← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

أحمد (١). ووجه الأول: أن الله قال: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]، قال ابن عباس: هو تراب الحَرْث. ولفظه فيما ذكره أحمد (٢): «أطيَبُ الصَّعيد أرضُ الحَرْث». ومعنى أرض الحرث: الأرض [١٦٦/أ] التي يكون فيها الشجر والزرع. قال أحمد: السِّباخ (٣) لا تُنبِت، والحجر لا يُنبِت، والحَرث يُنبِت. وعن حذيفة بن اليمان أن النبيَّ ﷺ قال: «فُضِّلْنا على الناس بثلاث: جُعِلت صفوفُنا كصفوف الملائكة، وجُعِلت لنا الأرضُ مسجدًا، وجُعلت تربتُها لنا طَهورًا، إذا لم نجد الماء» رواه مسلم (٤). فلما خصَّ التربة بالذكر بعد تعميم الأرض بكونها مسجدًا عُلِم اختصاصُها بالحكم. وحديث الرمل ضعيف، لأنّ فيه المثنَّى بن الصبَّاح. ثم إن صحَّ فهو محمول على الرمال التي فيها تراب، لأنَّ [في] لفظٍ (٥) آخر: «عليكم

стр. 597

بالتراب» (١)، فيدلّ على [أنَّ] (٢) الذي في الرمل إنما يتيمَّم (٣) بالتراب، لأن العرب عادتها أن تعزب إلى الأرض التي (٤) لها حشائش رطبة، وإنما تنبت (٥) الحشائش الرطبة في الرمل الذي يخالطه التراب. ولأنَّ الرمل لا يلصق باليد فأشبَه الحصباءَ، ولأن طهارة الوضوء خُصَّت بالنوع الذي (٦) أصلُ المائعات، وكذلك التيمم يُخَصُّ بالنوع الذي هو أصل الجامدات وهو التراب. فأمّا الأرض السَّبِخة، فقد قال أحمد (٧): أرضُ الحَرث أحبُّ إليَّ. وإن تيمَّم من أرضٍ سبِخةٍ أجزأ. وقال أيضًا (٨): من الناس من يتوقَّى السبخة، لأنها تُشبه الملح. وقال أيضًا (٩): لا يُعجبني التيمُّم بالسِّباخ، لأنه لا يثبُت (١٠) في يده

стр. 598

منه شيءٌ يخرج منها إلى غيرها. فمن أصحابنا من جعلها كالرمل، والمذهب: أنها إذا كان لها غبار فهي كالتراب، [١٦٦/ب] وإن لم يكن لها غبار فهي كالرمل؛ وعلى هذا ينزَّل كلام أحمد. فإن عدِم الترابَ وجب عليه التيمُّم بالرمل والسَّبَخة والنُّورة (١) والكُحل والزِّرنيخ (٢) والرَّماد وكلِّ طاهر تصاعَد على وجه الأرض، في إحدى الروايتين، اختارها ابنُ أبي موسى (٣) وغيره، لقوله ﵇: «جُعِلَتْ لي الأرضُ مسجدًا وطَهورًا، فأيُّما رجلٍ من أمتي أدركته الصلاةُ، فعنده مسجدُه وطَهورُه» (٤). ويُحمَل حديثُ حذيفة على حال وجود التراب، والأحاديثُ المطلقةُ على عدمه، لأن النبيَّ ﷺ أخبر أنَّ المسلم لا يزال عنده مسجده وطهوره، وقد يعدَم الترابَ في أرض الرِّمال والسِّباخ وغيرها. ولا إعادة عليه إذا وجد الماءَ أو التُّرابَ في أصحِّ الروايتين، كما لو عدِمَ الماءَ والتَّرابَ، وأولى. وفي الأخرى: يعيد لأنه عذر نادر، ويكون حكمه إذا وجد الترابَ كحكم المتمسِّح بالتراب إذا وجَد الماء، نصَّ عليه. والرواية الثانية: لا يتيمَّم إلا بالتراب. اختارها الخلال (٥) وغيره لأنَّ ما

стр. 599

ليس بطَهور مع وجود التراب لا يكون طهورًا مع عدمه، كالحشيش والملح المائي. فإن خالط الترابَ ما ليس بطهور كالكحل والنُّورة والزِّرنيخ، فخرَّجها القاضي على وجهين: أحدهما، وهو اختيار أبي الخطاب (١): أنَّ حكمَه حكمُ الماء إذا خالطته [١٦٧/أ] الطاهرات: إن لم تغيِّره لم تؤثِّر. وإن غيَّر اسمه وغلَب على أجزائه مُنِع، وإن غيَّر بعضَ صفاته، فعلى روايتَي الماء. والثاني اختاره ابن عقيل وغيره (٢): يُمنَع بكلِّ حال، لأنه ربما حصل في العضو، فمنَع وصولَ التراب إليه؛ إلا أن يكون مما ليس له غبار يعلَق كالشَّعير (٣) وسُحالة (٤) الذهب، فلا يؤثِّر ما لم يمنَع وصولَ غبار التراب إلى جميع اليد. وإذا خالط الرمل التراب، وقلنا: لا يجوز التيمم به؛ فهل يمنع التيمم بالتراب؟ على وجهين ذكرهما القاضي وغيره. الشرط الثاني: أن يكون طاهرًا ، لأنَّ الله تعالى قال ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] والطيِّب هو الطاهر. [ ...................................................

стр. 600

مسألة (١): (ويُبطِل التيمُّمَ ما يُبطِل طهارةَ الماء، وخروجُ الوقت، والقدرةُ على استعمال الماء وإن كان في الصلاة) . ................................................. ] (٢). ووجه الأول: أنَّ نزعَ الخفّين والعمامة يُبطل الوضوء، فيُبطل التيمُّمَ، كسائر النواقض. وهذا لأنَّ الخفَّ تتعدى إليه طهارةُ التيمم حكمًا، كما تتعدّى إلى سائر البدن، لأن المسح على العضوين قائم مقام تطهير الأعضاء الأربعة. فإذا كان عليه خفَّان، فكأنه في الحكم مسَح عليهما. ولأنَّ الحدث قائم بالرِّجلين, وإنما استباح الصلاة بالتيمُّم مع سترهما، إذا ظهرتا ظهر حكمُ الحدث، فيحتاج إلى تيمُّم؛ حتى لو تيمَّم قبل اللبس، ثمَّ خلع لم ينتقض تيمُّمُه. ويزيد التيمُّم على الماء بشيئين: أحدهما: أنَّ خروج الوقت يُبطلها في المشهور، لأنها طهارة ضرورة، فتقدَّر بقدرها، كطهارة المستحاضة. [١٦٧/ب] وقيل: لا تبطل إلا بدخول وقت الصلاة الثانية، لأنه حينئذ يخاطَب بتجديد التيمُّم. فعلى هذا يصلِّي الضحى بتيمُّم الفجر، وقد تقدمت الروايتان الأخريان.

стр. 601

الثاني: القدرة على استعمال الماء، إمّا أن يجده إن كان عادمًا، أو يقدر على استعماله إن كان مريضًا، لأن النبي ﷺ قال: «الصعيدُ الطيِّبُ طَهورُ المسلم إذا لم يجد الماء عشرَ سنين. فإذا وجد الماء فَلْيُمِسَّه بَشَرتَه، فإن ذلك خيرٌ»، وقد تقدَّم. ثم إن وجده قبل الصلاة بطل التيمُّمُ قولًا واحدًا. وكذلك إن رأى ما يدلُّ على الماء، أو ظنَّ وجودَ الماء، فإنه يلزمه الطلب، ويبطل تيممُّه في أحد الوجهين. وإن وجده بعد الصلاة بطَل أيضًا، فلا يصلّي به صلاة أخرى. وإن وجده في الصلاة بطل تيمُّمه أيضًا في ظاهر المذهب. وكان قبل ذلك يقول: يمضي فيها ولا يُبطلها (١). فجعل (٢) الخلال وصاحبُه المسألة قولًا واحدًا، لأنَّ الرجوع عنه وجوده كعدمه. وأثبت ابن حامد وغيره المسألة على روايتين، لأنَّ القول الأول قاله باجتهاد، فلا ينتقض باجتهاد ثانٍ؛ بخلاف نسخ الشارع. وكذلك كلُّ رواية عُلِمَ الرجوعُ عنها. وذلك لأنَّ الصلاة حالٌ لا يجب فيها طلبُ الماء، فلا يجب فيها (٣) استعمالُه، كما بعد الفراغ؛ ولأنه عملٌ صحَّ بالبدل، فلا يبطُل بوجود المبدل منه، كحُكم الحاكم [١٦٨/أ] بشهود الفرع، لا يبطُل بوجود شهود الأصل. ولأنه وُجِد المبدَلُ منه بعد الشروع في البدل، فلم يجب الانتقال إليه؛ كما لو

стр. 602

وُجِد الأصلُ [مثل] (١) الهدي بعد الشروع في صوم التمتُّع (٢)، أو الرقبة بعد الشروع في صوم الكفارة. ولأنه لا يتمكن (٣) من الوضوء إلا بإبطال الصلاة، وذلك منهيٌّ عنه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]. ونهى النبيُّ ﷺ الذي يخيَّل إليه الحدثُ في الصلاة أن يخرج منها إلا باستيقان الحدث (٤). فعلى هذا، لو خرج منها لنجاسة أصابته أو غير ذلك لم يكن له أن يعيدها بذلك التيمُّم قولًا واحدًا. فإن لم يجد من الماء إلا ما يكفيه لإزالة النجاسة أعاد التيمُّمَ، لأن الأول قد بطل بطلب الماء. ولو نوى الإقامةَ في الصلاة، ثم رأى الماء، لم تبطل الصلاة بناءً على جواز التيمُّم في الحضر وأنه لا إعادة عليه، قاله القاضي. فعلى هذا إن قلنا: لا يتيمَّم في الحضر أو يعيد، بطلت هنا، لأنها غير معتَدّ بها. والأول (٥) أصحُّ، لقول النبي ﷺ : «الصعيدُ الطيِّبُ طَهورُ المسلم، وإن لم يجد الماء عشرَ سنين، فإذا وجدتَ الماء فأمِسَّه بشرتَك»، وقولِه ﵇ في الحديث: «وجُعِلت لنا تربتُها طهورًا إذا لم نجد الماء» (٦).

стр. 603

فجعله طهورًا بشرط عدم الماء، والحكم المشروط بشرط يزول بزواله. وأمرَ بأن يُمِسَّه بشرتَه إذا وجده، وهذا يعُمُّ [١٦٨/ب] المصلِّيَ وغيرَه، ولو افترق الحكم لبيّنه. ولأنَّ ما أبطل الطهارةَ خارج الصلاة أبطلها في الصلاة، كسائر النواقض. وتقريبُ الشبه أنَّ هذه طهارةُ ضرورة، ورؤيةُ الماء تبطلها خارج الصلاة، فكذلك داخلهَا كانقطاع دم المستحاضة، وانتهاء مدَّة المسح. ولأنّه قد بطل تيمُّمه فلزمه الخروجُ من الصلاة، كما لو كان مقيمًا أو نوى الإقامةَ. والدليلُ على أنّ تيمُّمه بطَل مع قوله: «الصعيدُ الطيِّبُ طَهورُ المسلم إذا لم يجد الماءَ»: أنه لو مضى فيها ولم يفرغ حتى عدم الماء [لم] (١) يجز له أن يتنفَّل حتى يتيمَّم، مع قولنا: يمضي فيها، على أشهر الوجهين. وكذلك في المشهور: لا يجوز له أن يزيد على ركعتين في التنفُّل المطلَق الذي لم ينو به (٢) عددًا. ولأنَّ الطهارة بالماء فرضٌ كان عاجزًا عنه، فإذا قدَر عليه في الصلاة لزمه فعلُه، كالعاري إذا وجد الثوبَ، والمريضِ إذا قدرَ على القيام. وأما كونه لا يجب فيها الطلب فإنما ذاك إذا شكَّ في وجود الماء، لأنه قد دخل في الصلاة بيقين، فلا يخرج منها بشكٍّ، كالذي يخيَّل إليه الحدَث. فأمَّا إن رأى ما يدلّ على وجود الماء، مثل ركبٍ لا يخلُون من ماء ونحو ذلك، لزمه الطلبُ. فإن وجد الماءَ وإلا استأنف التيمُّم. وشهودُ الفرع قد تمَّ العملُ المقصودُ بهم، فنظيرُه هنا أن يجد الماء بعد الفراغ. ونظير [١٦٩/أ] مسألة التيمُّم أن يقدر على شهود الفرع في أثناء كلمة

стр. 604

الحكم، فإنه لا ينفذ حكمه بهم. وأما قولهم: وُجِد المبدَل منه بعد الشروع في البدل، [فالبدلُ] (١) هنا هو التيمم، وليس هو الصلاة، فلا يصح الوصف في الفرع. وإن قالوا: بعد الشروع في العمل بالبدل، لم يصحَّ الأصل. وثانيها (٢): أنه إذا شرع هنا في البدل وهو التيمم، ثم وجد المبدَل وهو الماء انتقل إجماعًا. وثالثها: أنَّ وجود (٣) المبدَل منه هنا يُبطل البدلَ، فلا يمكن إتمامه والاكتفاء به. وهناك وجودُ الرقبة والهدي لا يُبطل الصوم، فأمكن إجزاؤه. فنظير هذا: بدلٌ يفسُد بوجود مبدَله. ورابعها: أنه منتقِضٌ بالصغيرة إذا اعتدَّت بالشهور، ثم حاضت في أثنائها، تنتقلُ (٤) إلى المبدَل، وهو الأقراء. وهذا نصُّ أحمد، وإلحاقُ مسألتنا بهذا أولى، لأنَّ العدَّة والصلاة يُبنى آخرُهما على أولهما، فيفسُد (٥) بفساده، بخلاف الصيام. وأما إبطالُ الصلاة هنا، فهو لم يُبطلها، وإنما بطلت بحكم الشرع، كما

стр. 605

لو سبقه الحدثُ، أو وجد السُّترةَ بعيدةً (١) منه. ولو فرضنا أنه أبطلها لغرض صحيح ليأتيَ بها على وجه الكمال لم يكن ذلك محذورًا. فإذا قلنا: يخرج، فإنه يستأنف الصلاةَ بعد وضوئه في المنصوص. وخرَّج القاضي وغيره روايةً: أنه يتطهَّر ويبني، كما يقول فيمن سبقه الحدث [١٦٩/ب] على إحدى الروايتين (٢). وفرَّق آخرون بين هذا وبين من سبقه الحدث، بأنّ هذا كان المانع موجودًا حين ابتدأ (٣) الصلاة وهو الحدث، وإنما جازت الصلاة معه بالتيمم إذا كمل مقصوده، وهنا لم يكمل مقصودُه (٤)، فيبقى المانع بحاله، بخلاف من سبقه الحدث. وكذلك الطريقان في المستحاضة إذا انقطع دمها في أثناء الصلاة، ومن ابتدأ الصلاةَ عاريًا ثم وجد السُّترة بعيدةً (٥) منه، وكذلك الماسح إذا انقضت مدّتُه في أثناء الصلاة، إن قلنا: المسحُ لا يرفع الحدث. وإن قلنا: يرفعه، فهو كالحدث السابق. ولا فرق بين صلاة العيد والجنازة وغيرهما. ويتخرَّج أن يبني في صلاة الجنازة. وإن كان يخاف أنه إن خرج وتطهَّر فات الوقتُ، وهو في السفر، لم يخرُج في أشهر الوجهين. وإن كان في الحضر خرَج كما لو كان خارج الصلاة.

стр. 606

ومن صلَّى بلا ماء ولا تراب، ثم وجد أحدَهما وقلنا: يمضي في التي قبلها، فقيل: تبطل هنا لأنها صلاة بغير طهارة. والصحيح: أنَّا إن قلنا: لا يعيدها، مضى فيها، وإن قلنا: يُعيدها، قطعَها كالمحبوس في المصر إذا وجد الماء في أثناء صلاته، والمتيمِّمِ من البرد إذا قدَر على الماء المسخَّن في أثناء صلاته. وكذلك كلُّ من تلزمه الإعادةُ فإنه يخرج، ومن لا تلزمه فإنه يمضي. وإن يمَّم الميِّتَ، ثم وجد الماءَ في أثناء الصلاة عليه، فقيل: يقطع، قولًا واحدًا. وقيل: هي كالأولى. وحيث جاز له المضيُّ فهو واجب عليه في أحد الوجهين، لأن إبطال الصلاة لا يجوز إلا لواجب. وقال الشريف أبو جعفر: القطعُ أولى، لما فيه من الاختلاف، وكالمكفِّر إذا انتقل من الصوم إلى العتق. وإذا خرج الوقتُ وهو في الصلاة بطل تيمُّمُه في أشهر الوجهين (١). وكذلك لو خرج الوقت قبل أن يصلِّيها، لأنَّ خروجَ الوقت مُبطِل للتيمُّم، كالقدرة على استعمال [الماء] (٢). والآخر: لا يبطل (٣) بناءً على أن التيمُّم لفعل الصلاة لا لوقتها، وأنه يمضي فيها إذا شرع فيها بالتيمم. ولو قدَر على استعمال الماء في أثناء قراءةٍ، أو وطءٍ، أو لُبثٍ في المسجد، أو مسِّ مصحفٍ= قطعه قولًا واحدًا، لأنَّ بعضه لا يرتبط ببعض. وإن كان في أثناء طوافٍ، فهو كالصلاة، إلّا أن نقول [١٧٠/ب]: الموالاة فيه

стр. 607

ليست واجبة. ومن لم يجد ماءً ولا ترابًا، أو وجدهما وعجز عن الوضوء والتيمُّم، إمَّا لقروح ببدنه، وإما لعجزه عن فعل الطهارتين وعدم من يطهِّره= فإنه يصلِّي على حسب حاله؛ لما روت عائشة ﵂ أنها استعارت من أسماء قلادةً، فهلكَتْ، فبعث رسولُ الله ﷺ رجالًا في ظنِّها، فوجدوها، فأدركتهم الصلاة، وليس معهم ماء، فصلَّوا بغير وضوء. فلما أتَوا رسولَ الله ﷺ شكَوا ذلك إليه، فأنزل الله تعالى آية التيمُّم. رواه الجماعة إلا الترمذي (١). فصلَّوا بغير طهارة للضرورة، فكذلك كلُّ من عجز عن الطهارة. ولأنه شرط من شرائط الصلاة، فإذا (٢) عُدِم [أو] عجَز عنه فعَل ما يقدر عليه كسائر الشرائط، فلا إعادة عليه في إحدى الروايتين (٣). وفي الأخرى: يعيد، اختارها القاضي بناءً على العذر النادر وقد تقدَّم، وبناءً على أنه عجز عن الأصل والبدل، فلم يسقط الفرضُ عنه؛ كما لو عجز في الكفارات عن الأصول والأبدال. أمَّا (٤) فعلُ ما لا يجب من قراءةٍ أو وطءٍ أو مسِّ مصحفٍ أو صلاةٍ

стр. 608

نافلةٍ، فلا يجوز إلا بطهارة، لأنه لا حاجة إليه. ولو قيل بجوازه لتوجَّه بناءً على أن التحريم إنما ثبت (١) مع إمكان الطهارة، ولأن له أن يزيد في الصلاة على [١٧١/أ] أداء الواجب، على ظاهر قول أصحابنا، حتى لو كان جنبًا قرأ بأكثر من الفاتحة، فكذلك فيما يستحَبُّ خارج الصلاة. إذا اجتمع حيٌّ وميِّتٌ كلاهما مفتقر إلى الغسل، وهناك ماء مبذول لأَولاهما به، فالميِّت أولى به في أقوى الروايتين. [وفي الأخرى: أنه للحيِّ] (٢) اختارها أبو بكر وغيره. والحائضُ أولى به في أقوى الوجهين. ومَن عليه نجاسة أولى منهما، وهو أولى من الميِّت في أحد الوجهين، وإن قلنا: الميِّت أولى من الجنب. والصحيح: أن الميِّت أولى به بكلِّ حال، لأنه لا تُرجى له الطهارة بالماء بعد ذلك. وإن اجتمع جنُب ومحدِث، والماءُ يكفي المحدِثَ ولا يفضُل منه شيء، دون الجنب، فهو أولى به (٣). وإن [كان] (٤) يكفي أحدَهما لصغر خلقه (٥) ولا يفضل منه شيء، أو لا يكفي واحدًا منهما، أو يكفي المحدِثَ

стр. 609

وحده ويفضل منه شيء، فالجنبُ أولى، لأنَّ حدثه أغلظ، وهو محتاج إلى استعمال الماء كلِّه. وإن كان يكفي كلًّا منهما وحدَه، ويفضُل منه شيء، فهل يقدَّم المحدِثُ أو الجنبُ، أو يتساويان بحيث يُقْرِع الباذلُ بينهما، أو يعطيه لمن شاء؟ على ثلاثة أوجه. فأمَّا إن كان ملكًا لأحد هؤلاء، فهو أولى به. وإن [كان] (١) مشتركًا (٢) اقتسموه، واستعمل كلُّ واحد نصيبَه، لأنه لا يلزم الرجلَ بذلُ ما يحتاج للطهارة لطهارة غيره. وإن كان الماء مباحًا، فهو كالمبذول، لأنه متى وجده أحدُهم أحوجَ إليه كان (٣) بمنزلة المضطرِّ وغيره إذا وجد فاكهةً مباحةً. وقيل: لا حظَّ فيه للميِّت، لأنه لا يجد شيئًا، وإنما يجده الأحياء. والأول أوجَهُ، لأنَّ تغسيل الميت أوجَبُ على الأحياء، فإذا وجدوه كان صرفُه إلى ما وجب عليهم للميِّت أولى؛ ولأنهم (٤) يستفيدون بذلك الصلاةَ عليه. ولو بادر المرجوحُ (٥) فتطهَّر به أساء، وصحَّت طهارته، بخلاف الماء المغصوب؛ لأنه لم يملكه أحد. هكذا ذكر كثير من أصحابنا، وحملوا مطلقَ كلام أحمد ﵁ على ذلك. وقد قال الإمام أحمد في قوم في سفر،

стр. 610

ومعهم من الماء ما يشربون، ومعهم ما يغتسل [به] (١) وقد أصابت رجلًا منهم جنابةٌ، ومعهم ميِّت: أعجَبُ إليَّ أن يغسَّل الميِّت ويتيمَّم (٢) الجنُب. فهؤلاء قوم مشتركون في الماء. وقد يقدَّم الميِّت، وهو إما أن يكون له نصيبٌ في الماء، أو لا يكون له شيء. وقد قدَّمه بنصيب الأحياء، حتى بنصيب الجنب. [١٧٢/أ] وهو في نفس هذه المسألة قدَّم الجنبَ في رواية أخرى. وهذا فيما إذا كان الماءُ مشتركًا، لأنَّ نصيب كلِّ واحد لا يكفيه لطهوره، ولا يستبيح به شيئًا، بل لا بد من تيمُّمه. فكان تخصيصُ واحدٍ بالماء وآخرَ بالتيمم أولى من تيمُّم كلِّ واحد وتشقيصِ (٣) طهارته. ألا ترى أنَّ الشرع قد حكم فيما إذا أُعتق شِقْصٌ من عبيد أن يجمع الحرية كلّها في شخص واحد، والرِّقُّ في آخر، لمصلحة تخليص الحرية والمِلك، وإن كان فيه إسقاطُ حقِّ المشترك من الحرية. وقال أيضًا فيمن معه ماء بأرض فلاة، وهو جنُب، ومعه ميِّت، إن هو اغتسل بالماء بقي الميِّت، وإن غسّل الميت بقي هو؛ قال: ما أدري، ما سمعتُ في هذا شيئًا. وتوقُّفه هنا يخرَّج على الروايتين هناك. وظاهرُ الرواية أنّ الميِّت لا شيء له في الماء. ووجهُ هذا أنَّ تغسيلَ الميِّت واجب على الحيِّ من الماء الذي يملكه، كما يجب اغتساله، بخلاف الحيَّين. وهذا أيضًا دلالة على المسألة الأولى.

стр. 611

باب الحيض الحَيض: مصدر حاضت المرأة تحيض حيضًا ومحيضًا، إذا جرى دمها. ويسمَّى الدم حَيضًا. وهو دمُ خلقة وجبلّة، وكتبه (١) الله على بنات آدم بحكمة غذاء الولد ونباته. فالولد يُخلَق من ماء الرجل والمرأة، ثم يغذَّى في الرحم بدم الطمث، فإذا وُلِد تحوَّل الدم لبنًا فيرضع منه. فإذا خلت الرحم عن (٢) [١٧٢/ب] ولد اجتمع الدم، ثم خرج في أوقات معلومة. قال بعضهم: ولذلك وصَّى النبيُّ ﷺ ببرِّ الأم ثلاث مرَّات، وببرِّ الأب مرةً واحدةً (٣). والأصلُ في ثبوت أحكام الحيض: الكتاب، والسنَّة، والإجماع، على ما يذكر في أثناء المسائل إن شاء الله تعالى. مسألة (٤): (ويمنع عشرة أشياء: فعلَ الصلاة، ووجوبَها، وفعلَ الصيام، والطَّوافَ، وقراءةَ القرآن، ومسَّ المصحف، واللُّبثَ في المسجد، والوطءَ في الفرج، وسنّةَ الطلاق، والاعتدادَ بالأشهر. ويُوجب الغُسْل، والبلوغَ، والاعتداد به . فإذا انقطع الدمُ أبيح فعلُ الصيام والطلاق، ولم يُبَح سائرُها حتى تغتسل. ويجوز الاستمتاعُ من الحائض

стр. 612

بما دون الفرج، لقول النبي ﷺ : «اصنعوا كلَّ شيء إلّا النكاح»). في هذا الكلام فصول: أحدها: أنَّ الحائض لا يحِلُّ لها أن تصلِّي ولا تصوم، فرضًا ولا نفلًا. فإذا طهرت وجب عليها قضاء الصوم المفروض دون الصلاة. وهذا مما اجتمعت عليه الأمة. وقد روى الجماعة (١) عن معاذة العدَويّة قالت: سألتُ عائشةَ فقلتُ لها: ما بالُ الحائض تقضي الصومَ ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحَرُوريَّة أنتِ؟ فقالت: لستُ (٢) بحَروريَّة، ولكنّي أسأل. فقالت: كنّا نحيض على عهد رسول الله ﷺ ، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة. ومعنى قولها: «أحرورية أنت؟» الإنكارُ عليها أن تكون من أهل حَرُوراء، وهي مكان تنسب (٣) إليه الخوارج. وإنما [١٧٣/أ] قالت ذلك لأن (٤) من الخوارج مَن كان يأمرها بقضاء الصلاة لفرط تعمُّقهم في الدين حتى مرَقوا منه. وقال النبي ﷺ للنساء (٥): «أليستْ إحداكنَّ إذا حاضت لم تُصَلِّ ولم

стр. 613

تَصُمْ؟» قلن: بلى. متفق عليه (١). وقال للمستحاضة: «إذا أقبلتِ الحَيضةُ فدَعي الصَّلاةَ» (٢). والصَّومُ واجب في ذمّتها حين الحيض. وكذلك على المسافر، وكلِّ من لزمته العبادة قضاءً فإنها وجبت في ذمته، كما يجب الدَّين المؤجَّل في ذمة المدين، وكذلك يفعلها قضاءً، لكنَّ ذلك مشروط بالتمكُّن منها فيما بعد. فإن مات قبل التمكُّن لم يكن عاصيًا. فإذا انقطع دمه (٣) صحَّ الصوم في المعروف من المذهب، كما يصحُّ صوم الجنُب، لأن الطهارة غير مشروطة للصوم. ولم تصحَّ صلاتها، لكن تجب في ذمتها، لأنها صارت قادرة على فعلها. الفصل الثاني: أنه لا يجوز لها أن تطوف بالبيت ، لما أخرجاه في «الصحيحين» (٤) عن عائشة ﵂ أنّ النبيَّ ﷺ قال لها لما حاضت وهي محرِمة: «اقضي ما يقضي الحاجُّ إلا أنك لا تطوفي (٥) بالبيت حتى تطهري» متفق عليه (٦). وفي لفظ لمسلم (٧): «حتى تغتسلي».

стр. 614

ولما قالت له (١): إنّ صفية بنت حُيَيّ قد حاضت قال: «أحابستنا هي؟» قالت: إنها قد أفاضت. قال: «فلا إذن» (٢). فلو كان طوافها جائزًا (٣) لم تَحبِسهم. ولأنّ الطواف بالبيت صلاة ــ كما تقدَّم ــ والحائض لا يجوز لها أن تصلّي. ولأنّ الطواف لا يصح إلا في المسجد الحرام، والحائض لا يجوز لها أن تلبث [١٧٣/ب] في المسجد، توضَّأتْ أو لم تتوضأ. فإن خالفت وطافت لم يُجزئْها (٤) الطواف في أشهر الروايتين. وفي الأخرى: تجبُره بدم ويجزئها مع التحريم، كما يجبُر بالدم من ترك شيئًا من الواجبات وفعل شيئًا من المحظورات، مع التحريم والإثم (٥). الفصل الثالث: أنه لا يجوز لها قراءةُ القرآن (٦)، ومسُّ المصحف، واللبثُ في المسجد ؛ لأنَّ حدثها كحدث الجنب، وأغلَظُ؛ لقيام سبب الحدث. وسواء في ذلك ما قبل الانقطاع وما بعده، لأنَّ أحسن أحوالها أن تكون كالجنُب.

стр. 615

ولها العبور في المسجد، لكن إن كان دمها جاريًا فإنها تتلجَّم لأمنِ (١) تلويث المسجد. وقيل: لا تدخله إلا لأخذِ شيء منه، دون وضعِ شيء فيه؛ للحاجة إلى ذلك. وقد تقدَّمت الأحاديث في جواز ذلك. وأمّا اللبثُ فيه بالوضوء، فيجوز إذا انقطع دمها. وأمَّا قبل، فلا يجوز، نصَّ عليه، لأن طهارتها لا تصح، لأنَّ سببَ (٢) الحدث قائم. ولذلك لم يستحبَّ لها الوضوء لنوم أو أكل ونحو ذلك. الفصل الرابع: أنه يحرم وطؤها في الفرج . فأمَّا الاستمتاع منها فيما دون الفرج مثل القبلة واللمس والوطء دون الفرج، فلا بأسَ به، لقول الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. والمحيض: إما أن يكون اسمًا لمكان الحيض كالمَقِيل والمَبِيت (٣)، فيختصُّ التحريمُ بمكان الحيض، وهو الفرج. أو هو الحيض، وهو الدم نفسه، لقوله: ﴿هُوَ أَذًى﴾ (٤). أو [١٧٤/أ] نفسُ خروج الدم الذي يعبَّر عنه

стр. 616

بالمصدر كقوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق: ٤]. فقوله على هذا التقدير: ﴿فِي الْمَحِيضِ﴾ يحتمل مكانَ الحيض، ويحتمل زمانَه وحالَه. فإن كان الأول، فمكانُ المحيض هو الفرج. وإن كان المراد: فاعتزِلوا النساء في زمن المحيض، فهذا الاعتزال يحتمل اعتزالَهن مطلقًا كاعتزال المُحرِمة والصائمة، ويحتمل اعتزالَ ما يراد منهن في الغالب، وهو الوطء في الفرج، وهذا هو المراد بالآية لوجوه: أحدها: أنه قال: ﴿هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فذكر الحكمَ بعد الوصف بحرف الفاء، وذلك يدلّ على أنّ الوصف هو العلّة، لا سيّما وهو مناسب للحكم، كقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١) [المائدة: ٣٨] و ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]. فإذا كان الأمر باعتزالهن من الإيذاء إضرارًا أو تنجيسًا، وهذا مخصوص بالفرج، فيختصُّ بمحلِّ سببه. وثانيها: أنَّ الإجماع منعقد على أنّ اعتزالَ جميع بدنها ليس هو المراد، كما فسَّرته السنة المستفيضة، فانتفت الحقيقة المعنوية، فتعيَّن حملُه على الحقيقة العُرفية ــ وهو المجاز اللغوي ــ وهو اعتزال الموضع المقصود في الغالب، وهو الفرج؛ لأنه يُكنى عن اعتزاله باعتزال المرأة كثيرًا، كما يُكنى عن مسِّه بالمسِّ والإفضاء مطلقًا. وبذلك فسَّره ابن عباس فيما رواه ابن أبي طلحة عنه في قوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا

стр. 617

النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] يقول (١): فاعتزِلُوا نكاحَ فروجهن. رواه عبد بن حميد، وابن جرير (٢)، وأبو بكر عبد العزيز، وغيرهم في [١٧٤/ب] تفاسيرهم (٣). فأمَّا اعتزال الفرج وما بين السُّرَّة والرُّكبة، فلا هو حقيقة اللفظ ولا مجازه. وثالثها: أنّ السنَّة قد فسَّرت هذا الاعتزال بأنه تركُ الوطء في الفرج. فروى أنس أنَّ اليهود كانت إذا حاضت امرأة منهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحابُ رسول الله ﷺ عن ذلك فأنزل الله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ الآية (٤) [البقرة: ٢٢٢] فقال رسولُ الله ﷺ : «اصنعوا كلَّ شيء إلا النكاح». وفي لفظ: «إلا الجماع» رواه الجماعة إلا البخاري (٥).

стр. 618

والجماع عند الإطلاق هو: الإيلاج في الفرج. فأما في غير الفرج، فليس هو بجماعٍ (١) ولا نكاحٍ، وإنما يسمَّى به توسعًا عند التقييد، فيقال: الجماع فيما دون الفرج، لكونه بالذَّكر في الجملة. وكذلك جميع الأحكام المتعلِّقة بالجماع إنما تتعلَّق بالإيلاج، لا سيَّما الاستمتاعُ في الفرج فما فوق السُّرَّة جائز إجماعًا (٢). وروى أبو داود (٣) عن عكرمة عن بعض أزواج النبي ﷺ أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا أراد من الحائض شيئًا ألقى على فرجها شيئًا. وعن عائشة أن رسول الله ﷺ سئل عمّا يحِلُّ للرجل من امرأته الحائض، فقال: «يجتنبُ (٤) شعارَ الدم» رواه ابن بطة (٥). ولأنه محلٌّ حُرِّم للأذى، فاختصَّ التحريم بمحلِّ الأذى، كالوطء في الدبر. ولا يقال: هذا يخشى منه مواقعة المحظور، لأنَّ الأذى القائم بالفرج

стр. 619

ينفِّر عنه، كما ينفِّر عن الوطء في الدبر. ولذلك (١) أبيح له [١٧٥/أ] ما فوق الإزار إجماعًا. ثم إنه إذا أراد ذلك ألقى على فرجها شيئًا، كما جاء عن النبي ﷺ ، لئلا يصيبه الأذى. ولو رُوعِي هذا لحُرِّم (٢) جميعُ بدنها كالمُحرِمة والصائمة والمعتكفة. ومع هذا، فالأفضل أن يقتصر في الاستمتاع على ما فوق الإزار، لأنه هو الغالب على استمتاع النبي ﷺ بأزواجه. قالت عائشة: كانت إحدانا إذا كانت حائضًا، فأراد رسول الله ﷺ أن يباشرها، أمَرها أن تأتزر بإزار في فور حيضتها، ثم يباشرها. متفق عليه (٣). وعلى نحوه من حديث ميمونة. ولأنه أبعد له عن (٤) الإلمام بالموضع المعتاد، بخلاف الدبر فإنه ليس بمعتاد. والفرجُ المباح يغني عن الدبر، فلا يفضي إليه. ثم القرب منه ضروري. وهنا، ليس هناك فرج مباح ولا ضرورة، فيُخاف (٥) الإلمام به على العادة السابقة أو يلوِّثه الدم، مع ما في ذلك من الخروج من اختلاف العلماء. فصل ولا يجوز وطؤها بعد انقطاع الدم حتى تغتسل، لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أي: حتى ينقطع دمها ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: اغتسلت

стр. 620

بالماء. وهكذا فسَّره ابن عباس فيما رواه عنه ابن أبي طلحة، وكذلك قال مجاهد وغيره (١). وقال إسحاق بن راهويه: أجمع أهل العلم من التابعين على أن لا يطأها حتى تغتسل (٢). وأكثر أهل الكوفة يقرؤون: «حتى يطَّهَّرْن» بالتشديد (٣)، وكلُّهم يقرؤون الحرف الثاني [١٧٥/ب] ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾، والتطهُّر إنما يكون فيما يتكلَّفه ويروم تحصيله، وذلك لا يكون إلا في الاغتسال؛ فأمَّا انقطاعُ الدم فلا صنعَ لها فيه، ولهذا لما قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] فُهم منه الاغتسال. فإن قيل: فعلى قراءة الأكثرين ينتهي النهي عن القُربان (٤) بانقطاع الدم، لأن الغاية هنا تدخل في المغيَّا، لأنها بحرف «حتَّى»، فإذا تمَّ انقطاع الدم فقد انتهت الغاية. قلنا: قبل الانقطاع، النهيُ عن القربان مطلقٌ (٥)، فلا يباح بحال. فإذا انقطع الدم زال ذلك التحريم المطلق، لأنها قد صارت حينئذ مباحةً إن اغتسلَتْ، حرامًا إن لم تغتسل. ويبيِّن هذا الشرط قولُه ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾. وبهذا

стр. 621

تبيَّن أنَّ قراءة الأكثرين (١) أكثر فائدة. وهذا كقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]. وأيضًا فقد روي عن بضعة عشر من الصحابة منهم الخلفاء الراشدون (٢): أن المطلِّق أحقُّ بزوجته حتى تغتسل من الحيضة الثالثة (٣). فإذا كان حدثُ الحيض يوجِبُ (٤) بقاء العِدّة، فلَأن يقتضي بقاءَ تحريم الوطء أولى وأحرى. فإن لم تجد ماءً تيمَّمت، فإن وجدت الماء عاد التحريمُ، كما في التيمم للصلاة وغيرها. فصل وإذا وطئ الحائضَ وجبت عليه الكفّارة في ظاهر المذهب. وعنه: لا تجب، بل يستغفر الله تعالى حملًا للحديث الوارد فيه على الاستحباب، مع ما فيه من الاضطراب (٥)؛ [١٧٦/أ] لأنه (٦) وطء حرام، لا لأجل عبادة، فلم يوجب كفارةً، كالزنا والوطء في الدبر. ووجه الأولى: ما روى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن

стр. 622

الخطاب عن مِقسَم عن ابن عباس عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال: «يتصدَّق بدينار أو نصف دينار» (١). وقال [أبو داود] (٢): سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: ما أحسنَ حديثَ عبد الحميد فيه. قيل له: فتذهب إليه؟ قال: نعم (٣). وقال إسحاق بن راهويه: هذه السنة الصحيحة التي سنَّها رسولُ الله ﷺ في غشيان الحائض. وقد رواه الإمام أحمد (٤) بإسناد جيِّد من حديث قتادة عن مقسم. ولأنه وطئ فرجًا يملكه حُرِّم لعارض، فجاز أن يوجب الكفارة، كالوطء في الصيام والإحرام. وطردهُ الاعتكاف إن (٥) قلنا به، وإلا قلنا: حرم لسبب علي (٦) عارض من جهة الله. وهذا لأن الكفارة ماحيةٌ للذنب وزاجرةٌ عنه،

стр. 623

فلا تُشرع في الكبائر ونحوها مما (١) تأبَّد تحريمُه كالزنا والوطء في الدبر، فإنه أعظم من أن يكفَّر، والداعي إليه أقوى من أن يكتفى فيه بالكفارة. فأما إذا كان التحريم عارضًا، فربما دعت النفس إلى العادة، فشُرِعت الكفارة ماحيةً للذنب فإنه أهون، وزاجرةً عن معاودته. ولهذا أغنى وجوبُها عن التعزير في أحد الوجهين. ويُشرَع التعزير فيما لا كفارة فيه. وبهذا أوجبنا الكفارةَ في وطء رمضان والإحرام. ولم تكن العلّة في الأصل إفسادَ [١٧٦/ب] العبادة فقط، لأنا نوجبها في الإحرام الفاسد والصوم الفاسد في رمضان، وإنما وجبت في الأصل زجرًا ومحوًا وجبرًا. ولا شيء في الفرع يُجبَر، فلهذا خفَّت. فصل وهو مخيَّر بين التكفير بدينار أو نصف دينار، في أشهر الروايتين، على ظاهر الحديث الصحيح في ذلك. وعنه: إن كان في إقبال الدم فدينار، وإن كان في إدباره فنصف دينار، حملًا للتقسيم في موضعين. وقد روى عبد الكريم بن أبي المخارق عن مِقسَم عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ في الذي يقع على امرأته وهي حائض قال: «إن كان الدم عبيطًا فَلْيتصَدَّقْ بدينار، وإن كان صفرةً فليتصدَّقْ بنصف دينار» رواه الترمذي (٢).

стр. 624

ولا شيء عليه إذا وطئ بعد انقطاع الدم، في المنصوص من الوجهين، إذ لا نصَّ فيه، وحرمتُه أخفُّ. والوجه الآخر: فيه الكفارة، لبقاء التحريم، ولما روى ابن جريج قال: أخبرني عبد الكريم وغيره عن مِقسَم عن ابن عباس أن النبيَّ ﷺ جعل في الحائض تصاب دينارًا. فإن أصابها وقد أدبر الدم عنها ولم تغتسل، فنصفُ دينار. كلُّ ذلك عن النبيِّ ﷺ ، رواه أحمد في «المسند» (١)، ورواه أبو داود (٢) موقوفًا على ابن عباس. والمعتمد هي الرواية الأولى لصحتها. ونصف الدينار الزائد إذا أخرج دينارًا (٣)، فهو من الكفارة المقدَّرة المأمور بها (٤)، وإن جاز تركه؛ بخلاف ما زاد على ذلك، فإنه صدقة محضة. [١٧٧/أ] وإن أخرج على جهة التكفير فهو مرغَّب فيه، ليس هو من الكفارة المقدَّرة المأمور بها، لقوله: «الصدقة تُطفئ الخطيئةَ» (٥)، وقولِه: «أتبِعِ

стр. 625

السَّيئة الحسنةَ تَمْحُها» (١). وقولِ حذيفة: فتنةُ الرجل في أهله وماله، تكفِّرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٢). وهذا كما يُخيَّر الحاجُّ بين أن يبيت الليلة الثالثة بمنى ويرمي الجمرة من الغد، وبين أن لا يفعل. وكما أنَّ من (٣) وجب عليه الهديُ، فإن أخرجَ سُبْعَ بدنةٍ جاز، وإن أخرج بدنةً فهو هديٌ أيضًا، وهو أفضل. ومن وجبت عليه بنتُ مخاض فأخرج حِقَّةً جاز، وكان الجميع زكاة. والزائد على ذلك لا يوصف بالوجوب عند بعض أصحابنا، لأن الواجب لا يجوز تركُه، وقد سمَّى الله تعالى ما زاد على الواجب تطوعًا في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ يعني: بأكثر من مسكين ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] وقال النبي ﷺ للذي

стр. 626

وجبت في ماله بنت مخاض: «ذلك الذي عليك. فإن تطوَّعتَ بخير منه قبِلناه منك، وآجرَك الله عليه» (١). ووصفه بعضهم بالوجوب، وإن جاز تركه، كما في الركعتين الزائدتين في صلاة السفر، كما قال بعضهم في الواجب الذي ليس بمقدَّر مثل القيام والركوع والسجود، إذا طوَّله زيادةً على أقلِّ ما يجزئ. وأكثرُ ما فيه أنه يجب باختيار المكلَّف، وهذا جائز، كما يجب إتمامُ الإحرام إذا شَرع فيه. ويجب على العامِّيّ الأخذُ بأحد القولين، إذا اختار تقليد صاحبه. وهذا لأنا [١٧٧/ب] نخيِّره بين أن يتركه أو يفعله على صفة الوجوب، كما يخيَّر بين ترك نوافل العبادات وبين أن يفعلها على الوجه المشروع. فتكون الصفةُ واجبةً بشرط فعل الأصل، وإن لم تكن واجبةً إذا ترك الأصل. فصل وتجب الكفّارة على العالم والجاهل، سواء كان جاهلًا بالحيض وبالتحريم أو بهما؛ وكذلك الناسي كالعامد، في المنصوص من الوجهين. وفي الآخر: لا يجب. قاله ابن أبي موسى وغيره (٢)، لأنه معذور، ولأنها كفارة صغرى فلم تجب مع السهو ككفارة اليمين. والأول أشهر، لأنّ الحديث عامٌّ. وقد روى حرب (٣) عن عبد الحميد بن

стр. 627

عبد الرحمن أن عمر بن الخطاب ﵁ أتى جاريةً له، فقالت: إني حائض، فكذَّبها، فوقع عليها، فوجدها حائضًا. فأتى النبيَّ ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال له: «يغفر الله لك أبا حفص. تصدَّقْ بنصف دينار». ولأنَّ المحرِم أو الصائم إذا وطئ ناسيًا وجبت الكفارة في المشهور من الروايتين، وكذلك هنا. فإن وطئها طاهرًا، فحاضت في أثناء الوطء، فإن استدام لزمته الكفارة. وإن نزع في الحال انبنى على أن النزع هل هو جماع؟ وفيه قولان لأصحابنا، أحدهما: هو جماع. فإذا قال لامرأته: أنت طالق ثلاثًا إن جامعتُكِ، لم يجُز له أن يجامعها أبدًا، في إحدى الروايتين، خشيةَ أن يقع النزع في غير ملك. وإذا طلع عليه الفجر، وهو مُولج، فنزَع في الحال لزمته الكفَّارة، كما اختاره ابن حامد والقاضي (١). فعلى هذا تلزمه الكفارة هنا [١٧٨/أ] على الوجه المنصوص. وهو اختيار ابن حامد، لأن أكثر ما فيه أنه معذور، والمعذور تلزمه الكفارة في النزع، كما تلزمه في الصيام والإحرام. وعلى الوجه الذي اختاره ابن أبي موسى لا كفارة عليه. والقول الثاني: ليس النزع بجماع. فلا شيء عليه هنا، كما لا يفسد صومه بالنزع عند أبي حفص (٢)، ولا يأثم به في اليمين على إحدى الروايتين.

стр. 628

وهل تجب الكفارة بوطء الصبيِّ والمجنون؟ على وجهين. وتجب من الذهب الخالص. قال جماعة من أصحابنا: وسواء كان تبرًا أو مضروبًا. ويتوجَّه أن لا يجزئه إلا المضروب، لأنّ الدينار اسمٌ للمضروب خاصَّةً، ولهذا يلزمه ذلك في الدية. ولو كان ماله دنانير فأخرج عنها مكسَّرًا لزمه أن يُخرج الفضل بينهما في الزكاة، ويجوز أن يعطيها لواحد وجماعة؛ لأنه لم ينصَّ على عدد، فأشبهت النذر. وإخراج القيمة هنا كإخراجها في الزكاة والكفارة، وكذلك الدراهم عن الدنانير. وقيل: يجوز هنا، وإن لم يجزئه هناك كالخراج والجزية. وأمَّا المصرف، فهو مصرف الكفَّارات في أحد الوجهين، وهم الفقراء والمساكين وكلُّ من يعطى من الزكاة لحاجته (١) كابن السبيل، والغارم لمصلحة نفسه، والمكاتَب. وفي الوجه الآخر: هم المساكين خاصَّة. وكذلك كلُّ صدقة مطلقة. هل تسقط (٢) بالعجز؟ على روايتين، ذكرهما القاضي. إحداهما (٣): تسقط، واختارها ابن حامد وغيره (٤)، ككفارة الوطء في رمضان، ولأنه حقٌّ ماليّ ليس ببدل ولا له بدل، [١٧٨/ب] فأشبه صدقة الفطر والمال، لقوله

стр. 629

- ﷺ : «لا صدقة إلا عن ظهر غنى» (١). والثانية: أنها لا تسقط، واختارها بعضهم، ككفَّارة اليمين والظهار والإحرام. فصل وأمّا المرأة، فلا يجب عليها إن كانت مكرهةً، وهي التي أُضجِعَتْ قهرًا، أو وُطئت وهي نائمة، إذ لا فعل لها. فأما المطاوِعة ففيها وجهان تخريجًا على الصوم والحجّ، لكن المنصوص هنا هو الوجوب، وهو الصحيح في الجميع. لكن تمكينها من وطء الرجل بمنزلة الوطء في الحدِّ، ففي الكفارة أولى. وأما النائمة والتي ضُربت حتى مكَّنت، فهل تلحق بالمطاوعة أو المغلوبة على نفسها؟ على وجهين. ويتخرَّج أن تجب على المكرَهة أيضًا ويتحمَّلها الزوج أو لا يتحمَّلها (٢)، كما في الحجِّ والصيام، فعلى هذا يلزمها كفارة أخرى. وقيل: الكفارة الواحدة يشتركان فيها. ويجب في وطء النفَساء ما يجب في وطء الحائض، نصَّ عليه، لأنها مثلها. فأمّا الوطءُ في الدم المشكوك فيه، فلا يجوز. وأما الكفارة فينبغي إن تبيَّن أنه حيض كالمبتدأة والمعتادة المنتقلة عادتها أو العائدِ دمُها بعد

стр. 630

انقطاعه في الحيض والنفاس، إذا تكرَّر ذلك، فعليها الكفارة، وإلا كان كوطء المستحاضة. ووطءُ المستحاضة حرام في إحدى الروايتين إلا أن يخاف العنَت، لأنه دم أذًى، فأشبه الحيض. وفي الأخرى: لا يحرُم كدم القروح والجروح في الفرج، ولم يذكر فيه كفارة. الفصل الخامس: أنّ الحيض يمنع سنَّة الطلاق [١٧٩/أ] فإذا طلَّقها في حالة الحيض كان مبتدعًا بذلك آثمًا (١)، لقوله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] يعني: طاهرًا من غير جماع. وعن عبد الله بن عمر أنه طلَّق امرأته (٢)، وهي حائض، فذكر ذلك عمرُ لرسول الله ﷺ ، فتغيَّظ فيه رسولُ الله ﷺ ، ثم قال: «ليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، فتطهر. فإن بدا له أن يطلِّقها فلْيطلِّقها قبل أن يمسَّها. فتلك العدَّة التي أمر الله أن يطلَّق لها النساء» رواه الجماعة (٣). ولأنه إذا طلَّقها حائضًا لم تحتسب بتمام (٤) الحيضة من القروء، فتتربَّص بعد تلك الحيضة بثلاثة (٥) قروء، وفي ذلك تطويل للعدّة، وذلك

стр. 631

إضرارٌ (١) بها. وقد قيل: إنَّ الحيض مظنَّة الزهد فيها والنفرة (٢) عنها، فربما يُعقبه الندم. فإذا انقطع الدم كان الطلاق سنّةً، نصّ عليه. وذكر أبو بكر عبد العزيز فيها قولين (٣)، يعني: روايتين. إحداهما: أنه بدعة حتى تغتسل، وهو اختيار بعض أصحابنا، لأنّ في رواية أنّ النبيَّ ﷺ قال لعمر: «مُرْ عبد الله فَلْيراجعها، فإذا اغتسلت من حيضتها الأخرى، فلا يمسَّها حتى يطلِّقها. وإن شاء أن (٤) يُمسكها فَلْيُمسِكْها، فإنّها العِدّة التي أمر الله أن يطلَّق لها النساءُ» رواه الدارقطني (٥). وهذه الرواية تفسِّر (٦) الرواية الأخرى، وتبيِّن أنَّ المسيس والطلاق إنما يكون بعد الاغتسال. ولأنَّ ما قبل الاغتسال في حكم الحيض في تحريم الوطء، وبقاء العِدّة، وجواز الرجعة؛ فكذلك في تحريم الطلاق وابتداء العِدَّة. وطردُ ذلك إذا قلنا [١٧٩/ب]: إن حضتِ حيضةً فأنتِ طالق. ووجه الأول: ظاهرُ حديث ابن عمر في الرواية المشهورة، ولأنه يصحّ فيه صومها، وتجب فيه الصلاة، فأشبَه ما بعد الاغتسال.

стр. 632

الفصل السادس: أنه يمنع الاعتدادَ بالأشهُر إذا حصلت الفرقة في الحياة، ويوجب الاعتداد به، لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقوله سبحانه: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]. فالأمرُ (١) بثلاثة القروء (٢) إنما هو لذوات القرء (٣). ومفهوم قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾ ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ أن من ليست من الآيسات ولا من الصغار تعتدُّ بسوى ذلك، وهو الحيض. فأمّا المتوفَّى عنها زوجُها فعدَّتها أربعة أشهر وعشرًا، سواء كانت (٤) صغيرةً أو آيسةً أو ممن تحيض، لقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٤٠] فعَمَّ ولم يخُصَّ. الفصل السابع: أنه يوجب الغسل . وهذا إجماع لما روت عائشة أنَّ فاطمة بنت أبي حُبَيش كانت تستحاض، فسألت النبيَّ ﷺ ، فقال: «إنما ذاك عِرق، وليست بالحيضة. فإذا أقبلت الحَيضة فدَعي الصلاةَ، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلِّي» رواه البخاري (٥). وقد تقدَّم أمرُه للحائض بالاغتسال من حديث أم سلمة، وعائشة، وأسماء، وغيرهن. ولأن الله أخبر أنَّ الحائض ليست بطاهر بقوله: ﴿وَلَا

стр. 633

تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، [١٨٠/أ] وأمر بالطهارة للصلاة بقوله في سياق آية الوضوء ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] مع قوله ﷺ : «لا يقبل الله صلاةً بغير طَهور» أخرجه مسلم (١). فعُلِم بذلك أنَّ صلاتها قبل التطهُّر صلاةٌ بغير طَهور، فلا تصحُّ. ولأنَّ حدثها أغلظ من حدث الجنب، فهي بالغسل أولى. والموجب له عند بعض أصحابنا: انقطاع الدم، لأنَّ ما قبل ذلك لا يصحّ اغتسالها، فلا يكون الغسل واجبًا. وعند بعضهم الموجب له: خروجُ الدم؛ وانقطاعُه شرطٌ لصحته، كما يجب الغسل والوضوء بخروج الخارجات قبل انقطاعها، وإن كانت الطهارة لا تصح إلا بعد انقطاعها، وهذا أقيس. ولو كان عليها غسلُ جنابة، وهي حائض، لم يجب عليها، لأنه لا يفيد شيئًا. لكن إن كانت الجنابة قد أصابتها قبل الحيض يستحبُّ لها أن تغتسل غسلَها من الجنابة، وإن كانت حائضًا، نصَّ عليه في مواضع؛ لأنها تستفيد بذلك ارتفاع حدث الجنابة الواجب قبل الحيض، ومتى اغتسلت صحَّ، وارتفع حدثُ الجنابة، [و] (٢) بقي حدث الحيض. الفصل الثامن: أنه يوجب البلوغ لِما (٣) روت عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يقبل الله صلاةَ حائض إلا بخِمار» رواه الخمسة إلا

стр. 634

النسائي (١). ولأنه بالحيض تصلح المرأة أن تكون أمًّا، فحصل به الإدراك والبلوغ كالإنزال. ولأنه [١٨٠/ب] أحد الأصلين من المرأة اللذين يُخلَق منهما (٢) الإنسانُ، فحصل البلوغ به كالمني. ولأنّ بلوغَ الأشُدِّ هو استكمال الإنسان قواه، والحيض والإمناء آخر قوى (٣) البدن حصولًا، فبه (٤) يحصل بلوغُ الأشُدّ. مسألة (٥): (وأقلُّ الحيض: يومٌ وليلةٌ) . الأصل في هذا الكلام أن الأسماء التي عُلِّقت الأحكام بها في الشرع ثلاثة أقسام: أحدها: ما بُيِّن حدُّه ومقدارهُ بالشرع، كأعداد الصلاة ومواقيتها، ونُصُب

стр. 635

الزكوات وفرائضها، وعدد الطوفات، ونحو ذلك. وثانيها: ما يُعلَم حدُّه ومقدارُه من جهة اللغة، كالليل والنهار، والبرد والفجر (١)، والسنة والشهر، ونحو ذلك. وثالثها: ما ليس له حدٌّ في الشرع ولا في اللغة، فالمرجع (٢) فيه إلى ما تعرفه الناس ويعتادونه، كالحِرز (٣) والقبض والتفرُّق ونحو ذلك (٤). والحيض شبيه بهذا القسم، فإن الدم الخارج من الفرج قسمان: دم حيض، ودم عِرق. ولا بدَّ من الفصل بينهما، لترتيب أحكام الحيض على دم (٥) الحيض دون الدم الآخر. ولا شك أنَّ دم الحيض دم طبيعة وجبلَّة مثل خروج المني والبول وغير ذلك من الإنسان، ودم الاستحاضة دم فساد ومرض وعِرق. فإذا خرج الدم على الوجه المعتاد في النساء كان دم حيض، وإن خرج من العادة كان استحاضة بمنزلة الجرح. والغالبُ على النساء أنهن يحضن ستًّا أو سبعًا. وقد وُجِد [١٨١/أ] كثيرًا
следующие страницы →