← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

مسألة (١): (وكذلك حكمُ مَن به سلَسُ البول، ومَن في معناه) . يعني: كلَّ من به حدث دائم، لا ينقطع قدرَ ما يتوضَّأ ويصلِّي، كسلَس البول، والمَذْي، والريح، والجُرح الذي لا يرقَأ، والرعاف الدائم. قال: هؤلاء يتوضؤون لكلِّ صلاة، ويمنعون الحدث بقدر الطاقة. ثم من كان حدثه بخروج نجاسة وجب تطهيرها إن أمكن كالجريح. ومن لم يمكنه أن يعصِبَ على جرحه عِصابًا لم يكن عليه شيء، فإنَّ عمر ﵁ صلَّى وجُرحُه يثعَب دمًا (٢). ولأنَّ هذا حدث دائم، فأشبَه المستحاضة. وينقض طهارتَهم ما ينقض طهارةَ غيرهم سوى الحدث الدائم، مثل أن يبول أحدهم أو يمسَّ ذكره، لأنه في هذا الحدث بمنزلة الصحيح. فأما الحدث الدائم، فإن كان متواصلًا أو ينقطع تاراتٍ لا تتَّسع للوضوء (٣) والصلاة لم يُبطِل (٤) الطهارةَ كما تقدَّم، لأنه لو أبطل الطهارةَ مطلقًا لما أمكنت الصلاة معه. وإن انقطع قدرًا يتّسع للوضوء (٥) والصلاة [١٩١/ب] فهو على قسمين: أحدهما: أن ينقطع عن برء بأن لا يعود بعد ذلك، فيتبيَّن بهذا الانقطاع بطلان طهارته، لأن الحدث الخارج قبل الانقطاع كان مُبطِلًا للطهارة، وإنما

стр. 667

عفي عنه للضرورة، فمتى زالت الضرورة ظهر أثره. وكذلك الحدث القائم ببدن المتيمم. فإن انقطع ولم تعلم هل هو عن برء أو غير برء لم يُحكَم بأنه برء، لأن الأصل عدم البرء وبقاء نجاسة (١) الاستحاضة. فإن لم يعُد وتبيَّن أنه كان عن برء حكمنا ببطلان كلِّ صلاة صلَّتها بعد هذا الانقطاع، إذا كان قد وُجد قبله حدثٌ بعد الطهارة، لأنّا تبينَّا أنها صلَّت بعد انتقاض وضوئها انتقاضًا يوجب الوضوء، وأقصى ما فيها (٢) أنها جاهلة بالحدث. ولا فرق في بطلان الصلاة بين العالم بالحدث والجاهل به. نعم، إن كان صاحب هذا الحدث إمامًا فهو كمن أمَّ قومًا ناسيًا لحدثه أو جاهلًا به. وإن كان هذا الانقطاع في الصلاة، فهو على الطريقين الذين يُذكران فيما بعد. الثاني: أن ينقطع عن غير برء، بل ينقطع ويعود. فإن كان زمن هذا الانقطاع معلومًا وقد صار عادةً لزمها أن تتحرَّى، وتتطهَّر، وتصلِّي فيه. ومتى انقطع على هذا الوجه بطلت طهارتها، لأنها أمكنها الصلاة بطهارة صحيحة من غير مشقَّة. فأمَّا إن عرض هذا الانقطاع لمن عادته اتصال (٣) الحدث، فكذلك في أحد الوجهين، ذكرهما الآمدي وغيره. وهو الصحيح عند كثير من أصحابنا، منهم القاضي وابن عقيل (٤)، لأن الضرورة زالت به، فيظهر حكم الحدث [١٩٢/أ]، كالمتيمِّم إذا رأى الماء. وسواء (٥) وُجِد هذا الانقطاع

стр. 668

في الصلاة أو خارجَها، لأنَّ ما كان حدثًا خارج الصلاة كان حدثًا فيها. وقد خرَّجها ابن حامد وغيره على روايتي المتيمِّم إذا رأى الماء. وأبى غيرُه (١) التخريج، لأنَّ الحدث هنا قد وُجِد بعد الطهارة، ولم يوجد عنه بدلٌ يبنى على حكمه. وقد قدَر على شرط العبادة فيها، فأشبه العاريَ إذا وجد السترة، والمصلِّيَ بالنجاسة إذا قدَر على إزالتها في الصلاة، لا سيَّما وهنا مُبطِلان: بطلانُ طهارة الحدث، وحملُ النجاسة. وإذا خرج وتطهَّر فإنه يستأنف. وقد خرَّج القاضي وجهًا وغيرُه: أنه يبني كما خرَّجه في التيمم (٢). ثم إذا انقطع، ولم يُعلَم هل هو انقطاع متَّسِع أو غير متَّسع، لم يُحكَم ببطلان الوضوء حتى يمضي زمنٌ يمكن فيه الوضوء والصلاة، لأنَّ الانقطاع الذي يوجب الطهارة مشكوك فيه. ولا يجوز له أن يصلِّي به لاحتمال دوامه واستمراره. وليست هنا طهارة متيقَّنة، لأنَّ الحدث وُجِد بعدها، والمسوِّغُ الصلاةَ معه ــ وهو دوامه ــ مشكوكٌ فيه، فأشبهَ المتيمِّمَ إذا شكَّ في عدم الماء قبل الدخول في الصلاة، لم يجُز له أن يصلِّي حتى يستبرئ. فإن خالف (٣) وصلَّى واتَّسع الانقطاعُ تبينَّا بطلانَ صلاته لبطلان طهارته. وإن لم يتَّسع الانقطاع، فالطهارةُ بحالها، وكذلك الصلاةُ، لأنا تبينَّا أنها وقعت بطهارة، في أحد الوجهين. وفي الآخر: لا يصحُّ. وهو أقيَس، لأنه شرَع في الصلاة مع المخالفة، فلم يصحَّ وإن أصاب؛ كمن شكَّ في الطهارة،

стр. 669

فصلَّى، ثم تيقَّن الطهارة؛ [١٩٢/ب] وماسحِ الخُفِّ إذا شكَّ في انقضاء المدة، ثم صلَّى، ثم تبيَّن بقاؤها. وكذلك لو صلَّى إلى القبلة بلا اجتهاد ولا تقليد، ثم تيقَّن أنه أصاب؛ أو حكَم الحاكم، أو أفتى المفتي، أو قال في القرآن، أو شهد الشاهد بغير الطريق المشروع، وتبيَّن أنه أصاب. وإن كان الانقطاع في الصلاة قطَعها بمجرِّده، في أشهر الوجهين، كما مُنع من ابتداء (١) الصلاة معه. فإن أتمَّها واتسع زمن الانقطاع تبينَّا بطلانها، وإلا خُرِّج فيها الوجهان. والأظهر أنه يتمُّها هنا، لأن الانقطاع محتمل أن يكون متَّسِعًا، ويحتمل أن يكون ضيِّقًا، فلا تبطل به الصلاة المتيقَّنة، كالمتيمِّم إذا طلع عليه رَكبٌ، وهو في الصلاة، ولم يعلم أنَّ معهم ماءً. ولو كان لها عادة بانقطاع ضيِّق، فاتّسَع الانقطاع، فهو كما لو عرَض الانقطاع المتّسع ابتداءً، لكن إذا تطهَّرت هنا كانت الطهارة صحيحةً في نفسها. فلو لبست عليها خفًّا كانت قد لبسته على طهارة صحيحة، حتى لو عاد الدم بعد ذلك، ثم انقطع انقطاعًا متَّسِعًا كان لها المسح، بخلاف ما لو جرى الدم قبل اللبس، ثم انقطع الانقطاعَ المعتبر؛ فإنَّا نتبيَّن أنه ملبوس على حدث. هذا كلُّه إذا عرض الانقطاع. فأمَّا إن كثُر الانقطاع واختلف، ولم يكن له وقت معلوم وقدر معلوم ليُبنَى (٢) عليه فيصيرَ مثل العادة، بل تقدَّم تارةً وتأخَّر أخرى، وضاق مرّةً واتسع أخرى، ووُجِد مرَّةً وعُدِم أخرى، فكذلك

стр. 670

أيضًا عند كثير من أصحابنا، إلا أنه إذا وُجِد لم يمنَع من الدخول في الصلاة معه ولا المضيِّ فيها، حتى يتبيَّن (١) أنه متَّسِع، لأنها قد ألِفَت (٢) الانقطاعين من الطويل والقصير، [١٩٣/أ] فليس إلحاقُه بأحدهما أولى من الآخر. ولأنَّ الانقطاع الضيِّق قد صار عادةً، فأشبه ما لو لم تَعْتَدْ (٣) غيرَه. والوجه (٤) الثاني: أنَّ هذا الانقطاع لا يُبطِل مطلقًا. وقال أحمد بن القاسم: سألتُ أبا عبد الله، فقلتُ: إن هؤلاء يتكلَّمون بكلام كثير، ويوقِّتون بوقت. يقولون: إذا توضّأَتْ للصلاة وقد انقطع الدم، ثم سال بعد ذلك قبل أن تدخل في الصلاة، تعيد الوضوء. ويقولون إذا كان الدم سائلًا فتوضَّأت، ثم انقطع الدم= قولًا آخر. قال: لستُ أنظر في انقطاعه حين توضَّأتْ، سال الدم أم لم يسِلْ. إنما آمُرها أن تتوضَّأ لكلِّ صلاة، فتصلِّي بذلك الوضوء النافلةَ والفائتةَ، حتى يدخل وقت الصلاة الأخرى (٥). فقد نصَّ على أنَّ الانقطاع حين الوضوء لا عبرةَ به، ولم يفرِّق بين طويله وقصيره، وأنه سال بعده دم أو لم يسِلْ. ومقتضى هذا: أنه إذا انقطع طويلًا، فتوضَّأَتْ فيه ولم تصلِّ حتى سال الدم، فطهارتها باقية، وإن اتّسع الانقطاع. وأنَّ السائل بعد ذلك لا ينقض الوضوء حتى يخرج الوقت، سواء انقطع بعد ذلك أو لم ينقطع. وأنه لا فرق

стр. 671

بين وضوئها وهو منقطع، أو هو سائل. ولو كان الانقطاع قد نقض الطهارة الماضية لكان الوضوء فيه واجبًا، بخلاف السَّيَلان. فاختلف (١) أصحابنا في هذا الكلام بعد اتفاقهم على أنَّ ظاهره أنَّ انقطاعَ الحدث لا يُبطِل الطهارة، فتأوَّله القاضي على الانقطاع القليل المعتاد. ومنهم من أقرَّه على ظاهره [١٩٣/ب] وهم أهل الوجه الثاني، لكن منهم من قال: لا أثر لهذا الانقطاع العارض أو المختلف المعتاد، وإن طهارتها صحيحة ما لم ينقطع انقطاعَ برء أو يخرج الوقت، إلا أن يكون وقتُ الانقطاع معلومًا واسعًا كما تقدَّم. قال أبو الحسن الآمدي: وهو الظاهر. وهو اختيار الشيخ صاحب الكتاب (٢). ومنهم من قال: أمَّا الانقطاع العارض (٣)، فإنها تفعل فيه كما تقدَّم. وأما المتكرِّر والمختلف، فإنها لا تلتفت إليه. وهذه الطريقة في الجملة أشبه بكلام أحمد، وأشبه بالسنّة؛ فإنّ الحكم لو اختلف بهذا الانقطاع وجودًا وعدمًا لبيَّنه النبيُّ ﷺ للمستحاضات، فإنه يعرض كثيرًا لهن. ثم تكليفُها كلَّما انقطع الدم لحظةً أن تنظر: هل يعود بعد مدة متَّسعة أو ضيِّقة، فيه مشقَّة عظيمة. ثم فيه تقدير الطهارة بالفعل الذي لا ينضبط. وإنَّ قولهم: قدرَ ما يسع الوضوءَ والصلاةَ، يختلف ذلك باختلاف بُعد الماء من المتوضِّئ وقربه، وسرعته وإبطائه (٤)، ونشاطه وكسله. وكذلك الصلاة. ثم بماذا يقدِّرون هذا الوضوء والصلاة؟ بأقلِّ ما يجزئ من

стр. 672

المتوضئ مرّة مرّة، والاقتصار على الفاتحة، وتسبيحة واحدة في الركوع والسجود؛ أم بالوضوء والصلاة الكاملتين؟ فإن كان الأول، فنحن نجوِّز لها مع قيام الدم أن تصلِّي صلاة كاملة، فلَأَنْ يجوز ذلك إذا انقطع وخشيَتْ عودَه بطريق الأولى. وكذلك (١) الثاني، فإنه يجوز لها بطريق (٢) الأولى. ثم لو كان إذا انقطع الدم [١٩٤/أ] وجب عليها الوضوء والصلاة به، ولم يتَّسع الوقتُ للقدر المجزئ، لَمَا جاز (٣) تكميل الوضوء والصلاة، كمن خشي أنه إن توضأ ثلاثًا وصلَّى صلاةً كاملةً خرج الوقت، لم يجُز أن يصَلّيها. ثم إنها لا تعلم قدر الزمان إلا بمضيِّه، وحينئذ يفوت المقصود، فكيف تُكَلَّفه؟ وإن وجب عليها الوضوء ثانيًا فلا فائدة فيه، لقيام الحدث معه، وهي لا تُنسَب (٤) في ذلك إلى تفريط. ثم تقديرُ الزمان بفعل قليل للواحد إنما يُعلَم بحَزْر وخَرْص (٥)، وذلك يختلف باختلاف آراء الناس، ومواقيتُ العبادات حدود لله لا يجوز تعدِّيها، فكيف يفوَّض إلى الناس؟ مسألة (٦): (فإذا استمرَّ بها الدم في الشهر الآخَر، فإن كانت معتادةً

стр. 673

فحيضُها أيامُ عادتها. وإن لم تكن معتادةً ولها تمييز، وهو أن يكون بعضُ دمها أسودَ ثخينًا، وبعضُه رقيقًا أحمر، فحيضُها زمنُ الأسود الثخين). أما إذا استمرَّ بها الدم، فلا يخلو إمَّا أن يكون لها عادة محفوظة يُعلم قدرها ووقتها، أو لا. فإن كان لها عادة رجعت إلى عادتها، فجلست قدر ما كانت تحبسها حيضتها، سواء كان الدم في جميعها أسود أو أحمر، أو بعضُه أسود وبعضُه أحمر، في أشهر الروايتين، وهي اختيار أكثر الأصحاب. وإن لم تكن معتادة، إمَّا أن تكون مبتدأةً أو ناسيةً لعادتها أو غيرَ ذلك، فإنها تُرَدّ [إلى] (١) التمييز، فإنَّ دم الحيض أسود ثخين منتِن محتدِم (٢)، ودم المستحاضة أحمر رقيق [١٩٤/ب] أو أصفر؛ فتجلس زمن الدم الأسود، إذا (٣) لم يزِد على أكثر الحيض ولم ينقص عن أقلِّه. وعنه: أنها تردُّ إلى التمييز أولًا (٤). فإن لم يكن لها تمييز، بأن كان الدم كلُّه أسود أو أحمر، وزاد الأسود على أكثر الحيض، أو نقص عن أقلِّه= رُدَّت إلى العادة. وهذا اختيار الخرقي (٥). فإن كان زمن العادة كلُّه أسود وما سواه أحمر عملَتْ بذلك بلا شبهة، لما روت عائشة أنَّ فاطمة بنت أبي حُبيش قالت: يا رسول الله، إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: «إنما ذاك دم عرق، وليست

стр. 674

بالحَيضة. فإذا أقبلت الحَيضة فدعي الصلاة. وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، وصلِّي» رواه الجماعة إلا ابن ماجه (١). وعن عروة بن الزبير عن فاطمة بنت أبي حُبيش: أنها كانت تستحاض، فقال لها النبيُّ ﷺ : «إذا كان دم الحيض فإنه أسود يُعرَف. فإذا كان كذلك فأمسِكي عن الصلاة. فإذا كان الآخر فتوضَّئي وصلِّي، فإنما هو عِرْق» رواه أبو داود والنسائي (٢). ولأنه خارج يوجب الغسل، فيُرجَع إلى صفته عند الإشكال كالمنيِّ المشتبه بالمذي. وكان أولى من العادة لأنه علامة في تمييز (٣) الدم حاضرة، والعادة علامة منقضية. والأول أصحُّ، لما روت عائشة ﵂ أنَّ أمَّ حبيبة (٤) بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف شكت إلى رسول الله ﷺ الدم قال لها: «امكُثي قدرَ ما كانت تحبسك حَيضتك، ثمّ اغتسلي». فكانت تغتسل عند كل صلاة. رواه [١٩٥/أ] مسلم (٥). وعن القاسم عن زينب بنت جحش أنها قالت للنبي ﷺ : إنها مستحاضة، فقال: «تجلس أيامَ أقرائها، ثم تغتسل، وتؤخِّر الظهر وتعجِّل

стр. 675

العصر، وتغتسل وتصلِّي. وتؤخِّر المغرب وتعجِّل العشاء، وتغتسل وتصلِّيهما جميعًا. وتغتسل للفجر» رواه النسائي (١). وعن أمِّ سلمة أنها استفتت رسول ﷺ في امرأة تُهرَاق الدمَ، فقال: «لتنظر قدرَ الأيام والليالي التي كانت تحيضهنَّ من الشهر، فتدَع الصلاة، ثم تغتسل، ولْتستثفِرْ، ثم تصلِّي» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه (٢). وعن عائشة: أنها سألت رسول الله ﷺ لامرأة فسَد حيضُها وأُهريقت دمًا، لا تدري كم (٣) تصلِّي. قالت: فأمرَني أن آمُرها: فلتنظرْ (٤) قدرَ ما كانت تحيض في كلِّ شهر، وحيضها مستقيم، فلتعتدَّ بقدر ذلك من (٥) الليالي والأيام (٦)، ثم لتدَع الصلاة فيهن، أو بقدرهن (٧)، ثم تغتسل وتُحسِن طهرها، ثم لتستثفر، ثم تصلِّي» رواه أبو داود (٨). ولأنَّ العادة طبيعة ثانية (٩)، فوجب الردُّ إليها عند التغيُّر لتمييز دم الجبلَّة من دم الفساد. ولأن الاستحاضة مرض وفساد، والفاسد هو ما خرج من

стр. 676

عادة الصحة والسلامة؛ ولهذا يُستدَلُّ على سقم الأعضاء (١) بخروجها عن عادتها. وقدَّمنا العادة على التمييز، لأنَّ النبيَّ ﷺ أفتى به في قضايا متعددة، ولو كان العمل بالتمييز مقدَّمًا لبدأ به. ولأنه لم يستفصل واحدةً منهن عن حال دمها، وتركُ الاستفصال [١٩٥/ب] يوجب عموم (٢) الجواب لجميع صور السؤال. ولأنه يبعد أن لا يكون فيهن مميِّزة. ولأنَّ الدم الموجود في العادة (٣) هو حيض في غير المستحاضة بكلِّ حال، فكذلك في المستحاضة؛ بخلاف الدم الأسود. ولأن الدم الزائد على العادة حادث مع الاستحاضة، فكان استحاضة كما زاد على أكثر الدم. وهذا لأنَّ الحكم إذا حدَث، وهناك سبب صالح له، أضيف إليه. ولأنَّ الدم الأسود إن كان أقلَّ من العادة، فالصفرة والكدرة في زمن العادة حيض. وإن كان أكثر، فلا دليل على أنه حيض، لاحتمال أن يكون استحاضة. ولأنّ المشهور عندنا أنَّ الدم إذا تغيَّر أول مرة عن حاله لا تلتفت (٤) إليه، حتى يتكرَّر فيصير عادة في المبتدأة والمعتادة، مع أنه صالح لِأن (٥) يكون حيضًا، فلَأن يعمل بالعادة المتقدِّمة مع الاستحاضة أولى.

стр. 677

وأما حديث فاطمة فقد روت عائشة ﵂ أنَّ فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي ﷺ فقالت: إني أُستحاضُ فلا أطهر، أفأدع (١) الصلاة؟ فقال: «لا، إن ذلك دمُ عرق. ولكن دعي الصلاة قدرَ الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسِلي وصلِّي» رواه البخاري (٢). فقد ردَّها تارةً إلى التمييز، وتارةً إلى العادة. والله أعلم أنه أمرها بالعادة أولًا فلم تحفظها (٣)، فأمرَها بالتمييز. كذلك قال الإمام أحمد (٤): إنها أُنسِيَتْ (٥) أيامَها. وقد تقدَّم ذكرُ العادة التي يُرجع إليها، وأنها لا تثبت إلا بثلاث في ظاهر [١٩٦/أ] المذهب. وتثبت العادة بالتمييز، فإذا رأت دمًا أسود خمسةَ أيام في ثلاثة أشهر، وما فيه (٦) دم أحمر متصل، وهي مبتدأة أو ناسية، ثم صار دمًا مبهمًا، فإنها تجلس زمن الدم الأسود. ولكن هل تُقدَّم هذه العادة على التمييز بعدما أثبتنا التمييز بأول مرة؟ على وجهين، مثل أن ترى في الشهر الرابع: خمسة أحمر ثم أسود وثلاثة أحمر ثم أسود، فقيل: نُحيِّضها (٧) من أول الأسود وقدر (٨) عادتها، لأن الأسود يمنع الأحمر قبله أن يكون حيضًا، لأن التمييز أصل هذه

стр. 678

العادة، فيكون أقوى منها. وقيل: حيضها من الأحمر، لأنه صادف زمان العادة، ومن أصلنا أنَّ العادة مقدَّمة على التمييز. فصل والعادة على قسمين: متفقة، ومختلفة. فالمتفقة: أن يكون أربعة أيام مثلًا من أول يوم كلَّ شهر فيُعمل بها. وأما المختلفة فعلى قسمين: مضبوطة، وغير مضبوطة. فالمضبوطة، فإن (١) كانت على ترتيب مثل أن تحيض في الشهر الأول ثلاثة، وفي الثاني أربعة، وفي الثالث خمسة، ثم تحيض ثلاثة ثم أربعة ثم خمسة. فإذا استُحيضت قعدت هكذا على الترتيب، فتجلس في شهر الاستحاضة بقدر ترتيبه (٢)، ثم تبني على ذلك. فإن لم تعلم شهر الاستحاضة جلست اليقين وهو ثلاثة، واغتسلت عقيبها غسلًا واحدًا، في أحد الوجهين. وفي الثاني: تجلس أكثره، لأن هذه متحيِّرة (٣)، فتجلس أغلب عادات النساء أو أكثر [١٩٦/ب] الحيض في رواية، لكن هنا لا يجوز أن يزاد على أكثر عادتها، لأنه ليس حيضًا بيقين، ولا يلزمها إلا غسل واحد كالمتحيِّرة (٤).

стр. 679

وكذلك إن كان شيئًا مضبوطًا معتادًا على غير ترتيب، مثل أن تحيض في أول شهر خمسة، وفي الثاني ثلاثة، وفي الثالث أربعة؛ وتسمَّى «العادة الدائرة». وأما التي ليست مضبوطة، مثل أن تحيض تارةً ثلاثة، وتارةً خمسة، وتارةً أربعة، أو أقلَّ أو أكثر، ولا يتسق على نظام، فإنها تجلس الأقلَّ المتّفقَ عليه، لأنه عادة بيقين، والزائدُ مشكوك فيه. ولو نقصت عادتها، كمن عادتها عشرة، فرأت سبعة وطهرت، فإنها طاهر. فإذا استحيضت في الشهر الآخر جلست السبعةَ، لأنها هي العادة القريبة، ولأنَّ الثلاثة طهرٌ متيقَّن في الشهر الذي يعقبه شهر الاستحاضة، فلم يكن حيضًا، كما زاد على العادة. فصل فإن تغيَّرت العادة بتقدُّم أو تأخُّر أو زيادة لم تجاوز أكثرَ الحيض، مثلَ أن يكون حيضها عشرة أيام في أول الشهر، فترى الحيض قبلها أو بعدها أو أكثر منها= لم تلتفت إلى ذلك، في المشهور من المذهب، حتى يتكرَّر ثلاثًا أو مرَّتين، بل يكون مشكوكًا فيه، تصوم وتصلِّي، وتقضي الصوم إن تكرَّر على معنى واحد. فإن يئست قبل ذلك وانقطع حيضها تقضيه، كطهر المستحاضة المشكوك فيه. وقيل: تقضيه كصوم النفاس المشكوك فيه، ولا يقربها زوجها، وتغتسل [١٩٧/أ] عند انقطاع الدم في آخر العادة، إن كان في إثر العادة، كما قلنا في المبتدأة، لأن هذا الدم بمنزلة ما زاد على أقلِّ الحيض، وأولى. وقد روي عنه ما يدلُّ على أنه حيض، ما لم يجاوز أكثرَ الحيض، لما

стр. 680

ذكره البخاري في «صحيحه» (١) أنَّ نساءً كنَّ يبعثن إلى عائشة بالدُّرْجَة، فيها الكُرْسُف، فيه الصُّفرة، فتقول: لا تَعْجَلْنَ حتى تريَن القَصَّة البيضاء؛ تريد بذلك الطُّهرَ من الحَيضة. فاعتبرت حصولَ النقاء الخالص، ولم تأمرهن بالعادة. وعن فاطمة بنت المنذر قالت: كنّا في حَجْر جدّتي أسماء، بناتِ بنتها (٢)، فكانت إحدانا تطهر من الحيضة، ثم لعلَّ الحيضة تنكِّسها بالصفرة، فتأمرنا أن نعتزل الصلاة ما رأيناها، حتى لا نرى إلا البياض خالصًا. رواه سعيد (٣). ولأنَّ الأصل في الدم الخارج أن يكون دمَ حيض، لأنَّ دم الاستحاضة دم مرض وفساد. ووجه الأول: ما روت عائشة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ قال في المرأة ترى ما يريبها بعد الطهر: «إنما هو عِرْق» أو قال: «عروق» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه (٤). وقالت أم عطية: كنَّا لا نعُدُّ الصفرة والكدرة بعد

стр. 681

الطهر شيئًا. رواه أبو داود (١). وهذا يدل على أنَّ الزائد على الطهر المعتاد ليس بحيض. ولأنه دم زائد على العادة، فلم يثبت حتى يُختَبر (٢) بالتكرار، كالزائد على العادة في حقِّ المستحاضة (٣). وهذا لأنَّ الصلاة ثابتة في ذمتها بيقين، وخروجه على العادة يُورث الشكَّ فيه، فوجب الاحتياط فيه. فأما إن نقص عن العادة، فإنَّ الطهر يثبت بذلك، لأنَّ الطاهر لا تكون حائضًا قطُّ (٤) وعلى ذلك يُحمَل (٥) حديثُ عائشة وأسماء، لأن الطهر قبل كمال العادة طهر صحيح إذا رأت النقاء الخالص، فإنَّ الصفرة والكدرة في العادة حيض. ويدلّ على ذلك ما روى حرب (٦) عن عائشة قالت: إذا رأَتْ بعد الغسل صفرة أو كدرة توضَّأتْ وصلَّتْ. فصل أما التمييز، فمن شرطه أن لا يزيد الدم الأسود على أكثر الحيض ولا ينقص عن أقلِّه، وأن لا ينقص الأحمر عن أقلِّ الطهر، ولا بدَّ فيه من اختلاف

стр. 682

لون الدم، فتكون أقراؤه هو الحيض والباقي استحاضة. فإذا رأت خمسة أسود وخمسة أحمر وخمسة أصفر، فالأسود هو الحيض، والأحمر والأصفر استحاضة، ولو رأت خمسة أحمر، وخمسة أصفر، كان الأحمر هو الحيض، والأصفر استحاضة. ولا يشترط في الرجوع إلى التمييز تكرُّره في أقوى الوجهين. وهذا ظاهر كلام أحمد بل نصُّه. وهو قول القاضي في بعض المواضع وابن عقيل وغيرهما. وفي الآخر: لا بد من تكرُّره كالعادة. وهو قول القاضي في بعض المواضع والآمدي وغيرهما، لا سيَّما إذا قدَّمنا العادة عليه (١). فلو رأت المبتدأة في أول كلِّ شهر خمسة أسود والباقي أحمر، فالحيض أيام الدم الأسود على الوجه الأول. لكن أولَ مرّة [١٩٨/أ] تجلس يومًا وليلةً لأن استحاضتها لم تكن معلومة، ثم في الشهر الثاني تجلس الدم الأسود كلَّه، وتقضي ما فعلته في مدة الدم الأسود أولَ مرّة من صيام وطواف واعتكاف. وعلى الوجه الثاني تجلس يومًا وليلةً ثلاثَ مرَّات على المشهور من الروايتين. فإن تكرَّر بمعنى واحد صار عادةً، فتجلس الخمسة في الشهر الرابع أو الثالث على اختلاف الوجهين، سواء كان دمها أسود أو أحمر، لأنه زمن عادة فيقدَّم على التمييز. ولو رأت المبتدأة خمسة أيام أحمر ثم أسود، ولم يجُز (٢) الأسودُ أكثرَ الحيض، فحيضها زمن الدم الأسود. ولا يضرُّه تقدُّم الأحمر عليه، كما لا

стр. 683

يضرُّ زمنَ العادة تقدُّمُ دمٍ آخر عليها، على قولنا (١): إنّ التمييز لا يفتقر إلى تكرار. وإن قلنا: يفتقر إلى تكرار، فإنها تجلس يومًا وليلةً أو ثلاثةً. وإن جاز (٢) أكثرَ الحيض فقيل: تحيض من أول الدم الأحمر، لأنه ليس لها تمييز صحيح، فكانت كمن اتفق لون دمها. وقيل: تحيض من أول الدم الأسود، لأنه أشبه بكونه (٣) دم الحيض. ولو كان الأحمر المتقدِّم أكثرَ من الطهر الكامل بقدر حيضة، مثل أن يكون ستة عشر يومًا، وباقي الشهر أسود، فعلى وجهين. أحدهما: تُحيَّض من أول الأسود، كالتي قبلها. والثاني: تُحيَّض من أول الأحمر يومًا وليلةً وتُحيَّض الأسود، لأنه يمكن أن يكونا حيضتين. [١٩٨/ب] قال القاضي: ولا تُحيَّض على هذا أكثر من يوم وليلة، روايةً واحدةً (٤)، لأنها لو حُيِّضت غالبَ الحيض ونحوَه لنقص ما بين الحيضتين عن أقلِّ الطهر، وهو يفتقر بحيضها من أوله إلى تكرُّره، على وجهين. ولو كان الأحمر مع الأسود أكثر من شهر، فقيل: ليس لها تمييز صحيح، لأنَّ الغالب أنَّ في كلِّ شهر حيضةً وطهرًا، فإذا خالف التمييز الغالب ضعف. والصحيح أنه تمييز صحيح، كما لو كان زمنه أكثر من غالب الحيض.

стр. 684

فصل والأحمر كالأسود في غير المستحاضة، لأنه دم مثله. وقيل: يعتبر السواد في حق المبتدأة، فلا تكون بالغةً بالأحمر، لقول النبي ﷺ : «دم الحيض أسود يُعرَف» (١)، ولأنَّ المبتدأة لا عادة لها، فيكون السواد دليل الحيضة. والأول هو المشهور، لأن الأحمر إذا جاء في العادة بدل الأسود كان حيضًا، فإذا لم يخالف صفة متقدِّمة فهو أولى بذلك، بخلاف الصفرة والكدرة، فإنه لا تجيء الحيضة منها وحدَها قطُّ. فأمَّا الصفرة والكدرة، فهي في زمن العادة حيض، يتقدَّمها حمرة وسواد أو لم يتقدَّمها وفيما خرج عن العادة ليست بحيض، تكررَّت (٢) أو لم تتكرَّر؛ بل يكفي منها (٣) الوضوء. وعنه ما يدلُّ على أنها إن تكرَّرت كانت حيضًا. واختاره القاضي في «المجرَّد» وابن عقيل (٤)، لأنها بالتكرر تصير كما لو كانت في العادة، بخلاف ما تراه بعد الطهر، فإنها لا تلتفت إليه و [لو] كان دمًا (٥). ولأن الصفرة والكدرة من ألوان الدم، فأشبه السواد والحمرة. وقد روي عن أسماء بنت أبي بكر ما يشبه ذلك (٦).

стр. 685

ووجه الأول: قولُه في التي ترى ما يريبها بعد الطهر: «إنما هو عرق» أو «عروق». وقالت أم عطية (١): كنَّا لا نعُدُّ الكدرة والصفرة شيئًا. رواه البخاري (٢). وفي لفظ أبي داود (٣): بعد الطهر. وهذا يبيِّن أنه قبل الطهر حيض. كما رواه أحمد (٤) عن عائشة: أن نساءً كنَّ يرسلن بالدُّرْجَة فيها الشيءُ من الصفرة إليها، فتقول: لا تصلِّينَ (٥) حتّى ترين القَصَّة البيضاء. قال أحمد (٦): القَصَّة: شيء يتبَع الحيضةَ أبيض، لا يكون فيه صفرة ولا كدرة. وقال أيضًا: تُدخل القطنة، فتخرج عليها نقطةٌ بيضاءُ تكون على أثر الدم، وهي علامة الطهر. وقال في رواية أخرى: القَصَّة البيضاء: إذا استدخلت القطنة، فخرجت بيضاء ليس عليها شيء. وكذلك قال الأزهري (٧). القُصَّة (٨)

стр. 686

بضم القاف (١): القطنة التي تحشوها المرأة، فإذا خرجت بيضاء لا تغيُّر عليها، فهي القصّة (٢). ورواه البخاري (٣) عن عائشة، قالت في الصفرة والكدرة: إذا كانت واصلةً بالحيض فهي بقية من الحيض، لا تصلِّي حتى ترى الطهر الأبيض. وإذا رأت الطهر الأبيض، ثم رأت الصفرة والكدرة بعد ذلك، فإنما تلك التَّرِيَّة (٤)، تتوضَّأ وتصلِّي.

стр. 687

قال إسحاق بن راهويه: إذا رأت الطهر الأبيض، ثم رأت صفرة أو كدرة مستلزمًا (١) بحيضها في أيام أقرائها، فذلك حيضٌ كلُّه. قال: ولا اختلاف بين [١٩٩/ب] أهل العلم في ذلك. وروى حرب (٢) عن عائشة قالت: إذا رأت بعد الطهر صفرة أو كدرة توضّأت وصلَّت، وإن رأت دمًا أحمر اغتسلت وصلَّت. وهذا يبيِّن أنَّ حكمه مخالف لحكم الدم الأحمر، تكرَّر أو لم يتكرَّر. ولأنه عدم اللون والعادة، فضعف كونه حيضًا. وهو وحده لا يكاد يتكرَّر، وإن فرض ذلك فهو نادر. ولو رأت المبتدأة صفرةً أو كدرةً لم تلتفت إليه لِما تقدَّم. وقد روي ذلك عن عائشة. وقال القاضي وغيره: تجلسه بناءً على أنَّ اليوم والليلة للمبتدأة، كالعادة للمعتادة (٣). وبنى على هذا بعضُ أصحابنا أنها لو رأت الصفرة والكدرة خارجَ العادة كان حكمها حكم الدم العَبيط (٤) في أنها تحسبها حيضًا، على رواية، لما (٥) روي عن أسماء.

стр. 688

والأول هو المنصوص عنه، إذ الصفرة والكدرة ليست بنفسها حيضًا، لا سيَّما إذا وردت على طهر متيقَّن. مسألة (١): (وإذا كانت مبتدأةً، أو ناسيةً لعادتها ولا تمييز لها (٢)، فحيضُها من كلِّ شهر ستة أيام أو سبعة، لأنه غالب عادات النساء) . و (٣) ظاهر المذهب: أنَّ من لا عادة لها ولا تمييز تحيض غالبَ حيض النساء: ستًّا أو سبعًا، سواء كانت مبتدأة أو ناسية لعادتها. وعنه: أنها تحيض أقلَّ الحيض، لأنَّ ما زاد على ذلك يحتمل الحيض والاستحاضة، والصلاة ثابتة في ذمتها بيقين، فلا تتركها بالشكِّ، لا سيَّما ومن أصلنا أنَّا نحتاط بذلك قبل الاستحاضة [٢٠٠/أ] ففي (٤) حال الاستحاضة أولى. وعنه في المبتدأة: أنها تحيض أكثر الحيض، لأن الأصل في الخارج أن يكون دم حيض فتعمل بذلك ما لم تتيقَّن كونه استحاضة. ولا تتيقَّن ذلك إلا بمجاوزة الأكثر. وعنه: أنها تحيض مثل حيض نسائها من أمها وأختها، وعمتها وخالتها لأن اشتراك الأقارب في الأمور العادية والقوى الطبيعية أقرب. ثم خرَّج القاضي في الناسية مثل هاتين الروايتين (٥)، لأنها مستحاضة لا عادة لها ولا تمييز. وامتنع غيره من التخريج تفريقًا بينهما بأنَّ حيضها

стр. 689

أكثرَ الحيض أو ما زاد على غالب عادات النساء يفضي إلى المشقَّة عليها، إذا انكشف الأمرُ وذكَرت العادة، لأنها حينئذ تقضي (١) ما تركته من الصلوات، بخلاف المبتدأة فإنه لا يرجى انكشافُ حيضها. والأول أصحّ، لما روت حَمْنة بنت جَحش أنها قالت: يا رسول الله، إنِّي استُحِضْتُ حَيضةً كبيرةً شديدةً، فما ترى فيها، قد منعتني الصلاة والصيام؟ فقال: «أنعَتُ لك الكُرْسُفَ، فإنه يُذهِب الدم». قالت: هو أكثر من ذلك. قال: «فاتَّخِذي ثوبًا». قالت: هو أكثر من ذلك. قال: «فتلجَّمي». قالت: إنما أثُجُّ ثجًّا فقال: «سآمرك بأمرَين أيهما فعلتِ أجزأ عنك من الآخر، فإن قويتِ عليهما فأنتِ أعلَم» فقال لها: «إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيَّضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغتسلي حتَّى إذا رأيتِ أنك قد طهرت واستنقأت [٢٠٠/ب] فصلِّي أربعًا وعشرين ليلة أو ثلاثًا وعشرين ليلة وأيامها، وصومي؛ فإنَّ ذلك يُجزئك. وكذلك فافعلي في كلِّ شهر كما تحيض النساء وكما يطهرن لميقات (٢) حيضهن وطهرهن. فإن قويتِ على أن تؤخِّري الظهر وتعجِّلي العصر، فتغتسلين، ثم تصلِّين الظهر والعصر جميعًا؛ ثم تؤخِّرين المغرب وتعجِّلين العشاء، ثم تغتسلين، وتجمعين بين الصلاتين، فافعلي. وتغتسلين مع الفجر وتصلِّين، فكذلك فافعلي، وصلِّي وصُومي إن قدرتِ على ذلك». وقال رسول الله ﷺ : «وهذا أعجبُ الأمرين إليَّ» رواه أحمد وأبو داود والترمذي (٣) وقال: حديث

стр. 690

حسن صحيح. وكذلك صحَّحه الإمام أحمد. وفي لفظ لأحمد وابن ماجه (١): «تلجَّمي وتحيَّضي في كلِّ شهر في علم الله ستة أيام أو سبعة، ثم اغتسلي غسلًا، وصلِّي وصُومي ثلاثًا وعشرين، أو أربعًا وعشرين». وهذه المرأة لم تكن متميِّزة ولا معتادة إذ لو كانت كذلك لردَّها إليه. ولم تكن مبتدأةً لأنها كانت عجوزًا (٢) كبيرةً قد حاضت قبل ذلك. هكذا قال الإمام أحمد وإسحاق. ثم لم يسألها: هل حاضت قبل ذلك أو لم تحِض؟ ولو اختلف الحال لسألها. ولأن الستَّ أو السبع أغلب الحيض، فيلحق المشتبه بالغالب، إذ الأصل إلحاق الفرد بالأعمِّ الأغلب، دون النادر. فصل والتخيير بين الستِّ والسبع تخييرُ (٣) تحرٍّ واجتهاد، فأيهما غلب على قلبها أنه أقرب إلى الصواب فعلَتْه وجوبًا، في أحد الوجهين، لظاهر (٤) قوله: «حتى إذا رأيتِ (٥) أن قد طهرتِ واستنقأتِ»، ولئلا تكون مخيَّرة في اليوم السابع بين كون الصلاة واجبة أو غير واجبة. وفي الثاني: تخيير (٦) إرادة ومشيئة، فأيهما شاءت فعلَتْ، على ظاهر لفظ «أو».

стр. 691

فصل الناسية ثلاثة أقسام: أحدها: المتحيِّرة ، وهي الناسية للعدد والوقت، فتحيض ستة أيام أو سبعة كما تقدَّم، في المشهور. ثم إن علمت شهرها، وهو الزمان الذي لها فيه طهر وحيض، جعلنا ذلك شهرَها (١). [وإن لم تعلم] (٢) مثلَ أن تقول: كنتُ أحيض في كلِّ شهر حيضةً لا أعلم قدرها ولا وقتها، حيَّضناها (٣) في كلِّ شهر هلالي. ثم إن ذكرت زمنَ افتتاح الدم، مثل أن ينقطع عنها الدم مدّةً ثم يعود ويستمرَّ بها، فإنها تجلس من حين عَودِه (٤)، في أظهر الوجهين، كأنه عاد (٥) في خامس الشهر، فتجلس من كلِّ شهر في خامسه المدَّةَ المضروبة. والوجه الثاني (٦): تجلسه بالتحرِّي كغيرها. وإن لم تذكر افتتاحَ الدم وطال عهدُها به جلست من أول كلِّ شهر، في أحد الوجهين. وفي الآخر: تجلسه بالتحرِّي، قاله أبو بكر وابن أبي

стр. 692

موسى (١). وهو أصح، لأن التحرِّي هنا طريق لا يعارضه (٢) غيره، بخلاف الصورة الأولى، فإنَّ أول الدم أحقُّ أن يكون حيضًا من آخره. فإن لم يغلب على ظنِّها [٢٠١/ب] شيء جلسَتْ من أول الشهر وجهًا واحدًا، لأنّ قول النبي ﷺ للمستحاضة: «تحيَّضي في عِلم الله ستًّا أو سبعًا في كلِّ شهر، ثم اغتسِلي وصلِّي وصُومي ثلاثًا وعشرين أو أربعًا وعشرين» (٣) دليل على أنَّ الحيض قبل الطهر، وأنه محسوب من أول الشهر. الثانية: أن تكون ناسيةً لعددها (٤)، ذاكرةً لوقتها ، مثل أن تقول: كنت أحيض في العشر الأول من الشهر، ولا أعلم عددَه= فتجلس ستًّا أو سبعًا (٥) في المشهور، من أول العشر في أحد الوجهين، وبالتحرِّي في أقواهما. وإن قالت: أعلم أني كنت في أول الشهر حائضًا، ولا أعلم آخرَ الحيض، حيَّضناها ذلك اليومَ وما بعد. وإن قالت: كان آخر الشهر آخرَ حيضتي حيَّضناها ذلك اليوم وما قبله. وإن قالت: كنتُ في أول الشهر حائضًا، لا أدري هل كان أول حيضي أو آخره؟ حيَّضناها ذلك اليوم وما بعده، في أحد الوجهين. وفي الآخر: تتحرَّى فيما قبله وما بعده، كما تقدَّم.

стр. 693

الثالثة: أن تكون ذاكرةً لعددها دون وقتها . فإن لم [تعلم] (١) لها وقتًا أصلًا، كأن تقول: حيضي خمسة أيام، لا أدري متى هي؟ فإنها تحيض الخمسَ من أول الشهر، في أحد الوجهين. وفي الآخر: تتحرَّى لوقتها. وشهرُها إن عرفته عُمِل به، وإن لم تعرفه فهو الشهر الغالب للنساء وهو ثلاثون يومًا. وإن [٢٠٢/أ] علمت لها وقتًا، مثل أن تقول: حيضتي في العشر الأول أو في النصف الأول وهي خمسة أيام، ولا أعلم عينَها= فهذه كلّ زمان تيقَّنت فيه الطهرَ فهي طاهر، وكلّ زمان تيقَّنت فيه الحيض فهي حائض، وكلَّ زمان اشتبه عليها فإنها تجلس منه قدر عادتها، إمّا بالتحرِّي أو من أوله. وطريق معرفة ذلك: أنها إذا تيقَّنت الحيض في أيام، فإن كانت أيام الحيض بقدر [نصف] (٢) تلك الأيام أو أقلَّ جاز أن يكون في أول تلك الأيام، وجاز أن يكون في آخرها. فليس هنا حيض متيقَّن ولا طهر متيقَّن، فتجلس قدرَ الحيض إما من أول تلك الأيام أو بالتحرِّي. وإن كان الحيض أكثرَ من نصف تلك الأيام، فالزائدُ على النصف ومثلُه (٣) من وسط تلك الأيام حيضٌ بيقين؛ لأنَّك (٤) في أيِّ وقت فرضتَ ابتداءَ الحيض، فلا بدَّ أن يدخل الوسط فيه. مثال ذلك أن تقول: كنت

стр. 694

أحيض سبعة أيام من العشر الأول، فإنَّ الأربعة الوسطى حيضٌ بيقين، وهي الرابع والخامس والسادس والسابع، لأنها داخلة في زمن الحيض على كلِّ تقدير. والثلاث الباقية من حيضها، تجلسها إمّا من أول الشهر أو بالتحري، على اختلاف الوجهين، وهي حيض مشكوك فيه. وتبقى الثلاثة الأخر، وهي طهر مشكوك فيه. وإن قالت: حيضي عشرة من النصف الأول من الشهر، فإن الزائد [٢٠٢/ب] على النصف إذا أضْعَفتَه (١) كان خمسة أيام فهذه الخمس الوسطى (٢) حيض بيقين، والخمس الأُوَل والأواخر مشكوك فيها، فتجلس إحدى الخمسَين (٣) بالتحرِّي أو الأُوَل (٤) منهما. فصل والطهر في أثناء الحيضة طهر صحيح، إذا رأت النقاء الخالص بحيث لا يتغيَّر لونُ القطنة إذا احتشَتْ بها، وإن كانت أقلَّ من يوم، في المشهور عنه. وعنه: أنَّ ما دون اليوم لا تلتفت (٥) إليه كالفترات واللحظات، وما (٦)

стр. 695

لم تر فيه القَصَّة (١) البيضاء. وعنه: أنه ليس الطهر في أثناء الحيضة بطهر صحيح، بل حكمه حكم الدم. لأنّ دم الحيض يستمسك مرّةً، وينقطع أخرى، وليس بدائم الجريَان. فلو كان وقت الانقطاع طهرًا (٢) لم تسقط عنها صلاةٌ (٣) بحال، ولأنه لو كان طهرًا صحيحًا كان ما قبله وما بعده حيضًا صحيحًا تامًّا (٤)، فتنقضي العِدَّة بثلاث من هذا الجنس. والأول: المذهب، لقول ابن عباس في المستحاضة: إذا رأتِ الدَّمَ البَحْرانيَّ (٥) فلا تصلِّي. فإذا رأت الطهرَ ولو ساعةً فلتغتسِلْ وتُصَلِّي. رواه أبو داود (٦). ولأنه ليس جعل النقاء الخالص حيضًا تبعًا لما يتخلَّله من الدم في العادة (٧). فأما اللحظات التي يستمسك فيها دم الحيض، فلا يحصل فيها النقاء الخالص، ولا ترى معه القَصَّة البيضاء. فعلى هذا إذا رأت يومًا دمًا ويومًا طهرًا، ولم يجاوز مجموعها أكثرَ الحيض، اغتسلت أيامَ [٢٠٣/أ] النَّقاء، وصلَّت وصامت، وضمَّت النقاء (٨)

стр. 696

إلى الدَّم، فكان مجموعها حيضًا، بشرط أن لا ينقص عن أقلِّ الحيض. وأما إن جاوز أكثر الحيض فهي مستحاضة، سواء حصل النقاء بعد أكثر الحيض، أو اتصل الدم بأكثر الحيض. وقال القاضي: وإن لم تكن معتادة، فإن النقاء في السادس عشر يفصل بين دم الحيض والاستحاضة، لأن هذا الدم لم يتصل بدم فاسد، ولا خالف عادةً متقدِّمة، فوجب أن يكون حيضًا (١). ووجه الأول: أن هذا الدم وإن لم يتصل بدم فاسد، فلم يتصل بدم صحيح. فتعارض (٢) الأمران، وكان كما لو اتصل بهما، ولو اتصل بهما كان الجميع استحاضة؛ فكذلك إذا انفصل عنهما. وهذه تسمَّى «الملفِّقة». مسألة (٣): (والحاملُ لا تحيض، إلا أن ترى الدمَ قبل ولادتها بيومين أو ثلاثة، فيكون دم نفاس). أمَّا الدم الذي تراه الحامل، فإنه عندنا دم فساد، لأنّ الله تعالى جعل دمَ الحيض غذاءً للجنين، فإذا خرج شيء فقد خرج على غير الوجه المعتاد. قال ابن عباس ﵄: إن الله قد رفع الحيض عن الحُبلى، وجعل

стр. 697

الدم رزقًا للولد. وعن علي ﵁ أنه قال: إنَّ الله رفع الحيضَ عن الحُبلى، وجعل الدمَ مما تغِيضُ الأرحام. رواهما أبو حفص ابن شاهين (١). وروى الأثرم [٢٠٣/ب] والدارقطني (٢) عن عائشة ﵂ في الحامل ترى الدم، فقالت: الحامل لا تحيض، وتغتسل وتصلِّي. فأمرَتْها بالغسل، لأنها مستحاضة، والمستحاضة يُستحبُّ لها الغسل. ولأنَّ الشرع جعل الحيضَ علامةً على براءة الرحم من الحمل في العِدَّة والاستبراء، فلو جاز اجتماعهما لما كان علامةً على عدمه. ولأنَّ طلاق الحائض محرَّم، والطلاق بعد تبيُّن (٣) الحمل جائز، فلو كان الدم الذي تراه الحامل حيضًا لما جاز الطلاق فيه، لما يلزمه من تخصيص العمومات والخروج عن القياس. فأما الذي تراه قبل الوضع بيومين أو ثلاثة، فهو نفاس، لأنه دم خارج بسبب الولادة، فكان نفاسًا كالخارج بعدها. وهذا لأنَّ الحامل لا تكاد ترى الدم، فإذا رأته قريبَ الوضع، فالظاهر أنه بسبب الولد، لا سيَّما إن كان قد ضربها المخاضُ. وهذه اليومان والثلاثة وإن جعلناها نفاسًا، فليست من المدَّة، بل أولُ المدّة من حين الوضع، لأنَّ في الحديث: «كانت تقعد بعد نفاسها» (٤)، وفي

стр. 698

الآخر: «كم تجلس النفساء إذا ولدت؟» (١). فأما إذا خرج بعضُ الولد، فالدم قبل انفصاله محسوبٌ من المدّة. وفيه وجه أنه لا يُحسَب حتى ينفصل جميعه.

стр. 699

باب النفاس (وهو الدم الخارج بسبب الولادة، وحكمه حكم الحيض) (١). دم النفاس [٢٠٤/أ] هو دم الحيض المحتقن في الرحم، الفاضل عن (٢) رزق الولد. فلما خرج الولد تنفَّست الرَّحِمُ، فخرج بخروجه. وحكمُه حكم الحيض فيما يُوجبه من الغسل، ويُحرِّمه من الوطء والعبادات، ويُسقِطه من الصلاة، لأنه هو (٣). فأمَّا الولادة العريَّة عن دمٍ (٤)، ففيها وجهان: أحدهما: يجب فيها الغسل، لأنها مظنَّة خروج الدم غالبًا، فأقيمت مقامه. كالوطء مع الإنزال، والنوم مع الحدث، وانتقال المنيِّ مع ظهوره. والثاني: لا يجب، لأنَّ وجوب الغسل هنا ليس بمنصوص ولا في معناه. والحكمة هنا ظاهرة منضبطة، فيجب تعليق الحكم بها دون المظنَّة. ولأنه كان منيًّا فانعقد واستحال، فلم يجب فيه غسلٌ كالعَلَقة والمُضْغة.

стр. 700

مسألة (١): (وأكثره أربعون يوما) . يعني: أنها إذا رأت الدم أكثر من أربعين يومًا لم تكن نُفَساء. وحكي عنه أن أكثره ستُّون، لأنه قد روي عن عطاء والأوزاعي أنَّ ذلك وُجِد (٢). والأول: هو المذهب، لما روت مُسَّة الأزدية عن أم سلمة قالت: كانت النُّفَساء تجلس على عهد رسول الله ﷺ أربعين يومًا. وكنَّا نَطْلي وجوهَنا بالوَرْس من الكَلَف. وفي لفظ: تقعد بعد نفاسها. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي (٣). قال الخطابي (٤): أثنى محمد بن إسماعيل على هذا الحديث.

стр. 701

وعن أم سلمة أنها سألت النبيَّ ﷺ : كم تجلس المرأة [٢٠٤/ب] إذا ولدت؟ قال: «أربعين (١) يومًا إلا أن ترى الطهرَ قبل ذلك» رواه الدارقطني (٢). وهذا يفسِّر الحديث الأول، ويبيِّن أنَّ ذلك أمرٌ من النبي ﷺ ، لا (٣) أن ذلك كان عادةَ النساء، إذ (٤) يستحيل في العادة اتفاقُ عادة أهل بلدة في النفاس. ويكون ذلك بيانَ أقصى ما تجلسه وبيانَ ما يجتنب فيه زوجُها من الوطء. وقد حكى الإمام أحمد [ذلك] (٥) عن عمر (٦)، وابن عباس (٧)، وأنس (٨)،

стр. 702

وعائذ بن عمرو (١)، وعثمان بن أبي العاص (٢)، وأم سلمة (٣)، ولا يعرف لهم من الصحابة مخالف. وقال إسحاق: هو السنّة المجتمع عليها (٤). وقال الطحاوي: لم يقل بالستِّين أحد من الصحابة، وإنما هو قول مَن بعدهم (٥). ولأن الأربعين هي المدَّة التي ينتقل فيها الإنسان من خلق إلى خلق، فإنه يبقى نطفةً أربعين، ثم عَلَقةً مثل ذلك، ثم مضغةً مثل ذلك. فإذا كان طورُ خلقه يكمل في أربعين (٦)، فأَنْ يخرجَ الدم في أربعين أولى. وكذلك كثيرًا ما يخرج في أقلَّ منها. فعلى هذا متى جاوز الدمُ أكثرَ النفاس، فما في مدة النفاس نفاس، ولا يكون استحاضة في مدة النفاس. وما زاد على الأربعين إن أمكن أن يكون حيضًا، بأن يصادف عادةَ الحيض، أو أن يتصل بعادة الحيض ويتكرَّر، أو يكون بينه وبين عادة الحيض طهرٌ كاملٌ أو يتكرَّر= فهو حيضٌ، وإلَّا فهو استحاضة. وهذا بخلاف الحيض، فإنه إذا جاوز الأكثرَ ثبت حكمُ المستحاضة فيه كلِّه، لأنَّ [٢٠٥/أ] النبيَّ ﷺ أمرَ النُّفَساءَ أن تقعد أربعين يومًا، إلَّا أن ترى (٧) الطهرَ قبل ذلك (٨). وهذا يدلُّ على أنها إذا لم تر الطهرَ تقعد الأربعين، دون ما بعدها (٩)، من غير التفات إلى عادة أو تمييز.

стр. 703

ولأنَّ العبرة بكونه نفاسًا [و] وجوده (١) في مدَّة الأربعين فقط، سواء تكرَّر أو لم يتكرَّر، وسواء تغيَّر لونه أو لم يتغيَّر؛ لأنَّ دم النفاس هو ما فضَل عن غذاء الولد، وذلك يختلف باختلاف الولد في خلقه ومكثه. ولأن الحيض يتكرَّر كثيرًا وتقصُر مدتُه، بخلاف النفاس، فإنَّ اعتبار العادة فيه يؤدِّي [إلى] (٢) حرج عظيم ومشقة. وإذا ولدَتْ (٣) توأمين، فأولُ مدّة النفاس وآخرها من الأول. وعنه: أنَّ أولَه من الأول، وآخرَه من الثاني. اختارها بعض أصحابنا، فتجلس ما تراه من الدم بعد وضع الأول ما لم يجاوز (٤) أكثرَ النفاس. فإذا وضعت الثاني استأنفَتْ له مدَّةً أخرى، ودخلت بقيةُ مدَّة الأول (٥) في مدَّته إن كانت باقية؛ لأنه وُلِدَ، فاعتُبرت له المدَّة كالأول وكالمنفرد (٦)، ولأنَّ الرحم تتنفَّس به كما تنفَّست بالأول، فكثُر الدم بسبب ذلك، فيجب اعتبارُ المدَّة له. وعنه رواية ثالثة، اختارها أبو بكر: أنَّ أول المدَّة وآخرها من الثاني، لأنها قبل وضعه حامل، ولا يضرب لها مدّة النفاس، كما قبل الأول. ولهذا لا تنقضي العِدَّة إلا بوضعها. فعلى هذه الرواية، ما قبل وضع الثاني [٢٠٥/ب]

стр. 704

كما قبل وضع الحمل المنفرد، إن كان يومين (١) أو ثلاثة، فهو نفاس، وليس من المدَّة؛ وإن كان أكثر من ذلك لم يُلتفَت إليه. وهذا بعيدٌ على أصلنا. ووجه الأولى ــ وإليها صَغْوُ (٢) أكثرِ أصحابنا ــ: أنَّ الدم الخارج عقبَ وضع الأول دمٌ يعقُب (٣) ولادةً، فكان نفاسًا، كدم الولد الفذّ. وهذا لأن الرَّحِم تنفَّست به، وانفتح ما استدَّ منها، فكان بسببه، فيكون نفاسًا. وإذا كان أولُه منه فكذلك آخره، لأنَّ الحمل الواحد لا يُوجِب مدَّتَين، كالولد الواحد إذا خرج متقطِّعًا (٤). ولأنَّ خروجَ الولد الأول كظهور بعض الولد، فأولُ المدة محتسبةٌ من حين ظهوره أو البعض (٥)، فكذلك آخرها؛ كما قلنا في ظهور (٦) بعض الولد، فإنَّ آخرَ المدَّة يتبع أوّلَها، إمَّا من حين ظهور البعض، أو من حين انفصال الجميع. مسألة (٧): (ولا حدَّ لأقلِّه. متى رأتِ الطهر اغتسلَتْ، وهي طاهر (٨)). وهذا لما تقدَّم من حديث أم سلمة لمَّا سألتِ النبيَّ ﷺ : كم تجلس

стр. 705

المرأة إذا ولدت؟ قال: «أربعين (١) إلا أن ترى الطُّهرَ قبل ذلك» (٢). ولم يفصِل بين مدّة طويلة وقصيرة (٣). وقال الترمذي (٤): أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يومًا، إلا أن ترى الطُّهرَ قبل ذلك. ولأنَّ الدم الخارج عقب الولادة خرج بسببها، فكان نفاسًا، سواء كان [٢٠٦/أ] قليلًا أو كثيرًا، إذ (٥) ليس في تقديره هنا نصٌّ ولا اتفاق ولا قياس صحيح. ولأنَّ من النساء من لا ترى الدم أصلًا، ومنهن من ترى قليلًا أو كثيرًا، والمرجِعُ (٦) في ذلك إلى ما وُجد. وقد روي أنَّ امرأةً ولَدت على عهد النبي ﷺ ، ولم تر دمًا، فسُمِّيت «ذات الجَفاف» (٧). وذكر الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي قال: كانت عندنا امرأة تسمَّى «الطاهر»، تلد أول النهار، وتطهُر آخرَه.
следующие страницы →