← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

ولأنَّ الصلاة عملٌ من أعمال الجوارح، فلم يكفُر بتركه كسائر الأعمال المفروضة. ولأنَّ من أصول أهل السنة أنهم لا يكفِّرون أحدًا من أهل القبلة (١) بذنب، ولا يُخرجونه من الإسلام بعمل، بخلاف ما عليه الخوارج؛ وإنما الكفر بالاعتقادات. وقد روى أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثٌ من أصل الإيمان: الكفُّ عمَّن قال: لا إله إلا الله. لا نُكفِّره بذنب، ولا نُخرجه (٢) من الإسلام بعمل. والجهادُ ماضٍ منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخِرُ (٣) أمتي الدَّجَّالَ، لا يُبطلِه جورُ [٢٢٨/أ] جائر ولا عدلُ عادل. والإيمانُ بالأقدار» رواه أبو داود (٤). وذكره الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله (٥). وتاركُ الصلاة مع إقراره بالوجوب صحيحُ الاعتقاد، فلا يكفَّر. والرواية الأولى اختيارُ أكثرِ الأصحاب مثل أبي بكر وابن شَاقْلا وابن

стр. 772

حامد والقاضي وأصحابه (١)، وهو المنقول عن جماهير السلف، لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]. فعلَّق الأخوَّة في الدين (٢) على التوبة من الشرك، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة؛ والمعلَّقُ بالشرط عدمٌ (٣) عند عدمه، فمن لم يفعل ذلك فليس بأخٍ في الدين، ومن ليس بأخٍ في الدين (٤) فهو كافر؛ لأن المؤمنين إخوة مع قيام الكبائر بهم، بدليل قوله في آية المقتتلين ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، مع أنه قد سمَّى قتالَ المؤمن كفرًا. ولِمَا روى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة» رواه الجماعة (٥) إلا البخاري والنسائي. وفي رواية لمسلم (٦): «بين الرجل وبين الشرك تركُ الصلاة» (٧). وفي رواية صحيحة لأحمد (٨): «ليس بين العبد والكفر إلا تركُ الصلاة». وعن بريدة الأسلمي قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «العهد الذي

стр. 773

بيننا وبينهم الصلاة، فمَن تركها فقد كفَر» رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي وصححه، وهو على شرط مسلم (١). وعن ثوبان قال سمعت رسول الله ﷺ [٢٢٨/ب] يقول: «بين العبد وبين الكفر والإيمان: الصلاة، فإذا تَركها فقد أشرَكَ» رواه هبة الله الطبري (٢)، وقال: إسناد صحيح على شرط مسلم. وعن عبادة بن الصامت قال أوصانا رسول الله ﷺ فقال: «لا تُشركوا بالله شيئًا، ولا تتركوا الصلاة تعمُّدًا، فمن ترَكَها تعمُّدًا فقد خرَج من الملَّة». رواه ابن أبي حاتم في «سننه» (٣). ونحوه من حديث معاذ (٤) وأبي الدرداء (٥).

стр. 774

وقال الإمام أحمد في «رسالته في الصلاة» (١): جاء (٢) الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «أولُ ما تفقِدُون من دينكم: الأمانة. وآخِرُ ما تفقِدون منه: الصلاة» (٣). قال الإمام أحمد: كلُّ شيء يذهب آخره، فقد ذهب جميعُه (٤). وعن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : «رأسُ الأمر الإسلام، وعمودُه الصلاة، وذِروةُ سنامه الجهاد» رواه الترمذي وصحَّحه (٥). ومتى

стр. 775

وقع عمودُ الفسطاط (١) وقع جميعُه ولم يُنتفَع به. ولأنَّ هذا إجماعُ الصحابة. قال عمر ﵁ لما قيل له ــ وقد جُرِح (٢): الصلاةَ الصلاة (٣) ــ: نعم، ولا حظَّ في الإسلام لِمَن ترك الصلاةَ (٤). وقصته في الصحيح (٥). وفي رواية عنه قال: لا إسلام لمن لم يصلِّ. رواه النجاد (٦). وهذا قاله بمحضر من الصحابة. وقال علي ﵇: من لم يصلِّ فهو كافر. رواه البخاري في «تاريخه» (٧).

стр. 776

وذكر ابن عبد البر (١) مثله عن أبي الدرداء، وابن عباس، وجابر. وقال عبد الله بن مسعود: مَن تركَ الصلاةَ فهو كافر (٢). وفي رواية عنه في إضاعة [٢٢٩/أ] الصلاة قال: هو إضاعة مواقيتها، ولو تركوها لكانوا كفَّارًا (٣). وقال أبو الدرداء: لا إيمان لمن لا صلاة له، ولا صلاة لمن لا وضوء له، رواهما النجاد (٤) وهبة الله الطبري وغيرهما (٥). ورأى حذيفة رجلًا يصلِّي وهو لا يُتِمُّ ركوعه ولا سجوده (٦)، فقال لما قضى صلاته: ما صلَّيتَ! ولو مُتَّ مُتَّ على غيرِ الفطرة التي فطَر الله عليها محمَّدًا ﷺ . رواه البخاري (٧).

стр. 777

وعن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: قال له طبيب حين وقع في عينه الماء: استَلْقِ سبعةَ أيام لا تُصَلِّ (١). قال ابن عباس: مَن تَركَ الصلاةَ كفَر. رواه النجَّاد (٢). وقال عبد الله بن شقيق: كان أصحاب محمد (٣) ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركُه كفرٌ إلا الصلاةَ. رواه الترمذي (٤). وقال الحسن: بلغني أنَّ أصحاب محمد (٥) ﷺ كانوا يقولون: بين العبد وبين أن يشرِكَ فيكفرَ: أن يترك الصلاة من غير عذر. رواه النجاد وهبة الله الطبري (٦). فإن قيل (٧): هذا محمول على كفر دون كفر، كما قال ابن عباس وغيره (٨) في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ

стр. 778

الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١) [المائدة: ٤٧]، إنه كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق (٢). وكما قال النبي ﷺ : «الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل» (٣) وفسَّره بالرياء. وكما قال: «من صام يرائي فقد أشرك، ومن صلَّى يرائي فقد أشرك» (٤).

стр. 779

وكما قال: «الرياء هو الشرك الأصغر» (١). [٢٢٩/ب] وقال: «من حلف بشيء دون الله فقد أشرك» رواه أحمد (٢). وكقوله ﷺ : «ليس من رجلٍ ادَّعى إلى غير أبيه، وهو يعلمه، إلا كفر» (٣). وقال: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» (٤). وقال: «لا ترجعوا بعدي كفَّارًا يضربُ بعضُكم رقابَ بعض» (٥) متفق عليهن.

стр. 780

وقال: «اثنتان في الناس، هما بهم كفر: الطعنُ في النسب، والنِّياحة على الميِّت» رواه مسلم (١). وقال: «أيُّما عبدٍ أبَقَ من مواليه فقد كفر» (٢). وقال: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له» (٣) رواهما أحمد. وقال: «ثلاثٌ مَن كنَّ فيه كان منافقًا: مَن إذا حدَّث كذَب، وإذا وعَد أخلَفَ، وإذا اؤتمِنَ خان» متفق عليه (٤). وفي رواية (٥): «وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم». وكما قال ابن أبي مليكة (٦): أدركتُ ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ ، كلُّهم يخاف النفاق على نفسه (٧). وكما خاف حنظلة الأسدي أن يكون نافَق بنسيانه الذكرَ (٨) واختلافِ

стр. 781

حاله عند النبيِّ ﷺ ، وأهله. والحديث في «صحيح مسلم» (١). وهذا باب واسع أطرافه متشعِّبة (٢). وربما قال بعض الناس: يُحمَل على كفر النعمة، أو على المبالغة والتغليظ في الترك (٣)؛ لأنَّ الكفرَ الناقلَ عن الملَّة، والشركَ الذي لا يغفره الله، والنفاقَ الموجبَ للدَّرك الأسفل من النار= لا يثبُت بمجرَّد هذه الأفعال عند أحد من أهل السنَّة، لكن عند الخوارج والمعتزلة الذين تأوَّلوا ظاهر هذا الكلام [٢٣٠/أ] على وفق رأيهم، وأعرضوا عما سواه مما يفسِّره ويبيِّن معناه (٤)، من الدلالات الكثيرة في الكتاب والسنة، والإجماع على ثبوت أصل الإيمان مع وجود هذه الأعمال. وربما حمله بعضُهم على مقارنة الكفر لذلك. ومن الناس من يحمل الترك على من (٥) تركها جاحدًا غيرَ مُقِرٍّ بوجوبها، ولا ملتزم بها (٦) في الجملة. ويكون تخصيصها (٧) بالذكر لعموم فرضها زمانًا ومكانًا وحالًا وكمالًا (٨).

стр. 782

قلنا (١): أما تأويله بكفر النعمة، فساقط في جميع هذه المواضع. ولذلك لم يُنقل هذا عن السلف، لأنَّ كفرَ النعمة إن أريد به جحدُ إنعام الله عليه، فهذا كفر صريح، مع أنَّ هذه المواضع ليس (٢) فيها ما يتضمَّن جحدَ الإنعام بخصوصه. وإن أريد به التقصيرُ في الشكر، فليس بعض (٣) الأعمال بهذا أولى من بعض. بل كلُّ من ترك شيئًا من الفرائض فقد قصَّر في شكر نعمة الله، فينبغي أن يسمَّى كافرًا على هذا الوجه. ثم إنه لا مناسبة بين ذلك وبين أكثر هذه المواضع لمن تدبَّره. ثمَّ (٤) الكفر المطلق لا يجوز أن يراد به إلا الكفر الذي هو خلاف الإيمان، لأنَّ هذا هو المعنى الشرعي له، ولاسيَّما (٥) إذا قوبل بالإيمان، فإنه يجب حملُه على ذلك. ثمَّ لو صحَّ هذا في بعض المواضع، فهنا إنما أراد به الكفر المخالف للإيمان، كما نصَّ عليه في الحديث، وكما سيأتي تقريره (٦) إن شاء الله تعالى (٧). وأما قول من يقول: هو على سبيل المبالغة [٢٣٠/ب] والتغليظ،

стр. 783

فلَعمري إنه (١) مبالغة وتغليظ! لكن على الوجه المحدود من غير مجازفة ولا مجاوزة. ومن اعتقد أنَّ رسول الله ﷺ يمدح عملًا على سبيل الترغيب, أو يذمُّه على سبيل الترهيب, بمجاوزة في وصفه (٢) , وزيادة في نعته= فقد قال قولًا عظيمًا, وجاء شيئًا إدًّا (٣)، بل قد كفر بالله ورسوله إن فهم مضمونَ كلامه وأصرَّ عليه. ولهذا لما نهت قريش عبد الله بن عمرو (٤) أن يكتب ما يسمع من النبي ﷺ في الغضب (٥) توهُّمًا أنه قد يقول في الغضب ما لا يقوله في الرضا= قال: «اكتُبْ, والذي نفسي بيده ما خرج من بينهما إلا حقٌّ» (٦). كيف وهو ﷺ لا ينطِق عن الهوى، إن هو إلا وحيٌ يُوحَى. نعم، هو ﷺ يرغِّب في الشيء بذكر أحسن صفاته من غير مجاوزة حدِّه، ويذمُّ الفعل القبيح ببيان أقبح صفاته من غير مجاوزة أيضًا. إنما يجوز أن يُظَنَّ المبالغة الزائدة عن الحدِّ بسائر الناس الذين لا يحفظون (٧) في (٨) منطقهم ولا يُعصَمون في كلامهم، لاسيما الشعراء ونحوهم. ولهذا زجر الإمامُ أحمد عن تأويل أحاديث الوعيد حيث تأولها المرجئةُ على أشياءَ

стр. 784

تُخرجها عن (١) مقصود الرسول، كما تأولت الجهمية والقدرية الأحاديثَ المخالفة لأهوائهم تأويلًا يخرجها عن مقصوده. وأما حملُه على كفر دون كفر، فهذا منهاج (٢) صحيح ومحمل مستقيم في الجملة في مثل هذا الكلام. ولهذا جاء عن النبي ﷺ وأصحابه والتابعين في كثير من المواضع [٢٣١/أ] مفسَّرًا بهذا (٣)، لكن الكفر الوارد في الصلاة هو الكفر الأعظم لوجوه: أحدها: أنَّ الكفر المطلق هو الكفر الأعظم المُخرِج عن الملَّة، فينصرف الإطلاق إليه؛ وإنما صُرِف (٤) في تلك المواضع إلى غير ذلك لقرائن وضمائم (٥) انضمَّت إلى الكلام، ومن تأمَّل سياقَ كلِّ حديث وجدها معه (٦)؛ وليس هنا شيء يُوجب صرفَه عن ظاهره، بل هنا ما يقرِّره (٧) على الظاهر. الثاني: أنَّ ذاك الكفر منكَّر مبهَم، مثل قوله: «وقتاله كفر»، وقوله (٨): «هما بهم كفر»، وقوله: «كفر بالله»، وشبه ذلك. وهنا عُرِّفَ باللام بقوله:

стр. 785

«ليس بين العبد وبين الكفر» أو قال: «الشرك». والكفر المعرَّف (١) ينصرف إلى الكفر المعروف، وهو المُخرِج عن الملَّة. الثالث: أن في بعض الأحاديث: «فقد خرج عن الملَّة» وفي بعضها: «بينه وبين الإيمان». وفي بعضها: «بينه وبين الكفر». وهذا كلُّه يقتضي أن الصلاة حدٌّ يُدخله إلى الإيمان إن فعله، ويُخرجه عنه إن تركه. الرابع: أن قوله ﷺ : «ليس بين العبد وبين الكفر إلا تركُ الصلاة»، وقوله: كان أصحابُ محمد ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركُه كفرٌ إلا الصلاة= لا يجوز أن يراد به إلا الكفر الأعظم، لأن بينه وبين غير ذلك مما يسمَّى كفرًا أشياء كثيرة. ولا يقال: فقد يخرج عن الملَّة بأشياء غير الصلاة، لأنا نقول: هذا ذُكِر (٢) في سياق ما كان من الأعمال المفروضة على العموم يُوجِب تركُه الكفرَ. وما سوى ذلك من الاعتقادات فإنه ليس [٢٣١/ب] من الأعمال الظاهرة. الخامس: أنه خرج هذا الكلامُ مخرجَ تخصيصِ الصلاة وبيان مزيَّتها (٣) على غيرها في الجملة. ولو كان ذلك (٤) الكفر فسقًا لشاركها في ذلك عامَّةُ الفرائض. السادس: أنه بيَّن أنها آخر الدين، فإذا ذهب آخره ذهب كلُّه.

стр. 786

السابع: أنه بيَّن أنَّ الصلاة هي العهد الذي بيننا وبين الكفار، وهؤلاء هم الخارجون (١) عن الملَّة، ليسوا الداخلين فيها. واقتضى ذلك (٢) أنَّ مَن ترك هذا العهد فقد كفَر، كما أنَّ من أتى به فقد دخل في الدين. ولا يكون هذا إلا في الكفر المُخرِج عن الملَّة. الثامن: أنَّ قول عمر: «لا حظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاة» أصرحُ شيء في خروجه عن الملَّة. وكذلك قول ابن مسعود وغيره، مع أنه بيَّن أنَّ إخراجها عن الوقت ليس هو المكفِّر (٣)، وإنما هو الترك بالكلِّيّة، وهذا لا يكون إلا فيما يُخرِج عن الملَّة. التاسع: ما تقدَّم من حديث معاذ، فإنَّ فسطاطًا على غير عمود لا يقوم، كذلك الدين لا يقوم إلا بالصلاة (٤). وفي هذه الوجوه ما (٥) يُبطِل قولَ من حملها على من تركها جاحدًا، مثلَ (٦) قوله: «كانوا لا يرون شيئًا من الأعمال تركُه كفرٌ» وقوله: «ليس بين العبد وبين الكفر» وغير ذلك، مما يوجب اختصاص الصلاة (٧) بذلك. وتركُ الجحود لا فرق فيه بين الصلاة وغيرها. ولأن الجحود نفسه هو الكفر من غير

стр. 787

ترك، [٢٣٢/أ] حتى لو فعلها مع ذلك لم ينفعه، فكيف يُعلَّق (١) الحكمُ على ما لم يُذكَر. ولأنَّ المذكور هو الترك، وهو عامٌّ في من تركها جحودًا أو تكاسلًا. ولأن هذا عدولٌ (٢) عن حقيقة الكلام من غير مُوجِب، فلا يلتفت إليه. وأما الأحاديث المطلقة في الشهادتين، فعنها أجوبة (٣): أحدها: أن الزهري يقول: كان هذا قبل أن تنزل الفرائض، ثم نزلت فرائض نرى أنَّ الأمر (٤) انتهى إليها. فمن استطاع أن لا يغترَّ فلا يغترَّ (٥). الثاني: أنها مطلقة عامَّة، وأحاديث الصلاة مقيَّدة خاصَّة، فيُبنى (٦) المطلَق على المقيَّد كما (٧) روى الإمام أحمد في «مسنده» عن معاذ بن جبل قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «مَن لقيَ الله لا يشرك به شيئًا، يصلِّي الخمسَ ويصوم رمضان، غُفِر له». قلتُ: أفلا (٨) أبشِّرهم يا رسولَ الله؟ قال: «دَعْهم يعمَلوا» (٩). ويحقِّق هذا أنَّ مَن جحد آيةً من كتاب الله تعالى أو عَلَمًا

стр. 788

ظاهرًا من أعلام الدين، فهو كافر وإن اندرج (١) في هذه العمومات. الثالث: أنه ﷺ قصَد بيانَ الأمر الذي لا بدَّ منه في جميع الأشياء، والذي قد يُكتفَى به عن غيره في جميع الخلق، وهو الشهادتان؛ فإنَّ الصلاة قد لا تجب على الإنسان، إذا أسلم ومات قبل الوقت. وربَّما أخَّرها ينوي قضاءَها ومات قبل ذلك. الرابع: أنَّ هذا كلَّه محمول على من يؤخِّرها عن وقتها وينوي قضاءها أو يحدِّث به نفسه، كالأمراء الذين كانوا يؤخِّرون الصلاة [٢٣٢/ب] حتى يخرج الوقت. وكما فسَّره ابن مسعود وبيَّن أنَّ تأخيرها عن وقتها من الكبائر، وأنَّ تركَها بالكلِّية كفر. ولذلك (٢) أمر النبيُّ ﷺ بالكفِّ عن قتال هؤلاء الأئمة ما صلَّوا. فعُلِم أنهم لو تركوا الصلاةَ لَقُوتِلوا. والإمام لا يجوز قتاله حتى يكفُر، وإلا فبمجرَّد الفسق لا يجوز قتاله. ولو جاز قتالُه بذلك لقوتل على تفويتها، كما يقاتل على تركها. وهذا دليل مستقلٌّ في المسألة. ويُحمَل أيضًا على من يُخِلُّ ببعض فرائضها في بعض (٣) الأوقات وشبه ذلك. فأمَّا من لم يصلِّ (٤) قطُّ في طول عمره، ولم يعزم على الصلاة، ومات على غير توبة أو خُتِم له بذلك= فهذا كافر قطعًا. وكذلك قوله: «من لم يُحافِظ عليها»

стр. 789

فإنه يُفهَم منه فعلُها مع الإخلال بالمحافظة. ومثل ذلك ما روى أبو هريرة ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «إنَّ أول ما يحاسَب به العبد يوم القيامة: الصلاة المكتوبة. فإن أتمَّها وإلا قيل: انظُروا هل له (١) من تطوُّع؟ فإنْ كان له تطوُّعٌ (٢) أُكمِلَت (٣) الفريضة من تطوعه. ثم يُفعَل بسائر الأعمال المفروضة مثلُ ذلك» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن (٤) (٥). وأيضًا فإن الإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل، كما دلَّ عليه

стр. 790

الكتاب والسنة، وأجمع عليه السلف، على (١) ما هو مقرَّر في موضعه. فالقولُ تصديق الرسول، والعملُ تصديق القول؛ فإذا خلا العبد عن العمل بالكلِّية لم يكن مؤمنًا. [٢٣٣/أ] والقولُ الذي يصير به مؤمنًا قول مخصوص، وهو الشهادتان، فكذلك العمل هو الصلاة. وأيضًا ما احتجَّ به ابن شَاقْلا (٢)، ويذكر عن الإمام أحمد: أنَّ إبليس بامتناعه عن السجود لآدم قد لزمه الكفرُ واللعنةُ، فكيف من يمتنع عن السجود لله تعالى؟ وهذا لأنَّ الكفر لو كان مجرَّد الجحد أو إظهار الجحد (٣) لما كان إبليس كافرًا، إذ هو (٤) خلاف نصِّ القرآن. وأيضًا فإنَّ حقيقة الدين هو الطاعة والانقياد، وذلك إنما يتمُّ بالفعل، لا بالقول فقط. فمن لم يفعل لله شيئًا فما دان لله (٥) دينًا، ومن لا دين له فهو كافر. فأما قياس الصلاة على غيرها من الأركان، فقد ذكر أبو بكر (٦) عن أحمد أنه يصبح (٧) مرتدًّا بترك الأركان الخمسة.

стр. 791

وعنه: أنه بترك الصلاة والزكاة فقط. وعنه: بترك الصلاة والزكاة إذا قاتل الإمام عليها. وعنه: بترك الصلاة فقط (١). وبكلِّ حال، فالصلاة لها شأنٌ انفردت به عن سائر الأعمال، ويتبيَّن ذلك من وجوه، نذكر بعضَها مما انتزعه الإمام أحمد (٢) وغيره. أحدها: أنَّ الله سمَّى الصلاة إيمانًا بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، يعني: صلاتَكم إلى بيت المقدس؛ لأنَّ بالصلاة (٣) يُصدِّق عملُه قولَه، وتحصل طمأنينة القلب واستقراره إلى الحق. ولا يصحُّ أن يكون المراد به مجرَّد تصديقهم بفرض الصلاة، لأن هذه الآية نزلت فيمن صلَّى إلى بيت المقدس، ومات ولم يدرك [٢٣٣/ب] الصلاة إلى الكعبة. ولو كان المراد به (٤) مجرَّد التصديق لَشَرِكَهم في ذلك كلُّ الناس إلى (٥) يوم القيامة فإنهم يصدِّقون بأن الصلاة (٦) إلى بيت المقدس إذ ذاك كانت حقًّا، ولم يتأسَّفوا على تصديقهم بفرض معين لم ينزل (٧)، كما لم يتأسَّفوا على

стр. 792

ترك تصديقهم بالحج وغيره من الفرائض. ولم يكن اعتبار (١) تصديقهم بالصلاة فقط أولى من تصديقهم بجميع ما جاء به الرسول. هذا مع أنه خروج عمَّا عليه أهل التفسير وعمَّا يدل عليه الكلام. الثاني (٢): أنَّ الله افتتَح أعمالَ المفلحين بالصلاة فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾، وختمها بالصلاة فقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ (٣) يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٩]. وكذلك ثُنْياه (٤) في قوله: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج: ٢٢ - ٣٤]، الآيات، جمعَتْ (٥) خصالَ أهل الجنة، وملاكُها: الصلاة (٦). الثالث (٧): أن الله تعالى خصَّها بالأمر بعد أن تدخل في عموم المأمور به، فقال لنبيه: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾. وتلاوة الكتاب: اتباعُه،

стр. 793

والعملُ بما فيه من جميع شرائع الدين. ثم قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [العنكبوت: ٤٥] فخصَّها بالذكر تمييزًا لها وتخصيصًا (١). وكذلك قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾ [الأنبياء: ٧٣]، خصَّهما بالذكر مع دخولهما (٢) في جميع الخيرات. وكذلك (٣) قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠]. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ١٣] [٢٣٤/أ] فإنَّ في طاعة الله ورسوله فعل جميع الفرائض، وخصَّ الصلاة والزكاة بالذكر. وكذلك: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧]. وكذلك قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]، فإنَّ الصبر وإن كان هو حبسَ [النفس] (٤) عن المكروهات، فإنَّ فيه فعلَ جميع العبادات.

стр. 794

وكذلك قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥]، فإن الزكاة (١) تعُمُّ العمل الصالح كلَّه وإن خصَّ بالصدقة وغيرها. وكذلك (٢) قوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٧ - ٩٩]، فإنَّ العبادةَ (٣) تعُمُّ جميعَ الطاعات، وقد خُصَّت الصلاة بالأمر بذلك (٤) والاصطبار عليها (٥). وكذلك قوله تعالى لِنجيِّه (٦): ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، فإنَّ عبادة الله تعُمُّ جميعَ الأعمال الصالحة، ثم خَصَّ الصلاةَ بالذكر. وقوله لبني إسرائيل ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ [البقرة: ٤٠] ينتظم جميعَ الفرائض، ثم قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]. الرابع: أنَّ كلَّ عبادة من العبادات، فإنَّ الصلاة مقرونة بها (٧) فإذا ذكرت

стр. 795

الزكاة (١) قيل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. وإذا (٢) ذكرت المناسك قيل: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام: ٦٢]. وإن ذكر الصوم (٣) قيل: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]، فإنَّ الصبر المعدود من المباني (٤) هو الصوم، لقوله ﷺ : [٢٣٤/ب] «صومُ شهرِ الصَّبر وثلاثةِ أيام من كلِّ شهر» (٥). الخامس: أنَّ الله أمر نبيَّه أن يأمر أهله بالصلاة والاصطبار عليها (٦) فقال: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾ [طه: ١٣٢]، مع أنه مأمور بالاصطبار على جميع العبادات لقوله (٧): ﴿وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ [مريم: ٦٥]، وبإنذارهم بجميع الأشياء لقوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤].

стр. 796

السادس: أنَّ الله فرضها ليلة الإسراء، وأمر بها نبيَّه بلا توسُّطِ رسول ولا غيره. السابع: أنه أوجبها على كلِّ حال، ولم يعذِر بها مريضًا ولا خائفًا ولا مسافرًا ولا منكسرًا به ولا غير ذلك، بل وقع التخفيف تارةً في شرائطها، وتارةً في عددها، وتارةً في أفعالها؛ ولم تسقط مع ثبات العقل قطُّ (١). الثامن: أنه اشترط لها أكملَ الأحوال من الطهارة، والزينة باللباس، والاستقبال، مما لم يشترط في غيرها. التاسع: أنه استعمل فيها جميع أعضاء الإنسان من القلب واللسان وسائر الجوارح، وليس ذلك لغيرها. العاشر: أنه نهى أن يشتغل فيها بغيرها حتى باللحظة (٢) واللفظة والفكرة. الحادي عشر: أنها أولُ ما يجب من الأعمال، وآخرُ ما يسقط وجوبه. الثاني عشر: أنها دين الله الذي يدين به أهل السماء (٣) والأرض، وهي مفتاح شرائع الأنبياء كلِّهم؛ فإنَّ كلَّ من دان اللهَ من العقلاء فإنَّ عليه الصلاة (٤). [٢٣٥/أ] ولم يُبعث نبيٌّ إلا بالصلاة، بخلاف الصوم والحجِّ والزكاة. ولهذا قال النبيُّ ﷺ لما اشترطوا أن لا يُجَبُّوا (٥)، يعني: لا يركعوا:

стр. 797

«لا خيرَ في دينٍ لا تجبيةَ (١) فيه» (٢). الثالث عشر: أنها مقرونة بالتصديق في قوله تعالى (٣): ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة: ٣١ - ٣٢]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [الأنعام: ٩٢]، وقوله تعالى: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ﴾ [الأنعام: ٧١ - ٧٢]. وخصائص الصلاة كثيرة جدًّا، فكيف تقاس بغيرها! فصل (٤) قال أصحابنا: يُحكَم بكفره في الوقت الذي يُباح فيه دمُه، وهو ما إذا (٥)

стр. 798

دُعِيَ، فامتنع، كما تقدَّم. قال الإمام أحمد (١): إذا قال: لا أصلِّي، فهو كافر. نصَّ (٢) على (٣) أنه لا يَرِث ولا يُورَث. ويكون حكمه حكم المرتدِّ في جميع أموره، بحيث لا يُغسَل ولا يصلَّى عليه ولا يُدفَن في مقابر المسلمين، إلا أنه لا يسقط عنه شيءٌ من الصلوات في زمن الرِّدَّة (٤)، وإن أسقطناها عن المرتدِّ، لأنه إنما كفَر بتركها، فلو سقطت عنه لزال سببُ الكفر. وإذا صلَّى بعد الامتناع عاد بذلك إلى الإسلام من الردَّة، وصحَّت صلاته. وإن كان الكافر الأصلي لا تصح صلاته قبل الشهادتين، لأن هذا كفرُه بترك فعلٍ، فإذا فعله عاد إلى الإسلام، كما أنَّ مَن كفرُه بترك الإقرار إذا أتى بالإقرار عاد إلى الإسلام. فإن قيل: [٢٣٥/ب] فالمرتدُّ غير هذا، لا يصحُّ إسلامه حتى يأتي بالشهادتين، كيفما كانت ردَّته (٥). قيل (٦): ذلك لأنه جاحد، فلا بدَّ أن يأتي بأصل كلمة الإقرار التي تتضمن جميع التصديق والاعتراف. وهذا معترفٌ، فيكفيه الفعل.

стр. 799

فأمَّا إذا لم يُدْعَ ولم يمتنع، فهذا لا يجري عليه شيء من أحكام المرتدِّين في شيء من الأشياء. ولهذا لم يُعلم أنَّ أحدًا من تاركي الصلاة تُرِك غسلُه والصلاةُ عليه ودفنُه مع المسلمين، ولا مُنِع ورثتُه ميراثَه، ولا أُهدِر (١) دمُه بسبب ذلك، مع كثرة تاركي الصلاة في كلِّ عصر. والأمة لا تجتمع على ضلالة. وقد حمل بعض أصحابنا أحاديث الرجاء على هذا الضرب. فإن قيل: فالأدلَّة الدالَّة على التكفير عامَّة عمومًا مقصودًا، وإن حملتموها على هذه الصورة ــ كما قد (٢) قيل ــ قلَّت فائدتُها، وزال (٣) مقصودها الأعظم؛ وليس في شيء منها هذه القيود. قلنا: الكفر على قسمين: قسم تُبنى عليه أحكام الدنيا من تحريم المناكح والذبائح، ومنع التوارث و (٤) العقل وحلِّ الدم والمال وغير ذلك= فهذا إنما يثبت إذا ظهر لنا كفره، إما بقول يوجب الكفر، أو عملٍ مثل السجود للصنم وإلى (٥) غير القبلة، والامتناع عن الصلاة، وشبه ذلك. فهذا النوع لا نرتِّبه على تارك الصلاة حتى نتحقَّق (٦) امتناعه الذي هو الترك، لجواز (٧) أن يكون قد نوى القضاء فيما بعد، أو له عذر وشبه ذلك.

стр. 800

[٢٣٦/أ] والثاني: ما يتعلق بأحكام الآخرة، من الانحياز (١) عن أمة محمد، واللَّحاق بأهل الكفر، ونحو ذلك= فهذا قد يجري (٢) على كثير ممن يدعي الإسلام. وهم المنافقون الذين أمرُهم بالكتاب والسنة معلوم، الذين قيل فيهم: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ إلى قوله: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية [الحديد: ١٣ - ١٤]. فمن لم يصلِّ، ولم ينو (٣) أن يصلِّي قطُّ، ومات على ذلك من غير توبة= فهذا تارك الصلاة، مندرجٌ في عموم الأحاديث؛ وإن لم يظهر في الدنيا حكمُ كفره. ومن قال من أصحابنا: لا يُحكَم بكفره إلا بعد الدعاء والامتناع، فينبغي أن يُحمَل قولُه على الكفر الظاهر. فأما كفر المنافقين فلا يجوز (٤) أن يُشترَط له ذلك، فإنَّ أحمد وسائر أصحابنا لم يشترطوا لحقيقة الكفر هذا الشرط. فأما إن أخَّرها عن وقتها، وفعَلها فيما بعد، فمات؛ أو كان ممَّن نيَّته (٥) أن يفعلها فيما بعد، فمات= فهذا مع أنه فاسق من أهل الكبائر ليس بكافر، كالأمراء الذين يؤخِّرون الصلاة حتى يخرج وقتها (٦). ولذلك أمرنا النبيُّ ﷺ أن نصلِّي

стр. 801

معهم النافلة. ولذلك قال ابن مسعود: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٥] أخَّروها حتى يخرج الوقت (١) ولو تركوها لكانوا كفَّارًا (٢). وهذا الضرب كثير في المسلمين، وهم من أهل الكبائر الذين ادُّخِرَت [٢٣٦/ب] لهم الشفاعة. وما جاء من الرجاء لمن يتهاون بالصلاة (٣)، فإليهم ينصرف. ولهذا قال النبيُّ ﷺ : «ومن لم يحافظ عليها لم يكن له عند الله عهد». ونفيُ المحافظة لا ينفي الفعل، بخلاف ما لم يعزم (٤) فإنه يكون تاركًا (٥) بالكلية كما تقدَّم. وكذلك من أخلَّ بما (٦) يسوغ فيه الخلاف من شرائطها وأركانها. وأمَّا من أخلَّ بشيء من شرائطها وأركانها التي لا يسوغ فيها الخلاف بعد العلم (٧)، فهذا بمنزلة التارك لها، فيما ذكره أصحابنا، كما تقدَّم من حديث حذيفة. ولأنَّ هذه الصلاة وجودُها كعدمها في منع الاكتفاء بها، فأشبَه من آمن ببعض الكتاب، وكفَر ببعض.

стр. 802

فأمَّا من يترك الصلاة بعضَ الأوقات لا يقضيها ولا ينوي قضاءها، أو يُخِلُّ ببعض فرائضها ولا يقضيها ولا ينوي قضاءها= فمقتضى ما ذكره كثيرٌ من أصحابنا: أنه يكفر بذلك. فإن دُعي إليها وامتنَع حُكِم عليه بالكفر الظاهر، وإلا لحقه حكمُ الكفر الباطن بذلك (١). ثم إذا صلَّى الأخرى صار مؤمنًا، لِمَا (٢) دلَّ على ذلك قولُه: «من ترك صلاة العصر متعمِّدًا حبِط عملُه» (٣) وقوله: «من ترك الصلاة عمدًا فقد برئت منه الذمةُ» (٤). ولا يلزم من ذلك ثبوت (٥) أحكام الكفر في حقِّه كالمنافقين. والأشبه في مثل هذا: أنه لا يكفر بالباطن أيضًا، حتَّى يعزم على تركها بالكلية، كما لم يكفر بتأخيرها (٦) عن وقتها؛ لِمَا (٧) تقدَّم من الأحاديث، ولأن الفرائض تُجبَر يوم القيامة بالنوافل، ولأنه متى [٢٣٧/أ] عزَم على بعض الصلوات (٨) فقد أتى بما هو بمجرَّده إيمان (٩).

стр. 803

باب الأذان والإقامة الأذان: اسم (١) مصدر أذَّن يؤذِّن تأذينًا وأذانًا وأذِينًا (٢). وهو الإعلام الرفيع المدرَك بالسمع. ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠] وقوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ (٣) يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣]. سُمِّي بذلك لأنَّ المؤذِّن يُعلِم الناسَ بمواقيت الصلاة. ويُسمَّى «النداء» من قولك: ناديتُ فلانًا، إذا دعوتَه دعاءً رفعتَ به الصوتَ، لأن المؤذن يدعو الناس إلى الصلاة بصوت رفيع (٤). والإقامةُ أيضًا تسمَّى «الأذان الثاني» و «النداء الثاني». وإنما سُمِّيت إقامةً لأن إقامة الصلاة هي (٥) تفسِّر فعلَ الصلاة، من قولهم: قامت الحرب، وقامت السوق؛ لأن الشيء إذا أُتيَ به تامًّا كاملًا فهو قائم، بخلاف ما لم يَقُم (٦) فإنه يكون ناقصًا. وأول ما يُشرَع في إقامة الصلاة إذا نودي النداء الثاني، إذ الأول: إعلامٌ بالوقت، والثاني: إعلام بالفعل.

стр. 804

مسألة (١): (وهما مشروعان للصلوات الخمس دون غيرها، للرجال دون النساء) . في هذا الكلام فصول. الأول: أن الأذان مشروع للصلوات الخمس، بالكتاب وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ [المائدة: ٥٨]. الصلاة هنا هي الصلاة المعهودة، وهي [٢٣٧/ب] الخمسُ، لأن الله سبحانه أخبر عن ندائهم إلى الصلاة، وإنما (٢) كانوا ينادُون إلى الخمس. وقد قال في الجمعة ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] وقولُه سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٣]، وقولُه تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣]. وبالسُّنَّة (٣) المتواترة أنه كان ينادى للصلوات الخمس على عهد رسول الله ﷺ ، وبإجماعِ الأمة وعملِها المتوارث خلفًا عن سلف. وأول ما شرع الأذان عن رؤيا عبد الله بن زيد، كما سنذكر (٤) إن شاء الله تعالى. وقد رضي ذلك وأقرَّهم حيث أنزل به كتابَه. وقال بعض العلماء: كان النبيُّ ﷺ ليلةَ فُرضت عليه الصلوات الخمس قد أُمِر بالأذان في السماء، وأذَّن بعضُ الملائكة، ولم يُظهره في مكة من أجل الكفار. فلما احتاجوا إليه في المدينة، وكان من رؤيا عبد الله بن زيد ما كان،

стр. 805

ذكر النبيُّ ﷺ تأذينَ الملَك، فقال: «إنها لَرؤيا حقٌّ إن شاء الله تعالى». وروى النجَّاد (١) بإسناده عن العلاء قال: قلتُ لابن الحنفية: كنَّا نحدَّث أنَّ الأذان رؤيا رآها رجل من الأنصار. ففزع، وقال: عمدتم إلى أحسن دينكم، فزعمتم أنه كان الرؤيا (٢)، هذا ــ والله ــ هو الباطل. ولكنَّ رسول الله ﷺ لمَّا عُرِج به انتهى إلى مكان في السماء، فوقف (٣)، وبعث الله إليه ملكًا ما رآه أحد في السماء قبل ذلك اليوم، علَّمه الأذان، فقال: الله أكبر. قال الله: صدَق عبدي، وأنا أكبر. قال: أشهد أن لا اله إلا الله. قال: صدَق عبدي وأنا الله [٢٣٨/أ] لا إله إلا أنا. قال: أشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله. قال: صدق عبدي، أنا أرسلتُه واخترتُه. قال: حيَّ على الصلاة. قال: صدق عبدي، دعا إلى فريضتي، ومن أتاها محتسبًا كانت كفارةً لكلِّ ذنب. فلما قال: حيَّ على الفلاح، قال: صدَق عبدي، هي الفلاح، وهي النجاح. فلمَّا قال: قد قامت الصلاة، قال: صدق عبدي، أنا أقمتُ حدودَها وفريضتَها. قال: ثم تقدَّم (٤)، فأمَّ أهلَ السماء، فتمَّ له شرفُه على جميع خلق الله. وروي نحو ذلك من وجوه مسندة. والنبيُّ ﷺ هو الذي أمرَ بذلك وسنَّه وشرَعه، بإذن الله له أن يشرَع ويسُنَّ. ورؤيا صاحب النبي ﵇ في زمانه إذا عرضها على النبيِّ ﷺ

стр. 806

وأقرَّها كانت مثلَ رؤيا النبي ﷺ في أنَّها حقٌّ، كما أنَّ رؤيا الأنبياء وحيٌ، لأن الله يبيِّن لنبيِّه الحقَّ من الباطل بما يقذفه في قلبه من نوره. الفصل الثاني: أنه لا يُشرَع الأذان والإقامة إلا للصلوات الخمس ، فلا يُشرَع لعيد ولا كسوف ولا استسقاء ولا غير ذلك. فأمَّا الجمعة، فإنها إمَّا ظُهرُ ذلك اليوم، أو بدلٌ عن الظهر أو مغنية (١) عن الظهر؛ فأذانها هو أذان الظهر، لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يكن يؤذَّن على عهده إلا للصلوات الخمس. وقد نقل الناس صلواته غير الخمس أنها (٢) كانت بغير أذان ولا إقامة. وفي «الصحيحين» (٣) عن جابر وابن عباس: أنه لم يكن يؤذَّن يوم الفطر ولا يوم الأضحى. وقال جابر [٢٣٨/ب] بن سمُرة: صلَّيتُ مع رسول الله ﷺ العيدَ مرّةً أو مرتَين بغير أذان ولا إقامة. رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح (٤). وكذلك نقلوا في غير العيد على ما يُذكر في موضعه. ولأنَّ (٥) الأذان صار شعار (٦) الصلوات الخمس المكتوبات، والإعلام بمواقيتها، والدعاء

стр. 807

إليها؛ فلا يُشرَع لغيرها. ولأنَّ هذا الدعاء (١) إعلامٌ بالوقت المحدود، وهذا إنما هو للمكتوبات (٢). ولأنه نداءٌ إلى الصلاة التي تجب الإجابة إليها على الأعيان، وهذا يخصُّ الخمس. فأما النداء بغير الأذان، فالسنَّة أن ينادى لكسوف الشمس: «الصلاة جامعة»، لما روت عائشة ﵂ قالت: خَسَفت الشمسُ على عهد رسول الله ﷺ ، فبعَث مناديًا: «الصلاة جامعة» فقام، فصلَّى أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات. وعن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ مثلُ ذلك. متفق عليهما (٣). وكذلك العيد والاستسقاء عند أكثر متأخري أصحابنا، لأنها صلاة ذات ركوع وسجود، يشرع لها الاجتماع، ولها وقت تنفرد به، فأشبهت الكسوف وأولى، لأن الاجتماع لها آكد. وقد روى النجاد بإسناده عن الزهري أن النبي ﷺ نادى يوم عيد: «الصلاة جامعة» (٤). وقد كان النبيُّ ﷺ إذا أراد أن يجمع أصحابه لأمرٍ يخطبهم له، بعَث مناديًا ينادي: «الصلاة جامعة»، كما في حديث الجسَّاسة (٥)، [و] (٦) كما أخبرهم [٢٣٩/أ] عن الفتن في بعض

стр. 808

أسفاره وغير ذلك (١). وقال بعضهم: لا يُسَنُّ النداء للعيد ولا للاستسقاء (٢). وقد قال الإمام أحمد: صلاة العيد ليس فيها أذان ولا إقامة. هكذا السنَّة: إذا جاء الإمام قام الناس، وكبَّر الإمام. وظاهره موافق لهذا القول، لأنه قد تكرر تعييدُه، وقد استسقى، ولم يُنقل عنه فيه نداء، كما نُقِل عنه في الكسوف مع أنَّ صلاة الكسوف كانت أقلَّ. ولو كان ذلك معلومًا مِن فعله لَنُقِل، كما قد نُقِل غيرُه بالروايات المشهورة. والقياس هنا فاسد الوضع والاعتبار، لأنه موضوع في مقابلة النص. وذاك أن تركَه ﷺ سنَّة، كما أنَّ فعله سنة. وليست الزيادة على المسنون في المخالفة بدون نقص من المسنون. وأمَّا فسادُ الاعتبار، فإنَّ النداء في قوله: «الصلاة جامعة» إنما كان ليجمع الناسَ ويُعلِمَهم بأنه قد عرض أمرٌ، [و] (٣) الكسوف خليقٌ (٤) بهذا إذ لم يتعودوا الاجتماع (٥) له. فأمَّا العيد، فيوم معلوم مجتمَع له. وكذلك الاستسقاء قد وُعِدوا (٦) له يومًا، فأغنى اجتماعهم له عن النداء، ولم يبق للنداء فائدة إلا

стр. 809

الإعلان بنفس الدخول في الصلاة، وهذا يحصل بالتكبير والمشاهدة. ولأنَّ النبيَّ ﷺ بعَث المناديَ في الطرقات للكسوف: «الصلاة جامعة»، وفي العيد والاستسقاء لا يبعث مناديًا ينادي في الطرقات، وإنما ينادي بعد اجتماعهم عند من يقول: هي بمنزلة الإقامة للصلاة. وهذا لا أصل له [٢٣٩/ب] يقاس عليه، لأنَّ نداءه لصلاة الكسوف بمنزلة الأذان، لا بمنزلة الإقامة. ولهذا لا يُشرَع النداء للجنازة؛ لأنَّ ذلك لم يفعله رسولُ الله ﷺ ولا أصحابه، إذ لو كان لَنُقِلَ لكثرة وقوع الجنائز على عهده. وكذلك أيضًا لا يُشرَع أن يُنادَى للتراويح بشيء (١) في المنصوص عنه. وقيل له (٢): الرجل يقول بين التراويح: «الصلاة» قال: لا يقول (٣) «الصلاة». كرهه سعيد بن جبير وأبو قلابة (٤). وكذلك قال كثير من أصحابنا. وقال القاضي والآمدي وغيرهما: ينادى لها كذلك، لأنها صلاة في عبادة (٥) محضة، أو ذات ركوع وسجود تُسَنُّ لها الجماعة، فيُسَنُّ [لها] (٦) النداء كالكسوف. والأول أصح، حيث لم يُنقَل ذلك عن السلف الصالح، ولا هو في

стр. 810

معنى المنقول، لأنَّ التراويح تُفعَل بعد العشاء تبعًا، فيكفيها نداء العشاء. فأمَّا ما لا يُشرَع له الاجتماع، فلا نداءَ (١) فيه البتَّةَ بلا تردُّد. الفصل الثالث: أنَّ النساء لا يُشرَع لهن أذان ولا إقامة ، سواء صلَّت المرأة منفردةً أو أمَّت النساءَ، لما روت أسماء بنت يزيد قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «ليس على النساء أذان ولا إقامة» رواه حرب في «مسائله» والنجَّاد (٢). وقال إسحاق (٣): مضت السنَّة عن النبي ﷺ قال: «ليس على النساء أذان ولا إقامة في حضر ولا سفر». وعن ابن عمر وابن عباس قالا: ليس على النساء أذان ولا إقامة. رواهما حرب (٤). وعن أنس مثلُه. ذكره ابن المنذر (٥).
следующие страницы →