← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وعن أم سلمة أنها سألت النبيَّ ﷺ : كم تجلس المرأة [٢٠٤/ب] إذا ولدت؟ قال: «أربعين (١) يومًا إلا أن ترى الطهرَ قبل ذلك» رواه الدارقطني (٢). وهذا يفسِّر الحديث الأول، ويبيِّن أنَّ ذلك أمرٌ من النبي ﷺ ، لا (٣) أن ذلك كان عادةَ النساء، إذ (٤) يستحيل في العادة اتفاقُ عادة أهل بلدة في النفاس. ويكون ذلك بيانَ أقصى ما تجلسه وبيانَ ما يجتنب فيه زوجُها من الوطء. وقد حكى الإمام أحمد [ذلك] (٥) عن عمر (٦)، وابن عباس (٧)، وأنس (٨)،

стр. 702

وعائذ بن عمرو (١)، وعثمان بن أبي العاص (٢)، وأم سلمة (٣)، ولا يعرف لهم من الصحابة مخالف. وقال إسحاق: هو السنّة المجتمع عليها (٤). وقال الطحاوي: لم يقل بالستِّين أحد من الصحابة، وإنما هو قول مَن بعدهم (٥). ولأن الأربعين هي المدَّة التي ينتقل فيها الإنسان من خلق إلى خلق، فإنه يبقى نطفةً أربعين، ثم عَلَقةً مثل ذلك، ثم مضغةً مثل ذلك. فإذا كان طورُ خلقه يكمل في أربعين (٦)، فأَنْ يخرجَ الدم في أربعين أولى. وكذلك كثيرًا ما يخرج في أقلَّ منها. فعلى هذا متى جاوز الدمُ أكثرَ النفاس، فما في مدة النفاس نفاس، ولا يكون استحاضة في مدة النفاس. وما زاد على الأربعين إن أمكن أن يكون حيضًا، بأن يصادف عادةَ الحيض، أو أن يتصل بعادة الحيض ويتكرَّر، أو يكون بينه وبين عادة الحيض طهرٌ كاملٌ أو يتكرَّر= فهو حيضٌ، وإلَّا فهو استحاضة. وهذا بخلاف الحيض، فإنه إذا جاوز الأكثرَ ثبت حكمُ المستحاضة فيه كلِّه، لأنَّ [٢٠٥/أ] النبيَّ ﷺ أمرَ النُّفَساءَ أن تقعد أربعين يومًا، إلَّا أن ترى (٧) الطهرَ قبل ذلك (٨). وهذا يدلُّ على أنها إذا لم تر الطهرَ تقعد الأربعين، دون ما بعدها (٩)، من غير التفات إلى عادة أو تمييز.

стр. 703

ولأنَّ العبرة بكونه نفاسًا [و] وجوده (١) في مدَّة الأربعين فقط، سواء تكرَّر أو لم يتكرَّر، وسواء تغيَّر لونه أو لم يتغيَّر؛ لأنَّ دم النفاس هو ما فضَل عن غذاء الولد، وذلك يختلف باختلاف الولد في خلقه ومكثه. ولأن الحيض يتكرَّر كثيرًا وتقصُر مدتُه، بخلاف النفاس، فإنَّ اعتبار العادة فيه يؤدِّي [إلى] (٢) حرج عظيم ومشقة. وإذا ولدَتْ (٣) توأمين، فأولُ مدّة النفاس وآخرها من الأول. وعنه: أنَّ أولَه من الأول، وآخرَه من الثاني. اختارها بعض أصحابنا، فتجلس ما تراه من الدم بعد وضع الأول ما لم يجاوز (٤) أكثرَ النفاس. فإذا وضعت الثاني استأنفَتْ له مدَّةً أخرى، ودخلت بقيةُ مدَّة الأول (٥) في مدَّته إن كانت باقية؛ لأنه وُلِدَ، فاعتُبرت له المدَّة كالأول وكالمنفرد (٦)، ولأنَّ الرحم تتنفَّس به كما تنفَّست بالأول، فكثُر الدم بسبب ذلك، فيجب اعتبارُ المدَّة له. وعنه رواية ثالثة، اختارها أبو بكر: أنَّ أول المدَّة وآخرها من الثاني، لأنها قبل وضعه حامل، ولا يضرب لها مدّة النفاس، كما قبل الأول. ولهذا لا تنقضي العِدَّة إلا بوضعها. فعلى هذه الرواية، ما قبل وضع الثاني [٢٠٥/ب]

стр. 704

كما قبل وضع الحمل المنفرد، إن كان يومين (١) أو ثلاثة، فهو نفاس، وليس من المدَّة؛ وإن كان أكثر من ذلك لم يُلتفَت إليه. وهذا بعيدٌ على أصلنا. ووجه الأولى ــ وإليها صَغْوُ (٢) أكثرِ أصحابنا ــ: أنَّ الدم الخارج عقبَ وضع الأول دمٌ يعقُب (٣) ولادةً، فكان نفاسًا، كدم الولد الفذّ. وهذا لأن الرَّحِم تنفَّست به، وانفتح ما استدَّ منها، فكان بسببه، فيكون نفاسًا. وإذا كان أولُه منه فكذلك آخره، لأنَّ الحمل الواحد لا يُوجِب مدَّتَين، كالولد الواحد إذا خرج متقطِّعًا (٤). ولأنَّ خروجَ الولد الأول كظهور بعض الولد، فأولُ المدة محتسبةٌ من حين ظهوره أو البعض (٥)، فكذلك آخرها؛ كما قلنا في ظهور (٦) بعض الولد، فإنَّ آخرَ المدَّة يتبع أوّلَها، إمَّا من حين ظهور البعض، أو من حين انفصال الجميع. مسألة (٧): (ولا حدَّ لأقلِّه. متى رأتِ الطهر اغتسلَتْ، وهي طاهر (٨)). وهذا لما تقدَّم من حديث أم سلمة لمَّا سألتِ النبيَّ ﷺ : كم تجلس

стр. 705

المرأة إذا ولدت؟ قال: «أربعين (١) إلا أن ترى الطُّهرَ قبل ذلك» (٢). ولم يفصِل بين مدّة طويلة وقصيرة (٣). وقال الترمذي (٤): أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يومًا، إلا أن ترى الطُّهرَ قبل ذلك. ولأنَّ الدم الخارج عقب الولادة خرج بسببها، فكان نفاسًا، سواء كان [٢٠٦/أ] قليلًا أو كثيرًا، إذ (٥) ليس في تقديره هنا نصٌّ ولا اتفاق ولا قياس صحيح. ولأنَّ من النساء من لا ترى الدم أصلًا، ومنهن من ترى قليلًا أو كثيرًا، والمرجِعُ (٦) في ذلك إلى ما وُجد. وقد روي أنَّ امرأةً ولَدت على عهد النبي ﷺ ، ولم تر دمًا، فسُمِّيت «ذات الجَفاف» (٧). وذكر الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي قال: كانت عندنا امرأة تسمَّى «الطاهر»، تلد أول النهار، وتطهُر آخرَه.

стр. 706

فإذا انقطع بدون الأربعين اغتسلت وصلَّت وصامت بلا خلاف، لما تقدَّم. لكن في حدِّ الطهر روايتان، كما في طهر الملفِّقة: إحداهما: لا بدَّ أن يكون يومًا. وما دون ذلك لا تلتفت إليه. والثانية: لا فرق بين القليل والكثير، إذا رأت النقاء الخالص. ويكره وطؤها إلى تمام الأربعين، في المشهور عنه، كراهةَ تنزيه. وعنه: ما يدل على أنها كراهةُ تحريم. وعنه: أنه مباح، لأنه وطءٌ بعد الطهر والتطهُّر (١) فأشبه الوطءَ إذا انقطع لأكثره، ووطءَ الحائض إذا انقطع دمُها لعادة. ووجه الأول: ما رواه الإمام أحمد رحمة الله عليه (٢) عن علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه (٣)، وعائذ بن عمرو (٤) وعبد الله بن عباس (٥) وعثمان بن أبي العاص (٦) ﵃ أنهم قالوا: لا تُوطَأ النُّفسَاء إلا بعد الأربعين. ولا يُعرَف لهم مخالف في الصحابة ﵃.

стр. 707

وقد روى ابن شاهين (١) عن معاذ عن النبي ﷺ [٢٠٦/ب] قال: «إذا رأت الطهر فيما دون الأربعين صامَتْ وصلَّت. ولا يأتيها زوجها إلا بعد الأربعين». وحديث أمِّ سلمة المتقدِّم ظاهر العموم في جميع النفساوات (٢)، لكن تصوم وتصلِّي بعد الطهر إجماعًا. ثم إن قيل: هو حرام، فلظاهر الآثار. وإن قيل: هو مكروه ــ وهو المشهور ــ فلأنَّ النقاء الخالص المُبيح لنفل (٣) العبادات وفرضها قد وُجِدَ، وإنما كُره خوفَ (٤) أن يصادفه الدم حين الوطء، أو خوفَ أن ترى الدم بعد الوطء؛ فإن من الناس من يجعل الجميع نفاسًا (٥)، فيكون قد وطئ نُفَساء، فإنَّ أكثر النفاس هو الغالب. ومثل هذا ما لو انقطع دم الحائض المعتادة لدون العادة، فإنها تكون طاهرًا، تغتسل وتصلِّي وتصوم. وفي كراهية الوطء روايتان (٦) كهاتين الروايتين. والمنعُ في النفاس أشدُّ، لأن العادة في الجملة قد تتغيَّر وتزيد (٧)

стр. 708

وتنقص، بخلاف الأربعين للنفساء (١)، فإنه حدّ شرعي. وفي المبتدأة إذا انقطع دمها لدون الأكثر روايتان أيضًا كذلك. لكن رواية عدم الكراهة هنا مرجَّحة، لأنَّ عَود الدم في زمان العادة كثير، بخلاف بلوغ الحيض أكثرَ المدَّة فإنه قليل، وبخلاف النفاس فإنَّ أغلبه أكثره، والعادة غير معتبرة ــ كما تقدَّم ــ لعدم انتظامها. مسألة (٢): (فإن عاد في مدة الأربعين فهو نفاس أيضًا) . هذا إحدى الروايتين عنه، لأنه دم في مدة النفاس، [٢٠٧/أ] فكان نفاسًا كالأول، وكما لو اتصل. وعلى هذا، سواءٌ حصل بين الأول والثاني طهر كامل أو لم يحصل، وسواءٌ كان الثاني قليلًا أو كثيرًا، لأنه مضموم إلى الأول. قال ابن أبي موسى (٣): فعلى هذه الرواية يجب عليها إعادةُ ما صامته وطافته من الفرض، في الطهر بين المدَّتين. هذا مبنيٌّ على أنّ الطهر في أثناء النفاس ليس بطهر صحيح، والمشهور في المذهب خلافه، وعليه تبنى أحكام الملفِّقة. والرواية الأخرى ــ وهي المشهورة عنه ــ اختارها أكثر أصحابنا: أنّ هذا الدم دم شكٍّ لأنه قد تعارض فيه أمارة النفاس والاستحاضة والحيض، لأنَّ كونَه موجودًا في مدّة النفاس يُوجِب كونه نفاسًا، وكونَه بعد طهر صحيح ينفي (٤) ذلك، كما لو رأته بعد أيام مع الولادة التي لا دمَ معها، فإنه لا يكون

стр. 709

نفاسًا. بل إمَّا حيض إن قام دليله، وإلا استحاضة، فلذلك (١) احتيط فيه للعبادات الواجبة وقضاء الصوم والطواف والإمساك عن الوطء. فأمَّا إن بلغ الثاني أقلَّ الحيض وصارت مدة الحيض، فهذا لا يكون استحاضة، بل هو إما حيض أو نفاس، وحكمهما واحد في ترك العبادات وقضاء الصوم، وسواءٌ كان بينه وبين الدم الأول طهر كامل أو لم يكن، لأنَّ الطهر الكامل إنما يُشترط بين حيضتين. فأمَّا بين دم الحيض والنفاس فلا، كما لو رأت دمًا بعد الأربعين بيوم أو يومين. وقال القاضي في بعض كتبه: إن كان الدم الثاني [٢٠٧/ب] أقلَّ من يوم وليلة فهو دم فساد (٢)، لأنه ليس بنفاس لانقطاع حكمه. وليس بحيض، لأنه أقلُّ من مدَّته. وإن بلغ يومًا وليلةً فهو مشكوك فيه، لأنه صالح للحيض ولم يتكرَّر. وبكلِّ حال، فالطهر المتقدِّم طهر صحيح، لا تقضي ما صامت فيه، كالطهر في أثناء الحيضة على ظاهر المذهب. وإن كان أقلَّ من يوم، ففيه روايتان كما تقدَّم. وإن انقطع دم الحائض في أثناء العادة، ثم عاد، وقلنا: إنَّ الحيض لا يثبت إلا بالتكرار على ظاهر المذهب= ففيه روايتان. إحداهما: أنه حيض في العادة. والثانية: ليس بحيض حتى يتكرَّر، لأنه بانقطاعه خرج عن العادة، وعودُه فيها يُشبه انتقاله عن زمن العادة. وحيض المبتدأة أكثر من يوم، فإن صار عادة قضت ما صامت فيه. وإن لم يتكرَّر كان دم فساد، ولا حرج عليها

стр. 710

في الصلاة التي صلَّت فيه؛ بخلاف العادة في مدة النفاس، فإنه لا يرجى انكشافُ أمره لعدم العادة هنا (١) كما تقدم. فصل والولد الذي تثبت فيه أحكام النفاس هو (٢) ما تبيَّن (٣) فيه شيءٌ من خلق الإنسان مثل يد أو إصبع، وذلك إذا نُكِّس (٤) في الخلق الرابع. فإن ألقت مضغةً لا تخطيط فيها أو علَقةً فليس بنفاس. وعنه: أنه نفاس بالمضغة، دون العلَقة. وخرَّجوا وجهًا أنه نفاس فيهما إذا عُلِم أنه مبدأ خلق آدمي، على رواية انقضاء العدَّة وثبوت الاستيلاد به. فأمَّا النطفة فلا أثر لها، قولًا واحدًا. وحيث قلنا: ليس هو نفاسًا (٥)، يكون كما لو رأته غيرُ الحامل إن صادف زمنَ العادة فهو حيض، وإن لم يصادفها كان مشكوكًا فيه حتى يتكرَّر، إلَّا أن تكون مبتدأة. وبكلِّ حال، فإذا رأته على الطلق أمسكَتْ عن العبادات، لأنّ الظاهر أنَّها تضع ما يثبت فيه حكم النفاس. ثم إن تبيَّن بعد الوضع أنه ليس بنفاس ولا هو حيض قضَتْ ما تركت من الواجبات. وإن لم يتبيَّن شيء بأن يكون قد دُفِن قبل الكشف ثبت على الظاهر أنه نفاس، كما نقول في سائر أنواع التحرِّي.

стр. 711

[٢٠٨/أ] (١) كتاب الصلاة الصلاة في أصل اللغة: الدعاء. ومنه قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ (٢) [التوبة: ٩٩] وقول النبي ﷺ : «إذا دُعِيَ أحدُكم فَلْيُجِبْ. فإنْ كان مُفطِرًا فَلْيَطْعَمْ، وإن كان صائمًا فَلْيُصَلِّ» رواه مسلم (٣). والداعي لما كان يؤم (٤) المدعوَّ ويقصده، سُمِّي (٥) الثاني من الخيل مصلِّيًا لاتباعه السابقَ وقصده إياه. ثم سُمِّي عظمُ (٦) الوَرِك «صَلًا» لأنه هو الذي يقصده المصلِّي من السابق. ثم اتسع ذلك، حتَّى قال عليّ ﵁: سبق رسولُ الله ﷺ ، وصلَّى أبو بكر، وثلَّث عمر (٧).

стр. 712

ولِمَا بين القاصد والمقصود [٢٠٨/ب] من الاتصال (١) والقرب، كان منه في الاشتقاق الأوسط «الوصل»، لأنَّ فيه الصاد واللام والواو. ولهذا يقال: الصلاة صِلة بالله. ومنه في (٢) الاشتقاق الأكبر: صَلي النارَ، واصطلى بها، لما فيه من المماسَّة والمقاربة. والدعاء: قصدُ المدعوِّ، والتوجُّه إليه، إمَّا على وجه المسألة، وإما على وجه العبادة المحضة؛ لأنَّ دعاءَ الشيء هو طلبه وإرادته، سواء طُلِب لذاته أو لأمر (٣) منه. ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فإنه فُسِّر بالمسألة وبالعبادة. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ إلى قوله: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ [غافر: ٦٠ - ٧٤]. وقوله تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧]. وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤].

стр. 713

وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (١) [النحل: ٢٠]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [الأحقاف: ٤]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ الآية إلى قوله (٢): ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤ - ١٩٧]. [٢٠٩/أ] وقوله تعالى: ﴿ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ [يونس: ١٠٤ - ١٠٦]. وقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ (٣) الآية [الرعد: ١٤].

стр. 714

وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١٧ - ١١٨]. فإن الدعاء في هذه المواضع يراد به نفسُ اتخاذ المدعوِّ ربًّا وإلهًا، بحيث يُسأَل ويُعبَد. وقد فصَّل الله معنى الدعاء في قوله (١): ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وفي قوله (٢): ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ٢٣]، وفي قوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨، الشورى: ١٠] ونحو ذلك من الآي. فهو يُعبد من حيث هو (٣) إله، ويُسأل من حيث هو ربٌّ. وإن كان كلُّ عابد سائلًا وطالبًا، وكلُّ سائل عابدًا وقاصدًا من جهة الالتزام. فسُمِّيت العبادات (٤) لله المحضة مثل القراءة (٥) والذكر والسؤال والركوع والسجود والطواف صلاة، إذ (٦) هي دعاء لله وعبادة لله بلا توسُّط شيء آخر. ولهذا قال ابن مسعود: ما دمتَ تذكر الله، فأنت في صلاة، وإن كنت في السوق (٧).

стр. 715

ثم غلب هذا الاسم على ما كان فيه فعل مثل القيام والسجود والطواف، دون القول المحض كالقراءة والذكر والسؤال (١)، [٢٠٩/ب] لأن (٢) ذلك عبادة بجميع البدن. ولهذا اشترطت له الطهارة، وإن اشتركا في استحباب الطهارة. ثم غلب على القيام والركوع والسجود مع أذكارها، لأنها أخصُّ بالتعبد من الطواف. ولهذا حُرِّم فيه الكلام والعمل الكثير. وسُمِّي السجودُ المفرد كسجود التلاوة والشكر، والقيامُ المفرد كقيام الجنازة= صلاةً، وإن كان أغلبُ الصلوات المشروعة هي مما (٣) اشتملت على القيام والقعود والركوع والسجود. فإذا أُطلِق اسم الصلاة في الشرع لم يُفهَم منه إلا هذا، وهي القيام والركوع والسجود لله بالأذكار المشروعة فيها. ثم قال جماعة من أصحابنا، منهم ابن حامد وأبو الخطاب (٤) وابن عقيل (٥): هي منقولة من (٦) اللغة إلى الشرع، ومعدول بها عن المفهوم الأول إلى مفهوم آخر. وقال القاضي وغيره (٧): ليست منقولة، بل ضَمَّت

стр. 716

إليها الشريعةُ شروطًا وقيودًا، وهي مبقاة على ما كانت عليه. وكذلك القول في اسم الزكاة والصيام وغيرها من الأسماء الشرعية. وتحقيق ذلك أنَّ تصرُّف الشرع فيها كتصرُّف أهل العرف في بعض الأسماء اللغوية: إما تخصيصُها ببعض معانيها كالدابَّة، وإما تحويلُها (١) إلى ما بينه وبين المعنى الأول سبب كاسم الراوية (٢) والغائط والعَذِرة. فالصلاة كانت اسمًا لكلِّ دعاء، فصارت اسمًا لدعاء مخصوص. أو كانت اسمًا لدعاء، فنقلت إلى الصلاة الشرعية [٢١٠/أ] لما بينها وبين الدعاء من المناسبة. والأمر في ذلك متقارب. نعم، قد يُسرف بعض من يقول: هي منقولة، فلا يشترط أن يكون بين المنقول عنه والمنقول (٣) إليه مناسبة، بل يجعله وضعًا (٤) ثانيًا حتى كأنه ليس من المجاز اللغوي. ويسرف من يقول: هي [غير] (٥) منقولة، حتى يعتقد أن مفهومها في الشرع هو محض الدعاء والمسألة فقط كما يكون (٦) في اللغة، وأنَّ [ما] (٧) خرج عن ذلك من قيام وقعود وغير ذلك، فهو شرطٌ في الحكم، بمعنى أنَّ الصلاة التي هي الدعاء لا تجزئ إلا على هذا الوجه، كما لا تجزئ إلا بتقدُّم الإيمان والطهارة. ولا

стр. 717

تُجعَل هذه الأفعال جزءًا من المسمَّى ولا مفهومة من نفس الاسم. وكلا القولين طرفٌ، وخيار الأمور أوسطها (١). وبهذا التقرير، فقولُ (٢) من يقول: هي منقولة، أقرب إلى الصواب. وكذلك أيضًا بتقدير أن يُعنى بالنقل (٣) تخصيصُها ببعض معانيها. وهي في ذلك أبلغ من تخصيص أهل العرف الاسمَ ببعض معانيه كالدابَّة والنجم، لأنَّ ذلك التخصيص (٤) كان معلومًا، بخلاف ما كان من خصائص الصوم والصلاة (٥) والزكاة، فإنه لم يكن معروفًا معناه، ولا دلالة اللفظ على غيره (٦). وقد اتفقوا على أن الصلاة المشروعة بعد بيان النبي (٧) ﷺ صارت هي المفهومة (٨) من لفظ «الصلاة» في الكتاب والسنَّة. ومن ادَّعى بعد ذلك أنها (٩) تُصْرَف إلى مجرَّد المعنى اللغوي، فقد غلِط (١٠).

стр. 718

والصلاة واجبة في [٢١٠/ب] الجملة. قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١) [البينة: ٥]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]، وقال: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]. ونصوص القرآن التي فيها ذكرُ الصلاة كثيرة جدًّا (٢). وكذلك السنَّة. منها: حديث عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: «بُنِي الإسلامُ على خمس: شهادةِ أنَّ لا اله إلا الله وأنَّ محمّدًا رسول الله، وإقامِ الصلاة، وإيتاءِ الزكاة، وحجِّ البيت، وصومِ رمضان» متفق عليه (٣). وأجمعت الأمة على أنَّ الصلاة واجبة في الجملة، وأنها أعظم مباني الإسلام الفعلية. وهي عمود الدين. وسنذكر إن شاء الله تعالى بعض خصائصها. مسألة (٤): (روى عبادة قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «خمسُ صلواتٍ كتبهنَّ الله على العبد في اليوم والليلة. فمن حافظ عليهن كان له عند الله عهدٌ أن يُدخِله الجنةَ، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله

стр. 719

عهدٌ. إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفر له». فالصلوات الخمس واجبة على كلِّ مسلم بالغ عاقل، إلا الحائضَ والنفساءَ). أمَّا عددُ الصلوات المكتوبات وعدد ركعاتها في حقِّ المقيم الآمن، فهو من باب العلم العامِّ الذي توارثته الأمة خلفًا عن سلف عن رسول الله ﷺ المبلِّغِ عن الله، المبيِّنِ (١) عنه معنى (٢) [٢١١/أ] خطابه وتأويلَ كلامه، الشارعِ عن الله بإذنه وبما أنزل إليه من الكتاب والحكمة. وقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ بذلك, مثل الحديث الذي ذكره الشيخ ﵀ , وقد رواه أحمد وأبو داود والنسائي (٣) وابن ماجه (٤). وعن طلحة بن عبيد الله (٥) أنَّ أعرابيًّا جاء إلى رسول الله ﷺ ثائرَ الرأس، فقال: يا رسول الله، أخبِرْني ماذا فرض الله عليَّ من الصلاة (٦)؟ قال: «الخمسَ إلا أن تَطَّوَّع شيئًا» فقال: أخبِرْني ماذا فرض الله عليَّ من الصيام؟ فقال: «شهرَ رمضان إلا أن تطَّوَّع» فقال: أخبِرني ماذا فرض الله عليّ من الزكاة؟ قال فأخبَره رسولُ الله ﷺ بشرائع الإسلام. قال: والذي أكرمَك، لا

стр. 720

أتطوَّع شيئًا، ولا أنقُص مما فرض الله عليّ شيئًا. فقال رسول الله ﷺ : «أفلحَ إنْ صدَق» أو «دخل الجنةَ إن صدَق» متفق عليه (١). وعن أنس بن مالك قال: فُرِضَت الصلاةُ على النبيِّ ﷺ ليلةَ أسرِي به خمسين، ثم نُقِصَت حتى جُعِلت خمسًا، ثم نودي: يا محمَّدُ إنه لا يُبدَّل القولُ لديَّ، وإنَّ لك بهذه الخمس خَمْسِين. رواه أحمد والنسائي والترمذي وصحَّحه (٢). ومعناه في «الصحيحين» من حديث مالك بن صعصعة (٣) وغيره مثل حديث معاذ بن جبل لما قال النبي ﷺ : «أَعلِمْهم أنَّ الله افترضَ عليهم خمسَ صلوات في اليوم والليلة» (٤)، وحديث ضِمام بن ثعلبة (٥). وهي [٢١١/ب] واجبة على كلِّ مسلم عاقل (٦) بالغ ــ لأن هذه شروط التكليف بالشرائع ــ على أيِّ حال كان، من صحة أو سقم، أو خوف أو أمن (٧)، أو إقامة أو سفر ــ والأدلّة (٨) الدالَّة على وجوبها في هذه الأحوال عمومًا

стр. 721

وخصوصًا كما تذكر (١) إن شاء الله تعالى ــ إلا الحائض والنفساء، لما سبَق في باب الحيض أنَّ الحائض لم تكن تؤمر بقضاء الصلاة. فأمَّا المستحاضة ومَن به سلَسُ البول، فتجب عليهما. ويجب عليهما قضاءُ ما تركاه منها، كما تقدَّم. فصل فأما الكافر الأصلي، فإنها تجب عليه، في أشهر الروايتين، بمعنى أنه يعاقَب على تركها في الآخرة، وفي الدنيا إذا شاء الله تعجيلَ عقوبته؛ ويُذَمُّ على ذلك في الدنيا والآخرة. فأما في حال كفره، فلا تصحُّ منه. وإذا أسلم لم يجب عليه القضاء باتفاق، لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. وعن عمرو بن العاص قال: لما جعَل الله الإسلامَ في قلبي أتيتُ رسولَ الله ﷺ ، فقلتُ: ابسُطْ يدَك فلْأُبايِعْك. فبسَط يمينَه. قال: فقبضتُ يميني، فقال: «ما لك يا عمرو؟». فقلتُ: أردتُ أن أشترِط. فقال: «تشترط ماذا؟» قلتُ: أن (٢) يُغفَر لي. قال: «أما علمتَ أنَّ الإسلامَ يهدِم ما كان قبله، وأنَّ الهجرةَ تهدِم ما كان قبلها، وأنَّ الحج يهدِم ما كان قبله؟» رواه مسلم (٣). وفي لفظ لأحمد (٤): «الإسلام يجُبُّ ما قبلَه».

стр. 722

وقوله: «الإسلام يهدم [٢١٢/أ] ما قبله» يعني (١): من تركِ الواجبات وفعلِ المحرَّمات، بخلاف الهجرة والحجِّ فإنهما يهدمان ما فعل من إثم فيما بين العبد وبين الله تعالى، دون ما ترك من واجب يُقضَى؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يأمر أحدًا ممن أسلم أن يقضي صلاةً ولا صومًا ولا زكاةً، ولم يأخذه (٢) بضمان دم ولا مال ولا شيء (٣) من الأشياء. وهذا لأنّ الكافر كان منكرًا للوجوب وللتحريم، فكان الفعل والترك داخلًا في ضِمْن هذا الاعتقاد الباطل، وفرعًا له. فلما تاب من هذا الاعتقاد وموجَبِه غفر الله له الأصلَ وفروعَه (٤)، ودخلت هذه الفروع فيه في حال المغفرة، كما دخلت فيه في حال المعصية. بخلاف من تركه معتقدًا للوجوب، فإنَّ (٥) الترك هناك غير مضاف إلى غيره بل إلى كسل، فالتوبةُ منه بالنشاط إلى فعل ما ترَك (٦). ولا يخاطَب الكافرُ بفعلها إلا بعد أن يُسلِم، لما روى ابن عباس أنَّ النبيَّ

стр. 723

- ﷺ لما بعث معاذًا إلى اليمن قال له: «إنَّك تأتي قومًا أهلَ كتاب (١)، فليكن أولَ ما تدعوهم إليه شهادةُ أن لا اله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله. فإن هم أطاعوك لذلك فأَعلِمْهم أن الله افترض عليهم خمسَ صلوات في يوم وليلة. فإن هم أطاعوك لذلك فأَعلِمْهم أنَّ الله افترض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم، فتُرَدُّ إلى فقرائهم. [٢١٢/ب] فإن هم أطاعوك لذلك فإيَّاك وكرائمَ أموالهم، واتَّقِ دعوةَ المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» رواه الجماعة (٢). وأما الكافر المرتدّ، فالمشهور أنه يلزمه قضاءُ ما تركه (٣) قبل الرِّدَّة من صلاة وزكاة وصوم، ولا يلزمه قضاءُ ما تركه في زمن الرِّدّة. وهذا هو المنصوص عنه في مواضع، مفرِّقًا بين ما تركه قبل الرِّدَّة وبعدها. وحكى ابنُ شاقْلا روايةً أنه لا يلزمه شيء من ذلك (٤)، بناءً على أن الردَّة تُحبِط العمل لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥]، وقوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٥ - ٢٨].

стр. 724

وأنَّ (١) الكفر الطارئ يهدِم ما كان (٢) قبله من الصالحات، كما أنَّ الإيمان الطارئ يهدم ما كان قبله من السيئات. والقضاءُ إنما يراد به جبرُ ما حصل (٣) من الخلل في العمل، فإذا حبِط الجميعُ فلا معنى لجبره، مع ظاهر قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. وعنه رواية أخرى (٤): أنه يلزمه قضاء الجميع. أمّا ما قبل الردَّة (٥)، فلوجوبه عليه. وأمَّا ما بعد الردَّة، فلأنه قد (٦) التزم حكمَ الإسلام، فلا يُقبل منه الرجوع عنه؛ [٢١٣/أ] كالمسلِم إذا تركها عامدًا. ولهذا يضمن ما أتلفه في حال الردَّة من دم (٧) أو مال، على المنصوص. ولهذا لا يُقَرُّ على دينه بعقد جزية ولا رِقٍّ (٨).

стр. 725

فإذا لم يُقَرَّ (١) على الاعتقاد لم يُقَرَّ على موجَبه وهو الترك، فيكون مطالَبًا بالفعل في الدنيا. ولأنَّ الدليل يقتضي وجوبها على كلِّ حال (٢). وإنما عُفي للكافر الأصلي عن القضاء، لأنَّ مدَّة الترك تطول غالبًا. وقد كان على دين يَعتقِد صحتَه، ولم يَعتقد بطلانَه؛ وهو مع ذلك مُقَرٌّ عليه، يجوز أن يهادَن ويُؤمَن وأن يسترَقَّ ويُعقَد له الجزية إن كان من أهل ذلك، بخلاف المرتدِّ. ووجه المشهور: أنَّ ما تركه قبل الردَّة (٣) قد وجب في ذمته واستقرَّ، فلا يسقط بعد ذلك بفعله لو كان مباحًا، فكيف يسقط بالمحرَّم؟ ولأنه ترك صلاةً يُخاطَب بفعلها ابتداءً، فخوطب بقضائها كالنائم والناسي، وأولى. ولأنّ تخلُّلَ المُسقِط بين زمنَي (٤) الوجوب والقضاء لا يُسقِط الواجبَ، كما لو ترك الصلاةَ ثم حصل جنون أو حيض، ثم حصل العقل والطهارة، فإنه يجب القضاء. وأمَّا حبوطُ عمله بالردَّة، فقد منع ذلك أكثر أصحابنا (٥)، وقالوا: الآيات فيمن مات على الردَّة، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة:

стр. 726

٢١٧]. والإطلاق في الآيات البواقي لا يمنع [٢١٣/ب] ذلك، لأنَّ كلَّ عقوبةٍ مرتَّبةٍ على كفر، فإنها مشروطة بالموت عليه؛ كما أنَّ كلَّ مثوبة مرتَّبة على إيمان، فإنها مشروطة بالموت عليه (١). فإن قيل: التقييد في هذه الآية بالموت على الكفر إنما كان لأنه رتَّب عليه (٢) شيئين، وهما (٣): حبوط العمل، والخلود في النار، والخلود إنما يستحقُّه الكافر؛ وتلك الآيات إنما ذُكِر فيها الحبوط فقط، فعُلِم أنَّ مجرَّد الردَّة كافٍ (٤) فيه. قلنا: قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة، ٥] وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]، لا يكون إلا لمن مات مرتدًّا، لأنَّ الخاسرين: الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، وهذا ليس لمن مات على عمل صالح. ولأنه (٥) إذا عاد إلى الإسلام فقد غُفِر له الارتداد الماضي، فإن (٦) التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وإذا زال الذنب زالت عقوباته وموجَباته، وحبوطُ العمل من موجَباته. يبيِّن هذا أنه لو كان فعَل في حال الردَّة ما

стр. 727

تقتضيه الردَّة من شتم أو سبٍّ أو شُربٍ (١) لم يُقَم عليه إذا أسلم. ولأنَّ الكافر (٢) الحربيَّ لو تقرَّب إلى الله بأشياء، ثم خُتِم له بالإسلام، لكانت محسوبةً له، بدليل ما روى حكيم بن حِزام قال: قلتُ: يا رسولَ الله، أرأيت أمورًا كنتُ أتحنَّث بها في الجاهلية من صدقة (٣) وعتاقة وصلة، هل فيها من أجر؟ فقال رسول الله ﷺ : «أسلمتَ على ما سلَف لك مِن [٢١٤/أ] خيرٍ» متفق عليه (٤). فإذا كان الكفرُ المقارِنُ (٥) للعمل لا يُحبِط إلا بشرط الموت عليه، فأن لا يحبطَه (٦) الكفر الطارئ إلا بشرط الموت أحرى وأولى، لأنَّ بقاءَ الشيء أولى (٧) من ابتدائه وحدوثه، والدفع أسهل من الرفع. ولهذا فإنَّ (٨) الردَّة والإحرام والعِدَّة تمنع ابتداء النكاح، دون دوامه. كيف وتلك الأعمال حين عُمِلت عُمِلت لله سبحانه، وقد غفَر الله ما كان بعدها من الكفر بالتوبة منه.

стр. 728

ومن أصحابنا من قال: يُحبِط العمل مطلقًا، لكن قال: الإحباط هو (١) إهدارُ الثواب، لا إبطال العمل في نفسه؛ بدليل أنه لا ينقض ما قبل الردَّة من الأمور المشروطة بالإسلام، كالحكم والولاية والإرث والإمامة والذبح. فلا تبطل صلاةُ من صلَّى خلفه (٢)، ولا يحرُم ما ذبحه قبل الردَّة. ولا يلزم من بطلان ثوابه بما فعله سقوطُ الواجب الذي لم يفعله، فإنّ الردَّة تناسب التشديد لا التخفيف. ثم نقول: فعلُ المكتوبة له فائدتان. إحداهما: أنه يقتضي الثواب. والثانية: أنه يمنع العقاب الواجب بتقدير الترك. فإذا ارتدَّ ذهبت الفائدة الواحدة (٣) وهي (٤) الثواب، وبقيت الأخرى، وهي منعُ العذاب على الترك، بحيث لا يعذَّب مَن فعل وحبط (٥) عمله، على نفس ما فعله من الخير (٦)، وإنما يعذَّب على الكفر المُحبِط، كما يعذَّب من لم يفعل. وهذا الخلل [٢١٤/ب] يتعيَّن جبرُه، وإلا عوقب على الترك. وهذا معنى ما يجيء في كثير من الأعمال الواجبة أنها غير مقبولة، أي لا ثواب فيها، وإن أبرأت الذمَّةَ، بحيث لولا الفعلُ لكان معاقَبًا (٧)، ولولا

стр. 729

السبب المانع من القبول (١) لكان فيها ثواب. ولهذا قلنا: إذا أتى قبل الردَّة ما يوجب الحدَّ من زنى أو سرقة أو غيرهما (٢)، فإنه يقام عليه الحدُّ بعد الإسلام الثاني، نصَّ عليه؛ بخلاف من أقيم عليه الحدُّ قبل الردَّة، فإنه لا يقام عليه الحدُّ ثانيةً. وأيضًا (٣) فلو فرضنا أن لا فائدة أصلًا فيما فعله قبل الردَّة، فإنما ذاك (٤) فيما يفعله دون ما وجب (٥) عليه ولم يفعله؛ فإنه الآن قادر على فعله على وجهٍ يفيده (٦)، فيجب عليه، كما يجب عليه (٧) قضاء الحقوق التي كانت واجبةً قبل الردَّة. ويثاب على قضائها، وإن كان قد بطلت فائدةُ ما قضاه قبل الردَّة (٨). وأما ما بعد الردة (٩)، فإنه لم يخاطَب به ابتداءً، وإنما يخاطب أولًا بالإسلام، فلا يجب قضاؤه كالكافر الأصلي؛ فإنَّ الموجِبَ للسقوط في أحدهما موجودٌ في الآخر. وقد ارتدَّ جماعة في زمن النبي ﷺ وأبي بكر،

стр. 730

ومكث منهم طائفة على الردَّة (١) برهةً من الدهر، ولم يُنقَل أنَّ أحدًا منهم أُمِر بالقضاء. ولأنَّ الترك هنا كان في ضمن الاعتقاد، فلما غُفِر له الاعتقاد غُفِر له ما في ضمنه. ولأنَّ إيجابَ القضاء هنا قد يكون فيه تنفير عن الإسلام، لا سيَّما إذا كثرت أعوامُ الردَّة، وكانت (٢) الأموال كثيرة؛ [٢١٥/أ] فإنه قد يعجز عن القضاء، فيصبر (٣) على الكفر فرارًا من القضاء. فأما ما فعله قبل الردَّة، فلا يجب عليه قضاؤه بحال، لأنَّ الذمة برئت منه، حتّى الحجّ في إحدى الروايتين. وعنه: إيجابُ قضاء الحجّ. فمن أصحابنا من علَّل ذلك بأنَّ العمل الماضي حَبِط بالردَّة، فيجب عليه ما يجب على الكافر الأصلي. فعلى هذا يجب إعادة ما صلَّى (٤) إذا أسلم، ووقتُه باقٍ. وهذه طريقة ابن شاقْلا وأبي الخطاب وغيرهما (٥). وقال القاضي وأكثر أصحابه مثل الشريف أبي جعفر والآمدي (٦): يجب إعادةُ الحج، مع القول بأنَّ العمل لم يحبَط أصلًا (٧)؛ لأنَّ هذا

стр. 731

إسلام (١) جديد، والإسلام مبنيٌّ (٢) على خمس، فلا بدَّ فيه من جميع المباني؛ بخلاف ما تكرَّر (٣) وجوبه من الصلاة والزكاة والصوم. ولأنَّ الاحتساب له بذلك الحجِّ لا يمنَع أن يجب عليه حجٌّ ثانٍ بالإسلام، كالكافر الحربي لو حجَّ ثم أسلم لزمه حجٌّ ثانٍ (٤)، مع أنَّ ذلك الحجَّ محسوب له. وكذلك العبد والصبيّ لو حجَّا قبل الوجوب كُتب لهما ثوابه، ثم يلزمهما بالوجوب (٥) حج ثان. وإذا أسلم لزمه قضاءُ ما تركه بعد الإسلام، وإن لم يعلم وجوبه. فصل وأما المجنون، فلا يجب عليه قضاؤها (٦) في ظاهر المذهب. نصَّ عليه في رواية صالح وأبي داود وغيرهما (٧). وقد روى حنبل عنه (٨): أن المجنون يقضي الصلاة والصيام إذا أفاق، كالمغمى عليه. وحمله بعض أصحابنا على الجنون [٢١٥/ب] العارض دون المطبِق، لقرب شبهه بالإغماء.

стр. 732

وقال في رواية محمد بن يحيى الكحال (١): المبرسَم (٢) يعيد (٣) الصلاة، وإن طال ذلك شهرًا أو أكثر. والأول هو المذهب، لما روى عليٌّ (٤) عن النبي ﷺ أنه قال: «رُفِع القلمُ عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبيِّ حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يُفيق» رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن (٥). وهذا الحديث ينفي القضاء والأداء، لكن وجب القضاء على النائم، لقوله: «من نام عن صلاة أو نسِيَها فَلْيُصَلِّها إذا ذكَرها» (٦)، فبقي المجنون على الإطلاق كالصبي.

стр. 733

وأما من زال عقله بغير الجنون (١)، فيجب عليه القضاء، سواء كان السبب مباحًا أو محرَّمًا (٢)، من فعله أو من غير فعله، كالسكران ببَنْجٍ (٣) أو خمرٍ (٤)، والنائم، والمغمَى عليه لمرضٍ أو شُربِ دواء أو غير ذلك. وقال القاضي: إن كان الإغماء بشرب دواء مباح لم يجب القضاء، لأنه لو وجب القضاء لامتنع من شرب الدواء، بخلاف إغماء المريض (٥). والمباح: هو ما تحصل معه السلامة في أغلب الأحوال، وإن كان سمًّا (٦) في أقوى الوجهين. وفي الآخر: لا يجوز شربُ السَّمِّ بحال (٧). وقيل: إن كان عقله يزول بالدواء ويطول (٨)، فهو كالمجنون. وإن كان لا يدوم كثيرًا، فهو كالإغماء. والأول: المذهب، لأنها عبادة، فلم (٩) تسقط بالإغماء، كالصيام وسائر العبادات (١٠).

стр. 734

قال الإمام [٢١٦/أ] أحمد (١): أغمي على عمَّار بن ياسر ثلاثًا، فقضى (٢). وروي نحو ذلك عن سمُرة بن جُندُب وعمران بن حصين (٣). وهذا لأنَّ هذه الأسباب هي بين محرَّم لا يُعذَر في شربه وبين مباح تقصُر (٤) مدته غالبًا، فأشبه النومَ. ويفارق الجنون، فإنه يطول غالبًا، وينافي أهلية التكليف، ويوجب الولاية على صاحبه، ولا يجوز على الأنبياء. ولأنَّ الإغماء والنوم ونحوهما (٥) يزيل الإحساس الظاهر والعقل الظاهر، وإلا فيجوز أن يرى رؤيا، ويُوحَى إليه في حال نومه وإغمائه، ويكون زوال العقل تبعًا لزوال الحسِّ الظاهر (٦)؛ بخلاف المجنون فإنَّ حسَّه وإدراكه باقٍ، والعقل زائل، فهو في ذلك كالبهائم (٧). ولهذا النائمُ (٨) والمغمى عليه يندر منهما القول والعمل، بخلاف المجنون.

стр. 735

فصل وأمَّا الصبيُّ، فلا تجب عليه في أشهر الروايتين (١). وعنه: أنها تجب عليه إذا بلغ عشرًا. اختارها أبو بكر والتميمي (٢)، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه قال: قال رسول الله ﷺ : «مُرُوا أبناءكم بالصلاة لِسَبع سنين (٣)، واضربوهم عليها لعشر سنين، وفرِّقُوا بينهم في المضاجع» رواه أحمد وأبو داود (٤). وعن سَبْرة الجهني قال: قال رسول الله: «مُرُوا الصبيَّ بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها» رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن (٥).

стр. 736

فقد أمرَ بالعقاب على تركها [٢١٦/ب] وما يُعاقَب على ترك شيء إلا الواجب، لا سيما مع رأفة النبيِّ ﷺ ورحمته بأمته. ولأنه يفهم الأمر، ويقدر على الامتثال، فوجب عليه كالبالغ. وهذا لأنَّ عمدة الوجوب إنما هي العقل الذي به يُعلَم، والقدرة التي بها يُفعَل، وكلاهما موجود. ولأنَّ العشر مظنة الاحتلام وأول سنيه (١)، فجاز أن تقوم مقامه. ويُحمَل حديث رفع القلم على مأثم (٢) ما يفعله من الذنوب، لا على مأثم ما يتركه من الواجب. ويؤيِّد هذا أنَّ المأمورات تصح منه، فجاز أن تجب عليه. ولهذا صحَّ منه الإسلام، وهو مُلزِم (٣) لأحكام كثيرة في الدنيا والآخرة. وأما المنهيات فإنها تقع منه باطلة إذا كانت تقبل البطلان، فلا تحرُم عليه. ولهذا لا تصحُّ تصرفاته بغير إذن من نكاح وبيع وهبة، ويقع كفره وقذفه وزناه وسرقته غيرَ موجب للحدِّ والعقوبة. ومن قال هذا صحَّح إسلامه دون رِدَّته كإحدى الروايات (٤)، وهذا لأنَّ فعلَ البِرِّ أسهل من ترك الإثم. ولهذا قال سهل بن عبد الله (٥): أعمالُ البِرِّ يفعلها البَرُّ (٦) والفاجرُ، ولا يصبر عن الآثام إلا صِدِّيق. ومن قال هذا التزم وجوبَ الصيام إذا أطاقه.

стр. 737

فأمَّا الحجّ فلا يجب عليه قبل الاحتلام قولًا واحدًا، لقوله: «أيُّما صبيٍّ حجَّ به أهلُه ثم احتلم، فعليه حَجَّة أخرى» وهذا يروى مرسلًا وموقوفًا على (١) ابن عباس (٢). وكذلك لو بلغ بالسنِّ أو الإنبات ولم يحتلم لم يجب عليه. ولو (٣) حجَّ بعد البلوغ بالسنِّ ثم [٢١٧/أ] احتلم لزمه إعادةُ الحج في رواية منصوصة، على ظاهر الحديث الوارد فيه؛ ولأنَّ السنَّ والإنبات (٤) ليس هو في (٥) الحقيقة الإدراك، لأنَّ الله إنما علَّق الأحكامَ ببلوغ الحلُم بقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ [النور: ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا

стр. 738

الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٥٨] (١)، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢، الإسراء: ٣٤]، وقول النبي ﷺ : «رُفِع القلمُ عن الصَّبيِّ حتى يحتلِم» (٢). لكن لمَّا كان بلوغُ الحلُم خفيًّا عن غير المحتلم، وكان ذلك غالبًا يكون مع بلوغِ الخمسَ عشرةَ (٣) وإنباتِ شَعر العانة= جُعِلا مظِنَّةً و (٤) علامةً فأُقيما (٥) مقامه في الأحكام التي تتعلَّق بغير هذا البالغ، من الحدود والقصاص والجهاد والحَجْر وغير ذلك، إذ كانوا لا يطلعون (٦) على الحقيقة غالبًا؛ فأمَّا فيما بينه وبين الله فإنه يعلم وقت احتلامه. ولأن هذه الأمور تتكرَّر قبل الاحتلام وبعده، فجاز أن يُجعَل ما يقارب الاحتلام في حكمه احتياطًا وعمومًا، بخلاف الحجِّ فإنه لا يتكرَّر. فلو (٧) اجتزأ بحجِّه (٨) قبل الاحتلام لكان قد فعل الحجَّ قبل كمال قواه وبلوغ أشدِّه، وذلك لا يُجزئه (٩) إذا بلغ. والرواية الأخرى هي (١٠) اختيار أكثر أصحابنا، حتى جعلها القاضي

стр. 739

روايةً واحدةً. وكذلك ابن بطَّة تأول الرواية الأولى، لما تقدَّم من قوله ﷺ : «رُفِع القلمُ عن الصبيِّ حتى يحتلم»، وهذا يعُمُّ قلم (١) الإثم الحاصل بفعلِ محرَّم أو تركِ واجب، [٢١٧/ب] كما شرِكَه (٢) في ذلك المجنون. ولأنها عبادة بدنية فلم تجب قبل البلوغ كالحج والجهاد. وهذا لأنَّ الصبيَّ في الأصل لمّا كان مظنة نقص العقل وضعف البنية جعل الشرع بلوغ الأشُدّ حدًّا للتكليف، لأنه مظنة استكمال شرائطه غالبًا. ولأنها لو وجبت عليه لقُتِل بتركها كالبالغ، ولكان الإمام هو الذي يقيم عليه الحدَّ ولم يكتفِ بضربه، ولم يفوِّض ذلك إلى الوليِّ. وبهذا يُعلَم أنَّ ضربه عليها ليتمرَّن عليها ويعتادها. وقد يُضرَب (٣) لمصالحه وإن لم تكن واجبةً عليه، كما تُضرب البهيمة تأديبًا لها ورياضةً (٤) وكما يُضرَب المجنون لذلك. وكان ابن عباس يقيِّد عكرمة على حفظ القرآن والسنّة (٥). وقال رجل للنبي ﷺ : إنَّ عندي يتيمًا، أفَأضربُه (٦)؟ قال: «نعم (٧)، مما كنت ضاربًا منه

стр. 740

ولدَك» (١). وكما يُضرَب على الكذب وفعل المحرَّمات، ليكُفَّ عنها ويعتاد تعظيمَ المحرَّمات، وإن كان قلم إثمها (٢) مرفوعًا إجماعًا. وعلى كلتا (٣) الروايتين، فيؤمر بها إذا بلغ سبعَ سنين. قال بعض (٤) أصحابنا: ويهدَّد على تركها، ويُضرَب عليها إذا بلغ العشر كما في الحديث. وذلك واجب على وليِّه وكافله. نصَّ عليه لما (٥) تقدَّم في الحديث، فإنَّ الأمر من النبي ﷺ يقتضي الوجوب، وقد قال الله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]، قال علي ﵇ (٦): علِّموهم وأدِّبوهم (٧).
следующие страницы →