← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

والتحقيق: أن الردَّة إمَّا (١) تقع بعد انقضاء العبادة وأحكامها، أو بعد انقضائها وبقاء أحكامها، أو في أثناء وجودها. أما الأول: فإنها إذا وقعت بعد انقضائها بالكلِّيّة، فإنها لا تبطلها أصلًا، وإنما تُحبط الثواب إمّا مطلقًا أو بشرط الموت عليها على اختلاف أصحابنا. [١٠٤/ب] وأما الثالث: فإنها إذا وقعت في أثناء الصلاة والصيام والإحرام أفسدت العبادة. وأما الثاني: فهو الوضوء، لأن عمل الوضوء قد انقضى، وإنما حكم الطهارة باقٍ، فهنا تُبطل (٢) حكم هذه الطهارة وتنقضها (٣). وليس هذا من الإحباط، وإنما هو من الإبطال، اللهم إلا أن يقال: إذا كانت تحبط ثوابَ ما مضى، فلَأَنْ تُفسِد (٤) الحاضرَ أولى وأحرى. وذلك لأن الكفر ينافي العبادات بالكلية، ودوامُ الوضوء عبادة، لأنه مستحَبٌّ مأمور به، والكفرُ ينافي ذلك. واحتجَّ أبو الحسن الخَرَزي (٥) على ذلك بقول النبي ﷺ : «الطهور

стр. 422

شطر الإيمان»، فإذا بطل الإيمان بالكلية، فشطره أولى (١). ولأنَّ ما منَع ابتداءَ الوضوء منَع استدامتَه، كانقضاء المدة وظهور القدم في حق الماسح، ورؤية الماء في حق المتيمِّم. ولأنّ ما منَع الكفرُ ابتداءَه منعَ دوامَه، كالنكاح، وأولى لأن النكاح ليس بعبادة. وعكسُه مِلْكُ المال، فإن الردَّة لما لم تمنع ابتداءَه لم تمنع دوامَه على المشهور. وهذا لأن الكفر إنما منع نكاحَ (٢) المسلمة، لأن الكافر ليس أهلًا لمِلكِ أبضاع المسلمات، وهذا يستوي (٣) فيه الابتداء والدوام. وكذلك الطهارة مُنع منها الكافر لأنه ليس من أهل الطهارة والقُرَب والعبادات، وهذا يستوي فيه الابتداء والدوام، بل الدوام أولى، لأنه هو المقصود من أفعال الوضوء. ويقوِّي الشَّبهَ أنّ كلًّا من الوضوء والنكاح يستويان في مفارقة الابتداء والدوام، بدليل ما لو حلَف: لا يتطهَّر، وهو متطهر؛ أو لا يتزوَّج [١٠٥/أ] وهو متزوِّج= لم يحنث. وقد أبطل الكفرُ النكاحَ، فكذلك يُبطل الوضوء. فأما الكلام المحرَّم كالقذف والكذب والاغتياب فيستحَبُّ منه الوضوء ولا يجب، لما روى الإمام أحمد بإسناده (٤) عن ابن عباس ﵁ (٥) قال: لأن أتوضأ من الكلمة الخبيثة أحبُّ إليَّ من أن أتوضَّأ من الطعام الطيِّب (٦).

стр. 423

ورُوي عنه قال: الحدث حدثان: حدث اللسان، وحدث الفرج. وحدثُ اللسان أشد من حدث الفرج (١). ورواه ابن شاهين مرفوعًا إلى النبي ﷺ (٢). وقد حمله بعض أصحابنا على الردَّة، إذ ليس في اللسان ما يوجب الوضوء غيرها. ولعله أراد أنَّ الحدث باللسان وهو الكلام المحرَّم يوجب الإثم والعقاب، فهو أعظم مما يوجب الوضوء فقط. وروى حرب (٣) عنه أنّ

стр. 424

رجلين صلَّيا مع النبي ﷺ صلاة الظهر أو العصر، وكانا صائمين، فلما قضيا الصلاة قال: «أعيدا وضوءكما وصلاتكما، وامضيا في صومكما، واقضيا يومًا (١) آخر». قالا: لم يا رسول الله؟ قال: «اغتبتما فلانًا». وفي إسناده نوع جهالة. ومعناه: الاستحباب، لأن إسباغ الوضوء يمحو الخطايا والذنوب، فسُنَّ عند أسبابها، كما تُسَنُّ الصلاة. وقد روى علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ نفعني الله بما شاء، وإذا حدّثني غيرُه استحلفتُه، فإذا حلف لي صدَّقتُه. وإنّ أبا بكر حدَّثني ــ وصدَق أبو بكر ــ أنه سمع النبي ﷺ [١٠٥/ب] قال: «ما من رجل يُذنب ذنبًا، فيتوضّأ، فيحسن الوضوء، ثم يصلِّي ركعتين، ويستغفر الله= إلا غفر له» رواه أحمد (٢). ولأن الوضوء عبادة، فوجب تنزيهها عن الكلام الخبيث كالصيام

стр. 425

والإحرام. وأما انتقاض الوضوء منه فقال ابن المنذر (١): أجمَع من نحفظ قوله من علماء الأمصار على أنّ القذف وقول الزور والكذب والغيبة لا توجب طهارةً، ولا تنقض وضوءًا. وقد رُوِّينا عن غير واحد من الأوائل أنهم أمَروا بالوضوء من الكلام الخبيث، وذلك استحباب عندنا ممن أمرَ به. قال: وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: «مَنْ حلَف باللَّات والعُزَّى فليقل: لا إله إلا الله» (٢)، ولم يأمر فيه بوضوء. فصل ومن الكلام: القهقهة، فإنها لا تنقض الوضوء في الصلاة ولا خارج الصلاة، لكنها تُبطل الصلاة فقط، كما يبطلها الكلام، لقول جابر بن عبد الله ﵁: من ضحك في الصلاة أعاد الصلاةَ ولم يُعِد الوضوءَ. رواه الدارقطني وصحَّحه (٣)، ورواه مرفوعًا بإسناد فيه مقال (٤). وذكر الإمام أحمد عن أبي موسى الأشعري مثله (٥). ولم يثبت عن صحابيٍّ خلافُه، لأنه لا ينقض خارج الصلاة، فكذلك في الصلاة كالكلام المحرَّم، وأولى من وجهين:

стр. 426

أحدهما: أن الكلام محرَّم في الموضعين، والقهقهة محرَّمة في الصلاة خاصّة. الثاني: أن الصلاة تمنع الوضوء مما لا يمنع منه خارجَ الصلاة خشيةَ [١٠٦/أ] إبطالها. ولهذا يُنهى (١) الشاكُّ في وضوئه أن يبطل صلاته لأجل تجديد الوضوء، ويستحبّ لمن شكَّ في غير الصلاة. والمتيمِّم إذا رأى الماء يبطل تيمُّمه اتفاقًا، إلّا أن يكون في الصلاة، ففيه خلاف. وهل يستحبُّ الوضوء من القهقهة؟ فيه وجهان: أحدهما: يستحبُّ، لما روى أبو العالية قال: جاء رجل في بصره سوء، فدخل المسجد، ورسولُ الله ﷺ يصلِّي، فتردَّى في حفرة كانت في المسجد، فضحك طوائف منهم. فلما قضَى صلاته أمَر من كان ضَحِك أن يعيد الوضوء والصلاة. رواه الدارقطني وغيره مرسلًا عن الحسن وإبراهيم والزهري، ومراسيلُهم كلُّها ترجع إلى أبي العالية، ومراسيلُه قد ضُعِّفت (٢).

стр. 427

ورُوي مسندًا من وجوه واهية جدًّا (١). وقد طُعِن فيه من جهة أنّ الصحابة كيف يُظَنّ بهم الضحك في الصلاة، وهذا ضعيف، فإن الذي ضحك بعضُهم، ولعلَّهم من الذين انفضُّوا من الجمعة لمَّا جاءت العِيرُ وسمعوا اللهو. ثم الضحك أمر غالب، قد يُعذر فيه بعضُ الناس. ومثلُ هذا الحديث لا يوجب شريعةً ليس لها أصل ولا نظير من غيره. وإنما عملنا به في الاستحباب لثلاثة وجوه (٢): أحدها: أنّ المستحبّات يُحتجّ فيها بالأحاديث الضِّعاف إذا لم يكن فيها تغييرُ أصلٍ، لما روى الترمذي عن أنس عن النبي ﷺ قال: «من بلغه عن الله شيءٌ فيه فضلٌ، فعمِل به رجاءَ ذلك [١٠٦/ب] الفضل، أعطاه الله ذلك، وإن لم يكن ذلك كذلك» (٣).

стр. 428

وثانيها: أنه بتقدير صحته ليس فيها تصريح بانتقاض وضوئهم، بل (١) لعلَّهم أُمروا بذلك لأن القهقهة في الصلاة ذنب وخطيئة، فيستحبُّ الوضوء والصلاة عقبها، كما جاء في حديث أبي بكر المتقدِّم؛ وكما أمرَ اللذين اغتابا بأن يُعيدا الوضوء والصلاة في حديث ابن عباس، وكما قد حمل بعضُهم حديث معاذ في الذي لمس المرأة. وهذا لأن القهقهة في الصلاة استخفافٌ بها واستهانةٌ، فيستحبّ الوضوء منها، كالوضوء من الكلام المحرَّم. وهذا أقرب إلى قياس الأصول، وأشبه بالسنة، فحملُ الحديث عليه أولى. والوجه الثاني (٢): لا يُستحَبّ ولا يُكرَه. وهو ظاهر كلامه، فإنه قال: لا أرى عليه الوضوء (٣). فإن توضَّأ فذلك إليه، إذ لا نصَّ فيه، والقياس لا يقتضيه. ولو أزال من محلِّ وضوئه ظفرًا أو شعرًا، ظهرت بشرته أو لم تظهر، فإنّ وضوءه بحاله. نصَّ عليه، لأن الفرض متعلِّق بظاهر الشعر والظفر، فظهور الباطن لا يُبطله، كما لو انكشط (٤) جلدُه أو قُطعت يدُه. ولهذا لا يجزئ غسل البشرة المستترة باللحية عن ظاهرها، بخلاف قدم الماسح ورأسه. وفرَّق أحمد بينهما بأن هذا شيء يسير، فهو كما لو نتَف شعرة.

стр. 429

وقد روي عن ابن عمر أنه قلَّم أظافيرَه (١)، فقال له رجل: ألا تتوضأ؟ فقال: مِمَّ (٢) أتوضأ؟ إنّك لأكيَسُ ممَّن سمَّته أمُّه كيِّسًا (٣) (٤)! واستحسن بعض [١٠٧/أ] أصحابنا أن يتوضَّأ من ذلك، أو يُمِرَّ عليه الماء، لأن بعض السلف أوجب الوضوء من ذلك، ففيه خروج من الاختلاف. وقد روى حربٌ في «مسائله» (٥) أنَّ عليًّا كان إذا قلَّم أظفاره وأخَذ شاربه توضَّأ، وإذا احتجم اغتسل. والمنصوص عن أحمد (٦) والقاضي: استحبابُ مسحه بالماء. مسألة (٧): (وأكلُ لحمِ الإبل) . هذا هو المعروف في نصِّه ومذهبِه. وذكر جماعة من أصحابنا روايةً أخرى: أنه لا ينقض كسائر اللحوم والأطعمة، لأن الوضوء منه منسوخ بما روى جابر، قال: كان آخرَ الأمرين من رسول الله ﷺ تركُ الوضوء مما مسَّته

стр. 430

النار. رواه أبو داود والنسائي (١). وقال عمر (٢) وابن عباس (٣): الوضوء مما خرَج، وليس مما دخَل. رواه سعيد في «سننه». أو يكون الوضوء أريد به غسلُ اليد والفم، فإنه يسمَّى وضوءًا. وهو وإن كان (٤) مستحبًّا في جميع الأطعمة لا سيما من الدسم، فإنَّ لحم الإبل فيه زيادة زُهومة وحرارة؛ كما حمل بعضهم الوضوءَ من مسِّ الذكر على هذا لأنه مظنة تلوُّث اليد بمسِّه، لا سيَّما من المستجمرين؛ أو يحمل على الوضوء للصلاة استحبابًا. والصحيح: الأول، لما روى جابر بن سَمُرة أنّ رجلًا سأل النبيَّ ﷺ : أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إن شئتَ فتوضَّأْ، وإن شئتَ فلا تتوضّأ». قال:

стр. 431

أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نعم، توضَّأْ من لحوم الإبل». قال: أصلِّي في مرابض الغنم؟ قال: «نعم». قال: أصلِّي في مبارك الإبل؟ قال: «لا» رواه أحمد [١٠٧/ب] ومسلم (١). وعن البراء بن عازب قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل، فقال: «توضَّأ منها». وسئل عن لحوم الغنم، فقال: «لا تتوضّأ منها». وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل فقال: «لا تصلُّوا فيها، فإنها من الشياطين». وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم، فقال: «صلُّوا فيها، فإنها بركة» رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه (٢). وعن جابر بن سمرة قال: أمرنا رسولُ الله ﷺ أن نتوضَّأ من لحوم الإبل، ولا نتوضأ من لحوم الغنم. رواه ابن ماجه (٣). وروى الإمام أحمد (٤) من حديث أُسَيد بن حُضَير، وابنُه عبد الله (٥) من

стр. 432

حديث ذي الغُرَّة (١)، وابنُ ماجه (٢) من حديث عبد الله بن عمر. وقال (٣) الإمام أحمد وإسحاق (٤): صح في الباب حديثان عن رسول الله ﷺ : حديث جابر بن سمُرة، وحديث البراء. وهذه سنن صحيحة يتعيَّن المصير إليها، ولا يصحُّ ادعاءُ نسخه لوجوه (٥): أحدها: أنه لا فرق بينه وبين لحم الغنم، فأمر بالوضوء من هذا، ونهى عن الوضوء من هذا. ولو كان هذا قبل النسخ لأمر بالوضوء منهما. وثانيها: أن لحم الإبل ينقض الوضوء لكونه لحمَ الإبل، لا لكونه

стр. 433

ممسوسًا بنار، حتى ينقض (١) الوضوءَ نِيُّه ومطبوخُه، لكن كان النقض بمطبوخه لعلَّتين زالت إحداهما وبقيت الأخرى، كما لو مسَّ الرجلُ فرجَ امرأته لشهوةٍ انتقض وضوؤه لسببين، فلو زالت الشهوة بقي مجرَّدُ مسِّ الفرج. وثالثها: أنه لم يجئ حديث بنسخه، فإن قول جابر: كان آخرَ الأمرين من رسول الله ﷺ تركُ [١٠٨/أ] الوضوء مما مسَّت النار، إنما هو قضية عين وحكاية فعل النبي ﷺ . وذلك أنه توضأ من لحم مسَّته النار، ثم أكل من لحم ولم يتوضأ، وذاك كان لحم غنم كما جاء مفسَّرًا في روايات أخر، فأخبر جابر ﵁ أنَّ ترك الوضوء منه كان آخر الأمرين. وليس في هذا عموم، ولم يحك عن النبي ﷺ لفظًا عامًّا، وإنما يفيد هذا أنَّ مسيس النار لا أثر له. ولا يصح أن يقال: لا فرق بينهما، بعد تصريح السنّة بالفرق. ومن جمع بين ما فرَّق الله بينه ورسولُه كان بمنزلة من قال: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وهذا قياس فاسد الوضع لمخالفة النص. ورابعها: أنه لو فرضنا أنه جاء عن النبي ﷺ صيغة (٢) عامّة بترك الوضوء مما غيَّرت النار ــ مع أنَّ هذا لم يقع ــ لكان عامًّا، والعامُّ لا ينسخ الخاصَّ لا سيّما الذي فُرِّق بينه وبين غيره من أفراد العامّ، بل يكون الخاصُّ مفسِّرًا للعام ومبيِّنًا له. وخامسها: أنه لو اندرج في العموم قصدًا لم يُفد العمومُ إلا أنه لا يتوضأ منه من حيث مسَّته النار، ولا ينفي التوضؤ (٣) من جهة أخرى؛ كما لو نُسِخ التوضؤ

стр. 434

من مسِّ الفرج لم يُنْفَ التوضؤ من مسِّ فرج المرأة لشهوة، ولو كان الرجل محالفًا (١) معتقًا، وقد نُسِخ ميراث المحالف، لم يُنسخ إرثُه من حيث هو معتِق. وسادسها: أنه أمر بالتوضؤ من لحمها، مع نهيه عن الصلاة في مباركها في سياق واحد، مع ترخُّصه في [١٠٨/ب] ترك الوضوء من لحم الغنم وإذنه في الصلاة في مرابضها. وذلك اختصاص الإبل بوصفٍ قابلت به الغنم استوجبت لأجله فعلَ التوضؤ وتركَ الصلاة، وهذا الحكم باق ثابت في الصلاة، فكذلك يجب أن يكون في الوضوء. وسابعها: أنه قد أشار ﷺ في الإبل إلى أنها من الشياطين. يريد ــ والله أعلم ــ أنها من جنس الشياطين ونوعهم، فإنّ كلَّ عاتٍ متمرِّدٍ شيطانٌ، من أيِّ الدوابِّ كان. فالكلبُ (٢) الأسودُ شيطان الكلاب (٣)، والإبلُ شياطين الأنعام، كما للإنس شياطين وللجنِّ شياطين. ولهذا قال عمر (٤) ﵁ لما أركبوه برذَونًا، فجعل يُهَمْلِجُ به، فقال: إنما أركبوني شيطانًا (٥).

стр. 435

والتجانس والاجتماع (١). ولذلك كان على كلِّ ذروة بعير شيطان (٢). والغنم هي من السكينة، والسكينة من أخلاق الملائكة، فلعل الإنسان إذا أكل لحم الإبل أورثته نِفارًا وشِماسًا وحالًا شبيهًا بحال الشيطان. والشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فأمر بالوضوء من لحومها كسرًا لتلك الصورة، وقمعًا لتلك الحال. وهذا لأن قلب الإنسان وخلقه يتغيَّر بالمطاعم التي يطعمها، ولهذا حرَّم الله الخبائث حتى قيل: إنه حرَّم كلَّ ذي ناب من السباع وكلَّ ذي مخلب من الطير، لما في طباعها من البغي والعدوان، فتورث (٣) بطباع آكلها ما في طباعها. وهذه العلَّة وما يقاربها فيدلُّ (٤) عليه إيماءُ النبي ﷺ . [١٠٩/أ] وأما دعوى كون الوضوء هو غسل اليد والفم، ففاسد أيضًا لوجوه (٥): أحدها: الوضوء المطلق في لسان الشرع: هو وضوء الصلاة. وثانيها: أنه يلزم منه أن يكون الأمر للاستحباب، والأصل في الأمر الوجوب. وثالثها: أنه ذكره في سياق الصلاة مبيِّنا حكم الوضوء والصلاة في

стр. 436

هذين النوعين، والوضوءُ المقرون بالصلاة هو وضوءها لا غير. ورابعها: أن جابر بن سمرة ــ[و] (١) هو راوي الحديث ــ قد فهم (٢) منه وضوءَ الصلاة، وأوجَبه، وهو أعلم بمعنى ما سمع. وهذه الوجوه مع غيرها كما يقال في مسِّ الذكر. وخامسها: أنه فرَّق بينه وبين لحم الغنم ناهيًا عن الوضوء من لحم الغنم، أو مخيِّرًا بين الوضوء وتركه؛ وقد اجتمع الناس على استحباب غسل الفم واليد من لحم الغنم. وقد قال (٣) ﷺ : «من بات وفي يده غَمَرٌ (٤) [ولم يغسله، فأصابه شيء] (٥) فلا يلومَنَّ إلا نفسه» (٦). فكيف يأذن في ترك غسل اليد والفم من لحم الغنم، وهو يلوم (٧) من ترك ذلك؟ قال أصحابنا: ما كان من المأكولات له رائحة أو زُهومة ونحو ذلك، فيستحَبُّ غسلُ اليد والفم منه. وأمّا ما ليس له شيء من ذلك كالخبز والتمر (٨)،

стр. 437

فإن شاء غسل، وإن شاء ترك. وسادسها: أنه لو كان المراد به غسل اليدين والفم لما فرَّق بينهما. وكونُ الإبل مختصّةً بزيادة زهومة ودسومة لا يُوجب اختصاصها بالأمر، فإنه ﷺ شرب لبنًا، فمضمض، وقال: «إنَّ له دَسَمًا» (١). وسابعها: [١٠٩/ب] أنه سيأتي أنه أمر بالوضوء من لبن الإبل، ومعلومٌ أنَّ دسَمها دون دسَم لحم الغنم، فكيف يكون المراد به غسل اليد والفم؟ وأمّا حملُه على الاستحباب فبعيد، لأنه أمرٌ، والأمر للإيجاب. ولأنه ذكَر الحكمَ في جواب السائل، والحكمُ في مثل هذا لا يُفهم منه إلا الإيجاب، كالوضوء من الصوت والريح ومسِّ الذكر. ولأنه فرَّق بينه وبين لحم الغنم، والنهيُ في لحم الغنم إنما أفاد نفيَ الإيجاب، فيجب أن يكون في لحم الإبل مفيدًا للإيجاب، ليحصل الفرق. ولأنه أثبتَ بذلك صفةً في الإبل تقتضي الوضوء، والأصلُ في الأسباب المقتضية للوضوء أن تكون موجبةً. ولأنّ استحباب الوضوء من لحم الإبل دون الغنم إحداثُ قولٍ ثالثٍ خارجٍ عن قولي العلماء. ولئن قاله قائل، وعلَّل ذلك بالخروج من الخلاف، فهذه (٢) علَّة اجتهادية ليست تصلح أن تكون علَّة لنفس الحكم. والشارعُ فرَّق بينهما تفريقًا يوجب اختصاص أحدهما بالحكم لمعنى اختلاف العلماء (٣)، وذلك المعنى [إمَّا] (٤) أن يوجب الوضوء أو لا يوجبه أو لا يقتضيه.

стр. 438

ثم لو سُلِّم (١) اختصاصُ الإبل دون غيرها من الأنعام بوصفٍ يُستحبُّ معه الوضوء بطلت (٢) جميعُ أدلَّتهم في المسألة من الجمع بينها وبين غيرها (٣)، ولم يبقَ حينئذ دليلٌ يُوجِب صرفَ الأمر عن الوجوب، ويقال: إن جاز أن يختصّ باستحباب الوضوء جاز أن يختصّ بوجوبه، وهو المعقول من الكلام، فلا وجه للعدول عنه. [١١٠/أ] ثم الجواب عن جميع هذه الأسوِلة (٤) أنها احتمالات مرجوحة وتأويلات بعيدة، لا يجوز حملُ الكلام عليها إلا مع دليلٍ قويٍّ أقوى من تلك الدلالة، يوجب الصرف عن الظاهر والمصير إلى الباطن. وليس في عدم نقض (٥) الوضوء بلحوم الإبل دليلٌ يقارب تلك الدلالة، فضلًا عن أن يكون أقوى منها. وإنما هو استصحابُ حال وقياسٌ طرديٌّ يحسن اتباعهما (٦) عند عدم الدلالة بالكلية. ولقد تعجَّب الإمام أحمد (٧) ممَّن (٨) يخالف هذا الحديث الصحيح الصريح (٩)، وينقض الوضوء بالقهقهة، مع أنها أبعد شيء عن العقول

стр. 439

والأصول، وحديثها من أوهى المراسيل؛ أو يترك (١) العمل بهذا، ويعمل (٢) بحديث مسِّ الذكر، مع تعارض الأحاديث فيه وأنَّ أحاديث النقض ليست مثل هذه الأحاديث في الصحة والظن. فمَن خالفَه (٣) من العلماء [إمَّا] (٤) أنهم لم يستمعوه (٥)، أو لم يبلغهم من وجه يصحُّ عندهم، فلم تقم عليهم به الحجة. وكذلك في انتقاض وضوء الجاهل به روايتان: إحداهما: ينتقض وضوء العالم والجاهل كسائر النواقض. والثانية: لا ينتقض وضوء الجاهل، ولا يعيد ما صلَّى بعد أكله بوضوئه المتقدِّم. قال الخلال: وعلى هذا استقرَّ قولُ أبي عبد الله في هذا (٦)، لأنَّ هذا خبر واحد ورد في شيء يخالف القياس، فعُذِرَ الجاهلُ به كما يُعذَر في الجهل بالزنا وشرب الخمر الحديثُ العهد بالإسلام والناشئُ ببادية؛ بخلاف الوضوء من الخارج من السبيلين، فإن المراد هنا هو من لم يسمع الحديث من العامَّة [١١٠/ب] ونحوهم. فأما إن كان قد بلغه الحديث، فعنه: يعيد. وعنه: لا يعيد إذا تركه على

стр. 440

التأويل، وطالت المدة. وعنه: إذا طالت المدَّة وفحُشت مثلَ عشر سنين لم يُعِدْ، بخلاف ما إذا كانت قصيرةً. ولم يفرِّق بين العالم والجاهل فإنَّ علمَ هذا قد انتشر. نعم (١)، طردُ هذا أنَّ من كان لا يرى النقض بخروج النجاسات أو بمسِّ الذكر، ثمَّ رآه بعد ذلك، لا يجب عليه إعادة ما كان صلَّاه. وقيل عنه: لا يعيد، إذا تركه متأولًا بحال. وكذلك من كان صلَّى بتقليد عالم وشبه ذلك، لأن هؤلاء معذورون. وكذلك يقال فيمن أخلَّ ببعض (٢) أركان الصلاة أو شرائطها المختلَفِ فيها، لعدم العلم بذلك حيث يُعذر به لاجتهادٍ (٣) أو تقليدٍ ونحوه، ثم علِمَ. فأما من يُحكَم بخطئه من المخالفين، مثل من ترك الطمأنينة في الصلاة، أو مسح على الخفَّين أكثر من الميقات الشرعي تقليدًا لحديث عمر (٤)، فإنه يعيد. نصَّ عليه، لكونه قد خالف حديثًا صحيحًا لا معارض له من جنسه، بخلاف ما اختلف فيه من الصحابة ولا نصَّ فيه (٥). فصل وفي الوضوء من ألبانها إذا قلنا: يتوضأ من لحمها، روايتان:

стр. 441

إحداهما: ينقض الوضوء، لما روى عبد الله بن عمر (١) ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «توضَّأْ من ألبان الإبل، ولا توضَّأْ من ألبان الغنم» (٢). وعن أسيد بن حضير عن النبي ﷺ أنه سئل عن ألبان الإبل، فقال: «توضَّأْ من ألبانها». وسئل عن ألبان الغنم، فقال: «لا تتوضَّأْ من ألبانها» [١١١/أ] رواهما أحمد وابن ماجه (٣). وعن البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال: «توضَّأْ من لحوم الإبل وألبانها» رواه الشالنجي بإسناد جيِّد (٤). وروي أيضًا عن النبي ﷺ : أن النبي ﷺ كان يتوضَّأ من لحوم الإبل وألبانها. وفيه جهالة (٥). والثانية: لا ينقض. اختارها كثير من أصحابنا، لما روي عن النبي ﷺ أنه

стр. 442

قال: «تمضمضوا من اللبن، فإنَّ له دسَمًا» رواه ابن ماجه (١). وهذا يفيد الاكتفاء بالمضمضة في كلِّ لبن، وأنَّ الأمر بها استحباب. وعن ابن عباس ﵄ أنه أُتي بلبن من ألبان الإبل، فشرِبَ. فقيل له: ألا تتوضأ؟ فقال: لا أباليه بالةً، اسمَحْ يُسْمَحْ لك. رواه سعيد (٢). وأمر النبيُّ ﷺ الأعراب الذين قدموا المدينة أن يشربوا من أبوال الإبل وألبانها، مع كونهم حديثي عهد بجاهلية، ولم يأمرهم بالوضوء. وحديث أُسَيد فيه الحجاج بن أرطاة, وهو ضعيف. وحديث عبد الله بن عمر [فيه] (٣) بقية، وهو ضعيف. وقول أحمد وإسحاق: «فيه حديثان صحيحان» يدلُّ على ضعف ما سواهما، وليس فيهما اللبن. ويمكن الجواب عن هذا كلِّه. أما المضمضة من اللبن فلا ينفي وجوب غيره. وذلك لأن المضمضة مأمور بها عند الشرب لإزالة الدسم، والوضوء إنما يجب عند القيام إلى الصلاة، كالأمر بغسل اليد عند القيام من نوم الليل. والأمرُ بالاستنشاق والسواك لا ينفي وجوبَ غسل اليد والمضمضة

стр. 443

والاستنشاق في الوضوء، [١١١/ب] لأن ذلك لسبب، وهذا لسبب. وهذا لأن اللبن كاللحم، واللحم تُغسَل منه اليد والفم، ولا ينفي ذلك وجوبَ الوضوء منهما (١). والنجاسة الخارجة يُغسَل موضعُها، ولا يمنع ذلك وجوبَ الوضوء منها. وأما حديث ابن عباس، فهو ﵁ لم تبلغه السنَّةُ في ذلك بلاغًا تقوم عليه به الحجة، كما لم يبلغ عليًّا خبرُ بِرْوَع بنت واشق، ولم يبلغ ابنَ عمر ﵄ خبرُ الذي وقَصَتْه راحلتُه، ولم يبلغ ابنَ عباس ﵄ أحاديثُ المتعة والصرف. وأشباه ذلك كثيرة. وأما حديث الأعراب (٢)، فقد كان في أول الهجرة، وأحاديث الوضوء بعد ذلك، لأن أكثر رواتها مثل عبد الله بن عمر وجابر بن سمُرة لم يصحب (٣) النبي ﷺ [إلا في آخر حياته] (٤). وقول أحمد وإسحاق إنما أرادا (٥): حديثان صحيحان على طريق أهل الحديث واصطلاحهم. وأما الحسن فإنهم لا يسمُّونه صحيحًا مع وجوب العمل به. وهذا كثير في كلام أحمد: يضعِّف الحديث، ثم يعمل به. يريد: أنه ضعيف عن درجة الصحيح، ومع هذا فراويه مقارِبٌ، وليس له (٦) معارض،

стр. 444

فيجب العمل به، وهو الحسن. ولهذا يضعِّف الحديث بأنه مرسل، مع أنه يعمل بأكثر المراسيل. وأما بقيَّة فثقة، أخرج له مسلم، وهو جليل إلا أنه يدلِّس عن رجال مجهولين. والقياس يوافق هذه الرواية فإن اللبن متحلِّل من اللحم، فوجب أن يُعطَى حكمَه كما أعطي حكمَه في التطهير والتنجيس. ولو قيل: إن البول كذلك لم يستبعد، لأن اللبن مأكول معتاد بخلاف البول ونحوه، إنما (١) قال أصحابنا: [١١٢/أ] إن البول والعرق والشعر لا ينقض. ولو فرضنا أن العلّة التي أوجبت النقض باللحم لم تتخلَّص (٢) لنا، فإنه لا بدّ له من سبب، واللبن يشارك اللحم في عامة أحكامه. وفي النقض بالأجزاء التي لا تسمَّى لحمًا، كالكبد والطِّحال والسَّنام والكَرِش والمصير والجلد، وجهان. وقيل: فيها (٣) روايتان. لكن الظاهر أنهما مخرَّجتان من أصحابنا، [فمنهم] (٤) من يطلقهما، ومنهم من يبنيهما على اللبن. إحداهما: لا تنقض، وإن قلنا بالنقض في اللحم واللبن، إذ لا نصَّ فيه قوي ولا ضعيف، والقياس لا يقتضيه. والثانية: تنقض، سواء إن قلنا: ينقض اللبن، أو لا. لأن إطلاق اللحم في

стр. 445

الحيوان يدخل في (١) جميع أجزائه، وإنما يذكر اللحم خاصَّةً لأنه أغلب الأجزاء، ولهذا دخلت في مطلق اسم الخنزير. ولأنها أولى بالنقض (٢) من اللبن، وقد جاء فيه الحديث. ولأنه لما ذكر اللحم واللبن عُلِمَ أنه أراد سائر الأجزاء. ولأنها جزء من الجزور، فنقضت كاللحم. وقياسُ الشبه لا يفتقر إلى هاتين العلَّتين في الأصل، فإن المشابهة بين اللحم والكبد والسنام من أبيَن الأشباه، ولهذا اشتركا في التحليل والتحريم، والطهارة والنجاسة، والدُّسومة والزُّهومة. وقولهم: الحكم تعبُّد (٣)، إن أريد به هنا مجرَّد امتحان وابتلاء، فلا يصح بعد إشارة النبي ﷺ إلى التعليل. وإن أريد به أنا نحن لم نعتقد العلَّة فهذا مسلَّم لمن ادعاه لنفسه، لكن لا يمنع صحة قياسَ الشَّبَه، مع أننا قد (٤) [١١٢/ب] أومأنا إلى التعليل فيما تقدَّم، بما فهمناه من إيماء الشارع، حيث ذكر أن الإبل جِنٌّ (٥) خلقت من جِنٍّ وأنها شياطين، فأكلُ لحمها يُورث ضربًا من طباعها، ونوعًا من أحوالها؛ والوضوءُ يزيل ذلك الأثر. وهذا يشترك فيه اللحم وغيره من الأجزاء. ولعله ــ والله أعلم ــ كان قد شرع الوضوء مما مسَّت النارُ ــ إمّا إيجابًا وإمّا استحبابًا (٦) ــ لما يكتسبه (٧) من تأثير النار التي خُلِقت منها الشياطين، لكن أثر النار عارضٌ يزول، ولا يبقى

стр. 446

مع الإنسان؛ بخلاف اللحم فإنَّ تأثيره عن طبيعة وخليقة فيه، فيحتاج إلى شيء يزيله، فلذلك (١) صار هنا واجبًا دون ذلك. وفي انتقاض الوضوء باللحوم المحرَّمة روايتان: إحداهما: [تنقض] (٢) نصَّ عليها في لحم الخنزير. وخصَّ أبو بكر النقضَ به لتغليظ تحريمه (٣). وعمَّمه (٤) غيرُه في جميع اللحوم المحرَّمات، لأنه (٥) أولى بالنقض من لحوم الإبل. والثانية: لا تنقض. حكاها جماعة من أصحابنا، واختارها كثير منهم، إذ لا نصَّ فيه، وليس القياس بالبيِّن حتى تقاس على المنصوص. وكذلك لا ينتقض (٦) بما يحرُم من غير (٧) اللحوم. وأما الوضوء من سائر المطاعم: مباحِها (٨) ومحرَّمِها، فليس بواجب ولا مستحبّ، لكن يستحبّ غسلُ اليد والفم من الطعام، كما يذكر إن شاء الله تعالى في موضعه؛ إلا ما مسَّته النار ففي استحباب الوضوء منه وجهان:

стр. 447

أحدهما: يستحَبُّ، لما روى أبو هريرة (١) قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «توضؤوا مما مسَّت [١١٣/أ] النار» رواه الجماعة إلا البخاري (٢)، ورواه مسلم (٣) من حديث عائشة وزيد بن ثابت. ثم نُسخ الوجوبُ منه، أو صُرف عن الوجوب، لما روى ابن عباس وعمرو بن أبي أمية وميمونة ﵃ أن النبيَّ ﷺ أكل كتفَ شاة، ثم صلَّى ولم يتوضأ. متفق عليهنّ (٤) وقوله: «ولا تتوضؤوا من لحوم الغنم» (٥). وعن سويد بن النعمان قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام خيبر حتى إذا كنَّا بالصهباء، وهي من أدنى خيبر، صلَّى بنا العصر، ثم دعا بالأطعمة، فلم يُؤتَ إلا بسويق، فأكلنا وشربنا، ثم قام إلى المغرب، فمضمض ومضمضنا، ثم صلَّى لنا (٦) المغرب، ولم يتوضأ. رواه أحمد والبخاري (٧). ويدل على أن ذلك هو الناسخ: عملُ (٨) الخلفاء الراشدين، فإنهم كانوا لا يتوضؤون مما غيَّرت النار. وإذا اختلفت الأحاديث عن النبي ﷺ نظرنا

стр. 448

إلى ما عمل به الخلفاء الراشدون (١)، فإنهم أعلم بتأويلها وناسخها. وإذا زال الوجوب بقي الاستحباب، لا سيَّما وقد ذهب خلقٌ من الصحابة والتابعين إلى وجوب الوضوء منها، وقال رجال من التابعين: الوضوء منها هو الناسخ، ففي الوضوء احتياط وخروج من الخلاف. والوجه الثاني: لا يستحبُّ، لأن النبي ﷺ كان يداوم على تركه أخيرًا وهو لا يداوم على ترك الأفضل. وأيضًا فإن الوضوء منه قديمًا لم يكن واجبًا، لأن أبا هريرة سمع الأمر به، وإنما صحبه بعد فتح خيبر؛ وحديثُ سويد بن النعمان [١١٣/ب] في تركه كان في مخرجه إلى خيبر، فعُلِمَ أنه كان يأمر به استحبابًا ويفعله ويتركه أحيانًا، ثم ترَكه (٢) بالكلية بدليل عمل الخلفاء الراشدين. فصل كلام الشيخ ﵁ يقتضي أن لا وضوء من غسل الميت، وهو قوله وقول أبي الحسن التميمي (٣) وغيرهما، لما روي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس عليكم في ميِّتكم غسلٌ إذا غسلتموه، فإنَّ ميِّتكم ليس بنجس، فحسبُكم أن تغسلوا أيديكم» رواه الدارقطني وإسناده جيِّد (٤)،

стр. 449

ولم يُتكلَّم في أحد منهم إلا في خالد بن مَخْلَد القَطَواني وعمرو بن أبي عمرو، وهما من رجال «الصحيحين». ولأنه لو يمَّمه لم ينتقض وضوؤه، فكذلك إذا غسَلَه. ولأنه آدميٌّ، فلم ينقض (١)، كغسلِ الحيِّ وغسلِ نفسه. وحملوا الآثار في المسألة على الاستحباب. والمنصوصُ عنه أنَّ عليه الوضوء، وهو قول جمهور الصحابة (٢). قال أحمد: من غسل ميِّتًا عليه الوضوء، وهو أقلُّ ما فيه، ولا بدَّ منه. وقال: أرجو أن لا يجب الغسل، وأما الوضوء فأقلُّ ما فيه. وكذلك قال في مواضع أخر: إنه لا بدَّ من الوضوء (٣)، لِما روى عطاء أنَّ ابن عمر وابن عباس كانا يأمران

стр. 450

غاسلَ الميِّت بالوضوء (١). وقال أبو هريرة: أقلُّ ما فيه: الوضوء (٢). وقال ابن عباس: يكفي فيه الوضوء (٣). ولم يُنقَل عن غيرهم في تركه رخصةٌ. يؤيد ذلك أنهم اختلفوا في وجوب الاغتسال منه، ومن لم يوجبه انتهت رخصته إلى الوضوء. وكان الوضوء منه شائعًا بينهم، لم يُنقل عنهم الإخلالُ [١١٤/أ] به (٤). قال بكر بن عبد الله المزني: حدثني علقمة بن عبد الله قال: غسل أباك أربعةٌ من أصحاب رسول الله ﷺ ممن بايع تحت الشجرة، فما زادوا على أن حسَروا عن (٥) أيديهم، وجعلوا ثيابهم في حُجَزهم، فغسلوا، ثم توضَّؤوا، ثم خرجوا (٦).

стр. 451

وأوصى أبو بكر (١) ﵁ أن تغسله زوجته أسماءُ، فغسلته، ثم أرسلت إلى أصحاب رسول الله ﷺ : هل عليَّ من غسل؟ قالوا: لا. فتوضَّأت (٢). رواهما سعيد في «مسنده». ولأنّ النبي ﷺ أمر بالاغتسال منه ــ كما نذكر (٣) إن شاء الله تعالى في موضعه ــ فظاهرُه يُوجب الغسلَ والوضوءَ الذي هو بعضُه، فإذا قام الدليل على عدم وجوب ما زاد على الوضوء، بقي الوضوء بحاله. أو يقال: الأمرُ بالغسل أمرٌ بالوضوء بطريق الأولى وفحوى الخطاب، فإذا تُركت (٤) دلالةُ المنطوق لم يجب أن تُترك (٥) دلالةُ فحواه. وقولُ أصحاب رسول الله ﷺ : أقلُّ ما فيه الوضوء، ويكفي فيه الوضوء= دليلٌ على أنه أقلُّ ما يؤمر به، والأمر للإيجاب. ولأنه وضوء مشروع لسبب ماض فكان واجبًا، كالوضوء من مسِّ الذكر. ومن قال هذا التزم أن لا وضوء من القهقهة ولا ما مسَّته النار، أو يقول: وضوء متفق عليه، أو مشروع من غير معارض.

стр. 452

ولأنه وضوء عن سبب ماض يُشرع له الغسلُ، فكان واجبًا، كوضوء المغمى عليه والمجنون والمستحاضة. وهذا لأن شرعَ الغسل دليل على قوة المقتضي للطهارة، فإذا نزل [١١٤/ب] إلى استحباب الغسل، فلا أقلَّ من أن يوجب الوضوء؛ بخلاف الأسباب المستقبلة، كغسل الإحرام والجمعة والعيدين، فإنَّ المراد بها النظافة فقط. وهذا القياس من أقوى الأشياء (١) لمن تدبَّره. ولأنّ بدنَ الميِّت صار في حكم العورة (٢) بنفسه، بدليل كراهة مسِّه والنظر إليه إلَّا لحاجةٍ (٣)، وهو مظنةٌ لخروج النجاسات، فجاز أن يُوجب الوضوء كمسِّ الذكر، ولا ينتقض بمسِّه من غير غسل، لأن التعليل للنوع والجواز، فلا ينتقض بأمهات المسائل (٤). ولأنَّ لمسَ الناقض يفرَّق فيه بين ممسوس وممسوس، فمسُّ الفرج ينقض مطلقًا، ومسُّ النساء إذا كان على وجه الشهوة، ومسُّ الميت إذا كان على وجه التغسيل له، سواء مسَّه من وراء حائل أو باشَره. وهذا أجود من تعليل من علَّله من أصحابنا بأن الغاسل لا يسلم غالبًا من مسِّ ذكره. وأما حديث ابن عباس ﵄، إن صحَّ، فمعناه ــ والله أعلم ــ: حسبُكم في إزالة ما يتوهَّم من نجاسته أن تغسلوا أيديكم، فإنه ليس بنجس، وإنما

стр. 453

يُخشى أن يكون قد خرج منه شيءٌ أصاب اليد. ويدل على هذا شيئان: أحدهما: أن ابن عباس هو راوي الحديث، وقد أفتى أن الذي يكفي منه: الوضوء، وهو أعلم بمعنى ما روى. وثانيهما: أن قوله: «حسبكم أن تغسلوا أيديكم» إن (١) حُمِل على الاستحباب (٢) كان معناه: يكفيكم في الاستحباب غسلُ أيديكم. وهو أيضًا مما لا يقال به على ما ادَّعوه، [١١٥/أ] فإن الوضوء منه مشروع، بل الاغتسال أيضًا، فيكون المعنى: يكفيكم في إزالة ما يتوهَّم من الخبث. والله أعلم. وما ذكروه من الأقيسة منعكسٌ باستحباب الوضوء، فإنهم لم يستحبُّوا الوضوء في تَيمِيمه (٣) ولا تغسيل الحي، و (٤) استحبُّوه هنا وجاءت به الآثار. فكلُّ معنًى اقتضى الفرقَ في الاستحباب حصل الفرقُ به في الإيجاب، لأنه وضوء جاء به الشرع مطلقًا، وكان واجبًا كالوضوء من مسِّ الذكر ولحم الجزور، بل وأوكد من حيث إنه لم تجئ (٥) رخصة في ترك الوضوء منه، ولا أثرٌ يعارضه. والله أعلم. والغاسل: هو الذي يقلبه ويباشره ويُعين في ذلك ولو مرَّةً. فأما من يصبّ الماء فقط من غير ملامسة للميت فليس بغاسل.

стр. 454

فصل ومن تيقَّن الطهارةَ وشكَّ في الحدث، أو تيقَّن الحدثَ وشكَّ في الطهارة، فهو على ما يتيقَّن منهما، سواء كان في الصلاة أو خارج الصلاة، لما روى عبد الله بن زيد قال: شُكي إلى رسول الله ﷺ الرجلُ يخيَّل إليه أنه يجد الشيءَ في الصلاة. قال: «لا ينصرفْ حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا» أخرجه الجماعة إلا الترمذي (١). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الشيطان يأتي أحدكم في الصلاة، فيأخذ شعرةً من دبُره، فيمدُّها، فيرى أنه قد أحدَثَ، فلا ينصرِفْ حتى يسمعَ صوتًا أو يجد ريحًا» رواه أحمد (٢) وأبو داود (٣) ولفظه: «إذا أتى الشيطانُ أحدَكم فقال له: قد أحدثتَ. فليقل له: كذبت؛ إلا ما وجد [١١٥/ب] ريحًا بأنفه، أو سمع صوتًا بأذنه». وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا، فأشكَلَ (٤) عليه: أخرَج منه شيءٌ أم لا، فلا يخرُجْ من المسجد

стр. 455

حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا» رواه مسلم والترمذي (١). ورواه أحمد (٢) ولفظه: «حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا، لا يشكُّ فيه». فلما نهاه عن قطع الصلاة وعن الخروج (٣) من المسجد مع الشكِّ دلَّ على جواز بناء الصلاة على طهارة مستصحبة مبنيَّة على اليقين، ولو كان يجب عليه الوضوءُ خارج الصلاة لجاز له أو لوجب عليه في الصلاة كسائر النواقض. ولا فرق في ذلك بين أن يتساوى الأمران عنده أو يغلب على ظنِّه أحدُهما، لما ذكرنا من الأحاديث، ولأن الظنَّ إذا لم يكن له ضابطٌ في الشرع وليس عليه أمارة شرعية أو عرفيَّة (٤) لم يلتفت إليه، كظنِّ صدق أحد المتداعيين، بخلاف القبلة والوقت. ولأنه شكَّ في بقاء (٥) طهارته فيبني على اليقين، كما لو شكَّ في نجاسة الثوب والبدن والبقعة بعد تيقُّن الطهارة. قال ابن أبي موسى (٦) بعد أن ذكر ذلك: إن خُيِّل إليه أنه قد أحدث وهو في الصلاة لم يلتفت إليه، ولم يخرج من الصلاة. وإن خُيِّل إليه ذلك وهو في غير الصلاة فالأحوطُ له أن يتوضأ ويصلِّي.

стр. 456

وهو كما قال، فإنَّا وإن جوَّزنا له البناء على يقين الطهارة، فإنَّ الأفضل له أن يتطهَّر لمّا تردَّد، لأن في ذلك خروجًا من اختلاف العلماء، فإن منهم من لا [١١٦/أ] يجوِّز له الدخول في الصلاة بطهارة مشكوكة. ولأن التجديد مع اليقين مستحبٌّ، فمع الشكِّ أولى. ولأن عدم الطهارة فيها ريب وشبهة، وليس في الاحتياط فيها مشقَّة، ولا فتحٌ لباب الوسوسة، فكان الاحتياط لها أفضل، لقوله ﷺ : «دع ما يَريبك إلى ما لا يَريبك» (١) وقوله: «فمَن ترك الشبهاتِ فقد استبرأ لعرضه ودينه» (٢). بخلاف الشكِّ العارض في الصلاة، فإن النبيَّ ﷺ قد نهى عن الخروج من أجله، ولأن فيه إبطالًا للصلاة بالريب والشبهة ومطاوعة الشيطان في ذلك، فلذلك نُهي عنه. وقياس المذهب أنَّ قطعَ الصلاة المفروضة لذلك محرَّم، لأجل نهي النبي ﷺ ، ولأن إبطال الفرض بعد الشروع فيه غير جائز. فصل فإن تيقَّن الطهارة والحدث، وشكَّ في السابق منهما، فهو على قسمين: أحدهما: إن تيقّن أنه كان متطهِّرًا أو أنه كان محدثًا، فيبني على خلاف حاله قبلهما: إن كان متطهِّرًا فهو محدِث، وإن كان محدِثًا فهو متطهِّر. لأن الحال قبلهما إن كان طهارةً مثلًا، فقد تيقَّن أنه وجد بعدها حدثٌ وطهارةٌ، فزالت تلك الطهارة بيقين. والطهارة الثانية يجوز أن تكون هي الأولى دامت واستمرَّتْ، ويجوز أن تكون حدثت بعد الحدث، والحدثُ متيقِّن، فلا يزول بالشك.

стр. 457

الثاني: يتيقَّن أنه تطهَّر (١) عن حدث، وأنه أحدث بعد طهارة. فإن كان [١١٦/ب] قبل هاتين الحالتين متطهِّرًا (٢) فهو الآن متطهِّر، وإن كان محدِثًا فهو الآن محدِث؛ لأن الطهارة السابقة قد وُجد بعدها حدثٌ ناقضٌ، وذلك الحدثُ وُجِد بعده (٣) طهارةٌ رافعة، والأصل (٤) بقاؤها. فأما إن تيقَّن أنه تطهَّر وأنه أحدَثَ، لكن لا يدري هل كانت الطهارة بعد طهارة أو بعد حدث، وذلك الحدث هل كان [بعد] طهارة أو بعد حدث= فهذا كالقسم الأول، يكون على خلاف حاله قبلهما. ولو تيقَّن أنه ابتدأ الطهارة عن حدث وأنه كان أحدَث، ولا يدري أفعَلَ ذلك وهو محدث أو هو طاهر، فهنا هو طاهر بكل حال. وكذلك لو تيقَّن أنه أحدث عن طهارة، وأنه توضَّأ، لا يدري أتجديدًا (٥) أم رفعًا، فهو محدِث بكلِّ حال.

стр. 458

باب الغُسل (١) الغَسْل: مصدر غسَل الثوبَ والبدنَ يغسِله غَسْلًا. والغُسْل بالضمِّ: اسم مصدر اغتسل يغتسل اغتسالًا. ولهذا كان الغالب في استعمال غَسْل الميِّت وغَسْل الثوب الفتح، لأنك تريد الفعل المتعدِّي. وتقول: غُسْل الجنابة وغُسْل الجمعة بالضمّ، لأنك تريد الاغتسال، وهو الفعل اللازم. ولو فتحتَ على نيّة أنه يغسل بدنه للجنابة والجمعة حَسُنَ أيضًا. والغُسْل بالضم أيضًا: الماء الذي يُغتَسل به. والغِسْل بالكسر: ما يُغسَل به الرأس من خِطْميٍّ ونحوه. والأغسال على [١١٧/أ] قسمين: واجبة ومستحبة. فالواجبة أربعة أنواع ــ ولها ستّة أسباب (٢) ــ: غسل الجنابة، وغسل الحيض، وغسل الميِّت، وغسل الإسلام في المنصوص. فأما غسل الحيض وغسل الميِّت، فيذكران في بابهما. وأما الكافر إذا أسلم، فإنه يجب عليه الغسل، سواء كان أصليًّا أو مرتدًّا، وسواء أَجْنَب أو لم يُجنِب، وسواء اغتسل قبل الإسلام من الجنابة أو عند إرادة الإسلام، أو لم يغتسل. هذا منصوص الإمام أحمد (٣) وقول عامَّة

стр. 459

أصحابه. وذكره (١) أبو بكر في «التنبيه» (٢). وقال في غير «التنبيه»: لا يجب الغسل عليه، بل يستحبُّ (٣) إلا أن يكون أصابته جنابة أو حيض في حال كفره، فيجب أن يغتسل غسل الجنابة والحيض إذا أسلم، سواء كان قد اغتسل في حال كفره أو لا، وسواء أوجبنا على المرأة الذمِّيّة أن تغتسل من الحيض لزوجها أم لا؛ لأن الخلق الكثير أسلموا على عهد رسول الله ﷺ ، وعاد إلى الإسلام من ارتدَّ في خلافة أبي بكر ﵁، فلو أوجب الإسلام غسلًا لَنُقِل ذلك نقلًا متواترًا؛ ولأن الإسلام إحدى التوبتين (٤)، فلم يوجب غسلًا، كالتوبة من المعاصي. ولنا ما روى قيس بن عاصم أنه أسلم، فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسِدْر. رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وقال: حديث حسن (٥). وعن أبي هريرة ﵁ أنّ ثُمامة بن أُثَال أسلم، فقال النبي ﷺ :

стр. 460

[١١٧/ب] «اذهبوا إلى حائط بني فلان، فمُرُوه أن يغتسل» رواه أحمد (١)، وقال: كان ذلك مشهورًا بينهم. ولهذا لما أراد سعد بن معاذ وأُسَيد بن حُضَير أن يُسلما سألا مصعب بن عمير وأسعد بن زرارة: كيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الأمر؟ قالا: نغتسل، ونشهد شهادة الحقِّ (٢). وإنما نقل (٣) الآحادُ، كما نقل غسلَ الحيض والنفاس الآحاد، وذلك كافٍ. ثم لعلَّ النقلَ تُرِك حين انتشر الإسلام وقلَّ (٤) دخول الخلق الكثير جملةً واحدةً. والموجِبُ هو الكفر السابق بشرط الإسلام، كما أنَّ الموجِب هو خروج دم الحيض بشرط الانقطاع، لأن الكافر شرٌّ من الجنُب في كثير من الأحكام. وقد علَّل بعض أصحابنا بأنّ الكافر إذا أسلم لا يخلو غالبًا من جنابة سابقة، وغسلُه في حال كفره لا يصحّ، وكونُه غيرَ مخاطب بالغسل إذ ذاك لا يمنع ثبوتَ انعقاد سببه، كنواقض الوضوء في حقِّ الصبيِّ والمجنون والكافر.
следующие страницы →