← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

والثاني: لا تنقض، لأنها لم تفارق محلَّها من الباطن، فأشبهت ما لم تظهر. وكذلك لا يجب الاستنجاء منها، وكما لو أخرج الصائم لسانه، ثم أدخله وعليه ريقه، فابتلعه= لم يفطر لأنه لم ينفصل. مسألة (١): (والخارج النجس من غيرهما إذا فحُش) . أما النجاسة إذا خرجت من غير السبيلين فهي قسمان: أحدهما: البول والعَذِرة، فينقض (٢) سواء كان قليلا أو كثيرا، وسواء خرج من تحت المعدة أو من فوق المعدة، وسواء استدَّ المخرجُ أو لم يستدَّ، من غير اختلاف في المذهب، لعموم حديث صفوان: «ولكن من غائط وبول» (٣)، ولأن السبيل إنما يغلظ حكمه لكونه مخرجهما المعتاد، فإذا تغلَّظ حكمه بسببهما، فلَأن يتغلَّظ حكمُ أنفسهما أولى وأحرى. ولا ينتقض الوضوء بخروج الريح من ذلك المخرج. وقد خُرِّج وجهٌ (٤) أنها تنقض (٥) فيما إذا استدَّ المخرج المعتاد، وانفتح غيره، بناءً على جواز الاستجمار فيه. ويجيء على قول من يقول من أصحابنا: إنّ [٩٤/أ]

стр. 387

الريح تستصحب جزءًا من النجاسة: أن تنقض (١) مطلقًا. القسم الثاني: سائر النجاسات من الدم والقَيح والصديد والقيء والدود، فينقض فاحشُها بغير اختلاف بالمذهب (٢)، لما روى معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء أن النبي ﷺ قاء، فتوضَّأَ. فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت ذلك له فقال: صدق، أنا صببت وضوءه. رواه أحمد والترمذي (٣) وقال: هو أصح شيء في هذا الباب. وقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: قد اضطربوا في هذا الحديث، فقال: حسين المعلِّم يجوِّده. وقيل له: حديث ثوبان ثبت عندك؟ قال: نعم (٤). وروى إسماعيل بن عياش قال: حدثني ابن جريج عن أبيه وعبد الله بن أبي مليكة عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «إذا قاء أحدكم في صلاته أو قلَسَ، فلينصرِفْ، فليتوضأ (٥)، ثمّ ليَبْنِ (٦) على ما مضى من صلاته، ما لم

стр. 388

يتكلَّمْ» رواه الخلال والدارقطني (١). وروى ابن ماجه حديث ابن أبي مليكة ولفظه: «من أصابه قيء أو رُعاف أو قَلْس أو مَذْي، فلينصرِفْ، فليتوضأ، ثمّ ليَبْنِ على صلاته وهو في ذلك لا يتكلَّم» (٢). وقد تُكلِّم في إسناد هذا الحديث، لأن المشهور عن ابن جريج عن أبيه وعن أبي مليكة عن النبي ﷺ مرسلًا، إلا أنه وإن كان مرسلا فهو مرسل من وجهين، وأيَّده عملُ الصحابة، وروي مسندًا ما يوافقه. وهذا يصيِّره حجةً عند من لا يقول بالمرسل المجرَّد، لا سيما وقد قال أحمد: كان عمر يتوضأ من الرعاف (٣). وقال [٩٤/ب] ابن جريج: حدثني ابن أبي مليكة عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ مثل ذلك (٤). وأيضًا فإن ذلك منقول عن جماعة من الصحابة في قضايا متفرقة، ولم يُنقل عنهم خلافُه. حكى الإمام أحمد في الوضوء من الرعاف عن علي (٥)

стр. 389

وابن مسعود (١) وابن عمر (٢)، وحكاه ابن عبد البر (٣) عن عمر وابن عمر. وروى الشافعي (٤) عن ابن عمر أنه كان يقول: من وجد رُعافًا أو مَذْيًا أو قيئًا انصرف، فتوضَّأ، ثم رجع، فبنى. ولأنه خارج نجس من البدن، فجاز أن ينقض الوضوء كالخارج من السبيل. ولأن (٥) الحجامة سبب يشرع منه الغسل فوجب الوضوء منه كدم الاستحاضة، ودليل الوصف في الفرع مذكور في موضعه. وأما اليسير من هذه النجاسات، فالمشهور في نصِّه ومذهبه أنه لا ينقض، حتى إن من أصحابنا من يجعلها رواية واحدة. وحكى ابن أبي موسى (٦) وغيره رواية أخرى أنَّ يسيرها ككثيرها. وحكاها الخلال في القَلْس. كذلك حكى (٧) أبو بكر الروايتين في القيء والدود، بخلاف الدم لأن الدم إنما حرم المسفوح منه بنصِّ القرآن، وقد عفي عن اليسير منه. وذلك لما ذكره الإمام أحمد عن ابن عمر أنه كان ينصرف من قليل الدم وكثيره (٨). ولأنها نجاسة فنقضت كالبول والغائط.

стр. 390

ووجه الأول: أن عبد الله بن أبي أوفى بزَقَ دمًا، فمضى في صلاته (١). وعصَر ابنُ عمر بَثْرَةً فخرج منها (٢) دم، فلم يتوضأ. ذكره أحمد والبخاري (٣). وعن أبي هريرة ﵁ أنه أدخل [٩٥/أ] إصبعه في أنفه، فخرج عليها دم، فلم يتوضأ (٤). وعن جابر بن عبد الله (٥) ﵁ أنه سئل عن رجل صلَّى، فامتخط، فخرج مع مُخاطه شيء من دم، قال: لا بأس، يُتِمُّ صلاتَه. ذكره أحمد (٦). وقال: قال ابن عباس في الدم إذا كان فاحشًا أعاد (٧). وقال (٨): الدم إذا كان قليلا لا أرى فيه الوضوء، لأن أصحاب رسول الله ﷺ رخَّصوا فيه. ولأنه لا يجب إزالة عين (٩) هذه النجاسة، فأن لا يجبَ تطهيرُ الأعضاء

стр. 391

بسببها أولى. وذلك لأنه ليس لها محلّ معتاد، ولا يستَعدُّ لها، والابتلاء بها كثير، فعفي عن يسيرها في طهارتي الحدث والخبث، بخلاف نجاسة السبيل. وقد تقدَّم حدُّ الكثير في مسائل العفو. فأما الخارج الطاهر من البدن كالجُشاء والنخامة ونحو ذلك، فلا وضوء فيه. مسألة (١): (وزوالُ العقل، إلا النومَ اليسيرَ جالسًا أو قائمًا) . لا يختلف المذهب أن النوم في الجملة ينقض الوضوء. وليس هو في نفسه حدثًا، وإنما هو مظنّة الحدث. وإنما قلنا: ينقض الوضوء، لقوله ﷺ في حديث صفوان: «ولكن من غائط وبول ونوم» (٢). فأمرَ أن لا ينزع الخفَّ من النوم، ولولا أنه ينقض الوضوء ويوجب الطهارة لما كان حاجةٌ إلى الأمر بأن لا ينزع الخفَّ منه. وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «العين وِكاءُ السَّهِ، فمن نام فليتوضأ» رواه أحمد وأبو [٩٥/ب] داود وابن ماجه (٣).

стр. 392

وعن معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «العينُ وكاءُ السَّهِ فإذا نامت العينانِ استطلَقَ الوكاءُ» رواه أحمد والدارقطني (١). وسئل الإمام (٢) أحمد عن حديث علي ومعاوية في ذلك، فقال: حديث علي أثبت وأقوى (٣). ولأن النوم مظنةُ خروج الخارج لاستطلاق الوكاء، فقامت مقام حقيقة الحدث، لا سيما والحقيقة هنا خفية غير معلومة، وإذا وجدت أناطَ (٤)

стр. 393

الحكمَ بها، ولو كان حدثًا لاستوى فيه النبيُّ ﷺ وغيرُه. وفي «الصحيحين» (١) عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ اضطجع، فنام حتى نفخ، ثم صلَّى، ولم يتوضأ. قال ابن عباس لسعيد بن جبير لما سأله عن ذلك: إنها ليست لك ولا لأصحابك. إنها كانت لرسول الله ﷺ . كان يُحفَظ. رواه أحمد (٢). وذكر مسلم في «الصحيح» (٣) عن سفيان الثوري قال: هذا للنبي ﷺ ، لأنه بلغنا أن النبي ﷺ تنام عيناه، ولا ينام قلبه. فلما لم يُنقَض وضوءه ﷺ بنومه، لأن قلبه يقظان، وهو محفوظ في منامه، لم يبق النوم في حقه مظنةَ الحدث، بخلاف غيره. ولو كان حدثًا لم يفرَّق بينه وبين غيره كسائر الأحداث. والنوم قسمان: كثير وقليل. أما الكثير: فينقض مطلقًا لعموم الأحاديث فيه. قال ابن عباس ﵁: وجب الوضوء على كلِّ نائم، إلا من خفَق برأسه خفقةً أو خفقتَين (٤). وقد روي [٩٦/أ] مرفوعًا (٥).

стр. 394

ولأن النوم الكثير قد يفضي إلى الحدث من غير شعور، لطول زمانه وعدم الإحساس معه، بخلاف اليسير. ولأنه زوالُ عقلٍ (١) قد استغرق، فنقض على كل حال كالإغماء والسكر والجنون، فإن سائر الأشياء التي تزيل العقل من الإغماء والجنون والسكر لا يفرَّق فيها بين هيئة وهيئة، وكذلك النوم المستغرق. وأما النوم اليسير، فينقض وضوءَ المضطجع رواية واحدة، ولا ينقض وضوءَ القاعد رواية واحدة. وفي القائم والراكع والساجد، سواء كان في صلاة أو في غير صلاة، أربع روايات: إحداها (٢): ينقض مطلقًا، لأن العموم يقتضي النقض بكلِّ نوم، خُصِّص في (٣) الجالس لما روى أنس ﵁ قال: كان أصحاب النبي ﷺ ينامون، ثم يصلُّون

стр. 395

ولا يتوضّؤون. رواه مسلم (١). ورواه أبو داود (٢)، ولفظه: كان أصحاب النبي ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفَق رؤوسهم، ثم يصلُّون ولا يتوضّؤون. وفي لفظ رواه (٣) أحمد: ينعسون (٤). وروى ثابت عن أنس قال: أقيمت الصلاة، ورجلٌ يناجي النبيَّ ﷺ ، فلم يزل يناجيه حتى نام أصحابه، فصلَّى بهم. متفق عليه (٥). ورواه أبو داود (٦)، وقال: ولم يذكر وضوءًا (٧). ولأن نوم الجالس يكثر وجوده من منتظري الصلاة (٨) وغيرهم، فتعمُّ به البلوى، فيعفى عنه، كما عفي عن يسير النجاسة من غير السبيلين. والرواية الثانية: ينقض، إلا القائم مع الجالس كما ذكره الشيخ، وهو [٩٦/ب] اختيار الخرقي (٩)؛ لأن النوم إنما نقض لإفضائه إلى الحدث ومحلُّ الحدث مع القائم منضمٌّ متحفظ (١٠) كالقاعد، فيبعد خروجُ الحدث مع عدم العلم به في النوم اليسير، لا سيما والقائم لا يستثقل في نومه استثقال

стр. 396

الجالس؛ بخلاف الراكع والساجد فإنَّ المحلَّ منهما منفرج مستطلق. والرواية الثالثة: ينقض إلا القائم والراكع، [أمّا الساجد] (١) فإن المخرج منه أكثر انفراجًا واستطلاقًا، فأشبه المضطجع. والرواية الرابعة: لا ينقض في حال من هذه الأحوال حتى يكثر كما تقدَّم (٢). وهذه اختيار القاضي وأصحابه وكثير من أصحابنا، لأن النوم إنما نقَض لأنه مفضٍ إلى الحدث، وهذا إنما يكون غالبًا فيمن استرخت مفاصله وتحلل (٣) بدنه. فأما غيره فالحدث معه قليل، والأصل الطهارة، فلا تزول بالشك إذ الكلام في النوم اليسير. والقاعد وإن كان محلُّ حدثه منضمًّا، فإن النوم الثقيل إليه أقرب. والراكع والساجد مع انفتاح مخرجهم فإن نومهم يكون أخفَّ، فتقابلا من هذا الوجه، واستويا في انتفاء الاسترخاء والتحلُّل المفضي غالبًا إلى الخارج. ويدل على ذلك ما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «إذا نعس أحدكم وهو يصلّي، فليرقُدْ حتى يذهب عنه النوم؛ فإن أحدكم إذا صلَّى وهو ناعس لا يدري لعله يستغفر، فيسبُّ نفسَه» رواه الجماعة (٤).

стр. 397

وعن أنس عن النبي ﷺ قال: «إذا نعس [٩٧/أ] أحدكم في الصلاة فلينم حتى يعلم ما يقرأ» رواه أحمد والبخاري (١). فلولا أن النوم الذي قد لا يعلم معه ما يقرأ والذي قد يسبّ فيه نفسه تبقى معه طهارته على أيِّ حالٍ كان= لَمَا علَّل النهي بخشية السَّبِّ والتباس القراءة إذا كان الوضوء قد بطل. وكذلك في حديث ابن عباس ﵁ (٢) لما صلَّى مع النبي ﷺ ليلةَ بات عند خالته ميمونة قال: فجعلت إذا أغفَيتُ يأخذ بشحمة أذني (٣). روى (٤) الإمام أحمد (٥) في الزهد عن الحسن البصري أن النبي ﷺ قال: «إذا نام أحدكم وهو ساجد يباهي الله به الملائكة، يقول: انظروا إلى عبدي، روحه عندي وهو ساجد لي» (٦). فأثبته ساجدًا مع نومه. وهو وإن كان مرسلًا فقد اعتضد بما روى الدارقطني في «الأفراد» عن علي ﵁ قال: دخل رسول الله ﷺ منزل أبي بكر، وهو راكع قد نام في ركوعه، فقال:

стр. 398

«لا يضيع الله ركوعك يا أبا بكر، نومُك في ركوعك صلاةٌ» (١). وروى يزيد الدالاني عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «ليس على من نام ساجدًا وضوء حتى يضطجع، فإنه إذا اضطجع استرخَتْ مفاصلُه» رواه أحمد (٢). وقد تُكُلِّمَ فيه، فقيل: هو موقوف على ابن عباس. وقيل: هو (٣) لم يسمعه قتادة من أبي العالية. وهذا ــ إن ثَبتَ (٤) ــ يجعله مرسلًا أو موقوفًا يؤيِّد (٥) مرسلَ الحسن، فيصير حجَّةً [٩٧/ب] حتى عند من لا يقول بالمرسل المجرَّد. و المرجع في حدِّ القليل والكثير إلى العُرف ، لأنه ليس له حدٌّ في الشرع. فمتى سقط الساجدُ عن هيئة تجافيه (٦) أو القائمُ عن قيامه فانتبه ونحو ذلك انتقض طهره. وكذلك إن رأى رؤيا، في المنصوص من

стр. 399

الوجهين. وإن شكَّ هل هو قليل أو كثير لم ينتقِضْ. والمستند والمحتبي كالمضطجع. وعنه: كالقاعد، لأنه يفضي (١) بمحلِّ الحدث إلى الأرض. والنوم الناقض من المضطجع وغيره هو أن يغلب على عقله، فإنّ السِّنة ابتداءُ النعاس في الرأس، فإذا وصل (٢) إلى القلب صار نومًا. فأما إن كان يسمع حديثَ غيره ويفهمه، فليس بنائم. وإن شكَّ هل نام أم (٣) لا؟ وهل ما في نفسه رؤيا أو حديث نفس؟ لم ينقض الطهارة بالشكِّ. مسألة (٤): (ولمس الذكر بيده) . مسُّ الذكر ينقض الوضوء في ظاهر المذهب. وروي عنه أنه لا ينتقض (٥) لما روى قيس بن طَلْق عن أبيه قال: قال رجل: يا نبيَّ الله، ما ترى في مسِّ الرجل ذكرَه بعد ما يتوضأ؟ فقال: «هل هو إلا بَضْعةٌ منه» رواه الخمسة، وقال الترمذي: هذا أحسن شيء في هذا الباب (٦).

стр. 400

وعن أبي أمامة قال: سئل رسول الله ﷺ عن مسِّ الذكر فقال: «إنما هو جزء منك» رواه ابن ماجه (١). ولأنه عضو منه، فلم ينقُض كسائر الأعضاء. وهذا لأن النقض إما بخارجٍ أو بمظنَّة خارجٍ، وكلاهما مفقود. وعلى هذه الرواية الوضوء منه مستحبّ، ونصَّ عليه حملًا لأحاديث الأمر به على ذلك توفيقًا [٩٨/أ] بين الأحاديث في ذلك والآثار. والصحيح: الأول، لما روت بُسْرةُ بنت صفوان أن النبي ﷺ قال: «من مسَّ ذكرَه فلا يُصَلِّ حتى يتوضأ» رواه الخمسة (٢).

стр. 401

وفي لفظ النسائي: «إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه فليتوضأ» (١). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال أحمد: حديث بُسرة صحيح (٢). وعن أم حبيبة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من مسَّ فرجَه فليتوضأ» رواه ابن ماجه والأثرم (٣). قال الإمام أحمد: حديث أم حبيبة صحيح. وقال أبو زرعة: حديث أم حبيبة في هذا الباب صحيح. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره، ليس دونه سَتْر، فقد وجب عليه الوضوء» رواه الشافعي وأحمد (٤).

стр. 402

وقال أبو علي بن السكن: هذا من أجود ما روي في هذا الباب (١). وقد رُوي النقض به عن بضعة عشر من الصحابة عن النبي ﷺ . وجاء النقضُ بمسِّه عن عمر (٢)، وسعد بن أبي وقاص (٣)، وأبي هريرة (٤)، وزيد بن خالد، والبراء بن عازب (٥)، وابن عمر (٦)، وابن عباس (٧)، وجابر بن عبد الله (٨)، وأنس بن مالك (٩) ﵃. وهو شيء لا يُدرَك بالرأي والقياس، فعُلِمَ أنهم قالوا عن توقيف من النبي ﷺ . ولا يعارض هذا أنّ جماعةً من الصحابة جاء عنهم نفيُ النقض به، لأن مستند النافي يجوز (١٠) أن يكون هو التمسُّك (١١) باستصحاب الحال والبراءة الأصلية. وأما حديث قيس [٩٨/ب] وأبي أمامة، فعنه أجوبة:

стр. 403

أحدها: تضعيفه، فقد ضعَّفه أحمد ويحيى. وقال أبو زرعة وأبو حاتم: قيس لا تقوم به حجة. وجعفر بن الزبير كذَّبه شعبة، وقال البخاري والنسائي: هو متروك. وثانيها: أنه منسوخ، لأن طَلْق بن علي الحنفي كان قدومه وهم يؤسسون المسجد. رواه الدارقطني (١). وتأسيس المسجد كان في السنة الأولى من الهجرة. وأخبارُ الإيجاب من رواتها أبو هريرة، وإنما أسلم ورأى النبيَّ ﷺ بعد خيبر في السنة السابعة من الهجرة. وبُسرْة بنت صفوان أسلمت عام الفتح في السنة الثامنة. وثالثها: أن أحاديثنا ناقلة عن الأصل، وحديثُهم مُبْقٍ على الأصل. فإن كان الأمر به هو المنسوخ لزم التغيير (٢) مرتين، وإن كان ترك الوضوء هو المنسوخ لم يلزم التغيير إلا مرة واحدة، فيكون أولى. وهذه قاعدة مستقرَّة: أن الناقل أولى من المبقي، لما ذكرنا. ورابعها: أنه يمكن أن يكون المراد بحديث ترك الوضوء ما إذا لمسَه من وراء حائل، لأن في رواية النسائي (٣) عن طَلق قال: خرجنا وفدًا حتى قدمنا على النبي ﷺ ، فبايعناه (٤)، وصلينا معه. فلما قضى الصلاة جاء رجل كأنه بدوي فقال: يا رسول الله، ما تقول في رجلٍ مسَّ ذكرَه في الصلاة؟ قال:

стр. 404

«وهل هو إلا مضغةٌ منك» أو قال: «بَضْعة منك» (١). والمصلِّي في الغالب إنما يمسُّه من فوق ثيابه. يؤيد ذلك أنه علَّل ذلك بأنه «بَضْعة منك»، وهذا التعليل يُوجِب (٢) مساواته لسائر (٣) البَضَعات [٩٩/أ] والمُضَغ، وهذه التسوية متحقِّقة فيما فوق الثوب. فأمَّا دون الثوب فيتميَّز وجوب الغسل والمهر والحد وفساد العبادات بإيلاجه وتنجُّس الخارجات منه وغير ذلك، فكيف يقاس بغيره. وخامسها: أنّا إن (٤) قدَّرنا التعارض فأحاديثنا أكثر رواةً، وأصحُّ إسنادًا، وأقرب إلى الاحتياط؛ وذلك يوجب ترجيحها. فصل (٥) ومسُّ ذكرِ غيرِه كمسِّ ذكرِه، وأولى، لقول النبي ﷺ : «ويتوضأ من مس الذكر» رواه أحمد والنسائي (٦). وذكرُ الصغير كذكر الكبير، لعموم

стр. 405

الحديث. وذكرُ الميِّت كالحيّ في المنصوص من الوجهين. وفي الآخر (١): لا ينقض كمسِّ الميتة، والفرق بينهما أن الشهوة هناك معتبرة، بخلاف مسِّ الذكر (٢). وسواء مسَّه عمدًا أو سهوًا، لشهوةٍ أو غيرِها، في المشهور عنه. وعنه: إنما ينقض إذا تعمَّد مسَّه، سواء ذكر الطهارة أو نسيها، بخلاف ما إذا وقعت يده عليه بغير قصد، لقول علي ﵇: إذا لم تتعمَّده، فلا شيء عليك. ذكره الإمام أحمد (٣). ولأنّ تعمُّدَ مسِّه مظنّةُ حدوثِ الشهوة. وعنه: إن تعمَّد مسَّه لشهوة نقَضَ وإلا فلا، كمسِّ النساء، لأنه حينئذ يكون مظنّةَ خروجِ الخارج. والأول هو المذهب، لعموم الحديث، من غير تفريق بين الحشفة وسائر القضيب، لأن اسم الذكر يشمل ذلك، هذا هو المشهور عنه. وعنه: لا ينقض إلا مسُّ الحشفة، لأنه هو مخرج الحدث، وبه تتعلَّق الطهارة الكبرى. وسواءٌ مسَّه ببطن [٩٩/ب] يده أو ظهرها من الأصابع إلى الكوع، في المشهور عنه. وعنه: إن النقض يختصُّ ببطن الكفّ، لأن اللمس المعهود به. وعنه: ينقض مسُّه بالذراع جميعه، لأن اليد في الوضوء هي اليد إلى (٤) المرفق. والصحيح: الأول، لقوله: «إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه» (٥). واليد المطلقة في الشرع تنتهي إلى الكُوع كما في آية السرقة والمحاربة

стр. 406

والتيمّم، وقولِه: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمِس يدَه» (١)، ويعُمُّ (٢) ظهرَها وبطنَها، كما عمَّهما (٣) قولُه: «يغمس يده»، وآية التيمّم. فأما مسُّ الذكر بغير اليد، فلا ينقُض إلا إذا مسَّه بفرج (٤)، في المشهور من المذهب، لأنه أدعى إلى الخروج من مسِّ الذكر وأفحش. وفيه وجه: أنه لا ينقُض، لأن الحكم في الأصل تعبُّد (٥). وينتقض الوضوء بمسِّ فرج المرأة، في إحدى الروايتين، منها ومن امرأة أخرى. وفي الأخرى: لا ينقُض، لأن الأحاديث المشهورة (٦): «مَنْ مسَّ ذكرَه»، ومفهومُها انتفاءُ ذلك عن غير الذكر. والأول أقوى، لأن قوله: «مسَّ فرجَه» يعُمُّ النوعين، وذكرُ بعض [الأحاديث] (٧) الذَّكرَ وحده لا يخالف، لأن الخاصّ الموافق للعامّ لا يخصِّصه، بل يؤكِّد (٨) دلالةَ القدر الموافق منه، ويبقى الباقي مدلولًا عليه بالعموم فقط. ومن قال من أصحابنا بتخصيصه (٩) لحَظَ في ذلك أن يكون

стр. 407

المفهوم مرادًا (١)، والمفهوم هنا غير مراد، لأن تخصيص الذَّكر بالذِّكر لأن الخطاب كان للرجال. ولهذا قلنا: مَن مسَّ ذكره وذكر غيره، فإنَّ قوله: «ذكره» إنما خصَّه لأن الغالب أن الإنسان إنما يمسُّ ذكر نفسه. وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه عن النبي ﷺ قال: «أيُّما [١٠٠/أ] رجلٍ مسَّ فرجه فليتوضأ، وأيُّما امرأةٍ مسَّت فرجها فلتتوضأ» رواه أحمد (٢). وفي مسِّ حلقة الدبر روايتان: إحداهما: ينقض، اختارها جماعة من أصحابنا، لعموم قوله: «من مسَّ فرجه»، ولأنه مخرج الحدث، فينقض كالآخر (٣). والأخرى: لا ينقض، واختارها بعضهم. قال الخلال (٤): والعمل والأشيع في قولِه وحجَّتِه أنه لا يتوضأ من مسِّ الدبر، لأن الحديث المشهور: «مَن مسَّ ذكره»، فيكون هو المراد بالفرج في اللفظ الآخر، كما في قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] وقوله ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]. ولا يمكن إلحاقه به لأنّ مسَّه ليس

стр. 408

هو (١) مظنّةً لخروج خارجٍ أصلًا، بخلاف القبل. ولا ينقض مسُّ الفرج المقطوع المنفصل، في أحد الوجهين. وينقض في الآخر لأنه مسَّ ذكرَه (٢). والأول أقيس، لأنه بالانفصال لم يبق له حُرمةٌ (٣)، ولا مظنةٌ لخروج خارج، ولا يتعلَّق به شيء من أحكام الذكر، فأشبه ما لو مسَّ يدًا مقطوعةً (٤) من امرأة. ولا ينتقض (٥) وضوءُ الملموسِ فرجُه روايةً واحدةً (٦). وقيل: فيه رواية أخرى، وليس بشيء. ولا ينتقض الوضوء بمسِّ ما عدا الذكر من الأرفاغ والأنثيين وما بين الفرجين وغير ذلك، ولا بمسِّ فرج البهيمة سواء كان مأكولة أو محرَّمة، كثِيل الجمل وقُنْب (٧) الحمار وغير ذلك، لأنه ليس بمنصوص ولا في معنى المنصوص. وأما الخنثى، فتنبني (٨) على أربعة فصول (٩): مسِّ النساء، ومسِّ الذكر،

стр. 409

ومسِّ المرأة فرجها، وانتقاضِ [١٠٠/ب] وضوء الملموس؛ وقد تقدَّم ذكر ذلك. فمتى وُجد في حقِّه ما يحتمل (١) النقضَ وعدمَه لم ننقضه (٢) استمساكًا بيقين (٣) الطهارة، ومتى وجد في حقِّه ما ينقض يقينًا نقضناه (٤). ووجه التقسيم: أن اللمس إما أن يكون للفرجين أو لأحدهما. واللَّامِسُ (٥) إما أن يكون هو الخنثى أو غيره، أو هو وغيره. وذلك الغيرُ إما أن يكون رجلًا أو امرأةً أو خنثى. والتفريع على انتقاض الوضوء في الأصول الأربعة، لأن مع القول بعدم الانتقاض لا يبقى تفريع. فمتى مسَّ فرجَيه هو أو غيره انتقض وضوءُ اللامس لأنه مسَّ فرجًا أصليًّا، ولم ينتقض وضوءُ الملموس لجواز أن يكونا (٦) من جنس واحد، والملموس إنما ينتقض وضوءه إذا مسَّ الرجل المرأة، والمرأة الرجل. ولو مسَّ أحد الفرجين لم ينقض لجواز (٧) أن يكون زائدًا، إلا أن يمسَّ الرجل ذكره لشهوة، والمرأة قبله (٨) لشهوة، لأن في هاتين الصورتين إن كان

стр. 410

الملموس أصليًّا نقَضَ، وإن كان زائدًا فقد وُجِد لمسٌ لشهوة من غير الجنس. ولا ينتقض وضوء الملموس لعدم اليقين. فإن مسَّ الرجل ذكره لشهوة، والمرأة فرجه (١) لشهوة، انتقض وضوءه هنا لتيقن أنه ملموس لشهوة من غير جنسه. ولو كان مسُّ أحدهما لشهوة انتقض (٢) وضوءه فقط، دون الخنثى [واللامس الآخر. ولو كان] (٣) مسُّهما لغير شهوة لم ينتقض وضوء الخنثى، وانتقض (٤) وضوء أحدهما لا بعينه، وكلُّ واحد منهما يبني على يقين طهارته في المشهور. وعنه: يجب عليهما الوضوء. ولو مس الرجل فرجه والمرأة ذكره فكذلك، ولا ينتقض وضوء الخنثى إلا أن يكون مسُّهما لشهوة. [١٠١/أ] وجميع ذلك في اللمس مباشرة. فأما اللمسُ من وراء الحائل، فلا ينقض، لما تقدَّم. مسألة (٥): (ولمسُ المرأة لشهوة) . ظاهر المذهب أن الرجل متى وقع شيء من بشرته على بشرة أنثى لشهوة انتقض وضوءه. وإن كان لغير شهوة، مثل أن يقبِّلها رحمةً لها، أو يعالجها

стр. 411

وهي مريضة، أو تقع بشرته عليها سهوًا، وما أشبه ذلك= لم ينقض. وعنه: ينقض اللمسُ مطلقًا لعموم قوله ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦] وقراءة حمزة والكسائي: ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (١). وحقيقة الملامسة التقاء البشرتين، لا سيما اللمس فإنه باليد أغلب، كما قال: لمستُ بكفِّي كفَّه أطلبُ الغنى (٢) ولهذا قال عمر وابن مسعود (٣): القُبلة من اللمس، وفيها الوضوء (٤). وقال عبد الله بن عمر: قُبلة الرجل امرأته وجَسُّها بيده من الملامسة (٥). ولأنه مسٌّ ينقُض، فلم تعتبر فيه الشهوة كمسِّ الذكر، ولأن مسَّ النساء في الجملة مظنة خروج الخارج، وأسبابُ الطهارة مما نيط الحكمُ فيها بالمظانّ بدليل الإيلاج والنوم ومسِّ الذكر. وعنه: أنَّ مسَّ النساء لا ينقض بحال (٦)، لما روى حبيب بن أبي ثابت

стр. 412

عن عروة عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقبِّل بعض نسائه، ثم يصلِّي، ولا يتوضأ. رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه (١). ورواه إبراهيم التيمي عن عائشة، أخرجه أبو داود والنسائي (٢)، وقد احتج به أحمد في رواية حنبل (٣). وقد تكلَّم هو [١٠١/ب] وغيره في الطريق الأولى بأن عروة المذكور هو عروة المزني، كذلك قال سفيان الثوري: [ما] (٤) حدثنا حبيب

стр. 413

إلا عن عروة المزني، وعروة هذا لم يدرك عائشة. وإن (١) كان عروةَ بن الزبير فإن حبيبًا لم يدركه. قال إسحاق بن راهويه: لا تظنُّوا (٢) أن حبيبًا لقي عروة. وفي الثاني: بأنّ إبراهيم التيمي (٣) لا يصحُّ سماعه من عائشة. وجواب هذا: أنَّ عامّة ما في الإسناد نوع إرسال، وإذا أُرسل الحديث من وجهين مختلفين اعتضد أحدهما بالآخر، لا سيّما وقد رواه البزَّار (٤) بإسناد جيِّد عن عطاء عن عائشة ﵂ مثله. ورواه الإمام أحمد عن عمرو بن شعيب عن زينب السهمية عن عائشة (٥). ولأنه مسٌّ فلم ينقُض (٦)

стр. 414

كمسِّ البهيمة. والملامسة في الآية، المراد بها الجماع. كذلك قد فسَّرها علي (١) وابن عباس (٢). قال سعيد بن جبير: اختلف الموالي والعرب في الملامسة في الآية، فقال عبيد بن عمير (٣) والعرب: هي الجماع. وقال عطاء والموالي: هي ما دون الجماع. فدخلتُ على ابن عباس، فذكرتُ ذلك، فقال: [من] (٤) أيهما كنتَ؟ قلتُ: من (٥) الموالي: قال: غُلِبَت الموالي، إن الله حييٌّ كريم، يكني عما شاء (٦) بما شاء، وإنه كنى بالملامسة عن الجماع. وفي لفظ عنه قال: اللمس والمباشرة والإفضاء والرفث في كتاب الله: الجماع (٧). ولأن اللمس كالمسِّ، وقد أريد به الجماع في قوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. والملامسة لا تكون إلا من اثنين، فيجب حملُها على الجماع. والصحيح: الأول، لأن الله تعالى أطلق ذكر [١٠٢/أ] مسِّ النساء،

стр. 415

والمفهوم من هذا في عُرف أهل اللغة والشرع هو المسُّ المقصود من النساء، وهو اللمسُ للتلذّذ وقضاء الشهوة، فإنّ اللمس لغرض آخر لا يُفهم (١) من تخصيص النساء بالمسِّ، إذ لا فرق بينهن وبين غيرهن في ذلك المسِّ واللّمس، وإن كان عامدًا؛ لكن نسبته إلى النساء أوحت تخصيصه بالمقصود من مسِّهن، كما خصَّ في الطفلة وذوات المحارم. ويدلّ على ذلك أنّ كلَّ مسٍّ ومباشرةٍ وإفضاءٍ ذُكِر في القرآن، فالمراد به ما كان مع الشهوة. وجميعُ الأحكام بمسِّهن مثل تحريم ذلك على المُحرِم والمعتكف، ووجوب الفدية في الإحرام، وانتشار حرمة المصاهرة، وحصول الرجعة عند من يقول بذلك= إنما تثبت في مسِّ الشهوة. ولا يقال: مسُّ النساء في الجملة هو مظنة أن يكون لشهوة، فأقيم مقامه؛ لأنَّا (٢) نقول: إنَّ الحكمة إذا كانت ظاهرةً منضبطةً نيط الحكمُ بها دون مظنتها، وهي هنا كذلك، بدليل سائر الأحكام. ولأنَّ اللمس مع الشهوة هو المظنة لخروج المذي والمني، فيقام مقامه، كالنوم مع الريح؛ بخلاف الخالي من الشهوة، فإنه كنوم الجالس يسيرًا. ولو كان المراد به الجماع خاصّةً لاكتفي بذكره في قوله ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، أو (٣) أعيد باسمه الخاصِّ، وهو الجنابة، ليتميَّز به عن غيره، وليعُمَّ الجنابة بالوطء وبالاحتلام (٤).

стр. 416

وجميع المواضع المذكورة في القرآن، فإن المراد بها: المسُّ لشهوة مطلقًا من الجماع وما دونه، كقوله: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٧]، [١٠٢/ب] وقوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وقوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ (١) [الأحزاب: ٤٩]. وحينئذ فيكون قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦] يعمُّ نوعَي الحدث الأكبر والأصغر، كما قال ابن عمر، ويفيد التيمُّم لها. ويدل على الوضوء مع الشهوة: أن النبي ﷺ أمر المجامعَ إذا لم يُمْنِ أن يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره، حين كان «لا ماءَ إلَّا من الماء» (٢)، فلو (٣) لم يكن المسُّ ينقض الوضوء لَمَا أمرَ بذلك. ثم بعد ذلك فُرِض الغسلُ، وذلك زيادةٌ على ما وجب أولًا، لا رفعٌ له. وروى معاذ بن جبل ﵁ قال: جاء رجلٌ، فقال: يا رسول الله، ما تقول في رجلٍ أصاب من امرأة لا تحِلُّ له، فلم يدع شيئًا يصيب الرجل من المرأة إلا قد أصابه منها، إلا أنه لم يجامعها؟ فقال: «توضَّأْ وضوءًا حسنًا، ثم قُمْ فصَلِّ». قال: فأنزل الله هذه الآية ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ

стр. 417

اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] فقال معاذ: أهي له (١) خاصَّةً أم للمسلمين عامَّةً؟ قال: «بل هي للمسلمين عامةً» رواه أحمد والدارقطني (٢). فأمر بالوضوء مع المباشرة دون الفرج. وحديث عائشة المتقدِّم ــ إن صحَّ ــ محمولٌ على أن اللمس كان بِرًّا وإكرامًا (٣) ورحمةً وعطفًا، أو أنه قبل أن يؤمر بالوضوء من مسِّ النساء، كما قلنا في مسِّ الذكر. ويدل على أنّ مجرَّد اللمس لا ينقض: ما روت عائشة ﵂ قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ، ورجلاي في قِبلته، فإذا أراد أن يسجد غمَزَ رجلي، فقبضتُها، وإذا قام بسطتُها، والبيوت [١٠٣/أ] يومئذ ليس فيها مصابيح. رواه البخاري وأبو داود والنسائي (٤). [وفي لفظ للنسائي] (٥): إنْ كان رسول الله ﷺ لَيُوتر، وإنِّي لَمعترضة بين يديه اعتراضَ الجنازة، حتّى إذا أراد أن يوتر مسَّني برجله. وروى الحسن قال: كان رسول الله ﷺ جالسًا في مسجده في الصلاة،

стр. 418

فقبَض على قدم عائشة غير متلذِّذ. رواه إسحاق بن راهويه والنسائي (١). ومتى كان اللمس لشهوة، فلا فرق بين الأجنبية وذوات المحرم، والكبيرة والصغيرة التي قد تشتهى. فأما التي لا تُشتهى أصلًا، فلا ينقض لمسُها لشهوة. ولمسُ الميتة كلمس الحية عند القاضي، كما أن جماعها سواء في إيجاب الغسل (٢). وقال الشريف أبو جعفر وابن عقيل: لا ينقض، لأنها ليست محلًّا للشهوة (٣)، فلا ينقض لمسُها كالشعر ومسِّ البهيمة، بخلاف الجماع فإنه لا فرق بين محلٍّ ومحلٍّ، وبين الشهوة وعدمها، بدليل ما لو استدخلت المرأة ذكر نائم. و لمسُ المرأة الرجلَ ينقض وضوءها كلمسه لها، في أصحِّ الروايتين؛ لأن لمسها أدعى إلى الحدث لفرط شهوتها. والأخرى: لا ينقض، لأن النص إنما جاء في لمس الرجل المفضي إلى المذي، بخلاف المرأة. وإذا قلنا بنقض وضوء اللامس، فهل ينتقض وضوء الملموس؟ على روايتين. فإذا قلنا: ينقض، اعتبرنا الشهوة (٤) في المشهور، كما نعتبرها في اللامس، حتى ينتقض وضوءه إذا وجدت الشهوة فيه دون اللامس، ولا

стр. 419

ينتقض [١٠٣/ب] إذا لم توجد فيه وإن وجدت في اللامس. ولا ينقض اللمسُ من وراء حائل وإن كان لشهوة، لأن اللمس لم يوجد. ومجرَّدُ الشهوة لا تنقض الوضوء، كما لو وجدت في لمس البهيمة أو بنظر أو بفكر. ولا ينقض لمسُ شعر المرأة ولا ظفرها ولا سنّها، كما لا ينقض لمسُها بالشعر والظفر والسنّ؛ ولا مسُّ الرجلِ الرجلَ وإن كان أمرد (١)، ولا مسُّ المرأةِ المرأةَ في المشهور المنصوص، لأنه ليس محلًّا (٢) للشهوة في الأصل. ويتخرَّج أن ينقض إذا كان لشهوة، لأنه لمسُ آدميٍّ لشهوة. وقال القاضي (٣): ينقض لمسُ الرجلِ الرجلَ والمرأةِ المرأةَ، لأنه مباشرة لآدميٍّ حقيقةً، بخلاف الشعر والظفر. مسألة (٤): (والردَّة عن الإسلام) . الذي عليه عامة الأصحاب أن الارتداد عن الإسلام ينقض الوضوء، ولم يذكره القاضي في «خصاله» و «جامعه» وأبو الخطاب في «الهداية» من النواقض، فمقتضى كلامهما عدم النقض بها، كما فهمه بعض أصحابنا. ويشبه ــ والله أعلم ــ أن يكونا تركا ذكرها لعدم ظهور فائدتها، لأن المرتدّ (٥)

стр. 420

إذا لم يعُدْ إلى الإسلام فلا معنى لنقض وضوئه، وإن عاد إلى الإسلام وجب عليه الاغتسال في المنصوص، وهو أكبر من الوضوء، فيدخل فيه الوضوء. ثم رأيت القاضي قد صرَّح في «الجامع الكبير» بذلك، وقال: لا معنى لجعلها من النواقض مع وجوب الطهارة الكبرى بالإسلام. [١٠٤/أ] ويجاب عنه بأنه تظهر فائدته إذا عاد إلى الإسلام، فإنا نوجب عليه الوضوء والغسل. وإن نواهما بغسله أجزأه في المشهور، كما إذا نقض وضوءه بغير الردّة. ومن لم ينقض وضوءه بالردّة لم يوجب عليه إلا الغسل. ولو لبس الخفَّ على هذه الطهارة، ثم أسلم واغتسل في خفَّيه، لم يكن له (١) المسح، لأنه لبس الخفَّ محدثًا. ولو قلنا: هو طاهر، لجاز له المسح، لأنه لبسه على طهارة لم يُحدِث بعدها. وقد احتجَّ جماعة من أصحابنا على ذلك بقوله : ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] بناءً على أن الردَّة تُحبط العملَ بمجرَّدها، فإن الموت عليها في قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]. شرطٌ للخلود، لا لحبَطِ (٢) العمل. والحجة على هذا الوجه فيها نظر، فإن المشهور عن أكثر أصحابنا أن الردّة لا تُحبط العمل إلا بالموت عليها. وبنوا على ذلك صحة الحج في الإسلام الأول، وقضاء الفوائت فيه من الصلاة والزكاة والصوم. وأيضًا فإنّ الإحباط إنما ينصرف إلى الثواب دون حقيقة العمل، بدليل صحة صلاةِ مَن صلَّى خلفه في الإسلام الأول.

стр. 421

والتحقيق: أن الردَّة إمَّا (١) تقع بعد انقضاء العبادة وأحكامها، أو بعد انقضائها وبقاء أحكامها، أو في أثناء وجودها. أما الأول: فإنها إذا وقعت بعد انقضائها بالكلِّيّة، فإنها لا تبطلها أصلًا، وإنما تُحبط الثواب إمّا مطلقًا أو بشرط الموت عليها على اختلاف أصحابنا. [١٠٤/ب] وأما الثالث: فإنها إذا وقعت في أثناء الصلاة والصيام والإحرام أفسدت العبادة. وأما الثاني: فهو الوضوء، لأن عمل الوضوء قد انقضى، وإنما حكم الطهارة باقٍ، فهنا تُبطل (٢) حكم هذه الطهارة وتنقضها (٣). وليس هذا من الإحباط، وإنما هو من الإبطال، اللهم إلا أن يقال: إذا كانت تحبط ثوابَ ما مضى، فلَأَنْ تُفسِد (٤) الحاضرَ أولى وأحرى. وذلك لأن الكفر ينافي العبادات بالكلية، ودوامُ الوضوء عبادة، لأنه مستحَبٌّ مأمور به، والكفرُ ينافي ذلك. واحتجَّ أبو الحسن الخَرَزي (٥) على ذلك بقول النبي ﷺ : «الطهور

стр. 422

شطر الإيمان»، فإذا بطل الإيمان بالكلية، فشطره أولى (١). ولأنَّ ما منَع ابتداءَ الوضوء منَع استدامتَه، كانقضاء المدة وظهور القدم في حق الماسح، ورؤية الماء في حق المتيمِّم. ولأنّ ما منَع الكفرُ ابتداءَه منعَ دوامَه، كالنكاح، وأولى لأن النكاح ليس بعبادة. وعكسُه مِلْكُ المال، فإن الردَّة لما لم تمنع ابتداءَه لم تمنع دوامَه على المشهور. وهذا لأن الكفر إنما منع نكاحَ (٢) المسلمة، لأن الكافر ليس أهلًا لمِلكِ أبضاع المسلمات، وهذا يستوي (٣) فيه الابتداء والدوام. وكذلك الطهارة مُنع منها الكافر لأنه ليس من أهل الطهارة والقُرَب والعبادات، وهذا يستوي فيه الابتداء والدوام، بل الدوام أولى، لأنه هو المقصود من أفعال الوضوء. ويقوِّي الشَّبهَ أنّ كلًّا من الوضوء والنكاح يستويان في مفارقة الابتداء والدوام، بدليل ما لو حلَف: لا يتطهَّر، وهو متطهر؛ أو لا يتزوَّج [١٠٥/أ] وهو متزوِّج= لم يحنث. وقد أبطل الكفرُ النكاحَ، فكذلك يُبطل الوضوء. فأما الكلام المحرَّم كالقذف والكذب والاغتياب فيستحَبُّ منه الوضوء ولا يجب، لما روى الإمام أحمد بإسناده (٤) عن ابن عباس ﵁ (٥) قال: لأن أتوضأ من الكلمة الخبيثة أحبُّ إليَّ من أن أتوضَّأ من الطعام الطيِّب (٦).

стр. 423

ورُوي عنه قال: الحدث حدثان: حدث اللسان، وحدث الفرج. وحدثُ اللسان أشد من حدث الفرج (١). ورواه ابن شاهين مرفوعًا إلى النبي ﷺ (٢). وقد حمله بعض أصحابنا على الردَّة، إذ ليس في اللسان ما يوجب الوضوء غيرها. ولعله أراد أنَّ الحدث باللسان وهو الكلام المحرَّم يوجب الإثم والعقاب، فهو أعظم مما يوجب الوضوء فقط. وروى حرب (٣) عنه أنّ

стр. 424

رجلين صلَّيا مع النبي ﷺ صلاة الظهر أو العصر، وكانا صائمين، فلما قضيا الصلاة قال: «أعيدا وضوءكما وصلاتكما، وامضيا في صومكما، واقضيا يومًا (١) آخر». قالا: لم يا رسول الله؟ قال: «اغتبتما فلانًا». وفي إسناده نوع جهالة. ومعناه: الاستحباب، لأن إسباغ الوضوء يمحو الخطايا والذنوب، فسُنَّ عند أسبابها، كما تُسَنُّ الصلاة. وقد روى علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ نفعني الله بما شاء، وإذا حدّثني غيرُه استحلفتُه، فإذا حلف لي صدَّقتُه. وإنّ أبا بكر حدَّثني ــ وصدَق أبو بكر ــ أنه سمع النبي ﷺ [١٠٥/ب] قال: «ما من رجل يُذنب ذنبًا، فيتوضّأ، فيحسن الوضوء، ثم يصلِّي ركعتين، ويستغفر الله= إلا غفر له» رواه أحمد (٢). ولأن الوضوء عبادة، فوجب تنزيهها عن الكلام الخبيث كالصيام

стр. 425

والإحرام. وأما انتقاض الوضوء منه فقال ابن المنذر (١): أجمَع من نحفظ قوله من علماء الأمصار على أنّ القذف وقول الزور والكذب والغيبة لا توجب طهارةً، ولا تنقض وضوءًا. وقد رُوِّينا عن غير واحد من الأوائل أنهم أمَروا بالوضوء من الكلام الخبيث، وذلك استحباب عندنا ممن أمرَ به. قال: وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: «مَنْ حلَف باللَّات والعُزَّى فليقل: لا إله إلا الله» (٢)، ولم يأمر فيه بوضوء. فصل ومن الكلام: القهقهة، فإنها لا تنقض الوضوء في الصلاة ولا خارج الصلاة، لكنها تُبطل الصلاة فقط، كما يبطلها الكلام، لقول جابر بن عبد الله ﵁: من ضحك في الصلاة أعاد الصلاةَ ولم يُعِد الوضوءَ. رواه الدارقطني وصحَّحه (٣)، ورواه مرفوعًا بإسناد فيه مقال (٤). وذكر الإمام أحمد عن أبي موسى الأشعري مثله (٥). ولم يثبت عن صحابيٍّ خلافُه، لأنه لا ينقض خارج الصلاة، فكذلك في الصلاة كالكلام المحرَّم، وأولى من وجهين:
следующие страницы →