← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الماء على رأسه ودلكُه من مسحه، لأن ذلك كان في الوضوء، والدَّلك (١) في الغسل. والأفضل (٢): صفة عائشة في إحدى الروايات، وإن احتيج إلى غسلهما ثانيًا لكونه بمستنقَعٍ يقف الماء فيه أو غير ذلك؛ لأن عائشة أخبرت أنه كان يتوضَّأ كذلك، وهذا إخبارٌ عن غالب فعله، وميمونة أخبرت عن غسل واحد. ولأنَّ في حديث عمر الأمرَ بذلك، ولأنهما من أعضاء الوضوء فأشبها الوجه واليدين، ولأنه غسلٌ تقدَّم فيه الوضوء جميعُه، كغسل الميِّت. وعنه أن صفة ميمونة أولى، لأن غُسالة البدن تنصبُّ إليهما، فتندِّيهما، وتلوِّثهما، فتُعِين على غسلهما، ولا يحتاج إلى إعادته ثانيًا، ويكون أقلَّ في إراقة الماء. ولذلك (٣) بدأ بأعالي البدن قبل أسافله. والثالثة: هما سواء، لمجيء السنَّة بهما. وسادسها: أن يخلِّل أصول شعر رأسه [١٢٩/أ] ولحيته بالماء، قبل إفاضته، لما (٤) في حديث عائشة، لأنه إذا فعل ذلك فإنه ينقِّي البشَرة، ويُبلَّ الشَّعر بماء يسير بعد ذلك من غير معالجة. وسابعها: أن يُفيض على رأسه ثلاثًا: حَثْيةً على شِقِّه الأيمن، وحَثْيةً على شقّه الأيسر، وحَثْيةً على الوسط. وثامنها: أن يُفيض الماء على سائر جسده ثلاثًا. هكذا قال أصحابنا

стр. 492

قياسًا على الرأس، وإن لم ينصَّ عليه في الحديث، وهو محلُّ نظر. وتاسعها: أن يبدأ بشقِّه الأيمن، لأنَّ رسول الله ﷺ كان يعجبه التيامنُ في طهوره (١). وعاشرها: أن يدلُكَ بدنَه بيديه كما تقدَّم. وحادي عشرها: أن ينتقل من مكانه، فيغسل قدمَيه، كما في حديث ميمونة. وإذا توضأ أولًا لم يجب أن يغسل أعضاءَ الوضوء مرةً ثانيةً في أثناء الغسل، بل الواجبُ عليه غسلُ بقية البدن، لأن النبي ﷺ لم يكن يتمضمض ويستنشق إلا في ضِمن الوضوء. وكذلك (٢) غسلُ الوجه واليدين (٣) لم يُذكَر أنه فعله إلا في ضمن وضوئه. وهذا على قولنا: يرتفع الحدَثانِ بالاغتسال، ظاهر. وأمّا على قولنا: لا بد من الوضوء، فكذلك على معنى ما ذكره أحمد وغيره، لأن المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه واليدين مرةً في الوضوء ومرةً في أثناء تمام الغسل غيرُ واجب قطعًا. وكلام بعض أصحابنا يقتضي إيجاب ذلك على هذه الرواية، وهو ضعيف، وإن كان متوجهًا في القياس؛ بل الصواب أنه لا يستحَبُّ على الروايتين.

стр. 493

مسألة (١): [١٢٩/ب] (ولا يجب نقضُ الشعر في غسل الجنابة إذا روَّى أصوله). أمَّا تروية أصول الشعر وإيصال الماء إلى بشرته، فيجبُ كما تقدَّم. وكذلك يجب غسلُ ظاهره وأثنائه والمسترسِل منه وما نبَت (٢) في الجسد، سواء كان مضفورًا (٣) أو محلولًا (٤) في المشهور من المذهب. وقيل: لا يجب غسلُ المسترسل منه وشعر الجسد، وإنما يجب غسلُ ما لم يتمَّ غسلُ البشرة إلا به، لأن الشعر ليس من أجزاء الحيوان. وقيل: إنما يسقط غسلُ (٥) أثناءِ المسترسل إذا كان مضفورًا، لأنه لا يجب نقضه. والأول هو المذهب المعروف لأن النبي ﷺ قال: «فبُلُّوا الشَّعرَ» (٦)، وقد احتجَّ به الإمام أحمد؛ ولأنه إذا وجب غسلُ البشرة الباطنة، فغسلُ الشعر أولى. ولأنه يجب تطهيره من النجاسة، فكذلك من الجنابة كغيره. فعلى هذا لا تنقضه في غسل الجنابة إذا وصل الماء إلى أثنائه، وتنقُضه في غسل الحيض.

стр. 494

قال مهنَّا (١): سألتُ أحمد عن المرأة تنقض شعرها إذا اغتسلت من الجنابة؟ فقال: لا. فقلت له: في هذا شيء؟ قال: نعم، حديث أم سلمة. قلتُ: تنقُض شعرها من الحيض؟ قال: نعم. فقلتُ له: وكيف تنقُضه من الحيض، ولا تنقضه من الجنابة؟ فقال: حديث أسماء عن النبي ﷺ أنه قال: «تنقُضه» (٢). أما الأول، فلما روى عبيد بن عمير قال: بلغ عائشة أنّ عبد الله بن عمرو (٣) يأمر النساءَ إذا اغتسلن أن ينقُضْن رؤوسهنّ. فقالت: يا عجبًا لابن عمرو! هو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقُضن رؤوسهنّ، [١٣٠/أ] أوَما (٤) يأمرهنّ أن يحلِقْن رؤوسهنّ! لقد كنتُ أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، وما أزيد على أن أُفرِغَ على رأسي ثلاثَ إفراغات. رواه أحمد ومسلم (٥). ولغير ذلك من الأحاديث. والرجل في ذلك كالمرأة. فإذا كان الشعر خفيفًا أو كان عليه سِدْرٌ رقيقٌ كفاه أن يصُبَّ الماء على رأسه، ويعصِرَ في إثر كلِّ صَبَّة بحيث يرى أن قد وصل الماء إلى باطن الشَّعر. وإن كان كثيفًا مجمَّدًا (٦) أو عليه سدرٌ ثخينٌ أو

стр. 495

حشوٌ يمنع وصول الماء أزال ذلك. وأما الحيض، فهل نقضُ الشعر فيه واجبٌ أو مستحبٌّ؟ على وجهين: أحدهما: يجب، لما ذكره الإمام أحمد في حديث أسماء أنه قال: «تنقُضه». وإن لم تكن هذه اللفظة فيه والسياق (١) الذي ذكرناه في المسألة قبل هذه، لكن فيه ذكر السِّدْر، والسِّدْر إنما يستعمل مع نقض. وقد احتجَّ بعض أصحابنا لذلك بأنّ النبيَّ ﷺ أمر عائشة لما أخبرت أنها حائض، فقال: «انقُضي رأسك، وامتشطِي» متفق عليه (٢). وفي لفظ: «انقُضي شَعرك، واغتسلي». وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا اغتسلَت المرأةُ من حيضها نقضَتْ شعرَها نقضًا، وغسلَتْه بالخِطْمِّي والأُشنان. وإذا اغتسلَتْ من الجنابة تصبُّ الماء على رأسها صبًّا وغسلَتْه» رواه ابن شاهين (٣). ولأنَّ الحيض لا يتكرَّر، فلا يشقُّ إيجابُ نقضه، بخلاف الجنابة.

стр. 496

والوجه الثاني: لا يجب، بل يستحبّ لما روت أمُّ سلمة قالت: قلت: يا رسول الله، إنِّي امرأة أشُدُّ [١٣٠/ب] ضَفْرَ رأسي، أفأنقُضه (١) لغسل الجنابة؟ قال: «لا، إنما يكفيك أن تَحْثي على رأسكِ ثلاثَ حَثَيات، ثم تُفيضين عليكِ الماءَ، فتطهُرين». رواه أحمد ومسلم وابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن صحيح (٢). وفي رواية لمسلم (٣): أفأنقُضه للحَيضة وللجنابة (٤)؟ وفي لفظ لأبي داود (٥): «واغمِزي قُرونَكِ عندَ كلِّ حَفْنة». وحملوا النقض على الاستحباب كالسِّدر والطِّيب فإنه يُستحبُّ في كلِّ غسل الحيض استحبابًا مؤكَّدًا، حتى قال أحمد: وإن كانت قد اغتسلت بالماء ثم وجدَت السِّدرَ أحَبُّ إليَّ أن تعود إلى السِّدر. وقال (٦) في الطِّيب: تُمْسِكُ في القُطنة شيئًا من طِيبٍ يقطع عنها رائحةَ الدم وزَفْرتَه. قال (٧) القاضي: فإن لم تجد مسكًا، فغيرَه من الطيب. فإن لم تجِد فالطين. فإن لم تجِد، فالماءُ شافٍ كافٍ (٨). وذلك لما تقدَّم من حديث الفِرْصة. قال إبراهيم الحربي: الفِرْصَة:

стр. 497

قطعةُ قطن أو صوف، تُمَسُّ بشيء من طيب، وتُدخلها المرأةُ فرجَها لتطيِّب بذلك مخرجَ الدم. وهذا لأنَّ الحيض لمَّا طالت مدَّتُه، وحصل فيه وسخٌ وأذًى، شُرع فيه ما يُحصِّل (١) النظافة التامّة. ولهذا لما سئل أحمد عن النفساء والحائض كم مرةً يغتسلان؟ قال: كما يُغسَّل الميِّت. قال القاضي (٢): ومعنى هذا أنه يجب مرةً ويُستحبُّ ثلاثًا، ويكون فيه السِّدر والطيب، كما في غسل الميِّت. مسألة (٣): (وإذا نوى بغُسله الطهارتين أجزأ عنهما. وكذلك لو تيمَّم للحدَثَين والنجاسةِ على بدنه أجزأه عن جميعها. [١٣١/أ] وإذا (٤) نوى بعضَها فليس له إلا ما نوى). أمَّا المسألة الأولى، فظاهر المذهب: أنه إذا اغتسل غسلًا نوى به الطهارتين الصغرى والكبرى أجزأه وإن لم يتوضَّأ أو توضَّأ وضوءًا هو بعضُ الغسل ولم يُعِدْ غسلَ أعضاء الوضوء. وإذا نوى به (٥) الأكبر فقط بقي عليه الأصغر. وإن نوى بوضوئه الأصغرَ فقط بقي عليه الأكبر، سواء وُجد سببٌ يختصُّ بالأصغر، أو كان سببه سببَ الأكبر مثل أن ينظر أو يتفكَّر فيُمْنِي، أو يجامع من وراء حائل ويُنزل، أو لا ينزل، على أحد الوجهين.

стр. 498

وعنه: أنه لا يرتفع الأصغر إلا بوضوء مع الغسل، يفعله (١) قبل الغسل أو بعده، حتَّى فيما إذا اتحد السبب مثل أن ينظر فيُمْني. وعلى هذه الرواية هل تجب إعادة أعضاء الوضوء على ما تقدَّم، لأن النبي ﷺ كان يتوضَّأ قبل الغسل، وفعلُه يفسِّر قولَه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، ولأنهما عبادتان مختلفتا الصفة والقدر والفروض، فلم يتداخلا، كالطهارة الكبرى والصغرى. وقال أبو بكر: يتداخلان في القدر المشترك بينهما، وعليه أن يأتي بخصائص الوضوء، وهي: الترتيب، والموالاة، ومسح الرأس على إحدى الروايتين (٢). فعلى قوله، إذا غسل وجهه ثم يديه، ثم مسح رأسه حتى أفاض عليه الماء، ثم غسل رجليه بعد ذلك= أجزأه، ولم يحتَجْ أن يُعيد غسلَ هذه الأعضاء. وبكلِّ حالٍ فإذا توضَّأ قبل غُسله كُرِه له إعادةُ وضوئه بعد غسله، إلا أن ينقض وضوءَه لمسُ [١٣١/ب] فرجه أو غيرُ ذلك. والأول أصح، لأن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وفسَّر التطهير بالاغتسال في الآية الأخرى. ولا يقال: النهي هنا عن قربان مواضع الصلاة، وذلك يزول بالاغتسال. لأنَّا نقول: هو النهي عن الصلاة وعن مسجدها. ولا يجوز حملُه على المسجد فقط، لأنَّ سببَ نزول الآية صلاةُ من صلَّى بهم وخلَطَ في القراءة (٣)، وسببُ النزول يجب أن يكون

стр. 499

داخلًا في الكلام. ولأنه أباح القربانَ للمسافر إذا تيمَّم، والمساجد في الغالب إنما تكون في الأمصار، ولا مسافر هناك. وكذلك المريضُ في الغالب لا يمكنه قربان المسجد، ولا يحتاج إليه. ولأن الصلاة هي الأفعال نفسها، فلا يجوز إخراجها من الكلام. فإما أن يكون النهي عنهما (١)، أو عن الصلاة فقط، ويكون قوله: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] استثناءً منقطعًا. وهذا أحسن، إن شاء الله، كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وقوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧]. ولأن النبي ﷺ قال: «في المنيِّ الغُسل» (٢). وقال: «إذا أقبلت الحيضة فدَعي الصلاة، وإذا أدبرَتْ فاغتسِلي وصلِّي» (٣). ولم يذكر الوضوء. وسئل جابر بن عبد الله: أيتوضَّأ الجنبُ بعد ما يغتسل؟ قال: يكفيه الغسل (٤). وقال عبد الله بن عمر: إذا لم يتوضَّأ الجنبُ أجزأه الغسل ما لم يمسَّ فرجَه (٥). رواهما سعيد. ولأن الغسل الذي وصفته ميمونة ليس [١٣٢/أ] فيه مسحُ رأسه ولا غسلُ رجليه مرَّتين. وإنما فعل ذلك مرةً واحدةً مكمِّلةً لغسله، مع أن عائشة

стр. 500

قالت: كان رسول الله ﷺ لا يتوضَّأ بعد الغسل. رواه الخمسة (١) (٢). أما المسألة الثانية، وهي: إذا تيمَّم للحدثين والنجاسة على بدنه، فإنَّه يجزئ عن جميعها في المشهور. وإن نوى بعضها فليس له إلا ما نوى، لأنَّ التيمُّم لا يرفع الحدث، وإنما يبيح فعلَ الصلاة مع قيام مانعها، فلا يستبيح فعلَ الفرض بنية النفل. ولأنه إذا اغتسل لأحد الحدثين لم يرتفع الآخر، فأَنْ لا يجزئ التيمُّمُ لأحدهما عن الآخر أولى وأحرى. وإذا اجتمعت عليه أحداث كبرى مثل أن يجامع ويحتلم، أو تكون المرأة حائضًا جُنبًا؛ أو صغرى مثل أن ينام ويخرج منه نجاسات ويمسَّ النساء= فنوى بطهارته عن جميعها أجزأه. وإن نوى بطهارته عن إحداها ارتفعت جميعُها عند القاضي وغيره، لأنها أحداثٌ توجب طهارةً من نوع واحد، فكفَت النية عن أحدها؛ كما لو تكرَّر منه الحدث من جنس واحد، ونوى عن شيء منه. وقال أبو بكر: لا يرتفع إلا ما نواه؛ إذا لم يدخل الأصغر في الأكبر بدون النية، فالنظير مع النظير أولى؛

стр. 501

مع الظاهر من قوله: «إنما لامرئٍ (١) ما نوى» وقيل: إن كان حكم الحدثين واحدًا (٢)، كالبول مع النوم، والوطء مع الإنزال= تداخلا، وإن كان مختلفًا كالحيض مع الجنابة لم يتداخلا. وإذا تيمَّم لبعض الأحداث من جنس واحد، فعلى قول أبي بكر لا يجزئه إلا عمَّا [١٣٢/ب] نواه كالماء وأولى. وعلى قول القاضي فيها وجهان: أحدهما: لا يجزئه أيضًا، لأن التيمم مسحٌ فلم يُبِحْ ما لم ينوِ (٣). والثاني: يجزئه كالماء، لأن نية التطهير في التيمُّم تغني عن نية نظيره. ولو تيمَّم لفرضٍ استباح فرضًا آخر، ولو تيمَّم لنفلٍ استباح نفلًا آخر، لأن ممنوعات أحد الحدثين هي ممنوعات الحدث الآخر بعينه، بخلاف الحدث والجنابة. فصل وقد تضمَّن هذا الكلام جوازَ التيمُّم للجنابة، كما يجوز للحدث؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] إلى آخر الآية. وعن عمران بن حصين قال: كنَّا مع رسول الله ﷺ في سفرٍ، فصلَّى بالناس، فإذا هو برجل معتزل، فقال: «ما منعك أن تصلِّي؟» قال: أصابتني جنابةٌ، ولا ماءَ. قال: «عليك بالصعيد، فإنه يكفيك» متفق عليه (٤).

стр. 502

وحديث عمار بن ياسر وعمرو بن العاص وأبي ذر وغيرهم يدلُّ على ذلك، وهي في باب التيمم. لكن يُكره لمن لم يجد الماء أن يطأ زوجته ما لم يخشَ العنتَ، في إحدى الروايتين؛ لما فيه من إزالةِ طهارة يمكن إبقاؤها، والتعرُّضِ لإصابة النجاسة، وحملًا لما جاء من الرخصة على من يخشى العنت. وفي الأخرى (١): لا يُكره، لأنه مظنَّة الحاجة في الجملة، ولما فيه من الأثر. وقد تضمَّن أيضًا جوازَ التيمُّم للنجاسة على بدنه إذا عَدِم ما يزيلها أو خَشي (٢) الضرر بإزالتها، كما لو تيمَّم للحدث. وهذا ظاهر المذهب المنصوص، فإن صلَّى بغير تيمُّم لم يجزئه. قال ابن أبي موسى: لا يتيمَّم للنجاسة (٣)، كما لا يتيمَّم لنجاسة الثوب ونجاسة [١٣٣/أ] الاستحاضة وسلس البول، ولأن طهارة الخبث (٤) بالماء لا تتعدَّى محلَّها، فأن لا تتعدَّى طهارةُ التراب محلَّها (٥) أولى، ولأنّ طهارة التراب تعبُّد. فإن (٦) عجز عن إزالتها وعن التيمم لها، ففيه (٧) روايتان.

стр. 503

ووجه الأول أن النبي ﷺ قال: «إنَّ الصعيد الطيِّب طَهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشرَ سنين. فإذا وجد الماءَ فَلْيُمِسَّه بَشَرَتَه» (١). وهذا يعُمُّ طهارتَي الحدث والخَبَث المتعلقةَ (٢) بالبدن دون الثوب، لقوله: «فَلْيُمِسَّه بَشَرتَه»، ولأنه محلٌّ من البدن يجب تطهيرُه بالماء مع القدرة عليه، فوجب بالتُّراب عند العجز، كمواضع الحدث وبدن المِّيت. وهذا لأنّ التيمُّم لا يرفع الحدث، وإنما يبيح فعلَ الصلاة معه، فكذلك التيمُّم عن الخبث. والمستحاضةُ يجب عليها غسلُ النجاسة لكلِّ صلاة، كما يجب عليها الوضوء لكلِّ صلاة، من غير تيمُّم في الموضعين. وعلى هذا إن كانت النجاسة على جُرحٍ لم يجب تطهيره من الحدث تيمَّم لها خاصَّةً. [و] (٣) إن كانت على محلِّ الحدث وهي غير معفوٍّ عنها يتيمَّم عن الحدث والخبث. ويجزئه تيمُّم واحد كما ذكر الشيخ في أصح الوجهين، كما يجزئه عن الحدثين، وكما تتداخل طهارتا (٤) الحدث والخبث في الماء. وفي الآخر: لا يجزئه لأنهما من جنسين. ولا إعادة عليه في المشهور من الروايتين، لأنه شرطٌ عجز عنه، فأشبه ما لو عجز عن التوضؤ لمرض. وإن عجز عن إزالتها لعدم الماء فقال أبو الخطاب: يعيدها (٥)، لأنه

стр. 504

عذر نادر وغير (١) متصل، فأشبه ما لو لم يجد ترابًا يتيمَّمُ (٢) به عنها، بخلاف [١٣٣/ب] نجاسة الجرح فإنها تعُمُّ بها البلوى وتطول مدّتُها. والمنصوص المشهور: أنه لا إعادة عليه، كالتيمم عن الحدث ونجاسة الجرح. وهذا بناءً على وجوب الإعادة على من عجز عن إزالة النجاسة وعن التيمُّم لها، وهو إحدى الروايتين، فإذا لم نوجب الإعادة هناك، فهاهنا أولى. ويجب عليه أن يخفِّف النجاسة بما أمكنه من مسح أو حكٍّ أو نحو ذلك قبل التيمُّم، لأنه المستطاع. وتعتبر له (٣) النية في أصحِّ الوجهين، وإن لم تعتبر في مُبْدَلِه. وفي الآخر: لا تعتبر له النية، كما لا تعتبر لإزالة النجاسة. وليس بشيء. فصل يحرم على المحدث الصلاةُ، والطوافُ، ومسُّ المصحف . فأمَّا الصلاة، فيحرم عليه فرضُها ونفلُها والسجود المجرد كسجود التلاوة والقيام المجرد وهو صلاة الجنازة، ولا يصح منه سواء كان عالمًا بحدثه أو جاهلًا به. هذا إذا كان قادرًا على الطهارة. فأمَّا العاجز، فيذكر إن شاء الله تعالى في التيمُّم؛ لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يقبل الله صلاةَ أحدكم إذا أحدثَ حتى يتوضَّأ» متفق عليه (٤). وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يقبل الله صلاةً بغير

стр. 505

طَهور، ولا صدقةً من غُلول» رواه الجماعة إلا البخاري (١). وأمّا الطواف فهو محرَّم عليه أيضًا، لأن النبي ﷺ قال: «إنما الطواف بالبيت صلاةٌ، فإذا طُفتم فأقِلُّوا الكلامَ» رواه أحمد والنسائي (٢). لكن إذا خالف وطاف محدثًا، فهل [١٣٤/أ] يصحُّ طوافهُ؟ على روايتين، أصحُّهما أنه لا يصحّ (٣). وأمّا المصحف، فإنه لا يمسُّ منه موضع الكتابة ولا حاشيته ولا الجلد

стр. 506

أو الدَّفَّ (١) والورقَ (٢) الأبيض المتصل به، لا ببطن الكفِّ ولا بظهره ولا بشيء (٣) من جسده؛ لأنَّ في الكتاب الذي كتبه النبي ﷺ لعمرو بن حزم أن لا يمسَّ القرآن إلا طاهرٌ. رواه مالك والأثرم والدارقطني وغيرهم (٤). وهو كتاب مشهور عند أهل العلم. وقال مصعب بن سعد: كنتُ أُمسِكُ المصحفَ على عهد (٥) سعد بن أبي وقاص، فاحتككتُ، فقال: لعلك مسِسْتَ ذكرك. فقلت: نعم. فقال: قُمْ،

стр. 507

فتوضَّأ. رواه مالك (١). وذكر الإمام أحمد عن ابن عمر أنه قال: لا تمسَّ المصحفَ إلا على طهارة (٢). وعن عبد الرحمن بن يزيد (٣) قال: كنّا مع سلمان، فخرج، فقضى حاجته، ثم جاء، فقلتُ: يا أبا عبد الله، لو توضَّأتَ، لعلَّنا نسألك عن آيات. قال: إنِّي لستُ أمسُّه ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]. رواه الأثرم والدارقطني (٤). وكذلك جاء عن خلق من التابعين، من غير خلاف يُعرف عن الصحابة والتابعين، وهذا يدلُّ على أنّ ذلك كان معروفًا بينهم. وقد احتجَّ كثير من أصحابنا على ذلك بقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ كما ذكرنا عن سلمان، وبنوا ذلك على أنَّ الكتاب هو المصحف بعينه، وأنَّ قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ صيغة خبر في معنى الأمر؛ لئلا يقع الخبر بخلاف مخبره. وردُّوا قولَ من حمله على الملائكة، فإنهم جميعهم مطهَّرون، وإنما يمسُّه ويطَّلع عليه [١٣٤/ب] بعضهم. والصحيح: أنَّ (٥) اللوح المحفوظ الذي في السماء مرادٌ من هذه الآية، وكذلك الملائكة مرادون من قوله: ﴿الْمُطَهَّرُونَ﴾ لوجوه (٦):

стр. 508

أحدها: أنَّ هذا تفسير جماهير السلف من الصحابة ومَن بعدهم، حتّى الفقهاء الذين قالوا: لا يمسُّ القرآن إلا طاهر، من أئمة المذاهب صرَّحوا بذلك، وشبَّهوا هذه الآية بقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١١ - ١٦]. وثانيها: أنه أخبر أنَّ القرآن جميعَه في كتاب، وحين نزلت هذه الآية لم يكن نزل إلا بعضُ المكِّيّ منه، ولم يُجمع جميعُه في المصحف إلا بعد وفاة النبي ﷺ . وثالثها: أنه قال: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] والمكنون: المصون المحرَّر الذي لا تناله أيدي المضلِّين، فهذه صفة اللوح المحفوظ. ورابعها: أن قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ صفة للكتاب، ولو كان معناها الأمر لم يصحَّ الوصف بها، وإنما يوصف بالجملة الخبرية. وخامسها: أنه لو كان معنى الكلام الأمر لقيل: «فلا يمسَّه» لتوسُّط الأمر بما قبله. وسادسها: أنه قال (١): ﴿الْمُطَهَّرُونَ﴾، وهذا يقتضي أن يكون تطهيرهم من غيرهم، ولو أريد طهارة بني آدم فقط لقيل: «المتطهِّرون»، كما قال تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]،

стр. 509

وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وسابعها: أنَّ هذا مسوقٌ لبيان شرف القرآن وعلوِّه وحفظه، وذلك بالأمر الذي قد ثبتَ واستقرَّ أبلغُ منه بما يحدُث ويكون. نعم، الوجه في هذا ــ والله أعلم ــ: أنَّ القرآن الذي في اللوح [١٣٥/أ] المحفوظ هو القرآن الذي في المصحف كما أن الذي في هذا المصحف هو الذي في هذا المصحف بعينه، سواء كان المحلُّ ورقًا أو أديمًا أو حجرًا أو لِخافًا (١). فإذا كان من حكم الكتاب الذي في السماء أن لا يمسَّه إلا المطهَّرون وجب أن يكون الكتاب الذي في الأرض كذلك، لأنَّ حرمته كحرمته؛ أو يكون الكتاب اسم جنس يعُمُّ كلَّ ما فيه القرآن، سواء كان في السماء أو الأرض. وقد أومأ (٢) إلى ذلك قوله تعالى: ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٢ - ٣]. وكذلك قوله تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ [عبس: ١٣ - ١٤] فوصفها أنها مطهَّرة، فلا يصلح للمحدِث مسُّها. وكذلك لا يجوز أن يمسَّ بعضو عليه نجاسة. ولو غسل المتوضِّئ بعض أعضائه لم يجُز له مسُّها حتى يكمل طهارته. ولو كانت النجاسة على عضو جاز مسُّه بغيره، لأن حكم النجاسة لا يتعدَّى محلَّها. ويجوز بالتيمُّم حيث يُشرع كما يجوز بالتوضؤ.

стр. 510

فأمَّا إن حمله بعِلَاقته، أو بحائلٍ له منفصلٍ منه لا يتبعه في الوصية والإقرار وغيرهما كغلافه، أو حائلٍ مانعٍ للحامل كحمله في كمِّه من غير مسِّ، أو على رأسه أو في ثوبه، أو تصفَّحه بعود أو مسَّه به= جاز في ظاهر المذهب. وعنه: لا يجوز، لأنه إنما مُنع من مسِّه تعظيمًا لحرمته، وإذا تمكَّن من ذلك بحائل زال التعظيم. وحكى بعض أصحابنا روايةً أنه إنما يحرُم مسُّه بكمِّه وما يتصل به، لأنّ كمَّه وثيابه متصلة به عادةً، فأشبهت أعضاءَه، بخلاف العود والغلاف. وحكى الآمدي روايةً بجواز (١) حملِه [١٣٥/ب] بعلاقته وفي غلافه، دون تصفُّحه بكمِّه أو عود. ولنا أنه لم يمسَّه، فيبقى على أصل الإباحة، لا سيَّما ومفهوم قوله ﷺ : «لا يمسُّ القرآن إلا طاهر» (٢) جواز ما سوى المباشرة، وليس المسُّ من وراء حائل كالمباشرة، بدليل نقض الوضوء وانتشار حرمة المصاهرة (٣) به والفدية في الحج وغير ذلك. والعِلاقةُ وإن اتصلت به فليست منه، إنما تُراد (٤) لتعليقه، وهو مقصود زائد على مقصود المصحف، بخلاف الجلد فإنه يراد لحفظ ورق المصحف وصونه. وتجوز كتابته من غير مسِّ الصحيفة كتصفُّحه بعود، ولأن الصحابة استكتبوا أهلَ الحيرة المصاحف. وقيل: لا يجوز الكتابة، وإن أجزنا تقليبه بالعود. وقيل: يجوز للمحدِث دون الجنب كالتلاوة.

стр. 511

وما فيه شيء من القرآن حكمه حكم المصحف إن كان مفردًا. فإن كُتب مع القرآن غيرُه، فالحكم للأغلب. فيجوز مسُّ كتب التفسير والحديث والفقه والرسائل التي فيها شيء من القرآن، في المشهور عنه، لأنها ليست مصحفًا. وقد كتب النبي ﷺ إلى أهل الكتاب بكتاب فيه قرآن، وكان يكتب في صدر كتبه إلى أهل النواحي: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ولأن ما فيها من القرآن لا يثبت لها حرمةُ المصحف، بدليل جواز بيعها وشِراها (١) وعموم الحاجة إلى مسِّها. ويجوز مسُّ ما كُتِب فيه المنسوخ [و] (٢) التوراة والإنجيل، في المشهور من الوجهين. وكذلك ما فيه (٣) الأحاديث المأثورة عن الله تعالى، لأن ذلك ليس هو القرآن. وفي مسِّ الدراهم المكتوب عليها القرآن روايتان. وفي مسِّ الصبيان ألواحَهم المكتوبَ فيها القرآنُ وجهان. وقيل: روايتان. ووجه الرخصة عموم الحاجة إلى ذلك. ولا يجوز تمليكه من كافر، ولا السفرُ به إلى بلادهم، لما روى عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ قال: «لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدوِّ مخافةَ أن يناله العدو» رواه أحمد ومسلم (٤). ولو ملك الذميُّ مصحفًا بالإرث أُلزِمَ بإزالة ملكه عنه، لأنهم يتديَّنون بانتهاكه وانتقاص حرمته.

стр. 512

فصل ويحرم على الجنُب ما يحرم على المحدِث. وهو في ذلك أشدُّ، لأن الصلاة تحرُم عليه لأنها صلاة ولأنَّ فيها قراءة. وكذلك الطواف يحرم عليه، لأنه صلاة ولأنه يحتاج إلى المُكث في المسجد الحرام. وكذلك مسُّ المصحف. ويحرم أيضًا عليه قراءةُ القرآن، لما روي عن علي قال: كان رسول الله ﷺ لا يحجُبه ــ وربما قال: لا يحجُزه ــ عن قراءة القرآن شيء، ليس الجنابةَ. رواه الخمسة (١)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. ويجوز بعض الآية في إحدى الروايتين، اختارها القاضي وغيره، لأنه لا يجزئ في الخطبة، ولا يحصل به إعجاز، فأشبه البسملة والحمدلة. والثانية: لا يجوز، وهي أقوى، لقول علي: اقرؤوا القرآن ما لم يُصِب أحدَكم جنابةٌ. فإن أصابته (٢) جنابة فلا، ولا حرفًا واحدًا. رواه الدارقطني، وإسحاق بن راهويه (٣)

стр. 513

وقال: عليٌّ أعلم بها، حيث روى عن النبي ﷺ أنه كان يقرأ على [١٣٦/ب] كلِّ حال إلا الجنابة. والحرف من القرآن، فهو أعلم بما يرويه. وقال ابن عباس: الجنب والحائض يذكران الله، ولا يقرآن من القرآن شيئًا. قيل: ولا آية؟ قال: ولا نصف آية. رواه حرب (١). ولأنَّ بعض الآية كالآية في منع المُحدِث من مسِّ كتابتها، فكذلك في منع الجنب من تلاوتها. وأما ذكرُ الله سبحانه ودعاؤه ونحو ذلك، فهو جائز، لأن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كلِّ أحيانه. رواه الخمسة إلا النسائي (٢)، وأخرجه البخاري تعليقًا. ولأنّ المنع إنما جاء في القرآن، وغيرُه من ذكر الله لا يساويه في الحرمة، بدليل أنه لا يُمنعَ المُحدِث من مسِّ صحيفته، ولا تصحُّ الصلاة به إلا عند العجز عن القرآن، وأن التلاوة أفضل من الذكر، وغير ذلك. وقد قال النبي ﷺ : «أفضل الكلام بعد القرآن أربع، وهن من القرآن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» (٣).

стр. 514

وقال: «فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه» (١). وقال: «ما تقرَّب العبادُ إلى الله بأفضلَ مما خرَج منه» (٢). فعلى هذا يجوز من الكلام ما يوافق نظمُه نظمَ القرآن، إذا لم يقصد به تلاوة القرآن، وإن بلغ آيةً، كقول الآكل والمتوضئ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وقول الشاكر: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وقول المستغفر: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا﴾ الآية [الأعراف: ٢٣]؛ لأن هذا الكلام قد يُقصَد به القرآن، ويُقصَد به غيرُه، وإن اتفقت ألفاظها. [١٣٧/أ] ومتى كان شيئًا يتميَّز به القرآن عن غيره، فقد قيل: لا يجوز قراءته بكلِّ حال، لأنه لا يكون إلا قرآنًا. وقيل: يجوز إذا قُصد به معنًى غيرُ (٣) التلاوة، لأن النبي ﷺ كتب إلى الروم في رسالة: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ

стр. 515

تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ٦٤]، لأنه قصَد بها التبليغَ دون القراءة (١) والتلاوة. ويحرُم عليه اللُّبثُ في المسجد بغير وضوء. فأما العبور فيه فلا بأس، لما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «لا أُحلُّ المسجدَ لحائض ولا جنب» رواه أبو داود (٢). وعن أم سلمة عن النبي ﷺ : «إنَّ المسجد لا يحِلُّ لجنُب ولا حائض» رواه ابن ماجه (٣). ولأنَّ المسجد منزل الملائكة، لما فيه من الذكر؛ والملائكةُ لا تدخل بيتًا فيه كلبٌ ولا جنُب ولا تمثال. كذلك رواه علي عن النبي ﷺ . أخرجه مسلم وغيره (٤). ففي لُبث الجنُب في

стр. 516

المسجد إيذاء للملائكة. فأمّا المرور فيجوز، لما روت عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «ناوليني الخُمْرةَ من المسجد». فقلت: إني حائض، فقال: «إنّ حَيضتَكِ ليست في يدك» رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي (١). وقالت ميمونة: كان رسول الله ﷺ يدخل على إحدانا وهي حائض، فيضع رأسه في حَجْرها، فيقرأ القرآن وهي حائض، ثم تقوم إحدانا بخُمرته، فتضعها في المسجد وهي حائض. رواه أحمد والنسائي (٢). وقال جابر بن عبد الله: كان [١٣٧/ب] أحدنا يمرُّ في المسجد جنبًا مجتازًا. رواه سعيد في «سننه» (٣). وقال زيد بن أسلم: كان أصحاب رسول الله ﷺ يمشون في المسجد، وهم جنُب. رواه ابن المنذر (٤).

стр. 517

وقد احتجَّ أصحابنا على هذه المسألة بقوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] لأن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما فسَّروا ذلك بعبور الجنُب في المسجد (١). قال جماعة من أصحابنا وغيرهم (٢): يكون المراد بالصلاة مواضع الصلاة، كما قال تعالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ [الحج: ٤٠]. وقد فسَّرها آخرون (٣) بأن المسافر إذا لم يجد الماء تيمَّم، لأن الصلاة هي الأفعال أنفسها. القول على ظاهره ضعيف، لأن المسافر قد ذُكر في تمام الآية فيكون تكريرًا، ولأن المسافر لا تجوز له صلاة مع الجنابة إلا في حال عدم الماء، وليس في قوله: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ تعرض لذلك (٤)، ولأنه كما تجوز الصلاة مع الجنابة للمسافر، فكذلك للمريض، ولم يُستثنَ كما استُثني المسافر، فلو قصد ذلك لبيَّن (٥)، كما بيَّن في آخر الآية المريض والمسافر إذا لم يجدا (٦) الماء. ولأنَّ في حمل الآية على ذلك لزوم التخصيص في

стр. 518

قوله تعالى: ﴿عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ ويكون المخصوص أكثر من الباقي، فإنَّ واجد الماء أكثر من عادمه؛ وفي قوله (١): ﴿وَلَا جُنُبًا﴾ لاستثناء المريض أيضًا، وفيه تخصيص أحد الشيئين (٢) بالذكر مع استوائهما في الحكم. ولأنَّ عبور السبيل حقيقةً (٣): المرور والاجتياز، [١٣٨/أ] والمسافر قد يكون (٤) لابثًا وماشيًا، فلو أريد المسافر لقيل: «إلا ابن سبيل» (٥)، كما في الآيات التي عنى بها المسافرين. والتوجيه المذكور عن أصحابنا على ظاهره ضعيف أيضًا، لما تقدَّم من أن الآية نزلت في قوم صلَّوا بعد شرب الخمر، ولم يكن ذلك في المسجد، وإنما كان في بيت رجل من الأنصار. ولأنه جوَّز القربان للمريض والمسافر إذا عُدِمَ الماء بشرط التيمُّم، وهذا لا يكون في المساجد غالبًا. وإنما الوجه في ذلك أن تكون الآية عامّةً في قربان الصلاة ومواضعها، واستثني من ذلك عبورُ السبيل، وإنما يكون في مواضعها خاصَّةً. وهذا إنما فيه حملُ اللفظ على حقيقته ومجازه، وذلك جائز عندنا على الصحيح (٦). وعلى هذا فتكون الآية دالَّةً على منع اللبث. أو تكون الصلاة هي الأفعال، ويكون قوله: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ استثناءً منقطعًا. ويدل ذلك على منع اللبث، لأنّ

стр. 519

تخصيص العبور بالذكر يوجب اختصاصه بالحكم، ولأنه مستثنى من كلام في حكم النفي، كأنه قال: لا تقربوا الصلاة ولا مواضعها إلا عابري سبيل. وإذا توضأ الجنب جاز له اللبث، لما روى أبو نعيم: ثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يتحدثون في المسجد وهم على غير وضوء. وكان الرجل يكون جنبًا، فيتوضَّأ، ثم يدخُل فيتحدَّث (١). وقال عطاء بن يسار: رأيت رجالًا من أصحاب النبي ﷺ يجلسون في المسجد، وهم مُجنبون، إذا توضؤوا وضوءَ الصلاة. رواه سعيد (٢). وهذا لأن الوضوء يرفع الحدثين عن أعضاء الوضوء، ويرفع حكمَ الحدث الأصغر عن سائر البدن، فيقارب من عليه الحدث الأصغر فقط. ولهذا أُمِر الجنبُ إذا أراد النوم والأكل بالوضوء، ولولا ذلك لكان مجرَّد عَبث. يبيِّن ذلك أنه قد جاء في نهي الجنب أن ينام قبلَ أن يتوضأ: أن لا يموتَ فلا تشهدَ الملائكة جنازته (٣). فهذا يدلُّ على أنه إذا توضَّأ شهدَتْ جنازتَه، ودخلَت المكان الذي هو فيه. ونُهيَ الجنبُ عن المسجد لئلا يؤذي الملائكة بالخروج، فإذا توضَّأ أمكن دخولُ الملائكة المسجدَ، فزال المحذور. وهذا العبور إنما يجوز إذا كان لحاجة وغرض، وإن لم يكن ضروريًّا.

стр. 520

فأمّا لمجرَّد (١) العبث فلا. فإن اضطُرَّ إلى اللبث في المسجد أو إلى الدخول ابتداءً، أو اللبثِ فيه لخوف على نفسه وماله= جاز ذلك، ولزمه التيمُّم في أحد الوجهين، كما يلزم إذا لبث فيه لغير ضرورةٍ وقد عَدِم الماء. والمنصوص عنه: أنه لا يلزمه لأنه مُلْجَأ إلى اللبث والمقام غيرَ قاصد له، فيكون في حكم العابر المجتاز، كالمسافر لو حبسَه عدوٌّ أو سلطان كان في حكم المجتاز في رُخَص السفر. ولهذا لو دخل المسجدَ بنيَّة اللبث أثِمَ، وإن لم يلبَث، اعتبارًا بقصد اللبث، كما يعتبر قصد الإقامة. ولا يكره للجنب أن يحتجم، أو يأخذ من شعره أو ظفره، أو يختضب. نصَّ عليه. وكذلك الحائض، لأن هذا نظافة، فأشبه الوضوء. ولا يقال: إن الجنابة تبقى على الشعر والظفر، لأن حكم الجنابة إنما ثبت لهما ما داما متصلين [١٣٩/أ] بالإنسان، فإذا انفصلا لحقا بالجمادات. فصل فأما قراءة القرآن وذكر الله ﵎، فيجوز للمحدِث، لحديث عائشة المتقدِّم، ولأن ابن عباس أخبر عن النبي ﷺ أنه لما قام الليلَ قرأ العشرَ الآياتِ الأواخرَ من سورة آل عمران، قبل أن يتوضَّأ (٢). وقد روى ابن عباس أن النبي ﷺ خرج من الخلاء، فأُتي بطعامٍ، فذُكِر له الوضوء، فقال: «ما أردتُ صلاةً فأتوضأ» رواه أحمد ومسلم (٣) وفي رواية: «إنما أُمِرتُ بالوضوء إذا أقيمت الصلاة» رواه أحمد

стр. 521

وأبو داود والترمذي والنسائي (١). لكن يستحبُّ له الوضوء لذلك (٢)، لما روى المهاجر بن قنفذ أنه سلَّم على النبي ﷺ وهو يتوضأ، فلم يردَّ عليه حتى فرغ من وضوئه، فردَّ عليه، وقال: «إنه لم يمنعني أن أردَّ عليك إلا أنِّي كرهتُ أن أذكر الله إلا على طهارة». رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه (٣). وعن أبي جَهْم (٤) بن الحارث قال: أقبل النبيُّ ﷺ من نحو بئر جمَل، فلقيه رجلٌ، فسلَّم عليه، فلم يردَّ ﵇، حتى أقبل على الجدار، فمسَح وجهه ويديه، ثم ردَّ ﵇. متفق عليه (٥). وكذلك يستحبُّ الوضوء لكلِّ صلاة، في المشهور من الروايتين. وفي الأخرى: لا فضل فيه، كما لو توضَّأ مرارًا ولم يصلِّ بينهما، ولأنَّ الوضوء إنما يراد لرفع الحدث، فإذا لم يكن محدِثًا لم يستحبَّ له، بخلاف الغسل فإنه يشرع للتنظيف. والصحيح: الأول، لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: «لولا أن أشُقَّ على أمتي لأمرتُهم عند كلِّ صلاة [١٣٩/ب] بوضوء، ومع كلِّ

стр. 522

وضوء سواكٌ» رواه أحمد بإسناد صحيح (١). وعن أنس قال: كان رسولُ الله ﷺ يتوضأ عند كلِّ صلاة. قيل له: فأنتم كيف كنتم تصنعون؟ قال: كنّا نصلِّي الصلوات بوضوء واحد، ما لم نُحدِث. رواه الجماعة إلا مسلمًا (٢). وعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «من توضَّأ على طهرٍ كتبَ الله له عشر حسنات» رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه (٣)، وفيه لين. وكان عبد الله بن عمر يتوضَّأ لكلِّ صلاة طاهرًا وغيرَ طاهر. رواه أحمد وأبو داود (٤).

стр. 523

ولأن قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] أمرٌ لكلِّ قائم طاهر أو غير طاهر، لكن فسَّرت السنة أن الأمر في حقِّ غير المحدِث ليس للإيجاب، فيبقى الندب. ويستحبُّ الوضوء لمن يريد المنام، لما روى البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أتيتَ مضجعك فتوضَّأْ وضوءَك للصلاة، ثم اضطَجِعْ على شقِّك الأيمن» متفق عليه (١). فإن كان جنبًا كان الاستحباب في حقِّه أوكدَ، بحيث يكره له تركُ الوضوء كراهةً شديدةً. والمشهور أنه يُسَنُّ له أن يغسل فرجه ويتوضَّأ. وفي كلامه ظاهره وجوب ذلك، لما روى ابن عمر أنَّ عمر قال: يا رسول الله أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: «نعم إذا توضَّأ» رواه الجماعة (٢). وعن أبي سلمة عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنُب غسَل فرجَه وتوضَّأ وضوءَه للصلاة. رواه الجماعة إلا الترمذي (٣). وأما [١٤٠/أ] ما رواه أبو إسحاق عن الأسود عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ ينام وهو جنُب، ولا يمسُّ ماءً. رواه الخمسة إلا النسائي (٤)،

стр. 524

فقال أحمد: ليس بصحيح. وكذلك ضعَّفه يزيد بن هارون والترمذي وغيرهما. وإن كان محفوظًا معناه ــ والله أعلم ــ: لا يمسُّ ماء الاغتسال. أرادت أن تبيِّن أنه لم يكن يغتسل قبل النوم، كما جاء عنها في رواية سعد بن هشام. والمرأة كالرجل في ذلك إذا أصابتها الجنابة. وعنه: أنه لم يرَ (١) ذلك على النساء، ورآه على الرجال، لأنَّ عائشة أخبرت عنه بالوضوء ولم تذكر أنها كانت تفعل ذلك، ولا أنه أمرها مع اشتراكهما في الجنابة. ولأن المرأة تمكث مدة حائضًا لا يُشرَع لها وضوء، فمكثُها جنبًا (٢) أخفّ. وكذلك يستحبُّ الوضوء للجنب إذا أراد أن يجامع ثانيًا، أو يأكل أو يشرب (٣)، لما روى أبو سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا أتى

стр. 525

أحدكم أهلَه ثم أراد أن يعود، فليتوضَّأْ» رواه الجماعة إلا البخاري (١). وروى إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا كان جنبًا، وأراد أن يأكل أو يشرب أو ينام، توضَّأ وضوءَه للصلاة. رواه أحمد وأبو داود والنسائي (٢). وعن عمار بن ياسر (٣) أن النبيَّ ﷺ رخَّص للجنب، إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام، أن يتوضأ وضوءَه للصلاة. رواه أحمد وأبو داود والترمذي (٤) وقال: هذا (٥) حديث حسن صحيح. [١٤٠/ب] وفي رواية لأحمد وأبي داود (٦): «إنّ الملائكة لا تحضر جنازة الكافر (٧) بخير، ولا المتضمِّخ بالزعفران، ولا الجنب».

стр. 526

ويُكره له تركُه هنا كتركه للنوم عند القاضي لحديث عمَّار هذا. والمنصوص: أنه لا يُكرَه هنا (١)، لكن يكفيه أن يغسل يديه وفمه للأكل. وأما الجماع فلا يحتاج فيه إلى ماء. ولو ترك غسلَ اليدين والفم عند الأكل والشرب لم يُكرَه على ظاهر كلامه، لما روى أبو سلمة عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام، وهو جنُب، توضَّأ وضوءه للصلاة، وإذا أراد أن يأكل ويشرب يغسل يديه ثم يأكل ويشرب. رواه أحمد والنسائي (٢). وليس فيه غسل الفم فالظاهر أنه بلغ أحمد من وجه آخر. وعن الأسود عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا كانت له حاجة إلى أهله أتاهم، ثم يعود، ولا يمسُّ ماء. رواه أحمد (٣). ومن أصحابنا من يجعل المسألة في الأكل والشرب على روايتين: إحداهما: استحباب الوضوء. والثانية: استحباب غسل اليدين والمضمضة. والصحيح ما ذكرناه أنَّ الوضوء كمال السنة، وأنّ الاقتصار على غسل اليدين أدنى السنة. وأما المرأة، فالمنصوص أنها كالرجل فيما يُشرع لها عند الأكل والشرب من وضوء أو غسل اليد والفم. وأما عند معاودة الرجل لها، فالأشبه أنه كالنوم. فصل والواجب في الغسل: الإسباغ كالوضوء، لكن [١٤١/أ] يستحبُّ أن لا ينقص في غسله من صاع، ولا في وضوئه من مُدٍّ، لما روى سفينة قال: كان

стр. 527

رسول الله ﷺ يغتسل بالصاع، ويتطهَّر بالمد. رواه أحمد ومسلم وابن ماجه والترمذي وصحَّحه (١). وعن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضّأ بالمُدِّ. متفق عليه (٢). وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «يجزئ في الغسل (٣) الصاع، ومن الوضوء المد» رواه أحمد والأثرم (٤). ولو أسبغَ بدون ذلك جازَ، من غير كراهة، إذا أتى بالغَسل ولم يقتصر على مجرد المسح كالدهن؛ لظاهر القرآن، وحديثِ أم سلمة وجبير بن مطعم وأسماء (٥)، فإنه علَّق الإجزاءَ بالإفاضة من غير تقدير. وعن عائشة أنها كانت تغتسل هي والنبيُّ ﷺ من إناء واحد يسع ثلاثة أمداد أو قريبًا من ذلك. رواه مسلم (٦).

стр. 528

وعنها أيضًا قالت: لقد رأيتُني أغتسل أنا ورسولُ الله ﷺ من هذا ــ فإذا بتَورٍ (١) موضوع مثل الصاع أو دونه ــ فنشرَع فيه جميعًا، فأفيضُ بيدي على رأسي ثلاثَ مرَّات، وما أنقُض لي شَعرًا. رواه النسائي (٢). وقال عبد الرحمن بن عطاء: سمعت سعيد بن المسيب يقول: إن لي رَكْوةً ــ أو قال: قَدَحًا ــ ما تسع إلا نصفَ المُدِّ أو نحوَه، ثم أبول، ثم أتوضأ، وأُفضِل منه فضلًا. قال عبد الرحمن: فذكرتُ [١٤١/ب] ذلك لسليمان بن يسار فقال: وأنا يكفيني مثل ذلك. قال عبد الرحمن: فذكرتُ ذلك لأبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، فقال أبو عبيدة: وهكذا سمعنا من أصحاب رسول الله ﷺ . رواه الأثرم (٣). وقال إبراهيم النخعي: كانوا أشدَّ استبقاءً للماء منكم، وكانوا يرون أنّ رُبعَ المُدِّ يجزئ من الوضوء. رواه سعيد (٤). وإن زاد على ذلك زيادةً يسيرةً جاز. فأمَّا السرَف فمكروه جدًّا، كما تقدَّم في الوضوء. والصاع هنا كصاع الطعام المذكور في الكفَّارات والصدقات. وهي خمسة أرطال وثلُث بالعراقي, في المشهور عنه. وقد روي عنه ما يدل على أنَّ صاع الماء ثمانية أرطال، والمُدُّ رطلان. وهو اختيار القاضي في «الخلاف» وغيره، لأنَّ أنسًا قال: كان رسول الله ﷺ يتوضأ بإناء يكون

стр. 529

رطلين، ويغتسل بالصاع. رواه أحمد وأبو داود، والترمذي (١) ولفظه: أن رسول الله ﷺ قال: «يجزئ في الوضوء رطلان من ماء». وهذا يفسِّر روايته المتفق عليها: «كان يتوضأ بالمُدِّ» (٢). وعن عائشة قالت: كنتُ أغتسل أنا والنبيُّ ﷺ من إناء واحد من قدَحٍ يقال له: الفَرَق. متفق عليه (٣). والفَرَق: ستة عشر رِطلًا بالعراقي. فصل ينبغي للمغتسل الغسلَ الواجبَ والمستحَبَّ وغيرَهما: التستُّر، ما أمكنه، لأن الله حَيِيٌّ سِتِّير يحبُّ الحياءَ والسَّتْر (٤). ثم لا يخلو إما أن يكون بحضرته أحدٌ من الآدميين أو لا، فإن كان هناك أحد وجب عليه أن يستر عورته منه، لقوله سبحانه: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]. وروى بَهْز بن حكيم بن معاوية بن حَيْدة القشيري عن أبيه عن جدِّه قال: قلت: يا رسول الله، عوراتُنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: «احفظ عورتَك، إلا من زوجتك وما ملكت يمينك». قلتُ: فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟

стр. 530

قال: «إن استطعتَ أن لا يراها أحد فلا يَرَيَنَّها». قلتُ: فإذا كان (١) أحدُنا خاليًا؟ قال: «فالله ﵎ أحقُّ أن يُستَحْيا منه» رواه الخمسة إلا النسائي (٢). وذكره البخاري تعليقًا (٣). وهذا يعمُّ حفظَها من النظر والمسِّ، فقال: «لا تُبْرِزْ فخذَك، ولا تنظر إلى فخذِ حيٍّ ولا ميِّت» (٤). وقال: «لا تمشُوا عُراةً». رواه مسلم (٥). وقد تقدَّم (٦) حديث اللذين يضربان الغائط. ونهَى عن دخول الحمام إلا بالأُزُر (٧). وإن لم يكن بحضرته أحد، فينبغي أن يستتر بسقف أو حائط أو دابَّة أو غير ذلك وأن يأتزر، كما يستحبُّ له (٨) أن يستتر عند الخلاء والجماع، وأن
следующие страницы →