← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وهو كما قال، فإنَّا وإن جوَّزنا له البناء على يقين الطهارة، فإنَّ الأفضل له أن يتطهَّر لمّا تردَّد، لأن في ذلك خروجًا من اختلاف العلماء، فإن منهم من لا [١١٦/أ] يجوِّز له الدخول في الصلاة بطهارة مشكوكة. ولأن التجديد مع اليقين مستحبٌّ، فمع الشكِّ أولى. ولأن عدم الطهارة فيها ريب وشبهة، وليس في الاحتياط فيها مشقَّة، ولا فتحٌ لباب الوسوسة، فكان الاحتياط لها أفضل، لقوله ﷺ : «دع ما يَريبك إلى ما لا يَريبك» (١) وقوله: «فمَن ترك الشبهاتِ فقد استبرأ لعرضه ودينه» (٢). بخلاف الشكِّ العارض في الصلاة، فإن النبيَّ ﷺ قد نهى عن الخروج من أجله، ولأن فيه إبطالًا للصلاة بالريب والشبهة ومطاوعة الشيطان في ذلك، فلذلك نُهي عنه. وقياس المذهب أنَّ قطعَ الصلاة المفروضة لذلك محرَّم، لأجل نهي النبي ﷺ ، ولأن إبطال الفرض بعد الشروع فيه غير جائز. فصل فإن تيقَّن الطهارة والحدث، وشكَّ في السابق منهما، فهو على قسمين: أحدهما: إن تيقّن أنه كان متطهِّرًا أو أنه كان محدثًا، فيبني على خلاف حاله قبلهما: إن كان متطهِّرًا فهو محدِث، وإن كان محدِثًا فهو متطهِّر. لأن الحال قبلهما إن كان طهارةً مثلًا، فقد تيقَّن أنه وجد بعدها حدثٌ وطهارةٌ، فزالت تلك الطهارة بيقين. والطهارة الثانية يجوز أن تكون هي الأولى دامت واستمرَّتْ، ويجوز أن تكون حدثت بعد الحدث، والحدثُ متيقِّن، فلا يزول بالشك.

стр. 457

الثاني: يتيقَّن أنه تطهَّر (١) عن حدث، وأنه أحدث بعد طهارة. فإن كان [١١٦/ب] قبل هاتين الحالتين متطهِّرًا (٢) فهو الآن متطهِّر، وإن كان محدِثًا فهو الآن محدِث؛ لأن الطهارة السابقة قد وُجد بعدها حدثٌ ناقضٌ، وذلك الحدثُ وُجِد بعده (٣) طهارةٌ رافعة، والأصل (٤) بقاؤها. فأما إن تيقَّن أنه تطهَّر وأنه أحدَثَ، لكن لا يدري هل كانت الطهارة بعد طهارة أو بعد حدث، وذلك الحدث هل كان [بعد] طهارة أو بعد حدث= فهذا كالقسم الأول، يكون على خلاف حاله قبلهما. ولو تيقَّن أنه ابتدأ الطهارة عن حدث وأنه كان أحدَث، ولا يدري أفعَلَ ذلك وهو محدث أو هو طاهر، فهنا هو طاهر بكل حال. وكذلك لو تيقَّن أنه أحدث عن طهارة، وأنه توضَّأ، لا يدري أتجديدًا (٥) أم رفعًا، فهو محدِث بكلِّ حال.

стр. 458

باب الغُسل (١) الغَسْل: مصدر غسَل الثوبَ والبدنَ يغسِله غَسْلًا. والغُسْل بالضمِّ: اسم مصدر اغتسل يغتسل اغتسالًا. ولهذا كان الغالب في استعمال غَسْل الميِّت وغَسْل الثوب الفتح، لأنك تريد الفعل المتعدِّي. وتقول: غُسْل الجنابة وغُسْل الجمعة بالضمّ، لأنك تريد الاغتسال، وهو الفعل اللازم. ولو فتحتَ على نيّة أنه يغسل بدنه للجنابة والجمعة حَسُنَ أيضًا. والغُسْل بالضم أيضًا: الماء الذي يُغتَسل به. والغِسْل بالكسر: ما يُغسَل به الرأس من خِطْميٍّ ونحوه. والأغسال على [١١٧/أ] قسمين: واجبة ومستحبة. فالواجبة أربعة أنواع ــ ولها ستّة أسباب (٢) ــ: غسل الجنابة، وغسل الحيض، وغسل الميِّت، وغسل الإسلام في المنصوص. فأما غسل الحيض وغسل الميِّت، فيذكران في بابهما. وأما الكافر إذا أسلم، فإنه يجب عليه الغسل، سواء كان أصليًّا أو مرتدًّا، وسواء أَجْنَب أو لم يُجنِب، وسواء اغتسل قبل الإسلام من الجنابة أو عند إرادة الإسلام، أو لم يغتسل. هذا منصوص الإمام أحمد (٣) وقول عامَّة

стр. 459

أصحابه. وذكره (١) أبو بكر في «التنبيه» (٢). وقال في غير «التنبيه»: لا يجب الغسل عليه، بل يستحبُّ (٣) إلا أن يكون أصابته جنابة أو حيض في حال كفره، فيجب أن يغتسل غسل الجنابة والحيض إذا أسلم، سواء كان قد اغتسل في حال كفره أو لا، وسواء أوجبنا على المرأة الذمِّيّة أن تغتسل من الحيض لزوجها أم لا؛ لأن الخلق الكثير أسلموا على عهد رسول الله ﷺ ، وعاد إلى الإسلام من ارتدَّ في خلافة أبي بكر ﵁، فلو أوجب الإسلام غسلًا لَنُقِل ذلك نقلًا متواترًا؛ ولأن الإسلام إحدى التوبتين (٤)، فلم يوجب غسلًا، كالتوبة من المعاصي. ولنا ما روى قيس بن عاصم أنه أسلم، فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسِدْر. رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وقال: حديث حسن (٥). وعن أبي هريرة ﵁ أنّ ثُمامة بن أُثَال أسلم، فقال النبي ﷺ :

стр. 460

[١١٧/ب] «اذهبوا إلى حائط بني فلان، فمُرُوه أن يغتسل» رواه أحمد (١)، وقال: كان ذلك مشهورًا بينهم. ولهذا لما أراد سعد بن معاذ وأُسَيد بن حُضَير أن يُسلما سألا مصعب بن عمير وأسعد بن زرارة: كيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الأمر؟ قالا: نغتسل، ونشهد شهادة الحقِّ (٢). وإنما نقل (٣) الآحادُ، كما نقل غسلَ الحيض والنفاس الآحاد، وذلك كافٍ. ثم لعلَّ النقلَ تُرِك حين انتشر الإسلام وقلَّ (٤) دخول الخلق الكثير جملةً واحدةً. والموجِبُ هو الكفر السابق بشرط الإسلام، كما أنَّ الموجِب هو خروج دم الحيض بشرط الانقطاع، لأن الكافر شرٌّ من الجنُب في كثير من الأحكام. وقد علَّل بعض أصحابنا بأنّ الكافر إذا أسلم لا يخلو غالبًا من جنابة سابقة، وغسلُه في حال كفره لا يصحّ، وكونُه غيرَ مخاطب بالغسل إذ ذاك لا يمنع ثبوتَ انعقاد سببه، كنواقض الوضوء في حقِّ الصبيِّ والمجنون والكافر.

стр. 461

ويستحبُّ له أن يغتسل بماء وسِدْر، كما في الحديث، وكما يستحبُّ غسلُ الميّت والحائض. وقيل: يجب ذلك، لظاهر الأمر به. وقال أحمد (١): إذا أسلم يغسل ثيابه، ويغتسل ويتطهَّر بماء وسِدْر، لأن ثيابه مظنَّةُ ملاقاة النجاسة، فاستحِبَّ تطهيرُها. ويستحبُّ حلقُ شعره، لأن النبيَّ ﷺ أمر رجلًا أسلم، فقال له: «أَلْقِ ــ وفي لفظ: احلِقْ ــ عنك شعرَ الكفر، واخْتَتِنْ» رواه أبو داود (٢). وإذا أجنب [١١٨/أ] الكافر ثم أسلم لم يجب عليه سوى غسل الإسلام، على المشهور، لأن النبي ﷺ لم يُنقل عنه أنه أمر أحدًا من الكفار بغسل الجنابة، مع كثرة من أسلم من البالغين المتزوِّجين (٣)، ولأنه قد وجب عليه الغسلُ بالكفر الذي هو مظنَّة الجنابة وغيرها، فلم يجب عليه بالحقيقة غسلٌ آخر، كالنوم مع الحدث، والوطء مع الإنزال. وعلى قول أبي بكر يجب الغسلُ، كما تقدَّم. وأما غسل الجنابة فهو قسمان، كما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى:

стр. 462

مسألة (١): (والموجب له شيئان: خروجُ المنيِّ وهو الماء الدافق، والتقاءُ الختانين) . والأصل فيه: الكتاب، والسنّة، والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [إلى قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣]. وقوله تعالى:] (٢) ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]. يقال: رجلٌ جُنُب، ورجلان جُنُبان، ورجالٌ جُنُب. وربما قيل: أجنابٌ، وجُنُبون (٣). واللغة المشهورة: أجنَبَ (٤)، ويقال: جَنُبَ. يقال: سمِّي بذلك لأنَّ الماء جانَبَ محلَّه. ويقال: لأنه يجتنب الصلاة ومواضعَها وما أشبهها من العبادات، وتجتنبه (٥) الملائكة. والجُنُب اسمٌ يجمع المُنزل الماء والواطئ أيضًا، والسنّة فسَّرت ذلك. أما الأول فقد تقدَّم حديث علي: «في المَذْي الوضوء، وفي المنيِّ الغسل» (٦). وعن أمِّ سلمة قالت: [١١٨/ب] جاءت أمُّ سليم امرأة أبي طلحة إلى رسول الله

стр. 463

- ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إنَّ الله لا يستحي من الحقِّ. هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال: «نعم، إذا رأت الماء» متفق عليه (١). وسواء خرج المنيُّ في (٢) يقظة أو نوم، عن تفكُّر أو نظر أو مسٍّ أو غير ذلك. وهذا من العلم العامِّ الذي استفاضت به السنن، واجتمعت عليه الأمة. والمنيُّ: هو الماء الدافق إذا خرج بشهوة. وماء الرجل أبيض غليظ، يشبه رائحة طَلْع النخل ورائحة العجين، ومنيُّ المرأة أصفر رقيق. فإن خرج بغير دَفْق وشهوة، مثلَ أن يخرج لمرض أو إبْرِدَة (٣)، فلا غسل فيه في المشهور من نصِّه ومذهبه (٤)، لأنّ عليَّ بن أبي طالب ﵁ قال: كنتُ رجلًا مذَّاءً، فسألتُ رسول الله ﷺ ، فقال: «إذا خذفتَ (٥) الماء فاغتسِلْ من الجنابة، وإذا لم تكن خاذفًا فلا تغتسل» رواه أحمد (٦). وفي رواية لأحمد وأبي داود (٧): «فإذا رأيتَ المَذْيَ [فاغسِلْ ذكرك، وتوضَّأ وضوءك للصلاة. فإذا فضَختَ الماءَ فاغتَسِلْ] (٨)» فاعتبَر الخذفَ والفضخَ، وهو

стр. 464

خروجُه بقوة وشدّة وعجلة، كما تخرج الحصاةُ من بين يدي الخاذف، والنواةُ من بين حجَرَي (١) الفاضخ. وروى سعيد في «سننه» عن أبي سلمة بن عبد الرحمن (٢) ومجاهد وعطاء قالوا: دخلتْ أمُّ سليم على رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، المرأةُ ترى في منامها كما يرى الرجلُ، أفيجب عليها الغسل؟ قال: «هل تجد شهوة؟» قالت: لعله. قال: «وهل ترى بللًا؟» قالت: لعله. قال: «فلتغتسل» (٣). وهذا تفسير ما جاء من العمومات [١١٩/أ] مثل قوله: «الماء من الماء»، وقوله: «إذا رأت المنيَّ فلتغتسِلْ». وبيَّن أنه ليس بمنيٍّ لفساده واستحالته، أو وإن كان منيًّا لكن (٤) لفساده خرج عن حكمه، لأنه خارجٌ يُوجِب الغسل، فإذا تغيَّر عن صفة الصحة والسلامة لم يُوجِبْ، كدم الاستحاضة مع دم الحيض.

стр. 465

وذكر القاضي في «الجامع» رواية ثانية له: يوجب الغسل على أيِّ صفة خرج، بشهوة أو بغير شهوة، للعمومات فيه. وأخذها من نصِّه على أنَّ من جامع ثم اغتسل ثم أنزل، فعليه الغسل (١)؛ مع أنَّ ظاهر حاله أنه يخرج بغير شهوة. فصل إذا احتلم ولم ير الماء فلا غسل عليه . وإن استيقظ فرأى الماء فعليه الغسل. وإن استيقظ فرأى بللًا لا يعلم منيٌّ هو أم مَذْيٌ، فإن ذكر احتلامًا لزمه الغسل، سواءٌ تقدَّم نومَه بفكر أو مسيسٍ أم لا، لأن هناك سببًا قريبًا (٢) يضاف الحكم إليه. وإن لم يذكر احتلامًا لزمه أيضًا الغسلُ، إلا أن يتقدَّمه بفكر أو نظر أو لمس، أو تكون به إبرِدَة، فلا غسل عليه. وعنه ما يدلّ على أن لا غسل عليه مطلقًا، لأنه يجوز أن يكون منيًّا وأن يكون مَذْيًا، وهو طاهر بيقين، فلا تزول طهارته بالشك. والصحيح: الأول، لما روت عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه سئل عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلامًا قال: «يغتسل»، وعن الرجل يرى أن قد احتلم ولا يجد البلل قال: «لا غسل عليه» رواه أحمد وأبو داود [١١٩/ب] وابن ماجه (٣) واحتجَّ به أحمد.

стр. 466

ولأنّ هذا الماء لا بدّ لخروجه من سبب، وليس هناك سبب ظاهر إلا الاحتلام، والماء الذي يخرج بالاحتلام في الغالب إنما هو المنيُّ، فألحقت هذه الصورة المجهولة بالأعمِّ الأغلب. ولهذا إذا كان هناك سبب ظاهر يضاف إليه مثل لمس أو تفكير أو إبْرِدَة أضفناه إليه وجعلناه مَذْيًا، لأن الأصل عدم ما سواه. ومن رأى في ثوبه الذي لا ينام فيه غيرُه منيًّا لزمه الغسل، ويعيد ما صلَّى بعد آخر نومةٍ نامها فيه، إلا أن يعلم أنه قبلها، فيعيد من آخر نومة يمكن أنه منها. وإن كان الرائي لذلك صبيًّا لزمه الغسل إن كان سنُّه ممّن يمكن (١) البلوغ، وهو استكمال ثنتي عشرة سنة أو عشر سنين أو تسع سنين، على اختلاف الوجوه الثلاثة. فأما إن وجد اثنان منيًّا في ثوب ناما فيه، فلا غسل على واحد منهما، في المشهور. وكذلك كلُّ اثنين تيقَّن الحدثَ من أحدهما لا بعينه، لأن كلَّ واحد منهما مكلَّف باعتبار نفسه، ولم يتحقَّق زوالَ طهارته؛ كما لو قال أحدهما: إن كان هذا الطائر غرابًا فزوجتي طالق، وقال الآخر: إن لم يكن غرابًا فزوجتي طالق، وطار ولم يُعلَم ما هو. لكن لا يأتَمُّ (٢) أحدهما بصاحبه (٣). وعنه: يلزمهما (٤) جميعًا الطهارة، لأنَّا تيقنَّا حدثَ أحدهما،

стр. 467

وليس في أمرهما بالغسل (١) كبيرُ مشقَّة (٢). فإن أحسَّ بانتقال المنيِّ عند الشهوة، فأمسك ذكره، فلم يخرج، وجب الغسل في [١٢٠/أ] المشهور من الروايتين. وفي الأخرى: لا يجب، لأن النبي ﷺ قال: «إذا خذفتَ وفضختَ»، ولم يوجد ذلك. ولأنه ما لم يخرج فهو في حكم الباطن، فلم يجب بتنقُّله فيه طهارةٌ، كالريح المتنقِّلة من المعدة إلى قريب المخرج. ووجه الأول: أنه منيّ انعقد، وأخذ في الدَّفْق والخروج، فأشبه ما لو خرج من الأقلف المُرْتَتق إلى ما بين القلفة والحشفة، كالمرأة إذا أنزلت ولم يخرُج إلى ظاهر فرجها. ولأن الانتقال مظنّة الإنزال والخروج، فأوجب الغسل كالتقاء الختانين، وأولى منه، لأن الانتقال لا يتخلَّف (٣) عنه الخروج، بل لا بدَّ أن يخرج، ولا يعود (٤) إلى محلِّه. ومعنى الحديث: إذا أخذتَ في الخذف والفضخ، لأنه إذا ظهر بعد ذلك وجب الغسل إجماعًا ولا خذف ولا فضخ. هذا يخالف الريح المتردِّدة، فإنه (٥) لا بد من ظهوره، بخلاف الريح فإنها قد تعود إلى محلِّها. فإن قلنا: لا يجب الغسل، فإذا خرج لزمه الغسل، سواء كان قد اغتسل أو لم يغتسل، قبل البول أو بعده، لأنه منيٌّ انتقل بشهوة وخرج، فلا بدَّ أن

стр. 468

يوجب الغسل، كما لو خرج عقيب الانتقال، بخلاف الذي يتنقّل (١) بلا شهوة. وإذا قلنا: يجب الغسل، فاغتسل، ثم خرج منه، فهو كما لو اغتسل لمنيٍّ خرج بعضُه، ثم خرج باقيه. والمشهور عنه: أنه لا يوجب غسلًا ثانيًا حتّى إنَّ من أصحابنا من يجعله روايةً واحدةً، لما روى سعيد عن ابن عباس أنه سئل عن الجنب يخرج منه المنيُّ بعد [١٢٠/ب] الغسل. قال: يتوضأ (٢). وكذلك ذكره الإمام أحمد عن علي (٣). ولأنه منيٌّ واحد فلا يوجب غسلَين، كما لو ظهرَ [دفعةً واحدةً] (٤). ولأن الموجب هو المنيُّ المقترن بالشهوة وهو واحد. ولأن الثاني خارج عن غير شهوة، فأشبه ما لو خرج لإبْرِدَة أو مرض. وهذا تعليل الإمام أحمد، فقال: لا غسل فيه، لأن الشهوة ماضية. وإنما هو حدث، وليس (٥) بجنابة أرجو أن يجزئه الوضوء، لأنه خارج من السبيل (٦). وعنه: أنه يوجب الغسل ثانيًا، لأنه منيّ انتقل بشهوة، فأوجب الغسل كالأول، وكما لو خرج عقيب انتقاله. وعنه: إن خرج قبل البول اغتسل، وإن خرج بعده لم يغتسل؛ لأن ذلك

стр. 469

يُروى عن علي (١)، وقد ضعَّفه الإمام أحمد. ولأن ما قبل البول هو بقية المنيِّ الأول، وقد انتقل بشهوة. وما بعد البول يجوز أن يكون بقية الأول, ويجوز أن يكون غيرَه خرَج لإبْرِدَة أو مرض. وهو الأظهر، لأن البول يدفع بقايا المني، لأنَّ مخرج المني تحت مخرج البول، وبينهما حاجز رقيق، فينعصر مخرجُ المني تحت مخرج البول، فيخرج ما فيه؛ والوجوب لا يثبت بالشكِّ. وعلى هذا التعليل، فلا يصح مخرجُ هذه الرواية إلى المنتقل، فإنه لا بدَّ من خروجه قبل البول أو بعده. ويمكن تعليله بأن ما خرج قبل البول يكون انتقاله إلى الذكر بدفق وشهوة، كالخارج إلى باطن القُلفة، بخلاف ما لم يخرج [إلا] (٢) بعد البول، فإنه حين انتقل إلى الذكر كان بغير شهوة، فأشبه الخارجَ [١٢١/أ] عن إبْرِدة أو مرض. وقد روي عنه عكس هذه الرواية، لأن ما بعد البول منيٌّ جديد، بخلاف ما قبله فإنه بقية الأول. فأما إن وُجد سببُ الخروج ولم يخرُج، قسمان (٣): أحدهما: أنه يحتلم، ثم يُنزل بعد الانتباه. فيجب عليه الغسل، نصَّ عليه. لكن إن خرج لشهوة وجب حينئذ، وإن خرج بغير شهوة ثبَّتنا وجوبه

стр. 470

حين الاحتلام وسكون الشهوة، على المشهور، لأنه حينئذ انتقل. [و] يعيد (١) ما صلَّى بعد الانتباه وقبل الخروج، لأنه كان جنبًا (٢) ولم يعلم. وعلى قولنا: لا يجب إلا بالخروج، يكون جنبًا من حين خروجه. والثاني: أن يجامع ولا يُنزل، فيغتسل، ثم يُنزل بعد ذلك. فيجب عليه الغسل، نصَّ عليه. وهو على الطريقة المشهورة لأصحابنا محمولٌ على ما إذا وُجدت شهوة بعد الوطء حين الإنزال أو قبله، فيكون المني قد انتقل بها، وشهوةُ الجماع قصرت عنه. فأما إذا لم تتجدد شهوة، فهو كالمني المنتقل إذا خرج بعد انتقاله، على ما تقدَّم. وتحقيق هذه الطريقة أنه قد نصَّ في رواية أخرى في هذه أنه إن خرج قبل البول يغتسل، وإلا فلا. وهذا يبيِّن أنه لا فرق عنده في المني الخارج بعد الغسل بين أن يكون بعد (٣) جماع أو بعد إنزال. وكلامه في [هذه] (٤) المواضع وتعليله يقتضي ذلك، وهو قول جمهور أصحابنا. ومنهم من أوجبه مطلقًا، فعلى هذا ينبغي أن يقال بتكرُّر الوجوب فيما إذا خرج بعد انتقاله [١٢١/ب] أو بعد وطئه، لأنه منيٌّ تامٌّ قد خرج وانتقل بشهوة، دون ما إذا خرج بعضه ثم خرجت بقيته، حيث كان الثاني جزءًا من

стр. 471

الأول. وعلى هذا يكون كلُّ واحد من الانتقال والخروج سببًا، كما أنّ كلَّ واحد من الوطء والإنزال سببٌ (١). ويمكن على هذا أن يقال في المنيِّ الخارج بعد الانتباه: هو (٢) الموجِب، لأنه لم يُحبَس، بخلاف من أمسك (٣) ذكره. فأما الوضوء من الخارج في جميع هذه الصور، فلا بدَّ منه، لأنه خارج من السبيل. فصل وأما التقاء الختانين، فيوجب الغسل. وهو كالإجماع، لما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا جلس بين شُعَبها الأربع، ثم جَهَدها، فقد وجب الغسل» (٤) متفق عليه (٥). ولمسلم: «وإن لم يُنزل». وعن أبي موسى الأشعري قال: اختلف (٦) في ذلك رهطٌ من المهاجرين والأنصار، فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا من الدَّفْق أو من الماء. وقال المهاجرون (٧): بل إذا خالط فقد وجب الغسل. قال: فقلت: أنا أشفيكم. فقمتُ فاستأذنتُ على عائشة، فأذنَتْ لي، فقلت لها: إني أريد

стр. 472

أن أسألكِ عن شيء وإني أستحييكِ. فقالت: لا تستحيِ أن تسألني عمَّا كنتَ سائلًا عنه أمَّك. قلتُ: فما يوجب الغسل؟ قالت: على الخبير سقطتَ. قال رسول الله ﷺ : «إذا جلس بين شُعَبها الأربع، ومسَّ الختانُ الختانَ، فقد وجب الغسلُ» رواه أحمد ومسلم (١). يعني [١٢٢/أ]: رجلَيها وشُفْرَيها. وما روي من الرخصة في ذلك مثلَ ما رواه زيد بن خالد من أنه سأل عثمانَ بن عفّان ﵁ فقال: أرأيتَ إذا جامع الرجل امرأته، فلم يُمْنِ؟ فقال عثمان ﵁: يتوضَّأ كما يتوضَّأ للصلاة، ويغسل ذكره. وقال عثمان: سمعتُه من رسول الله ﷺ . قال: فسألتُ عن ذلك عليَّ بن أبي طالب ﵁، والزبير بن العوّام، وطلحة بن عبيد الله، وأبيَّ بن كعب؛ فأمروه بذلك. متفق عليه (٢)، وهذا لفظ البخاري= فإنه منسوخ (٣). قال أبيُّ بن كعب: إنّ الفتيا التي (٤) كانوا يقولون: الماء من الماء، رخصةٌ كان رسول الله ﷺ رخَّص فيها في أول الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعدها. رواه أحمد وأبو داود والترمذي (٥) ولفظه: إنما كان الماء من الماء

стр. 473

رخصةً في أول الإسلام، ثم نُهِيَ عنها. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وعن محمود بن لبيد أنه سأل زيد بن ثابت عن الرجل يجامع أهله، ثم يُكْسِل ولا يُنزِل. قال: يغتسل. قال: قلتُ: فإن أبيَّ بن كعب كان يقول: لا غُسلَ عليه. قال زيد: إنَّ أُبَيًّا قد نزَع عن ذلك قبل أن يموت. رواه أحمد (١). وحكى (٢) أحمد عن عثمان والصحابة المسمَّين معه العَودَ إلى القول بالغسل (٣). وعن الزهري قال: سألتُ عروة عن الذي يجامع ولا يُنزل، فقال: حدّثتني عائشة أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك، ولا يغتسل. وذلك قبل فتح مكة، ثم اغتسَل بعد ذلك [١٢٢/ب] وأمرَ الناسَ بالغسل. رواه الدارقطني (٤). ومعنى التقاء الختانين: تغييبُ الحشفة في الفرج، سواء كانا مختونين أو

стр. 474

لا. وذلك يحصل بتحاذي الختانين، لأنّ ختان المرأة في الجلدة التي في أعلى الفرج كعُرْف الديك، ومحلّ الوطء هو مخرج الحيض والمني والولد في أسفل الفرج، فإذا غابت الحشفة فيه تحاذى الختانان، فيقال: التقيا. ولو التزق الختان بالختان من غير إيلاج، فلا غسل، ولذلك (١) قال ﷺ : «إذا جاوز الختانُ الختانَ وجب الغسل» رواه الترمذي (٢)، وقال: حديث حسن صحيح. وكنى عن تغييب الحشفة بمسِّ الختان الختان، لأنه يحصل معه غالبًا. ولو غيَّب الحشفةَ من وراء حائل وجب الغسل في أحد الوجهين. وإذا قُطِع ذكرهُ، فأولج من الباقي بمقدار الحشفة وجب الغسل، وتعلَّقت به أحكامُ الوطء من التحليل والمهر وغير ذلك، وإلا فلا. فأما الخصيُّ إذا جامع، فقال أحمد في خصيّ ومجبوب (٣) جامع امرأته: لا غسل عليه، لأنه قد ذهب قضيبه. فإن أنزل، فعليه الغسل. وقال أيضًا: إذا كان له ما يصِل به وجب عليه الغسل، وإلا إذا أنزل. قيل: امرأته؟ قال: إذا أنزلَتْ. قال أصحابنا: إذا كان قد بقي من ذكره ما يصل به إلى المرأة ــ وهو مقدار الحشفة ــ وجب عليه الغسل وعليها بإيلاجه، وإلّا لم يجب إلّا بالإنزال للماء، وإن لم يكن مما (٤) يخلق منه الإنسان. وسواء أولج في فرج ذكر أو أنثى، من [١٢٣/أ] حيوان ناطق أو بهيمة،

стр. 475

حيٍّ أو ميِّت، سواء في ذلك الفاعل والمفعول به؛ لأنه وطءٌ في فرج أصليٍّ (١)، فأشبه فرج المرأة؛ ولأنه مظنة الإنزال، وإن لم يكن يُشتهى في الغالب، لأنَّ الإقدام على ما [لا] (٢) يشتهى غالبًا دليل على قوة الشهوة. وكذلك لو استدخلت المرأةُ ذكرَ ميِّت أو بهيمة، وسواء في ذلك اليقظان والنائم، والطائع والمكره؛ لأنَّ موجبات الطهارة لا يُعتبر فيها القصدُ، بدليل احتلام النائم وسبق الحدث. ولا بدَّ أن يكون الفرج أصليًّا، فلو وَطِئ الخنثى المشكلُ أو وُطِئ في قُبله، فلا غسل عليهما، لاحتمال أن يكون أولج بخلقة زائدة أو أولج في خلقة زائدة منه. وكذلك لو أولج كلُّ واحد من الخنثيين ذكره في قبل الآخر. لكن لو وَطِئ ووُطِئ في قُبله لزمه الغسلُ، ولزم أحدَ الآخرَين، لا بعينه، كما تقدَّم في مسِّ الذكر. ويجب الغسل على الصغير إذا جامع والصغيرةِ إذا جومعت، بمعنى أنه لا يبقى جنبًا. نصَّ عليه، وأنكر قولَ من لم يوجبه. وفسَّره القاضي وجماعة من أصحابنا بتوقُّف مجرى (٣) العبادات عليه. ووجوبُه إذا بلغ يوجب الغسلَ (٤)، كما يوجب العدَّة. ثم الصغيرةُ مثل الكبيرة في إيجاب العدّة، فكذلك في إيجاب الغسل. ولأنا نوجب أمرها بالصلاة، فكذلك أمرَها بالاغتسال، فإنه من لوازمه.

стр. 476

ويجب الغسل من الإيلاج على العالم والجاهل. فلو مكث زمانًا لا يغتسل من الوطء [١٢٣/ب] ولم يعلم أنَّ الغسل عليه، فإنه يحتاط في الصلاة، فيعيد حتى يتيقَّن براءة ذمته. نصَّ عليه، لأن هذا مما استفاضت به الآثار، فلم يُعذَر به الجاهلُ، ولم يَسُغْ فيه الخلاف. نصَّ عليه؛ بخلاف ما قلناه في لحوم الإبل على إحدى الروايتين، فإنَّ تلك السنّة ليست في الشهرة كهذه. وقد قيل: إنما قال هذا في العامّي الذي لم يقلّد، ونصُّه بخلاف هذا. وإنما وجب إعادة كلِّ صلاة إذا شكَّ في طهارتها، لأنه قد تيقَّن الوجوب، وشكَّ في الأداء المجزئ. فلا يجوز تمكينه (١) من الصلاة والطواف ومسِّ المصحف وقراءة القرآن. ويجب الغسل إذا بلغ، ولم يكن اغتسل؛ ويغسَّل إذا مات شهيدًا. ولا خلاف في هذا كلِّه. فصل فأما الأغسال المستحبة فهي نوعان: أحدهما: ما يُقصد به النظافة لأجل اجتماع الناس في الصلاة المشروع لها الاجتماعُ العامُّ، و (٢) في مجامع المناسك وهي (٣): غسل الجمعة والعيدين والكسوف والاستسقاء، والاغتسال للإحرام، ولدخول مكة والمدينة، وللوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة، ولرمي الجمار كلَّ يوم،

стр. 477

وللطواف بالبيت. وهذه تُذكَر إن شاء الله تعالى في موضعها. النوع الثاني: ما يُشرع لأسباب ماضية . وهو: غسلُ المستحاضة لكلِّ صلاة، والغسلُ من غسل المِّيت، وغسل المجنون والمغمَى عليه إذا أفاق من غير احتلام، [١٢٤/أ] والغسلُ من الحجامة. فأما [غسلُ] (١) المستحاضة، فيذكر في موضعه. وأما الاغتسال من غسل الميِّت فهو مستحَبٌّ في المشهور. وقال القاضي في «الجامع الكبير» وابن عقيل: لا يجب ولا يُستحبُّ من غسل المسلم؛ لأن الحديث لا يثبت فيه، وظاهرُ (٢) كلام أحمد يقتضي ذلك. وعنه: أنه يجب من غسل الميِّت الكافر، لأن النبيَّ ﷺ أمر عليًّا أن يُواري أبا طالب، فواراه. فلما رجع قال: «اغتسِلْ» رواه أحمد وغيره (٣). وقد ذكرنا في نواقض الوضوء قوله: «ليس عليكم في ميِّتكم غسلٌ إذا غسّلتموه، فإنه ليس بنجس» (٤).

стр. 478

ورُوي عن ابن مسعود أنه سئل عن الذي يغسل الميِّتَ، أيغتسلُ؟ قال: إن كان صاحبكم نجسًا فاغتسِلُوا منه (١). وعن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن الذي يغسل الميِّتَ، أيغتسل؟ فقال: أنجِسٌ هو؟ (٢). وعن عائشة قالت: أأنجاس (٣) موتاكم؟ (٤). رواهنَّ سعيد. فموجَب هذا التعليل وجوبه من الكافر، لأنه نجُس بالموت ولا يطهُر بالغسل. فعلى هذا يجب الغُسل [مِن غَسل] الحيّ الكافر (٥)، قاله القاضي. وقال ابن عقيل: لا يجب. الأول اختيار أصحابنا لما روى ابن إسحاق قال: وقد كنت حفظتُ من كثير من علمائنا بالمدينة أنَّ محمد بن عمرو بن حزم كان يروي عن المغيرة بن شعبة أحاديثَ، منها: أنه حدَّثه أنه سمع رسول الله ﷺ قال: «من غسَّل ميِّتًا فليغتسلْ» رواه أحمد (٦). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من غسّل ميِّتًا فليغتسل،

стр. 479

ومن حمَلَه فليتوضَّأْ» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي (١) وقال: حديث حسن. وإسناده شرط مسلم. وروي من وجوه أخرى. قال أبو حفص: أي ما شُرِع لأسباب ماضية، وهو من أراد حملَه يتوضَّأ، يعني: للصلاة عليه. وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «يغتسل من أربع: من الجمعة، والجنابة، والحجامة، وغسل الميِّت». رواه أحمد وأبو داود (٢) ولفظه: أن النبيَّ ﷺ كان يغتسل. وهو شرط مسلم. وتضعيفُ الإمام أحمد وغيره لبعض هذه الأحاديث إمَّا لأنه لم يبلغهم

стр. 480

حين التضعيف إلا من وجوه [ضعيفة] (١)، أو بناءً على قاعدة «الحديث دون ما يحتجُّ به الفقهاء» كما تقدَّم (٢). وذهب أبو إسحاق الجُوزجاني إلى وجوبه لما ذكرنا (٣)، وهو معدود من أصحاب أحمد. والمذهب: أنَّ الأمر فيه على الاستحباب، لما تقدَّم عن الصحابة هنا، وفي مسألة نقض الوضوء به؛ ولأنه لو كان واجبًا مع كثرة وقوعه لَنُقِل نقلًا عامًّا، ولم يخفَ على أكابر الصحابة، مع أنَّ عائشة هي ممَّن يروي الاغتسال منه، وتفتي بعدم وجوبه. وكذلك الأمر في حديث علي المتقدِّم هو استحباب، لا سيَّما والروايات الصحيحة أنه أمرَه بمواراته (٤) دون تغسيله. وتعليلُهم بعدم النجاسة يفيد غسلَ ما يصيب الغاسلَ منه لو كان نجسًا، دون بقية البدن. وأما الاغتسال من الحجامة ، فمستحَبٌّ في إحدى الروايتين، لما تقدَّم، ولفعل عليٍّ. وفي الأخرى: لا يُستحَبُّ. واختارها القاضي وغيره، لأن القياس لا يقتضيه كالرُّعاف والفِصاد، وحديثُه مضعَّف. وأما اغتسال المجنون والمغمى عليه إذا أفاقا ، فإنْ رأيا منيًّا وجب عليهما الاغتسال. وإن لم يريا بللًا أصلًا، ففي وجوب الاغتسال روايتان: إحداهما: يجب، لما روت عائشة قالت: ثَقُلَ رسولُ الله ﷺ فقال: «أصلَّى الناس؟» قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. قال: «ضَعُوا لي ماءً في المِخْضَب». قالت: ففعلنا، فاغتسل، ثم ذهب لِيَنُوءَ، فأُغْمِيَ عليه، ثم

стр. 481

أفاق، فقال: «أصلَّى الناس؟» قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. قال: «ضَعُوا لي ماءً في المِخْضَب» قالت: ففعلنا، فاغتسل، ثم ذهب لينُوءَ، فأُغميَ عليه، ثم أفاق، فقال: «أصلَّى الناس؟» فقلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. وذكرت إرساله إلى أبي بكر. متفق عليه (١). والأصل في أفعاله الوجوب على (٢) إحدى الروايتين. يؤكد ذلك في الاغتسال أنه أفتى السائلَ عن الاغتسال من التقاء الختانين بأنه (٣) يفعل ذلك ويغتسلُ منه، وأفتى عامّةُ الصحابة بقولها: فعلتُ ذلك أنا ورسولُ الله ﷺ ، فاغتسلنا. لا سيَّما وقد تكرَّر ذلك منه مع مشقَّته عليه، فلو لم [١٢٥/ب] يكن واجبًا لتَرَكه. ولأنه مظنّة للجنابة غالبًا، فأقيم مقام الحقيقة كالنوم مع الحدث، والوطء مع الإنزال. قال الإمام أحمد: قلَّما يكون الإغماء إلا أمنَى (٤). وقال: قلَّ أن يُصرَع إلا احتلَم (٥). بل هو أولى من ذلك، لأنه ﷺ لا يجوز عليه الاحتلام، لأنه معصوم من الشيطان، ومع هذا كان يغتسل. وهذا يدل على أنَّ الإغماء سبب للغسل، مع قطع النظر عن كونه مظنَّة الإنزال. ألا ترى أنه إذ (٦) كان محفوظًا في منامه من الحدث، كان ينام ثم يصلِّي ولا يتوضأ.

стр. 482

فإذا وجب الوضوء على الأمة مع أنه لم يكن يفعله، فوجوب الاغتسال الذي فعله أولى. والرواية الثانية: لا يجب. بل يستحبُّ، لأنه زوال عقل، فلم يُوجب الاغتسالَ كالنوم، ولأن الحقيقة هنا أمكن اعتبارُها، فإن المنيَّ يبقى في ثوبه وبدنه، بخلاف الحدث في النوم فإنه لا يُعلَم. وعلى هذه الرواية، لو وجد بللًا (١) ولم يتيقَّنه منيًّا، فقيل: لا يجب الغسل أيضًا، بخلاف النوم، لأنه يمكن أن يكون من المرض المزيل للعقل. وقيل: يجب كالنوم، وأولى (٢) لأنَّ هذا يُشرَع له الاغتسال بكلِّ حال بخلاف النائم، فوجوب الاغتسال عليه [مما] (٣) يجب على النائم= أولى. ولهذا لو رأى المريض غير المبرود بللًا حكَمنا بأنه منيٌّ، بخلاف صاحب الإبْرِدة. والله أعلم. مسألة (٤): (والواجب فيه: النيّة، وتعميم بدنه بالغسل، مع المضمضة والاستنشاق) . أما النية، فقد تقدَّم دليلُ وجوبها. والنية [١٢٦/أ] المجزئة: أن يُقصَد رفعُ حدث النجاسة، والاغتسالُ لما يُشترط له ذلك، كما قلنا في الوضوء. فإن توضَّأ أو اغتسل بنية طهارة مسنونة، مثل أن ينوي تجديدَ الوضوء،

стр. 483

أو الوضوءَ لقراءة القرآن، أو لذكر الله، أو للنوم، أو للجلوس في المسجد؛ أو يغتسل غسل الجمعة ونحوها من أغسال الصلوات والمناسك= ففيه روايتان: إحداهما: يجزئه، كما لو تطهَّر لصلاة نافلة أو مسِّ المصحف. والثانية: لا يجزئه عن الواجب، لأنه لم يقصد (١) الطهارة الواجبة، ولا ما وجبت له الطهارة، فلم يجزئه، كما لو تطهَّر لزيارة الصديق. وقال أبو حفص العكبري وغيره: إن نوى الطهارةَ لما يُشرع له رفعُ الحدث، كقراءة القرآن واللبث في المسجد، أجزأه. وإن نوى ما لا يُشرع معه رفعُ الحدث كالتجديد وغسل الجمعة لم يجزئه (٢). فصل وأما تعميم بدنه بالماء، فالمراد أن يغسل الظاهرَ جميعَه، وما في حكمه من الباطن، وهو ما يمكن إيصالُ الماء إليه من غير ضرر، وهو ما يُسَنُّ إيصالُ الماء إليه في الوضوء، أو يُغسَل من النجاسة، كالبشرة التي تحت الشعور الكثيفة مثل شعر الرأس واللحية، ومواضع المبالغة من باطن الفم والأنف. هكذا ذكر بعض أصحابنا. وآخرون أوجبوا هنا ما يجب في الوضوء، لأن الصائم يُنهَى عن المبالغة، فإن بالغ دخل في النَّهي (٣) وإن لم يبالغ لزم

стр. 484

[١٢٦/ب] الإخلالُ بواجب في الغسل؛ ولأن الصائم المتطوِّع لا يبالغ، ولو كان واجبًا لما سقط بالتطوُّع. وهذه طريقة أبي حفص في الوضوء، لقول النبي ﷺ : «تحت كلِّ شعرة جنابة، فبُلُّوا الشَّعر وأنقُوا البشرة» (١). احتجَّ به الإمام أحمد في رواية حنبل. وعن علي قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ ترك موضعَ شَعْرة من جنابة لم يُصِبْها الماءُ فعَل الله به كذا وكذا من النار». قال علي: فمِن ثَمَّ عاديتُ شَعري (٢). رواه أحمد وأبو داود (٣). ولأنها طهارة تتعلَّق بجميع البدن، فتعلَّقت بكلِّ ما يمكن، كطهارة الجنب.

стр. 485

وعلى هذا يجب غسلُ حشفة الأقلف المنفتق إذا أمكن تشميرُ القلفة، كما يجب تطهيرها من النجاسة، بخلاف المرتتق. فأمَّا باطن فرج المرأة، فنصَّ أحمدُ أنه لا يجب غسله من جنابة ولا نجاسة. وأقرَّ النصَّ على ظاهره طائفةٌ من أصحابنا، لأنه من الباطن فأشبه الحلقوم. وكذلك ثبت (١) الفطرُ بحصول الحشفة فيه. وقال القاضي وغيره: يجب غسله فيهما لأنه يمكن (٢) تطهيره من غير ضرر كحشفة الأقلف، وحمل كلام أحمد على ما عمُق من فرجها، بحيث لا يصل الماء إليه إلا بمشقّة. وإذا كان على يديه أو على أعضاء الوضوء نجاسةٌ ارتفع الحدث قبل زوالها عند ابن عقيل، لأن الماء ما لم ينفصل باقٍ على طهوريته، فكذلك أثَّر في إزالة النجاسة، فأشبه تغييَره (٣) بالطاهرات. وقال الأكثرون: لا يرتفع الحدث إلا مع طهارة المحلِّ، لأن ما قبل ذلك من الماء قد لاقى النجاسة وانفصل نجسًا، فلا يكون رافعًا للحدث، كغيره من المياه النجسة. مسألة (٤): (وتُسَنُّ التسميةُ، وأن يَدلُكَ بدنَه بيديه، ويفعل كما روت ميمونة قالت: سترتُ النبي ﷺ ، فاغتسل من الجنابة ، فبدَأ فغسَلَ يديه، ثم صبَّ بيمينه على شماله، فغسَل فرجه وما أصابه، ثم ضرب بيده على

стр. 486

الحائط أو الأرض، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم أفاض الماءَ (١)، ثم تنحَّى فغسل رجليه). أما التسمية، فقال أصحابنا: هي كالتسمية في الوضوء على ما مضى. وأمّا دلكُ البدن في الغسل ودلكُ أعضاء الوضوء فيه، فيجب (٢) إذا لم يُعلَم وصولُ الطهور إلى محلِّه بدونه، مثل باطن الشعور الكثيفة. وإن وصل الطهور بدونها فهو مستحبٌّ، لأنه روي عنه (٣) ﷺ أنه كان إذا توضَّأ يدلك (٤). وعن عائشة أن أسماء سألت النبي ﷺ عن غسل الحيض قال: «تأخذ إحداكنَّ ماءها وسِدْرَها، فتَطهَّرُ، فتُحسن الطُّهورَ، ثم تصُبُّ على رأسها، فتدلُكه (٥) دلكًا شديدًا حتى تبلغَ شؤون رأسها، ثم تصُبُّ عليها الماءَ، ثم تأخذ فِرْصةً ممسَّكةً، فتَطهَّرُ بها». قالت أسماء: وكيف أتطهَّر بها؟ فقال: «سبحان الله؛ تطهَّرين بها» فقالت عائشة ﵂: تتَّبِعينَ بها أثرَ الدَّم. وسَأَلتْه عن غسل الجنابة، فقال: «تأخذ ماءً، فتطَهَّرُ، فتحُسن الطُّهور، ثم تصبُّ على رأسها، فتدلُكه حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تُفِيض عليها [الماء]» رواه أحمد ومسلم (٦).

стр. 487

ولأنَّ [١٢٧/ب] بالتدليك يحصل الإنقاءُ، ويتيقَّن التعميم الواجب، فشُرِع كتخليل الأصابع في الوضوء. ولا يجب الدَّلكُ وإمرارُ اليد في الغسل، بخلاف أحد الوجهين في الوضوء (١)، لقوله في حديث أم سلمة: «إنما يكفيكِ أن تَحْثِي على رأسكِ ثلاثَ حَثَيات، ثم تُفيضين عليكِ الماء، فتَطْهُرين» (٢). وكذلك ذكر لأسماء (٣) إفاضةَ الماء على سائر الجسد، ولم يذكر الدَّلْك. وإنما ذكَره في الشَّعر (٤) لأنَّ (٥) به يحصل وصول الماء إلى البشرة. وقال جبير بن مطعم: تذاكرنا غسل الجنابة عند رسول الله ﷺ ، فقال: «أمَّا أنا، فآخذ ملءَ كفِّي [ثلاثًا] (٦) فأصُبُّ على رأسي، ثم أفيضُ بعد ذلك على سائر جسدي» رواه أحمد والبخاري ومسلم (٧). ولو كان الدَّلكُ واجبًا لَذكَره لتبيين (٨) الواجب.

стр. 488

وأما الحديث الذي ذكره، فهو من المتفق عليه (١) عن ميمونة، قالت: وضعتُ للنبيِّ ﷺ ماءً يغتسل به، فأفرغ على يديه، فغسلهما مرَّتين أو ثلاثًا، ثمّ أفرغ بيمينه على شماله، فغسَل مذاكيرَه، ثم دلَك يدَه بالأرض، ثم مضمض واستنشق، ثمّ غسل وجهه ويديه، ثمّ غسلَ رأسه ثلاثًا، ثمّ أفرَغَ على جسده، ثمَّ تنحَّى عن مقامه، فغسل قدمَيه. وعن عائشة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ : كان إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يدَيه، ثمَّ يُفْرِغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجه، ثمّ يتوضَّأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء، ويُدخِل أصابعه في أصول الشَّعر، حتى إذا رأى أن قد استبرأ حفَنَ (٢) على رأسه ثلاثَ حثيات (٣)، ثمّ أفاض الماء على سائر جسده، [١٢٨/أ] ثمّ غسل رجليه. متفق عليه (٤). ولمسلم (٥): كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسَلَ (٦) كفَّيه ثلاثًا. وللبخاري (٧): ثمَّ (٨) يخلِّل بيده شَعرَه، حتى إذا رأى أن قد أروى بَشَرتَه أفاض عليه الماء ثلاثَ مرَّات.

стр. 489

وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحِلَاب (١)، فأخذ بكفِّه، فبدأ بشِقِّ رأسه الأيمن ثم الأيسر، ثمَّ أخذ بكفَّيه، فقال بهما على رأسه. متفق عليه (٢). وجملة ذلك أنَّ الغسل قسمان: كامل ومجزئ . فالمجزئ هو ما تقدَّم. وأما الكامل فهو اغتسال رسول الله ﷺ ، وهو يشتمل على إحدى عشرة خصلةً: أولها: النية. وثانيها: التسمية. وثالثها: أن يبدأ بغسل يديه ثلاثًا، كما في الوضوء، وأوكد، لأن هنا يرتفع الحدث عنهما بذلك. ورابعها: أن يغسلَ فرجه، ويدلُكَ يده بعده، لمعنيَين: أحدهما: أن يزيل ما به من أذى. وكذلك إن كان على يديه نجاسة أزالها قبل الاغتسال، لئلا تَنْماعَ (٣) بالماء، ولئلا يتوقَّف ارتفاعُ الحدث على زوالها، في المشهور. والثاني: أنه إذا أخَّر غسلَ الفرج، فإنْ مسَّ انتقض وضوؤه، وإن لم يمسَّه أخلَّ بسنَّة الدَّلك، وربما لا يتيقَّن وصول الماء إلى مغابنه إلا بالدَّلك. وكذلك لا يستحبُّ له إعادة الوضوء بعد الغسل، إلا أن يكون قد مسَّ ذكره.

стр. 490

وخامسها: أن يتوضَّأ. ولا يكمل الاغتسال إلا بالوضوء، سواء نوى رفع الحدثين أو لم ينوِ، لما تقدَّم من فعل النبي ﷺ ، ولما روى سعيد بن منصور في «سننه» (١) أنَّ عمر سأل النبيَّ ﷺ عن غسل الجنابة، فقال: «توضَّأْ وضوءَك للصلاة، ثم اغسل رأسك ثلاثًا، ثم أفِضْ على رأسك وسائر جسدك». ولأنه غسلٌ يسَنُّ فيه تقديمُ مواضع الوضوء كغسل الميِّت، وهذا لأنَّ أعضاءَ الوضوء أولى بالطهارة من غيرها، بدليل وجوب تطهيرها في الطهارتين، فإذا فاتها التخصيص فلا أقلَّ من التقديم. ولذلك كان وضوءُ الجنُب مؤثِّرًا في نومه وأكله وجماعه، وجلوسه في المسجد. وهو مخيَّر بين أن يتوضأ وضوءًا كاملًا كما في حديث عائشة، أو يؤخِّر (٢) غسلَ رجليه كما في حديث ميمونة. وعلى هذا الوجه يكفي إفاضةُ

стр. 491

الماء على رأسه ودلكُه من مسحه، لأن ذلك كان في الوضوء، والدَّلك (١) في الغسل. والأفضل (٢): صفة عائشة في إحدى الروايات، وإن احتيج إلى غسلهما ثانيًا لكونه بمستنقَعٍ يقف الماء فيه أو غير ذلك؛ لأن عائشة أخبرت أنه كان يتوضَّأ كذلك، وهذا إخبارٌ عن غالب فعله، وميمونة أخبرت عن غسل واحد. ولأنَّ في حديث عمر الأمرَ بذلك، ولأنهما من أعضاء الوضوء فأشبها الوجه واليدين، ولأنه غسلٌ تقدَّم فيه الوضوء جميعُه، كغسل الميِّت. وعنه أن صفة ميمونة أولى، لأن غُسالة البدن تنصبُّ إليهما، فتندِّيهما، وتلوِّثهما، فتُعِين على غسلهما، ولا يحتاج إلى إعادته ثانيًا، ويكون أقلَّ في إراقة الماء. ولذلك (٣) بدأ بأعالي البدن قبل أسافله. والثالثة: هما سواء، لمجيء السنَّة بهما. وسادسها: أن يخلِّل أصول شعر رأسه [١٢٩/أ] ولحيته بالماء، قبل إفاضته، لما (٤) في حديث عائشة، لأنه إذا فعل ذلك فإنه ينقِّي البشَرة، ويُبلَّ الشَّعر بماء يسير بعد ذلك من غير معالجة. وسابعها: أن يُفيض على رأسه ثلاثًا: حَثْيةً على شِقِّه الأيمن، وحَثْيةً على شقّه الأيسر، وحَثْيةً على الوسط. وثامنها: أن يُفيض الماء على سائر جسده ثلاثًا. هكذا قال أصحابنا

стр. 492

قياسًا على الرأس، وإن لم ينصَّ عليه في الحديث، وهو محلُّ نظر. وتاسعها: أن يبدأ بشقِّه الأيمن، لأنَّ رسول الله ﷺ كان يعجبه التيامنُ في طهوره (١). وعاشرها: أن يدلُكَ بدنَه بيديه كما تقدَّم. وحادي عشرها: أن ينتقل من مكانه، فيغسل قدمَيه، كما في حديث ميمونة. وإذا توضأ أولًا لم يجب أن يغسل أعضاءَ الوضوء مرةً ثانيةً في أثناء الغسل، بل الواجبُ عليه غسلُ بقية البدن، لأن النبي ﷺ لم يكن يتمضمض ويستنشق إلا في ضِمن الوضوء. وكذلك (٢) غسلُ الوجه واليدين (٣) لم يُذكَر أنه فعله إلا في ضمن وضوئه. وهذا على قولنا: يرتفع الحدَثانِ بالاغتسال، ظاهر. وأمّا على قولنا: لا بد من الوضوء، فكذلك على معنى ما ذكره أحمد وغيره، لأن المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه واليدين مرةً في الوضوء ومرةً في أثناء تمام الغسل غيرُ واجب قطعًا. وكلام بعض أصحابنا يقتضي إيجاب ذلك على هذه الرواية، وهو ضعيف، وإن كان متوجهًا في القياس؛ بل الصواب أنه لا يستحَبُّ على الروايتين.

стр. 493

مسألة (١): [١٢٩/ب] (ولا يجب نقضُ الشعر في غسل الجنابة إذا روَّى أصوله). أمَّا تروية أصول الشعر وإيصال الماء إلى بشرته، فيجبُ كما تقدَّم. وكذلك يجب غسلُ ظاهره وأثنائه والمسترسِل منه وما نبَت (٢) في الجسد، سواء كان مضفورًا (٣) أو محلولًا (٤) في المشهور من المذهب. وقيل: لا يجب غسلُ المسترسل منه وشعر الجسد، وإنما يجب غسلُ ما لم يتمَّ غسلُ البشرة إلا به، لأن الشعر ليس من أجزاء الحيوان. وقيل: إنما يسقط غسلُ (٥) أثناءِ المسترسل إذا كان مضفورًا، لأنه لا يجب نقضه. والأول هو المذهب المعروف لأن النبي ﷺ قال: «فبُلُّوا الشَّعرَ» (٦)، وقد احتجَّ به الإمام أحمد؛ ولأنه إذا وجب غسلُ البشرة الباطنة، فغسلُ الشعر أولى. ولأنه يجب تطهيره من النجاسة، فكذلك من الجنابة كغيره. فعلى هذا لا تنقضه في غسل الجنابة إذا وصل الماء إلى أثنائه، وتنقُضه في غسل الحيض.

стр. 494

قال مهنَّا (١): سألتُ أحمد عن المرأة تنقض شعرها إذا اغتسلت من الجنابة؟ فقال: لا. فقلت له: في هذا شيء؟ قال: نعم، حديث أم سلمة. قلتُ: تنقُض شعرها من الحيض؟ قال: نعم. فقلتُ له: وكيف تنقُضه من الحيض، ولا تنقضه من الجنابة؟ فقال: حديث أسماء عن النبي ﷺ أنه قال: «تنقُضه» (٢). أما الأول، فلما روى عبيد بن عمير قال: بلغ عائشة أنّ عبد الله بن عمرو (٣) يأمر النساءَ إذا اغتسلن أن ينقُضْن رؤوسهنّ. فقالت: يا عجبًا لابن عمرو! هو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقُضن رؤوسهنّ، [١٣٠/أ] أوَما (٤) يأمرهنّ أن يحلِقْن رؤوسهنّ! لقد كنتُ أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، وما أزيد على أن أُفرِغَ على رأسي ثلاثَ إفراغات. رواه أحمد ومسلم (٥). ولغير ذلك من الأحاديث. والرجل في ذلك كالمرأة. فإذا كان الشعر خفيفًا أو كان عليه سِدْرٌ رقيقٌ كفاه أن يصُبَّ الماء على رأسه، ويعصِرَ في إثر كلِّ صَبَّة بحيث يرى أن قد وصل الماء إلى باطن الشَّعر. وإن كان كثيفًا مجمَّدًا (٦) أو عليه سدرٌ ثخينٌ أو

стр. 495

حشوٌ يمنع وصول الماء أزال ذلك. وأما الحيض، فهل نقضُ الشعر فيه واجبٌ أو مستحبٌّ؟ على وجهين: أحدهما: يجب، لما ذكره الإمام أحمد في حديث أسماء أنه قال: «تنقُضه». وإن لم تكن هذه اللفظة فيه والسياق (١) الذي ذكرناه في المسألة قبل هذه، لكن فيه ذكر السِّدْر، والسِّدْر إنما يستعمل مع نقض. وقد احتجَّ بعض أصحابنا لذلك بأنّ النبيَّ ﷺ أمر عائشة لما أخبرت أنها حائض، فقال: «انقُضي رأسك، وامتشطِي» متفق عليه (٢). وفي لفظ: «انقُضي شَعرك، واغتسلي». وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا اغتسلَت المرأةُ من حيضها نقضَتْ شعرَها نقضًا، وغسلَتْه بالخِطْمِّي والأُشنان. وإذا اغتسلَتْ من الجنابة تصبُّ الماء على رأسها صبًّا وغسلَتْه» رواه ابن شاهين (٣). ولأنَّ الحيض لا يتكرَّر، فلا يشقُّ إيجابُ نقضه، بخلاف الجنابة.
следующие страницы →