← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وعن عمران المقبري قال: هذه العِمَّة (١) التي لا يُجعَل (٢) تحت الحلق منها عمة قوم لوط، يقال لها "الأبارية" (٣). ويتخرَّج جواز المسح عليها كالقلنسوة المبطَّنة، وأولى، لأنها في الستر ومشقّة النزع لا تنقص عنها. وذلك لأنها داخلة في مسمَّى العمائم والعصائب التي جاء الإذن بها. وأما كراهية لبسها (٤)، فقد رخَّص فيه إسحاق بن راهويه وغيره من أهل العلم. واحتجُّوا بما روى وهب بن جرير عن أبيه عن يعلى بن حكيم عن سليمان بن أبي عبد الله قال: أدركت أبناء المهاجرين والأنصار، فكانوا يعتمُّون ولا يجعلونها تحت الحنك (٥). لكن المنصوص عن أحمد [٨١/ب] الكراهية كما تقدَّم. وأنكر هذا الحديث، وقال: حديث منكر، ما أدري أي شيء ذلك الحديث! وقال أيضًا وقد سئل عنه: ما أدري ما هو (٦): وقيل له: تعرف سليمان بن أبي عبد الله؟ فقال: لا. وردُّ أحمد له، لأن إجماع السلف على خلافه. قيل له: سمعت أنت هذا الحديث من وهب؟ فقال: نعم. وهو معروف، ولكن الناس على غير هذا

стр. 352

الذي رووا عن (١) يعلى بن حكيم. ولأن أولئك الذين نُقِل عنهم لم يُعرَف مَن هم (٢)؟ ولعلهم من جملة من أنكر عليه كما ذكرنا آنفًا. لكن المحكي عن أحمد فيها لفظ الكراهة، والأقرب أنها كراهة لا ترتقي إلى حدِّ التحريم. ومثل هذا لا يمنع الترخيص، كما قلنا في سفر النزهة أنه يبيح القصر على ظاهر المذهب. يؤيد هذا أن الكراهة على ما ذكر، فلا يختلف بين إرخاء الذؤابة (٣) وتركه، ومع هذا فيقال: مال جماعة من أصحابنا إلى المسح على ذات الذوائب. القسم الثالث: أن تكون ذات ذؤابة بلا حنك، فيجوز المسح عليها في أحد الوجهين، وهو الذي ذكره الشيخ؛ لأن إرخاء الذؤابة من السنة. قال أحمد في رواية الأثرم وإبراهيم بن الحارث: ينبغي أن يُرخي خلفه من عمامته، كما جاء عن ابن عمر (٤). يشير بذلك إلى ما روى أبو بكر الخلال بإسناده عن نافع كان ابن عمر يعتمَّ ويُرخيها بين كتفيه (٥). وبإسناده عن عبيد الله بن عمر قال: أخبرني أشياخنا [٨٢/أ] أنهم رأوا أصحاب النبي ﷺ يعتمُّون، ويُرخونها تحت أكتافهم (٦).

стр. 353

وبإسناده عن عاصم بن محمد عن أبيه قال: رأيت عبد الله بن الزبير اعتمَّ وأرخاها من خلفه نحو ذراع (١). وبإسناده عن سلمة بن وردان (٢) قال: رأيت على أنس بن مالك عمامة سوداء قد أرخاها من خلفه (٣). وقد روى أبو محمد الخلال بإسناده عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ دعا علي بن أبي طالب، فإذا هو رَمِد، فتفل في عينيه، ودعا له بعمامة سوداء، وأرخى طرف العمامة من بين كتفيه، ثم قال: "سِرْ". فسار، ففتح الله عليه (٤). وعن ابن عمر قال: عمَّم النبي ﷺ عبد الرحمن بن عوف عمامة سوداء كرابيس (٥)، وأرخاها من خلفه قدر أربع (٦) أصابع، وقال: "هكذا فاعتمَّ، فإنه أعرف وأجمل" (٧).

стр. 354

فإذا أرخاها ذؤابةً ولم يتحنَّك، فقد أتى ببعض السنة. والنهي عن الاقتعاط كان لئلا يتشبه بأهل الكتاب، وبهذا يحصل قطعُ التشبُّه (١)، لأنها ليست من عمائمهم. وحملوا حديث سليمان بن أبي عبد الله على أن تلك العمائم كانت بذوائب. والثاني: لا يجوز، لأن عموم النهي يشملها، ولأنها لا يشقُّ نزعها. ويشترط للمسح على العمامة ما يشترط لمسح الخفِّ (٢) من لبسها على طهارة كاملة، ومن اعتبار الوقت. وإذا خلعها بطلت طهارته. وكذلك إذا انكشف رأسه إلا أن يكون يسيرًا، مثل أن يرفعها بقدر ما يدخل يده لحكِّ (٣) رأسه أو لمسحه في الوضوء [٨٢/ب] ونحو ذلك، فلا بأس به ما لم يفحُش. ولو انتقضت فكذلك؛ إلا أن ينتقض (٤) بعضها ككور أو كورين، ففيه روايتان: إحداهما: لا تبطل الطهارة، لأن العضو مستور ببعض الممسوح، فأشبه ما لو زالت ظهارةُ الخفِّ (٥) وبقيت بطانته.

стр. 355

والثانية: تبطل. وهي المشهورة، لأنه بانتقاض بعضها ينتقض سائرها، فلم تبق على حال تثبت بنفسها، فأشبه ما لو انفتق الخفُّ فتقًا لا يثبت في الرجل معه. وعلى الرواية التي تقول: يجوز غسل رجليه في مسألة (١) الخف، يحتاج هنا إلى مسح رأسه وغسل رجليه لأجل الترتيب. فصل السنة: أن يمسح أعلى الخف، دون أسفله وعقبه. والأفضل أن يضع يده مفرَّجةَ الأصابع على أصابع رجليه، ثم يجرَّها إلى ساقه. ولو بدأ بأسفل الساق قبل رؤوس الأصابع جاز. وقال ابن أبي موسى: السنة أن يمسح أعلاه وأسفله (٢)، لما روى المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ مسَح أعلى الخف وأسفله. رواه الخمسة إلا النسائي (٣). ولأنه موضع يحاذي محلَّ الفرض، فأشبه أعلاه. ولأنه استيعاب بالمسح، فكان مشروعًا كمسح الرأس والعمامة.

стр. 356

والأول هو المذهب المنصوص، لقول علي ﵁: لو كان الدين بالرأي لكان أسفلُ الخفِّ أولى بالمسح من أعلاه. وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفَّيه. رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح (١). وعن المغيرة بن شعبة قال: رأيت رسول الله ﷺ يمسح على الخفين على [٨٣/أ] ظاهرهما. رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن (٢). وذاك الحديث قال الترمذي: هو معلول، وضعَّفه أحمد والبخاري وأبو زرعة (٣). قال أحمد: الصحيح من حديث المغيرة أن النبي ﷺ مسح أعلى الخف. ولأن أسفل الخف ليس بمحلِّ الفرض فكذلك لسنَّته كالساق. وقد بيَّن علي ﵁ أنَّ الرأي وإن اقتضى مسحه، لكونه محلَّ الوسخ والأذى، إلا

стр. 357

أن السنة أحقُّ أن تتبع؛ مع أن رأيًا يخالف السنة رأي فاسد، لأن أسفله مظنةُ ملاقاة النجاسة وكثرة الوسخ، فيفضي إلى تلويث اليد من غير فائدة، إذ ليس المقصود إزالة الوسخ عن الخف. ولهذا لا يُشرع غسلُه، بل غسله كغسل الرأس. ولأن استيعابه بالمسح يفضي إلى إخلاقه وإتلافه من غير فائدة كما تقدم، وذلك لا يُشرع. وبهذا يظهر الفرق بينه وبين العمامة، فإنه لا أذى هناك ولا يخاف بِلاها، لأن مواضع المسح تتبدل بتبدل اللَّوثات (١). والصفة التي ذكرناها رواها ابن ماجه (٢) عن جابر قال: مرَّ رسول الله ﷺ برجل وهو يغسل خفَّيه، فقال بيده كأنه دفعه: "إنما أُمِرتَ بالمسح"، هكذا من أطراف الأصابع إلى أصل السَّاق خُطُطًا (٣) بالأصابع. ورواه أبو عبد الله بن حامد، ولفظه: "إننا لم نؤمر (٤) بهذا". فأراه،

стр. 358

فقال (١) بيده من مقدَّم الخف إلى الساق، وفرَّق (٢) الأصابع (٣). وهذا أقرب إلى مسح ظهر الخف بجميع تلك اليد، [٨٣/ب] بخلاف لو بدأ بما يلي الساق، فإن بعض البلل يذهب في الساق. وروى الخلال بإسناده عن المغيرة بن شعبة أنه ذكر وضوء رسول الله ﷺ قال: ثم توضَّأ ومسَح على الخفين، فوضع يده اليمنى على خفِّه الأيمن، ويده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة حتى كأني أنظر إلى أثر أصابعه على الخفين (٤). قال القاضي وابن عقيل: سنَّة المسح هكذا: أن يمسح خفيه بيده اليمنى لليمنى، واليسرى لليسرى. قال الإمام أحمد: كيف ما فعلتَ فهو جائز باليد الواحدة أو باليدين (٥). ولا يُسَنُّ تكرارُ المسح، ولا يتبع ما بين الأصابع بالماء، ولا يجب استيعابه بالمسح، لما ذكرنا. قال أحمد: المسحُ على الخفِّ هو مسُّ أعلاه خُطُطًا بالأصابع (٦). وقال: هو أثبت عندنا عن رسول الله ﷺ .

стр. 359

وقد روي في حديث جابر عن النبي ﷺ أنه مسح مرة واحدة (١). وكذلك عن ابن عمر (٢)، وعن ابن عباس (٣)، وأنس (٤). ومسح عمر بن الخطاب ﵁ حتى رُئِيتْ آثار أصابعه (٥). وكذلك قيس بن سعد بن عبادة (٦). ولأن الاستيعاب والتكرار يُوهيه ويُخلِقه من غير فائدة. والواجب مسحُ أكثره، فلا يجزئ مسحُ ثلاثِ أصابع، وما لا يسمَّى (٧) مسحًا؛ لما ذكرنا من حديث جابر، وقوله: "إنما أُمِرتَ هكذا من أطراف الأصابع إلى [٨٤/أ] أصل الساق". والأمر يقتضي الإيجاب، لا سيما وقد أخرجه مخرج البيان للمسح المسقط لفرض الغسل. وفي حديث المغيرة وغيره: أنه مسَح بكفِّه. وفعله هو المفسر (٨) للمسح المفروض. وقد كان القياس يقتضي مسح جميعه، لأنه بدل عن مغسول، فكان كالجبيرة وعضوَي التيمم، لكن سقط أسفله وعقبه لما ذكرنا، فبقي ظاهره. والأكثر يقام مقام الجميع في كثير من المواضع بخلاف الأقل.

стр. 360

والمفروض مسحُ أكثر ظهر القدم. فلو مسح بدل ذلك أسفله أو عقبه لم يجزئه، لما روى الخلال عن عمر قال: رأيت النبي ﷺ يأمر بالمسح على ظاهر الخفين إذا لبسهما وهما طاهرتان (١). ولما تقدم من حديث جابر. ولأن عليًّا بيَّن أن السنة قدَّمت ظهر الخف على أسفله مخالفةً للرأي الذي يوجب تقديم أسفله، فمتى مسح أسفله فقد وافق الرأي الفاسد. ولأن فعله خرج امتثالًا وبيانًا لسنّة المسح المفروضة بدلًا عن الغسل. وإن مسح بخرقة أو بإصبع واحدة، أو غسَل بدلًا عن المسح، فهو كما ذكرنا في مسح الرأس. وأما العمامة فالسنّة استيعابها. قال أحمد: يمسح على العمامة كما يمسح على رأسه (٢). وهو واجب في أحد (٣) الوجهين، اختاره أبو حفص البرمكي، لأنه حائل شُرِع مسحُ جميعه، فوجب كالجبيرة؛ ولأن الأصل أن البدل يحكي المبدل، لا سيما المبدل من الجنس، كقراءة غير الفاتحة بدلا عن الفاتحة؛ بخلاف غير الجنس، [٨٤/ب] كالتسبيح عن القرآن.

стр. 361

والثاني: لا يجب، وهو اختيار أكثرهم. بل يجزئ أكثرها كالخف، لما روى المغيرة بن شعبة قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فتبرَّز لحاجة، ثم جاء فتوضأ ومسح على ناصيته وجانبي عمامته، ومسح على خفيه. رواه النسائي (١). ولأنه بدل ممسوح رخصة، فلم يجب استيعابه كالخف، وإن كان المبدلَ منه (٢) هناك غَسلٌ يجب استيعابه وفاقًا. وبهذا يفارق الجبيرة، لأنها جُعلت كالجلد، فمُسحت في الطهارتين من غير توقيت. وهذان الوجهان فرع على ظاهر المذهب، وهو وجوب استيعاب الرأس. فأما إن قلنا: يجزئ الأكثر أو قدر الناصية من الرأس ومن الناصية (٣)، فهاهنا أولى. ويختصُّ محلُّ الإجزاء بأكوارها ــ وهي دوائرها دون وسطها ــ في أحد الوجهين، لأن وسطها باطن، فهو بمنزلة أسفل الخف. وفي الآخر (٤):

стр. 362

يجزئ من الجميع، لأن الاسم يقع على الجميع، وليس باطنها محلًّا للأذى (١)، بخلاف الخف. مسألة (٢): (ومن شرط المسح على جميع ذلك أن يلبسه على طهارة كاملة) . لا يختلف المذهب أنه يشترط في جواز المسح على العمامة والخفين أن يكون قد لبسهما على طهارة. فلو كان محدِثًا حين لبسهما، أو أحدث حين وضع قدمه في الساق (٣) قبل أن يستقرَّ، لم يجز له المسح، لأن الحدث تعلَّق بالرجل في حال ظهورها، فصار فرضها الغسل، لأنه لا مشقة فيه حينئذ [٨٥/أ]، فلا يجوز أن ينوب عنه المسح، لأنه أخفُّ منه؛ كمن نسي صلاةَ حضر، فذكرها في السفر، فقد استقرَّت في ذمته تامّة، فلا يجوز قصرها؛ بخلاف ما إذا لبس طاهرًا ثم أحدث فإنه تعلَّق بها على صفة يشقُّ غسلها، فكان الفرض فيها على أحد الأمرين: إما الغسل أو المسح. وكذلك لا بد أن تكون الطهارة قبل اللبس. فلو لبس الخفَّ على حدثٍ، ثم توضأ وغسل رجليه فيه، لم يجُز له المسحُ عليه حتى يخلعه ثم يلبسه، ليكون حين اللبس متطهِّرًا. لما روى المغيرة بن شعبة قال: كنت مع النبي ﷺ في مسير له، فأفرغتُ عليه من الإداوة، فغسل وجهه، وغسل

стр. 363

ذراعيه، ثم مسح برأسه. ثم أهويتُ لأنزع خفَّيه، فقال: "دَعْهما، فإني أدخلتُهما طاهرتين"، فمسح عليهما. متفق عليه (١). ولأبي داود (٢): "دع الخفَّين، فإني أدخلتُ القدمين الخفَّين، وهما طاهرتان"، فمسح عليهما. وعن المغيرة بن شعبة قال: قلنا: يا رسول الله أيمسح أحدنا على الخفين؟ قال: "نعم إذا أدخلهما، وهما طاهرتان". رواه الحميدي في "مسنده"، والدارقطني في "سننه" (٣). وعن صفوان بن عسَّال قال: أمرنا رسولُ الله ﷺ أن نمسح على الخفين إذا أدخلناهما على طهر ثلاثًا إذا سافرنا، ويومًا وليلةً [إذا أقمنا] (٤) ولا نخلعهما من غائط ولا بول ولا نوم، ولا نخلعهما إلا من جنابة. رواه أحمد والدارقطني وابن خزيمة (٥).

стр. 364

قال الخطابي: هو صحيح الإسناد (١). وهذا (٢) يدل على أن [٨٥/ب] الطهارة شرط حين إدخالهما (٣) الخفين. ولأنه إذا لبس الخفَّ محدثًا لبسه مع قيام فرض الغسل بالرجل، فأشبه ما لو لم يغسلهما حتى أحدث. ولا يقال: النزع واللبس عبث، بل هو تحقيق لشرط الإباحة، كما أن من ابتاع طعامًا بالكيل، ثم باعه، فإنه يكيله ثانيًا. ولا بد أن يبتدئ لبسهما على طهارة كاملة في أشهر الروايتين. وفي الأخرى: يكفيه أن يُدخل كلَّ قدم وهي طاهرة (٤). فلو غسل إحدى رجليه وأدخلها الخف، ثم الأخرى وأدخلها الخف، لم يبح له المسح في ظاهر المذهب، حتى يخلع ما لبسه قبل تمام طهره، فليلبسه بعده. ولذلك لو نوى الجنب رفع الحدثين، وغسل رجليه، ثم أدخلهما الخفَّ، ثم تمَّم طهارته، أو فعل ذلك المحدث، وقلنا: الترتيب ليس بشرط= لم يجز له المسحُ على الأولى. وجاز على الثانية، لأن النبي ﷺ قال: "أدخلتُ القدمَين الخفَّين، وهما طاهرتان" وذلك يقتضي طهارة كلِّ رجل حين أدخلها، لأن مقابلة العدد

стр. 365

بالعدد تقتضي (١) توزيع الأفراد على الأفراد؛ كما يقال: دخل الرجلان الدار وهما راكبان، فإنه يقتضي أن كلاهما (٢) راكب حين دخوله، سواء كان الأول إذ ذاك راكبًا أو لم يكن. ووجه الأول أن (٣) في حديث صفوان المتقدم: "إذا أدخلناهما على (٤) طُهر" وذاك إنما يراد به الطهر الكامل. وعن أبي بكرة عن النبي ﷺ أنه رخَّص للمسافر ثلاثة أيام [٨٦/أ] ولياليهن، وللمقيم يوما وليلة، إذا تطهَّر فلبس خفيه، أن يمسح عليهما. رواه الأثرم والدارقطني وابن خزيمة (٥). وقال الخطابي: هو صحيح الإسناد (٦).

стр. 366

والتطهر إنما هو كمال التوضؤ. ولأن اللبس اعتبرت له الطهارة، فاعتبرت الطهارة الكاملة، كمسِّ المصحف ومسح الخف، فإنه لا يجوز أن يمسّ المصحف بعضو غسله حتى يطهر الجميع. ولا يمسح على خفِّ رجل غسَلها، حتى يغسل الرجل الأخرى ويلبس خفَّها. والحديث حجة لنا لأنه أثبت (١) أن كلَّ واحدة طاهرة عند دخولها، ولا يثبت لها الطهارة حتى يغسل الأخرى، لأن الحدث الأصغر لا يتبعض، ولا يرتفع عن العضو إلا بعد كمال الوضوء. ولهذا لا يجوز له مسُّ المصحف بعضو مغسول؛ على أن ما ذكروه ليس بمطرد، فإنه لو قال لامرأتيه: أنتما طالقتان إن شئتما أو إن حضتما، لم يقع طلاق واحدة منهما حتى يوجد الشرط منهما. فأما العمامة، فقال أصحابنا: هي كالخف، فلو مسح على رأسه ثم لبسها ثم غسل رجليه لم يجزئه في أشهر الروايتين [حتى] (٢) يبتدئ لبسها بعد كمال الطهارة. وفي الأخرى: يجزئه، لأنه لبسها بعد طهارة محلِّها (٣). ولو لبسها محدثًا ثم توضأ ومسح على رأسه، ورفعها رفعًا فاحشًا، فكذلك؛ كما

стр. 367

لو لبس الخف محدثًا، فلما غسل رجليه رفعه إلى الساق ثم أعاده (١). وإن لم يرفعها رفعًا فاحشًا، فيحتمل أن يكون كما لو غسل رجليه في الخف، لأن الرفع [٨٦/ب] اليسير لا يُخرجه عن حكم اللبس، [ولهذا لا تبطل الطهارة به. ويحتمل أنه كابتداء اللُّبس] (٢) لأنه إنما عفي عنه هناك للمشقة. ويتوجه أن يقال في العمامة: لا يشترط فيها ابتداء اللباس على طهارة، بل يكفي فيها الطهارة المستدامة، لأن العادة الجارية أن الإنسان إذا توضّأ مسح رأسه ورفَع العمامة (٣)، ثم أعادها. ولم تجر العادة بأن يبقى مكشوف الرأس إلى آخر الوضوء، ولا أن يخلعها (٤) بعد وضوئه ثم يلبسها، بخلاف الخف، فإن عادته أن يبتدأ لبسه بعد كمال الطهارة. وغسله في الخف نادر. ولم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه في المسح على العمامة شيء من ذلك وهو موضع حاجة، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. وقد علل أصحابنا الخفَّ بندرة غسل الرجل فيه، وهذه العلة تنعكس في العمامة، لا سيما إن قلنا: ابتداء اللبس على كمال الطهارة واجب. فأما إن قلنا: يكفي لبسها على طهارة محلِّها، وجعلنا رفعَها شيئًا يسيرًا ثم إعادتَها

стр. 368

ابتداءَ لُبسٍ، فهو شبيه بما ذكرنا. فصل يكره أن يلبس الخفَّ وهو حاقن، كما يكره أن يصلى بهذه الطهارة. وطردُ ذلك مسُّ المصحف والطوافُ بها، لأن الحدث القريب إذا لم يكن كالحاصل في المنع، فلا أقلَّ من الكراهة. وإذا قلنا: إن سؤر البغل والحمار مشكوك فيه، فتطهَّر منه، ثم لبس، ثم أحدث، ثم توضأ منه وتيمَّم وصلَّى صحّت صلاته، لأن الماء إذا كان طاهرًا فقد صلى بطهارة وضوء صحيحة (١)، [٨٧/أ] وإن كان نجسًا فقد صلّى بالتيمم. وفي هذه لبسٌ على طهارة لا تجوز الصلاة بها. والطهارة أربعة أنواع: غسل، ومسح، وتيمم، وطهارة المستحاضة. فإذا لبسه على طهارة غَسْل فلا شبهة فيه. وإذا لبسه على طهارة مَسْح، فهو على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يلبس خفًّا على طهارة مسح الخف، مثل أن يلبس خفًّا أو جوربًا فيمسح عليه، ثم يلبس فوقه خفًّا أو جُرموقًا، فلا يجوز المسح عليه، لأن هذه الطهارة لا يمسح بها ثلاثة أيام، لأن ما مضى محسوب من المدة، والنبيُّ ﷺ إنما أباح المسح على طهرٍ يُمسح (٢) به ثلاث. ولأن الخف التحتاني بدل عن الرجل، والبدل لا يكون له بدل؛ بخلاف ما إذا لبس

стр. 369

الفوقاني قبل أن أحدثَ (١)، فإنه لم يتعلّق به حكم البدل، فجاز أن يمسحه (٢). ويجوز أيضًا أن يمسح التحتاني ويدعه، كما يجوز أن يغسل الرجل في الخف. وإذا مسح الفوقاني ثم نزعه، فهو كما لو بدت رجلُه في أشهر الروايتين، لأن المسح تعلَّق بالفوقاني وحده، فصار التحتاني كلفافةٍ (٣)؛ بخلاف ما إذا نزعه قبل المسح، أحدث أو لم يحدث، فإن المسح عليه جائز، ولبسُ الفوقاني لم يضرَّه شيء. وفي الأخرى: لا يلزمه نزع التحتاني، بل يتطهَّر عليه إما بمجرد مسحه أو تكميل الطهارة (٤)، كما لو كان هو الممسوح دون الفوقاني. ولو لبس الفوقاني بعد أن أحدث، وقبل أن يمسح على التحتاني، فهو أحرى أن لا يجوز، لأنه لبسه [على غير طهارة] (٥). ولا يشبَّه [٨٧/ب] بهذا أن يخيط على الخف جلدة، لأن هنا خفين منفصلين. وهذا كلُّه إذا كان الخفان صحيحين (٦). فإن كان التحتاني مخرَّقًا والفوقاني صحيحًا مسح عليه، كما لو لبسه على لفافة. وإن كان التحتاني صحيحًا والفوقاني مخرَّقًا، فالمنصوص من الوجهين جواز المسح عليه، لأن

стр. 370

خروقه مستورة (١). والثاني: لا يجوز كما لو كان تحته لفافة. وعنه: أنه كالجورب مع النعل. فإن ثبت الصحيح بالمخرَّق (٢) جاز المسح عليهما، كما تقدم في الجورب مع النعل. وإن ثبت الصحيح بنفسه مسح عليه خاصة. ولو كانا مخرَّقين، وقلنا يمسح على المخرق فوق الصحيح، فهنا وجهان: أحدهما: يمسح أيضا كالجورب الثابت بنعل. والثاني: لا يمسح كالمخرَّق فوق اللفافة. القسم الثاني: أن يلبس خفًّا أو عمامةً على طهارة مسح الجبيرة، فهذا يجوز له المسح، لأن هذه الطهارة تقوم مقام الغسل من كل وجه حتى في الحدث الأكبر، لأنه لا يقدر إلا عليها، والجبيرة بمنزلة جلده. الثالث: أن يلبس خفًّا على طهارة مسح العمامة أو بالعكس، أو يشدَّ جبيرة على طهارة مسح أحدهما، ونقول باشتراط الطهارة في الجبيرة، ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز له المسح؛ لأنه لبس على طهارة ناقصة من غير ضرورة أشبه ما لو لبس الخفَّ على خف ممسوح، أو لبس العمامة على قلنسوة ممسوحة، وجوَّزنا المسح [٨٨/أ] عليها. والثاني: الجواز بناءً على أن طهارة المسح ترفع الحدث كما تقدَّم. والنص يتناول ذلك بعمومه، وإنما امتنع في الملبوس على الممسوح (٣)،

стр. 371

لأنه بدل البدل، ولبعض المدة المعتبرة شرعًا كما تقدَّم. وأما إذا لبسه على طهارة تيمُّم لم يكن له المسح عليه، لأن التيمم لا يرفع الحدث، فقد (١) لبسه مع بقاء الحدث، ولأنه إذا وجد الماء ظهر حكمُ الحدث السابق قبل لبسه، فيكون في التقدير قد لبس وهو محدِث، لأنه إنما جعلناه متطهّرًا فيما لا يستمرُّ حكمه كالصلاة والطواف ومسِّ المصحف للضرورة؛ ولا إلى المسح بعد وجود الماء، لأنه يتمكن من غسل رجليه ولُبس الخفّ حينئذ. وهذا إنما يكون فيمن تيمَّم (٢) لعدم الماء. وأما من تيمَّم خوفَ الضرر باستعماله لجُرح أو قَرح، فإنه إذا لبس الخف على هذه الطهارة ينبغي أن يكون كالمستحاضة، وتعليل أصحابنا يقتضي ذلك. وأمّا الطهر الذي معه حدث دائم كالمستحاضة ونحوها، فإنها إذا لبست الخف على طهارتها تمسح يومًا وليلةً في الحضر، وثلاثة أيام ولياليهن في السفر، نصَّ عليه. ولا تتقيد بالوقت الذي يجوز لها أن تصلي فيه بتلك الطهارة، كطهارة ذي الحدث المنقطع، لأن هذه الطهارة كاملة في حقِّها. وإنما وجب عليها أن تتوضأ لكل صلاة، لأن الطهارة فرض لكل صلاة، وهي قادرة على ذلك، بخلاف اللبس فإنه إنما تشترط له [٨٨/ب] الطهارة حين ابتدأه وقد كانت طهارته حكمًا. والفرق بينها وبين المتيمّم (٣) أنه لما وجد الماء زالت ضرورته، فظهر حكم الحدث السابق. ونظير (٤) ذلك أن

стр. 372

ينقطع دمها في ابتداء المدة الانقطاعَ المعتبرَ، فإن ضرورتها قد زالت، فكذلك قلنا: هنا تبطل طهارتها من أصلها حتى يلزمها استئناف الوضوء، لأن الحدث السابق ظهر عمله، كما يلزم المتيمِّم إذا وجد الماء. وقال القاضي في "الجامع": إنما تمسح على الخفِّ ما دامت في الوقت، فتنتفع بذلك لو أحدثت بغير الحدث الدائم. فأما بعد خروج الوقت، فلا تستبيح المسح، كما لا تستبيح الصلاة. والأول أصح. قال أحمد: المستحاضة تمسح على خفها. وقال أيضًا: الذي به الرعاف إذا لم ينقطع، وهو يتوضأ لكل صلاة، أرجو أن يجزئه أن يمسح على خفيه. مسألة (١): (ويجوز المسح على الجبيرة، إذا لم يتعدَّ بشدِّها موضعَ الحاجة، إلى أن يحلَّها) . هذا ظاهر المذهب أنه يمسح على الجبيرة في الطهارتين، من غير توقيت ولا إعادة عليه، ولا يلزمه شيء آخر. وعنه: أنه يلزمه التيمُّم مع مسحها، لما روى جابر ﵁ قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجلًا (٢) منا حجرٌ، فشجَّه في رأسه، ثم احتلم فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصةً، وأنت تقدر على الماء. فاغتسل فمات. فلما قدمنا على رسول [٨٩/أ] الله ﷺ

стр. 373

أُخبِرَ بذلك، فقال: "قتلوه، قتلهم الله! ألَّا سألوا إذا لم يعلَموا، فإنما شفاءُ العِيِّ السؤال. إنما كان يكفيه أن يتيمَّم ويعصر ــ أو قال: يعصِب ــ على جرحه خرقةً، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده" رواه أبو داود والدارقطني (١). ولأنه يشبه الجريح لأنه يترك الغسل خشية الضرر، ويشبه لابس الخف لأنه يتضرر بنزع الحائل. فلما أشبههما جُمِع له حكمُهما. والأول هو المذهب، لما صحَّ عن ابن عمر أنه خرجت بإبهامه قُرحة، فألقمَها مرارةً، فكان يتوضأ عليها (٢). وعن ابن عمر ﵁ أنه كان يقول: من كان به جُرح معصوبٌ عليه توضأ ومسَح على العصابة، ويغسل ما حول العصاب. وإن لم يكن عليه عصاب مسحَ ما حوله (٣).

стр. 374

وقد روي ذلك عن جماعة من التابعين، ولا يعرف عن صحابي ولا تابعي خلافه. وقد روي عن علي ﵁ قال: انكسرت إحدى زندَيَّ، فأمرني النبي ﷺ أن أمسح على الجبائر. رواه ابن ماجه وغيره (١). وروي عن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ (٢)، وإن كان في إسناده مقال، فهو معتضد بما ذكرنا. ولأنه مسح على حائل، فأجزأه من غير تيمم، كمسح الخف والعمامة، وأولى، لأن هذا يتضرَّر بالنزع، ولابسُ الخف لا يتضرر بالنزع. ولأنه إما أن يلحق بذي الجرح الظاهر، أو بلابس الخف، أو بهما. [٨٩/ب] أما الأول فضعيف، لأنه لا حائل هناك ينتقل الفرض إليه، ويجعل الجرح في حكم الباطن. والثالث (٣) أضعف منه، لأننا إذا ألحقناه بهما عظمت المشقة، وأوجبنا طهارتين عن محلّ واحد، وجعلناه أغلظ من لابس الخفّ، مع أنه أحقُّ بالتخفيف منه، فتعيَّن أن يلحق بلابس الخفّ، لا سيما

стр. 375

وطهارة المسح تشارك الغسل في رفع الحدث، وأنها بالماء جائزة في الجملة في حال الاختيار. وأما حديث صاحب الشجّة، فمعناه ــ والله أعلم ــ أنه يكفيه إما التيمم وإما أن يعصِب على شجه خرقةً ثم يمسح عليها، لأنهم أجمعوا على أن الجرح الظاهر لا يوجب أن يتيمَّم وأن يعصِب ثم يمسح العصابة. والواو قد تكون بمعنى (أو) كما في قوله ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]. وذكر القاضي أنه على هذه الرواية يمسح على الجبيرة أيضًا. وهل تجب عليه الإعادة؟ تخرج على روايتين، أظهرهما: لا يعيد. وفي عصابة الفِصَاد يمسح ويتيمم لأجل النجاسة، فعلى هذا الفرق بين الروايتين أنه هل يجوز له شدُّها على غير طهارة، أم لا؟ وقد صرَّح بذلك في تعليل هذه الرواية. وقوله: "إذا لم يتعدَّ بشدِّها موضعَ الحاجة" يعني أن الحاجة تدعو إلى أن يتجاوز بها موضع الكسر، فإن الجبيرة توضع على طرفي الصحيح لينجبر الكسر، وقد يتجاوز بها إلى جرح أو ورم أو شيء يرجى به البرء وسرعة [٩٠/أ] البرء، وقد يُضطَرّ إلى الجبر بعظمٍ يكفيه أصغرُ منه، لكن لم يجد سواه ولا ما يصغر به. ومتى تجاوز لغير حاجة ولا ضرورة لزمه النزع إن لم يضرَّه، وإن خاف منه الضرر لم يلزمه النزع، إلا على قول أبي بكر في [مَن] (١) جبَر كسرَه بعظم نجِس أنه يقلعه (٢) ما لم يخش التلف. وهل يجزئه مسح الزائد؟ على وجهين:

стр. 376

أحدهما: لا يجزئه، كما ذكره الشيخ، واختاره القاضي وابن عقيل وغيرهما، لأنه شدَّه لغير حاجة؛ فيمسح بقدر الحاجة، ويتيمَّم للزائد. وقيل: يمسحه أيضا مع التيمم. والثاني: يجزئه مسحُه. قاله الخلال وغيره، لأنه قد صار به ضرورة إلى المسح عليه، فأشبه موضعَ الكسر. وتركُ التحرّز منه لا يمنع الرخصة، كمن كُسِر عظمُه ابتداءً. قال الخلال: كان أبو عبد الله يتوقَّى (١) أن يبسط الشدّ على الجرح بما يجاوزه، ثم سهَّل في مسألة الميموني والمرُّوذي (٢) لأن هذا مما لا ينضبط، وهو شديدٌ جدًّا، ولا بأس بالمسح على العصائب كيف شدَّها. وقوله: "إلى أن يحُلَّها" يعني: لا يتوقَّت مسحُها كالخف ونحو ذلك في الطهارتين، لأن مسحه لضرورة، بخلاف مسح الخف. ويجب مسح الجبيرة واستيعابها بالمسح، لأنه مسح مشروع للضرورة، فوجب مستوعبًا كالتيمم، ولأنه بدل مطلق (٣)، واستيعابه بالمسح لا ضرر فيه، فوجب فيه لأن الأصل أن البدل يحكي مبدله، بخلاف الخف والعمامة. وإن كان بعضها [٩٠/ب] في محلِّ الفرض وبعضها خارجٌ (٤) عنه مسَح ما يحاذي محلَّ الفرض.

стр. 377

وهل يشترط أن تتقدَّمها (١) طهارة؟ على روايتين: إحداهما: يشترط كالخف، اختارها الخرقي وغيره (٢). فعلى هذا إن شدَّها على حدث نزَعها، فإن أضرَّه نزعُها تيمَّم لها كالجريح. وقيل: يمسحها ويتيمم. والرواية الثانية: أنه لا تعتبر لها الطهارة قبل الشدِّ، اختارها الخلال وصاحبه وغيرهما، وأشار الخلال أنها الرواية المتأخرة (٣). وهي اختيار الشيخ لأنه ذكر اشتراط الطهارة في العمامة والخف، ثم ذكر الجبيرة بعد ذلك ولم يشترط لها ذلك، لأن حديث جابر ليس فيه ذكر الطهارة. وكذلك حديث علي، وكذلك ابن عمر. وتفارق الخفَّ من وجهين: أحدهما: أنّ الكسرَ والفكَّ يقع فجأة وبغتة، ويبادر إلى إصلاحه عادة، ففي اشتراط الطهارة حرج عظيم. وربما تعذّرت الطهارة بأن يجري دم ينقض الطهارة، ولا يمكن إعادتها إلا بغسل المحلِّ، وهو متعذِّر، فيضطر إلى شدِّها على الحدث. فإما أن يؤمر بالتيمم فقط، فالمسح خير من التيمم؛ أو بهما، وهو خلاف الأصول، فيتعيَّن المسح. والثاني: أن الجبيرة كالأعضاء، وتجري مجرى جلدة انكشطت ثم أعيدت، بدليل أنها تمسح في الطهارة الكبرى، وأنه لا توقيت في مسحها، بخلاف الخف.

стр. 378

فإذا حلَّ الجبيرةَ أو سقطتْ فهو كما لو خلع العمامةَ: يلزمه استئناف الطهارة في [٩١/أ] أشهر الروايتين. وفي الأخرى: يكفيه غسلُ موضعها والبناءُ على ما قبلها، إلا أن يكون مسحها في غسلٍ يعمُّ البدن كالجنابة والحيض، فيسقط الاستئناف بسقوط الترتيب والموالاة. والمسح على حائل الجرح أو الدمَّل أو غيرهما كالمسح على حائل الكسر، سواء كان عصابة أو دواء أو مرارة أو لصوقًا، سواء تضرَّر بنزع الحائل دون الغسل أو بالغسل دون نزع الحائل أو بهما. وكذلك لو كان في رجله شقٌّ جعل فيه قِيرًا أو شَمْعًا مُغْلًى ونحو ذلك وتضرَّر بنزعه، في أظهر الروايتين. وفي الأخرى: لا يجزئه المسح، لأن ذلك من الكيِّ المنهي عنه، حيث استعمل بعد إغلائه بالنار، والرخص لا تثبت مع النهي. والأول أقوى. وفي كراهية الاكتواء روايتان: إحداهما: أنه لا يكره، وإنما تركُه درجة رفيعة. وتُحمَل أحاديثُ النهي على ما فيه خطر، ولم يغلب على الظن نفعه، لأن النبي ﷺ كوى أسعد (١) بن زُرارة (٢)، وسعد بن

стр. 379

معاذ (١)، وأبي بن كعب (٢). والثانية: يكره لأحاديث النهي فيه، والترخُّص (٣) بالسبب المباح جائز وإن كان مكروهًا، على الصحيح كالقصر في سفر النزهة. مسألة (٤): (والرجل والمرأة في ذلك سواء) . يعني في مسح الخفين، لأن بها حاجة إلى لبسهما، وذلك مباح لها, فأشبهت الرجل. وكذلك تمسح الجبيرة. وأما مسحُها على الخمار، ففيه روايتان تقدم [٩١/ب] توجيههما. ومسحُها على العمامة لا يجوز، لما تقدَّم.

стр. 380

باب نواقض الوضوء (وهي سبعة: الخارج من السبيلين على كل حال) (١). يعني: سواء كان نادرًا أو معتادًا، قليلًا أو كثيرًا، نجسًا أو طاهرًا. أما المعتاد فلقوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦] ولقوله ﵇ في حديث صفوان: «ولكن من غائط وبول ونوم» (٢)، وقوله في الذي يخيَّل إليه الشيء في الصلاة: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا» (٣)، أو كحديث علي في المذي (٤). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدَثَ حتى يتوضأ». فقال رجل من أهل حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ فقال: فساء أو ضراط. متفق عليه (٥). وأما (٦) النادر، فكالدود والحصى ودم الاستحاضة وسلس البول والمذي، فينقض أيضًا، لما روي عن علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: «في

стр. 381

المذي الوضوء، وفي المني الغسل» رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن صحيح (١). ولم يفرق بين دائمه ومنقطعه. وعن عائشة ﵂ قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى رسول الله (٢) ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أُستحاضُ فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: «لا، إنما ذاك دم [٩٢/أ] عرق، وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، وتوضَّئي لكلِّ صلاة حتى يجيء ذلك الوقت» رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح (٣). وهذه الزيادة (٤) قد رويت من قول عروة، ولعله أفتى بها مرةً، وحدَّث بها أخرى. ولعلها كانت عنده عن فاطمة نفسها لا عن عائشة، فقد روي عن عروة عن فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي ﷺ : «إذا كان دم الحيض فإنه أسود يُعرف، فإذا كان كذلك فأمسِكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضَّئي وصلِّي، فإنما هو دم عرق» رواه أبو داود والنسائي (٥).

стр. 382

وعن عائشة ﵂ قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ فقالت: إني امرأة أُستحاضُ فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: «لا، اجتنبي الصلاةَ أيام محيضك، ثم اغتسِلي وتوضَّئي لكلِّ صلاة، ثم صلِّي وإن قطَر [الدمُ] (١) على الحصير» رواه أحمد وابن ماجه (٢). وعن عدي بن ثابت عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: «المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل، وتتوضأ عند كلِّ صلاة وتصوم وتصلِّي» رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي، وقال: حديث حسن (٣).

стр. 383

ولأنه خارج من السبيل، فنقَض كالمعتاد. وأما الطاهر فينقض أيضًا في ظاهر المذهب، كالمني والريح الخارجة من الدبر، و (١) من قُبل المرأة وقُبل [٩٢/ب] الرجل، في المنصوص المشهور من الوجهين. قال أبو بكر: لا يختلف قول أبي عبد الله إنّ الرجل والمرأة إذا خرجت الريح من قبلهما، إنهما يتوضآن. وقال القاضي أبو الحسين: قياس مذهبنا أن الريح تنقض من قُبل المرأة دون الرجل، لأن الصائم إذا قطَّر في إحليله لم يُفطر، لأنه ليس من الذكر إلى الجوف منفذ، بخلاف قبل المرأة (٢). وريح الدبر إنما نقضت لأنها تستصحب بخروجها أجزاء لطيفة من النجاسة، بدليل نتنها، فإن الرائحة صفة لا تقوم إلا بأجزاء من الجسم. وكذلك ريحُ قبل المرأة بدليل نتنها. وربما علَّلوا ذلك بأن هذا لا يدرك فتعليق النقض به محال، فإن النبي ﷺ قال في الذي يخيَّل إليه الشيء وهو في الصلاة: «لا ينصرفْ حتى يسمعَ صوتًا أو يجد ريحًا» (٣). وهذه الريح لا

стр. 384

تُسمَع ولا تُشَمُّ، وإنما تُعلَم بأن يحسَّ الإنسان في ذكره بدبيب يعتقده قطرةَ بول، فإذا انتهى إلى طرف الذكر، فلم يجد له [أثرًا] (١) علِمَ أنها الريح. ويلتزم من قال هذا بنجاسة المني، وأن الريح تنجِّس الماء اليسير، حيث لم تنقض (٢) الطهارة بشيء طاهر. ويعتذر عن المني بأنه يوجب الطهارة الكبرى، فلا يدخل في نواقض الوضوء، إلا أن هذا لا يصح، فإن مني الرجل إذا خرج من فرج المرأة بعد اغتسالها، أو خرجت من الرجل بقية المني، وجب الوضوء دون الغسل. والصحيح: الأول، لأنه خارج [٩٣/أ] من السبيل فنقض، كريح الدبر فإنها طاهرة، واكتسابها ريح النجاسة لا يضرُّ، فإن الريح قد تكتسب من انفصال أجزاء كالحشا المتغيّرة والماء المُرْوِح (٣) بجيفة على جانبه. ولو فرضنا انفصال أجزاء من النجاسة، فإنما خالطَتْ أجزاءً هوائية، وذلك لا يوجب التنجُّس كما تقدم. وقولهم: الريح الخبيثة إنما خرجت مستصحبة لأجزاء من النجاسة. قلنا: بل نادت (٤) الرائحة إلى الهواء الخارج من غير أجزاء، كما تنادي الحرارة إلى الماء من غير أجزاء من النار. والفقه في ذلك: أن السبيل هو مظنة خروج النجاسة غالبًا، فعُلِّق الحكم بهذه المظنة، وإن علَّقناه بنفس خروج النجاسة أيضًا.

стр. 385

وإذا قطَّر في إحليله دهنًا ثم سال، أو احتشى في قبله أو دبره قطنًا ثم خرج منه شيء لا بلَّة معه، أو كان في وسط القطن مِيلٌ فسقط بِلا بلّة= نقَضَ في أشهر الوجوه، لأنه (١) خارج من السبيل. والثاني: لا ينقض، لأنه خارج طاهر، وجريانُ الطاهر في مجرى النجس الباطن لا ينجِّسه، كجريان النجاسة في مجرى القيء، ومني المرأة في مجرى دمها. والثالث: ينقض الدهنُ، لأنه لا يخلو من بِلَّة نجِسة تصحبه، بخلاف القطن والمِيل. فأما إن تحقَّق خروجُ شيء من بِلَّة الباطن نقَض قولًا واحدًا. وكذلك إن احتقن، فخرج شيء من الحقنة؛ أو وطئ الرجل المرأة، فدبَّ ماؤه، فدخل في فرجها، ثم خرج؛ لأن هذا دخل الجوف، فحُكِم [٩٣/ب] بتنجيسه. وكذلك لو أدخل المِيلَ ثم أخرجه. ولو لم يخرج شيء (٢) من الحقنة وماءِ الرجل لم ينقُضْ، كما لو لم يخرج المِيل. وقيل: ينقض، لأنه في الغالب لا بدَّ أن يتراجع منه أجزاء يسيرة، فينقض بوجود المظنة كالنوم. ولو استرخت مقعدته، فظهرت وعليها بِلَّة لم تنفصل عنها، ثم عادت= نقَضَ في أشبه الوجهين بكلامه، لأنها نجاسة ظهرت إلى ظاهر البدن، فأشبهت المنفصلة (٣).

стр. 386

والثاني: لا تنقض، لأنها لم تفارق محلَّها من الباطن، فأشبهت ما لم تظهر. وكذلك لا يجب الاستنجاء منها، وكما لو أخرج الصائم لسانه، ثم أدخله وعليه ريقه، فابتلعه= لم يفطر لأنه لم ينفصل. مسألة (١): (والخارج النجس من غيرهما إذا فحُش) . أما النجاسة إذا خرجت من غير السبيلين فهي قسمان: أحدهما: البول والعَذِرة، فينقض (٢) سواء كان قليلا أو كثيرا، وسواء خرج من تحت المعدة أو من فوق المعدة، وسواء استدَّ المخرجُ أو لم يستدَّ، من غير اختلاف في المذهب، لعموم حديث صفوان: «ولكن من غائط وبول» (٣)، ولأن السبيل إنما يغلظ حكمه لكونه مخرجهما المعتاد، فإذا تغلَّظ حكمه بسببهما، فلَأن يتغلَّظ حكمُ أنفسهما أولى وأحرى. ولا ينتقض الوضوء بخروج الريح من ذلك المخرج. وقد خُرِّج وجهٌ (٤) أنها تنقض (٥) فيما إذا استدَّ المخرج المعتاد، وانفتح غيره، بناءً على جواز الاستجمار فيه. ويجيء على قول من يقول من أصحابنا: إنّ [٩٤/أ]

стр. 387

الريح تستصحب جزءًا من النجاسة: أن تنقض (١) مطلقًا. القسم الثاني: سائر النجاسات من الدم والقَيح والصديد والقيء والدود، فينقض فاحشُها بغير اختلاف بالمذهب (٢)، لما روى معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء أن النبي ﷺ قاء، فتوضَّأَ. فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت ذلك له فقال: صدق، أنا صببت وضوءه. رواه أحمد والترمذي (٣) وقال: هو أصح شيء في هذا الباب. وقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: قد اضطربوا في هذا الحديث، فقال: حسين المعلِّم يجوِّده. وقيل له: حديث ثوبان ثبت عندك؟ قال: نعم (٤). وروى إسماعيل بن عياش قال: حدثني ابن جريج عن أبيه وعبد الله بن أبي مليكة عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «إذا قاء أحدكم في صلاته أو قلَسَ، فلينصرِفْ، فليتوضأ (٥)، ثمّ ليَبْنِ (٦) على ما مضى من صلاته، ما لم

стр. 388

يتكلَّمْ» رواه الخلال والدارقطني (١). وروى ابن ماجه حديث ابن أبي مليكة ولفظه: «من أصابه قيء أو رُعاف أو قَلْس أو مَذْي، فلينصرِفْ، فليتوضأ، ثمّ ليَبْنِ على صلاته وهو في ذلك لا يتكلَّم» (٢). وقد تُكلِّم في إسناد هذا الحديث، لأن المشهور عن ابن جريج عن أبيه وعن أبي مليكة عن النبي ﷺ مرسلًا، إلا أنه وإن كان مرسلا فهو مرسل من وجهين، وأيَّده عملُ الصحابة، وروي مسندًا ما يوافقه. وهذا يصيِّره حجةً عند من لا يقول بالمرسل المجرَّد، لا سيما وقد قال أحمد: كان عمر يتوضأ من الرعاف (٣). وقال [٩٤/ب] ابن جريج: حدثني ابن أبي مليكة عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ مثل ذلك (٤). وأيضًا فإن ذلك منقول عن جماعة من الصحابة في قضايا متفرقة، ولم يُنقل عنهم خلافُه. حكى الإمام أحمد في الوضوء من الرعاف عن علي (٥)

стр. 389

وابن مسعود (١) وابن عمر (٢)، وحكاه ابن عبد البر (٣) عن عمر وابن عمر. وروى الشافعي (٤) عن ابن عمر أنه كان يقول: من وجد رُعافًا أو مَذْيًا أو قيئًا انصرف، فتوضَّأ، ثم رجع، فبنى. ولأنه خارج نجس من البدن، فجاز أن ينقض الوضوء كالخارج من السبيل. ولأن (٥) الحجامة سبب يشرع منه الغسل فوجب الوضوء منه كدم الاستحاضة، ودليل الوصف في الفرع مذكور في موضعه. وأما اليسير من هذه النجاسات، فالمشهور في نصِّه ومذهبه أنه لا ينقض، حتى إن من أصحابنا من يجعلها رواية واحدة. وحكى ابن أبي موسى (٦) وغيره رواية أخرى أنَّ يسيرها ككثيرها. وحكاها الخلال في القَلْس. كذلك حكى (٧) أبو بكر الروايتين في القيء والدود، بخلاف الدم لأن الدم إنما حرم المسفوح منه بنصِّ القرآن، وقد عفي عن اليسير منه. وذلك لما ذكره الإمام أحمد عن ابن عمر أنه كان ينصرف من قليل الدم وكثيره (٨). ولأنها نجاسة فنقضت كالبول والغائط.

стр. 390

ووجه الأول: أن عبد الله بن أبي أوفى بزَقَ دمًا، فمضى في صلاته (١). وعصَر ابنُ عمر بَثْرَةً فخرج منها (٢) دم، فلم يتوضأ. ذكره أحمد والبخاري (٣). وعن أبي هريرة ﵁ أنه أدخل [٩٥/أ] إصبعه في أنفه، فخرج عليها دم، فلم يتوضأ (٤). وعن جابر بن عبد الله (٥) ﵁ أنه سئل عن رجل صلَّى، فامتخط، فخرج مع مُخاطه شيء من دم، قال: لا بأس، يُتِمُّ صلاتَه. ذكره أحمد (٦). وقال: قال ابن عباس في الدم إذا كان فاحشًا أعاد (٧). وقال (٨): الدم إذا كان قليلا لا أرى فيه الوضوء، لأن أصحاب رسول الله ﷺ رخَّصوا فيه. ولأنه لا يجب إزالة عين (٩) هذه النجاسة، فأن لا يجبَ تطهيرُ الأعضاء
следующие страницы →