← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

رمي الجمار ماشيًا أفضل، كذلك يجيء عنه في الوقوف. وقال محمد بن الحسن بن هارون: سألته عن الوقوف بعرفة راكبًا، فرخَّص في ذلك، وقال: النبي ﷺ وقفَ على راحلته. وظاهره أنه رخصة، وهذا اختيار ابن عقيل، قال: لأن جميع العبادات والمناسك على ذلك؛ يعني من الطواف والسعي والوقوف بمزدلفة وبمنى، وإنما وقف النبي ﷺ راكبًا ليرى الناسَ ويروه. فعلى هذا يقف الإمام راكبًا، وكذلك قال القاضي في «الأحكام السلطانية» (١): وقوفه على راحلته ليقتدي به الناس أولى. لأن (٢) في ذلك تخفيفًا عن المركوب، وتواضعًا لله بالنزول إلى الأرض. فعلى هذا إذا أعيى من القيام فهل يكون قعوده أفضل؟ ... (٣). وقيل: هما سواء، وقد نقل ابن منصور (٤) عن أحمد: أيهما أفضلُ أن يقفَ راكبًا أو راجلًا؟ فتوقَّف. ومن رجَّح الأول قال: الوقوف يطول زمانه، والواقف على رجليه يَعْيا ويكِلُّ، وذلك يُضجِره عن الدعاء والابتهال.

стр. 3152

مسألة (١): (ويُكثر من قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، ويجتهد في الدعاء والرغبة إلى الله إلى غروب الشمس) . وجملة ذلك: أن هذا الموقف مشهد عظيم ويوم كريم ليس في الدنيا مشهد أعظم منه، روت [ق ٣٤٤] عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «ما من يومٍ أكثر من أن يُعتِق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم (٢) يُباهي بهم الملائكةَ، ويقول: ما أراد هؤلاء؟». رواه مسلم والنسائي وابن ماجه (٣)، ولفظه: «عبدًا أو أمة» (٤). وروى ابن أبي الدنيا (٥) من حديث أبي نعيم، عن مرزوق (٦) مولى طلحة بن عبد الرحمن (٧) الباهلي، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان عشية عرفة (٨) ينزل الله إلى سماء (٩) الدنيا،

стр. 3153

فيُباهِي بكم الملائكةَ؛ فيقول: انظروا إلى عبادي أتَوني شُعْثًا غُبرًا من كل فجٍّ عميق، أُشهِدكم أني قد غفرتُ لهم، فتقول الملائكة: فيهم فلان بن فلان»، فقال رسول الله ﷺ : «فما من يومٍ أكثر عتقًا من يوم عرفة». وعن طلحة بن عبيد الله بن كَرِيز أن رسول الله ﷺ قال: «ما رُئي الشيطان يومًا هو أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لما يرى من تنزُّلِ الرحمة، وتجاوُزِ الله عن الذنوب العظام، إلا ما رأى (١) يوم بدر، قيل: وما رأى يوم بدر؟ قال: أما إنه قد رأى جبريل وهو يَزَعُ الملائكة» (٢). رواه مالك وابن أبي الدنيا، وهو مرسل (٣). وفي مثل هذا اليوم وهذا المكان أنزل الله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فروى طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب: أن رجلًا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا نزلتْ (٤) لاتَّخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال: أيُّ آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. فقال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم وذلك المكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ ، وهو قائم بعرفة يوم الجمعة. رواه الجماعة (٥) إلا أبا داود وابن ماجه.

стр. 3154

وأما توقيت الدعاء فيه فليس فيه عن النبي ﷺ شيء موقَّت، إلا أن أصحابنا قد استحبُّوا المأثور عنه في الجملة؛ وهو ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان أكثر دعاء النبي ﷺ يوم عرفة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير». رواه أحمد (١)، وهذا لفظه. ورواه الترمذي (٢) ولفظه: أن النبي ﷺ قال: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» قال الترمذي: حديث غريب من هذا الوجه. وعن علي قال: قال رسول الله ﷺ : «أفضل ما قلت أنا والأنبياء قبلي عشية عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير». رواه الطبراني في «مناسكه» (٣) من رواية قيس بن الربيع. وعن طلحة بن عبيد الله بن كَرِيز قال: قال رسول الله ﷺ : «أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك». رواه مالك (٤).

стр. 3155

واستحبُّوا أيضًا ما روي عن علي بن أبي طالب قال: أكثر ما دعا به رسول الله ﷺ عشيةَ عرفة في الموقف: «اللهم لك الحمد كالذي نقول وخيرًا مما نقول. اللهم لك صلاتي ومحياي ومماتي، وإليك مآبي، ولك ربِّ (١) تراثي. اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ووسوسة الصدر، وشَتاتِ الأمر. اللهم إني أعوذ بك من شر ما تجري به الريح». رواه الترمذي (٢)، وقال: حديث غريب من هذا الوجه، وليس إسناده بالقوي. وقد روي عن ابن عباس قال: كان مما دعا به رسول الله ﷺ في حجة الوداع: «اللهم إنك تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سرِّي وعلانيتي، لا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، الوجِلُ المشفق، المقِرُّ المعترف بذنوبه، أسألك مسألةَ المسكين، وأبتهلُ إليك ابتهالَ المذنب، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، مَنْ خَضَعَتْ لك رقبته، وفاضت لك عيناه، وذلَّ جسده، ورَغِمَ أنفُه لك، اللهم لا تجعلني بدعائك شقيًّا، وكن بي رؤوفًا رحيمًا، يا خير المسؤولين، ويا خير المعطين». رواه الطبراني في «معجمه» (٣).

стр. 3156

وقد تقدّم (١) عن ابن عمر أنه كان يدعو بعرفات بمثل دعائه على الصفا، وقد تقدم. وعن عبد الله بن الحارث أن ابن عمر كان يرفع صوته عشيةَ عرفة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. اللهم اهْدِنا بالهدى، وزيِّنَّا بالتُّقى، واغفر لنا في الآخرة والأولى». ثم يخفض صوتَه، ثم يقول: «اللهم إني أسألك من فضلك وعطائك رزقًا طيبًا مباركًا، اللهم إنك أمرتَ بالدعاء، وقضيتَ على نفسك بالإجابة، وإنك لا تُخلِف وعدك، ولا تُكذِّب عهدك، اللهم ما أحببتَ من خيرٍ فحبِّبه إلينا ويسِّره لنا، وما كرهتَ من شرٍّ فكرِّهْه إلينا وجنِّبناه، ولا تَنزِعْ منا الإسلام بعد إذ أعطيتَناه (٢)». رواه الطبراني في «المناسك» (٣) بإسناد [ق ٣٤٥] جيد. وقال أبو عبد الله في رواية أبي الحارث: يصلي مع الإمام الظهر والعصر بعرفة، ثم يمضي إلى موقفه (٤)، ثم يدعو ويرفع يديه. وكان ابن عمر يقول: «الله أكبر الله أكبر الحمد لله كثيرًا، اللهم اهدِني بالهدى، واغفر لي في الآخرة والأولى، ثم يردِّد ذلك كقدر ما يقرأ فاتحة الكتاب. وذكره بإسناد. وروى ذلك أيضًا بهذا الإسناد في رواية عبد الله (٥): ثنا إسماعيل بن

стр. 3157

إبراهيم، ثنا سليمان التَّيمي عن أبي مِجْلز قال: كان ابن عمر يقول: «الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر ولله الحمد، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، اللهم اهدِني بالهدى، وقِني بالتقوى، واغفر لي في الآخرة والأولى»، ثم يردُّ يديه فيسكت كقدر ما كان إنسان قارئًا بفاتحة الكتاب، ثم يعود فيرفع يديه، ويقول مثل ذلك، فلم يزل يفعل ذلك حتى أفاض. قال أحمد في رواية عبد الله (١): يقف ويدعو ويرفع يديه. لما روى أسامة بن زيد قال: كنتُ رديفَ النبي ﷺ بعرفات، فرفع يديه يدعو، فمالت به ناقته فسقط خِطامها، فتناول الخطام بإحدى يديه، وهو رافعٌ يده الأخرى. رواه أحمد والنسائي (٢). وعن سليمان بن موسى قال: لم يحفظ من رسول الله ﷺ أنه رفع يديه الرفعَ كلَّه إلا في ثلاث مواطن: الاستسقاء، والاستنصار (٣)، وعشية عرفة، ثم كان بعدُ رفعٌ دونَ رفعٍ. رواه أبو داود في «مراسيله» (٤).

стр. 3158

وعن أبي سعيد [الخدري قال: كان رسول الله ﷺ واقفًا بعرفة يدعو هكذا، ورفع يديه حِيالَ ثَنْدُوَتَيه، وجعل بطونَ كفَّيه مما يلي الأرض] (١). مسألة (٢): (ثم يدفع مع الإمام إلى مزدلفة على طريق المأزِمَينِ وعليه السكينة والوقار، ويكون ملبيًا ذاكرًا لله . وجملة ذلك (٣): أنه لا يجوز الخروج من عرفة حتى تغرب الشمس، ولا يدفع حتى يدفع الإمام، ويسير وعليه السكينة والوقار. قال أبو عبد الله في رواية المرُّوذي: فإذا دفع الإمام دفعتَ معه، ولا تُفِيضُ (٤) حتى يدفع الإمام، وأنت في خلال ذلك تلبِّي، فإذا أفضتَ من عرفات فهلِّل وكبِّر ولبِّ، وقل: «اللهم إليك أفضتُ، وإليك رغبتُ، ومنك رَهِبتُ، فاقبلْ نسكي، وأعظِمْ أجري، وتقبّل توبتي، وارحم تضرُّعي، واستجِبْ دعائي، وأعطِني سُؤْلي». قال جابر بن عبد الله في حديثه عن النبي ﷺ : «فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلًا حتى غاب القُرص، وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله ﷺ وقد شَنَقَ للقَصْواء الزمامَ، حتى إن رأسها ليصيب مَورِكَ رحله، ويقول بيده: أيها الناس، السكينةَ السكينةَ، كلما أتى حَبْلًا من

стр. 3159

الحبال (١) أرخى لها قليلًا حتى تَصعَد (٢)، حتى أتى المزدلفة». رواه مسلم (٣). وعن ابن عباس أنه دفع مع النبي ﷺ فسمع وراءه زجرًا شديدًا، وضربًا وصوتًا للإبل فأشار بسوطه إليهم: «أيها الناس، عليكم بالسكينة (٤)، فإن البرَّ ليس بالإيضاع». رواه البخاري (٥). وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ أفاض من عرفة وأسامة رِدْفُه، قال أسامة: فما زال يسير على هَيْنَتِه (٦) حتى أتى جمعًا. رواه مسلم (٧). وعن عروة بن الزبير أنه قال: سئل أسامة (٨) وأنا جالس: كيف كان يسير رسول الله ﷺ في حجة الوداع حين أفاض من عرفات؟ قال: يسير العَنَقَ، فإذا وجد فَجْوةً نَصَّ. متفق عليه (٩).

стр. 3160

وأما التلبية فلِما تقدّم في حديث الفضل بن عباس ... (١). وإنما استحبَّ له سلوك المأزِمَينِ ... (٢). وإن سلك الطريق الأخرى جاز. قال أبو طالب: سألت أحمد عن قول عطاء «لا بأس بطريق ضَبّ» قال: طريق مختصر من عرفات إلى منى. مسألة (٣): (فإذا وصل إلى مزدلفة صلّى المغرب والعشاء قبل حطِّ الرحال، يجمع بينهما) . قال أبو عبد الله في رواية المرُّوذي: فإذا انتهيتَ إلى مزدلفة ــ وهي جَمْع ــ فاجمع بين المغرب والعشاء، كل صلاة بإقامة، ولا بأس إن صلَّيتَها (٤) مع الإمام فهو أفضل، وقل: «اللهم هذه جَمْع، فأسألك أن توفِّقني فيها لجوامع الخير كلِّه، فإنه لا يقدر على ذلك إلا أنت، ربَّ المشعر الحرام، وربَّ الحُرُمات العِظام، أسألك أن تبلِّغ روحَ محمد ﷺ عني السلام، وتُصلح لي نيتي، وتَشرح لي صدري، وتطهِّر لي قلبي، وتُصلِحني صلاح الدنيا والآخرة».

стр. 3161

والجمع بين الصلاتين بمزدلفة من السنة المتواترة التي توارثتها الأمة، قال جابر بن عبد الله في حديثه عن النبي ﷺ : «حتى أتى المزدلفةَ، فصلَّى بها المغرب والعشاء قبل حطِّ الرحال بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبِّح بينهما شيئا، ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر، فصلَّى الفجر حين تبيَّن له الصبح». رواه مسلم (١). وعن أبي أيوب [ق ٣٤٦] أن رسول الله ﷺ جمع في حجة الوداع المغرب والعشاء بمزدلفة. متفق عليه (٢). وعن أسامة بن زيد قال: رَدِفْتُ رسولَ الله (٣) ﷺ من عرفات، فلما بلغ رسول الله ﷺ الشِّعب الأيسرَ الذي دون المزدلفة أناخ، فبالَ (٤) ثم جاء، فصببتُ عليه الوضوء، فتوضأ وضوءًا خفيفًا، فقلت: الصلاة يا رسول الله، قال: «الصلاة أمامك»، فركب رسول الله ﷺ حتى أتى المزدلفة، فصلَّى، ثم رَدِفَ (٥) الفضلُ رسولَ الله ﷺ غداةَ جمْعٍ. قال كُريب: فأخبرني عبد الله بن عباس، عن الفضل: أن رسول الله ﷺ : لم يزل يلبِّي حتى رمى جمرة العقبة. متفق عليه (٦).

стр. 3162

وفي رواية: «دفع رسول الله ﷺ من عرفة، فنزل الشِّعبَ فبالَ (١) ثم توضأ، ولم يُسبِغ الوضوء، فقلت له: الصلاة، قال: «الصلاة أمامك»، فجاء المزدلفة فتوضأ فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة، فصلّى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت الصلاة، فصلَّى، ولم يصلِّ بينهما». متفق عليه (٢). و هذا الجمع مسنون لكل حاجّ من المكيين وغيرهم ، وقد جاء ذلك منصوصًا، فإن (٣) عبد الله بن مسعود قال (٤): إن رسول الله ﷺ قال: «إن الصلاتين حُوِّلتا عن وقتهما في هذا المكان: المغرب (٥) فلا يَقْدَم الناس جمعًا حتى يُعْتِموا (٦)، وصلاة الفجر هذه الساعة». رواه البخاري (٧). وهذا حكم عام، وتعليل عام، وبيان [أن] العلة ليست مجرد السفر، كما لم يكن هو المؤثّر في تقديم الفجر، وإنما ذاك لأجل الدفع من عرفات، فأما على قول ... (٨). فإن صلّى المغرب قبل أن يصل إلى المزدلفة أجزأه. قال أبو الحارث (٩):

стр. 3163

قلت لأحمد: فإن صلّى المغرب بعرفة أو في الطريق؟ قال: إن وصل إلى جمْعٍ أرجو أن يجزئه، والسنة أن يصلّي المغرب بجَمْع. لأن النبي ﷺ صلّى المغرب بجَمْع. مسألة (١): (ثم يبيتُ بها) . السنة في حق الحاج جميعًا: أن يبيتوا بمزدلفة إلى طلوع الفجر، ثم يقفوا بها إلى قبيل طلوع الشمس. مسألة (٢): (ثم يصلّي الفجر بغَلَسٍ) . قال أبو عبد الله في رواية أبي الحارث: فإذا بَرَق الفجرُ صلّى مع الإمام إن قدر، ثم وقف فدعا، ثم دفع قبل طلوع الشمس حتى يأتي منًى. السنة: التغليسُ بالفجر في هذا المكان قبل جميع الأيام؛ ليتسع وقت الوقوف بالمشعر الحرام. قال جابر بن عبد الله: «ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر، فصلَّى الفجر حين تبيَّن له الصبح بأذانٍ وإقامة، ثم ركب القصواءَ حتى أتى المشعر الحرام». رواه مسلم (٣). وعن عبد الرحمن بن يزيد قال: حجّ عبد الله، فأتينا المزدلفة حين الأذان بالعتمة (٤) أو قريبًا من ذلك، فأمر رجلًا فأذَّن وأقام، ثم صلّى

стр. 3164

المغرب، وصلّى بعدها ركعتين، ثم دعا بعَشائه فتعشَّى، ثم أمر أُرى فأذَّن وأقام ــ قال [عمرو] (١): لا أعلم الشكّ إلا من زهير ــ ثم صلَّى العشاء ركعتين (٢)، فلما طلع الفجر قال: إن النبي ﷺ كان لا يصلّي هذه الساعةَ إلا هذه الصلاة في هذا المكان من هذا اليوم. قال عبد الله: هما صلاتان تُحوَّلان عن وقتهما: صلاة المغرب بعدما يأتي المزدلفة، والفجر حين يبزُغُ الفجر، وقال: رأيت النبي ﷺ يفعله (٣). وفي لفظ: «خرجتُ مع عبد الله إلى مكة، ثم قدِمنا جمْعًا، فصلّى الصلاتين كلَّ واحدةٍ وحدَها بأذان وإقامة، والعَشاءُ بينهما، ثم صلّى الفجر حين طلع الفجر، قائل يقول: طلع الفجر، وقائل يقول: لم يطلع الفجر، ثم قال: [قال] رسول الله ﷺ : «إن الصلاتين حُوِّلتا عن وقتهما في هذا المكان: المغرب، فلا يقدَم الناسُ جمْعًا حتى يُعتِموا، وصلاة الفجر هذه الساعة». ثم وقف حتى أسفر، ثم قال: [لو] (٤) أن أمير المؤمنين أفاض الآن أصاب السنة، فما أدري أقَولُه كان أسرع أم دَفْع عثمان ﵁ فلم يزل يلبِّي حتى رمى جمرة العقبة يوم النحر. رواه البخاري (٥). وفي رواية: «ما رأيت رسول الله ﷺ صلَّى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين: صلاة المغرب والعشاء بجَمْعٍ، وصلّى الفجر يومئذٍ قبل ميقاتها».

стр. 3165

متفق عليه (١). مسألة (٢): (ويأتي المشعر الحرام فيقف عنده، ويدعو، ويكون من دعائه: اللهم كما وقَفتَنا (٣) فيه، وأريتَنا إيّاه، فوفِّقنا لذكرك كما هديتنا، واغفر لنا، وارحمنا كما وعدتنا بقولك، وقولك الحق: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾» الآيتين إلى أن يُسفِر، ثم يدفع قبل [ق ٣٤٧] طلوع الشمس). قال أبو عبد الله في رواية المرُّوذي: فإذا بَرَق الفجر فصلِّ الفجر مع الإمام إن قدرتَ، ثم قفْ مع الإمام في المشعر الحرام، وتقول: «اللهم أنت خير مطلوب منه .. » إلى آخره. اعلم أن المشعر الحرام في الأصل اسم للمزدلفة كلها، وهو المراد؛ لأن عرفة هي المشعر الحلال، وسُمِّي جمعًا لأن الصلاتين تُجمع بها، كأن الأصل موضع جمعٍ أو ذات جمعٍ، ثم حُذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وروى سعيد بن أبي عروبة في «مناسكه» (٤) عن قتادة في قوله:

стр. 3166

﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ قال: هي ليلة جمعٍ، ذُكِر لنا أن ابن عباس كان يقول: ما بين الجبلين مشعر. وعن عمرو بن ميمون قال: سألت عبد الله بن عمرو بن العاص ونحن بعرفة عن المشعر الحرام، قال: إن اتبعتني أخبرتُك، فدفعتُ معه، حتى إذا وضعت الركابُ أيديَها في الحرم قال: هذا المشعر الحرام، قلت: إلى أين؟ قال: إلى أن تخرج منه. رواه الأزرقي وغيره بإسناد صحيح (١). ويبيِّن ذلك أن الله أمر بذكره عند المشعر الحرام، فلا بدَّ من أن يُشرع امتثال هذا الأمر، وإنما شُرع من الذكر: صلاة المغرب والعشاء والفجر، والوقوف للدعاء غداة النحر، وهذا الذكر كله يجوز في مزدلفة كلها؛ لقول النبي ﷺ : «هذا الموقفُ، ومزدلفة كلها موقف» (٢)، فعُلِم أنها جميعًا تدخل في مسمى المشعر الحرام. ثم إنه خُصَّ بهذا الاسم قُزَح (٣)؛ لأنه أخصّ تلك البقعة بالوقوف عنده والذكر، وغلب هذا الاستعمال في عرف الناس حتى إنهم لا يكادون يَعْنُون

стр. 3167

بهذا الاسم إلا نفس قُزَح، وإياه عنى جابر بقوله في حديثه عن النبي ﷺ : «ثم ركب القصواءَ حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعا الله وكبَّره وهلَّله ووحَّده، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا، فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضلَ بن عباس». رواه مسلم (١). وكثير (٢) ما يجيء في الحديث المشعر الحرام يُعنَى به نفس قُزَح. وأما في عرف الفقهاء فهو غالب عليه، ونسبة هذا الجبل إلى مزدلفة كنسبة جبل الرحمة إلى عرفة. إذا تبيَّن هذا فإن السنة أن يقف الناس غداةَ جَمْعٍ بالمزدلفة، يذكرون الله سبحانه ويدعونه ــ كما صنعوا بعرفات ــ إلى قبيل طلوع الشمس؛ وهو موقف عظيم ومشهد كريم، وهو تمام للوقوف بعرفة، وبه تُجاب المسائل التي توقفتْ بعرفة، كالطواف بين الصفا والمروة مع الطواف بالبيت وأوكد، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، ووقف النبي ﷺ فيه بالناس. وقد روى عباس بن مرداس أن رسول الله ﷺ دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة، فأجيب: قد غفرتُ لهم ما خلا المظالم، فإني آخُذُ للمظلوم منه، قال: أي ربي (٣)، إن شئتَ أعطيت المظلوم من الجنة وغفرت للظالم، فلم يُجَب عشية عرفة، فلما أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء فأجيب إلى ما سأل،

стр. 3168

قال: فضحك رسول الله ﷺ أو تبسَّم، فقال أبو بكر وعمر: بأبي أنت وأمي إن هذه الساعةَ ما كنت تضحك فيها، فما الذي أضحكك، أضحك الله سِنَّك؟ قال: «إن عدوَّ الله إبليس لما علم أن الله قد استجاب دعائي وغفر لأمتي أخذ التراب، فجعل يحثو على رأسه، ويدعو بالويل والثبور؛ فأضحكني ما رأيتُ من جَزَعه». رواه أبو داود، وابن ماجه، وعبد الله بن أحمد في مسند أبيه، وابن أبي الدنيا (١). وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان عشية عرفة باهى الله بالحاجِّ فيقول لملائكته: انظروا إلى عبادي شُعْثًا غُبْرًا قد أتوني من كل فجٍّ عميق يرجون رحمتي ومغفرتي، أُشهِدكم أني قد غفرت لهم إلا ما كان من تَبِعاتِ بعضهم بعضًا. فإذا كان غداة المزدلفة، قال الله لملائكته: أُشهِدكم أني قد غفرتُ لهم تبعاتِ بعضهم بعضا، وضَمِنتُ لأهلها النوافل». رواه ابن أبي داود (٢) من حديث ابن أبي روَّاد عن نافع عنه. وعن بلال بن رباح أن النبي ﷺ قال له غداةَ جَمْعٍ: «يا بلالُ، أَسكِت الناس (٣) أو أَنصِت الناس»، ثم قال: «إن الله تطاولَ (٤) عليكم في جَمْعكم

стр. 3169

هذا، فوهب مسيئكم لمحسنكم، وأعطى محسنَكم ما سأل، ادفعوا باسم الله». رواه ابن ماجه (١). فصل ولا يُفيض الإمام من جمعٍ حتى يُسفِر النهار، فيفيض قبل طلوع الشمس، قال جابر في حديثه الطويل: «فلم يزل واقفًا حتى أسفرَ جدًّا، ثم دفع قبل أن تطلع الشمس». وعن عمر بن الخطاب قال: كان أهل الجاهلية لا يُفيضون من جمعٍ حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرِقْ ثَبيرُ، قال: فخالفهم النبي ﷺ [ق ٣٤٨] فأفاض قبل طلوع الشمس. رواه الجماعة إلا مسلمًا (٢)، وقال في رواية أحمد وابن ماجه: «كيما نُغِير». وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ وقف بجمعٍ، فلما أضاء كلُّ شيء قبل أن تطلع الشمس أفاض. رواه أحمد (٣). وقد تقدم في حديث عبد الله بن مسعود أنه وقف حتى أسفر، ثم قال:

стр. 3170

[لو] أن أمير المؤمنين أفاض الآن أصاب السنة. رواه البخاري (١). ولا ينبغي لأحد أن يدعَ الوقوف غداة جمعٍ ويتعجَّل بليل إلا لعذر؛ قال حنبل (٢): قال عمي: من لم يقف غداة المزدلفة ليس عليه شيء، لأن النبي ﷺ قدَّم الضعفة، ولا ينبغي له أن يفعل إلا أن يكون معه ضَعَفَةٌ أو غَلَبةٌ (٣)، وعليه أن يبيت ليلة المزدلفة، فإن لم يبت فعليه دم. والمعذور يذكر الله عند المشعر الحرام بليل؛ وذلك لما روى سالم أن عبد الله بن عمر كان يقدِّم ضعفةَ أهله، فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل، فيذكرون الله ما بدا لهم، ثم يدفعون قبل أن يقف الإمام وقبل أن يدفع؛ فمنهم من يَقْدَم منًى لصلاة الفجر، ومنهم من يَقْدَم بعد ذلك، فإذا قدموا رَمَوا الجمرة، وكان ابن عمر يقول: أرخصَ في أولئك رسول الله ﷺ . متفق عليه (٤)، ولفظه لمسلم. وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ أرخصَ لضَعَفَةِ الناس من المزدلفة بليل. رواه أحمد (٥). وعن عبد الله مولى أسماء ابنة أبي بكر عن أسماء: أنها نزلت ليلةَ جمعٍ عند المزدلفة، فقامت تصلِّي، فصلَّتْ ساعة، ثم قالت: يا بُنيَّ غاب القمر؟

стр. 3171

قلت: لا، فصلَّت ساعة، ثم قالت: هل غاب القمر؟ قلت: نعم، قالت: فارتحلوا، فارتحلنا، فمضينا حتى رمت الجمرة، ثم رجعت فصلَّت الصبح في منزلها، فقلت: يا هَنْتاه (١)، ما أُرانا إلا قد غَلَّسنا؟ قالت: يا بُنيَّ إن رسول الله ﷺ أذِنَ للظُّعُنِ. متفق عليه (٢). وعن أم حبيبة أن النبي ﷺ بعثَ بها من جمعٍ بليل. رواه أحمد ومسلم والنسائي (٣). وعن ابن عباس قال: أنا ممن قدِمَ النبي ﷺ ليلة المزدلفة في ضَعَفة أهله. رواه الجماعة إلا الترمذي (٤). وعن الفضل بن عباس قال: أمر رسول الله ﷺ ضَعَفة بني هاشم أن يتعجَّلوا من جمعٍ بليل. رواه أحمد والنسائي (٥). فهذا الترخيص دليل على أن غيرهم ليسوا ... (٦)، لما أذِن لضَعَفة

стр. 3172

الناس، وأذِن للظُّعُن، وأرخصَ في أولئك، يقتضي قَصْر الإذن عليهم، وأن غيرهم لم يؤذن له، وكذلك تقديمه ﷺ ضَعَفة أهله، وإبقاؤه سائرَ الناس معه دليل على أن حكمهم بخلاف ذلك. والضَّعَفة من يَخاف من تأذِّيه بزحمة الناس عند الوقوف والمسير ورمي الجمرة، وهم النساء والصبيان والمرضى ونحوهم، ومن يقوم بهؤلاء. فصل والجبل الذي يستحبّ الوقوف عنده بالمزدلفة له ثلاثة أسماء: قُزَح، والمشعر الحرام، والمِيْقَدة (١). مسألة (٢): (ثم يدفع قبل طلوع الشمس، فإذا بلغ محسِّرًا أسرع قدرَ رَمْيةٍ (٣) بحجرٍ حتى يأتي منًى) . قال جابر في حديثه الطويل عن النبي ﷺ : «فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضلَ بن عباس، وكان رجلًا حسنَ الشعر أبيضَ وسيمًا، فلما دفع رسول الله ﷺ مرَّت ظُعُنٌ يجرين، فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل، فحوَّل الفضلُ وجهَه إلى الشِّقّ الآخر ينظر، فحوَّل رسول الله ﷺ يده إلى الشِّق الآخر على وجه الفضل، يصرف (٤)

стр. 3173

وجهه من الشِّق الآخر ينظر، حتى أتى بطنَ محسِّر، فحرَّك قليلًا، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حَصَياتٍ». رواه [مسلم] (١). ويستحبُّ أن يدفع وعليه السكينة، كما في الدفع من عرفة، كما روى الفضل بن عباس ــ وكان رديفَ رسول الله ﷺ ــ أنه قال في عشية عرفة وغداة جمْعٍ للناس حين دفعوا: «عليكم بالسكينة»، وهو كافٌّ ناقته حتى دخل محسِّرًا، وهو من منًى، قال: «عليكم بحصى الخَذْف الذي تُرمى به الجمرة»، وقال: لم يزل رسول الله ﷺ يلبِّي حتى رمى جمرة العقبة. وفي لفظ: «يشير بيده كما يَخْذِف الإنسان». رواه مسلم (٢). وأما الإسراع في وادي محسِّر فقد ذكره جابر، وقال الفضل: «وهو كافٌّ ناقتَه حتى دخل محسِّرًا». وعن جابر أن النبي ﷺ أوضعَ في وادي محسِّر، وأمرهم أن [يرموا] (٣) بمثل حصى الخَذْف. رواه الخمسة (٤) و [قال الترمذي: حديث حسن صحيح] (٥).

стр. 3174

[ق ٣٤٩] وعن نافع أن ابن عمر كان يحرِّك راحلته في بطن محسِّرٍ قَدْرَ رَميةٍ بحجر. رواه مالك عنه (١). مسألة (٢): (حتى يأتي منًى فيبدأ بجمرة العقبة، فيرميها بسبع حصيات كحصى الخَذْف، يكبّر مع كل حصاة ، ويرفع يده في الرمي، ويقطع التلبية مع ابتداء الرمي، ويستبطن الوادي، ويستقبل القبلة، ولا يقف عندها). في هذا الكلام فصول: أحدها أن أول شيء يصنعه إذا قدِم منى أن يؤمَّ جمرة العقبة، وهي آخر الجمرات أقصاهن من منى وأدناهن إلى مكة، وهي الجمرة الكبرى (٣)، وهي الجمرة الآخرة، وقد تُسمَّى الجمرة القصوى باعتبار من يؤمُّها من منى، وربما سمِّيت .... (٤) وسمِّيت جمرة العقبة لأنها في عقبة مأزم منى، وخلفها من ناحية الشام وادٍ فيه بايع الأنصار رسول الله ﷺ بيعة العقبة، وقد بُني هناك مسجد. فيبدأ برمي هذه الجمرة قبل كل شيء كما فعل النبي ﷺ . قال أصحابنا: رميها تحيةُ منى، كما أن الطواف تحية البيت، وكما أن

стр. 3175

المغرب تحية المزدلفة، وكما أن ... (١)، ويستحب أن يسلك إليها ... (٢)، والجمرة اسم ... (٣). الفصل الثاني أن يرميها بسبع حصيات ، وهذا من العلم العام الذي توارثته الأمة خلفًا عن سلف، قال جابر في حديثه: «ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات يكبّر مع كل حصاة منها [مثلِ] (٤) حصى الخَذْف، رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر». رواه مسلم (٥)، وروى أنه رمى بسبع حصياتٍ ابنُ مسعود (٦) والفضل بن عباس (٧). الفصل الثالث أنه يستحبّ أن يكون الحصى كحصى الخَذْف كما رواه جابر عن النبي ﷺ أمرًا وفعلًا، وفي حديث الفضل عن النبي ﷺ قال: «حتى دخل محسِّرًا

стр. 3176

وهو من منًى، قال: «عليكم بحصى الخَذْف الذي يُرمَى به الجمرة». وفي لفظ: «يشير بيده كما يَخْذف الإنسان». رواه مسلم (١). الفصل الرابع أنه (٢) يكبر مع كل حصاة، ويرفع يده في الرمي ، قال جابر في حديثه الطويل (٣) عن النبي ﷺ : «فرماها بسبع حَصَياتٍ، يكبِّر مع كل حصاة». وكذلك في حديث الفضل (٤). قال أحمد في رواية المرُّوذي: «يكبِّر في أَثَرِ كل حصاة، يقول: الله أكبر الله أكبر (٥)، اللهم اجعلْه حجًّا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا، وذنبًا مغفورًا، وتجارةً لن تبور». وقال حرب (٦): قلت لأحمد: فيكبّر؟ قال: نعم يكبّر مع كل حصاة تكبيرة، قلت: بعد الرمي أو قبل الرمي؟ قال: يرمي ويكبّر. الفصل الخامس أنه يقطع التلبية مع ابتداء الرمي ؛ لما روى الفضل بن عباس أن النبي ﷺ

стр. 3177

لم يزل يلبِّي حتى رمى جمرة العقبة. متفق عليه (١)، وفي رواية لأحمد (٢) والنسائي: «فرماها بسبع حصياتٍ يكبِّر مع كل حصاة». الفصل السادس أن السنة أن يرميها من بطن الوادي ، وهو الطريق يمانيَّ الجمرة. هذا هو المذهب المعروف المنصوص، قال عبد الله (٣): قلت لأبي: من أين يرمى الجمار؟ قال: من بطن الوادي. وقال حرب: سألت أحمد، قلت: فإن رمى الجمرة من فوقها؟ قال: لا، ولكن يرميها من بطن الوادي، قلت لأحمد: فيكبّر (٤)؟ قال: يكبّر مع كل حصاة تكبيرة، قلت: بعد الرمي أو قبل الرمي؟ قال: يرمي ويكبّر. وذكر القاضي عن حرب عن أحمد: لا يرمي الجمرة من بطن الوادي، ولا يرمي من فوق الجمرة. قال القاضي: يعني لا يرميها عرضًا من بطن الوادي. وقال ابن عقيل: إنما لم يستبطن الوادي؛ لأنه أمر أن يرمى إليه لا فيه، فإذا رمى فيه سقط وقوفه على ما علاه، وسقط بعض ماحية (٥) بالرمي. وهذا غلط على المذهب، منشؤه الغلط في نقل الرواية.

стр. 3178

وقد ذكر القاضي في موضع آخر المذهب كما حكيناه، ولعل سببه أن النسخة التي نقل منها رواية حرب كان فيها غلط، فإني نقلت رواية حرب من أصل متقن قديم من أصح الأصول، وكذلك ذكرها أبو بكر في «الشافي»؛ لما روى قُدامة بن عبد الله الكلابي أنه رأى النبي ﷺ رمى جمرة العقبة من بطن الوادي يوم النحر على ناقةٍ له صَهْباءَ (١)، لا ضَرْبَ ولا طَرْدَ، ولا إليك إليك. رواه أحمد وابن ماجه والنسائي (٢)، ولم يَذكرا (٣) فيه: «من بطن الوادي» (٤). وعن عبد الرحمن بن يزيد (٥) أنه كان مع عبد الله بن مسعود، فأتى جمرة العقبة، فاستبطنَ الوادي فاستعرضها فرماها [ق ٣٥٠] من بطن الوادي بسبع حصياتٍ يكبّر مع كل حصاة، قال: فقلت: يا أبا عبد الرحمن، إن الناس يرمونها من فوقها، فقال: هذا ــ والذي لا إله غيره (٦) ــ مقامُ الذي أُنزلتْ عليه سورة البقرة. متفق عليه (٧).

стр. 3179

وفي رواية للبخاري (١): «فاستبطن الوادي، حتى إذا حاذى بالشجرة (٢) اعترضها، فرمى (٣) بسبع حصياتٍ، فكبَّر مع كل حصاة، ثم قال: من هاهنا ــ والذي لا إله غيره ــ قام الذي أُنزِلتْ عليه سورة البقرة». وفي رواية لأحمد (٤): «أنه انتهى إلى جمرة العقبة، فرماها من بطن الوادي بسبع حصياتٍ وهو راكب، يكبِّر مع كل حصاة، وقال: اللهم اجعلْه حجًّا مبرورًا وذنبًا مغفورًا، ثم قال: هاهنا كان يقوم الذي أُنزِلتْ عليه سورة البقرة». وفي حديث جابر (٥): «أنه رمى من بطن الوادي»، وكذلك في عدة أحاديث، ولا مَعدلَ عن السنة الصحيحة الصريحة، أم كيف يجوز أن يُنسب إلى أحمد أنه قال: «لا ترمي من بطن الوادي» وهو أعلمُ الناس بسنةٍ (٦) وأتبعُهم لها؟ الفصل السابع أنه يستقبل القبلة، فيجعل الجمرة عن يمينه ومنى وراءه ، ويستبطن

стр. 3180

الوادي كما ذكر الشيخ (١)، وكذلك ذكر أبو الخطاب (٢) و ... (٣)؛ لما روي عن عبد الله بن مسعود أنه لما أتى جمرة العقبة استبطن [الواديَ]، واستقبل الكعبة، وجعل الجمرة على حاجبه الأيمن، ثم رماها بسبع حصياتٍ يكبِّر مع كل حصاة، ثم قال: من هاهنا ــ والذي لا إله غيره ــ رمى الذي أُنزلتْ عليه سورة البقرة. رواه أحمد وابن ماجه والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح (٤). وذكر القاضي في «المجرد» وابن عقيل أنه إذا رمى جمرة العقبة يكون مستدبر القبلة مستقبلًا لمنًى، فإنه إذا وافى هذه الجمرة مرَّ بها، ثم رجع فتوجه إليها، فإذا جاوزها ثم عاد متوجهًا إليها كان مستقبلًا لمنى مستدبرًا للقبلة، وهذا بناء على أنه لا يرميها من بطن الوادي، وإنما يرميها من ناحية المأزم. الفصل الثامن أنه لا يقف عندها .

стр. 3181

مسألة (١): (ثم ينحر هَدْيه) . قال جابر في حديثه عن النبي ﷺ : «ورمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بدنةً، ثم أعطى عليًّا فنحر ما غَبر، وأشركه في هَدْيه، ثم أمر من كل بدنة ببَضْعةٍ، فجُعِلتْ في قِدرٍ فطُبِخت، فأكلا من لحمها، وشربا من مَرَقِها، ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت». رواه مسلم (٢). وعن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ أتى منًى، فأتى الجمرةَ فرماها، ثم أتى منزله بمنًى ونحر، ثم قال للحلّاق: «خُذْ»، وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناسَ. رواه مسلم وأبو داود (٣). مسألة (٤): (ثم يحلق ويقصِّر) . وذلك لما تقدَّم في حديث أنس عن النبي ﷺ : ثم أتى منزلَه بمنًى ونحر، ثم قال للحلاق: «خُذْ»، وأشار (٥) إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس» رواه مسلم (٦).

стр. 3182

وفي رواية له (١): «لما رمى رسول الله ﷺ الجمرة ونحر نُسُكَه وحلَق، ناول الحلَّاقَ شِقَّه الأيمن فحلَقه، ثم دعا أبا طلحة الأنصاري فأعطاه إياه، ثم ناوله الشقَّ الأيسر فقال: «احلقْ»، فحلقه، فأعطاه أبا طلحة، فقال: «اقسِمْه بين الناس». وفي رواية للبخاري (٢): «أن رسول الله ﷺ لما حلق رأسه كان أبو طلحة أول من أخذ من شعره». وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ حلق رأسه في حجة الوداع. متفق عليه (٣)، زاد البخاري (٤): «وزعموا أن الذي حلق النبي ﷺ معمر بن عبد الله بن نَضْلة بن عوف». مسألة (٥): (ثم قد حلَّ له كل شيء إلا النساء) . لا يختلف المذهب أنه إذا رمى الجمرة ونحر وحلق أو قصَّر فقد حلّ له اللباس والطيب والصيد وعقد النكاح، ولا يحلُّ له النساء، وهذا يسمّى التحلل الأول، وذلك لما روي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا رميتم الجمرة فقد حلّ لكم كل شيء إلا النساء»، فقال رجل: والطيب؟ فقال

стр. 3183

ابن عباس: «أما أنا فرأيت رسول الله ﷺ يُضمِّخ رأسه بالمسك، أفطيبٌ ذلك أم لا؟». هكذا رواه أحمد (١)، واحتجّ به في رواية ابنه عبد الله، قال ابن عباس: قال رسول الله ﷺ : «إذا رميتم الجمرة فقد حلَّ لكم كل شيء إلا النساء» وساق الحديث. وكذلك رواه أبو بكر في «الشافي» من حديث أحمد ومحمد بن إسماعيل الترمذي عن وكيع، قثنا سفيان، عن سلمة، عن الحسن العُرَني. ورواه النسائي (٢) من حديث يحيى بن سعيد، وابن ماجه (٣) من رواية ابن أبي شيبة (٤) [ق ٣٥١] والطنافسي عن وكيع، ومن رواية محمد بن خلّاد الباهلي عن يحيى ووكيع (٥) وابن مهدي، ثلاثتهم عن سفيان عن سلمة عن الحسن عن ابن عباس قال: «إذا رميتم الجمرة فقد حلَّ لكم كل شيء إلا النساء». جعلوا أوله موقوفًا على ابن عباس، وكذلك (٦) قيل إنه في «المسند» (٧). وعن الحجاج بن أرطاة عن الزهري عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا رميتم وحلقتم فقد حلَّ لكم الطيب

стр. 3184

والثياب وكل شيء إلا النساء». رواه أحمد والد [ارقطني] (١)، وأبو داود (٢) ولفظه: «إذا رمى أحدكم جمرةَ العقبة فقد حلَّ له كل شيء إلا النساء». وقال: هذا حديث ضعيف، الحجَّاج لم ير الزهري ولم يسمع منه. وعن عائشة قالت: «كنت أُطيِّب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يُحرم، ولحلِّه قبل أن يطوف بالبيت». متفق عليه (٣)، ولفظ مسلم وغيره (٤): «ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيبٍ فيه مسك». وفي رواية للنسائي (٥): «ولحلِّه بعد ما رمى (٦) جمرة العقبة قبل أن يطوف بالبيت». فإذا ثبت بهذه السنة حِلُّ الطيب، وهو من مقدمات النكاح ودواعيه،

стр. 3185

فعقد النكاح أولى؛ ولأن الله سبحانه قال: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ولم يقيِّده بالحلّ من جميع المحظورات، بل هو مطلق ونكرة في سياق الشرط، فيدخل فيه كلّ حِلٍّ، سواءٌ كان حِلًّا من جميع المحظورات، أم من أكثرها، أم من بعضها. وقال في الآية الأخرى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، وإذا رمى الجمرة فليس بحرام؛ ولذلك قال النبي ﷺ : «لا يَنكِح المحرم ولا يُنكِح»، وبعد الجمرة ليس بمحرم؛ بدليل أنه إذا نذر ... (١). وفي المحرَّم من النساء روايتان: إحداهما: يحرم عليه جميع وجوه الاستمتاع من الوطء والمس والقبلة وغير ذلك، وعلى هذا فيحرم عليه ... (٢)، وهذا اختيار عامة أصحابنا؛ مثل الخرقي (٣) وأبي بكر وابن حامد والقاضي (٤) وأصحابه. والرواية الثانية: قال في رواية أبي طالب (٥) وقد سأله عن القبلة بعد رمي جمرة العقبة (٦) قبل أن يزور البيت؟ فقال: ليس عليه شيء، قد حلَّ له كل شيء إلا النساء.

стр. 3186

فمن أصحابنا من قال: هذا يدل على أنه يباح له كل شيء إلا الوطء في الفرج؛ لأنه أباح له القبلة، وحكوا هذه الرواية لذلك. ومنهم من قال: ظاهر هذا أنه أباح له القبلة بعد التحلل الأول. وقال القاضي: عندي أن قوله: «ليس عليه شيء» أي ليس عليه دم، لا أنها مباحة، وهذا من القاضي يقتضي أنها محرمة ولا دم فيها. فصل فيما يحصل به التحلل الأول، وفيه روايتان منصوصتان: إحداهما: يحصل بمجرد الرمي، فلو لبس قبل الحلق أو تطيَّب أو قتل الصيد لم يكن عليه شيء، قال في رواية عبد الله (١) وأبي الحارث (٢): حجه فاسد إذا وطئ قبل أن يرمي، وإن كان قد وقف بعرفة؛ لأن الإحرام قائم عليه، فإذا رمى الجمرة انتقض بعض إحرامه وحلَّ له كل شيء إلا النساء. وقال في رواية ابن منصور (٣) وقد سئل عن المحرم يغسل رأسه قبل أن يحلقه (٤)، فقال: إذا رمى الجمرة فقد انتقض إحرامه إن شاء غسله. لأن في حديث ابن عباس: «إذا رميتم الجمرةَ فقد حلَّ لكم كل شيء»، وكذلك في حديث عائشة من رواية أبي داود (٥).

стр. 3187

والثانية: بالرمي والحلاق، قال القاضي (١): وهي أصح الروايتين. قال في رواية المرُّوذي: ابدأْ بشِقِّ رأسك الأيمن وأنت متوجه إلى الكعبة، وقل: اللهم هذه ناصيتي بيدك، اجعلْ لي بكل شعرةٍ نورًا يوم القيامة، اللهم باركْ لي في نفسي وتقبَّلْ عملي. وخذ من شاربك وأظفارك، ثم قد حلَّ من كل شيء إلا النساء. والمرأة تقصِّر من شعرها، وتقول مثل ذلك. وقد نصَّ في مواضع كثيرة (٢) على أن المعتمر ما لم يحلق أو يقصِّرْ فهو محرم؛ لأن في حديث عائشة: «إذا رميتم وحلقتم»، وهذه زيادة ... (٣). واختلف أصحابنا في مأخذ هذا الاختلاف على طرق: فقال القاضي في «المجرد» وأبو الخطاب وجماعات من أصحابنا (٤): هذا مبني على أن الحلق هل هو نسك أو إطلاق (٥) من محظور، وخرَّجوا في ذلك روايتين، إحداهما: أنه إطلاق من محظور بمنزلة تقليم الأظفار، وأخذ الشارب، ولبس الثياب والطيب، لأنه محظور في حال الإحرام، فكان في وقته إطلاق محظورٍ كسائر المحظورات من اللبس والطيب، ولأنه لو كان نسكًا من أعمال الحج لم يجب بفعله حالَ الإحرام دمٌ كسائر المناسك

стр. 3188

من الطوافَين والوقوفَين والرمي. وسبب هذا: أن الحلق هو من جملة إلقاء التَّفَث، وإزالة الشعث والغبار، ونوع من الترفُّه، وذلك بالمباحات أشبه منه بالعبادات. وأصحاب هذا [ق ٣٥٢] القول ربما استحبُّوا الحلاق من حيث هو نظافة للطواف كما يستحب الحلق والتقليم والاغتسال، لا لأمر يختص النسك، وعلى هذا القول لا فرق بين حلق الرأس وحلق العانة. واعلم أن هذا القول غلطٌ على المذهب، ليس عن أحمد ما يدل على هذا، بل كلامه كله دليل على أن الحلق من المناسك، وإنما توهَّم ذلك من توهمه حيث لم يُوقِف التحلُّل عليه، أو حيث لم يقيِّد (١) النسك بالوطء قبله، وهذه الأحكام لها مأخذ آخر. ثم هو خطأ في الشريعة كما سنذكره (٢). الطريقة الثانية: أن الحلق أو التقصير نُسكٌ يُثاب على فعله ويُعاقَب على تركه من غير تردُّد؛ لكن هل يتوقف التحلل الأول عليه؟ على روايتين، فإن قيل: يتوقف التحلل عليه فهو كالرمي والسلام في الصلاة، وإن لم يتوقف التحلل عليه فهو كالمبيت بمنى، وكرمي الجمار أيام منى، وكسجود السهو بعد الصلاة. وهذه طريقة القاضي في «خلافه» (٣) وطريقة ... (٤). وهذه الطريقة أجود من التي قبلها؛ لأن الرواية إنما اختلفت عن أحمد في وجوب الدم على من وطئ في العمرة قبل الحلاق، ولم يختلف عنه أنه مُسيءٌ بذلك، واختلف عنه ... (٥).

стр. 3189

الطريقة الثالثة: أنه نسكٌ مؤكَّد، وتاركه مسيء بغير تردُّد؛ لكن هل هو واجب بحيث إذا فات بفساد العبادة يجب عليه دم أو يعاقب على تركه؟ على روايتين. وإذا قلنا: هو واجب فهل يتحلَّل بدونه؟ على روايتين. وهذه الطريقة أجود الطرق، وهي مقتضى ما سلكه المتقدمون من أصحابنا، ولا يختلف أصحابنا في اختيار كونه نُسكًا، وذلك لأن الله سبحانه قال: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، وهذه اللام لام الأمر على قراءة ... (١). وأيضًا فإنه سبحانه قال: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، فجعل الحلق والتقصير شعار النسك وعلامته، وعبَّر عن النسك بالحلق والتقصير، وذلك يقتضي كونه جزءا منه وبعضًا له لوجوه: أحدها: أن العبادة إذا سُمِّيت بما يُفعل فيها دلَّ على أنه واجب فيها، كقوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، وقوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢]، و ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ٢٠]، ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]، ﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨]، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [طه: ١٣٠]. ويقال: صليتُ ركعتين وسجدتين. وكذلك في الأعيان يعبَّر عن الشيء ببعض أجزائه، كما قال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، ويقال: عنده عشرة رؤوس وعشرُ رقابٍ.

стр. 3190

الثاني: أن الحلق والتقصير إذا كان من لوازم النسك، وهو أمر ظاهر باقٍ أثره في الناسك (١)، كان وجود النسك وجودًا له، فجاز أن يقصد النسك بلفظه للزومه إياه، أما إذا وُجد معه تارةً وفارقه أخرى بحسب اختيار الإنسان، كان بمنزلة الركوب والمشي، لا يحسُن التعبيرُ به عنه ولا يُفهَم منه. الثالث: ... (٢). ويُشبِه ــ والله أعلم ــ إنما ذُكِر الحلاق والتقصير دون الطواف والسعي؛ لأنهما صفتان لبدن الإنسان ينتقلان بانتقاله. والمراد بالدخول الكونُ؛ فكأنه قال: لتكونُنَّ بالمسجد الحرام ولتمكَّنُنَّ (٣) به حالقين ومقصِّرين، وفيه أيضًا تنبيه على تمام النسك؛ لأن الحلق والتقصير إنما يكون بعد التمام؛ لئلا يخافوا أن يُصَدُّوا عن إتمام العمرة كما صُدُّوا عن إتمامها عامَ أول. وأيضًا فإن النبي ﷺ حلق هو وجميع أصحابه، وهو من الأعمال التي تناقلتها الأمة خلفًا عن سلفٍ قولًا وفعلًا، فلو لم يكن ذلك عبادةً ونسكًا لله وطاعةً لم يحافظوا عليه هذه المحافظة. وأيضًا فإن النبي ﷺ دعا ... (٤).
следующие страницы →