← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

فقد أمرَ بالعقاب على تركها [٢١٦/ب] وما يُعاقَب على ترك شيء إلا الواجب، لا سيما مع رأفة النبيِّ ﷺ ورحمته بأمته. ولأنه يفهم الأمر، ويقدر على الامتثال، فوجب عليه كالبالغ. وهذا لأنَّ عمدة الوجوب إنما هي العقل الذي به يُعلَم، والقدرة التي بها يُفعَل، وكلاهما موجود. ولأنَّ العشر مظنة الاحتلام وأول سنيه (١)، فجاز أن تقوم مقامه. ويُحمَل حديث رفع القلم على مأثم (٢) ما يفعله من الذنوب، لا على مأثم ما يتركه من الواجب. ويؤيِّد هذا أنَّ المأمورات تصح منه، فجاز أن تجب عليه. ولهذا صحَّ منه الإسلام، وهو مُلزِم (٣) لأحكام كثيرة في الدنيا والآخرة. وأما المنهيات فإنها تقع منه باطلة إذا كانت تقبل البطلان، فلا تحرُم عليه. ولهذا لا تصحُّ تصرفاته بغير إذن من نكاح وبيع وهبة، ويقع كفره وقذفه وزناه وسرقته غيرَ موجب للحدِّ والعقوبة. ومن قال هذا صحَّح إسلامه دون رِدَّته كإحدى الروايات (٤)، وهذا لأنَّ فعلَ البِرِّ أسهل من ترك الإثم. ولهذا قال سهل بن عبد الله (٥): أعمالُ البِرِّ يفعلها البَرُّ (٦) والفاجرُ، ولا يصبر عن الآثام إلا صِدِّيق. ومن قال هذا التزم وجوبَ الصيام إذا أطاقه.

стр. 737

فأمَّا الحجّ فلا يجب عليه قبل الاحتلام قولًا واحدًا، لقوله: «أيُّما صبيٍّ حجَّ به أهلُه ثم احتلم، فعليه حَجَّة أخرى» وهذا يروى مرسلًا وموقوفًا على (١) ابن عباس (٢). وكذلك لو بلغ بالسنِّ أو الإنبات ولم يحتلم لم يجب عليه. ولو (٣) حجَّ بعد البلوغ بالسنِّ ثم [٢١٧/أ] احتلم لزمه إعادةُ الحج في رواية منصوصة، على ظاهر الحديث الوارد فيه؛ ولأنَّ السنَّ والإنبات (٤) ليس هو في (٥) الحقيقة الإدراك، لأنَّ الله إنما علَّق الأحكامَ ببلوغ الحلُم بقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ [النور: ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا

стр. 738

الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٥٨] (١)، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢، الإسراء: ٣٤]، وقول النبي ﷺ : «رُفِع القلمُ عن الصَّبيِّ حتى يحتلِم» (٢). لكن لمَّا كان بلوغُ الحلُم خفيًّا عن غير المحتلم، وكان ذلك غالبًا يكون مع بلوغِ الخمسَ عشرةَ (٣) وإنباتِ شَعر العانة= جُعِلا مظِنَّةً و (٤) علامةً فأُقيما (٥) مقامه في الأحكام التي تتعلَّق بغير هذا البالغ، من الحدود والقصاص والجهاد والحَجْر وغير ذلك، إذ كانوا لا يطلعون (٦) على الحقيقة غالبًا؛ فأمَّا فيما بينه وبين الله فإنه يعلم وقت احتلامه. ولأن هذه الأمور تتكرَّر قبل الاحتلام وبعده، فجاز أن يُجعَل ما يقارب الاحتلام في حكمه احتياطًا وعمومًا، بخلاف الحجِّ فإنه لا يتكرَّر. فلو (٧) اجتزأ بحجِّه (٨) قبل الاحتلام لكان قد فعل الحجَّ قبل كمال قواه وبلوغ أشدِّه، وذلك لا يُجزئه (٩) إذا بلغ. والرواية الأخرى هي (١٠) اختيار أكثر أصحابنا، حتى جعلها القاضي

стр. 739

روايةً واحدةً. وكذلك ابن بطَّة تأول الرواية الأولى، لما تقدَّم من قوله ﷺ : «رُفِع القلمُ عن الصبيِّ حتى يحتلم»، وهذا يعُمُّ قلم (١) الإثم الحاصل بفعلِ محرَّم أو تركِ واجب، [٢١٧/ب] كما شرِكَه (٢) في ذلك المجنون. ولأنها عبادة بدنية فلم تجب قبل البلوغ كالحج والجهاد. وهذا لأنَّ الصبيَّ في الأصل لمّا كان مظنة نقص العقل وضعف البنية جعل الشرع بلوغ الأشُدّ حدًّا للتكليف، لأنه مظنة استكمال شرائطه غالبًا. ولأنها لو وجبت عليه لقُتِل بتركها كالبالغ، ولكان الإمام هو الذي يقيم عليه الحدَّ ولم يكتفِ بضربه، ولم يفوِّض ذلك إلى الوليِّ. وبهذا يُعلَم أنَّ ضربه عليها ليتمرَّن عليها ويعتادها. وقد يُضرَب (٣) لمصالحه وإن لم تكن واجبةً عليه، كما تُضرب البهيمة تأديبًا لها ورياضةً (٤) وكما يُضرَب المجنون لذلك. وكان ابن عباس يقيِّد عكرمة على حفظ القرآن والسنّة (٥). وقال رجل للنبي ﷺ : إنَّ عندي يتيمًا، أفَأضربُه (٦)؟ قال: «نعم (٧)، مما كنت ضاربًا منه

стр. 740

ولدَك» (١). وكما يُضرَب على الكذب وفعل المحرَّمات، ليكُفَّ عنها ويعتاد تعظيمَ المحرَّمات، وإن كان قلم إثمها (٢) مرفوعًا إجماعًا. وعلى كلتا (٣) الروايتين، فيؤمر بها إذا بلغ سبعَ سنين. قال بعض (٤) أصحابنا: ويهدَّد على تركها، ويُضرَب عليها إذا بلغ العشر كما في الحديث. وذلك واجب على وليِّه وكافله. نصَّ عليه لما (٥) تقدَّم في الحديث، فإنَّ الأمر من النبي ﷺ يقتضي الوجوب، وقد قال الله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]، قال علي ﵇ (٦): علِّموهم وأدِّبوهم (٧).

стр. 741

وإهمال ذلك سببُ مصيره إلى [٢١٨/أ] النار. ولأنَّ هذا من مصالحه، فوجب مراعاتُه، كما يجب حفظُ ماله، ومنعُه من جميع الفواحش والمعاصي. ويؤمر مع ذلك بالطهارة ونحوها مما يُشترط للصلاة، لأنَّ الصلاة لا تصحّ بدونها. فإن (١) بلغ في أثناء الوقت لزمته الصلاة، وإن كان قد صلَّاها أو هو فيها؛ لأنها حينئذ وجبت عليه، وما تقدَّم كان نفلًا فلم يمنع الإيجاب، كما لو حجَّ (٢) قبل البلوغ ثم بلغ. ولو بلغ في أثنائها وقد خرج (٣) الوقت لم تجب عليه، لزوال وقت الوجوب. هذا هو المذهب المنصوص، حتى لو احتلم في أثناء الليل وقد صلَّى المغرب والعشاء أعادهما. نصَّ عليه. ولو قيل: إنه إذا (٤) صلَّاها مرةً لم تجب عليه ثانيةً، لكان وجهًا (٥) لأنَّ تعجيلَ الصلاة والزكاة قبل وجوبها ــ إذا كان مشروعًا ــ يمنع (٦) الوجوب،

стр. 742

كما لو صلَّى الثانية من (١) المجموعتين في وقت الأولى، أو فعل الجمعة قبل الزوال. وكذلك لو عجَّل زكاة ماله قبل وجوبه. والنفلُ قد يمنع وجوبَ الفرض، كما لو صلَّى العيدَ أول النهار سقطت عنه الجمعة. ولأنَّ العادة الغالبة أنَّ الصبيان يحتلمون بالليل، ولم يُنقَل عنهم أنَّهم كانوا يؤمرون بإعادة المغرب والعشاء. مسألة (٢): (فمَن جحَد وجوبَها لجهله عُرِّف ذلك، وإن جحَدها عنادًا كفَر) . هذا أصل مطَّرِد (٣) في مباني الإسلام الخمس (٤) وفي الأحكام الظاهرة المجمَع عليها (٥). [٢١٨/ب] إن كان الجاحدُ لذلك معذورًا، مثل أن يكون حديثَ عهدٍ بالإسلام، أو قد نشأ ببادية هي مظنةُ الجهل بذلك، لم يكفُر حتى يعرَّف أن هذا دين الإسلام، لأن أحكام الكفر والتأديب لا تثبت إلا بعد بلوغ الرسالة، لا سيَّما فيما لا يُعلَم بمجرَّد العقل. قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. وقال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقال

стр. 743

تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ [طه: ١٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ وقال تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، فالإنذار يحصل (١) لمن بلغه القرآن (٢) بلفظه أو معناه. فإذا بلغته الرسالة بواسطة أو غير (٣) واسطة قامت عليه الحجة وانقطع عذره. فأما الناشئ بديار (٤) الإسلام، ممن يُعلَم أنه قد بلغته هذه الأحكام، فلا يُقبَل قولُه: إنّي (٥) لم أعلم ذلك، ويكون ممن جحد وجوبها بعد أن بلغه العلم في ذلك، وذلك كافر (٦) كفرًا ينقل عن الملَّة، سواء صلَّاها مع ذلك أو لم يصلِّها، وسواء اعتقدها مستحبة أو لم يعتقد، وسواء رآها واجبة على بعض الناس دون بعض أو لا، وسواء تأوَّل في ذلك أو لم يتأوَّل؛ لأنه كذَّب الله ورسولَه، وكفَر بما ثبت أنَّ محمدًا ﷺ بُعِث به. ولهذا أجمع رأي عمر والصحابة في الجماعة (٧) الذين شربوا الخمر مستحلِّين لها أنهم إن أقرُّوا

стр. 744

بالتحريم جُلِدوا (١)، وإن [٢١٩/أ] أصرَّوا على الاستحلال قُتِلوا (٢). قالوا (٣): وكذلك من تأوَّل تأويلًا يخالف به جماهيرَ (٤) المسلمين. وكذلك لو أقرَّ أنَّ (٥) الله أوجبها، وصدَّق الرسولَ في الرسالة، وامتنع من قبول هذا الإيجاب (٦)، وأبى أن يلتزمه وينقاد لله ورسوله (٧) كإبليس، فإنه (٨) لم ينكِر الإيجاب، وإنما استكبر عن القبول= فإنه يكفُر بذلك، ويقال له «كافر»، ولا يقال له: «مكذِّب». مسألة (٩): (ولا يحِلُّ تأخيرُها عن وقت وجوبها (١٠) إلا لناوٍ جمعَها، أو مشتغلٍ (١١) بشرطها).

стр. 745

أمَّا فعلُها في الوقت المضروب لها ففرضٌ، وتأخيرُها عنه عمدًا من الكبائر، لقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] والمحافظةُ (١): فعلُها في الوقت، لأنَّ سببَ نزول هذه (٢) الآية تأخير الصلاة يوم الخندق دون تركها (٣)، لأنَّ السلف فسَّروها بذلك (٤)، ولأنَّ المحافظة خلاف الإهمال والإضاعة، ومَن أخَّرها عن وقتها فقد أهملها ولم يحافظ عليها. وقولِه تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: ٥٩]. وإضاعتُها: تأخيرُها عن وقتها. كذلك فسَّرها ابن مسعود (٥) وإبراهيم (٦) والقاسم بن مُخَيْمِرة (٧) والضحاك (٨) وغيرهم، من غير مخالفٍ لهم (٩). قال

стр. 746

ابن مسعود: إضاعتها: صلاتها لغير وقتها (١)، لأنَّ الشيء الضائع ليس هو معدومًا، إنما (٢) هو مهمل غير محفوظ. وقولِه تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥]. والسهو (٣) [٢١٩/ب] عنها (٤): إضاعة الوقت (٥). كذلك فسَّر هذه المواضع جماهير (٦) الصحابة والتابعين، وهو (٧) معقول من الكلام. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]. وأمَر سبحانه الخائفَ أن يصلِّي، مع الإخلال بكثير من الأركان. وكذلك المتيمِّم ونحوه، ولو جاز التأخير لما احتاج إلى شيء من ذلك.

стр. 747

وسائرُ الآيات الموجِبة فعلَها في الوقت المحدود مثل قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ (١) [ق: ٣٩]، وقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، دليلٌ مفصَّل على ذلك. وكذلك الأحاديث. وعن (٢) أبي ذر ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «يا أبا ذر، إنها ستكون عليكم أئمة يميتون الصلاة، فإن أدركتموهم فصَلُّوا الصلاةَ لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم نافلةً» رواه أحمد ومسلم (٣). وعن أبي قتادة قال (٤): قال رسول الله ﷺ : «ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة أن تؤخِّر صلاةً إلى وقت (٥) الصلاة الأخرى» رواه مسلم (٦). والنصوص بذلك (٧) كثيرة، وهو مجمع عليه. فأمّا (٨) الذي يؤخِّرها، ينوي جمعَها إلى التي بعدها، حيث يجوز

стр. 748

ذلك= فهذا في الحقيقة قد صلَّاها في وقتها. ولذلك (١) يصلِّيها أداءً، لأن وقت الصلاة (٢) هو الزمن (٣) الذي حدَّه الله سبحانه لجواز فعلها، وإنما استثناه الشيخ لسببين. أحدهما: أنه ليس هو الوقت المطلق، وإنما هو وقتٌ في حال العذر خاصة، وقد (٤) لا يفهم هذا من مطلق الوقت. الثاني: [٢٢٠/أ] أنَّ (٥) التأخير إليه لا يجوز إلا بنية العزم على الفعل، فلو قصَد تركَها في الوقت، ولم يقصد فعلَها فيما بعد، أثِمَ بذلك. فأما تأخيرها من (٦) أول الوقت إلى آخره فيجوز. وهل يُشترَط له العزم ليكون بدلًا عن التعجيل؟ فيه وجهان: أحدهما: يُشترَط. قاله القاضي وابن عقيل وغيرهما (٧)، لأن الصلاة تجب بأول (٨) الوقت وجوبًا موسَّعًا. واعتقادُ الوجوب واجب على الفور،

стр. 749

ومتى وجَب الاعتقاد وجَب (١) العزم؛ لأنه (٢) لو جاز التأخير من غير بدل عنه لبطَل معنى الوجوب في أول الوقت، ولأنَّ العزم على الترك حرام. فإذا لم يكن ذاهلًا أو ناسيًا، فلا بدَّ من العزم على الفعل أو الترك (٣). والثاني: لا يُشترَط. قاله أبو الخطاب وغيره، وذكره القاضي في بعض المواضع (٤)؛ لأنَّ النصوص الدالَّة على جواز التأخير ليس فيها شرطُ العزم، فاشتراطُه تحكُّم. ولأن العزم لو كان بدلًا عن الفعل، فينبغي أن لا يجب الفعل. وإن كان بدلًا عن تعجيله، فالتعجيل ليس بواجب. ولأنَّ الإنسان إذا دخل وقتُ الصلاة (٥) فإن لم يعلَم به بنوم أو غيره، فلا إثم عليه اتفاقًا. وإن علِمَ بالوقت (٦) وعزَم على الترك أَثِم اتفاقًا، لكن لنفسِ العزم على المعصية، كما لو عزمَ على الترك قبل الوقت. وإن لم يعزم على واحد منهما، أو همَّ بالترك، وحدَّث به نفسه، فهذا مورد الوجهين. و (٧) لا يجب تأثيمه، لقول النبي ﷺ : «إنَّ الله تجاوز لأمَّتي عما حدَّثت به أنفسَها، ما لم تتكلَّم أو تعمَلْ به» متفق عليه (٨).

стр. 750

[٢٢٠/ب] فصل وإنما يجوز التأخير من أول الوقت إلى آخره إذا لم يغلب على ظنه الفوات بالتأخير. فأمَّا إن غلب على ظنِّه الفواتُ بالتأخير أو (١) حدوث أمر يمنع منها أو من بعض فروضها قبل خروج الوقت، كمريضٍ (٢) يغلب على ظنه الموت، أو من يقدَّم للقتل، أو امرأةٍ عادتها: تحيض في أثناء الوقت، أو عريانٍ أُعِيرَ (٣) سترةً في أول الوقت ولم يُمهَل إلى آخره، أو متوضئٍ عادمٍ للماء في السفر، لا تبقى طهارته إلى آخر الوقت، ولا يرجو وجودَ الماء= لم يجُز له التأخير إلى الوقت الذي يغلب على ظنه فوتُ ذلك بالتأخير (٤) إليه، لأنه يفضي إلى تفويت واجب، فإنه إذا (٥) أخَّرها في هذه المواضع فمات مات عاصيًا. وإن أُخْلِفَ (٦) ظنُّه أثِمَ، وكانت الصلاة أداءً، لأنه تبيَّن أنَّ الوقت الشرعي باقٍ. والقضاءُ فعلُ العبادات (٧) بعد الوقت المحدود بالشرع. ولهذا (٨) لو نام

стр. 751

عنها أو نسيها حتى خرج الوقت صلَّاها قضاءً، وإن لم يجب عليه فعلُها إلا في ذلك الوقت. ولهذا فإنَّ ما تقضيه الحائض ونحوها من الصوم يكون قضاءً، وإن لم يجب فعلُه إلا بعد خروج الوقت. ومثل هذه الصورة: العبادة الواجبة على الفور، فإنها لو أُخِّرت عن أول أوقات الإمكان كانت أداءً، وإن أثِمَ بالتأخير، إذ (١) لم يوقِّت الشرعُ لها وقتًا عامًّا. ومما يكون أداءً مع الإثم: صلاة العصر بعد الاصفرار، والعِشاء في النصف الثاني من الليل. ولو أخَّرها تأخيرًا جائزًا ومات قبل الفعل [٢٢١/أ] فقيل: يموت عاصيًا، لأن التأخير إنما جاز بشرط سلامة العاقبة. والمشهور أنه لا إثم عليه، لأنَّ اشتراط ما لا يُعلَم ولا دليل عليه غير جائز. والتأخير هنا له حدٌّ ينتهي إليه، بخلاف الواجب المطلق إن جوَّزنا تأخيرَه فإنَّا نؤثِّمه، إذ ليس للتأخير حدٌّ موقت. وأما قوله: «أو مشتغل بشرطها»، فمثلُ أن يستيقظ، فيخاف إن توضَّأ، أو لبِسَ (٢) ثوبَه، أو إن أزال عنه نجاسةً= طلعت الشمس. فإنَّ هذا يفعلها بشروطها الواجبة، لأنه حينئذ خوطب بالصلاة، فيجب عليه أن يفعلها (٣) بشروطها وأركانها؛ إذ لا يقدر على أكثر من ذلك. وليس هذا (٤) تضييعًا ولا تفريطًا؛ إذ ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة.

стр. 752

وكذلك الكافر إذا أسلم، والمجنون إذا أفاق، والحائض إذا طهرت، والصبيُّ إذا بلغ؛ وقد ضاق الوقت عنها وعن شرائطها= فإنهم يشتغلون بشروطها (١)، وإن خرج الوقت، لأنه حينئذ أُمروا (٢) بإقامة الصلاة. وقد أمَر الله بالوضوء عند القيام إلى الصلاة، وهذا هو الوقت الذي وجب فعلُها فيه وإن كان بعد خروج الوقت المحدود في الأمر العامّ. ولذلك قال النبي ﷺ : «من نام عن صلاة أو نسيها فَلْيصلِّها إذا ذكرها، فإنَّ ذلك وقتها» (٣). بخلاف من ضاق الوقت عن تعلُّمه الفاتحة أو التشهُّد (٤)، فإنه يصلِّي بحسب (٥) حاله [٢٢١/ب] ولا يتعلَّم، لأنَّ الأول قادرٌ على نفس الشرط، مشتغلٌ بفعله. وهذا عاجز عن الركن، وإنما يشتغل بتعلُّمه وليس هو نفسَ الركن. وأيضًا فإنَّ محلَّ الشرط قبل (٦) الصلاة، وحكمه مستدام إلى آخرها، فإذا اشتغل به في وقته لم يكن قد (٧) أخَّر الصلاة. والقراءةُ محلُّها في نفس الصلاة، فإذا اشتغل بتعلُّمها فهو اشتغالٌ (٨) في وقت خطابه بالصلاة.

стр. 753

وإذا (١) تعمَّد تأخيرَ الصلاة حتى ضاق الوقت عن فعل شروطها وأركانها، مثل أن تكون عليه نجاسة أو هو جنُب، وأخَّر الصلاةَ بحيث متى اشتغل بالطهارة خرج الوقت= فعليه أن يشتغل بالطهارة أيضًا. وهو آثِمٌ بفعلها في غير الوقت، لأنه كان يجب عليه الطهارةُ قبل ضيق الوقت، والصلاةُ فيه. فمتى أخَّر ذلك فعليه أن يفعله (٢) كما وجب عليه، مع إثمه بالتأخير. ولو أخَّر التيمُّمَ في السفر (٣)، وهو عادم للماء، ثم وجده قبل خروج الوقت، فهنا وجهان. والفرق بينهما أنه كان قد وجب عليه الصلاة بتيمُّم، ولم يرخَّص له في التأخير إلى أن يخرج الوقت، فمتى صلَّى بالتيمم فقد فعل ما وجب عليه، وقد تقدَّم هذا. فأمَّا (٤) إن عجَز في الوقت عن بعض الشروط والأركان، وعلِم أنه يقدر عليه بعد خروج الوقت، كعارٍ يعلَم أنه يجد الثيابَ بعد الوقت، أو محدِث يعلم أنه يجد الماء بعد الوقت، أو خائفٍ يعلم أنه يأمن بعد [٢٢٢/أ] الوقت، أو مريضٍ يعلم أنه يصحُّ بعد الوقت، ونحوهم (٥) = فإنه لا يجوز له التأخير بالنصوص الظاهرة في وجوب الصلاة في حال الخوف والمرض والعُرْي،

стр. 754

وبالتيمُّم (١)، وإلى غير القبلة. ولا فرق في هؤلاء بين من يشتغل بتحصيل الشرط ويعلم أنه يحصِّله بعد الوقت أو من ينتظر حصولَه بعد الوقت، لأنَّ الشرط متى طال زمنُ حصوله سقَطَ، وكانت مصلحةُ الصلاة في الوقت متقدِّمة (٢) على مصلحة حصوله؛ بخلاف ما زمنُه قريب. ولأنَّ الشرط هنا معجوز عنه، وإنما يريد أن يشتغل بتحصيل القدرة عليه، أو ينتظر حصوله (٣)، وهذا غير واجب، فلا يفوِّت بسببه واجبًا، وهو الصلاة في الوقت. ومثل هذا، لو دخل عليه الوقت، والقبلة مشتبهة لا يعلم جهتها إلا بعد خروج الوقت، فإنه (٤) ليس له الاشتغال بشرط يستغرق الوقت. وإن كان الاجتهاد ممكنًا، لكن قد ضاق الوقت، بحيث إذا اجتهد فات الوقت، فإنه يصلِّي بالتقليد أيضًا في أشهر الوجهين؛ كما لو لم يكن عالمًا بالدليل (٥)، والوقتُ ضيِّق عن (٦) التعلُّم والاجتهاد. ولأنه ليس مشتغلًا بشرطها، وإنما هو طالب للعلم (٧) به، فأشبَه مَن طلبَ العلم بالأدلَّة (٨). وفي الآخر: عليه أن يجتهد مع ضيق الوقت، كما على المفتي والحاكم أن يجتهدا (٩)

стр. 755

معَ (١) ضيق الوقت وسعته (٢). ومسائل هذا الباب منقسمة إلى ما يُرجَّح فيه الوقت والى ما يرجَّح (٣) فيه السبب أي الشرط، كما يُذكَر مفصَّلًا في موضعه (٤). [٢٢٢/ب] مسألة (٥): (فإنْ ترَكها تهاونًا استُتيب ثلاثًا. فإن تاب وإلّا قُتِل) . أمَّا تركُ الصلاة في الجملة، فإنه يُوجِب القتل من غير خلاف، لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، فأمر بالقتل مطلقًا، واستثنى منه ما إذا تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، فمن لم يفعل ذلك بقي على العموم. ولأنه علَّق تخليةَ السبيل على ثلاثة شروط، والحكمُ المعلَّقُ بشرط عدمٌ (٦) عند عدمه. ولأن الحكم المعلَّق بسببٍ بحرف «إنْ» (٧) يدل على أنَّ ذلك السبب علَّة له، فإذا كان علَّة التخلية هذه الأشياء الثلاثة لم يجُز أن يُخلَّى سبيلهم دونها.

стр. 756

ولا يجوز أن يقال: إقامة الصلاة هنا، المراد به: التزامها، فإن تخليتهم بعد الالتزام وقبل الفعل واجبة. لأنَّا نقول: المراد به التزامها وفعلها، لأن إقامة الصلاة وإيتاء (١) الزكاة حقيقة الفعل، والالتزام إنما يراد له فإذا التزموا ذلك خليناهم تخلية مراعاة، فإن وفَوا بما التزموا، وإلا أخذناهم وقتلناهم. وإنما خلَّيناهم بنفس الالتزام لأنه أول أسباب الفعل، كما يُخلَّى من أراد الوضوء والطهارة؛ فإن تمَّ (٢) الفعلُ وإلا أُخِذوا (٣). [٢٢٣/أ] وحتى لو قيل: فإن فعلوا الصلاة فخَلُّوا سبيلَهم، وإن لم يفعلوها فاقتلوهم؛ ثم قالوا (٤): نحن نفعل (٥) لوجَبَ (٦) تخلية سبيلهم، كما في آية الجزية فإنه مدَّ قتالهم إلى حين الإعطاء. فإذا التزموا الإعطاء فهو أول الأسباب بمنزلة الشروع في الفعل، فإن حقَّقوا ذلك وإلَّا قتلناهم. ولأنه لو كان المراد مجرد الالتزام وإن عَرِي (٧) عن الفعل لم يكن بين الصلاة والزكاة وغيرهما فرق؛ إذ من لم يلتزم جميعَ شرائع (٨) الإسلام فإنه

стр. 757

يُقاتَل. وأيضًا فإنَّ الالتزام قد يحصل بقوله (١): ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ فإن التائب من الكفر لا يكون تائبًا حتى يُقِرَّ بجميع ما جاء به الرسول ويلتزمَه (٢). ولأنَّ الالتزام إن أريد به اعتقادُ الوجوب والإقرارُ به، فليس في اللفظ ما يدل على أنه (٣) المراد وحده. فإن أريد بذلك (٤) الفعلُ والوعدُ به، فهذا لا يجب إلا إذا وجب قتلهم بالترك، وإلا فلو كان قتلُهم بالترك غيرَ واجب، وقالوا: نحن نعتقد الوجوب ولا نفعل، لحَرُم قتلُهم، وهذا خلاف الآية. وأيضًا مما هو دليلٌ في المسألة وتفسيرٌ للآية: ما أخرجاه في «الصحيحين» (٥) عن عبد الله بن عمر أنَّ النبي ﷺ قال: «أُمِرتُ أن أقاتل الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا ذلك عصَموا منِّي دماءهم وأموالهم، إلا بحقِّ [٢٢٣/ب] الإسلام، وحسابُهم على الله». وليس في لفظ مسلم «إلا بحقِّ الإسلام». وعن أنس بن مالك قال: لما توفِّي النبيُّ ﷺ ارتدَّت العرب، فقال عمر: يا أبا بكر كيف تقاتل العربَ؟ فقال أبو بكر: إنما قال رسول الله ﷺ : «أُمِرتُ أن أقاتل الناسَ حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله وأنِّي رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة» رواه النسائي (٦).

стр. 758

فهذا يدلُّ على أنَّ القتال مأمورٌ به إلى أن يوجد فعلُ الصلاة والزكاة، إذ لو كان مجرَّدُ الاعتقاد كافيًا لاكتُفي بشهادة أنَّ محمدًا رسول الله، فإنها تنتظم تصديقَه (١) بجميع (٢) ما جاء به، ولم يكن لتخصيص الصلاة والزكاة بالاعتقاد دون غيرهما معنًى. ثم قوله: «فإذا فعلوا ذلك عصَموا منِّي دماءَهم وأموالَهم» دليلٌ على أن العصمة لا تثبت إلا بنفس إقام الصلاة وإيتاء الزكاة مع الشهادتين. ثم فهم أبو بكر ﵁ (٣) منه حقيقة الإيتاء (٤) بموافقة الصحابة له على ذلك، حتى قال: «لو منعوني عِقالًا ــ أو: عَناقًا ــ كانوا يؤدُّونها إلى رسول الله ﷺ لَقاتلتُهم على منعها» (٥). ولم يقل: «على جَحدِها» وتعميمُه مَن منَعها جاحدًا أو معترفًا دليلٌ على أنَّ الفعل مراد. فإن قيل: فقد روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أُمِرتُ أن أقاتل الناسَ حتى يقولوا لا اله إلا الله، فإذا قالوها عصَموا منِّي دماءهم وأموالهم إلا

стр. 759

بحقِّها» متفق عليه (١). قلنا: هذا الخبر [٢٢٤/أ] قد روي فيه: «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة. ثم قد حُرِّم عليَّ (٢) دماءُهم وأموالُهم، وحسابُهم على الله» رواه أحمد و (٣) ابن ماجه وابن خزيمة في «صحيحه» (٤). فهذا المقيَّد يقضي على ذلك المطلق. ثم لو كان قد قيل مفردًا، فإنَّ الصلاة والزكاة من حقِّها كما قال الصدِّيق لعُمر، ووافقه عمر وسائر الصحابة على ذلك (٥). ويكون ﷺ قد قال كلَّ واحد (٦) من الحديثين في وقت، فقال: «أُمِرتُ أن أقاتلَ الناس حتَّى يقولوا: لا إله إلا الله» ليعلمَ المسلمون أنَّ الكافر المحارب إذا قالها وجب الكفُّ عنه، وصار دمه وماله معصومًا. ثم بيَّن في الحديث الآخر أنَّ القتال ممدود إلى الشهادتين والعبادتين، ليعلم أنَّ تمامَ العصمة وكمالَها إنما تحصل بذلك، ولئلا (٧) تقع الشبهة بأنَّ مجرَّدَ الإقرار يعصِمُ (٨) على الدوام، كما

стр. 760

وقعت لبعض الصحابة حتَّى جَلاها (١) الصدِّيق ثم وافقه. وتكون فائدة ذلك أنه إذا قال: لا إله إلا الله، كان قد شرع في العاصمِ لدمه، فيجب الكفُّ عنه. فإن تمَّم ذلك تحقَّقت العصمة، وإلَّا بطلت. وعن عبيد الله بن عدي بن الخِيار أنَّ رجلًا من الأنصار حدَّثه: أنه أتى النبيَّ ﷺ وهو في مجلس، فسارَّه يستأذنه (٢) في قتل رجل من المنافقين، فجهَر رسول الله ﷺ ، فقال: «أليس يشهد أن لا اله إلا الله؟» قال [٢٢٤/ب] الأنصاري: بلى، يا رسول الله، ولا شهادة له. فقال: «أليس يشهد أنَّ محمَّدًا رسولُ الله؟» قال: بلى، ولا شهادة له. قال: «أليس يصلِّي؟» قال: بلى، ولا صلاة له. قال: «أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم» رواه الشافعي وأحمد في مسندَيهما (٣). ولو كانت الشهادتان موجبتين (٤) للعصمة مع ترك الصلاة لم يسأل عنها، ولم يسُقْها مع الشهادتين مساقًا واحدًا. وقوله بعد ذلك: «أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم» يُوجب حصرَ الذين نُهِيَ عن قتلهم في هذا الصنف. وعن أبي سعيد في حديث الخوارج: فقال ذو الخُوَيصِرة التميمي للنبي

стр. 761

- ﷺ : يا رسول الله، اتَّقِ الله. فقال: «ويلَك! أوَلستُ (١) أحقَّ أهل الأرض أن يتَّقيَ الله؟» قال: ثم ولَّى الرجلُ، فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله، ألا أضرب عنقَه؟ فقال: «لا، لعلَّه أن يكون يصلِّي». قال خالد: وكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه! قال رسول الله ﷺ : «لم أومَر أن أنقُبَ عن قلوب الناس ولا أشُقَّ بطونهم» رواه مسلم (٢). فلما نهى عن قتله وعلَّل ذلك باحتمال صلاته عُلِم أنَّ ذلك هو الذي حقَن دمه، لا مجرَّدُ الإقرار بالشهادتين، فإنه قد قال: «يا رسول الله»، ومع هذا فلم يجعل (٣) النبيُّ ﷺ ذلك وحده مُوجِبًا لحقن الدم. وعن أم سلمة عن النبي ﷺ قال: «يُستعمَل عليكم أمراءُ، فتعرفون وتنكرون، فمَن أنكر فقد برئ، ومَن كرِه فقد سَلِم؛ [٢٢٥/أ] ولكن من رضي وتابع» (٤) فقالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهم؟ فقال: «لا، ما صلَّوا» رواه الجماعة (٥) إلا البخاري والنسائي. ولأنَّ الصلاة أحد مباني الإسلام الخمس (٦)، فيُقتَل (٧) تاركُها

стр. 762

كالشهادتين. وعلى هذه الطريقةِ يُقتَل تاركُ المباني الثلاث (١). أمَّا الزكاة، فإذا غيَّب ماله، ولم يُقدَر على أخذها منه. وأمّا الصيام، فيُقتَل إذا امتنَع منه. وأمَّا الحجُّ، فإذا عزم على الترك بالكلِّيّة، وقال (٢): لا أحجُّ أبدًا، بعد وجوبه عليه؛ أو أخَّره إلى عام يغلب على ظنِّه موته (٣) قبله. وهذه (٤) إحدى الروايتين. والرواية الأخرى: لا يُقتل بالحج، لأن وجوبه على التراخي عند بعض العلماء؛ ولا بالصيام (٥) لأنه يمكن استيفاؤه منه بأن يُحبَس في مكان، ويُمنَع الأكلَ والشُّربَ؛ ولأن الآية والأحاديث إنما فيها الصلاة (٦) والزكاة، ولأن الصلاة تشبه الشهادتين من حيث لا يدخلها النيابة (٧) بنفس ولا مال. فصل ولا يجوز قتله حتى يُدعى إليها فيمتنعَ، لأنه قد يتركها لعذر، أو لشبهة عذر، أو لكسل يزول قريبًا. ولهذا أذن النبيُّ ﷺ في الصلاة خلف الذين يؤخِّرون الصلاة حتى يخرج وقتها نافلةً، ولم يأمر بقتلهم ولا قتالهم حيث

стр. 763

لم يُصِرُّوا (١) على الترك والتأخير (٢). فإذا دُعي، فامتنع من غير عذر في الوقت تحقَّق إصرارُه (٣) على الترك. ويُقتل بإصراره على ترك صلاة واحدة في [٢٢٥/ب] أشهر الروايتين. وعنه: لا يُقتل إلا بترك ثلاث، لأنَّ الموجِب: التركُ عن إصرار. وربما كان له عذر أو كسل (٤) في الصلاة أو الصلاتين، فإذا تكرَّر التركُ بعد الدعاء إلى الفعل عُلِم أنه عن (٥) إصرار. وقال أبو إسحاق بن شاقْلا (٦): يُقتَل بترك الواحدة، إلا إذا كانت أولى المجموعتين، وهي الظهر أو المغرب، فلا يُقتل حتى يخرج وقتُ الثانية، لأنَّ وقتَها وقتُ الأولى في حال الجمع، فصار شبهة. وجه الأول: ما تقدَّم من الأحاديث، فإنها مطلَقة. وروى معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ قال: «من ترك صلاةً مكتوبةً متعمِّدًا، فقد برئت منه ذمّةُ الله» رواه أحمد (٧). ولأنه إذا دُعي إليها في الوقت فقال: لا أصلِّي، ولا عذر

стр. 764

لي (١)، فقد ظهر إصراره، فيجب قتلُه زجرًا له وحملًا على الفعل، إذ ليس في تقدير ذلك نصٌّ ولا إجماع ولا قياس صحيح (٢)، واحتمالُ عَوده يقتضي تأخيرَ استيفاء القتل، دون عصمة الدم كالمرتدِّ. فصل المنصوص عن أحمد أنه يُقتَل بترك صلاة واحدة، أو بترك ثلاث صلوات (٣). فمن أصحابنا من أقرَّ ذلك على ظاهره، وقال: إذا دعي في وقت الأولى، فلم يصلِّها حتى فاتت، وجب قتلُه. قال: وإنما اعتبر أصحابنا أن يضيق وقتُ الثانية في موضع دعي إلى الصلاة بعد فوت الأولى، وقد صارت فائتةً، ولا يُقتَل بترك [٢٢٦/أ] الفائتة، وإنما يُقتَل في تلك الصورة بترك الثانية. وهذا ينتقض باعتبارهم ضيقَ وقت الرابعة مع أنهم قد (٤) ذكروا ذلك إذا دعي في وقت الأولى أيضًا. وعلى مقتضى هذا القول أنه إذا ضاق وقتُ الأولى وجَب قتلُه.

стр. 765

وقال بعضهم: بل يُقتَل بترك الأولى وإن كانت فائتة, وكذلك يُقتَل بترك كلِّ فائتة. وقال كثير منهم: بل لا بد أن يضيق وقت الثانية أو الرابعة (١). والقتل عندهم وجب بترك الثانية مع ترك الأولى، لأنّا نستدِلُّ على ترك الثانية بترك الأولى، وليتحقَّق (٢) الترك، لأنَّ تركَ الأولى لا يتحقَّق حتى يفوت (٣) فتصير فائتة, فلا يُقتل بها وحدَها. فإذا ضاق وقتُ الثانية تحقق الدوامُ على الترك. وهذا كما قلنا في الوعيد: إنه ليس بإكراه، فإذا عذَّب ولم يفعل المكرَه عليه، ثم توعَّد، صار إكراهًا مضمومًا (٤) إلى العذاب الأول. وقد أشار أحمد إلى هذا، فقال (٥): إذا ترك الفجر عامدًا، حتى وجبت عليه أخرى، فلم يصلِّها= يستتاب. فإن تاب وإلا ضربت عنقه. وكذلك الأحكام التي (٦) لا يمكن تعليقها (٧) بالماضي لأنه (٨) فائت، ولا بالمستقبل لأنه مظنون= تُعَلَّق بهما (٩) وإلا أفضى إلى تبطيلها. وقد صرَّح

стр. 766

بعض من سلك هذه الطريقة أنه لا بدَّ أن يترُك التي دُعي في وقتها, ويضيق وقت الثانية إلغاءً لما تركه (١) [٢٢٦/ب] قبل الدعاء. ومنهم من أطلق الترك, وهو ظاهر كلام أحمد. وإذا دُعي إليها، فامتنع أن يصلِّيها في الوقت، وترَكَ الصلاة بعد خروج الوقت= قُتِلَ أيضًا. ذكره بعض أصحابنا، وحكَم بكفره على الترك (٢). فإذا ترَك صلاةً عمدًا، ودُعي في وقت الثانية، ولم يفعلها حتى ضاق الوقت= قُتِل. فصارت ثلاثة أوجه، إذا قلنا: لا يُقتَل (٣) بترك فائتة (٤). والأشبه بكلامه (٥) أنَّا إذا قلنا: لا يُقتل إلا بترك ثلاث، لم يعتبَر ضيقُ وقت الرابعة. وإن قلنا: يُقتل بواحدة، اعتُبِر ضيقُ وقت الثانية، لأنه قال في إحدى الروايتين (٦): إذا ترك صلاةً وصلاتَين يُنتظر عليه، ولكن إذا ترك ثلاثَ صلوات. وقال في الأخرى (٧): إذا ترك الفجر (٨) عامدًا حتَّى وجبت عليه أخرى

стр. 767

ولم يصلِّها يستتاب. فإن تاب وإلا ضُربت عنقه. وسواء كان الترك قبل دعائه أو بعد دعائه. لكن لا يباح إلا بعد دعائه وامتناعه. وإذا دعي إليها، فامتنع أن يصليها في الوقت، وترك الصلاة بعد خروج الوقت= قُتِل أيضًا فيما ذكره أحمد، وحكم بكفره على الترك عليها كما تقدَّم (١). وكذلك حرَّر ابن أبي موسى (٢) الكلام في هذه المسألة، فذكر في ذلك ثلاث روايات: إحداهنَّ (٣): إذا ترك صلاةً واحدةً حتى يخرج وقتها، ويدخل وقتُ غيرها. والثانية: إذا ترك صلاتين. والثالثة: إذا ترك ثلاث صلوات حتى تخرج أوقاتها. فصل (٤) ويستتاب بعد وجوب قتله، كما يستتاب المرتدُّ ثلاثًا. نصَّ عليه (٥).

стр. 768

وهل الاستتابة واجبة أو مستحبة؟ [٢٢٧/أ] على روايتين. ويُقتَل بالسيف ضربًا (١) في عنقه، لأنَّ ذلك هو الواجب في قتل المقدور عليه (٢) من الآدميين والبهائم، كالأسير وقاطع الطريق والمرتدّ. فأمَّا المعجوزُ عنه منهما (٣)، فيُقتل كيف أمكن، لأنَّ هذه القِتلة أهوَنُ على المقتول وأوحَى (٤) لزهوق النفس. والأصل في ذلك: ما روى شدَّاد بن أوس أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إنَّ الله كتَب الإحسانَ على كلِّ شيء، فإذا قتلتم فأحْسِنُوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحْسِنُوا الذِّبحةَ» رواه أحمد ومسلم (٥). وقال ﵇: «إنَّ أعفَّ الناس قِتلةً أهل الإيمان» (٦).

стр. 769

وكان ﷺ يأمر بالصدقة، وينهى عن المثلة (١). ولهذا موضعٌ (٢) غير هذا. فصل ويُقتَل لكفره، في إحدى الروايتين. وفي الأخرى: يُقتل كما يُقتل الزاني والمحارب، مع ثبوت إسلامه، حدًّا محضًا (٣). وهي اختيار ابن بطَّة، وقال: هذا هو المذهب؛ وأنكر خلافَ هذا (٤)، لما روى عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن شَهِد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمّدًا عبده ورسوله، وأنَّ عيسى عبد الله وكلِمتُه ألقاها إلى مريم ورُوح منه، وأنَّ الجنَّةَ حقٌّ والنَّارَ حقٌّ= أدخله الله الجنَّةَ على ما كان من العمل». وعن أنس أنَّ الرسولَ ﷺ ــ ومعاذٌ رديفُه على الرَّحل ــ قال (٥): «يا

стр. 770

معاذ» قال: لبَّيك يا رسولَ الله وسعدَيك. قال: «ما من عبد [٢٢٧/ب] يشهد أن لا اله إلا الله وأنَّ محمدًا عبده ورسوله إلا حرَّمه الله على النار». قال: يا رسول الله، أفلا أُخبر بها الناسَ فيستبشروا؟ قال: «إذًا يتَّكِلُوا». فأخبَر بها معاذ عند موته تأثُّمًا. متفق عليهما (١). ولما تقدَّم من حديث عُبادة، وقوله: «من لم يحافظ عليها لم يكن له عند الله عهدٌ، إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفَر له». وعن أبي ذرٍّ أنَّ رسول الله (٢) ﷺ قام بآية من القرآن يردِّدها حتى صلَّى الغداة، وقال: «دعوتُ لأمَّتي، وأُجِبتُ بالذي لو اطَّلعَ عليه كثيرٌ منهم تركوا الصلاة». فقال أبو ذرٍّ: يا رسول الله، ألا أبشِّر الناسَ (٣)؟ فقال: «بلى» فانطلقَ، فقال عمر: إنَّك إن تَبعَثْ إلى الناس بهذا يَنْكُلُوا (٤) عن العبادة. فناداه أن ارجِعْ، فرَجَع. والآية: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]. رواه أحمد، وهذا سياقه. ورواه النسائي وابن ماجه (٥).

стр. 771

ولأنَّ الصلاة عملٌ من أعمال الجوارح، فلم يكفُر بتركه كسائر الأعمال المفروضة. ولأنَّ من أصول أهل السنة أنهم لا يكفِّرون أحدًا من أهل القبلة (١) بذنب، ولا يُخرجونه من الإسلام بعمل، بخلاف ما عليه الخوارج؛ وإنما الكفر بالاعتقادات. وقد روى أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثٌ من أصل الإيمان: الكفُّ عمَّن قال: لا إله إلا الله. لا نُكفِّره بذنب، ولا نُخرجه (٢) من الإسلام بعمل. والجهادُ ماضٍ منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخِرُ (٣) أمتي الدَّجَّالَ، لا يُبطلِه جورُ [٢٢٨/أ] جائر ولا عدلُ عادل. والإيمانُ بالأقدار» رواه أبو داود (٤). وذكره الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله (٥). وتاركُ الصلاة مع إقراره بالوجوب صحيحُ الاعتقاد، فلا يكفَّر. والرواية الأولى اختيارُ أكثرِ الأصحاب مثل أبي بكر وابن شَاقْلا وابن

стр. 772

حامد والقاضي وأصحابه (١)، وهو المنقول عن جماهير السلف، لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]. فعلَّق الأخوَّة في الدين (٢) على التوبة من الشرك، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة؛ والمعلَّقُ بالشرط عدمٌ (٣) عند عدمه، فمن لم يفعل ذلك فليس بأخٍ في الدين، ومن ليس بأخٍ في الدين (٤) فهو كافر؛ لأن المؤمنين إخوة مع قيام الكبائر بهم، بدليل قوله في آية المقتتلين ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، مع أنه قد سمَّى قتالَ المؤمن كفرًا. ولِمَا روى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة» رواه الجماعة (٥) إلا البخاري والنسائي. وفي رواية لمسلم (٦): «بين الرجل وبين الشرك تركُ الصلاة» (٧). وفي رواية صحيحة لأحمد (٨): «ليس بين العبد والكفر إلا تركُ الصلاة». وعن بريدة الأسلمي قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «العهد الذي

стр. 773

بيننا وبينهم الصلاة، فمَن تركها فقد كفَر» رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي وصححه، وهو على شرط مسلم (١). وعن ثوبان قال سمعت رسول الله ﷺ [٢٢٨/ب] يقول: «بين العبد وبين الكفر والإيمان: الصلاة، فإذا تَركها فقد أشرَكَ» رواه هبة الله الطبري (٢)، وقال: إسناد صحيح على شرط مسلم. وعن عبادة بن الصامت قال أوصانا رسول الله ﷺ فقال: «لا تُشركوا بالله شيئًا، ولا تتركوا الصلاة تعمُّدًا، فمن ترَكَها تعمُّدًا فقد خرَج من الملَّة». رواه ابن أبي حاتم في «سننه» (٣). ونحوه من حديث معاذ (٤) وأبي الدرداء (٥).

стр. 774

وقال الإمام أحمد في «رسالته في الصلاة» (١): جاء (٢) الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «أولُ ما تفقِدُون من دينكم: الأمانة. وآخِرُ ما تفقِدون منه: الصلاة» (٣). قال الإمام أحمد: كلُّ شيء يذهب آخره، فقد ذهب جميعُه (٤). وعن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : «رأسُ الأمر الإسلام، وعمودُه الصلاة، وذِروةُ سنامه الجهاد» رواه الترمذي وصحَّحه (٥). ومتى

стр. 775

وقع عمودُ الفسطاط (١) وقع جميعُه ولم يُنتفَع به. ولأنَّ هذا إجماعُ الصحابة. قال عمر ﵁ لما قيل له ــ وقد جُرِح (٢): الصلاةَ الصلاة (٣) ــ: نعم، ولا حظَّ في الإسلام لِمَن ترك الصلاةَ (٤). وقصته في الصحيح (٥). وفي رواية عنه قال: لا إسلام لمن لم يصلِّ. رواه النجاد (٦). وهذا قاله بمحضر من الصحابة. وقال علي ﵇: من لم يصلِّ فهو كافر. رواه البخاري في «تاريخه» (٧).
следующие страницы →