← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

إضرارٌ (١) بها. وقد قيل: إنَّ الحيض مظنَّة الزهد فيها والنفرة (٢) عنها، فربما يُعقبه الندم. فإذا انقطع الدم كان الطلاق سنّةً، نصّ عليه. وذكر أبو بكر عبد العزيز فيها قولين (٣)، يعني: روايتين. إحداهما: أنه بدعة حتى تغتسل، وهو اختيار بعض أصحابنا، لأنّ في رواية أنّ النبيَّ ﷺ قال لعمر: «مُرْ عبد الله فَلْيراجعها، فإذا اغتسلت من حيضتها الأخرى، فلا يمسَّها حتى يطلِّقها. وإن شاء أن (٤) يُمسكها فَلْيُمسِكْها، فإنّها العِدّة التي أمر الله أن يطلَّق لها النساءُ» رواه الدارقطني (٥). وهذه الرواية تفسِّر (٦) الرواية الأخرى، وتبيِّن أنَّ المسيس والطلاق إنما يكون بعد الاغتسال. ولأنَّ ما قبل الاغتسال في حكم الحيض في تحريم الوطء، وبقاء العِدّة، وجواز الرجعة؛ فكذلك في تحريم الطلاق وابتداء العِدَّة. وطردُ ذلك إذا قلنا [١٧٩/ب]: إن حضتِ حيضةً فأنتِ طالق. ووجه الأول: ظاهرُ حديث ابن عمر في الرواية المشهورة، ولأنه يصحّ فيه صومها، وتجب فيه الصلاة، فأشبَه ما بعد الاغتسال.

стр. 632

الفصل السادس: أنه يمنع الاعتدادَ بالأشهُر إذا حصلت الفرقة في الحياة، ويوجب الاعتداد به، لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقوله سبحانه: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]. فالأمرُ (١) بثلاثة القروء (٢) إنما هو لذوات القرء (٣). ومفهوم قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾ ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ أن من ليست من الآيسات ولا من الصغار تعتدُّ بسوى ذلك، وهو الحيض. فأمّا المتوفَّى عنها زوجُها فعدَّتها أربعة أشهر وعشرًا، سواء كانت (٤) صغيرةً أو آيسةً أو ممن تحيض، لقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٤٠] فعَمَّ ولم يخُصَّ. الفصل السابع: أنه يوجب الغسل . وهذا إجماع لما روت عائشة أنَّ فاطمة بنت أبي حُبَيش كانت تستحاض، فسألت النبيَّ ﷺ ، فقال: «إنما ذاك عِرق، وليست بالحيضة. فإذا أقبلت الحَيضة فدَعي الصلاةَ، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلِّي» رواه البخاري (٥). وقد تقدَّم أمرُه للحائض بالاغتسال من حديث أم سلمة، وعائشة، وأسماء، وغيرهن. ولأن الله أخبر أنَّ الحائض ليست بطاهر بقوله: ﴿وَلَا

стр. 633

تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، [١٨٠/أ] وأمر بالطهارة للصلاة بقوله في سياق آية الوضوء ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] مع قوله ﷺ : «لا يقبل الله صلاةً بغير طَهور» أخرجه مسلم (١). فعُلِم بذلك أنَّ صلاتها قبل التطهُّر صلاةٌ بغير طَهور، فلا تصحُّ. ولأنَّ حدثها أغلظ من حدث الجنب، فهي بالغسل أولى. والموجب له عند بعض أصحابنا: انقطاع الدم، لأنَّ ما قبل ذلك لا يصحّ اغتسالها، فلا يكون الغسل واجبًا. وعند بعضهم الموجب له: خروجُ الدم؛ وانقطاعُه شرطٌ لصحته، كما يجب الغسل والوضوء بخروج الخارجات قبل انقطاعها، وإن كانت الطهارة لا تصح إلا بعد انقطاعها، وهذا أقيس. ولو كان عليها غسلُ جنابة، وهي حائض، لم يجب عليها، لأنه لا يفيد شيئًا. لكن إن كانت الجنابة قد أصابتها قبل الحيض يستحبُّ لها أن تغتسل غسلَها من الجنابة، وإن كانت حائضًا، نصَّ عليه في مواضع؛ لأنها تستفيد بذلك ارتفاع حدث الجنابة الواجب قبل الحيض، ومتى اغتسلت صحَّ، وارتفع حدثُ الجنابة، [و] (٢) بقي حدث الحيض. الفصل الثامن: أنه يوجب البلوغ لِما (٣) روت عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يقبل الله صلاةَ حائض إلا بخِمار» رواه الخمسة إلا

стр. 634

النسائي (١). ولأنه بالحيض تصلح المرأة أن تكون أمًّا، فحصل به الإدراك والبلوغ كالإنزال. ولأنه [١٨٠/ب] أحد الأصلين من المرأة اللذين يُخلَق منهما (٢) الإنسانُ، فحصل البلوغ به كالمني. ولأنّ بلوغَ الأشُدِّ هو استكمال الإنسان قواه، والحيض والإمناء آخر قوى (٣) البدن حصولًا، فبه (٤) يحصل بلوغُ الأشُدّ. مسألة (٥): (وأقلُّ الحيض: يومٌ وليلةٌ) . الأصل في هذا الكلام أن الأسماء التي عُلِّقت الأحكام بها في الشرع ثلاثة أقسام: أحدها: ما بُيِّن حدُّه ومقدارهُ بالشرع، كأعداد الصلاة ومواقيتها، ونُصُب

стр. 635

الزكوات وفرائضها، وعدد الطوفات، ونحو ذلك. وثانيها: ما يُعلَم حدُّه ومقدارُه من جهة اللغة، كالليل والنهار، والبرد والفجر (١)، والسنة والشهر، ونحو ذلك. وثالثها: ما ليس له حدٌّ في الشرع ولا في اللغة، فالمرجع (٢) فيه إلى ما تعرفه الناس ويعتادونه، كالحِرز (٣) والقبض والتفرُّق ونحو ذلك (٤). والحيض شبيه بهذا القسم، فإن الدم الخارج من الفرج قسمان: دم حيض، ودم عِرق. ولا بدَّ من الفصل بينهما، لترتيب أحكام الحيض على دم (٥) الحيض دون الدم الآخر. ولا شك أنَّ دم الحيض دم طبيعة وجبلَّة مثل خروج المني والبول وغير ذلك من الإنسان، ودم الاستحاضة دم فساد ومرض وعِرق. فإذا خرج الدم على الوجه المعتاد في النساء كان دم حيض، وإن خرج من العادة كان استحاضة بمنزلة الجرح. والغالبُ على النساء أنهن يحضن ستًّا أو سبعًا. وقد وُجِد [١٨١/أ] كثيرًا

стр. 636

مَن تحيض أقلَّ من ذلك إلى [يوم أو يومين] (١). قال عطاء بن أبي رباح: رأيتُ من النساء من كانت تحيض يومًا، ومن كانت تحيض خمسة عشر يومًا (٢). وذكر إسحاق بن راهويه عن بكر المزني أنه قال: تحيض امرأتي (٣) يومين. وذكر عبد الرحمن بن مهدي عن امرأة يقال لها أمُّ العلاء قالت: حيضتي منذ آباد الدهر يومان. فلم تزل على ذلك حتى قعدت عن الحيض (٤). وقال الشافعي (٥): رأيتُ امرأةً أُثبِتَ لي عنها أنها لم تزل تحيض يومًا، لا تزيد عليه. وأُثْبِتَ لي عن نساء أنهن لم يزلن يحضن أقلَّ من ثلاثة أيام. وقال إسحاق: قد صحَّ في زماننا عن غير واحدة أنها قالت: حيضتي يومان (٦). قال: وقالت امرأة معروفة من أهلنا: لم أفطر منذ (٧) عشرين سنة في رمضان إلا يومين (٨).

стр. 637

وقال أبو عبد الله الزبير البصري (١): كان من نسائنا من تحيض يومًا، ومن تحيض خمسة عشر يومًا (٢). فإذا كان هؤلاء العلماء قد أخبروا بذلك عُلِم أنَّ في النساء من تحيض اليومَ واليومَين كثيرًا، فصار ذلك أمرًا معروفًا معتادًا في النساء. وكذلك قال الخلال: مذهب أبي عبد الله لا اختلاف فيه أنَّ أقلَّ الحيض يومٌ، وأكثرَه خمسة عشر (٣). لكن اختلفت الرواية في هذا اليوم، فعنه: هو يوم بليلته، كما ذكره الشيخ. وعنه: يوم بدون ليلته (٤). اختاره أبو بكر (٥)، لأن الأوزاعي قال: عندنا امرأة تحيض بكرةً وتطهُر عشيةً (٦)، ولأن الأصل في كلِّ دم خارج أن يكون حيضًا، لأنَّ دم [١٨١/ب] الاستحاضة دم عارض لعلّة، والأصل عدمها. والأولى: اختيار الخرقي وأكثر أصحابنا (٧)، لأن اليوم المطلق هو

стр. 638

بليلته، ولأن ذلك قد (١) ثبت تكرُّره في النساء، وما دون ذلك لم يُنقَل إلا عن واحد، فلا يثبت العرف والعادة به، كما لم تثبت العادةُ [في] (٢) حقِّ المرأة بمرَّة واحدة. فأما ما دون اليوم إذا وُجِد، فلا يكون حيضًا، لأنه لم يثبُت في ذلك حيض معتاد، فأشبه دمَ الصغيرة والآيسة. ولأنَّ الحيض يمنع الصوم والصلاة كما في الأحاديث، والمجَّة الواحدة لا تمنع ذلك. مسألة (٣): (وأكثره خمسة عشر يومًا) . هذا هو المشهور عنه. وقد روي عنه أن أكثره سبعة عشر يومًا، لما ذكره عبد الرحمن بن مهدي قال: أخبرتني امرأة ثقة من جيراني أنها تحيض سبعة عشر (٤). وحُكي أيضًا عن نساء الماجشون أنهن كنَّ يحِضن سبع عشرة (٥). والأول أشهر عند أصحابنا، لأنَّ حيض الخمسة عشر هو الذي كثر وجوده في النساء، كما تقدَّم. وقال أحمد: حدثني يحيى بن آدم قال: سمعتُ

стр. 639

شريكًا يقول: عندنا امرأة تحيض كلَّ شهر خمسة عشر يومًا (١). وقال ابن المبارك: قال الأوزاعي ومالك بن أنس: كانت عندنا امرأة تحيض. قال أحدهما: خمسة عشر يومًا. وقال الآخر: تحيض يومًا واحدًا حيضًا معتدلًا. وقال الشافعي (٢): أُثبِتَ لي عن نساء أنهن لم يزلن يحضن خمسة عشر يومًا. وقال إسحاق بن راهويه سمعنا من النساء من يحضن أحد عشر يومًا، أو [١٨٢/أ] اثني عشر (٣)، أو أربعة عشر (٤)، أو خمسة عشر يومًا. كلُّ ذلك قد (٥) صحَّ عن العلماء، واستيقنوا ذلك عن نسائهم وغيرهن. وما زاد على ذلك فنادر لا يبنى عليه. قال عبد الرحمن بن مهدي لم يبلغنا أنَّ امرأة حاضت أكثر من خمسة عشر يومًا، إلا واحدةً حاضت سبعة عشر يومًا. وقال إسحاق: لستُ أرى ما زاد على الخمسة عشر يصحُّ كصِحّة الخمسة عشر يومًا. وقال في الخمسة عشر: هي إجماع أهل العلم وما عقلوه. وقد احتجَّ على ذلك بما رواه ابن أبي حاتم في «سننه» (٦) عن

стр. 640

عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ قال: «ما رأيتُ من ناقصاتِ عقلٍ ودينٍ أغلبَ لذي لبٍّ منكن. أمّا نقصانُ العقل (١)، فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل. وأمَّا نقصانُ دينها، فإنها تمكث شطرَ عمرها لا تصلِّي». والشطر: النصف، فهذا يدلُّ على أن النصف هو منتهى نقصان دينهن، إذ لو كان أكثرَ من ذلك لَذكَره في معرض بيان نقص دينهن. ولأنه لو لم يُرِد ذلك لَذكَر إمَّا الغالب أو الأقل. وهذا يدلّ أيضا على أنَّ أقلَّ الطهر خمسة عشر يومًا، إذ لو كان أقلَّ من ذلك لَذكَره لأنه (٢) الغاية في نقص الدين. فإن قيل: بل اعتبَر الغالب، لأنَّ غالب الأعمار من الستِّين إلى السبعين، فقريب الربع قبل البلوغ وما بقي تترك (٣) الصلاة نحو ربعه، فيسلَم النصف. قلنا: ما تركَتْ من الصلاة قبل البلوغ يشتركن فيه هنَّ والرجال، فلا

стр. 641

يجوز أن يُعدَّ من نقص دينهن. ولأن (١) قبل البلوغ، ليس (٢) [١٨٢/ب] الإنسان من أهل التكليف أصلًا، فلا يوصف منعه من الصلاة بنقص دين. مسألة (٣): (وأقلُّ (٤) الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يومًا، ولا حدَّ لأكثره) . أمَّا أكثرُ الطهر فلا حدَّ له، لأن من النساء من تطهُر الشهر والسنة، كما أنَّ منهن من لا تحيض أبدًا. وأما أقلُّه فثلاثة عشر. وهذا هو المشهور من المذهب. وقالت طائفة من أصحابنا: أكثره خمسة عشر. وحكاه ابن أبي موسى (٥) والقاضي وغيرهما روايةً عن أحمد لما سبق. وسلك طائفة من أصحابنا طريقةً في ذلك، وهو أنَّ الله جعل عِدَّة الآيسة والصغيرة ثلاثةَ أشهر في مقابلة القروء الثلاثة التي هي عِدَّة من الحيض: كلَّ شهر مقابل قُرء. ولا (٦) يجوز أن يكون في مقابلة أقلِّ الحيض والطهر لأنَّ أقلَّهما يكون أقلَّ من ذلك، ولا في مقابلة أكثرها أو أقلِّ وأكثرِ الطهر، لأن أكثر الطهر لا غاية

стр. 642

له. فبقي أن يكون في مقابلة أقلِّ الطهر وأكثر الحيض. ثم منهم (١) من قال: أكثر الحيض خمسة عشر، فأقلُّ الطهر خمسة عشر. وقال أبو بكر وغيره: أقلُّ الطهر ثلاثة عشر، فأكثرُ الحيض سبعة عشر (٢). وعنه: أنه ليس بين الحيضتين شيء موقت, وهو على ما تعرف المرأة من عادتها، وإن كان اثني عشر يومًا أو عشرة أيام، لأنه لا يوقَّت في ذلك، فيرجع فيه إلى العادة كأكثر الطهر. ووجه المشهور: ما احتجَّ به الإمام أحمد ورواه عن عليٍّ ﵁: أن امرأة جاءت إليه قد طلَّقها زوجُها، فزعمت أنها حاضت في شهر ثلاثَ حِيَض، طهرت عند كلِّ قرء، وصلَّت. فقال عليٌّ لشريح: قُلْ فيها. فقال شريح: إن جاءت ببيِّنة من بِطانةِ (٣) أهلها ممن يُرضى دينه وأمانته شهدت أنها حاضت في شهر ثلاثَ [حِيَض] (٤) وإلا فهي كاذبة. فقال علي: قالون (٥)! معناه بالرومية: جيِّد. وذكر إسحاق عن عطاء وإبراهيم النخعي كذلك، ولا يعرف لهم مخالف. ولا يمكن في شهر ثلاث حيض إلا بأن تكون الثلاثة عشر طهرًا كاملًا،

стр. 643

فيثبت بهذا الحديث أنَّ الثلاثة عشر طهرٌ صحيح فاصل بين الحيضتين، وما دون ذلك لم يثبت فيه توقيف ولا عادة، فلم يجُز أن نجعل الدم الموجود في طرفه حيضتين إلا بدليل؛ بخلاف ما إذا جعلناه حيضة واحدة، فإن الأصل عدم التعدد والتغاير. والله أعلم. مسألة (١): (وأقلُّ سنٍّ تحيض له المرأة: تسعُ سنين) . هذا هو المشهور في المذهب. وقد روي عنه (٢) في ابنة عشرٍ: إذا رأت الدم فليس بحيض. قال القاضي: فعلى هذه الرواية يكون أول زمن الحيض أول زمن الاحتلام، وهو اثنتا عشرة (٣) سنة. لما روي عن مكحول عن أبي أمامة عن النبيِّ ﷺ قال: «ذراريُّ المسلمين يوم القيامة تحت العرش شافع ومشفَّع: من لم يبلغ اثنتي عشرة (٤) سنة، [ومَن بلغ ثلاث عشرة سنة] (٥) فعليه وله». رواه أبو بكر الشافعي في «الغيلانيات» (٦).

стр. 644

ووجه الأول: ما ذكره البخاري (١) عن عائشة قالت: إذا بلغت المرأة تسعَ سنين فهي امرأة. [و] (٢) رواه القاضي أبو يعلى (٣) عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أتى على الجارية تسعُ سنين فهي امرأة». وفي إسناده نوع جهالة، لكنه إذا لم يكن حجةً وحده، فقد أيَّده قولُ صحابي، ولولا أنَّ التسع يمكن فيها البلوغ لما كانت امرأةً ببلوغها. ولأنَّ المرجع في ذلك إلى الموجود والعادة، ولم يُعرَف حيض معتاد قبل استكمال التسع، فإن ندر وجودُ دم، فهو دم فساد. فأمَّا بعدها، فقد وُجد حيض وحبَل. قال الشافعي (٤): أقلُّ مَن سمعته من النساء تحيض نساءُ تهامةَ، تحيض لتسع سنين. وقال أيضًا: رأيتُ جدَّةً لها إحدى وعشرين سنة حُجِر عليها (٥).

стр. 645

مسألة (١): (وأكثره ستون سنة) . لا يختلف المذهب أنَّ لانقطاع الحيض غايةً، إذا بلغتها المرأة لم تحِض بعدها، بل يكون الدم حينئذ دم فساد، لأن الله تعالى قال: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق: ٤] ولو أمكن أن تحيضَ (٢) أبدًا لم تيأس (٣) أبدًا. ولأنه لم يوجد حيض معتاد في بنت المائة ونحوها، فإن وجد شيء من ذلك فهو دم فساد كالصغيرة. وهذه الغاية ستون سنة في إحدى الروايات، لأن ما قبل ذلك قد وُجِد فيه حيض معتاد، بنقل نساء ثقات. والثانية: خمسون، لقول عائشة: إذا بلغت المرأة خمسين سنة خرجت من حدِّ الحيض. ذكره الإمام أحمد (٤). ورواه الدارقطني (٥) ولفظه: لن ترى

стр. 646

المرأة في بطنها ولدًا بعد خمسين سنة. قالوا: وهذا تقدير لا [١٨٤/أ] يدرَك بالرأي، فيشبه أن يكون توقيفًا. والثالثة: ستّون في نساء [العرب، وخمسون في نساء] (١) العجم، لأن نساء العرب أشدُّ جِبلًّة وأَسْرًا. وقد ذكر الزبير بن بكَّار في «كتاب (٢) النسب» عن بعضهم أنه قال: لا تلد لخمسين إلا عربية، ولا تلد لستِّين إلا قرشية. وقال: إن هند بنت أبي عبيدة بن عبد الله (٣) بن زمعة ولدت موسى بن عبد الله بن حسن (٤) بن حسن، ولها ستون سنة. وجعل الخرقي (٥) ما بين الخمسين إلى الستين دمًا مشكوكًا فيه: هل هو حيض أو استحاضة؟ لتعارض العادةِ التي توجب أن يكون حيضًا، وقولِ عائشة الذي ظاهرُه التوقيف، فتصوم فيه وتصلِّي لجواز أن لا يكون حيضًا صحيحًا كالمستحاضة، وتغتسل إذا انقطع الدم، وتقضي الصوم لجواز أن يكون حيضًا صحيحًا.

стр. 647

مسألة (١): (والمبتدأة إذا رأت الدم لوقتٍ تحيضُ في مثله جلسَتْ، فإذا انقطع لأقلَّ من يوم وليلة فليس بحيض) . وذلك لأنَّ الحيض هو شيء كتبه الله على بنات آدم، ولا بدَّ للمرأة في الغالب منه. ودمُ الاستحاضة دمُ فساد ومرض لعارض، والأصل هو الصحة والسلامة، فيجب بناء الدم على الأصل، وإلحاقُ الفرد بالأعمّ الأغلب. فلذلك تجلس عن الصلاة أولَ ما ترى الدم، فإن انقطع لأقلَّ من يوم وليلة على المشهور، فهو دم فساد، لأنَّ الحيض لا يكون أقلَّ من ذلك، فتقضي ما تركَتْ فيه من الصلاة. [١٨٤/ب] مسألة (٢): (وإذا جاوز ذلك ولم يعبُر أكثر الحيض، فهو حيض) . لا تخلو المبتدأة إمَّا أن ينقطع دمها ليوم وليلة، أو يستمرَّ (٣) بها. فإن انقطع فهو حيض، تغتسل لانقطاعه، وتصير طاهرًا في جميع الأحكام، ولا يُكره لزوجها وطؤها، كالمعتادة إذا طهرت لعادتها. وعنه: يكره وطؤها حتى يتكرَّر بها ذلك مرتين أو ثلاثًا، فتظهر (٤) أيام حيضها، لأنها لا تأمن معاودة

стр. 648

الدم في حال الوطء، ولا مشقَّة عليه في الامتناع، فيُكرَه وطؤها؛ كالنفساء إذا انقطع دمها لدون الأربعين. فعلى هذا يترك الوطء إلى تمام أكثر الحيض، كما قالوا في النفساء. هذا موجب تعليل القاضي وصرَّح به غيُره. وإن استمرَّ بها، فالمشهور عن الإمام أحمد، وهو اختيار أكثر أصحابه: أنها (١) تحتاط، فتغتسل عقب اليوم والليلة، لجواز أن يكون المستمِرُّ دم استحاضة، وتصوم الفرض وتصلِّي في هذه الأيام. ثم إن انقطع لأكثر الحيض فما دونه اغتسلت غسلًا ثانيًا، لاحتمال أن يكون حيضًا. فإن استمرَّ بها الدم ثانية وثالثة على وجه واحد تبيَّنَّا أنه دم حيض، فتقضي ما صامت فيه أو طافت فيه من الفرض، لأنه وقع في أيام الحيض فيُجعل ما زاد على الحيض المتيقَّن مشكوكًا فيه، حتى يصير معتادًا. وإن انقطع دمها في الشهر الثاني لأقلِّ الحيض تبيَّنَّا أنه في الشهر الأول دم فساد، فلا تقضي الصوم والطواف فيه، لأنها [١٨٥/أ] فعلته في دم لم يُحكَم بأنه حيض، وإنما هو كدم الاستحاضة. ولأنَّ اختلاف العادة يؤثِّر فيما ثبت أنه حيض، ففيما لم يثبت أنه حيض أولى. وهكذا إن زاد في الشهر الثاني على حيض الشهر الأول أو تقدَّم، فإنَّ الزيادة دم فساد، لأنها لم تتكرر. وقد ذكر أبو بكر وأكثر أصحابنا في هذه المسألة ثلاثَ روايات أُخَر (٢):

стр. 649

إحداهن: أنها تجلس الدمَ جميعه، ما لم تعبرُ أكثر الحيض، كما (١) اختاره الشيخ ﵀ هنا. وهو أقيَس في بادئ الرأي، لأن الأصل في الدم الخارج أن يكون حيضًا ما لم يقم دليل على فساده، ولا دليل هنا لأنه موجود في زمن الإمكان المعتاد. ولأنَّ أولَ الدم جلسَتْه لأنه في وقت الإمكان، فكذلك آخرَه. ولأنه كان دم حيض قبل اليوم والليلة، والأصل فيه بقاؤه (٢) على ما كان. ولأنَّ النساء لم يزلن يحِضن على عهد رسول الله ﷺ وأصحابه، ولم يُنقَل أنهن كنَّ يؤمرن في أثناء الحيضة الأولى والثانية بالاغتسال عقب يوم وليلة، ولو فعَلن ذلك لَنُقِل. والثانية: أنها تجلس غالب عادات النساء ستًّا أو سبعًا، كما تجلسه المستحاضة، لأن الدم الموجود في هذه الأيام يظهر أنه حيض، بخلاف ما بعد ذلك، فاحتَطْنا له. والثالثة: أنها تقصد عادةَ نسائها مثل أمِّها وأختها وعمَّتها وخالتها، لأن الحيض هو من باب الطبائع والجِبلَّات, وبنو الأب الواحد والأم الواحدة [١٨٥/ب] أقرب إلى الاشتراك في ذلك من غيرهم. وقال القاضي: المذهب عندي رواية واحدة: أنها تجلس أقلَّ الحيض، وإنما الروايات في المبتدأة المستحاضة (٣). وطريقة الجمهور أقوى، لأن أبا بكر أثبت ذلك عن أحمد، وحكوا عنه ألفاظًا تدلُّ على ذلك.

стр. 650

وقد قال بعضهم: إذا كان قد جُعِل ما زاد على الأقل حيضًا في المستحاضة، مع انفصاله بدم فاسد، لكونه صالحًا له، فالصالحُ الذي لم يتَّصل بدم فاسد أولى. وهذه الأولوية لا تجيء على المذهب، لأنها متى استحيضت فليس لها وقت ترتقبه، يتميَّز (١) فيه دمُ الحيض عن غيره، ولا سبيل إلى جعل الزائد مشكوكًا فيه أبدًا لإفضائه إلى الحرج العظيم. وليس الاحتياط بأن تصلِّي وتصوم أولى من الاحتياط بأن لا تصلِّي وتقضي الصوم. وقد تبيَّنّا أن بعض هذا الدم حيض، وبعضه استحاضة، فلهذا عدلنا إلى الفرق بين دم الحيض والاستحاضة؛ بخلاف ما إذا لم يتجاوز أكثرَ الحيض فإنه دائر بين أن يكون حيضًا أو استحاضةً، فأمكن الاحتياطُ فيه لانكشاف الأمر فيما بعد، وهذا وجه المشهور. ولأن هذا الدم لا تبنى عليه الاستحاضة على أصلنا، فلم يكن حيضًا كسائر الدماء الفاسدة. ولأنه ليس قبله عادة، ولا يتيقَّن (٢) أن بعده عادة، والحيض الصحيح حاصل بدونه، وهو دائر بين الحيض والاستحاضة، فلم تترك الصلاة المتيقَّنة بشيء مشكوك فيه؛ بخلاف اليوم والليلة، فإنَّ المرأة أهلٌ [١٨٦/أ] للحيض، وقد رأت الدم، ولا بدَّ أن يكون منه ما هو دمُ حيض، ويستحيل (٣) أن يكون الدم الخارج في وقت الإمكان جميعُه استحاضةً. وأمرناها أن تجلس أولَّ ما رأته، وإن جاز انقطاعه قبل اليوم، لأنَّ الأصل جريانه واستمراره، فإنَّ الانقطاع خلاف الأصل.

стр. 651

فصل فعلى الرواية المشهورة عن أحمد، إذا قلنا: إنها لا تجلس ما زاد على أقلِّ الحيض حتى تصير عادةً، وقلنا: العادة المعتبرة أن تتكرَّر ثلاث مرَّات= فقالت طائفة من أصحابنا: في المرَّة الرابعة تعمل بها. فعلى هذا إذا تكرَّر الدم في الأشهر الثلاثة على قدر واحد جلَسَتْه في الشهر الرابع، ولم تغتسل إلا حين الانقطاع، ولم تصلِّ ولم تصُمْ. وتقضي ما صامت (١) من الفرض في تلك الحيضات. وإن اختلف قدرُ الدم جلست القرءَ المتفق عليه (٢). فلو رأت شهرًا سبعًا، وشهرًا ستًّا، وشهرًا خمسًا، جلست في الرابع الخمسَ لأنها صارت عادة. وسواء كان الاختلاف مرتَّبًا أو غيرَ مرتَّب، فالمرتَّب أن تكون الزيادة والنقص على ترتيب، مثل أن تحيض في الشهر الأول خمسًا، وفي الثاني ستًّا، وفي الثالث سبعًا، أو بالعكس، فتكون العادة خمسًا على إحدى الروايتين. وفي الأخرى: ستًّا. وغير المرتَّب مثل أن تحيض ستًّا، ثم خمسًا، ثم سبعًا (٣)، فلا تكون العادة إلا الخمس، ولا تردُّدَ في أحد الوجهين، لأنه (٤) في اليوم السادس (٥) لم يتكرَّر [١٨٦/ب] متواليًا، بل انقطع في الشهر الثاني، فيبطل كونه حيضًا؛ ولا بدَّ في العادة من التكَرّر المتوالي. وفي الوجه الآخر تجري فيه الروايتان.

стр. 652

ولا يجوز وطؤها في هذا الدم. وأجزنا وطء المستحاضة، لأنَّ هذا الدم أسوأ أحواله أن يكون مشكوكًا فيه، فيجب الاحتياط بترك الوطء فيه، كما احتِيط بالصلاة فيه. ولهذا كان صومها وطوافها واعتكافها هنا موقوفًا، وفي المستحاضة صحيحًا. وقال القاضي وابن عقيل: إذا أثبتنا العادة بثلاث مرَّات، فإنا نتبعها في المرة الثالثة (١)، وإن أثبتناها بمرَّتين عملت بها في المرة الثالثة. وكلام أحمد يقتضي هذا، وهو أشبه، لأنَّ العادة في المرَّة الثالثة كأقلِّ الحيض في أول مرَّة، فوجب العمل به من أول زمنه. مسألة (٢): (فإذا تكرَّر ثلاثة أشهُر (٣) بمعنًى واحد صار عادة) . هذا أشهر الروايتين. وعنه: أنه يصير عادةً بتكرار مرَّتين، فتبني عليه المبتدأة في المرَّة الثالثة أو في المرّة الثانية، على اختلاف الطريقين؛ لأن العادة مشتقَة من العَود، وذلك يحصل في المرّة الثانية. والأول أصحُّ، لأن النبي ﷺ لما ردَّ المستحاضة إلى عادتها قال: «اجلسي قدرَ الأيام التي كنتِ تحيضين فيها» (٤) وقال: «اجلسي قدرَ ما كانت تحبسك حِيضتُك» (٥) وقال: «لتنظُرْ ما كانت تحيض في كلِّ شهر، وحيضُها

стр. 653

مستقيمٌ فلتعتَدِدْ (١) بذلك» (٢). ولا يقال: «كان يفعل (٣) كذا» إلا لما [١٨٧/أ] دام وتكرَّر، دون ما وُجِد مرَّةً أو مرتين. وقال في حديث آخر: «تجلس أيام أقرائها» (٤) وأقلُّ ما تكون الأقراء ثلاثة. ولأنّ الثلاث آخرُ حدِّ القلة وأولُ حدِّ الكثرة، ولهذا قدِّر بها أشياء كثيرة مثل: خيار المصرَّاة (٥)، وخيار المخدوع (٦)، ومدّة

стр. 654

الهجرة (١)، والإحداد على غير الزوج (٢)، وإقامة المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه (٣)، وغير ذلك. وقولُهم: العادة مشتقَّة من العَود، إنما يصحُّ أنْ (٤) لو كان الشرع هو الذي علَّق الحكم باسم العادة. والعادة من ألفاظ الفقهاء. وهذا كما يقول بعضهم: أقلُّ أسماء الجموع اثنان، لأنَّ الجَمْع: الضَّمُّ، وذلك موجود في الاثنين. وإنما يصحُّ هذا أنْ لو كان العرب سمَّت هذه الألفاظ جموعًا، وإنما هذه تسمية النحاة. ثم لو راعينا الاشتقاق، فإنَّ العادة لا تحصل بعَود مرّة، لأنّ أصلها «عَوَدة»، فلما تحرَّكت الواو وانفتح ما قبلها قُلِبَت ألفًا. وهذه صيغة مبالغة (٥)، فلا يحصل ذلك إلا بتكرار العَود، وأقلُّ ما يتكرَّر فيه العَود مرتين بعد الأولى.

стр. 655

وسواء كانت الأشهر الثلاثة متوالية أو متفرقة، حتى لو حاضت سبعًا ثم ستًّا ثم خمسًا، فإنها تجلس الخمسَ. فإن حاضت في الشهر الرابع ستًّا صارت هي العادة، لتكرُّرها ثلاث مرَّات. هذا أحد الوجهين. وفي الثاني (١): لا تثبت العادة إلا بتوالي أشهر الحيض، لأنها لما حاضت بعد ذلك ستًّا صار اليوم السادس حيضًا مبتدأ لا معتادًا. وهذا [١٨٧/ب] أشبه بالمذهب، لأنَّ من أصلنا أنَّ العادة إذا نقصت (٢) في بعض الأشهر، فإن كانت تحيض عشرًا فحاضت في شهر سبعًا، ثم استحيضت في عقب ذلك، فإنَّها تبني على سبع. مسألة (٣): (وإن عبر ذلك فالزائد استحاضة) . المستحاضة: هي التي يخرج منها دم، يُشبه دمَ الحيض وليس بحيض، بل هو دم عرق وفساد، لمرض أو انحلال طبيعة أو غير ذلك. وهذا الدم يفارق حكمُه حكمَ الحيض، لأنه شبيه بدم الجرح والفِصاد ونحو ذلك، وليس هو دم الجبلَّة الذي كتبه الله على بنات آدم، وخلقه لحكمة غذاء الولد وتربيته. وهو ثلاثة أقسام: أحدها: أن تعلم أنه دم استحاضة، كالدم الذي (٤) تراه الصغيرة أو

стр. 656

العجوز (١) الكبيرة، أو الذي يجاوز (٢) أكثرَ الحيض، فإنَّ الذي يجاوز أكثر الحيض يعلم أنه استحاضة. وثانيها: أن تقوم (٣) الأمارةُ على أنه دم استحاضة، من العادة أو التمييز أو غيرهما (٤). وثالثها: أن يلتبس الأمر ويشتبه، كما سنذكر إن شاء الله تعالى. وهذا الذي يشتبه على قسمين: منه ما يُعلَم أنَّ بعضه حيض وبعضه استحاضة، وقد اختلط هذا بهذا. ومنه ما لا يُدرى أدم حيض هو، أم دم استحاضة؟ وهذا هو المشكوك فيه. فصارت الدماء ثلاثة أصناف: منها ما يُحكم بأنه حيض. ومنها ما يحكم بأنه استحاضة. ومنها ما يشَكُّ فيه . فمتى عبر الدم في المبتدأة (٥) أكثرَ الحيض، فهي مستحاضة، يجري عليها حكم المستحاضات كالمعتادة ثبت في حقِّها حكمُ الاستحاضة في أول مرَّة في أصحِّ الوجهين. وفي الآخر، وهو قول القاضي قديمًا: لا يثبت في حقِّها حكم المستحاضة حتى يتكرَّر مرة أو مرتين، على اختلاف الروايتين، لأنه يرجى انكشافُ حالها قريبًا بحدوث عادة لها. فتجلس على قوله يومًا وليلةً في ظاهر المذهب في الأشهر الثلاثة، على

стр. 657

قولنا: لا تثبت العادة إلا بثلاث، ومن الثالث أو الرابع تجلس كما تجلسه المستحاضة، وهو ستٌّ أو سبعٌ في المشهور. [وإن] (١) تبيَّن أن بعض ما تجلسه كان حيضًا فتقضي صومه كغير المستحاضة. والوجه الأول أصحُّ، وقد نصَّ على معناه، وهو الذي اختاره عامُّة أصحابنا حتى القاضي أخيرًا. ثم إن كانت جلست أكثرَ الحيض كما ذكره الشيخ فتغتسل عند انقضاء زمن الحيض، وتلتزم حكمَ المستحاضة من حينئذ، لأنها قبل ذلك لم تكن تعلم أنها مستحاضة. فإذا استمرَّ بها الدم في الشهر الثاني علمَتْ إما بالتمييز أو بالغالب كما سيأتي. وما تركته من الصلاة في الشهر الأول في الزمن الذي تبيَّن أنها كانت فيه مستحاضة (٢) إما بالتمييز أو بالغالب، فإنها تقضيه. وإن كانت جلست أقلَّه، فإنها تقضي ما صامت في المدّة التي تبيَّن أنها حيض. وكذلك (٣) إن جلست غالبه أو عادة نسائها. مسألة (٤): (وعليها أن تغتسل عند آخر [١٨٨/ب] الحيض). هذا على ما ذكره، وهو أنها تغتسل عند آخر الذي قعدته أولًا.

стр. 658

وكذلك (١) كلُّ مستحاضة (٢) فإنَّ عليها أن تغتسل عند آخر الحيض، لأنّ النبيَّ ﷺ قال لفاطمة بنت أبي حبيش: «إذا أقبلت الحَيضة فدَعي الصلاة، وإذا أدبرَتْ فاغتسلي وصلِّي» رواه البخاري (٣). ولا يجب عليها في مدة الاستحاضة غسل، وإنما عليها أن تتوضَّأ، لأنَّ في حديث فاطمة: «وتوضَّئي لكلِّ صلاة» (٤)، ولم يأمرها بالغسل، وحيثما جاء الوضوء (٥) فهو استحاضة. وإن اغتسلت كلَّ يوم غسلًا من الظهر إلى الظهر، فهو أفضل من الوضوء، لأنه ما من يوم إلا ويمكن أنَّ دمَ الحيض قد انقطع فيه. والأفضل من ذلك أن تغتسل ثلاثة أغسال: غسلًا تجمع به بين الظهر والعصر، وغسلاً تجمع به بين المغرب والعشاء، وغسلًا تصلِّي به الفجر؛ فتكون قد صلَّت بطهارة محقَّقة. وأشدُّ ما قيل فيها أن تغتسل لكلِّ صلاة، لما روي عن عائشة قالت: استحيضت زينب بنت جحش، فقال لها النبيُّ ﷺ : «اغتسلي لكلِّ صلاةٍ» رواه أبو داود (٦).

стр. 659

وعن عائشة: أنَّ سهلة بنت سهيل بن عمرو استحيضت، فأتت رسولَ الله ﷺ ، وسألته عن ذلك، فأمرها بالغسل عند كلِّ صلاة. فلما جهَدها ذلك أمرَها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل، والمغرب والعشاء بغسل، والصبح بغسل. رواه أحمد وأبو داود (١). ولأن وقت كلِّ صلاة [١٨٩/أ] يجوز أن يكون قد انقطع فيه دمُ الحيض، لا سيَّما في المتحيِّرة، لأن العادة والتمييز ليسا بدليل قاطع، لجواز انتقال العادة، وكونِ الأصفر والأحمر دمَ حيض. ولأنه وإن كان استحاضة محقَّقة، فهو شبيه بدم الحيض، فجاز أن يُستحبَّ معه الغسل كالحجامة، وأولى.

стр. 660

مسألة (١): (وتغسِلَ فرجَها، وتَعصِبَه) . لأن النبيَّ ﷺ قال لفاطمة: «فإذا أدبرت الحيضة فاغسلي عنك الدمَ، وصلِّي» (٢) وقال لحمنة: «أنعَتُ لك الكُرْسُفَ، فإنه يُذهِب الدم» قالت: إنه أكثر من ذلك. قال: «فاتَّخذي ثوبًا» قالت: هو أشدُّ من ذلك قال: «فتلَجَّمي» (٣). وقال في حديث أم سلمة للمستحاضة: «لِتَسْتَثفِرْ بثوب» (٤).

стр. 661

قال الخطَّابي (١): هو أن تشُدَّ ثوبًا تحتجز به، يُمسِك موضعَ الدم ليمنع (٢) السيلان. فقد أمر النبيُّ ﷺ بغسل الدم، وأمرَ بما يوجب حبسَ الدم عن السيلان، من احتشاء أو شدٍّ أو تعصيب، حسب الإمكان. وذلك لأنه نجاسة وحدث أمكنت الصلاة بدونها، فوجب الاحتراز منه، كغير المعذور. وإن غلب الدم وخرج بعد إحكام الشدِّ والتلجُّم لم يضُرَّ. ولما روت عائشة ﵂ قالت: اعتكفت مع رسول الله ﷺ امرأةٌ من أزواجه، فكانت ترى الدَّم والصفرة، والطستُ تحتها، وهي تصلِّي. رواه البخاري (٣). وعن عائشة أن النبي ﷺ قال لفاطمة بنت أبي حُبيش: «اجتنبي الصلاةَ أيام محيضكِ، ثم اغتسلي، وتوضَّئي لكلِّ صلاة، وصلِّي، وإن قطر الدمُ على الحصير» رواه أحمد وابن ماجه والدارقطني (٤). وكان عمر ﵁ لما طُعِنَ يصلِّي، وجرحُه يثعَب (٥) دمًا. احتجَّ به الإمام أحمد (٦)، ورواه هو وغيره (٧).

стр. 662

وقال إسحاق: كان زيد بن ثابت به سلَس البول، وكان يداويه ما استطاع. فإذا غلبه توضَّأَ، ولا يبالي ما أصاب ثوبه (١). ولأنَّ هذا أقصى ما يمكنه، ولا يكلِّف الله نفسًا إلا وسعها. ولا إعادة عليه، لأنه فعَل ما أُمِر به؛ ولأنه عذرٌ يتَّصل (٢) ويدوم، ففي إيجاب الإعادة مشقَّة. ويجب إعادة غسل الدم والتعصيب لوقت كلِّ صلاة كالوضوء، في أحد الوجهين، سواء ظهر الدم في ظاهر العصابة (٣) أو كان بباطنها. والآخر: لا يجب. وهو أقوى، لأن في غسل العصائب كلَّ وقت وتجفيفه (٤) أو إبداله بطاهر مشقةً كبيرةً، بخلاف الوضوء؛ ولأن النبي ﷺ لمَّا أمرها بالوضوء لكلِّ صلاة لم يذكر غسلَ الدم وعَصْبَ الفرج. مسألة (٥): (وتتوضَّأَ لكلِّ صلاة وتصلِّي) . وجملة ذلك أنه لا يجوز أن تتوضَّأ إلا بعد دخول الوقت، فإذا توضأت صلَّت به ما شاءت من الفروض والنوافل.

стр. 663

وعنه: لا تجمع بوضوء واحد فرضَين [١٩٠/أ] لكن إذا اغتسلت فلها أن تجمع بالغسل بينهما، لأن النبي ﷺ قال لفاطمة: «وتوضَّئي لكلِّ صلاة» (١). وجوَّز الجمعَ بين الصلاتين بغسل واحد لحَمْنة بنت جَحش (٢) وسَهلة بنت سهيل (٣). والمشهور: الأول، لأنه إذا جاز أن تجمع بين الفرضين بغسل واحد جاز بوضوء واحد، لأنَّ الحدث قائم في الموضعين. وإنما كان الغسل أفضل خشيةَ أن يكون الخارج دم حيض. وقولُه: «توضَّئي لكلِّ صلاة» أي لوقتِ كلِّ صلاة من الصلوات المعهودة، لما روى ابن بطّة (٤) بإسناده عن حَمْنة بنت جحش أنها كانت تُهَراق الدمَ، وأنها سألت رسولَ الله ﷺ عن ذلك، فأمَرها أن تغتسل لوقت كلِّ صلاة، لأنه يجوز لها الجمع بين نوافل وفرض. ولو أراد أنها تتوضَّأ لفعل كلِّ صلاة مطلقًا لما جاز ذلك. ولأنَّ الصلاة الراتبة هي المشهورة، فأمَّا الفوائت والمجموعة فنادرة. فإذا قيل: توضَّأْ عند كلِّ صلاة، انصرف الإطلاق إلى المعهود. ولهذا لما قال أنس: كان رسول الله ﷺ يتوضَّأ لكلِّ صلاة (٥)، لم يفهم إلا الصلوات ا

стр. 664

لخمس في مواقيتها. ولا يجوز طهارتها قبل الوقت، لأنها طهارةُ ضرورة، فلم يجُز في وقت الاستغناء عنها كالتيمُّم، وأولى؛ لأن سبب الحدث هنا خارج عند التطهر وبعده، بخلاف التيمم فإن القائم هناك الحدث. ولأنه حكم مقيَّد بالضرورة فيقدَّر بقدرها كأكل الميتة. ولأنَّ الحدث الخارج ينقض الوضوء ويوجب الاستنجاء، إلا ما عُفي عنه للضرورة، ولا ضرورة قبل الوقت. فإذا خرج الوقت انتقضت طهارتها، كما تنتقض بدخوله لو توضَّأَتْ قبل ذلك، في أحد الوجهين اختاره القاضي (١). والوجه الآخر، وهو ظاهر كلام أحمد: أنها لا تبطل بخروج الوقت [١٩٠/ب] وإنما تبطل بدخوله. فإذا توضَّأت للفجر لم يبطل وضوؤها إلا بزوال الشمس، لأن النبيَّ ﷺ أمرها أن تغتسل لوقت كلِّ صلاة، وتتوضَّأ لكلِّ صلاة؛ وذلك يقتضي بقاء طهارتها من الوقت إلى الوقت. ولأنه (٢) كلَّما دخل وقتُ صلاة فهي مأمورة بالوضوء لها، فوجب عليها، وجاز أن تصلِّي بما شاءت بعد ذلك تبعًا، فلا فرق بين ما تفعله في الوقت أو بعد الوقت. فإذا توضّأت فإنها تنوي رفعَ الحدث المتقدِّم، و (٣) استباحة الصلاة من الحدث المتأخِّر. فإن نوت رفعَ الحدث فقط لم يكفِ (٤)، لأن سبب

стр. 665

الحدث دائم فلا يرتفع. هكذا ذكره بعضُ أصحابنا. وكلامُ غيره يقتضي أنه لا يجب عليها ذلك، لأنهم قالوا: هذه الطهارة ترفع بها حدثًا سابقًا، ولا يؤثِّر فيها [ما] (١) يتجدَّد من الحدث. بل يتعقَّب هذا الحدثُ طهارتَها فتكون محدِثةً. وإنَّا (٢) أجزنا لها الصلاة مع الحدث، لأنه لا يمكن في حقِّها أكثرُ من ذلك. وإن نوت الاستباحة فقط أجزأ، لأنه يعُمَّ الاستباحةَ من الحدثين، ويتضمَّن ارتفاع الحدث المتقدِّم. ولا يجب أن تنوي الطهارة للفريضة مثل التيمُّم، لأن هذه الطهارة ترفع الحدثَ الذي أوجبها وهو المتقدِّم، والحدثُ المتجدِّدُ بعد ذلك معفوٌّ عنه للضرورة، فلا يوجب طهارة أخرى. والأفضل أن تصلِّي في عقب الطهارة احترازًا عن الحدث والنجاسة بقدر (٣) الإمكان، إلا أن تؤخِّرها لبعض مصالحها كانتظار جماعة [١٩١/أ] أو إقامة، أو تكميل سُترة. فإن أخَّرتها لغير مصلحة، فقد قيل: لا يجزئها، لأنه أمكن التحرُّز عن ذلك، فأشبَه ما لو لم يُحكَم الشدُّ. والصحيح: أنه يجزئ، لأن الطهارة مقيَّدة بالوقت كما تقدَّم، ولأنه يجوز لها أن تطيل القراءة والتسبيح في الصلاة، فجاز لها التأخير كصلاة المغرب؛ بخلاف ما بعد خروج الوقت، فإنه لا يجوز مدُّ الصلاة إليه عمدًا. ولأن طهارتها باقية في حقِّ النوافل التي لم تصلِّها تبعًا مع تأخيرها، فلَأَنْ يبقى لفرض الوقت أولى.

стр. 666

مسألة (١): (وكذلك حكمُ مَن به سلَسُ البول، ومَن في معناه) . يعني: كلَّ من به حدث دائم، لا ينقطع قدرَ ما يتوضَّأ ويصلِّي، كسلَس البول، والمَذْي، والريح، والجُرح الذي لا يرقَأ، والرعاف الدائم. قال: هؤلاء يتوضؤون لكلِّ صلاة، ويمنعون الحدث بقدر الطاقة. ثم من كان حدثه بخروج نجاسة وجب تطهيرها إن أمكن كالجريح. ومن لم يمكنه أن يعصِبَ على جرحه عِصابًا لم يكن عليه شيء، فإنَّ عمر ﵁ صلَّى وجُرحُه يثعَب دمًا (٢). ولأنَّ هذا حدث دائم، فأشبَه المستحاضة. وينقض طهارتَهم ما ينقض طهارةَ غيرهم سوى الحدث الدائم، مثل أن يبول أحدهم أو يمسَّ ذكره، لأنه في هذا الحدث بمنزلة الصحيح. فأما الحدث الدائم، فإن كان متواصلًا أو ينقطع تاراتٍ لا تتَّسع للوضوء (٣) والصلاة لم يُبطِل (٤) الطهارةَ كما تقدَّم، لأنه لو أبطل الطهارةَ مطلقًا لما أمكنت الصلاة معه. وإن انقطع قدرًا يتّسع للوضوء (٥) والصلاة [١٩١/ب] فهو على قسمين: أحدهما: أن ينقطع عن برء بأن لا يعود بعد ذلك، فيتبيَّن بهذا الانقطاع بطلان طهارته، لأن الحدث الخارج قبل الانقطاع كان مُبطِلًا للطهارة، وإنما

стр. 667

عفي عنه للضرورة، فمتى زالت الضرورة ظهر أثره. وكذلك الحدث القائم ببدن المتيمم. فإن انقطع ولم تعلم هل هو عن برء أو غير برء لم يُحكَم بأنه برء، لأن الأصل عدم البرء وبقاء نجاسة (١) الاستحاضة. فإن لم يعُد وتبيَّن أنه كان عن برء حكمنا ببطلان كلِّ صلاة صلَّتها بعد هذا الانقطاع، إذا كان قد وُجد قبله حدثٌ بعد الطهارة، لأنّا تبينَّا أنها صلَّت بعد انتقاض وضوئها انتقاضًا يوجب الوضوء، وأقصى ما فيها (٢) أنها جاهلة بالحدث. ولا فرق في بطلان الصلاة بين العالم بالحدث والجاهل به. نعم، إن كان صاحب هذا الحدث إمامًا فهو كمن أمَّ قومًا ناسيًا لحدثه أو جاهلًا به. وإن كان هذا الانقطاع في الصلاة، فهو على الطريقين الذين يُذكران فيما بعد. الثاني: أن ينقطع عن غير برء، بل ينقطع ويعود. فإن كان زمن هذا الانقطاع معلومًا وقد صار عادةً لزمها أن تتحرَّى، وتتطهَّر، وتصلِّي فيه. ومتى انقطع على هذا الوجه بطلت طهارتها، لأنها أمكنها الصلاة بطهارة صحيحة من غير مشقَّة. فأمَّا إن عرض هذا الانقطاع لمن عادته اتصال (٣) الحدث، فكذلك في أحد الوجهين، ذكرهما الآمدي وغيره. وهو الصحيح عند كثير من أصحابنا، منهم القاضي وابن عقيل (٤)، لأن الضرورة زالت به، فيظهر حكم الحدث [١٩٢/أ]، كالمتيمِّم إذا رأى الماء. وسواء (٥) وُجِد هذا الانقطاع

стр. 668

في الصلاة أو خارجَها، لأنَّ ما كان حدثًا خارج الصلاة كان حدثًا فيها. وقد خرَّجها ابن حامد وغيره على روايتي المتيمِّم إذا رأى الماء. وأبى غيرُه (١) التخريج، لأنَّ الحدث هنا قد وُجِد بعد الطهارة، ولم يوجد عنه بدلٌ يبنى على حكمه. وقد قدَر على شرط العبادة فيها، فأشبه العاريَ إذا وجد السترة، والمصلِّيَ بالنجاسة إذا قدَر على إزالتها في الصلاة، لا سيَّما وهنا مُبطِلان: بطلانُ طهارة الحدث، وحملُ النجاسة. وإذا خرج وتطهَّر فإنه يستأنف. وقد خرَّج القاضي وجهًا وغيرُه: أنه يبني كما خرَّجه في التيمم (٢). ثم إذا انقطع، ولم يُعلَم هل هو انقطاع متَّسِع أو غير متَّسع، لم يُحكَم ببطلان الوضوء حتى يمضي زمنٌ يمكن فيه الوضوء والصلاة، لأنَّ الانقطاع الذي يوجب الطهارة مشكوك فيه. ولا يجوز له أن يصلِّي به لاحتمال دوامه واستمراره. وليست هنا طهارة متيقَّنة، لأنَّ الحدث وُجِد بعدها، والمسوِّغُ الصلاةَ معه ــ وهو دوامه ــ مشكوكٌ فيه، فأشبهَ المتيمِّمَ إذا شكَّ في عدم الماء قبل الدخول في الصلاة، لم يجُز له أن يصلِّي حتى يستبرئ. فإن خالف (٣) وصلَّى واتَّسع الانقطاعُ تبينَّا بطلانَ صلاته لبطلان طهارته. وإن لم يتَّسع الانقطاع، فالطهارةُ بحالها، وكذلك الصلاةُ، لأنا تبينَّا أنها وقعت بطهارة، في أحد الوجهين. وفي الآخر: لا يصحُّ. وهو أقيَس، لأنه شرَع في الصلاة مع المخالفة، فلم يصحَّ وإن أصاب؛ كمن شكَّ في الطهارة،

стр. 669

فصلَّى، ثم تيقَّن الطهارة؛ [١٩٢/ب] وماسحِ الخُفِّ إذا شكَّ في انقضاء المدة، ثم صلَّى، ثم تبيَّن بقاؤها. وكذلك لو صلَّى إلى القبلة بلا اجتهاد ولا تقليد، ثم تيقَّن أنه أصاب؛ أو حكَم الحاكم، أو أفتى المفتي، أو قال في القرآن، أو شهد الشاهد بغير الطريق المشروع، وتبيَّن أنه أصاب. وإن كان الانقطاع في الصلاة قطَعها بمجرِّده، في أشهر الوجهين، كما مُنع من ابتداء (١) الصلاة معه. فإن أتمَّها واتسع زمن الانقطاع تبينَّا بطلانها، وإلا خُرِّج فيها الوجهان. والأظهر أنه يتمُّها هنا، لأن الانقطاع محتمل أن يكون متَّسِعًا، ويحتمل أن يكون ضيِّقًا، فلا تبطل به الصلاة المتيقَّنة، كالمتيمِّم إذا طلع عليه رَكبٌ، وهو في الصلاة، ولم يعلم أنَّ معهم ماءً. ولو كان لها عادة بانقطاع ضيِّق، فاتّسَع الانقطاع، فهو كما لو عرَض الانقطاع المتّسع ابتداءً، لكن إذا تطهَّرت هنا كانت الطهارة صحيحةً في نفسها. فلو لبست عليها خفًّا كانت قد لبسته على طهارة صحيحة، حتى لو عاد الدم بعد ذلك، ثم انقطع انقطاعًا متَّسِعًا كان لها المسح، بخلاف ما لو جرى الدم قبل اللبس، ثم انقطع الانقطاعَ المعتبر؛ فإنَّا نتبيَّن أنه ملبوس على حدث. هذا كلُّه إذا عرض الانقطاع. فأمَّا إن كثُر الانقطاع واختلف، ولم يكن له وقت معلوم وقدر معلوم ليُبنَى (٢) عليه فيصيرَ مثل العادة، بل تقدَّم تارةً وتأخَّر أخرى، وضاق مرّةً واتسع أخرى، ووُجِد مرَّةً وعُدِم أخرى، فكذلك

стр. 670

أيضًا عند كثير من أصحابنا، إلا أنه إذا وُجِد لم يمنَع من الدخول في الصلاة معه ولا المضيِّ فيها، حتى يتبيَّن (١) أنه متَّسِع، لأنها قد ألِفَت (٢) الانقطاعين من الطويل والقصير، [١٩٣/أ] فليس إلحاقُه بأحدهما أولى من الآخر. ولأنَّ الانقطاع الضيِّق قد صار عادةً، فأشبه ما لو لم تَعْتَدْ (٣) غيرَه. والوجه (٤) الثاني: أنَّ هذا الانقطاع لا يُبطِل مطلقًا. وقال أحمد بن القاسم: سألتُ أبا عبد الله، فقلتُ: إن هؤلاء يتكلَّمون بكلام كثير، ويوقِّتون بوقت. يقولون: إذا توضّأَتْ للصلاة وقد انقطع الدم، ثم سال بعد ذلك قبل أن تدخل في الصلاة، تعيد الوضوء. ويقولون إذا كان الدم سائلًا فتوضَّأت، ثم انقطع الدم= قولًا آخر. قال: لستُ أنظر في انقطاعه حين توضَّأتْ، سال الدم أم لم يسِلْ. إنما آمُرها أن تتوضَّأ لكلِّ صلاة، فتصلِّي بذلك الوضوء النافلةَ والفائتةَ، حتى يدخل وقت الصلاة الأخرى (٥). فقد نصَّ على أنَّ الانقطاع حين الوضوء لا عبرةَ به، ولم يفرِّق بين طويله وقصيره، وأنه سال بعده دم أو لم يسِلْ. ومقتضى هذا: أنه إذا انقطع طويلًا، فتوضَّأَتْ فيه ولم تصلِّ حتى سال الدم، فطهارتها باقية، وإن اتّسع الانقطاع. وأنَّ السائل بعد ذلك لا ينقض الوضوء حتى يخرج الوقت، سواء انقطع بعد ذلك أو لم ينقطع. وأنه لا فرق
следующие страницы →