فلما أراد ابن عمر أن يروح قال: [أزاغت الشمس؟] (٦) قالوا: لم تَزِغ الشمس، قال: أزاغتْ؟ قالوا: لم تزغ، قال: فلما قالوا: قد زاغتْ، ارتحلَ.

стр. 3145

رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه (١). فعلى هذا يسيرون إلى بطن الوادي فينزلون، فيسمعون الخطبة ويصلُّون، ثم يركبون إلى الموقف، وأما الأحمال فعلى حالها. ولم يكن في هذا المصلَّى على عهد النبي ﷺ وخلفائه مسجدٌ. قال مالك بن أنس (٢) ﵁: لم يكن بعرفة مسجد منذ كانت، وإنما أُحدِث مسجدها بعد بني هاشم بعشر سنين، وكان الإمام يخطب منها موضع يخطب اليوم، ويصلي بالناس فيه. وقد ذكر الأزرقي (٣): أن من حد الحرم إلى هذا المسجد ألفا (٤) ذراع وستمائة ذراع وخمس أذرُعٍ، وأنه من الغار الذي بعُرَنة ــ وهو منزل النبي ﷺ ــ إلى هذا المسجد ألفا ذراع وأحد عشر ذراعًا. ويسمون هذا المسجد مسجد إبراهيم، وربما قال: ... (٥)، وهذا المسجد ببطن عُرَنة، وليس هو من عرفات، فتكون الخطبة والصلاة يوم عرفة ببطن عُرَنة. وقد أعرض جمهور الناس في زماننا عن أكثر هذه السنن، فيوافون عرفة

стр. 3146

من أول النهار، وربما دخلها كثير منهم ليلًا، وبات بها، وأوقدَ النيران بها، وهذا بدعة وخلافٌ (١) للسنة. ويتركون إتيانَ نَمِرَة والنزولَ بها؛ فإنها عن يمين الذي يأتي عرفة من طريق المأزمَيْن، يمانيَّ المسجد الذي هناك كما تقدم تحديدها، ومن قصدَ عرفات من طريق ضَبٍّ كانت على طريقه. ولا يجمعون الصلاتين ببطن عُرَنة بالمسجد هناك، ولا يعجِّلون الوقوف الذي هو الركوب وشدُّ الأحمال، بل يخلطون موضعَ النزول أولَ النهار بموضع الصلاة والخطبة، بموضع الوقوف. ويتخذون الموقف سوقًا، وإنما كانت الأسواق بين الحرم والموقف ... (٢). فإذا لم يفعل الإمام فمن أمكنه ... (٣). فصل والسنة أن يخطب بهم الإمام ببطن عُرَنة موضعَ المسجد قبل الوقوف، يخطب ثم يصلِّي. وهذه الخطبة سنة مجمع عليها؛ قال أحمد: خطبة يوم عرفة لم يختلف الناس فيها. وقد رواها عن النبي ﷺ جابر وابن عمر ــ كما تقدم ــ وابن عباس، وجابر بن سمرة، ونُبيط بن شَرِيط، والعدّاء بن خالد، وغيرهم: [فعن] سلمة بن نُبيط عن أبيه ــ وكان قد حجّ مع النبي ﷺ ــ قال: رأيته يخطب يومَ عرفة على بعيره. رواه الخمسة إلا الترمذي (٤).

стр. 3147

وعن العدّاء بن خالد بن هَوْذة قال: رأيتُ رسول [ق ٣٤٣] الله ﷺ يخطب الناس يوم عرفة على بعيرٍ قائمًا في الرِّكابينِ. رواه أحمد وأبو داود (١). قال أصحابنا: إذا زالت الشمس خطبهم خطبة يعلِّمهم فيها المناسك من موضع الوقوف، ووقت الدفع من عرفات، وموضع صلاة المغرب والعشاء بمزدلفة، والمبيت والغدوّ إلى منًى للرمي والنحر، والطواف والتحلُّل، والمبيت بمنًى لرمي الجمار ــ زاد أبو الخطاب (٢) «وقت الوقوف»، ولا حاجة إليه، فإنه قد دخل ــ لما روى يحيى بن حُصَين قال: سمعت جدَّتي تقول (٣): سمعت رسول الله ﷺ يخطب بعرفات يقول: «غفر الله للمحلِّقين» ثلاث مرات، قالوا: والمقصِّرين؟ فقال: «والمقصِّرين» في الرابعة. رواه أحمد (٤).

стр. 3148

وعن محمد بن قيس بن مَخْرمة: أن رسول الله ﷺ خطب يوم عرفة فقال: «[هذا] (١) يوم الحج الأكبر، إنَّ من كان قبلكم من أهل الأوثان والجاهلية يُفِيضون إذا الشمس على الجبال كأنها عمائم الرجال، ويدفعون من جَمْعٍ إذا أشرقتْ على الجبال كأنها عمائم الرجال، فخالف هَدْيُنا هديَ الشرك والأوثان». رواه أبو داود في «المراسيل» (٢). وفي حديث علي وغيره: أن النبي ﷺ وقف بعرفة، قال: «وقفتُ هاهنا، وعرفة كلها موقف» (٣). وعن ابن عمر: أن عمر خطب الناسَ بعرفة، فعلَّمهم أمرَ الحج. رواه مالك (٤). فقد تبيَّن أن هذه الخطبة ذكر فيها أمر الوقوف بعرفة ومزدلفة والحلق، وقد ذكر ﷺ في خطبته جوامع من أمور الدين والشريعة كما ذكر جابر بن عبد الله. وعن جابر بن سَمُرة في حديثه في اثني عشر خليفةً: أنه سمع من

стр. 3149

النبي ﷺ بعرفاتٍ وهو يخطب. رواه أحمد (١). وعن ابن عباس ... (٢). قال أصحابنا: ويخطب عقب الزوال، ثم يأمر بالأذان، وينزل فيصلِّي بالناس الظهر والعصر، فتكون الخطبة بين [الزوال] (٣) والأذان. قال أحمد: الصلاة بعد (٤) الخطبة. هكذا يصنع الناس، لا يُشرَع في الأذان حتى يقضي الخطبة؛ لأن حديث جابر الذي في «الصحيح» قال فيه (٥): «فأتى بطنَ الوادي، وذكر خطبته، فخطب الناس، ثم أذّن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر». رواه مسلم (٦) وغيره ... (٧).

стр. 3150

مسألة: (ويستقبل القبلة) (١). وذلك لما تقدَّم عن جابر أن النبي ﷺ استقبل القبلة. مسألة (٢): (ويكون راكبًا) . وجملة ذلك: أن الوقوف بعرفة عبارة عن الكون بها، سواء كان قائمًا أو قاعدًا أو مضطجعًا أو ماشيًا. لكن اختلف أصحابنا في أفضل الأحوال للوقوف، فقال بعضهم: الأفضل أن يكون راكبًا كما ذكره الشيخ، وهذا هو قول الأثرم، وهو منصوص ... (٣). وكذلك ذكر القاضي. قال ابن القاسم: قلت لأحمد: روي عن مالك أنه كان يقول: الوقوف بعرفة على ظهور الدوابِّ سنة، والوقوف على الأقدام رخصةٌ، فكيف تقول في هذا؟ قال: قد روي عن النبي ﷺ أنه وقف وهو راكب. وظاهره أنه وافق مالكًا واحتجَّ له؛ لأن النبي ﷺ وقف راكبًا، ولا يفعل إلا الأفضل، وقد قال: «خذوا عنّي مناسككم» (٤). وكذلك ... (٥). قال بعضهم (٦): الراجل أفضل، قال القاضي: وقد نصَّ أحمد على أن

стр. 3151

رمي الجمار ماشيًا أفضل، كذلك يجيء عنه في الوقوف. وقال محمد بن الحسن بن هارون: سألته عن الوقوف بعرفة راكبًا، فرخَّص في ذلك، وقال: النبي ﷺ وقفَ على راحلته. وظاهره أنه رخصة، وهذا اختيار ابن عقيل، قال: لأن جميع العبادات والمناسك على ذلك؛ يعني من الطواف والسعي والوقوف بمزدلفة وبمنى، وإنما وقف النبي ﷺ راكبًا ليرى الناسَ ويروه. فعلى هذا يقف الإمام راكبًا، وكذلك قال القاضي في «الأحكام السلطانية» (١): وقوفه على راحلته ليقتدي به الناس أولى. لأن (٢) في ذلك تخفيفًا عن المركوب، وتواضعًا لله بالنزول إلى الأرض. فعلى هذا إذا أعيى من القيام فهل يكون قعوده أفضل؟ ... (٣). وقيل: هما سواء، وقد نقل ابن منصور (٤) عن أحمد: أيهما أفضلُ أن يقفَ راكبًا أو راجلًا؟ فتوقَّف. ومن رجَّح الأول قال: الوقوف يطول زمانه، والواقف على رجليه يَعْيا ويكِلُّ، وذلك يُضجِره عن الدعاء والابتهال.

стр. 3152

مسألة (١): (ويُكثر من قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، ويجتهد في الدعاء والرغبة إلى الله إلى غروب الشمس) . وجملة ذلك: أن هذا الموقف مشهد عظيم ويوم كريم ليس في الدنيا مشهد أعظم منه، روت [ق ٣٤٤] عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «ما من يومٍ أكثر من أن يُعتِق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم (٢) يُباهي بهم الملائكةَ، ويقول: ما أراد هؤلاء؟». رواه مسلم والنسائي وابن ماجه (٣)، ولفظه: «عبدًا أو أمة» (٤). وروى ابن أبي الدنيا (٥) من حديث أبي نعيم، عن مرزوق (٦) مولى طلحة بن عبد الرحمن (٧) الباهلي، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان عشية عرفة (٨) ينزل الله إلى سماء (٩) الدنيا،

стр. 3153

فيُباهِي بكم الملائكةَ؛ فيقول: انظروا إلى عبادي أتَوني شُعْثًا غُبرًا من كل فجٍّ عميق، أُشهِدكم أني قد غفرتُ لهم، فتقول الملائكة: فيهم فلان بن فلان»، فقال رسول الله ﷺ : «فما من يومٍ أكثر عتقًا من يوم عرفة». وعن طلحة بن عبيد الله بن كَرِيز أن رسول الله ﷺ قال: «ما رُئي الشيطان يومًا هو أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لما يرى من تنزُّلِ الرحمة، وتجاوُزِ الله عن الذنوب العظام، إلا ما رأى (١) يوم بدر، قيل: وما رأى يوم بدر؟ قال: أما إنه قد رأى جبريل وهو يَزَعُ الملائكة» (٢). رواه مالك وابن أبي الدنيا، وهو مرسل (٣). وفي مثل هذا اليوم وهذا المكان أنزل الله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فروى طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب: أن رجلًا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا نزلتْ (٤) لاتَّخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال: أيُّ آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. فقال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم وذلك المكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ ، وهو قائم بعرفة يوم الجمعة. رواه الجماعة (٥) إلا أبا داود وابن ماجه.

стр. 3154

وأما توقيت الدعاء فيه فليس فيه عن النبي ﷺ شيء موقَّت، إلا أن أصحابنا قد استحبُّوا المأثور عنه في الجملة؛ وهو ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان أكثر دعاء النبي ﷺ يوم عرفة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير». رواه أحمد (١)، وهذا لفظه. ورواه الترمذي (٢) ولفظه: أن النبي ﷺ قال: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» قال الترمذي: حديث غريب من هذا الوجه. وعن علي قال: قال رسول الله ﷺ : «أفضل ما قلت أنا والأنبياء قبلي عشية عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير». رواه الطبراني في «مناسكه» (٣) من رواية قيس بن الربيع. وعن طلحة بن عبيد الله بن كَرِيز قال: قال رسول الله ﷺ : «أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك». رواه مالك (٤).

стр. 3155

واستحبُّوا أيضًا ما روي عن علي بن أبي طالب قال: أكثر ما دعا به رسول الله ﷺ عشيةَ عرفة في الموقف: «اللهم لك الحمد كالذي نقول وخيرًا مما نقول. اللهم لك صلاتي ومحياي ومماتي، وإليك مآبي، ولك ربِّ (١) تراثي. اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ووسوسة الصدر، وشَتاتِ الأمر. اللهم إني أعوذ بك من شر ما تجري به الريح». رواه الترمذي (٢)، وقال: حديث غريب من هذا الوجه، وليس إسناده بالقوي. وقد روي عن ابن عباس قال: كان مما دعا به رسول الله ﷺ في حجة الوداع: «اللهم إنك تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سرِّي وعلانيتي، لا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، الوجِلُ المشفق، المقِرُّ المعترف بذنوبه، أسألك مسألةَ المسكين، وأبتهلُ إليك ابتهالَ المذنب، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، مَنْ خَضَعَتْ لك رقبته، وفاضت لك عيناه، وذلَّ جسده، ورَغِمَ أنفُه لك، اللهم لا تجعلني بدعائك شقيًّا، وكن بي رؤوفًا رحيمًا، يا خير المسؤولين، ويا خير المعطين». رواه الطبراني في «معجمه» (٣).
следующие страницы →