← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وجاء الإذن فيه عن ابن عباس موقوفًا ومرفوعًا. رواهما الدارقطني (١). ولأنه تيمُّمٌ لِما يكثُر ويخاف فوته غالبًا، فأشبَه ردَّ المسلَّم [عليه] (٢)، كما فعله النبيُّ ﷺ في حديث أبي جهيم (٣) وحديث المهاجر بن قنفذ (٤). والأخرى: لا يتيمَّم لها كغيرها، وهي المنصورة (٥). وأما العيد، فلا يتيمَّم للعيد لأنه يمكن التأهُّب له قبل الذهاب. وأما [ما] (٦) يستحبُّ له الوضوء كردِّ السلام ونحوه، إذا خشي فوتَه إن توضَّأ (٧)، فإنه يتيمَّم له، لأن النبي ﷺ فعل ذلك.

стр. 562

الفصل الثاني (١): أن العاجز عن استعمال الماء [١٥٣/أ] لعدمه قسمان: أحدهما: ما يُعدَم فيه الماءُ كثيرًا، وهو السفر. والثاني: ما يندر فيه عدمُ الماء. فأمّا المسافر، فيتيمَّم في قصير السفر وطويله، في المشهور من المذهب، ولا إعادة عليه لقوله تعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ .. فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]. وسواء كان السفر إلى قرية أخرى، أو أرض من أعمال مصره، كالحرَّاث والحصَّاد والحطَّاب وأشباههم، إذا حضرت الصلاة، ولا ماء معه، ولا يمكنه الرجوع إلى المصر إلا بتفويت حاجته. وفيه وجه: أنه يعيد، لأنه في عمل مصره، بخلاف من كان في عمل قرية أخرى. وسواء أمكنه حملُ الماء لوضوئه، أو لم يمكنه، لأنَّ الاستعداد للوضوء قبل وجوبه لا يجب. وعنه: إنما ذلك إذا لم يمكنه حملُ الماء. فإن أمكنه حملُ ماءٍ لوضوئه وجب عليه، ولم يجُز له التيمُّم. وسواء كان سفرَ طاعة أو معصية، لأنه عزيمة، ولأن التيمُّم لا يختصُّ بالسفر بل يجب حضرًا وسفرًا. ويخرَّج أن يجب عليه الإعادة في سفر المعصية، لأنَّ التيمم رخصةٌ من حيث عدم وجوب القضاء، عزيمةٌ من حيث وجوب فعل الصلاة، فيجمع بين العزيمة ووجوب القضاء المُنْتفي (٢) بسبب الرخصة. وهذا يُشبه ما إذا عَدِم الماءَ بعد الوقت، فإنه عدِمَه بسبب محرَّم. الثاني: كالمحبوس في المصر، وأهلِ بلدٍ قطع الماءَ عدوُّهم، فهذا

стр. 563

يصلِّي بالتيمم. وعنه: لا يصلِّي حتى يجد الماء أو يسافر. اختارها الخلال (١)، [١٥٣/ب] لأن الله إنما أذِن في التيمُّم للمسافر. والصحيح: الأول، لما روى أبو ذرٍّ أن رسول الله ﷺ قال: «الصعيدُ الطيِّب طهورُ المسلم، وإن لم يجد الماء عشرَ سنين. فإذا وجد الماءَ فَلْيُمِسَّه بشَرتَه، فإنَّ ذلك خير». رواه أحمد، والترمذي وصحَّحه (٢). ولأنه عادمٌ للماء، فأشبه المسافر، وإنما خُصَّ بالذكر لأنه إنما يعدَم غالبًا فيه (٣). والمنطوق إذا خرج على الغالب لم يكن له مفهوم مراد. وإذا صلَّى لم يُعِدْ في المشهور من المذهب. ومن قال: يعيد في الأعذار النادرة، مثل عدم الماء والتراب، ومن خشي البرد فتيمَّم= قال: يعيد هنا، لأن القياس يقتضي أن من أخلَّ بشرط من شروط الصلاة أعاد إذا قدرَ عليه، إلا أنه عُفي عنه فيما يكثُر ويشُقُّ، كما قلنا: إنَّ الحائض تقضي الصوم لأنه لا يتكرَّر، ولا تقضي الصلاة لأنها تتكرَّر. ولأنَّ الصلاة المفعولة على وجه الخلل غيرُ مبرئة للذمة في الأصل، وإنما فُعِلت إقامةً لوظيفة الوقت. والصحيح: الأول لأنَّ الله إنما خاطب بصلاة واحدة يفعلها بحسب الإمكان، والشرطُ المعجوز عنه ساقط بالعجز. وفي قوله: «الصعيد الطيّب طهور المسلم» (٤) وقوله: «التراب كافيك» (٥) دليل على أنه يقوم مقام الماء مطلقًا.

стр. 564

فصل ولا يكون عادمًا حتى يطلب الماء بعد دخول الوقت في رَحْله ورُفْقته وما قرُبَ منه. وعنه: لا يجب طلبه إلا إذا غلب على ظنِّه وجودُه، أو رأى أماراتِ وجوده بأن يرى خضرةً أو حفرةً أو ركبًا أو طيرًا يتساقط على مكان؛ لأنه عادمٌ للماء، فجاز له التيمُّم، كما لو طلب. ولأنَّ الأصل عدمُ طلب الماء، ولا أمارةَ تُزيل حكمَ الأصل، فوجب العمل به، كاستصحاب الحال. والمشهور: أنه يجب الطلب إذا رجا وجودَ الماء. فأمَّا إن (١) تيقَّن أن لا ماء، فلا يجب الطلب قولًا واحدًا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ ولا ينفي عنه الوجود إلا بعد سابقة الطلب، كما في قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] وقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩]. ولأن التيمُّم بدلٌ عن غيره، مشروط بعدمه، فلم يجُز إلا بعد الطلب، كالصيام الذي هو بدلٌ عن الرقبة وعن الهدي وعن التكفير بالمال، والقياس الذي هو بدل عن النصّ، والميِّت الذي هو بدل عن المذكَّى. ولأنَّ البدل في مثل هذا إنما أبيح للضرورة، وإنما تستيقن الضرورة بعد الطلب. وصفته أن يفتِّش على الماء في رَحْله، ويسأل رُفقته عن موارده، أو عن ماء معهم (٢) ليبيعوه أو يبذلوه. قال القاضي: سواء قالوا: لو سألتَنا أعطيناك أو منعناك. وفي إلزامه سؤالهم البذل (٣) نظر. ويسعى أمامه ووراءه،

стр. 565

وعن يمينه وعن شماله، إلى حيث جرت عادة السُّفَّار (١) بالسعي إليه لطلب الماء والمرعى. هكذا قال بعض أصحابنا. وقال القاضي (٢): لا يلزمه المشيُ في طلبه وعدولُه عن طريقه، لأنه ليس [١٥٤/ب] في تقدير ما يلزمه من المشي توقيفٌ يرجع إليه، وليس المِيل بأولى من الميلين. واحتجَّ إسحاق (٣) على ذلك بأن ابن عمر لم يكن يعدل إلى الماء، وهو منه [على] (٤) غَلْوةٍ (٥) أو غَلْوتَين. وحمل القاضي قول أحمد، وقد قيل له: وعلى كم يطلب الماء؟ فقال: إن لم يصرفه عن وجهٍ يريده (٦) الميلَ والميلَين. وإن اشتدَّ (٧) عليه الميلان والثلاثة فلا يطلبه (٨). وهذا في السائر. فأما النازل فلا تردُّد أنه يلزمه المشي في طلبه. وإذا رأى نَشَزًا (٩) أو حائطًا (١٠) قصد ذلك، وطلب الماء عنده، فإذا لم يجد الماء حينئذ ظهر عجزه.

стр. 566

قال القاضي وابن عقيل وغيرهما من أصحابنا: ولا يعتدُّ بطلبه قبل الوقت، بل يلزمه إعادة الطلب في وقت كلِّ صلاة (١)، لأنَّ طلب الماء شرط لصحة التيمم، فلا يصحُّ في وقت لا يصحُّ فيه التيمم، و (٢) لأنه في وقت كلِّ صلاة مخاطب بقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ (٣) [المائدة: ٦]، وذلك لا يلزمه إلا بعد الطلب. وهذا إنما يكون مع الطمع بحصول الماء. فأمَّا مع اليأس، فلا. وإذا كان معه ماء، فأراقه قبل الوقت، صلَّى بالتيمُّم، لأنه لم يكن وجب عليه الوضوء؛ نصَّ عليه. وإن أراقه بعد دخول الوقت، أو مرَّ بماء في الوقت فلم يتوضَّأ، مع أنه لا يرجو وجود ماء آخر؛ فقد عصى بذلك. فيتيمَّمُ ويصلِّي، ويُعيدُ في أحد الوجهين؛ لأنه فرَّط بترك المأمور به. ولا يعيد في الآخر، كما لو كسر ساقه فعجز عن القيام، أو مزَّق ثوبه فصار عاريًا. وكذلك لو وهبه بعد دخول الوقت أو باعه [١٥٥/أ] لم يصحَّ في أشهر الوجهين، لأنه قد تعيَّن صرفُه في الطهارة. ولا يصح تيمُّمه إلا أن يكون بعد استهلاكه، ففيه الوجهان. وإذا نسي الماء في رحله وصلَّى بالتيمم لزمه الإعادة. وكذلك إن جهل (٤) بموضع ينسب فيه إلى التفريط، مثل أن يكون بقربه بئرٌ [أو ماءٌ] (٥)

стр. 567

أعلامُه ظاهرة، لأنه شرط فعليٌّ يتقدَّم الصلاة، فلم يسقط بالنسيان كالسترة؛ ولأنه (١) تطهير واجب، فلم يسقط بالنسيان (٢)؛ كما لو نسي بعض أعضائه، أو انقضت مدةُ المسح ولم يشعر. وهذا لأن النسيان والجهل إذا كان عن تفريط، فإنه قادرٌ على الاحتراز منه في الجملة؛ ولهذا يقال: لا تنسَ. وإن أضلَّ راحلته، أو أضلَّ بئرًا كان يعرفها، ثم وجدها، فلا إعادة عليه. وقيل: يعيد. وقيل: يعيد في ضلال البئر، لأن مكانها واحد. وإن كان الماء مع عبده، أو وضَعه في رَحْله من حيث لا يشعر، أعاد في أقوى الوجهين. الفصل الثالث: إذا كان واجدُ الماء يخاف إن استعمله أن يعطَش هو، أو أحد من رفقته، أو بهائمه، أو بهائم رفقته المحترمة= فإنه يتيمَّم. قال الإمام أحمد ﵁: عدَّة من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يتيمَّمون، ويحبِسون الماءَ لشفاههم (٣). فأما البهائم التي يشرع قتلها، كالخنزير، والكلب الأسود البهيم (٤)، والكلب العَقور؛ فلا يُحبَس لها الماء. ثم إن كان هو العطشان، أو يخاف العطشَ على نفسه أو بهائمه أو من يلزمه نفقتُه، وجب [١٥٥/ب] تقديمُ الشرب، لأنه (٥) من الحوائج الأصلية الواجبة،

стр. 568

فتقدَّمُ على العبادات؛ كما تقدَّمُ نفقةُ النفس والأقارب المتعيِّنة على الحجِّ. وإن كان العطشان رفقته أو بهائمه (١)، فالأفضل حبسُ الماء لهم. وهو واجب في أحد الوجهين، اختاره الشريف أبو جعفر وابن عقيل وغيرهما. وفي الآخر: لا يجب. قاله أبو بكر والقاضي لأنه محتاج إليه (٢). وقد قال أحمد: إذا كان معه إداوة فيها ماء، فرأى قومًا عطاشًا، فأحَبُّ إليَّ أن يسقيهم ويتيمَّم (٣). وقد صرَّح القاضي بأنّ ذلك لا يجب [إلا] إن خيف (٤) عليهم التلف. والصواب أن يُحمَل كلام أحمد وأبي بكر على عطش لا يُخاف معه التلف. وقيل: إنما الوجهان فيما إذا خيف أن يعطَشوا. فأما العطش الحاضر فيجب تقديمُ سقيهم له وجهًا واحدًا. ولا فرق بين أن يكون العطشانُ (٥)، أو المخوفُ عطشُه (٦) رفيقَه المزامِل، أو أحدًا (٧) من أهل القافلة، أو من غيرهم؛ لأنَّ ذلك إنما كان لحرمة الآدميّين والبهائم، وهي لا تختلف بالمرافقة وعدمها. وكذلك البهائم المباحة المحترمة فإنّ في سقيها أجرًا وثوابًا.

стр. 569

ولو كان معه ماءان: نجس وطاهر، و هو عطشان، شرب الطاهر، وتيمَّم، ولم يشرب النجس. فإن خاف العطش فهل يتوضَّأ بالطاهر ويحبس النجسَ، أو يتيمَّم ويحبس الطاهر؟ على وجهين. الفصل الرابع: إذا كان يخاف على نفسه أو ماله في طلبه، بأن يكون بينه وبين الماء عدوٌّ أو سبعٌ، أو (١) يخاف أنه إن طلبه [١٥٦/أ] انقطع عن رفقته، أو ضياعَ أهله أو ماله، أو شرودَ دوابِّه= جاز له التيمُّم. إذا كان للخوف ٠ سبب مظنون، وإن لم يعلم وجوده، فأمَّا إن كان جُبْنًا (٢) لزمه الوضوء. وإن (٣) رأى سوادًا فظنَّه عدوًّا أو سبُعًا، فتيمَّم وصلَّى، ثم تبين بخلافه، فلا إعادة عليه (٤) في أقوى الوجهين، لكثرة البلوى بذلك، بخلاف صلاة الخوف. فإن لم [يَخَف] (٥) شيئًا من [ذلك] وقد دلّه على الماء ثقة، لزمه طلبه قولًا واحدًا، كما لو تيقَّنه لأنَّ الماء غلب هنا الظنُّ بوجوده (٦). ثمّ لا يخلو إمَّا أن يكون المكان قريبًا أو بعيدًا، و (٧) على التقديرين فإمَّا أن يمكنه الوضوءُ منه

стр. 570

والصلاةُ في الوقت وقتِ الاختيار، أو يخاف إن طلبه أن يفوت الوقت. فأما إن كان قريبًا ويمكنه الصلاة به في الوقت لزمه قصدُه قولًا واحدًا. وإن كان بعيدًا يخشى إن طلبه أن يفوت الوقتُ لم يجب عليه طلبهُ، ولم يجز له تأخير الصلاة حتى تفوت قولًا واحدًا. وإن كان بعيدًا ويمكنه (١) الصلاة به في الوقت، من غير ضرر ولا مشقة كثيرة، بأن يكون في طريقه أو في مقصده، وجب قصدُه أيضًا في إحدى الروايتين، لأنه قادر على تأدية فرضه بالماء في الوقت من غير ضرر، فأشبه القريبَ. والرواية الثانية: لا يجب قصدُه ولا تأخيرُ الصلاة، بل يصلِّي بالتيمم. هذا هو المشهور في المذهب، لما احتجَّ به الإمام أحمد عن ابن عمر أنه تيمَّم [١٥٦/ب] على رأس ميل أو ميلين من المدينة، فصلَّى العصر، فقدِمَ والشمسُ مرتفعة، فلم يُعِد الصلاة (٢). وعنه أيضًا أنه تيمَّم بمِرْبَد النَّعَم، وصلَّى (٣)، وهو على ثلاثة أميال من المدينة. ثم دخل المدينة (٤)، والشمس مرتفعة، فلم يُعِد (٥). رواهما الدارقطني، ورواه مرفوعًا أيضًا (٦).

стр. 571

ولأنَّ (١) به حاجةً إلى تعجيل الصلاة في أول الوقت لبراءة ذمّته، فلم يجب عليه تأخيرُها. وطردُ ذلك أن نقول (٢) فيمن عجز عن بعض الشرائط والأركان في أول الوقت، وعلم أنه يقدر عليه في آخره: إنَّ له أن يصلِّي بحسب حاله ولأنَّ سبب الرخصة قائم في الحال، فتثبت (٣) به وإن تيقن زواله في المآل (٤)، كالقصر في سفر يعلم أنه يقدَم منه قبل خروج الوقت. وإن كان الماء قريبًا يخاف فوتَ الوقت إن قصَده، أو تشاغل بالوضوء، أو كان الواردون عليه كثيرًا لا تنتهي إليه النوبة حتى يخرج (٥) الوقت، أو كان في بئر إن اشتغل بالاستقاء ونحوه خرج الوقت= تيمَّم في أحد الوجهين، لأنَّ فرضه كان هو التيمُّم، ولم يجد الماء على وجه يمكنه الصلاة به في الوقت، فاستمرَّ حكمُ العدم في حقِّه، كما لو علم أنه لا يجده إلا بعد خروج الوقت وإن كان الوضوء في الوقت لا أثر له لأن الوقت للصلاة. والوجه الثاني: يشتغل بأسباب الوضوء وإن فات الوقت، كما لو كان في الحضر. وإذا خشي دخولَ وقت الضرورة، فهو كما لو خشي خروجَ

стр. 572

الوقت بالكلِّيّة، لأنه لا يجوز التأخير إليه إلا لعذر. فإن أمكنه [١٥٧/أ] الوضوءُ في الوقت، فأخَّر ذلك عمدًا حتى خشي الفوات، فهو كالحاضر، لأنّ فرضه كان هو الوضوء. وهل حدُّ القريب الذي يجب قصدُ مائه (١) ما يتردّد المسافر إليه للرعي أو للاحتطاب (٢) عادةً، أو الفرسخ فما دونه كالجمعة، أو الميل فما دونه؟ على ثلاثة أوجه. الفصل الخامس: «أو إعوازه (٣) إلا بثمن كثير» ، وجملة ذلك أنه إذا بُذِل له الماء لطهارته لزمه قبولُه، لأنه قادر عليه، ولا منَّة عليه لذلك في عرف الناس، بخلاف ما إذا بُذِل له ثمنُ الماء، أو بُذِلت له الاستطاعة في الحج. وهو وإن كان ذا ثمن في المفاوز وأوقات الضرورة، فإنما ذلك لمن يحتاجه للشرب، إذ لا بدَّ له في الشرب (٤). فأما للطهارة، فلا ضرورة بأحد إليه لقيام التراب مقامه. ولذلك إذا وجد من يبيعه إياه بثمن مثله (٥) في تلك البقعة، أو مثلها في غالب الأوقات، ووجد ثمنَه فاضلًا عمّا يحتاج إليه في نفقته وقضاء ديونه ونحو ذلك، فإنه يلزمه شراؤه كما يلزمه شراء السُّترة للصلاة، والرقبة للكفارة، والهدي للتمتع. وكذلك إن زيد على ما يتغابن به الناس بمثله زيادةً

стр. 573

يسيرةً لا تُجحِف بماله. فإن كانت تُجحِفه لم يلزمه شراؤه. وكذلك إن كانت كثيرةً لا تُجحِف بماله في أحد الوجهين. وذكرها القاضي على الروايتين. وفي الأخرى: يلزمه شراؤه وإن كان ثمنه كثيرًا إذا لم يضرَّ ذلك بماله، كما يجب بذلُ ثمن المثل. وهذا معنى قول الشيخ رحمه الله تعالى: «إلا بثمن كثير»، فإنَّ الكثير هو المُجحف أو الذي (١) يزيد على غبن العادة زيادةً كثيرةً. وكذلك الحكم في شِرَى (٢) الهَدْي والرقبة والسُّترة وآلات الحجِّ ونحو ذلك مما يجب صرفُه في العبادات. فإن وجد الثمنَ في بلده ووجد من يبيعه في الذمة لزمه شراؤه عند القاضي، كما يلزمه شراءُ الرقبة في الكفارة لذلك. ولم يلزمه عند أبي الحسن الآمدي (٣)، وغيره كالمتمتِّع إذا عدِم الهَدْيَ في موضعه دون بلده، لأنَّ فرضها متعلِّق بالوقت، بخلاف المكفِّر. الفصل السادس: إذا كان مريضًا مثل المجدور والجريح وغيرهما، وخاف إن استعمل الماء تضرَّر، انتقل إلى التيمُّم للآية ولحديث صاحب الشجَّة (٤). والخوف المبيح: أن يخشى التلف في رواية، لأن ما دون ذلك يجوز الصبرُ عليه لغرض صحيح كالفصد والحجامة. وظاهر المذهب: أنه متى خشي زيادةَ المرض بالألم (٥) ونحوه، أو

стр. 574

تباطؤَ (١) البُروءِ (٢) إن استعمل الماء، جاز له التيمُّم؛ لأنَّ مثله يجوز له الفطرُ في رمضان، وتركُ القيام في الصلاة، والطِّيبُ واللِّباس (٣) والحلق في الإحرام؛ فجاز له تركُ الوضوء بالماء، وأولى. وذلك لأنّ المرض (٤) متى زادت صفته أو مدّته كانت تلك الزيادة بمنزلة مرض مبتدأ (٥)، ولا تجب عبادة يخاف منها المرض. ثمَّ إن كان المخوف هو التلف كفى فيه الظنُّ، كما قلنا في السبع ونحوه. وإن خيف المرضُ فلا بدَّ أن يغلب على الظن تضرُّره [١٥٨/أ] باستعمال الماء، إمّا بقول الطبيب أو نحوه. فأما مجرَّد الاحتمال في أمر يمكن (٦) تلافيه، فلا يلتفت إليه. وكذلك إن كان المرض لا يضرُّه كالصداع، والحمَّى التي يستعمل معها (٧) الماء الحارّ (٨) ونحو ذلك، لأنه إذا أمكنه استعمال الماء البارد أو الحارّ كان كالصحيح. فإن لم يمكنه ذلك بأن يكون عاجزًا عن الحركة إلى الماء، وليس له من يناوله، فهو كالعادم، لكن ينبغي أن يكون بمنزلة من عدِم

стр. 575

الماءَ في الحضر. وإن كان له من يناوله في الوقت فهو كالواجد (١). وكذلك إن خشي خروجَ الوقت قبل مجيء المُناول (٢)، في المشهور. وقيل: ينتظر مجيء (٣) المناول وإن خرج. الفصل السابع: إذا خاف من شدّة البرد فإنه يتيمَّم ويصلِّي لما روى عمرو بن العاص قال: احتلمتُ في ليلة باردة شديدة البرد، في غزوة ذات السلاسل، فأشفقتُ إن اغتسلتُ أن أهلِكَ، فتيمَّمتُ، ثم صليتُ بأصحابي صلاة الصبح. فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ذكرتُ ذلك له، فقال: «يا عمرو صلَّيتَ بأصحابك، وأنت جنُب؟» قلتُ: ذكرتُ قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [١٥٨/ب] إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]. فضحك رسول الله ﷺ ، ولم يقُل (٤) شيئًا. رواه أحمد وأبو داود والدارقطني، وذكره البخاري تعليقًا (٥).

стр. 576

وعن ابن عباس أنَّ رجلًا في عهد النبي ﷺ احتلم في برد شديد، فاستفتى، فأُفتِيَ أن يغتسل، فمات. فبلغ النبيَّ ﷺ فقال: «قتلوه، قتلهم الله (١)! إنما شفاءُ العِيِّ السؤالُ» رواه حرب (٢). ولأنه إذا خاف المرضَ باستعمال الماء، فهو كما لو خاف زيادته، وأولى. والمخوف هنا إمّا التلف، وإمّا المرض، على ما تقدَّم. فأمّا نفسُ (٣) التألُّم بالبرد، فلا أثر له لأنَّ زمن ذلك يسير؛ وإسباغ الوضوء على المكاره مما يكفِّر الله به الخطايا. ومتى أمكنه تسخين الماء واشتراؤه بثمن المثل ــ كما تقدَّم ــ أو الدخول إلى الحمّام بالأجرة لزمه ذلك، لأنّ قدرته على الماء الحارِّ كقدرة المسافر على الماء المطلق (٤). وكذلك إن وجد من يُقرضه أو يبيعه أو يُكريه بثمن في الذمَّة، وله ما يوفيه بعد خروج الوقت، لأن زمن ذلك يسير؛ بخلاف المسافر في أحد (٥) الوجهين، لأنَّ المدة تطول ويخاف تلفَ المال وبقاءَ الذمَّة مشغولةً (٦). وكذلك إن أمكنه أن يغتسل عضوًا عضوًا، وكلَّما غسل شيئًا ستَره.

стр. 577

وإذا صلَّى بالتيمم لخشية البرد، فلا إعادة عليه (١) في ظاهر المذهب. وعنه: يعيد لأنه عذر نادر [١٥٩/أ] غير متصل. وعنه: يعيد في الحضر دون السفر، لأن الحضر مظنَّة دفعِ البرد بالأكنان والمياه الفاترة، فالندرة فيه محقَّقة؛ بخلاف السفر فإنه يكثر فيه البرد خصوصًا في البلاد الباردة. وحديثا عمرو وابن عباس حجة على عدم الإعادة، فإنه لم يُعِدْ، ولم يأمره النبي ﷺ بالإعادة ولا لأحد صلَّى خلفه، وقد أقرَّه على تعليله بخشية الضرر، وهي علّة تجمع المقيم والمسافر؛ ولأنه فعَل العبادة بحسب قدرته، فلم يلزمه الإعادة، كالمريض والمسافر. والفرق بين العذر النادر والغالب فيما رجع إلى الإخلال بصفات العبادة لا دليل عليه، وإنما فرِّق بين الصوم والصلاة في الحيض، لأن الحائض تركت الصوم بالكلية. وهؤلاء قد فعلوا المفروض في الوقت، فإذا وجب قضاؤه لزمهم فعلُ العبادة مرَّتين، ولا أصل لذلك يقاس عليه. ثم إن الحائض يجب عليها صوم واحد في وقت القضاء، وهؤلاء يجب عليهم القضاء مع الفريضة في الوقت الثاني، فهم بقضاء الحائض للصلاة أشبه. ومتى أوجبنا عليه الإعادةَ، فالثانية في فرضه (٢) والأولى نافلة، ذكره القاضي (٣)، بخلاف ما لو لم تجب عليه الإعادة، كالمعادة مع إمام الحيِّ، فإن الفرض قد سقط هناك بالأولى. وإنما حُكِم بكون (٤) الأولى نافلةً عند

стр. 578

براءة ذمته بالإعادة. [١٥٩/ب] ويتوجَّه أن يكون كلٌّ منهما فرضًا، وإنما وجب عليه صلاتان لاشتمال كلِّ واحدة (١) على نوع من النقص ينجبر بالأخرى. مسألة (٢): (فإن أمكنه استعمالُه (٣) في بعض بدنه، أو وجد ماءً لا يكفيه لبعض طهارته، استعمله وتيمَّم للباقي) . هنا مسألتان: إحداهما: إذا أمكنه استعماله في بعض بدنه، مثل أن يكون بعضُه صحيحًا وبعضُه جريحًا، أو يمكن الذي يخاف البرد أن (٤) يتوضأ ويغسل مغابنَه وشبَه ذلك، فيلزمه غسلُ ما يقدر عليه في الطهارتين الصغرى والكبرى، لحديث صاحب الشجَّة حيث قال له النبي ﷺ : «إنما كان يكفيه أن يتيمَّم ويعصِرَ ــ أو: يعصِب ــ على جرحه خرقةً، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده» (٥). وفي حديث عمرو أنه غسَل مغابنه، وتوضَّأ وضوءَه للصلاة، ثم صلَّى بهم (٦). وذلك لأن الله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا

стр. 579

اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وقال النبيُّ ﷺ : «إذا أمرتُكم بأمرٍ فَأْتُوا منه ما استطعتم» (١). وهذا يستطيع التطهُّرَ بالماء في بعض بدنه فيلزمه، ويكون التيمُّم عما لم يصبه الماء. ومثلُ ذلك مثلُ من غسَل أكثر أعضائه، ثم انقلب ماءُ طهارته، فإنه يتيمَّم له. هذا إذا لم يمكن غسلُ بقية البدن ولا مسحُه. فإن أمكن مسحُه دون غسله، فعنه: يلزمه المسح، لأنه بعضُ المأمور به فيلزمه، والتيمُّمُ بدلًا عن تمام الغسل. وعنه: يلزمه المسح فقط، لأنه أقرب إلى معنى الغسل، ولأنه [لو] (٢) [١٦٠/أ] كان عليه حائل أجزأه مسحُه فمسحُ البشرة أولى. وعنه: يلزمه التيمُّم فقط، لأن الفرض هو الغسل وقد عجز عنه، فينتقل إلى بدله. وهذه (٣) اختيار القاضي وغيره من أصحابنا. فإن كان الجرح نجسًا أو عليه (٤) لصوق أو عِصابة أو جبيرة، فقد تقدَّم حكمها. الثانية: إذا وجَد ما لا يكفيه لجميع طهارته، فإنه يستعمله، ويتيمَّم لما لم

стр. 580

يصبه الماء في الغسل والوضوء في أحد الوجهين. وفي الآخر، وهو قول أبي بكر (١): يستعمل الجنُب ما وجد دون المحدِث، لأن الجنب يرتفع حدثه عمّا غسَله. وإذا وجد بعد ذلك ماءً غسَل بقيةَ بدنه، لأن الموالاة لا تجب في الغسل؛ بخلاف المحدِث فإنَّ الموالاة واجبة في الوضوء، فلا يستفيد بغسل البعض فائدةً. ولهذا شُرع في الجماع غسلُ بعض بدن الجنب عند النوم والأكل والجماع، ولم يُشرَع غسلُ بعض أعضاء المحدِث. والأول قول أكثر أصحابنا، لما تقدَّم في التي قبلها، ولأنه من شروط الصلاة، فالعجزُ عن بعضه لا يُسقِط الممكَن منه كالسترة وغسل النجاسة. ونقضوا التعليل بالموالاة بما إذا كان بعضُ أعضائه جريحًا وكمن يُحسِن (٢) بعضَ الفاتحة. ثم قد يمكن الموالاة إذا وجد ماءً قبل جفاف الأعضاء. ثم عجزهُ (٣) عن الموالاة إذا (٤) أسقطها لم يسقط (٥) ما هي شرطٌ له، وهو الغسل، كشرائط غيرها (٦). فصل وإذا كان [١٦٠/ب] الماء الذي وجده الجنبُ يكفي أعضاء الوضوء غسَلَها به ناويًا عن الحدثين، فتحصل له الطهارة الصغرى وبعض الكبرى،

стр. 581

كما فعل عمرو، وكما أُمِر به النائم والآكل. وإذا وجد ما لا يكفيه لم يتيمَّم حتى يستعمل الماء، ليتحقَّق العدم الذي هو شرط التيمم، وليتميز (١) المغسول عن غيره ليعلم ما يتيمَّم له. وإن كان بعض أعضائه جريحًا أو مريضًا، فله أن يبدأ إن شاء بالغسل وإن شاء بالتيمُّم في الحدث الأكبر، لأن الترتيب بين أعضاء الجنب لا يجب في طهارته بالماء، فأن لا يجب بين الماء والتراب أولى. وله أن يفصل بين التيمُّم والغسل (٢) بزمن طويل، كما في أصل الغسل. وإن كان في الحدث الأصغر ففيه وجهان (٣): أحدهما: يجب الترتيب والموالاة بين التيمم وما يفعله (٤) من الوضوء، كما يجب في نفس الوضوء. فإذا كان الجرح في وجهه بدأ بالتيمُّم، ثم غسَل بقية الوجه وما بعده. وإن شاء غسَل الممكنَ من الوجه، ثم تيمَّم (٥)، ثم غسَل بقية الأعضاء. وإن كانت الجروح في الأعضاء كلِّها تيمَّم لكلِّ عضو حيث (٦) يُشرَع غسلُه (٧). فإن تيمَّم لها تيمُّمًا واحدًا كان بمنزلة غسلها جملةً

стр. 582

واحدةً، وذلك لا يجوز؛ بخلاف ما لو تيمَّم عن جملة الوضوء، فإنّ التيمم هناك بدلٌ عن جملة الوضوء، وهو طهارة واحدة. وهنا هو بدل عن المتروك غسلُه، وهو أشياء مرتَّبة. ويجب عليه أن يغسل الصحيحَ من أعضائه مع التيمُّم لكلِّ صلاة، لتحصل [١٦١/أ] الموالاةُ بين الوضوء، لأن الترتيب واجب في غسل الموضع الجريح، فكذلك في بدله، لأن البدل يقوم مقام المبدَل. هذا اختيار القاضي وابن عقيل (١). والثاني: لا يجب في ذلك ترتيب وموالاة كتيمُّم الجنب، لأنهما طهارتان مفردتان، فلم يجب الترتيب والموالاة بينهما، وإن اتحد سببُهما (٢) كالوضوء والغسل. ولأنّ التيمُّم لو كان في محلِّ الجرح لكان حريًّا أن لا يجب ترتيبه على [الوضوء] (٣) لأنهما من جنسين، فأن لا يجب ترتيبه مع مشروع في غير محلِّ الجرح أولى (٤). ولأن الترتيب إنما وجب فيما أمر الله بغسله ومسحه، ليبدأ بما بدأ الله به، وهذا الجُرح ليس مأمورًا بغسله ولا مسحه، فلا ترتيب له. ووجوبُ الترتيب له لا يلزم منه الترتيب لبدله، لأن البدل في غير محلِّ (٥) المبدل منه. وهو أخفُّ (٦) منه قدرًا وموضعًا وصفةً،

стр. 583

ومن غير جنسه. ثم فيه من المشقَّة ما ينفيه قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وما لا يمكن غسلُه من الصحيح إلا بانتشار الماء إلى الجريح (١)، حكمُه (٢) حكمُ الجريح، كما قلنا في الجبيرة. فإن أمكنه ضبطُه بحيث لا ينتشر الماء إليه لزمه. وإن لم يمكنه ضبطُه، وقدَر أن يستنيب من يضبِطه، لزمه ذلك؛ وإلّا سقط غسلُه، وأجزأه التيمم. فصل (٣) فإن كان محدثًا عليه (٤) نجاسة، والماء يكفي إحدى الطهارتين= أزال به النجاسة، وتيمَّم، لأن التيمُّم عند الحدث ثابت بالنص [١٦١/ب] والإجماع. حتى لو كانت النجاسة على ثوبه الذي لا يجد غيره، أزالها بالماء في إحدى الروايتين. وفي الأخرى: يتوضأ، ويدع الثوب، وإن لم يتيمَّم له، لأنّ طهارة الثوب مختلَف فيها، والوضوء مجمَع عليه. ولو كانت النجاسة على بدنه وثوبه غسَل الثوبَ، وتيمَّم للبدن. ويتوجه على الرواية الثانية أن يغسل البدن.

стр. 584

[مسألة] (١): (الشرط (٢) الثاني: الوقت، فلا يتيمَّم لفريضة قبل وقتها، ولا لنافلة في وقت النهي عنها) . هذا المشهور في المذهب، لأنَّ الله أمر القائمَ إلى الصلاة بالوضوء، فإن لم يجد الماء تيمَّم. وهذا يقتضي أن لا يتيمَّم إلا بعد القيام (٣) إلى الصلاة وإعواز الماء. وإنما جاز الوضوء قبل الوقت، لأنه يرفع الحدث بخلاف التيمم. و (٤) لأن الآية خطاب للمحدِثين، والمتيمِّم داخل فيهم بخلاف المتوضئ. ولأن التيمُّم طهارة ضرورة، فلم يجُز قبل الوقت، كطهارة المستحاضة. ولأنه حكمٌ مقيَّد بالضرورة فتُقيَّد بقدرها، كأكل الميتة. ولأنه هو مستغنٍ عنه فلم يجُز، كتيمُّم الواجد للماء؛ مع ظاهر قوله ﷺ : «أينما أدركتْني الصلاةُ تمسَّحتُ وصلَّيتُ» (٥)، وقوله ﵇: «أينما أدركَتْ

стр. 585

رجلًا من أمتي الصلاةُ، فعنده مسجده، وعنده طهوره» (١). رواهما الإمام أحمد. وفيه رواية أخرى مخرَّجة، وهي (٢): أنه يجزئ كالماء. وهذا في التيمُّم للصلاة؛ فأمَّا التيمُّم لغير ذلك مما تبيحه الطهارة كالطواف [١٦٢/أ] ومسِّ المصحف، وقراءة القرآن، واللُّبثِ في المسجد، والحائض المنقطع دمُها للوطء= فيجوز في كلِّ وقت يجوز فعلُه فيه، لأنها أفعالٌ تبيحها الطهارة بالماء، فأبيحت بالتراب كالصلاة؛ ولقوله ﵇ (٣): «الصعيدُ الطيِّبُ طَهورُ المسلم إذا لم يجد الماء عشر سنين» (٤). فإذا دخل الوقت جاز له أن يتيمَّم ويصلِّي، سواء غلب على ظنِّه أنه يجد الماء في الوقت أو لم يغلب. ولا إعادة عليه إذا وجد الماء في الوقت، إلّا إذا تيقَّن وجودَ الماء في الوقت، على رواية تقدَّمت، لأنه مخاطب بالصلاة في أول الوقت. وقد روى أبو داود والدارقطني عن أبي سعيد أنّ رجلين من أصحاب النبي ﷺ خرجا في سفر، فحضرت الصلاة، وليس معهما ماء، فتيمَّما صعيدًا طيّبًا، فصلَّيا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما ولم يُعِد الآخر. ثم أتيا رسول الله ﷺ ، فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يُعِد: «أصبتَ السنَّة،

стр. 586

وأجزأتك صلاتك» وقال للذي أعاد: «لك الأجر مرَّتين» (١). ولأنه أدَّى فرضه كما أُمِر، فلم يلزمه إعادة، كما لو وجد الماء بعد الوقت. لكن إن أعاد في الوقت فهو مستحَبٌّ في أحد الوجهين، للحديث الذي ذكرناه؛ ولأن من العلماء من يوجب الإعادة. وفي الآخر: لا تستحبُّ، كما للمستحاضة (٢) إذا انقطع دمها في الوقت بعد الصلاة، وللماسح على الخفين. [١٦٢/ب] فأمَّا إذا وجد الماء بعد الوقت، فلا تشرع الإعادة. والأفضل تأخير التيمم إلى آخر الوقت، وأن لا يزال يطلبه حتى يخاف فوت الوقت. نصَّ عليه، لقول رسول الله ﷺ : «إذا أجنَب الرجلُ في السفر تلوَّم (٣) ما بينه وبين آخر الوقت، فإن لم يجد الماء تيمَّم» رواه أبو حفص (٤). ولأن التأخير جائز من غير كراهة، فإذا كان لتحصيل فضيلة

стр. 587

مرجوَّة كان أفضل، كما لو أخَّره لطلبِ جماعة، أو تخفُّفٍ من الأخبثين، وأولى. وهذا عند أكثر أصحابنا: القاضي (١) وأبي الخطاب وغيرهما (٢) لمن يرجو وجود الماء في آخر الوقت، بحيث يكون طمعه ويأسه متقاربَين. فأمَّا إن يئس من وجوده في غالب الظنِّ فلا يستحَبُّ التأخير. ومنهم من استحبَّ التأخير مطلقًا لأن وجود الماء ممكن. وكلام أحمد مطلق في استحباب التأخير (٣). و إذا تيمَّم للمكتوبة صلَّى صلاة الوقت، وجمَع بين الصلاتين، وصلَّى الفوائت والنوافل والجنازة، حتى يخرج الوقت ، في أشهر الروايات. وفي الأخرى: يتيمَّم لكلِّ فريضة. وقيل: يتيمَّم لكلِّ نافلة أيضًا. وبكلِّ حال، فيستبيح (٤) الطوافَ، وقراءةَ القرآن، ومسَّ المصحف، واللبثَ في المسجد، وكذلك وطء الحائض، في أقوى الوجهين. والثالثة: يصلِّي بتيمُّمه ما لم يُحدِث كالماء. ووجه الأوليين (٥): ما روى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: من السنّة [١٦٣/أ] أن لا يصلِّي بالتيمُّم إلا صلاةً واحدةً، ثم يتيمَّم للصلاة الأخرى (٦).

стр. 588

والصاحب إذا أطلق السنَّة، فإنما يعني سنّة النبيِّ ﷺ . وروى ابن المنذر (١) عن ابن عمر قال: يتيمَّم لكل صلاة. وعن علي قال: التيمُّم عند كلِّ صلاة (٢). وعن عمرو بن العاص قال: يجدِّد لكلِّ صلاة تيمُّمًا (٣). ولم يُعرَف لهم في الصحابة مخالفٌ إلا رواية عن ابن [عباس] (٤) (٥) والمشهور عنه خلافها. ولأنّ الله تعالى أمَر (٦) بالتيمُّم عند القيام إلى الصلاة كما تقدَّم، ولأنّ التيمّم لا يرفع الحدث لأن النبي ﷺ قال لعمرو بن العاص: «أصلَّيتَ بأصحابك، وأنت جنُب؟» (٧) سمَّاه جنبًا مع علمه أنه قد تيمَّم للبرد. ولأن المتيمِّم إذا وجد الماءَ استعمله بحكم الحدث السابق، فلو كان

стр. 589

الحدث قد ارتفع لما عاد إلا بوجود سببه. فمن قال: يتيمَّم لفعل كلِّ صلاة تمسَّك بظاهر هذه الآثار. والصحيح: أنَّ معناه يتيمَّم [عند] (١) كلِّ صلاة من الصلوات المعهودة، و (٢) هي المكتوبات في أوقاتها، لأنه هو (٣) المتبادر إلى الفهم من ذلك (٤). ولهذا قال ابن عباس: «ثم يتيمَّم للصلاة الأخرى»، والتعريف للعهد. ولهذا لا يجب التيمُّم لفعل كلِّ نافلة. و [لو] (٥) وجب (٦) لما قال: «يتيمم للصلاة الأخرى»، بل قال: يتيمَّم للرواتب قبلها وبعدها. وقولُ علي: «عند كلِّ صلاة» تنبيهٌ على الوقت. ولأنّ النوافل تُفعَل بتيمُّم واحد وبتيمم الفريضة، فكذلك الفرائض [١٦٣/ب] في وقت واحد. ولأنَّ طهارة المستحاضة إنما تبطل بخروج الوقت، مع دوام الحدث وتجدُّده، فطهارةُ المتيمِّم أولى. وإذا نوى الجمعَ بين الصلاتين في وقت الثانية صار وقتهما (٧) وقتًا واحدًا، حتى لو تيمَّم في وقت الأولى لها (٨) أو لفائتةٍ (٩) لم يبطل تيمُّمه

стр. 590

بدخول وقت الثانية. وإذا استباح ما تمنع منه الجنابةُ، كقراءة القرآن، واللُّبثِ في المسجد؛ أو حدثُ الحيض كالوطء، بتيمُّمٍ له أو لصلاة= بطل أيضًا بخروج الوقت، في أحد الوجهين اختاره القاضي. وفي الآخر: لا يبطل (١)، كما لا يبطل (٢) بنواقض [الوضوء] (٣)، لأنَّ وقت الصلاة لا تعلُّق له بذلك. ويحتمل أن تبطل إذا استباح ذلك بتيمُّم الصلاة، دون ما استباحه بتيمُّمه. فصل ويجوز أن يجمع بتيمُّم واحد بين طوافين كطواف الإفاضة وطواف منذور، وكذلك بين صلاتي جنازة، ذكره القاضي، كالجمع بين صلاتين في الوقت، وأولى. ويبطل (٤) كذلك بخروج وقت الصلاة، كالتيمُّم للفريضة. وكذلك التيمُّمُ للنافلة مقدَّرٌ بوقت المكتوبة، لأنه إذا بطل بخروج الوقت تيمُّمُ (٥) الفريضة، فما سواه أولى. والمنصوص عن أحمد (٦): أنه إذا صلَّى على الجنازة بتيمُّم، ثم جيء

стр. 591

بجنازة أخرى حين سلَّم من الأولى، صلَّى عليها بذلك التيمُّم. وإن كان بينهما وقت يمكنه فيه التيمّمُ لم يصلِّ على الأخرى حتى يعيد التيمُّم. وهذا لأن التيمُّم للجنازة ونحوها لا يتقدَّر بوقت المكتوبة، [١٦٤/أ] لأنه لا يستبيح به المكتوبة، فالفعل المتواصل في هذه العبادات كتواصل الوقت (١) للمكتوبة. فإذا وجبت الثانية بعد زمن يتَّسع للتيمُّم صارت مستقلّةً بنفسها، وانفصل وقتها عن وقت الأولى، كصلاتي الوقتين. وعلى قياس المنصوص كلُّ ما ليس له وقت محدَّد من العبادات، كمسِّ المصحف (٢) والطواف ونحوهما. وحمل القاضي هذا على الاستحباب، وظاهرُ المنصوص خلافه. فعلى هذا، النوافل الموقّتة كالوتر (٣) والكسوف والسنن الرواتب وصلاة الليل يبطل (٤) [التيمُّمُ لها] (٥) بخروج وقت تلك النافلة. وأمّا النوافل المطلقة، فيحتمل أن تكون كالجنازة ونحوها يعتبر (٦) فيه تواصلُ الفعل، ويحتمل أن يمتدَّ وقتها إلى وقت النهي عن النافلة. فأما إن كان التيمُّم للمكتوبة تعلَّق الحكمُ بوقتها، فيصلِّي فيه ما شاء من جنائز

стр. 592

ونوافل، لأن ذلك على (١) سبيل التبع للمكتوبة. مسألة (٢): (الشرط الثالث: النية. فإن تيمَّم لنافلةٍ لم يصلِّ به فريضة. وإن تيمَّم لفريضةٍ فله فعلُها وفعلُ ما شاء من الفرائض والنوافل حتى يخرجَ وقتها) . أمّا النية في الجملة، فلا بدَّ منها كالوضوء والغسل، وأوكد؛ لأنّ التراب في نفسه ليس بمطهِّر، وإنما يصير مطهِّرًا بالنية، ولأنَّ التمسُّح (٣) بالتراب إذا خلا عن نية كان عبثًا وتغبيرًا محضًا. وقد قيل: لأنه جاء في القرآن بلفظ القصد بقوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]. وهذا [١٦٤/ب] ضعيف، لأن القصد للتراب لا لنفس العبادة. وصفة (٤) النية هنا أن ينوي استباحة فعل من الأفعال التي يمنعها الحدث، كالصلاة ومسِّ المصحف. فأمَّا إن نوى رفع الحدث لم يصحَّ. وخرَّج الأصحاب روايةً: أنه يصحُّ بناءً على أن التيمم كالوضوء في صحة بقائه إلى ما بعد الوقت. وعلى هذا، فصفة نيته كصفة نية الوضوء: إن تيمَّمَ (٥) لما يجب له التيمُّم كالصلاة فرضِها ونفلِها ارتفع المنعُ مطلقًا، وإن

стр. 593

نواه لما تستحَبُّ له النية، ففيه وجهان كالوضوء. ولا يلزم من هذا أن يكون التيمّم رافعًا للحدث، بل يرفع منعَ الحدث، لأن المقصود من رفع الحدث إزالةُ منعه، [و] (١) ذلك موجود هنا، فإذا وجد الماء عاد المنع. والتزم بعض أصحابنا على هذا أنَّ التيمّم يرفع الحدث رفعًا موقّتًا إلى حين وجود الماء، فإذا وجد الماء عاد بموجب السبب السابق، كما نقول: إن تخمُّر العصير يُخرجه من عقد الرهن، فإذا تخلَّل عاد بموجب العقد السابق، وكما قلنا في طهارة مسح الخفَّين على أقوى الوجهين. وقال ابن حامد: إن نوى به استباحةَ الصلاة مطلقًا صلَّى به المكتوبة، وإن تيمَّم لنافلةٍ فلا (٢). والمشهور أنه لا يستبيح بالتيمُّم إلا ما نواه، وما هو مثله أو دونه، لأن النبيَّ ﷺ قال: «وإنما لكلِّ امرئ ما [١٦٥/أ] نوى» (٣)، ولأنّ الحدث قائم لم يرتفع كما تقدَّم، وإنما يبيح التيممُ فعلَ (٤) ما نواه كما تقدَّم. ولا يلزم من إباحة الأدنى إباحة الأعلى. فعلى هذا إذا تيمَّم لصلاة حاضرة، مفروضة أو فائتة أو مطلقة، فعَلَ جميعَ ما سواها، لأنّ الفرضَ أكملُ أنواع الممنوعات بالحدث، المستباحةِ (٥) بالتيمم، ولا فرقَ بين أن تكون واجبة بالشرع أو النذر على مقتضى كلام أصحابنا.

стр. 594

ولا يستبيح (١) فعلَ الفرض إلا بنيَّته (٢). وإذا نوى نافلة الصلاة مطلقةً (٣) أو معيّنةً، فله فعلُ جميع النوافل، والطوافُ: فرضُه ونفلُه، ومسُّ المصحف؛ لأنَّ الطهارة للنافلة أوكد منها لهما (٤)، لاشتراطها للصلاة إجماعًا. ولا يباح فرض الجنازة لأنها واجبة. ولو تيمَّم للجنازة الواجبة أبيحت الصلاة النافلة، لأنها دونها. ويتخرَّج أن (٥) لا يصحَّ، إلا أنَّ أحمد جعل الطهارةَ لنفل الصلاة أوكد منه للجنازة. وإن تيمَّم للطواف أبيح له اللبثُ في المسجد وقراءةُ القرآن. وكذلك ينبغي أن يكون مسُّ المصحف، أو قراءةُ القرآن، أو اللبثُ في المسجد؛ لم يستبح غير ذلك (٦). وقيل: يستبيح بنيّة مسِّ المصحف القراءةَ واللُّبثَ، بخلاف العكس، وكلَّ واحد من القراءة واللُّبث بنيّة الآخر. وهذا أصحُّ، لأنَّ ما اشتُرط له الطهارتانِ (٧) أعلى مما اشتُرط له الطهارة [١٦٥/ب] الكبرى.

стр. 595

وقال القاضي: يستبيح بنيّة مسِّ المصحف [و] (١) قراءة القرآن جميعَ النوافل، لأن جميع ذلك نافلة، فهي في درجة واحدة. ولو تيمَّم الصبيُّ لصلاةٍ، ثمَّ بلَغ، لم يجُز أن يصلِّيها به، لأنه كان لنافلة. وله أن يتنفَّل قبل الفريضة وبعدها. وعنه: ليس له أن يتنفَّل قبلها إلا السنن الرواتب، لئلا يصير النفلُ متبوعًا، بخلاف السنن الرواتب، فإنّ نية الفريضة تتضمَّنها. مسألة (٢): (الشرط الرابع: التراب. فلا يتيمَّم إلا بتراب طاهرٍ، له غبار) . هذه ثلاثة شروط: الأول: أنه لا يتيمَّم إلا بالتراب خاصَّة. وعنه: أنه يجوز بالرمل. وحمَلها القاضي على رملٍ فيه تراب (٣). وأقرَّها بعض أصحابنا على ظاهرها، لما روى أبو هريرة أنّ ناسًا من أهل البادية أتَوا رسولَ الله ﷺ ، فقالوا: إنَّا نكون بالرِّمال الأشهرَ الثلاثةَ والأربعةَ، ويكون فينا الجنُب والنفساء والحائض، ولسنا نجد الماء. فقال: «عليكم بالأرض». ثمَّ ضرَب بيديه على الأرض لوجهه ضربةً واحدةً، ثمَّ ضرَب أخرى (٤) فمسَح يديه إلى المرفقين. رواه

стр. 596

أحمد (١). ووجه الأول: أن الله قال: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]، قال ابن عباس: هو تراب الحَرْث. ولفظه فيما ذكره أحمد (٢): «أطيَبُ الصَّعيد أرضُ الحَرْث». ومعنى أرض الحرث: الأرض [١٦٦/أ] التي يكون فيها الشجر والزرع. قال أحمد: السِّباخ (٣) لا تُنبِت، والحجر لا يُنبِت، والحَرث يُنبِت. وعن حذيفة بن اليمان أن النبيَّ ﷺ قال: «فُضِّلْنا على الناس بثلاث: جُعِلت صفوفُنا كصفوف الملائكة، وجُعِلت لنا الأرضُ مسجدًا، وجُعلت تربتُها لنا طَهورًا، إذا لم نجد الماء» رواه مسلم (٤). فلما خصَّ التربة بالذكر بعد تعميم الأرض بكونها مسجدًا عُلِم اختصاصُها بالحكم. وحديث الرمل ضعيف، لأنّ فيه المثنَّى بن الصبَّاح. ثم إن صحَّ فهو محمول على الرمال التي فيها تراب، لأنَّ [في] لفظٍ (٥) آخر: «عليكم

стр. 597

بالتراب» (١)، فيدلّ على [أنَّ] (٢) الذي في الرمل إنما يتيمَّم (٣) بالتراب، لأن العرب عادتها أن تعزب إلى الأرض التي (٤) لها حشائش رطبة، وإنما تنبت (٥) الحشائش الرطبة في الرمل الذي يخالطه التراب. ولأنَّ الرمل لا يلصق باليد فأشبَه الحصباءَ، ولأن طهارة الوضوء خُصَّت بالنوع الذي (٦) أصلُ المائعات، وكذلك التيمم يُخَصُّ بالنوع الذي هو أصل الجامدات وهو التراب. فأمّا الأرض السَّبِخة، فقد قال أحمد (٧): أرضُ الحَرث أحبُّ إليَّ. وإن تيمَّم من أرضٍ سبِخةٍ أجزأ. وقال أيضًا (٨): من الناس من يتوقَّى السبخة، لأنها تُشبه الملح. وقال أيضًا (٩): لا يُعجبني التيمُّم بالسِّباخ، لأنه لا يثبُت (١٠) في يده

стр. 598

منه شيءٌ يخرج منها إلى غيرها. فمن أصحابنا من جعلها كالرمل، والمذهب: أنها إذا كان لها غبار فهي كالتراب، [١٦٦/ب] وإن لم يكن لها غبار فهي كالرمل؛ وعلى هذا ينزَّل كلام أحمد. فإن عدِم الترابَ وجب عليه التيمُّم بالرمل والسَّبَخة والنُّورة (١) والكُحل والزِّرنيخ (٢) والرَّماد وكلِّ طاهر تصاعَد على وجه الأرض، في إحدى الروايتين، اختارها ابنُ أبي موسى (٣) وغيره، لقوله ﵇: «جُعِلَتْ لي الأرضُ مسجدًا وطَهورًا، فأيُّما رجلٍ من أمتي أدركته الصلاةُ، فعنده مسجدُه وطَهورُه» (٤). ويُحمَل حديثُ حذيفة على حال وجود التراب، والأحاديثُ المطلقةُ على عدمه، لأن النبيَّ ﷺ أخبر أنَّ المسلم لا يزال عنده مسجده وطهوره، وقد يعدَم الترابَ في أرض الرِّمال والسِّباخ وغيرها. ولا إعادة عليه إذا وجد الماءَ أو التُّرابَ في أصحِّ الروايتين، كما لو عدِمَ الماءَ والتَّرابَ، وأولى. وفي الأخرى: يعيد لأنه عذر نادر، ويكون حكمه إذا وجد الترابَ كحكم المتمسِّح بالتراب إذا وجَد الماء، نصَّ عليه. والرواية الثانية: لا يتيمَّم إلا بالتراب. اختارها الخلال (٥) وغيره لأنَّ ما

стр. 599

ليس بطَهور مع وجود التراب لا يكون طهورًا مع عدمه، كالحشيش والملح المائي. فإن خالط الترابَ ما ليس بطهور كالكحل والنُّورة والزِّرنيخ، فخرَّجها القاضي على وجهين: أحدهما، وهو اختيار أبي الخطاب (١): أنَّ حكمَه حكمُ الماء إذا خالطته [١٦٧/أ] الطاهرات: إن لم تغيِّره لم تؤثِّر. وإن غيَّر اسمه وغلَب على أجزائه مُنِع، وإن غيَّر بعضَ صفاته، فعلى روايتَي الماء. والثاني اختاره ابن عقيل وغيره (٢): يُمنَع بكلِّ حال، لأنه ربما حصل في العضو، فمنَع وصولَ التراب إليه؛ إلا أن يكون مما ليس له غبار يعلَق كالشَّعير (٣) وسُحالة (٤) الذهب، فلا يؤثِّر ما لم يمنَع وصولَ غبار التراب إلى جميع اليد. وإذا خالط الرمل التراب، وقلنا: لا يجوز التيمم به؛ فهل يمنع التيمم بالتراب؟ على وجهين ذكرهما القاضي وغيره. الشرط الثاني: أن يكون طاهرًا ، لأنَّ الله تعالى قال ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] والطيِّب هو الطاهر. [ ...................................................

стр. 600

مسألة (١): (ويُبطِل التيمُّمَ ما يُبطِل طهارةَ الماء، وخروجُ الوقت، والقدرةُ على استعمال الماء وإن كان في الصلاة) . ................................................. ] (٢). ووجه الأول: أنَّ نزعَ الخفّين والعمامة يُبطل الوضوء، فيُبطل التيمُّمَ، كسائر النواقض. وهذا لأنَّ الخفَّ تتعدى إليه طهارةُ التيمم حكمًا، كما تتعدّى إلى سائر البدن، لأن المسح على العضوين قائم مقام تطهير الأعضاء الأربعة. فإذا كان عليه خفَّان، فكأنه في الحكم مسَح عليهما. ولأنَّ الحدث قائم بالرِّجلين, وإنما استباح الصلاة بالتيمُّم مع سترهما، إذا ظهرتا ظهر حكمُ الحدث، فيحتاج إلى تيمُّم؛ حتى لو تيمَّم قبل اللبس، ثمَّ خلع لم ينتقض تيمُّمُه. ويزيد التيمُّم على الماء بشيئين: أحدهما: أنَّ خروج الوقت يُبطلها في المشهور، لأنها طهارة ضرورة، فتقدَّر بقدرها، كطهارة المستحاضة. [١٦٧/ب] وقيل: لا تبطل إلا بدخول وقت الصلاة الثانية، لأنه حينئذ يخاطَب بتجديد التيمُّم. فعلى هذا يصلِّي الضحى بتيمُّم الفجر، وقد تقدمت الروايتان الأخريان.
следующие страницы →