← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

فمن أصحابنا من قال: هذا يدل على أنه يباح له كل شيء إلا الوطء في الفرج؛ لأنه أباح له القبلة، وحكوا هذه الرواية لذلك. ومنهم من قال: ظاهر هذا أنه أباح له القبلة بعد التحلل الأول. وقال القاضي: عندي أن قوله: «ليس عليه شيء» أي ليس عليه دم، لا أنها مباحة، وهذا من القاضي يقتضي أنها محرمة ولا دم فيها. فصل فيما يحصل به التحلل الأول، وفيه روايتان منصوصتان: إحداهما: يحصل بمجرد الرمي، فلو لبس قبل الحلق أو تطيَّب أو قتل الصيد لم يكن عليه شيء، قال في رواية عبد الله (١) وأبي الحارث (٢): حجه فاسد إذا وطئ قبل أن يرمي، وإن كان قد وقف بعرفة؛ لأن الإحرام قائم عليه، فإذا رمى الجمرة انتقض بعض إحرامه وحلَّ له كل شيء إلا النساء. وقال في رواية ابن منصور (٣) وقد سئل عن المحرم يغسل رأسه قبل أن يحلقه (٤)، فقال: إذا رمى الجمرة فقد انتقض إحرامه إن شاء غسله. لأن في حديث ابن عباس: «إذا رميتم الجمرةَ فقد حلَّ لكم كل شيء»، وكذلك في حديث عائشة من رواية أبي داود (٥).

стр. 3187

والثانية: بالرمي والحلاق، قال القاضي (١): وهي أصح الروايتين. قال في رواية المرُّوذي: ابدأْ بشِقِّ رأسك الأيمن وأنت متوجه إلى الكعبة، وقل: اللهم هذه ناصيتي بيدك، اجعلْ لي بكل شعرةٍ نورًا يوم القيامة، اللهم باركْ لي في نفسي وتقبَّلْ عملي. وخذ من شاربك وأظفارك، ثم قد حلَّ من كل شيء إلا النساء. والمرأة تقصِّر من شعرها، وتقول مثل ذلك. وقد نصَّ في مواضع كثيرة (٢) على أن المعتمر ما لم يحلق أو يقصِّرْ فهو محرم؛ لأن في حديث عائشة: «إذا رميتم وحلقتم»، وهذه زيادة ... (٣). واختلف أصحابنا في مأخذ هذا الاختلاف على طرق: فقال القاضي في «المجرد» وأبو الخطاب وجماعات من أصحابنا (٤): هذا مبني على أن الحلق هل هو نسك أو إطلاق (٥) من محظور، وخرَّجوا في ذلك روايتين، إحداهما: أنه إطلاق من محظور بمنزلة تقليم الأظفار، وأخذ الشارب، ولبس الثياب والطيب، لأنه محظور في حال الإحرام، فكان في وقته إطلاق محظورٍ كسائر المحظورات من اللبس والطيب، ولأنه لو كان نسكًا من أعمال الحج لم يجب بفعله حالَ الإحرام دمٌ كسائر المناسك

стр. 3188

من الطوافَين والوقوفَين والرمي. وسبب هذا: أن الحلق هو من جملة إلقاء التَّفَث، وإزالة الشعث والغبار، ونوع من الترفُّه، وذلك بالمباحات أشبه منه بالعبادات. وأصحاب هذا [ق ٣٥٢] القول ربما استحبُّوا الحلاق من حيث هو نظافة للطواف كما يستحب الحلق والتقليم والاغتسال، لا لأمر يختص النسك، وعلى هذا القول لا فرق بين حلق الرأس وحلق العانة. واعلم أن هذا القول غلطٌ على المذهب، ليس عن أحمد ما يدل على هذا، بل كلامه كله دليل على أن الحلق من المناسك، وإنما توهَّم ذلك من توهمه حيث لم يُوقِف التحلُّل عليه، أو حيث لم يقيِّد (١) النسك بالوطء قبله، وهذه الأحكام لها مأخذ آخر. ثم هو خطأ في الشريعة كما سنذكره (٢). الطريقة الثانية: أن الحلق أو التقصير نُسكٌ يُثاب على فعله ويُعاقَب على تركه من غير تردُّد؛ لكن هل يتوقف التحلل الأول عليه؟ على روايتين، فإن قيل: يتوقف التحلل عليه فهو كالرمي والسلام في الصلاة، وإن لم يتوقف التحلل عليه فهو كالمبيت بمنى، وكرمي الجمار أيام منى، وكسجود السهو بعد الصلاة. وهذه طريقة القاضي في «خلافه» (٣) وطريقة ... (٤). وهذه الطريقة أجود من التي قبلها؛ لأن الرواية إنما اختلفت عن أحمد في وجوب الدم على من وطئ في العمرة قبل الحلاق، ولم يختلف عنه أنه مُسيءٌ بذلك، واختلف عنه ... (٥).

стр. 3189

الطريقة الثالثة: أنه نسكٌ مؤكَّد، وتاركه مسيء بغير تردُّد؛ لكن هل هو واجب بحيث إذا فات بفساد العبادة يجب عليه دم أو يعاقب على تركه؟ على روايتين. وإذا قلنا: هو واجب فهل يتحلَّل بدونه؟ على روايتين. وهذه الطريقة أجود الطرق، وهي مقتضى ما سلكه المتقدمون من أصحابنا، ولا يختلف أصحابنا في اختيار كونه نُسكًا، وذلك لأن الله سبحانه قال: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، وهذه اللام لام الأمر على قراءة ... (١). وأيضًا فإنه سبحانه قال: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، فجعل الحلق والتقصير شعار النسك وعلامته، وعبَّر عن النسك بالحلق والتقصير، وذلك يقتضي كونه جزءا منه وبعضًا له لوجوه: أحدها: أن العبادة إذا سُمِّيت بما يُفعل فيها دلَّ على أنه واجب فيها، كقوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، وقوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢]، و ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ٢٠]، ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]، ﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨]، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [طه: ١٣٠]. ويقال: صليتُ ركعتين وسجدتين. وكذلك في الأعيان يعبَّر عن الشيء ببعض أجزائه، كما قال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، ويقال: عنده عشرة رؤوس وعشرُ رقابٍ.

стр. 3190

الثاني: أن الحلق والتقصير إذا كان من لوازم النسك، وهو أمر ظاهر باقٍ أثره في الناسك (١)، كان وجود النسك وجودًا له، فجاز أن يقصد النسك بلفظه للزومه إياه، أما إذا وُجد معه تارةً وفارقه أخرى بحسب اختيار الإنسان، كان بمنزلة الركوب والمشي، لا يحسُن التعبيرُ به عنه ولا يُفهَم منه. الثالث: ... (٢). ويُشبِه ــ والله أعلم ــ إنما ذُكِر الحلاق والتقصير دون الطواف والسعي؛ لأنهما صفتان لبدن الإنسان ينتقلان بانتقاله. والمراد بالدخول الكونُ؛ فكأنه قال: لتكونُنَّ بالمسجد الحرام ولتمكَّنُنَّ (٣) به حالقين ومقصِّرين، وفيه أيضًا تنبيه على تمام النسك؛ لأن الحلق والتقصير إنما يكون بعد التمام؛ لئلا يخافوا أن يُصَدُّوا عن إتمام العمرة كما صُدُّوا عن إتمامها عامَ أول. وأيضًا فإن النبي ﷺ حلق هو وجميع أصحابه، وهو من الأعمال التي تناقلتها الأمة خلفًا عن سلفٍ قولًا وفعلًا، فلو لم يكن ذلك عبادةً ونسكًا لله وطاعةً لم يحافظوا عليه هذه المحافظة. وأيضًا فإن النبي ﷺ دعا ... (٤).

стр. 3191

وأيضًا فإن الحلق أمر لا يُشرع في غير الحج (١)، بل هو إما مكروه أو مباح، وكل أمر شُرِع في الحج ولم يُشرَع في غيره فإنه يكون نسكًا، كالرمي والسعي والوقوف، وعكسه التقليم ونتف الإبط ولبس الثياب، فإنه مشروع قبل الإحرام، ففِعلُه عودٌ (٢) إلى الحال الأولى. أما حلق الرأس فإنه لا يُشرع قبل الإحرام بحال. وأيضًا فحلق الرأس ليس من النظافة المأمور بها كالتقليم وأخذ الشارب، ولا الزينة المندوب إليها كلبس الثياب، فلو لم يكن نُسكًا لكان عبثًا محضًا؛ إذ لا فائدة فيه أصلًا ... (٣). وأيضًا فإنه لو كان المقصود إزالة وسخ لما اكتفى بمجرد التقصير، فالاكتفاء به دليل على أن المقصود وضع شيء من شعره لله تعالى. وأيضًا فإن الحلق يجمع صفاتٍ: منها: أنه تحلُّلٌ من الإحرام؛ لأنه كان محظورًا قبل [ق ٣٥٣] هذا، والتحللُّ من العبادة عبادة كالسلام. ومنها: أن وضع النواصي نوع من الذل والخضوع؛ ولهذا كانت العرب إذا أرادت المنَّ على الأسير جزَّتْ ناصيتَه وأرسلتْه، وأعمال الحج مبناها على الخضوع والذل. ومنها (٤): أنه مخالفة للعادة وخروجٌ عنها، فشابَه أعمالَ الحج من

стр. 3192

التجرُّد والرمي. ومنها: أنه إلقاءٌ لكسوة الرأس ولباسِه كإلقاء المحرم لباسَه المعتاد. ومنها: أنه قد يكون فيه ترفُّهٌ بإلقاء وسخ الرأس وشَعَثِه وقَمْلِه، لكن هذا القدر يمكن إزالته بالترجُّل، فلو فُرض أنه من نوع (١) المباحات ببعض صفاته لم يمنع أن يكون من نوع العبادات بباقي الصفات. فصل فإن كان معه هدي، وقلنا: يتحلَّل بالرمي، فلا كلام. وإن قلنا: لا يتحلَّل إلا بالحلق، قال القاضي وأصحابه مثل أبي الخطاب وابن عقيل: يحصل التحلل الأول بالرمي والحلق، أو بالرمي والطواف، أو بالطواف والحلق على قولنا بأن التحلُّل (٢) نسك واجب. وعلى قولنا: يحصل التحلُّل بدونه، يحصل إما بالرمي أو بالطواف (٣). مسألة (٤): (ثم يُفيض إلى مكة فيطوف للزيارة؛ وهو الطواف الذي به تمام الحج) . قال جابر في حديثه: «ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت، فصلى

стр. 3193

بمكة الظهر، فأتى بني عبد المطلب يَسقُون على زمزم، فقال: «انزِعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعتُ معكم»، فناولوه دلوًا فشرب منه. رواه مسلم (١). وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلَّى الظهر بمنى. متفق عليه (٢). وذكر أبو طالب أنه قثنا أحمد (٣) بحديث ابن عمر هذا «أن رسول الله ﷺ أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى». قال: فهو أحبُّ إليَّ، وقال: كان أحمد يُسأل عن هذا الحديث. وفي حديث ابن عمر وعائشة عن النبي ﷺ أنه طاف بالبيت وبالصفا والمروة، ثم لم يحلِلْ من شيء حرُمَ منه حتى قضى حجه، ونحر هديه يوم النحر، وأفاض فطاف بالبيت، ثم حلَّ من كل شيء حرُمَ منه، وفعل مثل ما فعل رسول الله ﷺ من أهدى فساق الهدي من الناس. متفق عليه (٤). وهذا الطواف يسمِّيه الحجازيون طواف الإفاضة؛ لأنه يكون بعد الإفاضة من عرفة ومزدلفة ومنى. ويسميه العراقيون طواف الزيارة. ويُسمَّى

стр. 3194

الطواف الفرض، وربما يسمَّى طواف الصَّدَر عن منى، لا الصدر عن مكة. مسألة (١): (ثم يسعى بين الصفا والمروة إن (٢) كان متمتعًا، أو ممن لم يسْعَ مع طواف القدوم) . لما روى ابن عباس قال: فلما قدِمنا مكة قال رسول الله ﷺ : «اجعلوا إهلالكم بالحج عمرةً إلا من قلَّد الهدي»، فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وأتينا النساء، ولبسنا الثياب، وقال: «من قلَّد الهديَ فإنه لا يحلُّ له (٣) حتى يبلغ الهدي محلَّه»، ثم أمرنا عشيةَ التروية أن نُهِلَّ بالحج، وإذا فرغنا من المناسك جئنا طفنا بالبيت وبالصفا والمروة، فقد تمَّ حجنا، وعلينا الهدي. وذكر الحديث. رواه البخاري (٤). وعن عروة عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال: «من كان معه هدي فليُهِلَّ بالحج والعمرة، ثم لا يحلّ حتى يحلّ (٥) منهما». فقدمتُ مكة وأنا حائض، فلما قضينا حجَّنا أرسلني مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرتُ، فقال: «هذه مكانَ عمرتك». فطاف الذين أهلُّوا بالعمرة ثم حلُّوا، ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منًى، والذين جمعوا بين الحج والعمرة طافوا طوافًا واحدًا. متفق

стр. 3195

عليه (١)، وفي لفظ مسلم: «فطاف الذين أهلُّوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلُّوا، ثم طافوا طوافًا واحدًا». وهذا يدلُّ على أن المتمتعين طافوا بالبيت وبين الصفا والمروة مرتين، قبل التعريف وبعده؛ لأنها إنما عنَتْ بقولها: «ثم طافوا طوافًا آخر» الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة؛ لأنه هو المتقدم ذكره. ولأن الذين جمعوا الحج والعمرة إنما اقتصروا على طواف واحد بالبيت وبين الصفا والمروة، فأما الطواف المفرد فقد فعلوه بعد عرفة، بدليل أن النبي ﷺ طاف بعد الإفاضة، وكان قد جمع بين العمرة والحج، وهذا كما في حديث ابن عمر: أنه أوجب عمرة ثم قال: «ما شأنُ الحج والعمرة إلا واحدًا، أُشهِدكم أني قد جمعتُ حجةً مع عمرتي»، وأهدى هديًا مقلَّدًا اشتراه بقُدَيدٍ، وانطلق حتى قدم مكة، فطاف بالبيت وبالصفا، ولم يزدْ على ذلك، ولم يحلِلْ من شيء حرُمَ منه حتى يوم النحر، فحلق ونحر، ورأى أن (٢) قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول، [ق ٣٥٤] ثم قال: «هكذا صنع رسول الله ﷺ ». متفق عليه (٣). فمعنى قوله: «قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول» أنه قضى الطواف بالبيت وبالصفا والمروة، يعني: لم يطف بالبيت وبالصفا والمروة مرتين، ولم يُرد أنه لم يطف بالبيت بعد الإفاضة؛ لأن النبي ﷺ طاف بالبيت وبالصفا والمروة، ثم طاف بالبيت بعد عرفة.

стр. 3196

ولأن طواف الإفاضة لا بدَّ منه بإجماع المسلمين، وإنما ذكرت هذه الأحاديث بيانًا لأن القارن يجزئه طواف واحد بالبيت وبالصفا والمروة لحجه وعمرته. إلا أن يكون أريد بهذين الحديثين أن القارن يجزئه طوافه بالبيت وبالصفا والمروة قبل التعريف، فيجزئ طواف القدوم عن الركن، وهذا لم يقله [أحد] (١). فإن قيل: فقد قال جابر: «لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا، طوافه الأول». رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي (٢). وفي رواية عن جابر بن عبد الله قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلِّين بالحج مع النساء والولدان، فلما قدمنا مكة طفنا بالبيت وبالصفا والمروة، فقال لنا (٣) رسول الله ﷺ : «من لم يكن معه هديٌ فليحلِلْ»، قال: فقلنا: أيّ الحلّ؟ قال: «الحلُّ كله». فأتينا النساء، ولبسنا الثياب، ومَسِسْنا الطيب، فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج، وكفانا الطواف الأول بين الصفا والمروة. رواه مسلم وأبو داود (٤). وهذا نصٌّ في أن المتمتع لا يطوف بالصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا

стр. 3197

كالقارن والمفرد، وقد روى أحمد (١) عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس أنه كان يقول: المفرد والقارن والمتمتع يجزئه طوافٌ (٢) بالبيت وسعيٌ بين الصفا والمروة ... (٣). مسألة (٤): (ثم قد حلَّ من كل شيء) . وجملة ذلك: أنه إذا طاف طواف الإفاضة، وسعى السعي المشروع عقِبَه، فقد حلَّ من كل شيء. فأما قبل السعي، فإن قلنا: السعي ركن أو واجب، توقَّف التحلل الثاني عليه، وإن قلنا: هو سنة: ... (٥). وذكر ابن عقيل أن السعي مع كونه فرضًا لا يتوقف عليه التحلل الأول ولا الثاني.

стр. 3198

مسألة (١): (ويستحب أن يشرب من ماء زمزم لما أحبّ، ويتضلَّع منه ثم يقول: اللهم اجعلْه لنا علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وريًّا وشبعًا ، وشفاءً من كل داء، واغسلْ به قلبي، واملَأْه من خَشْيتك وحكمتك). قال جابر في حديثه عن النبي ﷺ : «ثم ركب رسول الله ﷺ وأفاض إلى البيت، فصلَّى بمكة الظهر، فأتى بني عبد المطلب يَسقُون على زمزم، فقال: «انزِعُوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سِقايتكم لنزعتُ معكم»، فناولوه دلوًا، فشرب منه. فقد شرب رسول الله ﷺ من زمزم عقب طواف الإفاضة. وعن الشعبي أن ابن عباس حدَّثه، قال: سقيتُ رسول الله ﷺ من زمزم، فشرب وهو قائم. متفق عليه (٢)، زاد البخاري: «قال عاصم: فحلفَ عكرمة ما كان يومئذٍ إلا على بعيرٍ». ولمسلم (٣): «فأتيتُه بدلوٍ، واستسقى وهو عند البيت». وفي حديث علي: «ثم أفاض رسول الله ﷺ ، فدعا بسَجْلٍ من ماء زمزم، فشرب منه وتوضأ، ثم قال: «انزِعوا يا بني عبد المطلب، فلولا أن تُغلَبوا عليها لنزعتُ». رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وعبد الله بن أحمد في مسند أبيه، وهذا لفظه وإسناده (٤).

стр. 3199

وعن جابر أن رسول الله ﷺ رملَ ثلاثة أطواف من الحجر إلى الحجر، وصلّى ركعتين، ثم عاد إلى الحجر، ثم ذهب إلى زمزم، فشرب منها وصبَّ على رأسه، ثم رجع فاستلم الركن، ثم رجع إلى الصفا فقال: «أبدأُ بما بدأ الله به». رواهما (١) .... وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «ماء زمزم لما شُرِب له». رواه أحمد وابن ماجه (٢) من حديث عبد الله بن المؤمَّل، أنه سمع أبا الزبير يقول: سمعت جابرًا. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «ماء زمزم لما شُرِب له، إن شربتَه تستشفي به شفاك الله، وإن شربتَه لشِبَعِك أشبعك الله، وإن شربتَه لقطع ظمئك قطعه الله، وهي هَزْمةُ جبريل (٣) وسُقيا اللهِ إسماعيل». رواه الدارقطني (٤).

стр. 3200

وفي حديث أبي ذر في قصة إسلامه: فقال ــ يعني النبي ﷺ ــ: «متى كنتَ هاهنا؟» قال: قلت: كنتُ هاهنا منذ ثلاثين بين ليلة ويوم، قال: «فمن كان يُطعِمك؟» قال: قلت: ما كان لي طعام [ق ٣٥٥] إلا ماء زمزم، فسمِنتُ حتى تكسَّرتْ عُكَنُ بطني، وما أجد على بطني سَخْفَةَ جوعٍ، قال: «إنها مباركة، [إنها طعامُ طُعْمٍ] (١)» رواه مسلم (٢)، ورواه الطيالسي (٣) وزاد فيه: «وشفاء سُقْمٍ». وعن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: كنت عند ابن عباس جالسًا، فجاءه رجل، فقال: من أين جئتَ؟ قال: من زمزم، قال: فشربتَ منها كما ينبغي؟ قال: وكيف؟ قال: إذا شربتَ منها (٤) فاستقبل القبلة (٥)، واذكر اسم الله، وتنفَّسْ ثلاثًا، وتضلَّعْ منها، فإذا فرغتَ فاحمد الله ، فإن رسول الله ﷺ قال: «إن آية ما بيننا وبين المنافقين لا يتضلَّعون من زمزم». رواه ابن ماجه (٦). وعن عكرمة قال: كان ابن عباس إذا شرب من زمزم قال: «اللهم إني

стр. 3201

أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وشفاءً من كلِّ داء». رواه الدارقطني (١). فصل ويستحب الشرب من شراب السقاية؛ لما روى ابن عباس أن رسول الله ﷺ جاء إلى السقاية فاستسقى، فقال العباس: يا فضلُ، اذهب إلى أمك فأتِ رسول الله ﷺ بشراب من عندها، فقال: «اسْقِني»، فقال: يا رسول الله، إنهم يجعلون أيديهم فيه، قال: «اسْقِني»، فشرب ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها، فقال: «اعملوا فإنكم على عمل صالح»، ثم قال: «لولا أن تُغلَبوا لنزلتُ حتى أضع الحبلَ على هذه» يعني عاتقه، وأشار إلى عاتقه. رواه البخاري (٢). وعن بكر بن عبد الله المزني قال: كنت جالسًا مع ابن عباس عند الكعبة، فأتاه أعرابي فقال: ما لي أرى بني عمِّكم يسقون العسلَ واللبنَ، وأنتم تسقون النبيذ؟ أمن حاجةٍ بكم أم من بخلٍ؟ فقال ابن عباس: الحمد لله، ما بنا من حاجة ولا بخل، قدِمَ رسول الله ﷺ على راحلته وخلفه أسامة، فاستسقى، فأتيناه بإناء من نبيذ، فشرب وسقى فضله أسامة، وقال: «أحسنتم وأجملتم، كذا فاصنعوا»، فلا نريد تغيير (٣) ما أمر به رسول الله ﷺ » (٤).

стр. 3202

باب ما يفعله بعد الحلّ مسألة (١): (ثم يرجع إلى منًى، ولا يبيت لياليها إلا بها) . وجملة ذلك: أن السنة للحاج أن لا يبيت ليالي التشريق إلا بمنًى؛ لأن رسول الله ﷺ رجع إلى منى، فبات بها هو وجميع من معه، وقد قال: «لتأخذوا عنّي مناسككم». وهذه السنة الموروثة (٢) عنه التي تناقلتها الأمة خلفًا عن سلفٍ، إلا أن أهل السقاية الذين يَسقُون الحجيج يُرخَّص لهم في المبيت بمكة؛ لما روى ابن عباس قال: استأذن العباس رسول الله ﷺ أن يبيت بمكة لياليَ منًى من أجل سقايته، فأذِنَ له. وعن ابن عمر مثله، متفق عليهما (٣). وأهل السقاية هم ... (٤)، وسواء كانوا من ولد العباس ﵃ أو من

стр. 3203

غيرهم. وكذلك يُرخَّص للرِّعاء لحديث أبي البدَّاح الآتي ذكره (١). مسألة (٢): (فيرمي بها الجمار بعد الزوال من أيامها، كلّ جمرة بسبع حَصَياتٍ، يبتدئ (٣) بالجمرة الأولى ، فيستقبل القبلة، ويرميها بسبعٍ كما رَمَى (٤) جمرة العقبة (٥)، ثم يتقدَّم فيقف يدعو الله ، ثم يأتي الوسطى فيرميها كذلك، ثم يرمي جمرة العقبة ولا يقف عندها، ثم يرمي في اليوم الثاني كذلك). في هذا الكلام فصول: أحدها أن الحاج يرمي الجمرات الثلاث أيامَ منًى الثلاثة بعد الزوال، وهذا من العلم العام الذي تناقلته الأمة خلفًا عن سلفٍ عن نبيها ﷺ ... (٦). عن عائشة

стр. 3204

قالت: أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلّى الظهر، ثم رجع إلى منًى، فمكث بها ليالي أيام التشريق، يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة (١) بسبع حصياتٍ، يكبِّر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى وعند الثانية، فيطيل القيام ويتضرَّع، ويرمي الثالثة ولا يقف عندها. رواه أحمد وأبو داود (٢). وعن ابن عباس قال: رمى رسول الله ﷺ الجمار حين زالت الشمس. رواه أحمد وابن ماجه والترمذي (٣)، وقال: حديث حسن. وعن جابر قال: رمى رسول الله ﷺ الجمرة يوم النحر ضُحًى، وأما بعدُ فإذا زالت الشمس. رواه مسلم (٤).

стр. 3205

وعن وَبَرة قال: سألتُ ابن عمر: متى أرمي الجمرة؟ قال: إذا رمى إمامك فارْمِه، فأعدتُ عليه المسألة، قال: كنا نتحيَّن فإذا زالت الشمس رمينا. رواه البخاري (١). الفصل الثاني أنه يرمي كل جمرة بسبع حصيات كما تقدم في جمرة العقبة، وهذا من العلم العام والسنة المتواترة، وقد روى جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «الاستجمار تَوٌّ، ورمي الجمار تَوٌّ، والسعي [ق ٣٥٦] بين الصفا والمروة تَوٌّ، والطواف تَوٌّ، وإذا استجمر أحدكم فليستجمر بتوٍّ» يعني الوتر. رواه مسلم (٢)، والبَرْقَاني (٣)، وزاد عن البَجَليّ (٤): «والكحل توٌّ ــ يعني ثلاثًا ثلاثًا ــ». يقال: هو الوتر، يقال: سافر سفرًا توًّا، إذا لم يُعرِّج في طريقه على مكان. والتوّ: الحَبْل (٥) المفتول طاقًا واحدًا. الفصل الثالث أن يبتدئ بالجمرة الأولى، وهي أقربهنّ إلى مسجد الخيف، وهي الجمرة الصغرى، والجمرة الدنيا؛ لأنها أدناهنّ إلى المشاعر ومنازلِ أكثر الناس، ثم بالجمرة الثانية وهي الجمرة الوسطى، ثم بجمرة العقبة وهي

стр. 3206

الجمرة الكبرى، وهذا من العلم العام. الفصل الرابع أنه يستقبل القبلة عند رمي الأُولَيينِ ، هكذا ذكره أصحابنا الذين قالوا: يستدبر القبلة في جمرة العقبة، والذين قالوا: يستقبلها. وقد تقدم الكلام في جمرة العقبة. قالوا: ويجعل الجمرة الأولى عن يَسْرته، والثانية والثالثة عن يمينه؛ لأن الرمي من الطريق، ومتى رمى من الطريق كانت الأولى عن يسرته والأُخريان (١) عن يمينه. وفي حديث ابن عمر: أنه كان إذا رمى الوسطى أخذ ذات الشمال فيُسْهِل (٢). الفصل الخامس أنه إذا رمى الأولى والثانية تقدَّم قليلًا إلى ناحية الكعبة حيث لا يصيبه الحصى، فاستقبل القبلة، ووقف يدعو الله سبحانه؛ لما روي عن سالم عن ابن عمر: أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصياتٍ، يكبِّر على إِثْر كل حصاة، ثم يتقدم حتى يُسْهِل، فيقوم مستقبلَ القبلة، فيقوم (٣) طويلًا، ويدعو ويرفع يديه، [ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال فيُسهِل ويقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلًا ويدعو، ويرفع يديه] (٤) ويقوم طويلًا، ثم الجمرة ذات

стр. 3207

العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثم ينصرف، ويقول: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعله. رواه أحمد والبخاري (١). أسْهلَ: إذا صار إلى الأرض السهل المنخفضة عما فوقها، كما يقال: أنْجدَ وأتْهمَ وأعْرقَ وأشأمَ. وفي لفظٍ للبخاري (٢) عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كان إذا رمى الجمرة التي تلي مسجدَ منًى يرميها بسبع حصياتٍ، يكبِّر كلما رمى بحصاة، ثم تقدَّم أمامها، فوقف مستقبل القبلة رافعًا يديه يدعو، وكان يُطيل الوقوف، ثم يأتي الجمرة الثانية فيرميها بسبع حصياتٍ، يكبِّر كلما رمى بحصاة، ثم ينحدر ذات اليسار مما يلي الوادي، فيقف مستقبل القبلة رافعًا يديه يدعو، ثم يأتي الجمرة التي عند العقبة فيرميها بسبع حصياتٍ، يكبِّر عند كل حصاة، ثم ينصرف، ولا يقف عندها. قال: وكان ابن عمر يفعله. وقد تقدَّم ذكر قيام النبي ﷺ وتضرُّعه في حديث عائشة، وأنه كان يطيل القيام بين الجمرتين. وأما مقدار هذا القيام فقال حرب: قلت لأحمد: كم يقوم الرجل بين الجمرتين؟ قال: يقوم ويدعو ويبتهل، ولم يوقّت وقتًا. وقال في رواية المرُّوذي: فإذا كان من الغد وزالت الشمس رميتَ الجمرة الأولى بسبع حصياتٍ، تكبِّر مع كل حصاة، وتقول بين كل

стр. 3208

تكبيرتين: «اللهم اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا، وسعيًا مشكورًا، وعملًا متقبَّلا، وتجارةً لن تبور»، ثم امشِ قليلا حتى تأتي موضعَ يقام عن يسار الجمرة التي رميتَ مستقبل القبلة، وتدعو بدعائك بعرفة، وتزيد: «وأتمِمْ لنا مناسكنا»، ثم تأتي الجمرة الوسطى كذلك، ثم ترمي جمرة العقبة ولا تقف عندها، وكلّ ما دعوتَ به أجزأك. ويستحبُّ طولُ القيام عند الجمار في الدعاء. وكذلك قال في رواية عبد الله (١). فصل والسنة أن يمشي من منزله إلى الجمار ويرميها واقفًا، ويرجع إلى منزله ... (٢)؛ لما روي عن ابن عمر أنه كان يأتي الجمار في الأيام الثلاثة بعد النحر ماشيًا ذاهبًا وراجعًا، ويخبر أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك. رواه أحمد، وأبو داود وهذا لفظه، والترمذي (٣) وقال: حديث حسن صحيح، ولفظ أحمد: «أنه كان يرمي الجمرة يوم النحر راكبًا، وسائر ذلك ماشيًا، ويخبرهم أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك». فإن كان له عذر فلا بأس بالركوب، قال حرب: قلت لأحمد: فالركوب إلى الجمار؟ قال: للنساء والضعفة. ولا فرق بين الرمي يوم النَّفْر وقبله.

стр. 3209

واختلف أصحابنا في الأفضل، فقال أبو الخطاب (١) وجماعة: الأفضل أن يرمي الجمار كلها ماشيًا؛ لأن في حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ كان إذا رمى الجمار مشى إليها ذاهبًا وراجعًا. هذا لفظ الترمذي (٢) وقال: حديث حسن صحيح. وقال القاضي في «المجرد»: يرمي يوم النحر وثالث أيام منى راكبًا، واليومين الآخرين راجلًا؛ لأن النبي ﷺ رمى يوم النحر [ق ٣٥٧] راكبًا، ولأن يوم النحر يجيء راكبًا من مزدلفة، فيستحبّ له أن يفتتح منًى بالرمي قبل نزوله، ويوم النفر يخرج من منًى، فيستحبّ أن يودّعها بالرمي، ثم يخرج منها وهو راكب لا يحتاج إلى ركوب بعد ذلك ... (٣). الحصبة» (٤). متفق عليه.

стр. 3210

فهذا بيان من النبي ﷺ أن (١) عائشة صارت قارنةً بإدخال الحج على إحرام العمرة، وأن طوافها بعد التعريف أجزأها عن الحج والعمرة. وعن جابر قال: لم يطُفِ النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا؛ طوافه الأول. رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي (٢). وفي رواية عن الحجاج عن أبي الزبير (٣) عن جابر: أن رسول الله ﷺ قرن بين الحج والعمرة، فطاف لهما طوافًا واحدًا. رواه الترمذي (٤)، وفي رواية لابن ماجه (٥): «أن النبي ﷺ طاف للحج والعمرة طوافًا واحدًا».

стр. 3211

وعن ليث قال: حدثني عطاء وطاوس ومجاهد، عن جابر بن عبد الله وابن عمر وابن عباس أن النبي ﷺ لم يطف هو وأصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا لعمرتهم وحجهم. وعن أبي سعيد أن النبي ﷺ طاف طوافًا واحدًا لحجه وعمرته. وعن أبي قتادة أن النبي ﷺ وأصحابه طافوا لحجهم وعمرتهم طوافًا واحدًا. رواهن الدارقطني (١) بأسانيد حسان يصدّق بعضها بعضًا. فصل وأما المتمتع (٢) فلا بدّ له من طوافٍ للعمرة وسعيٍ لها، وهل عليه سعي آخر للحج؟ على روايتين منصوصتين: إحداهما: عليه سعيان كما عليه طوافان، قال في رواية الأثرم (٣): القارن يجزئه طواف واحد وسعي واحد، والمتمتع طوافان وسعيان. وقال في رواية حنبل (٤) وقد سئل عن القارن كم يطوف ويسعى بين الصفا والمروة؟ فقال: يجزئه طواف واحد إذا دخل بالحج والعمرة، فإن دخل متمتعًا بعمرة ثم حجَّ فأرى أن يسعى سعيًا للعمرة وسعيًا للحج. هذا هو المعروف عند أصحابنا.

стр. 3212

والرواية الثانية: يكفيه سعي واحد، قال عبد الله بن أحمد (١): قلت لأبي: المتمتع كم يسعى بين الصفا والمروة؟ قال: إن طاف طوافين فهو أجود، وإن طاف طوافًا واحدًا فلا بأس، قال (٢): وإن طاف طوافين فهو أعجب إليَّ. واحتجّ بحديث جابر (٣): «لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا؛ طوافه الأول». وقال المرُّوذي (٤): قال أبو عبد الله: إن شاء القارن طاف طوافًا واحدًا، وإن شاء المتمتع طاف طوافًا واحدًا. وهذا هو الصواب بلا شك؛ لحديث جابر المذكور، وكذلك عامة الأحاديث المتقدمة (٥)، فيها أن أصحاب رسول الله ﷺ إنما طافوا بين الصفا والمروة الطوافَ الأول. ومن قال من أصحابنا: إن النبي ﷺ كان متمتعًا، فهذا لازم له؛ لأن الأحاديث الصحيحة لم تختلف أن النبي ﷺ لم يسْعَ بين الصفا والمروة إلا مرةً واحدة، وأنه لما طاف طواف الإفاضة لم يسْعَ بعده، وهذا بيِّنٌ في حديث ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وجابر، وغيرهم، وقد تقدَّم كثير من ذلك فيما مضى. وعن جابر قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلِّين بالحج مع النساء

стр. 3213

والولدان، فلما قدمنا مكة طفنا بالبيت وبين الصفا والمروة، فقال لنا رسول الله ﷺ : «من لم يكن معه هدي فليحلِلْ»، قال: فقلنا: أيُّ الحل؟ قال: «الحلُّ كله». فأتينا النساء، ولبسنا الثياب، ومَسِسْنا الطيب، فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج، وكفانا الطواف الأول بين الصفا والمروة. رواه مسلم وأبو داود (١)، وهذا نصٌّ في أنهم تمتّعوا واكتفَوا بطواف واحد بين الصفا والمروة. فإن قيل: فحديث عائشة (٢) الذي قالت فيه: «فطاف الذين كانوا أهلُّوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلُّوا، ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منًى لحجهم، وأما الذين جمعوا الحج والعمرة. فإنما طافوا طوافًا واحدا». وكذلك حديث ابن عباس المتقدم. ولأنكم قد استحببتم طوافين، وإذا كان الصحابة مع النبي ﷺ قد اقتصروا على طواف واحد، فلا معنى لاستحباب الزيادة عليهم. قلنا: لعل جابرًا أخبر عن بعض المتمتعين، وعائشة أخبرت عن بعضهم، فإنهم كانوا خلقًا كثيرًا، فأخبر جابر عما فعله هو ومن يعرفه، وأخبرت عائشة عما فعله من تعرفه، والله أعلم بحقيقة الحال، على أن أحاديث [ق ٣٥٨] جابر وأصحابه مفسَّرة واضحة لا احتمال فيها. وإنما استحب أحمد الطوافين لحديث ابن عباس وعائشة؛ ولأنه أحوط وأتمّ. وأيضًا فإن المتمتع إنما يفعل عمرة في حجة؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «إن

стр. 3214

الله (١) قد أدخل عليكم في حجكم عمرة» (٢). فهو حاجٌّ من حين يحرم بالعمرة، بخلاف العمرة المفردة، فذلك السعي الذي يسعاه (٣) يجزئ (٤) عن عمرته وحجه (٥). مسألة: (لكن عليه وعلى المتمتع دم؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾) ... (٦). مسألة (٧): (وإذا أراد القفول لم يخرج حتى يودِّع البيت بطوافٍ عند فراغه من جميع أموره، حتى يكون آخرَ عَهْدِه بالبيت) . وجملة ذلك: أن الحاجّ إذا أراد القفول لم يَنفِرْ حتى يودِّع البيت بطواف، قالت عائشة في حديثها عن عمرتها: «فخرجنا حتى إذا فرغتُ، وفرغتُ من الطواف جئتُه بسَحَر، قال: هل فرغتم؟ قلت: نعم، فآذنَ بالرحيل في أصحابه، فخرج فمرَّ بالبيت، فطاف به قبل صلاة الصبح، ثم خرج إلى

стр. 3215

المدينة». متفق عليه (١). وعن ابن عباس قال: أُمِر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خُفِّف عن المرأة الحائض. متفق عليه (٢). وعن ابن عباس قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله ﷺ : «لا يَنْفِرنَّ أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت». رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه (٣). مسألة: (فإن اشتغل بعده بتجارة أعاده) ... (٤). مسألة: (ويُستحبّ له إذا طاف أن يقف في الملتزم بين الركن والباب، فيلتزم البيتَ ويقول: «اللهم هذا بيتك، وأنا عبدك، وابن عبدك ، وابن أمتك، حمَّلتَني على ما سخَّرتَ لي من خلقك، وسيَّرتني في بلادك حتى بلَّغتني بنعمتك إلى بيتك، وأعنتَني على أداء نسكي، فإن كنتَ رضيتَ عني فازددْ عني رضًا، وإلا فمن الآن قبل أن تنأَى عن بيتك داري، فهذا أوانُ انصرافي إن أذنتَ لي، غير مستبدِلٍ بك ولا ببيتك، ولا راغبٍ عنك ولا عن بيتك، اللهم فأَصحِبْني العافيةَ في بدني، والصحةَ

стр. 3216

في جسمي، والعصمةَ في ديني، وأحسِنْ منقلَبي، وارزقني طاعتك (١) ما أبقيتَني، واجمعْ لي بين خيري الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير». ثم يصلّي (٢) على النبي ﷺ ) ... (٣). مسألة: (ومن خرج قبل الوداع رجع إن كان قريبًا، وإن أبعدَ (٤) بعثَ بدمٍ) ... (٥). مسألة (٦): (إلا الحائض والنُّفَساء فلا وداعَ عليهما، ويستحبُّ لهما الوقوف عند باب المسجد والدعاء بهذا) . وجملة ذلك: أن المرأة إذا حاضت بعد طواف الإفاضة لم يجبْ عليها أن تحتبس حتى تودِّع البيت، بل لها أن تخرج وهي حائض (٧) من غير وداع؛ لما رُوي عن عائشة قالت: حاضت صفية بنت حُيَيّ بعدما أفاضت، قالت: فذكرتُ حيضها لرسول الله ﷺ فقال: «أحابستُنا هي؟» قلت: يا رسول

стр. 3217

الله، إنها قد (١) أفاضت وطافت بالبيت، ثم حاضت بعد الإفاضة، قال: «فلْتَنفِرْ إذًا». متفق عليه (٢). وفي روايةٍ متفَّقٍ عليها (٣) قالت: لما أراد رسول الله ﷺ أن يَنفِرَ، إذا صفيةُ على باب خِبائها كئيبةً حزينةً، قال: «عَقْرى حَلْقى، إنكِ لحابستُنا»، ثم قال لها: «أكنتِ أفضتِ يوم النحر؟» قالت: نعم، قال: «فانْفِري». وفي حديث ابن عباس: «إلا أنه خُفِّف عن المرأة الحائض» (٤). وعنه أيضا: أن النبي ﷺ رخَّص للحائض أن تصدُرَ قبل أن تطوف بالبيت إذا كانت قد طافت في الإفاضة. رواه أحمد (٥). فإن قيل: فقد روى يعلى بن عطاء عن الوليد بن عبد الرحمن عن الحارث بن عبد الله بن أوس الثقفي قال: سألتُ عمر بن الخطاب عن المرأة تطوف بالبيت ثم تحيض، قال: لِيَكُنْ آخرُ عهدها الطوافَ بالبيت، قال: فقال الحارث: كذلك أفتاني رسول الله ﷺ . قال: فقال عمر: أَرِبْتَ عن يديك (٦)! سألتَني عن شيءٍ سألتَ عنه رسول الله ﷺ لكيما أخالف؟» رواه

стр. 3218

أحمد وأبو داود (١). قيل: الحارث كان قد سمع من النبي [ق ٣٥٩] ﷺ أن من حج البيت أو اعتمر فليكنْ آخرُ عهده بالبيت، واللفظ ظاهر في العموم، ثم سأل عمر عن صورة من صور العموم، وأفتاه بما يطابق العموم، ولم يعلما أن تلك الصورة مخصوصة من هذا اللفظ، ولم يذكر الحارث أنه استفتى النبي ﷺ في هذه الصورة بعينها. يبيِّن ذلك ما رُوي في بعض طرقه عن الحارث هذا قال: قال رسول الله ﷺ : «من حجَّ البيتَ أو اعتمر فليكنْ آخر عهده بالبيت»، فبلغ حديثه عمر فقال له: خررتَ من يديك! سمعتَ هذا من رسول الله ﷺ فلم تُخبِرْنا به؟ رواه أحمد وابن ماجه والترمذي (٢)، وقال: حديث غريب. * * * *

стр. 3219

باب أركان الحج والعمرة مسألة (١): (أركان الحج: الوقوف بعرفة، وطواف الزيارة) . وجملة ذلك: أن أركان الحج هي أبعاضه وأجزاؤه التي لا يتمُّ إلا بها، فمن أخلَّ ببعضها لم يصحَّ حجُّه، سواء تركها لعذر أو غير عذر، بل لا بدَّ من فعلِها، بخلاف أركان الصلاة، فإنها تجب مع القدرة وتسقط مع العجز. وسبب الفرق: أنه متى عجز عن أركان الحج أمكنه الاستنابةُ فيما عجَزَ عنه في حياته أو بعد موته، بخلاف الصلاة المكتوبة فإنه لا نيابة فيها. وفي هذه الجملة فصول: أحدها أن الوقوف بعرفة لا يتمُّ الحج إلا به، والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله سبحانه: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]. وكلمة «إذا» لا تُستعمل إلا في الأفعال التي لا بدَّ من وجودها، كقولهم: إذا احمرَّ البُسْرُ (٢) فأْتِني، ولا يقال: إن احمرَّ البسر؛ وذلك لأنها في الأصل ظرف لما يُستقبل من الأفعال، وتتضمن الشرط في الغالب، فإذا جُوزِيَ بها كان معناه إيقاع الجزاء في

стр. 3220

الزمن الذي أضفتَ (١) إليه الفعل، فلا بدَّ من أن يكون الفعل موجودًا في ذلك الزمان، وإلا خرجت عن أن تكون ظرفًا. ومعلوم أن الإفاضة من عرفات من أفعال العباد، فالإخبار عن وجودها يكون أمرًا حَتْمًا بإيجادها، نحو أن يترك بعض الناس وكلهم (٢) الإفاضة، وصار هذا بمنزلة: إذا صلّيتَ الظهر فافعلْ كذا. وقوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ الآية [البقرة: ١٩٩]، قالت عائشة: كانت قريش ومن دانَ دِينَها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يُسمَّون الحُمْسَ، وكان سائر العرب يقفون بعرفة، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيَّه أن يأتي عرفات فيقفَ بها، ثم يُفيضَ منها، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ (٣). وفي لفظ (٤): «قالت: الحُمْسُ هم الذين أنزل الله فيهم: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. قالت: كان الناس يُفيضون من عرفات، وكان الحُمْسُ يُفيضون من المزدلفة، يقولون: لا نُفيض إلا من الحرم، فلما نزلت: ﴿أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ رجعوا إلى عرفات». متفق عليه. وعن جُبير بن مُطعِم قال: أَضللتُ بعيرًا لي، فذهبت أطلبه يوم عرفة،

стр. 3221

فرأيت رسول الله ﷺ واقفًا مع الناس بعرفة، فقلت: والله إن هذا لمن الحُمْس، فما شأنُه هاهنا؟ وكانت قريش تُعدُّ من الحُمْس. متفق عليه (١). وعن جابر قال: كانت العرب يَدفع بهم أبو سيَّارة على حمارٍ عُرْيٍ، فلما أجاز رسول الله ﷺ من المزدلفة بالمشعر الحرام لم يشكَّ قريش أنه سيقتصرُ عليه، ويكون منزلُه ثَمَّ، فأجاز ولم يَعْرِضْ [له]، حتى أتى عرفاتٍ فنزل. رواه مسلم (٢). فإن قيل: كيف قيل: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ ــ والإفاضة من عرفات ــ بعد قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾؟ قيل: قد قيل: إنه لترتيب الأخبار، ومعناه أن الله يأمركم إذا أفضتم من عرفاتٍ أن تذكروا (٣) عند المشعر الحرام، ثم يأمركم أن تُفيضوا من حيث أفاض الناس. وترتيب الأمر لا يقتضي ترتيبَ الفعل المأمور به، وإنما أُمِر بهذا بعد هذا لأن الأول أمرٌ لجميع الحجيج، والثاني أمرٌ للحُمْس خاصةً. ويقال: إنه معطوف على قوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ﴾ إلى قوله: ﴿وَتَزَوَّدُوا ... ﴾ (٤) ﴿وَاتَّقُونِ ... ﴾ ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾، ويكون معناه: فمن فرض الحج فلا يرفث ولا يفسُقُ، ثم بعدَ

стр. 3222

فرضِ الحج يُفيض من حيث أفاض الناس، ويكون الكلام في بيان المحظورات والمفروضات. فإن قيل: لم ذُكِر لفظُ الإفاضة دون الوقوف؟ قيل: لأنه لو قال: ثم قِفُوا حيث وقف الناس لظنّ ظانٌّ (١) أن الوقوف بعرفة يُجزئ في كل وقتٍ بحيث يجوز تقديمه، وأما الإفاضة فإنها الدفع بعد تمام الوقوف، [ق ٣٦٠] وقد علموا أن وقت الدفع هو آخر يوم عرفة، فإذا أُمِروا بالإفاضة منها عُلِم أنه يجب أن يقفوا بها إلى وقت الإفاضة، وأنها غاية السير الذي ينتهي إليه الحاج، فلا يُتجاوز ولا يُقصَّر عنها؛ لأن المقصِّر والمتجاوز (٢) لا يُفيضانِ منها. وأما السنة فما روى سفيان وشعبة عن بُكَير بن عطاء الليثي عن عبد الرحمن بن يَعْمَر الدِّيلي: أن ناسًا من أهل نجد أَتَوا رسولَ الله ﷺ وهو واقف بعرفة، فسألوه، فأمر مناديًا فنادى: «الحج عرفة، من جاء ليلةَ جَمْعٍ قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج، أيامُ منًى ثلاثة، فمن تعجَّل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخَّر فلا إثم عليه»، وأردف رجلًا خلفه يُنادي بهن. رواه الخمسة (٣). قال ابن عيينة: هذا أجود حديث رواه الثوري (٤).

стр. 3223

وفي رواية لسعيد (١): «من جاء ليلةَ جَمْعٍ قبل صلاة الصبح فقد تمَّ حجُّه». وفي رواية له (٢): «فمن أدرك ليلةَ جَمْعٍ قبل صلاة الصبح فقد تم حجُّه» (٣). وعن عروة بن مضرِّس بن أوس بن حارثة بن لَأْمٍ الطائي قال: أتيتُ رسولَ الله ﷺ بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة، فقلت: يا رسول الله، إني جئتُ من جبل طيِّئ، أكللتُ راحلتي وأتعبتُ نفسي، والله ما تركتُ من جبلٍ إلا وقفتُ عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﷺ : «من شهِدَ صلاتَنا هذه، ووقفَ معنا حتى نَدفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا= فقد تمَّ حجُّه، وقَضَى تَفَثَه». رواه الخمسة (٤)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

стр. 3224

وفي رواية لأحمد صحيحة (١): «من شهدَ صلاتنا هذه ووقف بعرفات». وفي رواية صحيحة لسعيد (٢): «من وقفَ معنا هذا الموقفَ، وشهِدَ معنا هذه الصلاة ــ يعني صلاةَ الفجر ــ، [و] (٣) أفاض قبل ذلك من عرفات ليلًا أو نهارًا= فقد تمَّ حجُّه، وقضى تَفَثَه». وفي رواية له (٤): «أَفْرِخْ (٥) رَوْعَك، من أدركَ إفاضتَنا هذه فقد أدرك الحجَّ». وأما الإجماع .. (٦). فصل وللوقوف بعرفة مكان وزمان. فأما حدود عرفات فقد تقدم (٧)، وأما زمان الوقوف فاليوم التاسع من ذي الحجة، وهو يوم عرفة، وليلة العاشر من ذي الحجة إلى طلوع الفجر، وتسمَّى ليلة جَمْعٍ، و (٨) ليلة المزدلفة، وليلة النحر، وليلة عرفة. فمن طلع الفجرُ ولم يقفْ في شيء من عرفة فقد فاته الحج؛ لأن

стр. 3225

الله قال: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾. و «إذا» كلمة توقيتٍ وتحديدٍ، فأشْعَر ذلك بأن الإفاضة لها وقت محدود، إلا أن يقال: ... (١)، ولأن النبي ﷺ قال: «الحج عرفةُ، مَن جاء ليلةَ جمْعٍ قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج» (٢)، وهذا ذكره في معرض تحديد وقت الوقوف، فعُلِم أن من جاءها ليلًا فقد أدرك الحج، ومن لم يُوافِها حتى طلع الفجر فقد فاته الحج. وكذلك قوله ﷺ : «من شهِدَ صلاتنا هذه، ووقفَ معنا حتى نَدفع، وقد وقفَ قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا». والصلاة بالمزدلفة هي أول ما يَبزُغ الفجر، فعُلِم أن وقت الوقوف قبل ميقات تلك الصلاة ليلًا أو نهارًا، وإنما يكون هذا قبل طلوع الفجر يوم النحر. وهذا مما أُجمِع عليه. وعن نافع عن ابن عمر أنه كان يقول: من لم يقف بعرفةَ ليلةَ جَمْعٍ قبل أن يطلع الفجر فقد فاته الحج، ومن وقف بعرفة من ليلة المزدلفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج. رواه مالك (٣) عن نافع عنه. ومن لم يُوافِ عرفةَ إلا ليلًا أجزأه الوقوف، ولو لحظةً في بعض جوانبها؛ لقول النبي ﷺ : «من جاء ليلة جَمْعٍ قبل طلوع الفجر فقد أدرك»، وقوله: «وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا». ولا دم عليه؛ لأن النبي ﷺ ذكر أنه يدرك الحج، وأنه قد تمَّ حجه وقضى تفثَه، ولم يذكر أن عليه دمًا. وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، لاسيما في حكم عظيمٍ أردفَ خلفه من ينادي به في الناس في حجة الوداع.
следующие страницы →