← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

ويُكره له تركُه هنا كتركه للنوم عند القاضي لحديث عمَّار هذا. والمنصوص: أنه لا يُكرَه هنا (١)، لكن يكفيه أن يغسل يديه وفمه للأكل. وأما الجماع فلا يحتاج فيه إلى ماء. ولو ترك غسلَ اليدين والفم عند الأكل والشرب لم يُكرَه على ظاهر كلامه، لما روى أبو سلمة عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام، وهو جنُب، توضَّأ وضوءه للصلاة، وإذا أراد أن يأكل ويشرب يغسل يديه ثم يأكل ويشرب. رواه أحمد والنسائي (٢). وليس فيه غسل الفم فالظاهر أنه بلغ أحمد من وجه آخر. وعن الأسود عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا كانت له حاجة إلى أهله أتاهم، ثم يعود، ولا يمسُّ ماء. رواه أحمد (٣). ومن أصحابنا من يجعل المسألة في الأكل والشرب على روايتين: إحداهما: استحباب الوضوء. والثانية: استحباب غسل اليدين والمضمضة. والصحيح ما ذكرناه أنَّ الوضوء كمال السنة، وأنّ الاقتصار على غسل اليدين أدنى السنة. وأما المرأة، فالمنصوص أنها كالرجل فيما يُشرع لها عند الأكل والشرب من وضوء أو غسل اليد والفم. وأما عند معاودة الرجل لها، فالأشبه أنه كالنوم. فصل والواجب في الغسل: الإسباغ كالوضوء، لكن [١٤١/أ] يستحبُّ أن لا ينقص في غسله من صاع، ولا في وضوئه من مُدٍّ، لما روى سفينة قال: كان

стр. 527

رسول الله ﷺ يغتسل بالصاع، ويتطهَّر بالمد. رواه أحمد ومسلم وابن ماجه والترمذي وصحَّحه (١). وعن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضّأ بالمُدِّ. متفق عليه (٢). وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «يجزئ في الغسل (٣) الصاع، ومن الوضوء المد» رواه أحمد والأثرم (٤). ولو أسبغَ بدون ذلك جازَ، من غير كراهة، إذا أتى بالغَسل ولم يقتصر على مجرد المسح كالدهن؛ لظاهر القرآن، وحديثِ أم سلمة وجبير بن مطعم وأسماء (٥)، فإنه علَّق الإجزاءَ بالإفاضة من غير تقدير. وعن عائشة أنها كانت تغتسل هي والنبيُّ ﷺ من إناء واحد يسع ثلاثة أمداد أو قريبًا من ذلك. رواه مسلم (٦).

стр. 528

وعنها أيضًا قالت: لقد رأيتُني أغتسل أنا ورسولُ الله ﷺ من هذا ــ فإذا بتَورٍ (١) موضوع مثل الصاع أو دونه ــ فنشرَع فيه جميعًا، فأفيضُ بيدي على رأسي ثلاثَ مرَّات، وما أنقُض لي شَعرًا. رواه النسائي (٢). وقال عبد الرحمن بن عطاء: سمعت سعيد بن المسيب يقول: إن لي رَكْوةً ــ أو قال: قَدَحًا ــ ما تسع إلا نصفَ المُدِّ أو نحوَه، ثم أبول، ثم أتوضأ، وأُفضِل منه فضلًا. قال عبد الرحمن: فذكرتُ [١٤١/ب] ذلك لسليمان بن يسار فقال: وأنا يكفيني مثل ذلك. قال عبد الرحمن: فذكرتُ ذلك لأبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، فقال أبو عبيدة: وهكذا سمعنا من أصحاب رسول الله ﷺ . رواه الأثرم (٣). وقال إبراهيم النخعي: كانوا أشدَّ استبقاءً للماء منكم، وكانوا يرون أنّ رُبعَ المُدِّ يجزئ من الوضوء. رواه سعيد (٤). وإن زاد على ذلك زيادةً يسيرةً جاز. فأمَّا السرَف فمكروه جدًّا، كما تقدَّم في الوضوء. والصاع هنا كصاع الطعام المذكور في الكفَّارات والصدقات. وهي خمسة أرطال وثلُث بالعراقي, في المشهور عنه. وقد روي عنه ما يدل على أنَّ صاع الماء ثمانية أرطال، والمُدُّ رطلان. وهو اختيار القاضي في «الخلاف» وغيره، لأنَّ أنسًا قال: كان رسول الله ﷺ يتوضأ بإناء يكون

стр. 529

رطلين، ويغتسل بالصاع. رواه أحمد وأبو داود، والترمذي (١) ولفظه: أن رسول الله ﷺ قال: «يجزئ في الوضوء رطلان من ماء». وهذا يفسِّر روايته المتفق عليها: «كان يتوضأ بالمُدِّ» (٢). وعن عائشة قالت: كنتُ أغتسل أنا والنبيُّ ﷺ من إناء واحد من قدَحٍ يقال له: الفَرَق. متفق عليه (٣). والفَرَق: ستة عشر رِطلًا بالعراقي. فصل ينبغي للمغتسل الغسلَ الواجبَ والمستحَبَّ وغيرَهما: التستُّر، ما أمكنه، لأن الله حَيِيٌّ سِتِّير يحبُّ الحياءَ والسَّتْر (٤). ثم لا يخلو إما أن يكون بحضرته أحدٌ من الآدميين أو لا، فإن كان هناك أحد وجب عليه أن يستر عورته منه، لقوله سبحانه: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]. وروى بَهْز بن حكيم بن معاوية بن حَيْدة القشيري عن أبيه عن جدِّه قال: قلت: يا رسول الله، عوراتُنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: «احفظ عورتَك، إلا من زوجتك وما ملكت يمينك». قلتُ: فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟

стр. 530

قال: «إن استطعتَ أن لا يراها أحد فلا يَرَيَنَّها». قلتُ: فإذا كان (١) أحدُنا خاليًا؟ قال: «فالله ﵎ أحقُّ أن يُستَحْيا منه» رواه الخمسة إلا النسائي (٢). وذكره البخاري تعليقًا (٣). وهذا يعمُّ حفظَها من النظر والمسِّ، فقال: «لا تُبْرِزْ فخذَك، ولا تنظر إلى فخذِ حيٍّ ولا ميِّت» (٤). وقال: «لا تمشُوا عُراةً». رواه مسلم (٥). وقد تقدَّم (٦) حديث اللذين يضربان الغائط. ونهَى عن دخول الحمام إلا بالأُزُر (٧). وإن لم يكن بحضرته أحد، فينبغي أن يستتر بسقف أو حائط أو دابَّة أو غير ذلك وأن يأتزر، كما يستحبُّ له (٨) أن يستتر عند الخلاء والجماع، وأن

стр. 531

لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض، وأوكد، لأنَّ الله أحقُّ أن يستحيي منه الناس، فيأتي من الستر بقدر ما يمكنه. وقد صحَّ عنه ﷺ أنه كان يستتر عند الغسل (١). وقال أبو موسى الأشعري: إني لأغتسل في البيت المظلم فأحني ظهري حياءً من ربِّي . رواه إبراهيم الحربي (٢). فإن اغتسل في فضاء، ولا إزارَ عليه، كُرِه له ذلك، لما روى يعلى بن أمية أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يغتسل بالبَراز، فقال: «إنَّ الله حيِيٌّ سِتِّيرٌ يحبُّ الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فَلْيستترْ». رواه أبو داود والنسائي (٣). وعن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «إن الله ينهاكم عن التعرِّي، فاستحيُوا من الملائكة الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم، إلا عند الغائط والجنابة والغسل. فإذا اغتسل أحدكم بالعَراء فَلْيستتِرْ بثوبه أو بجِذْمِ حائط» رواه

стр. 532

إبراهيم الحربي (١). ورواه ابن بطة من حديث ابن عمر (٢). وقد صحَّ ذلك من مراسيل مجاهد (٣). وقيل: لا يُكره، كما لو استتر بحائط أو سقف ونحوه، فإنه يجوز أن يتجرَّد لأنَّ به حاجة إلى ذلك، فأشبهَ حال الجماع والتخلِّي. وذكر القاضي في كراهة كشف العورة للاغتسال في الخلوة روايتين (٤). وإنما لم يُكرَه له التجرُّد مع الاستتار، لأنَّ في «الصحيحين» (٥) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنَّ موسى ﵇ اغتسل [١٤٣/أ] عُريانًا. وفي البخاري (٦) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أن أيوب ﵇ اغتسل عريانًا، ولما تقدَّم من

стр. 533

الأحاديث، ولأنَّ النبي ﷺ تجرَّد لأهله واغتسل، وكان يستتر (١) بالثوب ويغتسل، وحديث بَهْز في قوله: «فالله أحق أن يستحيا منه» (٢). إذا (٣) لم يكن حاجة كالغسل والخلاء وغير ذلك، فإنه يُنهى عن كشف السوءة لغير حاجة. وقيل: هو على طريق الاستحباب، فإنه يستحبُّ له الائتزار (٤) في حال الغسل وغيره. وعلى هذا فلا يكره دخول الماء بغير مئزر لكن يستحبّ الائتزار لما روى أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «إن موسى ﵇ كان إذا أراد أن يدخل الماء لم يُلْقِ ثوبَه حتى يُواري عورتَه في الماء» رواه أحمد (٥). ولأنه كشفٌ للاغتسال حيث لا يراه آدميٌّ، فجاز، كما لو لم يكن في الماء. وعنه: أنه يُكرَه، وعلى هذا أكثر نصوصه. وكرهه كراهةً شديدةً، وإنما رخَّص فيه لمن لا إزار معه، لما روي عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ أن يُدخَل الماءُ إلا بمئزر. رواه أبو حفص العكبري (٦).

стр. 534

وروى أيضًا عن أبي محمد الأنصاري قال: خرجتُ إلى شاطئ الفرات، فرأيت بغالًا، فقلت لرجل: لمن هذه البغال؟ فقال: للحسن والحسين وعبد الله بن جعفر. [١٤٣/ب] قلت: وأين هم؟ قال: في الفرات يتغاطُّون. قال: فأتيتُهم، فرأيتُهم في سراويلات. فقلت للحسن: يا ابن رسول الله ﷺ تَغاطُّون في الماء، وعليكم سراويلات؟ فقال: نعم، أما علمتَ أنَّ للماء سُكَّانًا، وإنَّ أحقَّ مَن استتر من سُكَّان الماء لَنحنُ (١). وذكر إسحاق بن راهويه أنَّ الحسن والحسين قيل لهما، وقد دخلا الماءَ وعليهما بُردان، فقالا: إنَّ للماء سُكَّانًا (٢). واحتج به إسحاق وأحمد بمعناه (٣)، ولأنه كشفٌ للعورة بحضرة من يَراه من الخلق، فأشبَه ما لو كشَفهَا بحضرة آدميٍّ. ولذلك كرهنا له التكشُّفَ في الخلوة إلا بقدر الحاجة، وهو مستغنٍ عن كشفِها في الماء، لأنَّ الماء يصل إلى الأرفاغ ونحوها من غير تكشُّف. وحديثُ موسى شرعُ مَن قبلنا، وكان التستُّر في شرعهم أخفَّ، ولم

стр. 535

يكن محرَّمًا عليهم النظرُ إلى العورة، بدليلِ أنَّهم كانوا يغتسلون عراةً، ينظر بعضُهم إلى عورةِ بعض، وإنما كان موسى يجتنب ذلك حياءً. والتكشُّف في الماء أهونُ منه بين الناس، فما كان مكروهًا فيهم صار حرامًا (١) فينا، وما كان مباحًا صار مكروهًا. أو يُحمَل حديثُ موسى على كشفها في الماء لحاجةٍ، والحديثُ الآخر إذا لم يحتج إلى كشفها، كما في كشفها خارجَ الماء، ويكون مقصود الحديث بيانَ أنَّ الماء ليس بساترٍ، لأنَّ فيه سُكَّانًا. فصل ولا فرق في ذلك بين الحمَّام وغيره، فلا يحلُّ دخولها إلا بشرط أن يستر عورتَه عن أعين الناس، ويغُضَّ نظرَه [١٤٤/أ] عن عوراتهم، ولا يمسَّ عورة أحد، ولا يدع أحدًا يمسُّ عورته، من قيِّم ولا غيره؛ لأنَّ كشف العورة والنظر إليها ومسَّها حرام. ثم إن أمِنَ (٢) النظرَ إلى عورة غيره، بأن يكون كلُّ من في الحمام مؤتزرًا أو لا يكون فيه غيرُه، فلا بأس بدخوله. وإن خشي أن ينظرَ (٣) إلى عوراتهم كُرِه له ذلك. قال الإمام أحمد: إن علمتَ أنَّ كلَّ من في الحمَّام عليه إزار فادخُلْه، وإلَّا فلا تدخُلْ (٤). وقال أيضًا: ادخُلْ إذا استترتَ واسْتُتِرَ منك، ولا

стр. 536

أظنُّك تسلَم إلا أن تدخل بالليل، أو وقتًا لا يكون في الحمام أحد (١). قال القاضي: إن كان لا يسلَم من ذلك لم يجُزْ له الدخول. يعني: إذا غلب على ظنِّه رؤيةُ العورات. هذا إذا قام بفرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيها، مثل تغييرِ ما يكون فيها من التماثيل المحرَّمة، وأمرِ المتعرِّين بالتستر، ونهيِ القَيِّم عن مسِّ عورات الناس عند تدليكهم. فإن لم يقدر أن يغيِّر المنكر بلسانه ولا بيده فلا يدخُلْها إلا لحاجة، كما لو لم يقدر أن يتحرَّز من النظر إلى العورات كما قلنا في الحاجة (٢) إلى. ولأنَّ فيها المنكراتِ، والقعودَ مع قوم يشربون الخمر، أو قومٍ (٣) يخوضون في آيات الله أو يغتابون؛ فإنَّ الأمور المحرَّمة إنما يباح منها ما تدعو إليه الحاجة. ولهذا حُرِّمت على النساء إلا لحاجة، [١٤٤/ب] لأنَّ المرأةَ كلَّها عورة، ولا يحِلُّ لها أن تضع ثيابها في غير بيت زوجها. ومتى دخلها لحاجة أو غير حاجة وجب عليه أن يقوم بفرض التغيير، إمَّا بيده أو بلسانه. والأفضلُ اجتنابها بكلِّ حال، مع الغنى عنها، لأنَّها مما أحدث الناسُ من رقيق العيش، ولأنها مظنَّة النظر في الجملة. وقد روى أبو سعيد أن النبي ﷺ قال: «لا ينظُرُ الرجلُ إلى عورة الرجل، ولا المرأةُ إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجلُ إلى الرجل في الثوب الواحد،

стр. 537

[ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد] (١)» رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي (٢). وعن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: «من كان يؤمن (٣) بالله واليوم الآخر [من ذكور أمَّتي، فلا يدخُلِ الحمَّام إلّا بمئزر. ومن كانت تؤمن بالله واليوم الآخر] (٤) من إناث أمَّتي، فلا تدخُلِ الحمَّام» رواه أحمد (٥). وعن جابر عن النبي ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخُلِ الحمَّام إلا بمئزر». رواه النسائي بإسناد صحيح (٦). وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «إنها ستفتَح عليكم أرضُ العجم، وستجدون فيها بيوتًا يقال لها: الحمامات، فلا يدخُلْها الرِّجالُ إلا بالأُزُر، وامنعوا النِّساءَ إلا مريضةً أو نُفَساءَ (٧)» رواه أبو داود وابن

стр. 538

ماجه (١). وعن عائشة أنَّ رسول الله ﷺ نهى الرجال والنساء عن الحمَّامات، ثم رخَّص للرجال أن يدخلوها في المآزِر (٢). رواه أحمد وأبو داود وابنماجه والترمذي (٣). وعن عائشة أنَّ نساءً من أهل الشام [١٤٥/أ] أو من أهل حمص دخلن عليها، فقالت: أنتنَّ اللاتي يدخلن نساؤكنَّ الحمَّاماتِ. سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «ما من امرأةٍ تضع ثيابها في غير بيت زوجها إلّا هتكت السِّترَ بينها وبين ربِّها» رواه أبو داود وابن ماجه، والترمذي (٤) وقال: حديث حسن. والحاجة التي تبيحها مع قيام الحاظر: المرض والنفاس، فإنَّ الحمَّام يُذهب الدَّرَن، وينفع البدن. وكذلك الحاجة إلى الغسل من جنابة أو حيض

стр. 539

أو غيره، مع تعذُّره في المنزل، وخشيةِ التضرُّر به لبرد أو غيره. فصل وبناءُ الحمَّام من الآمر والصانع، وبيعُه وشراؤه وكراؤه: مكروهٌ. نصَّ عليه، حتى قال: مَنْ له حمَّام لا يبيعه على أنه حمَّام، يبيعه على أنه عَقار، ويهدِم الحمَّام. وكرِه غلَّته، وإن اشترط على المكتري أن لا يُدخِله أحدًا إلا بمئزر، إذا كان الشرط لا ينضبط (١). وقال فيمَن (٢) بنى حمامًا للنساء: ليس بعَدْل (٣)، لأنه لا يسلم غالبًا من المحرَّمات، مثل نظر العورات وكشفها ودخول النساء. وهذه الكراهة كراهة تنزيه عند كثير من أصحابنا. وقال القاضي: لا يجوز بناؤها وبيعها وإجارتها، كما لم يجُزْ عمل آلة اللهو وبيعُها وإجارتُها، وعملُ أواني الذهب والفضة، وعملُ بيت النار والبيع. وهذا ينبغي أن يُحمَل على بلاد لا يضطرُّون إلى الحمَّامات كالحجاز والعراق [١٤٥/ب] ومصر. فأمّا البلاد الباردة كالشام والجزيرة وإرمينية و [ما] (٤) تشاءَم عنها (٥)، فإنهم لا يقدرون على الاغتسال في الشتاء إلا في الحمَّامات. ولهذا قال عمر: عليكم بالشمس، فإنها حمَّام العرب (٦). ولهذا لما ذكر النبيُّ ﷺ أنها ستفتح بلاد العجم وأنَّ فيها بيوتًا يقال لها: الحمَّامات، لم يأمُرْ بهدمها.

стр. 540

وتُكرَه قراءةُ القرآن فيه. نصَّ عليه، لما روى ابن بطّة بإسناده عن معاوية بن قُرَّة قال: كتب عمر إلى الأشعري: إنَّ عندك بيوتًا يقال لها: الحمَّامات، فلا تقرأ فيها آية من كتاب الله (١). وبإسناده عن علقمة عن عبد الله بن مسعود في القراءة قال: ليس لذلك بُنِيَ (٢). وقال علي بن أبي طالب ﵁: بئس البيتُ الحمَّام! نُزِع من أهله الحياءُ، ولا يُقرأ فيه القرآن. رواه سعيد (٣)، واحتجَّ به إسحاق. ولا بأس بذكر الله فيه، لما روى ابن بطة بإسناده عن إبراهيم أن أبا هريرة دخل الحمَّام، فقال: لا إله إلا الله (٤). وعن بكر بن عبد الله قال: دخلتُ مع عبد الله بن عمر الحمَّام، فضرب يده في الحوض، فقال: نِعم البيتُ هذا لمن أراد أن يتذكَّر! وبئس البيت هذا لمن نزَع الله منه الحياءَ! (٥).

стр. 541

وعن سفيان بن عبد الله قال: كانوا يستحبُّون إذا دخلوا الحمَّام أن يقولوا: يا بَرُّ، يا رحيمُ، مُنَّ، وقِنا عذابَ السَّموم (١). وأما السلام فيه، فقال أحمد: لا أعلم أني سمعتُ فيه شيئًا (٢). وكرهه أبو حفص والقاضي وابن عقيل، لما روى ابن بطَّة بإسناده عن الحسن بن علي ﵄ قال: ليس في الحمَّام سلام [١٤٦/أ] ولا تسليم (٣). ورخَّص فيه بعضُهم، لأنه كالذكر وأولى منه، ولأنه أشبه الخلاءَ من حيث هو مظنَّةُ ظهورِ العورات وصبِّ الأقذار والنجاسات، ومحتضَرُ الشياطين. قال العباس بن عبد الرحمن بن مِينا: قال إبليس: يا ربِّ اجعل لي بيوتًا. قال: بيوتك الحمامات. رواه إبراهيم الحربي (٤). وفارقه من حيث وجود الاستتار فيه وتطهُّره من الأوساخ، فمُنِع من القراءة فيه، دون الذكر، لأنها أعظم حرمةً منه. ولذلك مُنِعَها الجنبُ. وأما ماؤها (٥) إذا كان مسخَّنًا بالنجاسة، فقد تقدَّم حكمه. وإن كان مسخَّنًا بالطاهر فلا بأس به. قال الخلال: ثبت عن أصحاب أبي عبد الله ــ يعني: في روايتهم عنه ــ أنه

стр. 542

يجزئ أن يُغتسَلَ به، ولا يغتسَلُ منه (١). قال الإمام أحمد ﵁: ماء الحمام عندي طاهر (٢). وقال أيضًا: هو بمنزلة الماء الجاري (٣). وقال أيضًا: لا بأس بالوضوء من ماء الحمام (٤). وقال أيضًا: يجزئه ماء الحمام، وفي هذا اختلاف. وروى حنبل بإسناده عن إبراهيم أن أصحاب عبد الله كانوا لا يغتسلون من ماء الحمام، وكان أصحاب علي يغتسلون منه (٥). قال أبو عبد الله: أذهب إلى فعل أصحاب عبد الله. وقال في رواية أخرى: إذا كان يوقد بالعَذِرة لا تدخُلْه إلا إذا دخلتَ فخرجتَ يكون لك ما تصبُّه عليك. وهذا مبنيّ على ما تقدَّم، فإنه إذا سُخِّن بالطاهرات، وجرى في موضع طاهر، فلا وجه للكراهة. [١٤٦/ب] وإن سُخِّن بالنجاسات مع وثاقة الحاجز بين النار والماء، فكلامه هنا يقتضي روايتين، لأنه كرهه في رواية، وذكر الاختلافَ في رواية (٦)

стр. 543

أخرى، واختار الرخصة. ومن أصحابنا من يحمل الرخصة على ما إذا كان الوقود طاهرًا، والكراهة في الوقود النجس. ومن كرهه فلكراهته سببان: أحدهما: كونه مسخَّنًا (١) بالنجاسات. والثاني: كونه ماءً قليلًا تقع فيه يدُ الجنب، وذلك مختلف في نجاسته وفي طهوريته، وربما كانت اليد نجسة. وقد احتاط لذلك فقال: يأخذ من الأنبوبة، ولا يُدخل يده إلا طاهرة (٢). وقال أيضًا: من الناس من يشدِّد فيه، ومنهم من يقول: هو بمنزلة الماء الجاري لأنه يُنزَف ويخرج الأول فالأول (٣). وإنما احتاط بذلك، لأنَّ من الناس من يجعله كالماء الدائم، وذلك يصير مستعملًا بوضع الجنُب يدَه فيه، في إحدى الروايتين. ومن أصحابنا من علَّل ذلك بخوف نجاسة اليد. فأما ما يأخذه من الأنبوبة فإنه جارٍ بلا تردُّد. ومذهبه أن الجميع كالماء الجاري إذا كان فائضًا. وكذلك المياه التي تجتمع في البِرَك ونحوها وتفيض (٤) من بعض جوانبها، وذلك لأن ذلك الماء يُنزَف، وكلَّما خرج شيء ذهب شيء. ولهذا لو كان متغيِّرًا بشيء من الطاهرات والنجاسات زال التغيُّر بعد زمان يسير، فأشبه الحفائر التي تكون في أثناء الأنهار الصغار والكبار.

стр. 544

[١٤٧/أ] باب التيمُّم التيمم في اللغة: القصد. يقال: يمَّمتُ الشيء، وتيمَّمتُه، وتأمَّمتُه: أي قصدتُه. ومنه: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. فلمَّا قال سبحانه: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا﴾ [النساء: ٤٣] خُصَّ في عرف الخطاب الشرعي بِتيمُّمِ (١) الصعيد لمسح الوجه واليد، وغلب حتى صار المسحُ نفسه يسمَّى تيمُّمًا، وغلب على ألسنة الفقهاء: «تيمَّمتُ (٢) الصعيد» بمعنى تمسَّحتُ بالصعيد (٣). والأصل فيه: الكتاب، يقول (٤) تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ في موضعين [النساء:٤٣، المائدة: ٦]؛ والسنّة المستفيضة، وإجماع الأمة. وهو مع ذلك من خصائص أمّتنا، فإنّ الله لم يجعل التراب طهورًا إلا لهذه الأمة (٥).

стр. 545

مسألة (١): (وصفته: أن يضربَ بيديه على الصعيد (٢) الطيِّب ضربةً واحدةً، فيمسحَ بهما وجهه وكفَّيه ، لقول رسول الله ﷺ لعمَّار: «إنما (٣) يكفيك هكذا» وضرب بيديه الأرضَ، فمسح بهما وجهه وكفَّيه. وإن تيمَّم بأكثر من ضربةٍ أو مسحَ أكثرَ جاز). في هذه المسألة فصول: أحدها: أن التيمُّم يجزئ بضربة واحدة يمسَح بها وجهَه وكفَّيه, لأنّ الله تعالى قال: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣]. وهذا يحصل بضربة واحدة وتراب واحد، فلا يجب أكثر من ذلك. ولذلك لمّا أمكن غسلُ الفم والأنف بغرفة واحدة، ومسحُ الرأس والأذنين بماء واحد= أجزَآ (٤). فإن (٥) قيل: غبار الضربة الأولى يذهب بمسح [١٤٧/ب] الوجه، قلنا: إنما يجزئ إذا مسح الوجه ببطون الأصابع، فيبقى بطن الراحة لليد؛ أو يمسح

стр. 546

الوجه بالطبقة الأولى من التراب، ويبقى على اليد غبارٌ يمسحها به. فإذا لم يبق غبار لزمه ضربة ثانية، كما إذا لم يبق ماء للاستنشاق ولا بلل للأذن (١). و اليد المطلقة في الشرع: من مفصل الكُوع ، بدليل آية السرقة والمحاربة، وقوله ﷺ : «إذا قام أحدكم من نوم الليل فلا يغمِسْ يده» (٢) وقوله ﷺ : «إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذَكره» (٣). ولأنَّ اليد إمّا أن تكون مشتركةً بين المفاصل الثلاثة، أو حقيقةً في البعض مجازًا في البعض، أو حقيقةً في القدر المشترك. فإن كان الأول فوجوبُ المسح إلى الكوع متيقَّن، وما زاد مشكوكٌ فيه يحتاج إلى دليل. وإن كان الثاني فينبغي أن يكون حقيقةً في اليد إلى مفصل الكوع، لئلا يلزم المجاز في الآيات والأحاديث. ولا ينعكس ذلك، فإنّه (٤) لم يُعْنَ (٥) باليد ما هو إلى مفصل الإبط في خطاب الشرع، وإنما فعلته (٦) الصحابة احتياطًا (٧). وإن كان الثالث فالقدر المشترك هو إلى الكُوع. ولأن اليد عند الإطلاق خلافها عند التقييد، فإمَّا أن يراد بها أقصى ما يسمَّى يدًا، أو أقلُّ ما يسمَّى يدًا؛ والأول باطل، فيتعيَّن الثاني.

стр. 547

فإن قيل: هي مطلقة في التيمُّم، مقيّدة في الوضوء؛ فيُحمل المطلق على المقيّد، لأنهما من جنس واحد وهو الطهارة، ولأنّ المطلق بدل المقيد، فيحكيه. قلنا: إن [١٤٨/أ] سلمناه فإنما يُحمل المطلق على المقيد إذا كان نوعًا (١) واحدًا، كالعتق في الظهار والجماع واليمين على العتق في القتل. وكذلك الشهادة المطلقة في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥] هي من نوع الشهادة المفسَّرة في قوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. والمسحُ بالتراب ليس هو من جنس الوضوء بالماء. ثم قد اختلفا في القدر، فهذا في عضوين وذلك في أربعة. وفي الصفة، فالوضوء يُشرع (٢) فيه التثليث، وهو مكروه في التيمم. والوجه في الوضوء يُغسَل منه باطنُ الفم والأنف (٣) وباطنُ الشعر الخفيف ويخلَّل، وذلك كلُّه مكروه (٤) في التيمُّم. وهذا البدل مبني على التخفيف، فكيف يُلحق بما هو مبنيٌّ على الإسباغ؟ ثم البدل الذي هو مسحُ الخفِّ والعمامة لم يحكِ مُبْدلَه في الاستيعاب مع أنه بالماء، فأن لا يحكيه المسحُ بالتراب أولى. ثم يدل على فساد ذلك أن الصحابة لما تيمَّموا إلى الآباط لم يفهموا حملَ المطلق على المقيَّد هنا، وهم أهل الفهم للّسان.

стр. 548

وقد حقَّق ذلك ما خرَّجاه في «الصحيحين» (١) عن عمّار بن ياسر قال: أجنبتُ، فلم أُصِب الماء، فتمعَّكتُ في الصعيد، وصلَّيت. فذكرتُ ذلك للنبيِّ ﷺ فقال: «إنما يكفيك هكذا» وضرب النبيُّ ﷺ بكفَّيه الأرضَ، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفَّيه. وفي لفظ الدارقطني (٢): «إنما يكفيك أن تضربَ بكفَّيك في التراب، ثم تنفخَ فيهما، ثم تمسحَ بهما وجهَك وكفَّيك إلى الرُّصْغَين (٣)». وعن عمّار بن ياسر أن النبي ﷺ قال في التيمم: «ضربةٌ للوجه والكفين» رواه أحمد وأبو داود [١٤٨/ب]، والترمذي وصححه (٤). قال أصحابنا: والأفضل أن يضرب بيديه الصعيدَ مفرَّجةً أصابعُه، ويمسح ظاهر كفِّه اليمنى بباطن راحته اليسرى، بأن يُمِرَّ الراحة من رؤوس أصابع اليد اليمنى حتى تنتهي إلى الكوع، ثم يمسح ظاهر إبهام اليمنى بباطن إبهام اليسرى، ثم يمسح اليسرى باليمنى كذلك، ويخلِّل بين الأصابع. ولو مسّح الوجه بجميع اليدين، ثم مسَح إحداهما بالأخرى= جاز. وإن لم يبق عليهما

стр. 549

غبار احتاج (١) إلى ضربة أخرى، لأنه لا بدَّ من مسح الوجه واليدين بالصعيد. هكذا ذكر طائفة من أصحابنا، وهو ظاهر المنقول عن أحمد. قال أبو داود (٢): رأيتُ أحمد علَّم رجلًا التيمُّمَ، فضرب بيديه على الأرض ضربةً خفيفةً، ثم مسح إحداهما بالأخرى مسحًا خفيفًا كأنه ينفض منها (٣) التراب. ثم مسح بهما وجهه مرةً، ثم مسح كفَّيه إحداهما بالأخرى. وقال القاضي: لا يجوز أن يمسح وجهه بجميع كفَّيه، لأنه يصير التراب الذي على راحتيه مستعملًا، فإذا مسح به ظهر كفَّيه لم يجزئه. وهذا ضعيف، لأنَّ المستعمل ما وصل إلى الوجه، أمَّا ما بقي (٤) في اليد فليس بمستعمل، كما تقدَّم مثل هذا في الوضوء. الفصل الثاني: أنه إن تيمَّم بضربتين أو بأكثر جاز، لأنّ المفروض في القرآن أن يمسح وجهه ويديه من الصعيد، وقد حصل، كما قلنا في إيصال الطهور إلى أعضاء المتوضئ. وكذلك إن مسح بيديه إلى المرفقين إلى ما فوقهما. لكن يُكره أن يمسح زيادةً على المرفقين، أو يمسح بثلاث ضربات مع الاكتفاء بما دونهما. فأمَّا المسحُ بضربتين [١٤٩/أ] فهو (٥) أفضل عند القاضي (٦) وغيره من أصحابنا لوجهين:

стр. 550

أحدهما: أن ذلك متفق على جوازه، وما دونه مختلَف فيه خلافًا ظاهرًا؛ والأخذُ بالمتفق عليه أولى من المختلف فيه. الثاني: أنَّ ذلك قد روي عن النبي ﷺ من حديث أبي الجُهيم (١) وعبد الله بن عمر (٢) وجابر (٣) والأسلع (٤) قولًا وفعلًا: أنّ التيمُّم ضربةٌ

стр. 551

للوجه وضربةٌ للذراعين إلى المرفقين. رواهن الدارقطني وغيره. وروي عن أبي أمامة أيضًا (١)، وهي وإن ضعفت، فقد تعدَّدت طرقها. والعملُ بالضعاف في الفضائل جائزٌ، مع أن ابن عمر كان يتيمَّم بضربتين (٢). والمنصوص عن أحمد: أنَّ السنَّة ضربةٌ واحدةٌ للوجه والكفَّين (٣). قال: ومن قال: ضربتين، فإنما هو شيء زاد من فِعله، ولا حرج عليه (٤). وقال أيضًا: إن فعَلَ لا يضُرُّه. وهذا (٥) اختيارُ كثير من أصحابنا، كما ذكره الشيخ ﵀، لأنه (٦) هو الذي صحَّ عن النبي ﷺ ، وهو المفسِّر لكتاب الله، والمعبِّر عنه. وسائر الأحاديث ضعيفة لا يجوز إثباتُ الأحكام والعدولُ عن السنة الثابتة بمثلها. قال الخلال: الأحاديث في ذلك ضعيفة جدًّا (٧). ثم هو قولٌ عليه الصحابة

стр. 552

مثل: علي (١) وعمار (٢) وابن عباس (٣). ثم هو أشبه بمعنى الكتاب والسنة كما ذكرنا، فإنّ التمسُّح بالتراب لا يستحبُّ الزيادةُ فيه على قدر الكفاية، بدليل أنه لا يسَنُّ إطالةُ الغُرَّة فيه، ولا تخليلُ اللحية، ولا الزيادةُ على المرَّة منه. وأيضًا فإنَّ [١٤٩/ب] ما أمكن جمعُهما بماء واحد في الوضوء، فهو أفضل من مائين، كالفم والأنف، وكالرأس (٤) والأذن؛ لأنه أقرب إلى القصد، وأبعد عن السرَّف= فما أمكن جمعُهما بتراب واحد أولى. وإذا كان من فقه الرجل قلّةُ ولوعه بالماء، فقلَّةُ ولوعه بالتراب أولى. وأيضًا فإنَّ التمسُّحَ بالتراب في الأصل مكروه، لأنه ملوِّث مغبِّر، بخلاف الماء؛ وإنما استثني منه موردُ العبادة، فالزيادة على الكفاية لا مقتضى له. نعم، أجزنا الضربتين في الجملة، كما أجزنا الغرفتين والمائين في الوضوء؛ لأنّ الضربتين في (٥) مظنّة الاحتياج إليهما، إذ قد لا يكفي التراب الواحد أو لا يمكن (٦) به. وأجزنا المسحَ إلى المرفق، لأنه في الجملة محلُّ الطهارة، مع ما جاء فيه عن ابن عمر وغيره. وهذا القدر يفيد الجوازَ، لا الفضيلة.

стр. 553

وأما الخروج من اختلاف العلماء، فإنما يُفعَل احتياطًا إذا لم تُعرف السنّة ولم يتبيَّن الحق، لأنَّ من اتقى الشبهات استبرأ لعرضه ودينه. فإذا زالت الشبهة وتبيَّنت السنّة، فلا معنى لطلب (١) الخروج من الخلاف. ولهذا كان الإيتار بثلاث مفصولة أولى من الموصولة، مع الخلاف في جوازهما، من غير عكس. والعقيقةُ مستحبة أو واجبة، مع الخلاف في كراهتها. وإشعارُ الهديِّ سنة، مع الخلاف في كراهته، والإجماع على جواز تركه. وفسخ الحج إلى العمرة لمن يريد التمتع أولى من البقاء عليه (٢) اتباعًا لأمر رسول الله ﷺ ، [١٥٠/أ] مع الخلاف الشائع في جواز ذلك. وإعطاءُ صدقة الفطر لمسكين واحد أفضلُ، مع الخلاف في جوازه. وتركُ القراءة للمأموم في صلاة [الجهر] (٣) أفضل، بل قراءتها (٤) له مكروهة على المشهور، مع الخلاف في الإجزاء. وتفرقةُ (٥) صدقته بنفسه أفضل مع الخلاف في جوازه في الأموال (٦) الظاهرة. وأمثال ذلك كثيرة. وأما الأحاديث المأثورة فهي ضعيفة، على ما هو مبيَّن في موضعه. والعملُ بالضِّعاف إنما يُشرع في عمل قد عُلِم أنه [مشروع] (٧) في الجملة،

стр. 554

فإذا رُغِّب فيه في بعض أنواعه لحديث ضعيف عُمِلَ به. أمَّا إثباتُ سنّة، فلا. ثم إن صحَّت هذه الأحاديث فإنما تفيد الجواز فقط، إذ أقصى ما في الباب أنَّ كلتا الصورتين (١) قد صحَّت عن النبي ﷺ ، وما كان أقرب إلى القصد فهو أفضل في هذا الباب، كما تقدَّم. ولعله ﷺ إنما قصد بذلك نفيَ شرع الزيادة على المرفق، فإنَّ اليد لمَّا كانت مطلقة، وقد توهم أنَّ مسحها إلى الإبط مشروع، بيَّن أن أقصى ما يمسَح منها إلى المرفق، وأنَّ محلَّ التيمم لا يزيد على الوضوء. ولعل ذلك كان في أول ما شُرع التيمُّم، ففي حديث عمار بن ياسر أن رسول الله ﷺ نزل بأولات الجيش (٢)، ومعه عائشة زوجه، فانقطع عقدٌ لها من جَزْعِ ظَفار، فحبس الناسَ ابتغاءُ عِقدها ذلك حتى أضاء الفجر، وليس مع الناس ماء، فأنزل الله تعالى على رسوله رخصةَ التطهير [١٥٠/ب] بالصعيد الطيِّب. فقام المسلمون مع رسول الله ﷺ ، فضربوا بأيديهم الأرضَ، ثم رفعوا أيديهم، ولم ينفُضوا من التراب شيئًا، فمسحوا وجوههم وأيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الآباط. رواه أحمد وأبو داود والنسائي (٣).

стр. 555

فإمَّا (١) أن يكونوا فعلوا ذلك بغير أمره، فنهاهم عما يقبل النهي، وهو الزيادة على الوضوء، [و] (٢) الجائز لا يُنهى عنه. أو يكونوا فعلوه بأمره، ثم نُسِخَ (٣) إلى الكوع. يؤيد ذلك ما روى ابن ماجه (٤) عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة (٥) عن عمار بن ياسر حين تيمَّموا مع رسول الله ﷺ قال: فأمَر المسلمين، فضربوا بأكفِّهم الترابَ، ولم يقبضوا من التراب شيئًا، فمسحوا بوجوههم مَسْحةً واحدةً، ثم عادوا، فضربوا بأكفِّهم الصعيدَ مرةً أخرى، فضربوا (٦) بأيديهم. ثم بعد ذلك جاء حديث عمار الذي ذكرناه، لأنه اعتقد أن التراب يوصل إلى محلِّ الماء، وأنَّ الذي عملوه أولًا هو تيمُّم المحدث، وأنّ تيمُّمَ الجنب

стр. 556

يعُمُّ البدنَ كما يعمُّه الماء، فتمعَّك بالتراب، فبيَّن له النبيُّ ﷺ صفة التيمم. وكان ذلك آخرَ الأمرين، وبه كان يقول عمار بعد وفاة رسول الله (١) ﷺ . وإذا تيمم بالضربتين فالأفضل له (٢) أن يمسح بالضربة الأولى جميعَ وجهه الذي يجب غسلُه في الوضوء، ومما لا يشقُّ؛ وبالثانية يديه إلى المرفقين، فيضع بطون أصابع يده اليسرى على ظهر أصابع يده اليمنى، ويُمِرُّها إلى [١٥١/أ] ظهر الكف. فإذا بلَغ إلى الكوع قبَض بأطراف أصابعه على حرف الذراع، ويُمِرُّها إلى مرفقه، ثم يُدير بطنَ ذراعه ويُمِرُّه عليه، ويرفع الإبهام، فإذ بلغ الكوع أمرَّ الإبهامَ على ظهر إبهام يده اليمنى، ثم يمسح اليسرى باليمنى كذلك، ويمسح إحدى الراحتين بالأخرى، ويخلِّل الأصابع. والأقطعُ من الكوع يمسح بالتراب موضعَ القطع، في المنصوص من الوجهين كالوضوء. وإن كانت مقطوعة من الذراع مسحَ موضع القطع أيضا، نصَّ عليه. قال القاضي: يستحبّ ذلك (٣)، لأنه موضع الإسباغ في الوضوء. الفصل الثالث: أنه يجب استيعابُ محلِّ الفرض لقوله تعالى: ﴿بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة: ٦] ولقول النبي ﷺ : «فتمسح بهما (٤) وجهَك وكفَّيك» (٥).

стр. 557

وهذا يزيح ما لعله يُتوهَّم في الباء من تبعيض. فأما ما يشقُّ إيصال التراب إليه كباطن الشعور الخفيفة والكثيفة، فلا؛ لما فيه من المشقة، ولأن الواجب ضربة أو بعض ضربة للوجه، وبذلك لا يصل التراب إلى أثناء الشعر. ويجب عليه أن ينقل الصعيد إلى الوجه واليد. فإن نسفَتْه الريح بغير قصد العبادة على وجهه ويديه، ثم نوى، ومسح وجهه بما عليه، ويديه بما عليهما= لم يجزئه، بخلاف مسح الرأس، على إحدى الروايتين؛ لأن الله تعالى أمره أن يقصد الصعيد وأن يمسَح به، ولم يأمره في الوضوء إلا بالمسح. فإن نقل ما على الوجه إلى اليد أو بالعكس [١٥١/ب] جاز، لأنه تيمَّم الصعيدَ، ومسَح به. وسواء نقله بيده أو بخرقة، في أقوى الوجهين، كما لو نقله غيرُه بإذنه. فإن صمَد للريح حتّى نسفَتْه كان نقلًا في أقوى الوجهين، لأنه بقصده انتقل. ثم هل يجب عليه أن يمسحه بيده أو غيرها؟ فيه وجهان (١): أحدهما: يجب. اختاره الشريف أبو جعفر وغيره، لأنه أوصل الطهور إلى محلِّه، كما لو تمرَّغ في التراب كما فعل عمَّار. والثاني: لا يجوز. وهو أشبه بما رجَّحوه في الوضوء، لأنه لا يسمَّى مسحاً. وكذلك لو وضع يده المغبَّرة على وجهه من غير إمرار، أو ذرى التراب على وجهه. وأما التمرُّغ فإنما يجزئه (٢) في المشهور، لأنه مسحٌ، إذ لا فرق

стр. 558

بين إمرار محلِّ التراب على الوجه أو (١) إمرار الوجه على محلِّ التراب. ولو وضع يده على التراب، فعلِقَ بها من غير ضربٍ، جاز. والترتيب والموالاة واجبان في التيمم كالوضوء عند جماهير أصحابنا. قال أحمد (٢): يبدأ بالوجه ثم الكفَّين في التيمُّم. ومنهم من قال: لا يجب هنا، وإن أوجبناه في الوضوء، لأن التيمم بضربة واحدة جائز. وإذا مسح وجهَه بباطن أصابعه لم يجب عليه أن يمسحه بعد وجهه. بل لو مسح وجهه بجميع باطن يديه، وبقي به غبارٌ يكفي لظاهرهما، لم يُعِدْ مسحَ الباطن بعد الوجه. صرَّح به جماعة من أصحابنا. فقد سقط الترتيب في باطن (٣) اليد، فكذلك في ظاهرها. ووجه المشهور (٤): أن الترتيب سقط في باطن اليد ضرورةً، فإنّا إن أوجبنا مسحه مرَّتين كان [١٥٢/أ] خلاف قاعدة التيمم، فيجب من الترتيب ما يمكن، لقوله: «إذا أمرتُكم بأمر فَأْتُوا منه ما استطعتم» (٥) ولأنَّ مسح باطن اليد لما حصل تبعًا لمسح الوجه سقط الترتيب، كما سقط عن أعضاء الوضوء إذا دخلت (٦) في الغسل تبعًا. على أنَّ قول بعض أصحابنا يقتضي

стр. 559

الترتيب مطلقًا في جميع الكفّ (١) على ظاهر الآية والحديث. فأما الترتيب [في التيمم] (٢) عن الجنابة، فقال القاضي أبو الحسين: يجب فيه الترتيب هنا اعتبارًا بأصله (٣)، ولأنَّ عمارًا لما تمعَّك لم يؤمر بإعادة الصلاة، ولأنه ﷺ قال له: «إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا» ثم ضرب بيديه الأرض ضربةً واحدةً، ثم مسح الشمالَ على اليمين وظاهرَ كفَّيه ووجهه. رواه مسلم (٤). وفي لفظ: ثم مسَح كلَّ واحدة منهما بصاحبتها، ثم بهما وجهَه. رواه أحمد وأبو داود بإسناد صحيح (٥). مسألة (٦): (وله شروط أربعة: أحدها: العجزُ عن استعمال الماء، لعدمِه أو خوفِ الضرر باستعماله لمرضٍ أو بردٍ شديد ، أو خوفِ العطش على نفسه أو ماله أو رفيقه، أو خوفٍ على نفسه أو ماله في طلبه، أو إعوازِه

стр. 560

إلا بثمن كثير). في هذا الكلام فصول: أحدها: أن التيمم إنما يجوز إذا لم يمكن استعمالُ الماء، إمَّا لعدمه حقيقةً أو حُكمًا، وإمّا لضررٍ (١) باستعماله. والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ ... فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] فذكر المريض والمسافر العادم، فهما أغلب الأعذار، وأُلحِقَ المسافرَ المحبوسُ في [١٥٢/ب] مصر ونحوه ممَّن عدِم الماء. والمريضُ مثلُ المجدور والمجروح ممن يتضرَّر باستعمال الماء، وفي معناه من يخاف البرد. وأما من يقدر على استعمال الماء، لكن لا يقدر على تحصيله إلا بضرر في نفسه أو ماله، كمن بينه وبين الماء سبُع أو حريق أو فُسَّاق= فقد أُلحِق بالمريض، لأنه واجدٌ للماء وإنما يخاف الضرر. وربما أُلحِق بالعادم، لأنه لا يخاف الضرر بنفس الاستعمال، وإنما يخاف التضرر في تحصيله فصار كالعادم عن تحصيله لا عن استعماله، وهذا أحسن. فأما من لا ضرر عليه في استعماله، وهو واجدٌ له، فلا يجوز له التيمم، سواء خشي فوتَ الوقت للصلاة أو لم يخشه، إذا كان في الحضر لأنه واجد للماء، ولأنَّ (٢) الوقت الذي يجب فيه أداء الصلاة هو الوقت الذي يمكن فيه فعلُها بشروطها، إلا الجنازة في إحدى الروايتين، لأن ابن عمر فعل ذلك (٣)،

стр. 561

وجاء الإذن فيه عن ابن عباس موقوفًا ومرفوعًا. رواهما الدارقطني (١). ولأنه تيمُّمٌ لِما يكثُر ويخاف فوته غالبًا، فأشبَه ردَّ المسلَّم [عليه] (٢)، كما فعله النبيُّ ﷺ في حديث أبي جهيم (٣) وحديث المهاجر بن قنفذ (٤). والأخرى: لا يتيمَّم لها كغيرها، وهي المنصورة (٥). وأما العيد، فلا يتيمَّم للعيد لأنه يمكن التأهُّب له قبل الذهاب. وأما [ما] (٦) يستحبُّ له الوضوء كردِّ السلام ونحوه، إذا خشي فوتَه إن توضَّأ (٧)، فإنه يتيمَّم له، لأن النبي ﷺ فعل ذلك.

стр. 562

الفصل الثاني (١): أن العاجز عن استعمال الماء [١٥٣/أ] لعدمه قسمان: أحدهما: ما يُعدَم فيه الماءُ كثيرًا، وهو السفر. والثاني: ما يندر فيه عدمُ الماء. فأمّا المسافر، فيتيمَّم في قصير السفر وطويله، في المشهور من المذهب، ولا إعادة عليه لقوله تعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ .. فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]. وسواء كان السفر إلى قرية أخرى، أو أرض من أعمال مصره، كالحرَّاث والحصَّاد والحطَّاب وأشباههم، إذا حضرت الصلاة، ولا ماء معه، ولا يمكنه الرجوع إلى المصر إلا بتفويت حاجته. وفيه وجه: أنه يعيد، لأنه في عمل مصره، بخلاف من كان في عمل قرية أخرى. وسواء أمكنه حملُ الماء لوضوئه، أو لم يمكنه، لأنَّ الاستعداد للوضوء قبل وجوبه لا يجب. وعنه: إنما ذلك إذا لم يمكنه حملُ الماء. فإن أمكنه حملُ ماءٍ لوضوئه وجب عليه، ولم يجُز له التيمُّم. وسواء كان سفرَ طاعة أو معصية، لأنه عزيمة، ولأن التيمُّم لا يختصُّ بالسفر بل يجب حضرًا وسفرًا. ويخرَّج أن يجب عليه الإعادة في سفر المعصية، لأنَّ التيمم رخصةٌ من حيث عدم وجوب القضاء، عزيمةٌ من حيث وجوب فعل الصلاة، فيجمع بين العزيمة ووجوب القضاء المُنْتفي (٢) بسبب الرخصة. وهذا يُشبه ما إذا عَدِم الماءَ بعد الوقت، فإنه عدِمَه بسبب محرَّم. الثاني: كالمحبوس في المصر، وأهلِ بلدٍ قطع الماءَ عدوُّهم، فهذا

стр. 563

يصلِّي بالتيمم. وعنه: لا يصلِّي حتى يجد الماء أو يسافر. اختارها الخلال (١)، [١٥٣/ب] لأن الله إنما أذِن في التيمُّم للمسافر. والصحيح: الأول، لما روى أبو ذرٍّ أن رسول الله ﷺ قال: «الصعيدُ الطيِّب طهورُ المسلم، وإن لم يجد الماء عشرَ سنين. فإذا وجد الماءَ فَلْيُمِسَّه بشَرتَه، فإنَّ ذلك خير». رواه أحمد، والترمذي وصحَّحه (٢). ولأنه عادمٌ للماء، فأشبه المسافر، وإنما خُصَّ بالذكر لأنه إنما يعدَم غالبًا فيه (٣). والمنطوق إذا خرج على الغالب لم يكن له مفهوم مراد. وإذا صلَّى لم يُعِدْ في المشهور من المذهب. ومن قال: يعيد في الأعذار النادرة، مثل عدم الماء والتراب، ومن خشي البرد فتيمَّم= قال: يعيد هنا، لأن القياس يقتضي أن من أخلَّ بشرط من شروط الصلاة أعاد إذا قدرَ عليه، إلا أنه عُفي عنه فيما يكثُر ويشُقُّ، كما قلنا: إنَّ الحائض تقضي الصوم لأنه لا يتكرَّر، ولا تقضي الصلاة لأنها تتكرَّر. ولأنَّ الصلاة المفعولة على وجه الخلل غيرُ مبرئة للذمة في الأصل، وإنما فُعِلت إقامةً لوظيفة الوقت. والصحيح: الأول لأنَّ الله إنما خاطب بصلاة واحدة يفعلها بحسب الإمكان، والشرطُ المعجوز عنه ساقط بالعجز. وفي قوله: «الصعيد الطيّب طهور المسلم» (٤) وقوله: «التراب كافيك» (٥) دليل على أنه يقوم مقام الماء مطلقًا.

стр. 564

فصل ولا يكون عادمًا حتى يطلب الماء بعد دخول الوقت في رَحْله ورُفْقته وما قرُبَ منه. وعنه: لا يجب طلبه إلا إذا غلب على ظنِّه وجودُه، أو رأى أماراتِ وجوده بأن يرى خضرةً أو حفرةً أو ركبًا أو طيرًا يتساقط على مكان؛ لأنه عادمٌ للماء، فجاز له التيمُّم، كما لو طلب. ولأنَّ الأصل عدمُ طلب الماء، ولا أمارةَ تُزيل حكمَ الأصل، فوجب العمل به، كاستصحاب الحال. والمشهور: أنه يجب الطلب إذا رجا وجودَ الماء. فأمَّا إن (١) تيقَّن أن لا ماء، فلا يجب الطلب قولًا واحدًا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ ولا ينفي عنه الوجود إلا بعد سابقة الطلب، كما في قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] وقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩]. ولأن التيمُّم بدلٌ عن غيره، مشروط بعدمه، فلم يجُز إلا بعد الطلب، كالصيام الذي هو بدلٌ عن الرقبة وعن الهدي وعن التكفير بالمال، والقياس الذي هو بدل عن النصّ، والميِّت الذي هو بدل عن المذكَّى. ولأنَّ البدل في مثل هذا إنما أبيح للضرورة، وإنما تستيقن الضرورة بعد الطلب. وصفته أن يفتِّش على الماء في رَحْله، ويسأل رُفقته عن موارده، أو عن ماء معهم (٢) ليبيعوه أو يبذلوه. قال القاضي: سواء قالوا: لو سألتَنا أعطيناك أو منعناك. وفي إلزامه سؤالهم البذل (٣) نظر. ويسعى أمامه ووراءه،

стр. 565

وعن يمينه وعن شماله، إلى حيث جرت عادة السُّفَّار (١) بالسعي إليه لطلب الماء والمرعى. هكذا قال بعض أصحابنا. وقال القاضي (٢): لا يلزمه المشيُ في طلبه وعدولُه عن طريقه، لأنه ليس [١٥٤/ب] في تقدير ما يلزمه من المشي توقيفٌ يرجع إليه، وليس المِيل بأولى من الميلين. واحتجَّ إسحاق (٣) على ذلك بأن ابن عمر لم يكن يعدل إلى الماء، وهو منه [على] (٤) غَلْوةٍ (٥) أو غَلْوتَين. وحمل القاضي قول أحمد، وقد قيل له: وعلى كم يطلب الماء؟ فقال: إن لم يصرفه عن وجهٍ يريده (٦) الميلَ والميلَين. وإن اشتدَّ (٧) عليه الميلان والثلاثة فلا يطلبه (٨). وهذا في السائر. فأما النازل فلا تردُّد أنه يلزمه المشي في طلبه. وإذا رأى نَشَزًا (٩) أو حائطًا (١٠) قصد ذلك، وطلب الماء عنده، فإذا لم يجد الماء حينئذ ظهر عجزه.
следующие страницы →