← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

فرأيت رسول الله ﷺ واقفًا مع الناس بعرفة، فقلت: والله إن هذا لمن الحُمْس، فما شأنُه هاهنا؟ وكانت قريش تُعدُّ من الحُمْس. متفق عليه (١). وعن جابر قال: كانت العرب يَدفع بهم أبو سيَّارة على حمارٍ عُرْيٍ، فلما أجاز رسول الله ﷺ من المزدلفة بالمشعر الحرام لم يشكَّ قريش أنه سيقتصرُ عليه، ويكون منزلُه ثَمَّ، فأجاز ولم يَعْرِضْ [له]، حتى أتى عرفاتٍ فنزل. رواه مسلم (٢). فإن قيل: كيف قيل: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ ــ والإفاضة من عرفات ــ بعد قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾؟ قيل: قد قيل: إنه لترتيب الأخبار، ومعناه أن الله يأمركم إذا أفضتم من عرفاتٍ أن تذكروا (٣) عند المشعر الحرام، ثم يأمركم أن تُفيضوا من حيث أفاض الناس. وترتيب الأمر لا يقتضي ترتيبَ الفعل المأمور به، وإنما أُمِر بهذا بعد هذا لأن الأول أمرٌ لجميع الحجيج، والثاني أمرٌ للحُمْس خاصةً. ويقال: إنه معطوف على قوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ﴾ إلى قوله: ﴿وَتَزَوَّدُوا ... ﴾ (٤) ﴿وَاتَّقُونِ ... ﴾ ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾، ويكون معناه: فمن فرض الحج فلا يرفث ولا يفسُقُ، ثم بعدَ

стр. 3222

فرضِ الحج يُفيض من حيث أفاض الناس، ويكون الكلام في بيان المحظورات والمفروضات. فإن قيل: لم ذُكِر لفظُ الإفاضة دون الوقوف؟ قيل: لأنه لو قال: ثم قِفُوا حيث وقف الناس لظنّ ظانٌّ (١) أن الوقوف بعرفة يُجزئ في كل وقتٍ بحيث يجوز تقديمه، وأما الإفاضة فإنها الدفع بعد تمام الوقوف، [ق ٣٦٠] وقد علموا أن وقت الدفع هو آخر يوم عرفة، فإذا أُمِروا بالإفاضة منها عُلِم أنه يجب أن يقفوا بها إلى وقت الإفاضة، وأنها غاية السير الذي ينتهي إليه الحاج، فلا يُتجاوز ولا يُقصَّر عنها؛ لأن المقصِّر والمتجاوز (٢) لا يُفيضانِ منها. وأما السنة فما روى سفيان وشعبة عن بُكَير بن عطاء الليثي عن عبد الرحمن بن يَعْمَر الدِّيلي: أن ناسًا من أهل نجد أَتَوا رسولَ الله ﷺ وهو واقف بعرفة، فسألوه، فأمر مناديًا فنادى: «الحج عرفة، من جاء ليلةَ جَمْعٍ قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج، أيامُ منًى ثلاثة، فمن تعجَّل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخَّر فلا إثم عليه»، وأردف رجلًا خلفه يُنادي بهن. رواه الخمسة (٣). قال ابن عيينة: هذا أجود حديث رواه الثوري (٤).

стр. 3223

وفي رواية لسعيد (١): «من جاء ليلةَ جَمْعٍ قبل صلاة الصبح فقد تمَّ حجُّه». وفي رواية له (٢): «فمن أدرك ليلةَ جَمْعٍ قبل صلاة الصبح فقد تم حجُّه» (٣). وعن عروة بن مضرِّس بن أوس بن حارثة بن لَأْمٍ الطائي قال: أتيتُ رسولَ الله ﷺ بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة، فقلت: يا رسول الله، إني جئتُ من جبل طيِّئ، أكللتُ راحلتي وأتعبتُ نفسي، والله ما تركتُ من جبلٍ إلا وقفتُ عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﷺ : «من شهِدَ صلاتَنا هذه، ووقفَ معنا حتى نَدفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا= فقد تمَّ حجُّه، وقَضَى تَفَثَه». رواه الخمسة (٤)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

стр. 3224

وفي رواية لأحمد صحيحة (١): «من شهدَ صلاتنا هذه ووقف بعرفات». وفي رواية صحيحة لسعيد (٢): «من وقفَ معنا هذا الموقفَ، وشهِدَ معنا هذه الصلاة ــ يعني صلاةَ الفجر ــ، [و] (٣) أفاض قبل ذلك من عرفات ليلًا أو نهارًا= فقد تمَّ حجُّه، وقضى تَفَثَه». وفي رواية له (٤): «أَفْرِخْ (٥) رَوْعَك، من أدركَ إفاضتَنا هذه فقد أدرك الحجَّ». وأما الإجماع .. (٦). فصل وللوقوف بعرفة مكان وزمان. فأما حدود عرفات فقد تقدم (٧)، وأما زمان الوقوف فاليوم التاسع من ذي الحجة، وهو يوم عرفة، وليلة العاشر من ذي الحجة إلى طلوع الفجر، وتسمَّى ليلة جَمْعٍ، و (٨) ليلة المزدلفة، وليلة النحر، وليلة عرفة. فمن طلع الفجرُ ولم يقفْ في شيء من عرفة فقد فاته الحج؛ لأن

стр. 3225

الله قال: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾. و «إذا» كلمة توقيتٍ وتحديدٍ، فأشْعَر ذلك بأن الإفاضة لها وقت محدود، إلا أن يقال: ... (١)، ولأن النبي ﷺ قال: «الحج عرفةُ، مَن جاء ليلةَ جمْعٍ قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج» (٢)، وهذا ذكره في معرض تحديد وقت الوقوف، فعُلِم أن من جاءها ليلًا فقد أدرك الحج، ومن لم يُوافِها حتى طلع الفجر فقد فاته الحج. وكذلك قوله ﷺ : «من شهِدَ صلاتنا هذه، ووقفَ معنا حتى نَدفع، وقد وقفَ قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا». والصلاة بالمزدلفة هي أول ما يَبزُغ الفجر، فعُلِم أن وقت الوقوف قبل ميقات تلك الصلاة ليلًا أو نهارًا، وإنما يكون هذا قبل طلوع الفجر يوم النحر. وهذا مما أُجمِع عليه. وعن نافع عن ابن عمر أنه كان يقول: من لم يقف بعرفةَ ليلةَ جَمْعٍ قبل أن يطلع الفجر فقد فاته الحج، ومن وقف بعرفة من ليلة المزدلفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج. رواه مالك (٣) عن نافع عنه. ومن لم يُوافِ عرفةَ إلا ليلًا أجزأه الوقوف، ولو لحظةً في بعض جوانبها؛ لقول النبي ﷺ : «من جاء ليلة جَمْعٍ قبل طلوع الفجر فقد أدرك»، وقوله: «وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا». ولا دم عليه؛ لأن النبي ﷺ ذكر أنه يدرك الحج، وأنه قد تمَّ حجه وقضى تفثَه، ولم يذكر أن عليه دمًا. وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، لاسيما في حكم عظيمٍ أردفَ خلفه من ينادي به في الناس في حجة الوداع.

стр. 3226

ومن وافاها نهارًا فإنه يجب عليه أن يقف إلى الليل كما سيأتي، لكن لو لم يقف إلى الليل إما بأن يدفع منها، أو يَعرِضَ ما يمنع صحة الوقوف من إغماءٍ أو موتٍ، فإنه يُجزئه إن وقف بعد الزوال. و أما إن وقف قبل الزوال ففيه روايتان: إحداهما: يجزئه الوقوف في أية ساعةٍ كان من يوم عرفة وليلتها، من طلوع فجر يومها إلى طلوع فجر يوم النحر. قال إسحاق بن منصور (١): قال أحمد: إذا كان مريضًا أهلَّ من الميقات، ثم أُغمِي عليه بعرفات، فلم يُفِقْ (٢) حتى أصبح، فلا حجَّ له. فإن أفاق ولو ساعةً إلى أن يطلع الفجر من ليلٍ أو نهارٍ فقد تمَّ حجه، ويُرمَى عنه. قلت لأحمد: إذا عَقلَ عند الميقات فأهلَّ [ثم أفاق] بعرفة ساعةً؟ قال: قد أجزأ عنه. وقال حنبل (٣): سمعت [ق ٣٦١] أبا عبد الله يقول: كل من وقف بعرفة من ليلٍ أو نهارٍ ولو ساعةً، فقد تمَّ حجُّه. وهذا قول أكثر أصحابنا، مثل أبي بكر وابن أبي موسى (٤) وابن حامد والقاضي (٥) وأصحابه، قالوا: لو وقف بعرفة يوم عرفة قبل الزوال، ونَفَرَ منها قبل الزوال= أساء، وحجُّه تامّ، وعليه دم.

стр. 3227

والثانية: لا يجزئه إلا بعد الزوال، وهو قول ابن بطّة وأبي حفص العُكْبَريَّين (١). فمن لم يقفْ ــ عندهم ــ بعد الزوال فحجه باطل. قال أحمد في رواية عبد الله (٢) وأبي الحارث، وقد سئل عن الذي يَشْرُد به (٣) بعيرُه بعرفة، فقال: كلُّ من وطئ عرفةَ بليلٍ أو نهارٍ بعد أن يقف الناس بها (٤)، فقد تمَّ حجُّه إذا أتى ما يجب عليه. ويدخل على قول من قال: «يجزئه حجُّه إذا أُغمي عليه بعرفة» لو أن رجلًا أُغمي عليه في أول يوم من شهر رمضان حتى انسلخ عنه، فلم يأكل ولم يشرب= أنه يُجزِئه صوم رمضان، ولا يقضي شيئًا من الصلاة. فقد قيَّد الوقوفَ المُجزِئ أن يكون بعدَ وقوف الناس بها، وأولُ وقت وقوفِ الناس زوالُ (٥) الشمس؛ وذلك لأن النبي ﷺ إنما وقف بعد الزوال، وهذه السنة الموروثة (٦) عنه المنقولة نقلًا عامًّا، فلو كان قبل الزوال وقت وقوفٍ لوقفَ فيه، ولم ينزل بنَمِرةَ، وهي خارجة عن المعرَّف، إذ المسارعة إلى العبادة أولى من التأخير. ولأن مواقيت العبادات إنما تُتلقَّى من فعله ﷺ أو قوله (٧). وإنما وقف

стр. 3228

بعد الزوال، كما رمى جمار أيام منى بعد الزوال، وكما صلّى الظهر وغيرها من العبادات في مواقيتها. والعبادةُ المفعولة قبل وقتها لا تصحُّ بخلاف المفعولة بعد وقتها. وفي حديث ابن عمر المتقدم: «إذا كان عشية عرفة باهَى الله بالحاجّ» (١)، فمن لم يقف إلى العشية لم يُباهِ الله به، فلا يكون من الحاجّ. ولأن الرمي المشروع بعد الزوال لا يجوز تقديمه على وقته، وإن جاز التأخير عنه، فالوقوف أولى وأحرى. ولأن الوقوف عبادة مشروعة عشيةَ اليوم، فلا يجوز فعلُها قبل الزوال كالظهر والعصر، وهذا لأن ما بين زوال الشمس إلى طلوع الفجر مواقيتُ الصلوات المكتوبات، فجاز أن يجعلها الله ميقاتًا للمناسك التي هي من جنس الصلاة، بخلاف صدر النهار. ووجهُ الأول قول النبي ﷺ : «من شهِدَ صلاتَنا هذه، ووقفَ معنا حتى ندفع، وقد وقفَ قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا= فقد تمَّ حجُّه، وقضى تَفَثَه» (٢). فعلَّق تمامَ الحج (٣) وقضاءَ التَّفَث بالصلاة والوقوفِ (٤) بمزدلفة، وبأن يقفَ قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا، فمن وقف بعرفة قبل الزوال، وأفاض إلى جَمْعٍ فوقف بها مع الإمام= فقد دخل في عموم

стр. 3229

الحديث. ولو كان وقتُ الإجزاء بعد الزوال لقال: ووقفَ بعرفةَ قبل ذلك ليلًا أو نهارًا بعد الزوال. فإن قيل: إنما معناه: بعرفةَ قبل ذلك ليلًا فقط، أو نهارًا إلى الليل؛ لأن المخاطبين قد علموا أن من وقف نهارًا وصل الوقوفَ إلى الليل، والشك إنما كان فيمن لم يُدركها إلا ليلًا، فخرج كلامه لبيان ما أشكل، بدليل أن الوقوف إلى آخر النهار واجب، وتَرْكه مُوجِب للدم، والنبي ﷺ ذكر أنه قد تمَّ حجُّه وقضى تَفَثَه، ولم يذكر دمًا، ومن يكون قد ترك واجبًا لا يكون حجُّه تامًّا إلا بإخراج الدم. قيل: أولًا هذا السؤال إنما يصح ممن يقول: إن الوقوف بالليل ركن كما قال مالك. ولا يختلف المذهب أن من دفع قبل غروب الشمس صحّ حجُّه، لكن عليه دم كما سيأتي بيانه إن شاء الله. ويُبيِّن (١) ضعفَ هذا أنه على هذا التقدير يكون الوقت المعتبر هو الليل فقط، فكان يكفي أن يقال: ووقف بعرفة قبل ذلك في شيء من الليل، فلما قال: «ووقف بعرفة ليلًا أو نهارًا» عُلِم أن كلًّا منهما وقتٌ للوقوف على انفراد، وحجُّ من وقفَ في أحدهما تامٌّ، وتَفَثُه مقضيٌّ، نعم قد يجب عليه دم في بعض الأوقات، وليس كلُّ من لم يُدرِك آخر النهار عليه دم، كما سيأتي. وأيضًا فقوله في بعض الروايات: «أفاض قبل ذلك من عرفاتٍ ليلًا أو نهارًا فقد تمَّ حجُّه» يُبطِل هذا التأويل؛ لأن من أفاض نهارًا لم يقف إلى

стр. 3230

الليل ... (١). وأما الإجماع، فقال أبو عبد الله في رواية عبد الله (٢) وأبي الحارث: قوله: «الحج عرفة» على السلامة، فإذا هو عمِلَ ما يعمل الناس من طواف يوم النحر فهو الطواف الواجب؛ لأنه لم يختلف الناس فيما (٣) علمنا أنه من لم يطفْ يوم النحر أنه يرجع حتى يطوف، ولو كان قد أتى أهله. وذلك يُشبِه (٤) قول النبي ﷺ : «من أدرك من الصلاة ركعةً فقد أدركها» (٥). فإذا أدرك ركعةً أفليس عليه أن يأتي بها على كمالها؟ [ق ٣٦٢] وما أفسدَ آخرَها أفسدَ أولَها، وإنما ذلك على كمالها. وكذلك الواقف بعرفة ما لم يأتِ برمي الجمار وهذه الأشياء، فحجه فاسد إذا وطئ قبل رمي الجمار، وإن كان قد وقف بعرفة؛ لأن الإحرام قائم عليه، وإذا رمى الجمار فقد انتقض إحرامه، وحلَّ له كل شيء إلا النساء. فصل ويُشترط لصحة كل طواف في الحج والعمرة، وفي غير حج وعمرة، عشرةُ أشياء:

стр. 3231

أحدها: النية، وهي أن يقصد الطواف بالبيت، فلو دار حول البيت طالبًا لرجل، أو متروِّحًا بالمشي، ونحو ذلك= لم يكن ذلك طوافًا، كما لو أمسك عن المفطرات ولم يقصد الصوم، أو تجرَّد عن المخيط ولبَّى (١) ولم يقصد الإحرام. وهذا أصل مستقرٌّ في جميع العبادات المقصودة: لا تصحُّ إلا بنية، لقوله سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، وهذا لم ينوِ (٢) العبادة. الشرط الثاني: أن يكون طاهرًا من الحدث، فلو كان مُحدِثًا أو جنبًا أو حائضًا لم يجزْ له فعل الطواف (٣)، رواية واحدة، بل هو حرام عليه، ولا يجوز أن يؤمر به؛ لأن الأمر بالحرام حرام؛ لما روى ابن عباس عن النبي ﷺ أن النفساء والحائض تغتسل وتُحرِم وتقضي المناسك كلها، غير أن لا تطوف بالبيت. رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن (٤). وعن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن أبيه عن أبي بكر: أنه خرج حاجًّا مع رسول الله ﷺ ، ومعه أسماء بنت عُميس، فولدت محمد بن أبي بكر، فأتى أبو بكر النبي ﷺ ، فأمره رسول الله ﷺ أن يأمرها أن تغتسل، ثم تُهِلَّ بالحج، وتصنعَ ما يصنع الناس إلا أنها لا تطوف بالبيت. رواه النسائي وابن ماجه (٥).

стр. 3232

وعن عائشة أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلا الحج حتى جئنا سَرِفَ، فطَمِثْتُ، فدخل عليَّ رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقال: «ما يُبكيك؟» فقلت: والله لوددتُ أني لم أكن خرجتُ العام، قال: «ما لكِ لعلك نُفِسْتِ؟» قلت: نعم، قال: «هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، فافعلي ما يفعل الحاج، غيرَ أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهُري»، وذكرت الحديث. متفق عليه (١). وفي رواية لمسلم (٢): «فاقضي (٣) ما يقضي الحاجُّ، غيرَ أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي». وفي رواية لأحمد (٤) عن عائشة عن النبي ﷺ قال: «الحائض تقضي المناسك كلها إلا الطواف». وهذا متواتر في حديث عائشة: أنها حاضت لما قدمت مكةَ، ومنعها النبي ﷺ من الطواف، وأمرها بالإهلال بالحج، وطافت لما رجعت من عرفات، ثم اعتمرتْ بعد الصَّدَر من منًى. وقد تقدم أيضًا في حديث صفية بنت حُيي أنها حاضت بعدما أفاضت، فقال النبي ﷺ : «عَقْرى حَلْقَى، إنك لحابستُنا» ثم قال لها: «أكنتِ أفضتِ

стр. 3233

يوم النحر؟» قالت: نعم، قال: «فانفِري». ورخَّص للحائض أن تَنفِرَ من غير وداع، ولو كان للحائض سبيل إلى الطواف بجُبران أو غيرِ جُبران لم يحبس النبي ﷺ المسلمين من أجلها، بل أمرها بالطواف وبجبرانه (١) لو كان جائزًا، وكذلك لو كان جائزًا لم يسقط عنها طواف الوداع، بل أمرها به وبجبرانه. وعن عائشة: أن أول شيء بدأ به النبي ﷺ حين قدِمَ أنه توضأ ثم طاف بالبيت. متفق عليه (٢). وعن طاوس عن رجل قد أدرك النبي ﷺ أن النبي ﷺ قال: «إنما الطواف صلاة، فإذا طفتم فأقِلُّوا الكلام». رواه أحمد والنسائي (٣). ورواه الترمذي (٤) عن طاوس عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال:

стр. 3234

«الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلَّم فيه فلا يتكلَّم إلا بخير». قال: وقد روي عن ابن عباس موقوفًا (١). فقد جعله صلاةً ومثلَ الصلاة إلا في إباحة النطق، وهذا يقتضي أنه يساوي الصلاة في سائر الأحكام، من الطهارتين والزينة ونحو ذلك، إذ لو فارقها في غير الكلام لوجب استثناؤه، فإن استثناءه (٢) هذه الصورةَ دليلٌ على أنها تدخل في العموم لولا الاستثناء، وإذا دخلت هذه الصورة فدخول سائر الصور أوكدُ. وعلى هذا فالمحدِث يُمنَع منه كما يمنع من الصلاة. وأما الجنب فيُمنَع منه كذلك (٣)، ولأن الطواف لا يصح إلا في المسجد، والجنب ممنوع من اللُّبث في المسجد، إلا أن هذا المانع يزول عنه إذا توضأ للصلاة. والحائض تُمنَع منه لهذين السببين، إلا إذا انقطع دمها وتوضأت، فإنما تُمنَع منه (٤) لسببٍ واحد على ... (٥). وفي قول النبي ﷺ : «غيرَ أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي» دليلٌ على أنها ممنوعة منه قبل الاغتسال، توضأتْ أو لم تتوضأ، والجُنُب مثلها في هذه الصورة. ولو فُرِض

стр. 3235

أن الجنب والحائض [ق ٣٦٣] يُباح لهما [دخولُ] المسجد، لكن الحائض والجنب (١) يُمنعان منها (٢) كما يمنعان من الاعتكاف. قال في رواية أبي طالب: «لا يطوف أحد بالبيت إلا طاهرًا (٣)، والتطوُّع أيسر، ولا يقف مشاهدَ الحج إلا طاهرًا (٤)». فصل فإن طاف على غير طهارة، ففيه روايتان: إحداهما: لا يُجزئه بحال، قال في رواية حنبل (٥): إذا طاف بالبيت طواف الواجب غيرَ طاهرٍ لم يُجزِئْه. وقال في رواية أبي طالب (٦): إذا طاف مُحدِثًا أو جُنبًا أعاد طوافه. وكذلك نقل الأثرم وابن منصور (٧). والثانية: يُجزئه في الجملة، قال في رواية ابن الحكم (٨) ــ وقد سأله عن الرجل يطوف للزيارة أو الصَّدَر وهو جنبٌ أو على غير وضوء ــ قلت: إن مالكًا يقول: يعود للحج والعمرة وعليه هديٌ، قال: هذا شديد، قال أبو عبد الله: أرجو أن يجزئه أن يُهريقَ دمًا إن كان جنبًا، أو على غير وضوء

стр. 3236

ناسيًا. والوقوف بعرفة أهونُ من طواف الزيارة، وإن ذكر وهو بمكة أعاد الطواف. وفي لفظ: إذا طاف طواف الزيارة وهو ناسٍ لطهارته حتى يرجع، فإنه لا شيء عليه، واختار له أن يطوف وهو طاهر. وإن وطئ فحجُّه ماضٍ، ولا شيء عليه. فقد نصَّ على أنه يُجزئه إن كان ناسيًا، ويجب عليه أن يعيد إذا ذكر وهو بمكة، فإن استمرَّ به النسيانُ أهراق (١) دمًا وأجزأه. قال أبو حفص العُكْبَري (٢): لا يختلف قوله إذا تعمَّد فطاف على غير طهارة لا يُجزئه، واختلف قوله في النسيان على قولين: أحدهما: أنه معذور بالنسيان. والآخر: لا يجزئه مثل الصلاة. وكذلك قال أبو بكر عبد العزيز في الطواف قولان: أحدهما: أنه إذا طاف وهو غير طاهر أن الطواف يُجزئ عنه إذا كان ناسيًا، فإذا وطئ بعد الطواف فقد تمَّ حجُّه. والآخر: لا يُجزئه حتى يكون طاهرًا، فعلى هذا يرجع من أي موضع ذكر حتى يطوف، وبه أقول. وعلى هذا إذا ذكر وهو بمكة بعد أن وطئ ... (٣).

стр. 3237

وذكر القاضي (١) وأصحابه والمتأخرون من أصحابنا المسألة على روايتين، في طواف المحدث مطلقًا. وقال في رواية الميموني (٢) وقد قال له: من سعى أو طاف الطواف الواجب وهو على غير طهارة، ثم واقعَ أهلَه، فقال لي: [هذه] مسألةٌ الناسُ فيها مختلفون، وذكر قول ابن عمر (٣)، وما يقول عطاء، وما يُسهِّل فيه، وما يقول الحسن (٤)، وأمرَ عائشة، فقال لها النبي ﷺ حين حاضت: «افعلي ما يفعل الحاجُّ غيرَ أن لا تطوفي بالبيت». إلا أن هذا أمرٌ قد كتبه الله، وقد بُلِيتْ به، نزل عليها، ليس من قِبَلِها. قلت: فمن الناس من يقول: عليه الحج، فقال: نعم كذلك أكبر علمي، ومن الناس من يذهب إلى أن عليه دمًا (٥). قال أبو عبد الله: أولًا وآخرًا هي مسألة فيها شبهة فيها نظر، دَعْني حتى أنظر فيها. ومن الناس من يقول: وإن أتى بلده يرجع حتى يطوف، قلت: والنسيان؟ قال: النسيان أهونُ حكمًا بكثير. يريد: أهون ممن يطوف على غير طهارة متعمدًا (٦). والرواية الأولى اختيار أصحابنا: أبي بكر، وابن أبي موسى، والقاضي،

стр. 3238

وأصحابه، وقال ابن أبي موسى (١): إن حاضت (٢) قبل طواف الإفاضة لزِمَ انتظارها حتى تطهر ثم تطوف، وإن حاضت بعدما أفاضت لم يجب انتظارها، وجاز لها أن تَنفِرَ ولم تُودِّع، لحديث صفية المتقدم. و الشرط الثالث: أن يكون طاهرًا من الخَبَث ، فإن كان حاملًا للنجاسة، أو مُلاقِيَها في بدنه أو ثيابه أو مطافِه، فقال في رواية أبي طالب (٣): إذا طاف الرجل في ثوب غير طاهر، فإن الحسن كان (٤) يكره أن يفعل ذلك، ولا ينبغي له أن يطوف إلا في ثوب طاهر. فإن فعلَ ذلك فقد ذكر أصحابنا فيه الروايتين في المحدث. وهذا إذا كان متعمدًا، فأما إن كان ناسيًا وقلنا: تصحُّ صلاته، فالطواف أولى، وإن قلنا: لا تصحُّ صلاته، ففي طوافه روايتان، ويُشترط هاهنا ما يُشترط في الصلاة ... (٥). الشرط الرابع: السترة ، والأصل فيها قوله سبحانه: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ الآيات كلها إلى قوله: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٦ - ٣١]. قال ابن عباس: كانت المرأة

стр. 3239

تطوف بالبيت وهي عريانةٌ، فتقول: مَن يُعِيرني تِطْوافًا؟ تجعلُه على فرجها، وتقول: اليومَ يبدو بعضُه أو كلُّه ... فما بدا منه فلا أُحِلُّه فنزلت هذه الآية: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ رواه مسلم (١). ورُوي أيضًا عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كانت العرب تطوف بالبيت عُراةً إلا الحُمْسَ ــ والحُمْسُ قريش وما ولدتْ ــ كانوا يطوفون عُراةً، إلا أن يُعطِيهم الحُمْسُ ثيابًا، فيُعطِي الرجالُ الرجالَ والنساءُ النساءَ (٢). فقد سمَّى الله سبحانه نزْعَ الثياب فتنةً وفاحشة، [ق ٣٦٤] وأمر بأخذ اللباس عند كل مسجد. وعن أبي هريرة: أن أبا بكر الصديق ﵁ بعثه في الحجة التي أمَّره [عليها] (٣) رسول الله ﷺ قبل حجة الوداع، يومَ النحر في رَهْطٍ يُؤذِّن في الناس أن: «لا (٤) يحجَّ بعد العام مشرك، ولا يطوفَ بالبيت عريانٌ» متفق عليه (٥). وتُشترط السترة الواجبة في الصلاة حتى سَتْر المنكب ... (٦)، فإن طاف

стр. 3240

عُريان فقد ذكر أصحابنا فيه الروايتين في المحدث، أشهرهما: أنه لا يُجزئه، والأخرى عليه دم. الشرط الخامس: أن يطوف سبعة أطوافٍ (١)، فلو نقص طوفًا (٢) أو خطوةً من أطواف (٣) لم يُجزئه، قال في رواية الأثرم (٤) فيمن ترك طَوْفةً من الطواف الواجب: لا يُجزئه حتى يأتي بسبعٍ تامّ، لا بدَّ منه. وقال في رواية ابن منصور (٥) وذكر له قول سفيان: إذا لم يُكمِل سبعةً فهو بمنزلة من لم يطفْ، يكون حرامًا حتى يرجع فيقضي، حجةً كانت أو عمرةً، فقال أحمد: ما أحسنَ ما قال. ونقل عنه أبو طالب (٦) وذُكِر له قول عطاء: إذا طاف أكثر الطواف خمسًا أو ستًّا، فقال: أنا أقول: يُعيد الطواف. قيل له: فإن كان بخراسان؟ قال: يرجع، فإذا بلغ التنعيمَ أهلَّ، ثم طاف، ويُهدِي، مثل قول ابن عباس. وقد نقل عنه الميموني فيمن وطئ وقد بقي عليه شوط: فالدم قليل، ولكن يأتي ببدنةٍ، وأرجو أن يُجزئه، ولم يذكر إعادة الطواف. الشرط السادس: الترتيب، هو شيئان:

стр. 3241

أحدهما: أن يبتدئ بالحجر الأسود، فإن ابتدأ بما قبله من ناحية الركن اليماني لم يضرَّه الزيادة، وإن ابتدأ بما بعده من ناحية الباب لم يُحتسَبْ له بذلك الشوط. الثاني وهو الشرط السابع: أن يبتدئ بعد الحجر الأسود بناحية الباب، ثم ناحية الحِجْر، ثم ناحية الركن اليماني، فيجعل البيت عن يساره، فلو نكَسَ الطواف، فابتدأ بناحية الركن اليماني، وجعل البيت عن يمينه، لم يُجزِئه. وإن مرَّ على الباب لكن استقبل البيت في طوافه، ومشى على جَنْب ... (١)، قال في رواية حنبل (٢): من طاف بالبيت طوافَ الواجب منكوسًا لم يُجزِئه، حتى يأتي به على ما أمر الله وسَنَّه النبي ﷺ ، فإن طاف كذلك وانصرف، فعليه أن يأتي به، لا يجزئه. وذلك لأن الله أمر بالطواف، وقد فسَّره النبي ﷺ بفعله، وتلقَّتْه الأمة عنه بالعمل المتواتر، وفعلُه إذا خرج امتثالًا لأمرٍ وتفسيرًا لمجملٍ كان حكمُه حكمَ ذلك الأمر. وقد قال ﷺ : «من عمِلَ عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ» (٣). الشرط الثامن: الموالاة ، وهو أن لا يُطيل قطْعَه، فإن أطال قطْعَه لمكتوبةٍ أُقيمت، أو جنازةٍ حَضَرت، لم يقطعْ موالاته؛ لأنه فرضٌ يُخاف فَوتُه، فأشبهَ خروجَ المعتكف لصلاة الجمعة.

стр. 3242

قال في رواية ابن إبراهيم (١) في الرجل يطوف ويرى جنازة: يقطع ويصلِّي عليها، ويَبْني. وسئل عن الرجل يطوف بالبيت فيعيا هل يستريح؟ قال: نعم، قد فعله ابن عمر وابن الزبير، طافا واستراحا (٢). فإن أطال: فذكر ... (٣) فيها روايتين: إحداهما: يبني، قال في رواية ابن منصور (٤) وقد سئل إذا قطع الطوافَ يَبني أو يَستأنف؟ قال: يبني. وقال في رواية حنبل (٥) في رجل طاف ستة أشواطٍ، وصلَّى ركعتين، ثم ذكر بعدُ: يطوف شوطًا ولا يُعِيد، وإن طاف ابتداءً فهو أحوط. والثانية: يستأنف، قال في رواية حرب (٦) في امرأة طافت ثلاثةَ أشواط ثم حاضت: تُقيم حتى تطوف. قيل له: تَبني على طوافها؟ قال: لا, تبتدئ. وقال في رواية أبي طالب (٧): إذا طاف خمسًا أو ستًّا، ورجع إلى بلده= يعيد الطواف. قال أبو بكر عبد العزيز (٨): لو طافت خمسًا ثم حاضتْ بنَتْ، وقيل:

стр. 3243

تبتدئ، وهو اختياري، وهذا هو الذي ذكره ... (١). وقال القاضي في «المجرد» وابن عقيل: إنه إن قطعَه لعذرٍ مثل سَبْق الحدث، فعلى الروايات الثلاث، وكذلك النسيان، وإن قطعه لغير عذرٍ وأطال ابتدأ، وإن لم يُطِلْ بنَى. الشرط التاسع: أن يطوف بالبيت جميعِه، فلا يطوف في شيء منه ؛ لأن الله قال: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، فإن اخترق الحِجْرَ في طوافه أو الشَّاذَروانَ (٢) لم يصحَّ. قال أحمد في رواية الأثرم (٣) فيمن طاف في الحِجر فاخترقَه: لا يُجزئه؛ لأن الحِجْر من البيت، فإن كان شوطًا واحدًا أعاد ذلك الشوط، وإن كان كلَّ الطواف أعاده. وكذلك نقل حنبل (٤) فيمن طاف واخترق الحِجْر: لا يُجزِئه، ويُعيد. ونقل حرب كذلك. وذلك (٥) لأن الله أمر بالطواف بالبيت، ومن سلك شيئًا من البيت في طوافه لم يطفْ به كلِّه، وإنما طاف فيه.

стр. 3244

قال ابن عباس: من طاف بالبيت فليطُفْ من وراء الحِجْر، فإن الله يقول: [ق ٣٦٥] ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، وقد طاف النبي ﷺ من وراء الحِجْر. رواه الأثرم (١). وعن عمر قال: لو أن الحِجْر لم يكن من البيت لما طِيْفَ به (٢). وعن عائشة قالت: الحِجْر من البيت (٣). وعن الزهري قال: سمعت بعض علمائنا يقول: إنما حُجِر الحِجْرُ فطاف الناس من ورائه إرادةَ أن يستوعب الناسُ الطوافَ بالبيت (٤). رواهن أحمد. والأصل في ذلك: ما روى سالم بن عبد الله أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر أخبر عبد الله بن عمر عن عائشة زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال لها: «ألم تَرَيْ أن قومكِ حين بَنَوا الكعبةَ اقتصروا على (٥) قواعد إبراهيم»، فقلت: يا رسول الله، أفلا تردُّها على قواعد إبراهيم؟ قال: «لولا

стр. 3245

حِدثانُ قومكِ بالكفر لفعلتُ». قال عبد الله: لئن (١) كانت عائشة سمعتْ هذا من رسول الله ﷺ ما أرى رسول الله ﷺ ترك استلام الركنين اللذين يليان الحِجْرَ إلا أن البيت لم يُتمَّم (٢) على قواعد إبراهيم (٣). وفي رواية (٤): قالت (٥): سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «لولا أن قومكِ حديثو عهدٍ بجاهلية ــ أو قال: بكفرٍ ــ لأنفقتُ كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلتُ بابها بالأرض، ولأدخلتُ فيها من الحِجْر». وعن عروة عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ : «لولا حداثةُ قومك بالكفر لنقضتُ الكعبة، ولجعلتها على أساس إبراهيم، فإن قريشًا حين بنَتْ استقصرتْ، ولجعلتُ لها خَلْفًا». وفي رواية: يعني بابًا (٦). وعن الأسود عن عائشة قالت: سألتُ رسول الله ﷺ عن الجَدْر (٧) أمن البيت هو؟ قال: نعم، قلت: فما لهم لم يُدخِلوه في البيت؟ قال: «إن قومكِ قصَّرتْ بهم النفقة»، قلت: فما شأن بابه (٨) مرتفعًا؟ قال: «فعل ذلك قومك لِيُدخِلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا، ولولا أن قومكِ حديث عهدٍ بجاهلية

стр. 3246

فأخاف أن تُنكِر قلوبهم، لنظرتُ أن أُدخِل الجَدْرَ في البيت، وأُلصِقَ بابه بالأرض» (١). وفي رواية (٢): «الحِجْر مكان الجَدْر». متفق عليهن. وعن يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ قال لها: «يا عائشة، لولا أن قومكِ حديثُ عهدٍ بجاهلية لأمرتُ بالبيت فهُدِمَ، فأدخلتُ فيه ما أُخرِج منه، وأَلزقْتُه بالأرض، ولجعلتُ لها بابين، بابًا شرقيًّا وبابًا غربيًّا، فبلغتُ به أساسَ إبراهيم». فذلك الذي حمل ابن الزبير على هَدْمه. قال يزيد: وشهدتُ ابن الزبير حين هَدَمَه وبناه وأدخل فيه من الحِجْر، وقد رأيتُ أساس إبراهيم حجارة كأسنمة الإبل (٣). قال جرير بن حازم: فقلت له يعني ليزيد (٤): أين موضعه؟ فقال: أُرِيكَه الآن، فدخلتُ معه الحِجْر، فأشار إلى مكانٍ فقال: هاهنا. قال جرير: فحَزَرْتُ من الحِجْر ستَّ أَذرُعٍ أو نحوها. رواه البخاري (٥). وعن سعيد بن مِيْناء عن عبد الله بن الزبير قال: حدثتني خالتي يعني عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «يا عائشة، لولا أن قومكِ حديثو عهدٍ بشركٍ لهدمتُ الكعبة، فأَلزقتُها بالأرض، وجعلتُ لها بابين، بابًا شرقيًّا وبابًا غربيًّا، وزدتُ فيها ستةَ أذرُعٍ من الحِجْر، فإن قريشًا اقتصرتْها (٦) حين بَنَت

стр. 3247

الكعبة». رواه مسلم (١). وعن عطاء عن ابن الزبير قال: إني سمعت عائشة تقول: إن النبي ﷺ قال: «لولا أن الناس حديثٌ عهدُهم بكفرٍ، وليس عندي من النفقة ما يَقْوَى على بنائه، لكنت أدخلتُ فيه من الحِجْر خمسَ أذرُعٍ، ولجعلتُ له بابًا يدخل الناس منه، وبابًا يخرج الناس منه». رواه مسلم (٢). وعن الحارث بن عبد الله بن ربيعة أنه سمع عائشة تقول: قال رسول الله ﷺ : «إن قومكِ استقصروا من بُنيان البيت، ولولا حِدْثانُ عهدِهم بالشرك أعدتُ ما تركوا منه، فإن بدا لقومكِ من بعدي أن يبنوه فهلُمِّي (٣) لأُريكِ ما تركوا منه». فأراها قريبًا من سبعة أذرع. رواه مسلم (٤). الشرط العاشر: أن يطوف في المسجد الحرام، فإن طاف خارج المسجد لم يصح ، وإن طاف فيه جاز، سواء كان بينه وبين البيت حائل مثل زمزم وقُبَّة السِّقاية، أو طاف في الأروقة التي في جوانب المسجد، أو طاف قريبًا منه، هذا قول ... (٥)، وعلى هذا القول فالمصحح للطواف: الكونُ في المسجد. ولا فرق بين ما كان مسجدًا على عهد رسول الله ﷺ ، وبين ما زِيد فيه على عهد عمر وبني أمية وبني العباس.

стр. 3248

وقال القاضي في «المجرد»: يجوز الطواف في المسجد وإن حال بينه وبين البيت قُبَّة زمزم وسقايته؛ لأن الحائل في المسجد كلَا حائلٍ، وإن طاف خارج المسجد لم يُجزِئه؛ لأن الحائل خارج المسجد يقطع حكم المسجد، كما لو ائْتمَّ بالإمام في المسجد وبينهما سُوْرُه، وعلى [ق ٣٦٦] هذا فالمانع وجود الحائل، فلو فُرِض زوالُ جُدُر (١) المسجد صحّت الصلاة خارجه. وقال ابن عقيل: إن تباعد عن البيت من غير عذر لم يَمنع الإجزاءَ؛ لأن هذه عبادة تتعلق بالبيت، فلا يؤثِّر في إبطالها البعدُ مع مُسامتتِه ومحاذاتِه كالصلاة. وإن طاف حول المسجد، أو حول البيت، وبينه وبين البيت جدار آخر، احتمل أن لا يجزئه؛ لأنه لا يسمَّى طائفًا بالبيت، بل بالمسجد أو الجدارِ الذي هو حائل؛ ولأن البقعة التي هي محالُّ الطواف معتبرة؛ لقوله ﷺ : «خذوا عنّي مناسككم»، فلا يجوز أن يُجعَل غيرُ المطاف مطافًا؛ ولأنه لو سعى في مُسامتة المسعى، وترك السعي بين الصفا والمروة، لم يُجزئه، كذلك هاهنا. ووجه الأول: قوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦]، فإنه يقتضي أن بيته مُعَدٌّ للطائفين والعاكفين والمصلّين، وذلك يقتضي أن له أثرًا في اختصا ... (٢).

стр. 3249

الفصل الثالث (١) أنه لا ركن إلا الوقوف بعرفة، والطواف طواف الزيارة. وقد اختلفت عبارة أصحابنا في ذلك. وأصل ذلك: أن السعي بين الصفا والمروة هل هو ركن؟ فيه روايتان (٢)، فإن قلنا: ليس بركن فمن أصحابنا من يقول: هما ركنان، كما ذكره الشيخ. قال أبو الحسن التميمي (٣): فرض الحج فرضان لا ثالث لهما، روى ذلك عن أحمد: المرُّوذي وإسحاق بن إبراهيم [والبغوي] (٤) وغيرهم، ونقل عنه ابناه وأبو الحارث والفضل بن زياد أنه قال فيمن وقف بعرفة وزار البيت يوم النحر وانصرف ولم يعمل غير ذلك: فحجتُه صحيحة وعليه دم. قال: وبهذا أقول. وهذا قول أبي بكر عبد العزيز. قال حرب: قيل لأحمد: رجل حجَّ فوقف بعرفة، ثم زار البيت يوم النحر، فمضى على وجهه، ولم ينصرف إلى منى، ولم يَرْمِ الجمار؟ قال: عليه دم. وقال ... (٥) القاضي وأصحابه وعامة المتأخرين من أصحابنا: أركانه ثلاثة بغير خلاف: الإحرام، والوقوف، والطواف.

стр. 3250

ومن أصحابنا من يحكي ذلك خلافًا، فيقول: الأركان ركنان في قول، وثلاثة في قول، وأربعة في قول، ويعتقد أن المذهب مختلف في الإحرام كاختلافه في السعي. قال ابن أبي موسى (١): وفرضُ (٢) الحج أربعة فروض، وهي: الإهلال بالحج، والوقوف بعرفة، وطواف الإفاضة، والسعي بين الصفا والمروة. ورُوي عنه: أن السعي بين الصفا والمروة ليس بواجب، وروي عنه: أن فرض الحج فرضان؛ هما الوقوف بعرفة، وطواف الإفاضة، وما عداهما مسنون، حتى إنه سُئل عن رجل حجَّ فوقف بعرفة، وطاف طواف الإفاضة، وانصرف ولم يأتِ بغير ذلك، فقال: عليه دمٌ شاةٌ، وحجُّه صحيح. واعلم أن الاختلاف في الإحرام اختلاف في عبارة، وذلك أن الإحرام يُعنَى به شيئان: أحدهما: قصد الحج ونيته، وهذا مشروط في صحة (٣) الحج بغير خلاف، فإن الحج لا يصحُّ بغير نية بإجماع المسلمين، وهذا المعنى هو الغالب على أصول أصحابنا؛ لأن الإحرام ينعقد بمجرد النية. فعلى هذا: منهم من يجعل هذا القصد والنية ركنًا، وهو الغالب على قول الفقهاء المصنّفين في المذهب من أصحابنا، وهو الجاري على أصول أحمد؛ لأن العمرة عنده للشهر الذي أحرم فيه. ومنهم من يجعله شرطًا للحج بمنزلة الطهارة للصلاة، وهو قول كثير

стр. 3251

من مصنِّفي الخلاف من أصحابنا، ويشهد له من أصولنا: انعقادُه قبل أشهر الحج، وسقوط الفرض عن العبد والصبي إذا عَتَق وبَلَغ قبل الإفاضة من عرفات، وإن كان الإحرام قد انعقد قبل وجوب الحج، فإن أركان العبادة لا تُفعل قبل وجوبها، ولا قبل دخول وقتها. والتحقيق: أنه أصل منفرد بنفسه، كما أن الحج عبادة مستقلة بنفسها، وهو يُشبِه أركانَ العبادة من وجه، وشروطَها من وجه، فإنه ركن مستدامٌ إلى آخر العبادة. المعنى الثاني للإحرام: هو التجرُّد عن المَخِيط، وكشفُ الرأس، واجتناب المحظورات. وهذا هو واجب، ليس بركن ولا شرط. فمن فهم من (١) الإحرام هذا المعنى قال: إن أركان الحج ركنان، ومن فهم المعنى الأول قال: أركانه ثلاثة، ومن اعتقد الإحرام شرطًا (٢) قال: إن أركانه ركنان. فعلى هذا قيل: الإحرام شرط، وقيل: هو ركن، وقيل: هو واجب على ما بيَّناه. مسألة (٣): (وواجباته: الإحرام من الميقات) . وجملة ذلك: أن واجبات الحج هي عبارة عما يجب فعلُه، ولا يجوز تركُه إلا لعذرٍ، وإذا تركه كان عليه دمٌ يَجْبُر به حجَّه، ويصح الحج بدونه،

стр. 3252

لكن هل يتمُّ الحج قبل إخراج الهدي؟ ... (١). فأول الواجبات: أن يحرم من الميقات، وهو أن يُنشِئ النيةَ و [ق ٣٦٧] يَعقِد الإحرام من الميقات، فالواجب هو الابتداء بالإحرام من الميقات، وقد يجوز أن يكون أراد أن الواجب هو الإحرام وابتداؤه من الميقات، إذا عُنِي بالإحرام تركُ المحظور كما تقدم؛ وذلك لأن النبي ﷺ قال: «يُهِلُّ أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة»، وهذا خبر معناه الأمر، وإلا لزم مخالفته مخبره. والأمر يقتضي الوجوب خصوصًا في العبادات، وإنما قلنا: ليس بركن؛ لأن ... (٢). مسألة (٣): (والوقوف بعرفة إلى الليل) . وجملة ذلك: أنه إذا وافى عرفةَ نهارًا لم يَجُزْ أن يُفيض منها إلى الليل. لكن هل يجوز أن يتعمَّد المُكْثَ في غير عرفة إلى الليل، ثم يقف بها ليلًا، مثل أن يمكث بنَعْمانَ (٤) أو بالحرم أو بنَمِرَة؟ ... (٥)، وهل عليه أن يُجِدَّ في السَّير إذا خاف فوت النهار؟ وذلك لأن رسول الله ﷺ وقف بعرفة حتى غابت الشمس كما تقدم،

стр. 3253

ولأن أهل الجاهلية كانوا يُفيضون من عرفات إذا اصفرَّت [الشمس] (١)، فسَنَّ النبي ﷺ الوقوفَ إلى غروب الشمس مخالفةً لهَدْيِهم، وذلك داخل في امتثاله لأمر الله سبحانه بالحج، وفي تفسيره للحج المجمل في كتاب الله. والفعل إذا خرجَ منه مخرجَ الامتثال والتفسير كان حكمُه حكمَ الأمر، وهو داخل في عموم قوله ﷺ : «خذوا عنِّي مناسككم». وقد روى محمد بن قيس بن مَخْرمة أن رسول الله ﷺ خطب يوم عرفة فقال: «هذا يوم الحج الأكبر، إن من كان قبلكم من أهل الأوثان والجاهلية كانوا يُفيضون إذا [رُئيتِ] (٢) الشمس على الجبال كأنها عمائم الرجال، ويدفعون من جَمْعٍ إذا أشرقت على الجبال كأنها عمائم الرجال، فخالف هَدْيُنا هديَ الشرك». رواه أبو داود في «مراسيله» (٣). وفي رواية (٤): «كانوا يُفيضون من عرفاتٍ قبل غروب الشمس، فلا تعجلوا فإنا نفيض بعد غروبها». وإنما قلنا: ليس بركن، لقول النبي ﷺ : «ووقفَ بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا»، ولحديث الذي وقَصَتْه راحلتُه بعرفات (٥). فصل لا يجوز له أن يُفيض من عرفات قبل غروب الشمس بلا تردُّد، سواء

стр. 3254

فُرِض أن الإمام أخطأ السنة فأفاض قبل ذلك أم لا، أم لم يكن للموسم إمام، فإذا غربت الشمس فالسنة أن لا يفيض قبل الإمام إلا أن يخالف الإمامُ السنةَ، فيقف إلى مغيب الشفق. قال أحمد في رواية المرُّوذي: إذا دفع الإمام دفعتَ معه، ولا تُفِضْ حتى يدفع الإمام. فإن أفاض بعد غروب الشمس قبل الإمام ... (١)، فقال أبو الحارث (٢): سألت أحمد: هل يجوز لأحدٍ أن يُفيض قبل الإمام؟ قال: إذا أفاض الإمام أفاض معه، ويُفيض الإمام إذا غربت الشمس، وعليه السكينة، ويُفيض الناس معه. قلت: فإن أفاض قبل الإمام؟ فقال: ما يُعجِبني، قلت: فما يجب على من دفع قبل الإمام؟ قال: أقلُّ ما يجب عليه دم. ثنا يحيى عن ابن جريج عن عطاء: إذا دفع قبل أن تغيب الشمس فعليه دم. وقال الحسن: يرجع، فإن لم يرجع فعليه بدنة. وقال مالك: إذا دفع قبل أن تغرب الشمس فسد حجه. قال أحمد بن حنبل: إذا دفع قبل غروب الشمس قبل الإمام فعليه دم. وقال في رواية الأثرم (٣) وقد سئل عن رجل دَفَعَ قبل الإمام من عرفة بعد ما غابت الشمس فقال: ما وجدتُ أحدًا سهَّلَ فيه، كلُّهم يُشدِّد فيه، وما يُعجِبني أن يدفع قبل الإمام. وممن قال: إذا دفع قبل الإمام عليه دم: الخرقي (٤) وأبو بكر.

стр. 3255

وقال أكثر المتأخرين من أصحابنا: إنما الدم على من دفع قبل غروب الشمس. وجعل هؤلاء قوله: «دفعَ قبل» بمعنى دفع قبل غروب الشمس؛ لأن الإمام إنما يدفع بعد الغروب. وحمل القاضي (١) رواية الأثرم الصريحة على الاستحباب؛ لأنه قال في رواية حرب (٢): إذا دفع من عرفة قبل غروب الشمس يُهرِيق دمًا. وقال أيضًا في رواية الأثرم (٣): مالك يقول: إذا دفع قبل غروب الشمس فسدَ حجُّه، وهذا شديد، والذي نذهب: عليه دم. فإن كان له عذر في الإفاضة قبل غروب الشمس، مثل أن ينسى نفقته بمكان آخر، فقال أبو طالب (٤): سألت أحمد عن الرجل يقف بعرفة مع الإمام من الظهر إلى العصر ثم يذكر أنه نسي نفقته بمنى، قال: إن كان قد وقف بعرفة فأحبُّ إليَّ أن يستأذن الإمامَ، يُخبِره أنه نسي نفقته، فإذا أذِنَ له ذهب ولا يرجع، قد وقف: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢]، وهم معه على أمرٍ جامع. وإن كان لم يقف بعرفة يرجع فيأخذ نفقته، ويرجع إلى عرفة، فيقف بها، ومن وقف بعرفة من ليلٍ أو نهار قبل طلوع الفجر فقد تمَّ حجه، فهذا يرجع فيقف.

стр. 3256

فصل ولو وقف قبل الزوال ثم خرج، ثم رجع بعد الزوال، فقد أحسن. وإن خرج بعد الزوال إلى عرفة ليصلّي بها ويخطب ... (١). وإن وقف بعد [ق ٣٦٨] الزوال ثم أفاض من عرفة، ثم رجع، فقال القاضي وابن عقيل وكثير من أصحابنا: إن عاد قبل الغروب [و] وقف إلى غروب الشمس فلا دم عليه، وإن عاد بعده فعليه دم. وخرَّج ابن عقيل احتمالًا بأن عليه دمًا (٢) مطلقًا، ويحتمله كلام أحمد؛ لأنه قال: «إذا دفع قبل الإمام فعليه دم»، ولم يُفرِّق بين أن يعود، أو لا يعود مع ذكر التفرقة عن الحسن. وذكر القاضي في «خلافه» (٣) أنه لا دم عليه إذا عاد مطلقًا، وقد ذكره أحمد عن الحسن؛ لأنه قد جمع بين الليل والنهار. مسألة (٤): (والمبيت بمزدلفة إلى نصف الليل) . وجملة ذلك: أن الوقوف بمزدلفة في الجملة واجب. تارةً يُعبِّر عنه أحمد بالوقوف بمزدلفة، وتارةً يعبِّر عنه (٥) بالمبيت بمزدلفة، لقوله سبحانه: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]. والمشعر الحرام: مزدلفة كلها

стр. 3257

كما تقدم، وإن أُريد به نفسُ قُزَح فقد أمر بالذكر عنده، وذلك يحصل بالوقوف فيما حوله، بدليل قول النبي ﷺ : «هذا الموقف، ومزدلفة كلُّها موقف، وارفعوا عن بطنِ مُحسِّر» (١). وأيضًا فإن النبي ﷺ وقف بها، وقال: «خُذوا عنّي مناسِكَكم» (٢)، وقال: «هذا الموقف، ومزدلفة كلها موقف»، كما قال: «هذا الموقف، وعرفة كلها موقف» (٣). فإن طلعت الشمس ولم يقف بالمزدلفة فعليه دم، وحجُّه صحيح. قال أحمد في رواية ابن القاسم: ليس أمرُ جَمْعٍ عندي كعرفة، ولا أرى الناس جعلوها كذلك. وقال صالح (٤): سألت أبي عن رجل فاته الوقوف بجمْعٍ، وقد وقف بعرفة، ومرَّ بجمعٍ بعد طلوع الشمس، قال: عليه دم. وقال أبو طالب: سألت أحمد عن حديث عروة الطائي: «من صلَّى معنا

стр. 3258

صلاةَ الصبح، وقد أتى عرفاتٍ قبلَ ذلك ليلًا أو نهارًا، فقد تمَّ حجُّه». قال: هذا شديد، قلت: فكيف يصنع من أتى عرفات، ولم يشهد جَمْعًا (١) مع الإمام؟ قال: هذا أحسن حالًا ممن لم يَجِئْها. وقد رخّص رسول الله ﷺ للضَّعَفة أن يتعجَّلوا بليلٍ، وصلَّى عمر رضوان الله عليه وجعل ينتظر الأعرابي، وقد (٢) جاء الأعرابي. قلت: فيُجزِئه إذا أتى عرفة، ثم لم يدرك جمعًا؟ (٣) قال: هذا مضطرٌّ، أرجو أن يُجزئه؛ لأن النبي ﷺ قدَّم الضعفة ولم يشهدوا معه. قلت: أليس من لم يقف بجمْعٍ عليه دم؟ قال: نعم عليه دم، إذا لم يقف بجمْعٍ عليه دم، ولكن يأتي جمْعًا (٤) فيمرُّ قبل الإمام. قلت: قبل الإمام يُجزِئه؟ قال: نعم، قد قدَّم النبي ﷺ الضعفة. وقال حنبل: قال عمي: من لم (٥) يقف غداةَ المزدلفة ليس عليه شيء؛ لأن النبي ﷺ قدَّم الضعفة، ولا ينبغي له أن يفعل إلا أن يكون معه ضَعَفة أو غِلْمة، وعليه أن يبيت ليلةَ المزدلفة، وإن لم يَبِتْ فعليه دم. وسئل عمن لم يأت جَمْعًا (٦)؟ قال: ليس عليه شيء إذا أخطأ الطريق، أو كان جاهلًا، فليس عليه شيء إذا لم ينزل، وهو قول الحسن ﵁. وقال حرب: قلت لأحمد: رجل أتى عرفة قبل طلوع الفجر؟ قال: حجه

стр. 3259

جائز إذا وقف بعرفة قبل طلوع الفجر، قيل: فإن لم يقفْ بجَمْعٍ؟ [قال:] (١) جائز. وأحكام جَمْعٍ مضطربةٌ تتلخَّص في مسائل: الأولى: أن الوقوف بها واجب في الجملة؛ لما تقدم. الثانية (٢): أنه ليس بركن، فمن فاته الوقوف بها حتى طلعت الشمس لعذر صحّ حجُّه، وإن تعمَّد تركَ إتيانها، أو سلك إلى منى غيرَ طريقها، فكلامه يقتضي روا ..... (٣)، ينظر ألفاظ الأحاديث. وذلك لأن النبي ﷺ لما سألوه وهو واقف بعرفة كيف [الحجُّ؟] (٤) فقال: «الحج عرفة، من جاء ليلةَ جمْعٍ قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج» (٥). ومعلوم أنه لو كان الحج يفوت بفوات المزدلفة لما قال: «الحج عرفة»، بل قال: الحج عرفة ومزدلفة. وقوله: «من جاء ليلةَ جَمْعٍ قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج» يدلُّ على أمن الفوات؛ لأن من أدرك العبادة لا تفوته البتَّةَ، ولو كان ترك الوقوف بمزدلفة يُفوِّت الحجّ لم يكن الواقف بعرفة مدركًا. وهذا كقوله: «من أدرك ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الفجر» (٦). نعم، يمكن أن يوجد بعد

стр. 3260

الإدراك ما يُبطِل العبادة، ولا يُبطِل الحجَّ إلا الوطءُ. فأما ترك واجبٍ موقَّتٍ يكون تركه فواتًا للحج فلا. ألا ترى أنه لما أراد أن يبيِّن ما به يتمُّ الحج قال: «من شهد معنا هذه الصلاةَ، ووقف معنا حتى نَدفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا، فقد تمَّ حجُّه وقضى تَفَثَه» (١). فجعل الوقوف بمزدلفة بعد التعريف، به يَتمُّ الحجّ ويُقضى التَّفَث، إذ لم يبقَ بعده إلا التحلُّل برمي جمرة العقبة وما بعده، فعُلِم بهذين الحديثين أنه بالوقوف بعرفة يُدرَك الحج ويُؤمَن فواتُه، فلو كان بعده ركن موقَّتٌ لم يُدرَك ولم يُؤمَن الفوات، وبالوقوف [ق ٣٦٩] بمزدلفة يتمُّ الحج ويُقضى التَّفَث. وأيضًا ما احتج به أحمد من إجماع الناس حيث قال: «ليس أمرُه عندي كعرفة، ولا أرى الناس جعلوها كذلك»، فذكر أنه لم ير أحدًا من الناس سوَّى بينهما، مع معرفته لمذاهب الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة الفتوى. وعن ابن عمر قال: من وقف بعرفة بليل فقد أدرك الحج، وإن لم يُدرك الموقفَ بجَمْعٍ (٢). وعن ابن عباس قال: الحج عرفات، والعمرة لا يجاوز بها البيت، ومن لم يحلَّ عند البيت فلا عمرة له (٣).
следующие страницы →