← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وأقرَّها كانت مثلَ رؤيا النبي ﷺ في أنَّها حقٌّ، كما أنَّ رؤيا الأنبياء وحيٌ، لأن الله يبيِّن لنبيِّه الحقَّ من الباطل بما يقذفه في قلبه من نوره. الفصل الثاني: أنه لا يُشرَع الأذان والإقامة إلا للصلوات الخمس ، فلا يُشرَع لعيد ولا كسوف ولا استسقاء ولا غير ذلك. فأمَّا الجمعة، فإنها إمَّا ظُهرُ ذلك اليوم، أو بدلٌ عن الظهر أو مغنية (١) عن الظهر؛ فأذانها هو أذان الظهر، لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يكن يؤذَّن على عهده إلا للصلوات الخمس. وقد نقل الناس صلواته غير الخمس أنها (٢) كانت بغير أذان ولا إقامة. وفي «الصحيحين» (٣) عن جابر وابن عباس: أنه لم يكن يؤذَّن يوم الفطر ولا يوم الأضحى. وقال جابر [٢٣٨/ب] بن سمُرة: صلَّيتُ مع رسول الله ﷺ العيدَ مرّةً أو مرتَين بغير أذان ولا إقامة. رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح (٤). وكذلك نقلوا في غير العيد على ما يُذكر في موضعه. ولأنَّ (٥) الأذان صار شعار (٦) الصلوات الخمس المكتوبات، والإعلام بمواقيتها، والدعاء

стр. 807

إليها؛ فلا يُشرَع لغيرها. ولأنَّ هذا الدعاء (١) إعلامٌ بالوقت المحدود، وهذا إنما هو للمكتوبات (٢). ولأنه نداءٌ إلى الصلاة التي تجب الإجابة إليها على الأعيان، وهذا يخصُّ الخمس. فأما النداء بغير الأذان، فالسنَّة أن ينادى لكسوف الشمس: «الصلاة جامعة»، لما روت عائشة ﵂ قالت: خَسَفت الشمسُ على عهد رسول الله ﷺ ، فبعَث مناديًا: «الصلاة جامعة» فقام، فصلَّى أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات. وعن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ مثلُ ذلك. متفق عليهما (٣). وكذلك العيد والاستسقاء عند أكثر متأخري أصحابنا، لأنها صلاة ذات ركوع وسجود، يشرع لها الاجتماع، ولها وقت تنفرد به، فأشبهت الكسوف وأولى، لأن الاجتماع لها آكد. وقد روى النجاد بإسناده عن الزهري أن النبي ﷺ نادى يوم عيد: «الصلاة جامعة» (٤). وقد كان النبيُّ ﷺ إذا أراد أن يجمع أصحابه لأمرٍ يخطبهم له، بعَث مناديًا ينادي: «الصلاة جامعة»، كما في حديث الجسَّاسة (٥)، [و] (٦) كما أخبرهم [٢٣٩/أ] عن الفتن في بعض

стр. 808

أسفاره وغير ذلك (١). وقال بعضهم: لا يُسَنُّ النداء للعيد ولا للاستسقاء (٢). وقد قال الإمام أحمد: صلاة العيد ليس فيها أذان ولا إقامة. هكذا السنَّة: إذا جاء الإمام قام الناس، وكبَّر الإمام. وظاهره موافق لهذا القول، لأنه قد تكرر تعييدُه، وقد استسقى، ولم يُنقل عنه فيه نداء، كما نُقِل عنه في الكسوف مع أنَّ صلاة الكسوف كانت أقلَّ. ولو كان ذلك معلومًا مِن فعله لَنُقِل، كما قد نُقِل غيرُه بالروايات المشهورة. والقياس هنا فاسد الوضع والاعتبار، لأنه موضوع في مقابلة النص. وذاك أن تركَه ﷺ سنَّة، كما أنَّ فعله سنة. وليست الزيادة على المسنون في المخالفة بدون نقص من المسنون. وأمَّا فسادُ الاعتبار، فإنَّ النداء في قوله: «الصلاة جامعة» إنما كان ليجمع الناسَ ويُعلِمَهم بأنه قد عرض أمرٌ، [و] (٣) الكسوف خليقٌ (٤) بهذا إذ لم يتعودوا الاجتماع (٥) له. فأمَّا العيد، فيوم معلوم مجتمَع له. وكذلك الاستسقاء قد وُعِدوا (٦) له يومًا، فأغنى اجتماعهم له عن النداء، ولم يبق للنداء فائدة إلا

стр. 809

الإعلان بنفس الدخول في الصلاة، وهذا يحصل بالتكبير والمشاهدة. ولأنَّ النبيَّ ﷺ بعَث المناديَ في الطرقات للكسوف: «الصلاة جامعة»، وفي العيد والاستسقاء لا يبعث مناديًا ينادي في الطرقات، وإنما ينادي بعد اجتماعهم عند من يقول: هي بمنزلة الإقامة للصلاة. وهذا لا أصل له [٢٣٩/ب] يقاس عليه، لأنَّ نداءه لصلاة الكسوف بمنزلة الأذان، لا بمنزلة الإقامة. ولهذا لا يُشرَع النداء للجنازة؛ لأنَّ ذلك لم يفعله رسولُ الله ﷺ ولا أصحابه، إذ لو كان لَنُقِلَ لكثرة وقوع الجنائز على عهده. وكذلك أيضًا لا يُشرَع أن يُنادَى للتراويح بشيء (١) في المنصوص عنه. وقيل له (٢): الرجل يقول بين التراويح: «الصلاة» قال: لا يقول (٣) «الصلاة». كرهه سعيد بن جبير وأبو قلابة (٤). وكذلك قال كثير من أصحابنا. وقال القاضي والآمدي وغيرهما: ينادى لها كذلك، لأنها صلاة في عبادة (٥) محضة، أو ذات ركوع وسجود تُسَنُّ لها الجماعة، فيُسَنُّ [لها] (٦) النداء كالكسوف. والأول أصح، حيث لم يُنقَل ذلك عن السلف الصالح، ولا هو في

стр. 810

معنى المنقول، لأنَّ التراويح تُفعَل بعد العشاء تبعًا، فيكفيها نداء العشاء. فأمَّا ما لا يُشرَع له الاجتماع، فلا نداءَ (١) فيه البتَّةَ بلا تردُّد. الفصل الثالث: أنَّ النساء لا يُشرَع لهن أذان ولا إقامة ، سواء صلَّت المرأة منفردةً أو أمَّت النساءَ، لما روت أسماء بنت يزيد قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «ليس على النساء أذان ولا إقامة» رواه حرب في «مسائله» والنجَّاد (٢). وقال إسحاق (٣): مضت السنَّة عن النبي ﷺ قال: «ليس على النساء أذان ولا إقامة في حضر ولا سفر». وعن ابن عمر وابن عباس قالا: ليس على النساء أذان ولا إقامة. رواهما حرب (٤). وعن أنس مثلُه. ذكره ابن المنذر (٥).

стр. 811

[٢٤٠/أ] ولأنَّ التأذين إنما شُرِع في الأصل بصوت رفيع، والمرأة ليست أهلًا لرفع الصوت، فإنَّ ذلك عورة منها. ولذلك لا ترفع صوتها بالتلبية. ولأنه مشروع في الأصل لصلاة الجماعة، وليس على النساء جماعة. ولمَّا أمر النبيُّ ﷺ أمَّ ورقة أن تؤمَّ أهلَ دارها جعل مؤذِّنًا من الرجال (١). ولا بأس أن تؤذِّن. نصَّ عليه، لما روى النجَّاد عن ابن عمر قال: لا أنهَى عن ذكر الله (٢). قال أصحابنا: هذا إذا لم ترفع صوتَها، فإن رفَعتْه كُرِه. وينبغي أنه إن كان هناك من يسمع صوتها من الرجال الأجانب (٣) أن يَحرُم، وإلَّا فلا. وهل تُستحَبُّ لها الإقامة؟ على روايات أشهرها: لا تُستحَبُّ، لما روي عن علي ﵁ أنه قال: المرأة لا تَؤُمُّ، ولا تؤذِّن، ولا تنكح، ولا تشهد النكاح (٤). ولأن الإقامة في الجملة مظنّةُ رفع الصوت، فلم تستحبَّ لها

стр. 812

كالأذان؛ ولأنه لم يرد به الشرعُ في المحلِّ فلم تُستحَبَّ كالزيادة على التلبية. والأخرى: تُستحَبُّ، لما روي عن جابر أنه قيل له: أتقيم المرأةُ؟ قال: نعم. ذكره ابن المنذر (١). ولأنه ذكرٌ لله، فاستُحِبَّ لها كالتلبية؛ ولأن من السلف من يأمرها بالإقامة، ويكره لها تركَها، ففي الإقامة خروج من الخلاف. والثالثة: أنها تخيَّر بين الفعل والترك. قال أحمد: إذا فعلَتْ، فإن شاءت اقتصرت على الإقامة، وإن شاءت أذَّنت وأقامت. قال: إذا أذَّنَّ وأقَمْنَ فلا بأسَ، وإن لم يفعلن فجائز. قال: وسئل ابن [٢٤٠/ب] عمر عن ذلك، فغضب، وقال: أنا أنهى عن ذكر الله تعالى! (٢) وقد روى النجاد عن عائشة أنها كانت تؤذِّن وتقيم (٣). ولأن ذلك لم يأمر به النبيُّ ﷺ ، فلا يؤمر به. وهو ذكر الله تعالى، فلا ينهى عنه، كسائر الأذكار. فأما الأذان فلا يستحَبُّ لها، بل الأفضل تركه، في المشهور عنه. وعنه: أنها تُخيَّر بين فعله وتركه (٤).

стр. 813

فصل والأذان والإقامة لكلِّ صلاة مكتوبة فرضٌ على جميع الناس (١) ............................................................................ [ ... (والأذان خمسَ عشرةَ كلمةً لا ترجيع فيه. والإقامة: إحدى عشرةَ كلمةً. وينبغي أن يكون المؤذِّن أمينًا، صيِّتًا، عالمًا بالأوقات. ويُستحَبُّ أن يؤذِّن قائمًا، متطهِّرًا، على موضع عال، مستقبلَ القبلة. فإذا بلغ الحَيعَلةَ التفتَ يمينًا وشمالًا، ولا يزيلُ قدميه، ويجعلُ إصبعيه في أذنيه، ويترسَّل في الأذان، ويحدُر الإقامةَ) (٢). ..................................................................... قال إبراهيم النخعي: شيئان مجزومان كانوا لا يُعرِبونهما: الأذان] [ص ١] (٣) والإقامة. وقال أيضًا: كانوا يجزمون التكبير. وفي لفظ: الأذان جَزْمٌ، والتكبيرُ جَزْم، والتسليمُ جَزْم، والقراءة جَزْم (٤). كما روي عن النبي ﷺ أنه كان يقطع قراءته آيةً آيةً: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾،

стр. 814

﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾. وذلك لأنه بالفصل بين الجملتين والوقف وقفةً يسيرةً، يتبيَّن الكلام، ويتمُّ مقصودُه، ويستريح المتكلِّم، لاسيَّما والناس مأمورون أن يقولوا كما يقول المؤذِّن بعد سماعه. وعلى ما ذكره أصحابنا، لا فرق بين جزم التكبير وجزم غيره من الكلمات. ومن الناس من يجعل التكبيرات الأربع جملتين، يُعرب التكبيرة الأولى في الموضعين (١). مسألة (٢): (ويقول في أذان الصبح: «الصلاةُ خيرٌ من النوم» مرَّتَين بعد الحَيعلة) . وذلك لما روي عن بلال قال: أمرني رسولُ الله ﷺ أن لا أثوِّبَ إلا في الفجر. رواه أحمد. ورواه ابن ماجه ولفظه: أمرني أن أثوِّب في الفجر، ونهاني أن أثوِّب في العشاء. والترمذي ولفظه: قال لي النبيُّ ﷺ : «لا تُثوِّبَنَّ في شيء من الصلاة إلا في صلاة الفجر» (٣).

стр. 815

وعن سعيد بن المسيِّب عن بلال أنه أتى النبيَّ ﷺ يُؤْذِنه بصلاة الفجر، فقيل له: هو نائم. فقال: «الصلاةُ خيرٌ من النَّوم» مرَّتَين. فأُقِرَّتْ في تأذين الفجر، فثبَت الأمرُ على ذلك. رواه ابن ماجه (١). وقد تقدَّم (٢) في أذان أبي محذورة أن النبيَّ ﷺ قال له: «فإن كان في صلاة الصبح (٣) قلتَ: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر الله أكبر، لا اله إلا الله» رواه أحمد وأبو داود والنسائي والدارقطني (٤). وعن أنس بن مالك قال: من السنَّة إذا قال المؤذِّن في صلاة الفجر: «حيَّ على الفلاح» قال: «الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله».

стр. 816

وفي رواية: كان التثويب في صلاة الفجر. إذا قال المؤذن: «حي على الفلاح» قال: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم. رواه سعيد وحرب وابن المنذر والدارقطني (١). وقال عمر لمؤذِّنه: إذا بلغتَ «حيَّ على الفلاح» في الفجر، فقل: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم. رواه الدارقطني (٢). وروى الشافعي في القديم عن عليٍّ مثلَ [ص ٢] ذلك (٣). ولا يُعرَف عن صحابيٍّ خلافُ ذلك. وهذا لأنَّ الصبح مظِنَّة نومِ الناس في وقتها، فاستُحِبَّ زيادةُ ذلك فيها، بخلاف سائر الصلوات. وسواء أذَّن مغلِّسًا أو مُسْفِرًا، لأنه مظنَّة في الجملة. فأما التثويب في غيرها أو التثويب بين الندائين، مثلَ أن يقول إذا استبطأ الناسَ: «حيَّ على الصلاة، حي على الفلاح»، أو «الصلاة خير من النوم» في الفجر أو غيرها، أو يقول: «الصلاة، الإقامة» أو «الصلاة، رحمكم الله» عند الإقامة أو بين النداءين= فمكروهٌ، سواء قصد في ذلك نداء الأمراء أو نداء أهل السوق أو غير ذلك، لما روي عن ابن عمر أنه نزل الكوفة في بعض الأحياء، فنودي بالصبح في مسجد أولئك الحي، فخرج إليهم ليصلِّي معهم فلما ثوَّبوا قال: أليس قد نودي للصلاة؟ قالوا: بلى. [قال] (٤): فما يقول

стр. 817

هذا؟ قالوا: إنَّ هذا شيء يصنعونه عند ضوء الصبح إذا أضاء لهم. فقال: إنَّ هؤلاء قد ابتدعوا، لا نصلِّي معهم. فانصرف إلى منزله، فصلَّى فيه. رواه سعيد (١). وعن أبي العالية قال: كنَّا مع ابن عمر في سفر، فنزلنا (٢) بذي المجاز على ماء لبعض العرب، فحضرت الصلاة، فأذَّن مؤذن ابن عمر، ثم أقام الصلاة. فقام رجل، فعلا على رحل من رحالات القوم، ثم نادى بأعلى صوته: الصلاة يا أهل الماء، الصلاة. فجعل ابن عمر يسبِّح في صلاته، حتى إذا قُضِيت (٣) الصلاة قال ابن عمر: مَن الصائحُ بالصلاة؟ قالوا: أبو عامر يا أبا عبد الرحمن. فقال له ابن عمر: لا صلَّيتَ ولا تلَيتَ! أيُّ شياطينك (٤) أمرك بهذا؟ أمَا كان في الله وسنة نبيه ﷺ والصالحين ما أغنى عن بدعتك هذه؟ إنَّ الناس لا يُحدِثون بدعة وإن رأوها حسنة إلا أماتوا سنّةً. فقال رجل من القوم: إنه ما أراد إلا خيرًا يا أبا عبد الرحمن (٥). فقال ابن عمر: لو أراد خيرًا ما رغِبَ بنفسه عن سنة نبيِّه والصالحين من عباده! رواه ابن بطَّة في جزءٍ صنَّفه في الردِّ على من صاح عند الأذان: الصلاة، الإقامة (٦).

стр. 818

وعن مجاهد: قال كنتُ مع ابن عمر، فثوَّب رجلٌ في الظهر أو العصر، فقال: اخرج بنا، فإنَّ هذه بدعة. رواه أبو داود في «سننه» (١). وعن مجاهد قال: لما قدِم عمرُ مكة، فأذَّن أبو محذورة، ثمَّ أتى عمر، فقال: الصلاة يا أمير المؤمنين، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح. قال عمر: أمَا كان في دعائك الذي دعوتَنا إليه أولًا ما كفاك، حتَّى تأتينا ببدعةٍ تُحدِثها لنا؟ رواه سعيد وابن بطة (٢). وهذا كله إذا كانوا قد سمعوا النداء الأول. فإن لم يكن الإمام أو البعيد من الجيران [ص ٣] قد سمع النداء الأول، فلا ينبغي أن يُكرَه تنبيههُ، لما تقدَّم عن بلال أنه أتى النبيَّ ﷺ لِيُؤْذِنه بصلاة الفجر بعد الأذان، فقيل: إنه نائم. فقال: الصلاة خير من النوم (٣). قال ابن عقيل: فإن تأخَّر الإمام الأعظم أو إمام الحي أو أماثل الجيران، فلا بأس أن يمضي إليه منبِّه يقول له: قد حضرت الصلاة؛ لأنّ النبيَّ ﷺ قصَده بلال ليؤذِنه بالصلاة وهو مريض، فقال: «مُروا أبا بكر أن يصلِّي بالناس». وذكر احتمال أنَّ نداء الأمراء ليس ببدعة، لأنه فُعِلَ على عهد معاوية (٤). ولعله اقتدى به في ذلك، في حديث بلال لقول رسول الله ﷺ : «إنَّ بلالًا ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتَّى ينادي ابن أم مكتوم» (٥).

стр. 819

فأما قصدُ الإمام لاستئذانه في الإقامة، فلا بأس به، لأن بلالًا كان يجيء إلى النبي ﷺ يستأذنه في الإقامة (١)، لأنَّ الإمام أملَكُ في الإقامة. فصل ويكره أن يوصل الأذان بذكرٍ قبله، مثل قراءة بعض المؤذنين قبل الأذان: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ الآية [الإسراء: ١١١]، وقول بعضِ من يقيم الصلاة: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، ونحو ذلك؛ لأن هذا محدَث، وكلُّ بدعة ضلالة، لا سيَّما وهو تغييرٌ للشعار المشروع. وكذلك إن وصَله بذكرٍ بعده. مسألة (٢): (ولا يؤذن قبل الوقت إلا لها، لقول رسول الله ﷺ : «إنَّ بلالًا يؤذِّن بليل، فكلوا واشربوا حتَّى يؤذِّن ابن أم مكتوم») . أمَّا غير صلاة الفجر فلا يجوز، ولا يجزئ الأذان لها إلا بعد دخول الوقت. فإن أذَّن قبله أعاد إذا دخل الوقت، لأنَّ المقصود بالأذان: الإعلام بدخول الوقت ودعاء الناس إلى الصلاة، وهذا لا يكون إلا في الوقت. ولأن

стр. 820

الأذان معتبر للصلاة، فلا بدَّ من حصوله في وقتها، كسائر أسبابها من الشرائط والأركان. فإنَّ الشرط وإن جاز فعله قبل الوقت، فلا بد من بقائه حكمًا إلى آخر الصلاة، والأذان لا يبقى. ويُستحَبُّ أن يكون الأذان في أول الوقت، لما روى جابر بن سمُرة قال: كان بلال يؤذِّن إذا زالت الشمس، لا يَخْرِم (١). ثمَّ لا يقيم حتى يخرج النبيُّ ﷺ ، فإذا خرج أقام حين يراه. رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي (٢). وأمَّا الفجر، فيجوز الأذان لها قبل وقتها، لما روى ابن عمر وعائشة ﵃ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إنَّ بلالًا يؤذِّن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذِّن ابنُ أم مكتوم» متفق عليهما (٣). وفي رواية للبخاري (٤): «فإنه لا يؤذِّن حتى يطلع الفجر». وعن سمُرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله [ص ٤] ﷺ : «لا يمنعنَّكم (٥) من سحوركم أذانُ بلال ولا الفجرُ المستطيلُ، ولكنِ الفجرُ

стр. 821

المستطيرُ في الأفق» رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه (١). وعن عبد الله بن مسعود أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا يمنعنَّ أحدَكم أذانُ بلال من سَحوره، فإنَّه يؤذِّن ــ أو قال: ينادي ــ بليل لِيَرجِعَ قائمَكم ويُوقظَ نائمَكم» رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي (٢). فقد نبَّه ﷺ على حكمة تقديم الأذان في الفجر. وذلك لأنَّ آخرَ الليل مظنَّةُ نوم النائم وقيام القائم للصلاة. فإذا أذَّن قبل الفجر استيقظ النائم وتأهَّب للصلاة بالتخلِّي والتطهُّر واللباس، ليتمكَّن من الصلاة في أول الوقت. ولذلك خُصَّت بالتثويب فيها، بخلاف سائر الصلوات، فإنَّ الناس عند النداء بها يكونون أيقاظًا، والأهبَةُ (٣) للصلاة إذ ذاك خفيفةٌ (٤) على أكثرهم. وأمَّا القائم فإنه يعلم دنوَّ الفجر، فيبادر الفجرَ بالوتر. فصل ويُستحَبُّ الأذان قبل الفجر لما تقدَّم. ويُستحبُّ أن يكون مؤذنان: أحدهما يؤذِّن قبل الفجر، والآخر بعده، كما كان للنبيِّ (٥) ﷺ ؛ وليحصل الإعلام بدخول الوقت. فإن أذَّن المؤذِّن مرّتين فقال الآمدي: هو مستحَبٌّ

стр. 822

أيضًا كالمؤذِّنَين. وإن أذَّن واحدٌ جاز، لما روى الحارث بن زياد الصُّدَائي قال: لما كان أوَّلُ (١) أذان الصبح أمرني النبيُّ ﷺ ، فناديتُ، فجعلتُ أقول: أقيم أقيم (٢) يا رسول الله؟ فجعل ينظر إلى ناحية المشرق، فيقول: «لا». حتَّى إذا طلع الفجر نزَل فتبرَّز، ثم انصرف إليَّ، وقد تلاحق أصحابُه، فتوضَّأ. فأراد بلال أن يقيم، فقال النبي ﷺ : «إن أخا صُدَاءٍ قد أذَّن، ومن أذَّن فهو يقيم» قال: فأقمتُ. رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه (٣). ويستحبُّ أن يكون التأذين قريب الفجر، ليحصل المقصود، وهو إيقاظ النائم ورجع القائم، فإنه لا يُقصَد قبل ذلك. وفي «الصحيحين» (٤) أنه لم يكن بين أذان بلال وابن أم مكتوم إلا أن ينزلِ هذا ويرقَى هذا. ويستحبُّ أن يكون الأذان في وقت واحد، لأنه إذا قدَّم تارةً وأخَّر أخرى اضطرب على الناس أمرُ الوقت، ولم يُنتفَع بأذانه، بل قد يُتضرَّر به، فأشبه مَن

стр. 823

عادته الأذان أولَ الوقت، فأذَّن في أثنائه. وعلى ذلك ما حمل (١) بعضُ أصحابنا ما روى حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر: أنَّ بلالًا أذَّن قبل طلوع الفجر، فأمره النبيُّ ﷺ أن يرجع، فينادي: «ألا إنَّ العبد نام». فرجع، فنادى: «ألا إنَّ العبد نام». رواه أبو داود (٢)، وقال الترمذي: هو غير محفوظ. وقال الدارقطني (٣): [ص ٥] الصواب عن نافع عن ابن عمر أنَّ مؤذنًا لعُمر أذَّن قبل الصبح، فأمره أن

стр. 824

يرجع، فينادي. وكذلك ما روى شدَّاد مولى عِياض بن عامر عن بلال أنَّ رسول الله ﷺ قال له: «لا تؤذِّنْ حتى يستبينَ لك الفجرُ هكذا» ومدَّ يديه عرضًا. رواه أبو داود، وقال: هو منقطع، لأنَّ شدَّادًا لم يدرك بلالًا (١). فإن صحَّا حُمِلا على نوبة بلال، فإنه كان تارةً يؤذِّن قبل ابن أم مكتوم (٢)، وتارةً بعده. كذلك رواه أحمد والنسائي عن خُبَيب (٣) بن عبد الرحمن عن عمَّته، وكانت حجَّت مع النبي ﷺ . قالت (٤): كان النبيُّ ﷺ يقول: «إنَّ ابن أم مكتوم ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتَّى ينادي بلال» (٥). وروى أحمد عن عائشة قالت: كان لرسول الله ﷺ مؤذِّنان: بلال وعمرو بن أم مكتوم. فقال رسول الله ﷺ : «إذا أذَّن عمرو فكلوا واشربوا،

стр. 825

فإنه رجل ضرير. وإذا أذَّن بلال فارفعوا أيديكم، فإنَّ بلالًا لا يؤذِّن حتى يُصبح» (١). قال ابن خزيمة (٢): إن الأذان كان نُوَبًا بين بلال وابن أم مكتوم, فكان يتقدَّم بلال ويتأخَّر عمرو، ويتقدَّم عمرو ويتأخَّر بلال. فأما في شهر رمضان، فقد كره الإمام أحمد الأذان قبل طلوع الفجر. قال: لأنه يمنع الناس من السَّحور (٣). يعني: إذا لم يكن مؤذِّنان، كما كان على عهد رسول الله ﷺ ، فإنه لا بأس به حينئذ. والكراهة المطلقة من الإمام تُحمَل على التحريم أو التنزيه؟ فيه وجهان. وذكر الآمدي في جواز الأذان في رمضان قبل الفجر روايتين: إحداهما: لا يجوز، لما فيه من منع الناس من السَّحور المشروع، وتحريم ما أباح الله لهم. والثانية: يجوز، لأنه إذا عُلِم أنه يؤذِّن قبل الوقت لم يقلَّد في ذلك. فصل (٤) وليس عن أحمد نصٌّ في أول الوقت الذي يجوز فيه التأذين، إلا أن أصحابنا قالوا: يجوز بعد منتصف الليل، كما تجوز الإفاضةُ من مزدلفة، ورميُ الجمرة، والطوافُ وحلقُ الرأس بعد ذلك. قالوا: لأن النصف الثاني هو التابع لليوم الثاني بخلاف الأول، ولأنه حينئذ يكون قد ذهب معظمُ

стр. 826

الليل، فيُشبِه ذهابَ جميعه. ولأن النصف الأول وقتٌ للعشاء في حال الاختيار، فلو جاز الأذان فيه لاشتبه على السامع الأذانان. وعلى هذا فينبغي أن يكون الليلُ الذي يعتبر نصفه: أولُه غروبُ الشمس، وآخِرُه طلوعُها؛ كما لو كان النهارُ المعتبرُ نصفُه: أولُه طلوع الشمس، وآخِرُه غروبها؛ لانقسام الزمان إلى ليل ونهار. وإن كان في غير التنصيف يكون آخرُ الليل طلوعَ الفجر، وهو أولُ [ص ٦] النهار. ولعل قول النبي ﷺ في أحد الحديثين: «ينزل ربُّنا إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلثُ الليل الآخِر» يعني: الليل الذي ينتهي بطلوع الفجر. وفي الآخر: «حين يمضي نصفُ الليل» يعني: الليل الذي ينتهي بطلوع الشمس. فإنه إذا انتصف الليل الشمسي، يكون قد بقي ثلثُ الليل الفجري تقريبًا. ولو قيل: تحديدُ وقت العشاء (١) إلى نصف الليل تارةً وإلى ثلثه أخرى من هذا الباب، وأنه إذا مضى ثلثُ الليل الشمسي، فقد قارب مضيّ نصفِ الليل الفجري= لكان وجيهًا (٢). مسألة (٣): (قال النبي ﷺ : «إذا سمعتم المؤذنَ فقولوا مثلَ ما يقول») .

стр. 827

هذا الحديث أخرجه الجماعة عن أبي سعيد: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إذا سمعتم المؤذنَ فقولوا مثلَ ما يقول المؤذِّن» (١). وعن عبد الله بن عمرو ﵁ أنه سمع النبيَّ ﷺ يقول: «إذا سمعتم المؤذنَ فقولوا مثلَ ما يقول، ثم صلُّوا عليَّ، فإنه من صلَّى عليَّ صلَّى الله عليه بها عشرًا، ثم سَلُوا لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو. فمن سأل لي الوسيلة حلَّت عليه الشفاعة» رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه (٢). وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر؛ ثم قال: أشهد أن لا اله إلا الله، قال: أشهد أن لا اله إلا الله؛ ثم قال: أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، قال: أشهد أن محمدًا رسول الله؛ ثم قال: حيَّ على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ ثم قال: حيَّ على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ ثم قال: الله أكبر الله أكبر [قال: الله أكبر الله أكبر] (٣)، ثم قال: لا إله إلا الله، [قال: لا إله إلا الله] من قلبه= دخل الجنَّة» رواه أحمد ومسلم وأبو داود (٤).

стр. 828

وعن بعض أصحاب النبي ﷺ : أنَّ بلالًا أخذ في الإقامة، فلما أن قال: قد قامت الصلاة، قال النبي ﷺ : «أقامها الله وأدامها». وقال في سائر الإقامة بنحو حديث عمر في الأذان. رواه أبو داود (١). وجاء ذلك (٢) عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة (٣)، وعمرو بن العاص (٤)، وابنه (٥)، وأبي رافع (٦)، ومعاوية (٧)، وغيرهم. وعن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من قال حين

стр. 829

يسمع المؤذنَ: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله. [ص ٧] رضيتُ بالله ربًّا، وبمحمَّد رسولًا، وبالإسلام دينًا= غُفِر له ذنوبُه (١)» رواه الجماعة إلا أحمد والبخاري (٢). وهذا الذكر مستحبٌّ استحبابًا مؤكَّدًا، لأن النبيَّ ﷺ أمرَ به، وأقلُّ أحوال الأمر الاستحبابُ، حتى إنه إذا سمعه لم يشتغل عنه بصلاة نافلة، من تحية مسجد ولا سنَّة راتبة ولا غيرها، بل إذا دخل المسجد وسمع المؤذِّن بدأ بإجابته قبل التحية. نصَّ عليه (٣). ويستحَبُّ أن لا يقوم إذا أخذ المؤذِّن في الأذان، لسبب آخر وهو أن الشيطان إذا سمع النداء أدبر وله ضراط حتَّى لا يسمع التأذين، ففي التحرُّك عند سماع النداء تشبُّهٌ بالشيطان. قال أحمد ﵀ (٤) في الرجل يقوم، فيتطوَّع إذا أذَّن المؤذن، فقال: لا يقوم أولَ ما يبدأ ويصبر قليلًا. وقال أيضًا: يستحَبُّ له أن يكون ركوعه بعدما يفرغ أو يقرب من الفراغ، لأنه يقال: إن الشيطان يُدبر حين يسمع النداء. وعلى هذا فيستحبُّ لمن كان قاعدًا أن لا يقوم عند سماع الأذان، سواء

стр. 830

أجابه في حال قيامه ومشيه، أم لم يجبه. وإن سمعه وهو في قراءة أو دعاء قطع، لأن إجابة المؤذن تفوت. فإن كان في صلاة لم يقله؛ لأنَّ في الصلاة لشغلًا (١). ولهذا لا يستحَبُّ له أن يؤمِّن (٢) على دعاء غيره، ولا أن يصلِّي على النبيِّ ﷺ عند ذكره، وهو في الصلاة. ويقوله إذا فرغ من الصلاة، ذكره القاضي. وكلام غيره يقتضي أنه لا يُستحبُّ؛ لأنه سنَّة فات محلُّها، فأشبهَ صلاةَ الكسوف بعد التجلِّي، وتحيةَ المسجد بعد الخروج منه. ولأنه ذكر معلَّق بسبب، فلم يُشرَع بعد انقضاء السبب، كالذكر المشروع عند دخول المسجد والخروج منه، والأكل والشرب والخلاء، ودعاء الاستفتاح والاستعاذة وغير ذلك. فإن قاله في الصلاة لم تبطُل لأنَّه ذكرٌ لله، إلا أن يقول: حيَّ على الصلاة حيَّ على الفلاح، فإنها تَبطُل؛ لأنه خطاب لآدمي. ولهذا كان المسنون أن يقول كما يقول المؤذن، إلا في الحيعلة فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، كما جاء مفسَّرًا في رواية عمر وغيره. نصَّ عليه. واستحَبَّ بعضُ أصحابنا أن يجمع بين ذلك وبين الحيعلة أخذًا بظاهر القول: «فقولوا مثلَ ما يقولُ» مع أمره بالحوقلة. والصحيح: الأول، لأن الروايات المفسِّرة من أمره وقوله تبيِّن الرواية

стр. 831

المطلقة؛ ولأنَّ كلماتِ الأذان كلَّها ذكرٌ لله سبحانه، فاستُحِبَّ ذكرُ الله سبحانه عند ذلك. أمَّا الحيعلة، فإنها دعاء للناس إلى الصلاة، وسامع المؤذن لا يدعو أحدًا، فلم يُستحَبَّ أن يتكلَّم بما لا فائدة فيه. لكن لمَّا كان هو من جملة [ص ٨] المدعوين شُرع له أن يقول ما يستعين به على أداء ما دُعِيَ إليه، وهو: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها كنز من كنوز الجنة (١)، وبها يقتدر الإنسان على كلِّ فعل؛ إذ معناها: لا تحوُّلَ من حال إلى حال، ولا قدرةَ على ذلك إلا بالله سبحانه، فإنه خالقُ الأعمال والقوة (٢) عليها. فجمعَتْ جميعَ الحركات والقدرة التي بها تكون الحركات في السماوات والأرض (٣). وقيل: لا حول عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله. والمعنى الأول أجمع وأشبه (٤). قال بعض أصحابنا: ويقول إذا قال المؤذِّن: «الصلاة خير من النوم»: صدقتَ وبررتَ، أو نحو هذا. وقد قال أحمد بن ملاعب (٥): سمعتُ أبا عبد الله ما لا أحصيه، وكان

стр. 832

يكون هو المؤذِّن، فإذا قال: الله أكبر الله أكبر، قال قليلًا: الله أكبر الله أكبر، إلى آخر الأذان. قال أصحابنا: ف يستحَبُّ للمؤذن أن يقول سرًّا مثل ما يقول علانية . وقوله ﷺ : «إذا سمعتم المؤذِّنَ فقولوا مثل ما يقول» (١) كقوله: «إذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين» (٢)، وقوله: «إذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد» (٣). وهذا لأنه ذكرٌ يقتضي جوابًا، فاستُحِبَّ له أن يجيب نفسَه، كما استُحِبَّ لغيره أن يجيبه كالتأمين والتحميد. ولأنه بذلك يجمع له بين أجرين بذكر الله سرًّا وعلانيةً. ولأنَّ السرَّ ذكرٌ محضٌ، بخلاف العلانية فإنه يُقصَد به الإعلام. ولأنه يُستحبُّ له (٤) أن يفصِل بين كلمات الأذان، فاستُحِبَّ له أن يشغلها بذكر الله سبحانه. والاستحباب في حقِّ غيره أوكد. وبكلِّ حال، فهو مستحبٌّ، حتَّى لو تركه، أو اشتغل عنه بصلاة أو قراءة، لم يكن عليه شيء. نصَّ عليه. وقال أيضًا: إذا دخل المسجدَ، والمؤذِّن يؤذِّن، استُحِبَّ له أن يقول مثل ما يقول المؤذن. وإن لم يقل وافتتح الصلاة، فلا بأس (٥). وقال الآمدي: يكرَه أن يشرَع في النافلة إذا سمع التأذين. والمستحَبُّ أن يقول مثل ما يقول المؤذِّن كلمةً كلمةً، فلا يسبقه

стр. 833

بالقول، كما في حديث عمر وغيره، ولقوله ﵇: «إذا سمعتم المؤذِّنَ فقولوا مثلَ ما يقول» (١)، ولأنه بذلك يحصل له أجرُ استماع الأذان وموافقة المؤذِّن. قال أصحابنا: و يُستحبُّ إذا سمع الإقامة أن يقول مثلَ ما يقول المؤذِّن ، لما تقدَّم. فإذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، قال: أقامها الله وأدامها. فأمَّا المنادي بالإقامة، فلا يُستحبُّ له أن يقول سرًّا ما يقول علانيةً، لأن الإقامة تُحدَر، ولا يحصل بينها (٢) [ص ٩] سكوت. وإذا أقيمت الصلاة وهو قائم، فيستحبُّ له أن يجلس، وإن لم يكن صلَّى تحية المسجد. قال ابن منصور (٣): رأيت أبا عبد الله أحمد يخرج عند المغرب، فحين انتهى إلى موضع الصفِّ أخذ المؤذِّن في الإقامة، فجلس، لما روى عبد الرحمن بن أبي ليلى: أنَّ النبيَّ ﷺ جاء، وبلال في الإقامة، فقعَد. رواه الخلال (٤). ورواه أبو حفص، ولفظه: دخل رسولُ الله ﷺ ، وبلالٌ يؤذِّن، فجلَس (٥). ولأنَّ القيام قبل الشروع في الصلاة غير مشروع، وتحيةُ المسجد قد سقطت بالإقامة، فإنَّها إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا

стр. 834

التي أقيمت. فصل ويستحب أن يدعو إذا فرغ من الأذان والإقامة. نصَّ عليه. وكان إذا أقيمت الصلاة رفع بكفَّيه (١) وجعل يدعو، لما روى سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : «ثنتان لا تُرَدَّان: الدعاءُ عند النداء، وعند البأس حين يُلحِمُ بعضُهم بعضًا» رواه أبو داود (٢). وعن عبد الله بن عمرو أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله إن المؤذِّنين يفضُلوننا، فقال رسول الله ﷺ : «قُل كما يقولون، فإذا انتهيَت فسَلْ تُعْطَه» رواه أحمد وأبو داود (٣). وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «الدعاءُ لا يُرَدُّ بين الأذان والإقامة». قالوا: فما نقول يا رسول الله؟ قال: «سَلُوا الله العافيةَ في الدنيا والآخرة» رواه أحمد والترمذي وأبو داود وهذا لفظه (٤). وعن أم سلمة قالت: علَّمني رسولُ الله ﷺ أن أقول عند أذان المغرب:

стр. 835

«اللهمَّ هذا إقبالُ ليلك، وإدبارُ نهارك، وأصواتُ دعاتك، فاغفِرْ لي». رواه أبو داود (١). وينبغي أن يقدِّم أمام الدعاء لنفسه الصلاةَ على رسول الله ﷺ ، بل ينبغي أن يقرُن ذلك بإجابة المؤذن، وإن لم يدعُ لنفسه، كما تقدَّم في حديث عبد الله بن عمرو. ولما روى جابر بن عبد الله ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «من قال حين يسمع النداء: اللهمَّ ربَّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آتِ محمَّدًا الوسيلةَ والفضيلةَ، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته= حلَّت له شفاعتي يوم القيامة». رواه الجماعة (٢) إلا مسلمًا. زاد بعضُ أصحابنا: واسْقِنا بكأسه من حوضه مشربًا هنيئًا سائغًا رويًّا، غيرَ خزايا ولا ناكثين، برحمتك (٣) .. فصل السنَّة أن يقيم من أذَّن ، لما روى زياد بن [ص ١٠] الحارث الصُّدائي قال: كنت مع النبي ﷺ ، فأمرني، فأذَّنتُ، فأراد بلال أن يقيم فقال رسول الله ﷺ :

стр. 836

«إنَّ أخا صُدَاء أذَّن، ومن أذَّن فهو يقيم» رواه الخمسة إلا النسائي (١). ولولا أنَّ السنَّة أن يتولاهما رجل واحد لم يُمنَع المؤذِّن الراتبُ من حقِّه ــ وهو الإقامة ــ لمَّا حضر. وعن عبد العزيز بن رُفَيع قال: رأيتُ أبا محذورة جاء، وقد أذَّن إنسانٌ قبله؛ فأذَّن، ثم أقام. رواه أبو حفص (٢)، واحتجَّ به أحمد. ولولا أنَّ ذلك سنّة عندهم لاكتفى بتأذين الرجل. ولأنَّ ذلك أقرب إلى أن يعلم الناس أنَّ الثاني إقامة، وليس بأذان آخر. ولأنهما فصلان من الذكر يتقدَّمان الصلاة، فكانت السنَّة أن يتولاهما واحد كالخطبتين. فإن أذَّن غيرُ المؤذن الراتب، فإما أن يقيم من أذَّن كما فعل زياد، أو يعيد الراتبُ الأذان كما صنع أبو محذورة. فإن أقام غيرُ من أذَّن كُرِهَ، نصَّ عليه؛ وأجزأ لأنَّ المقصود قد حصل. ولو تناوب اثنان على أذان واحد، فقال هذا كلمة، وهذا كلمة، أو بنى الرجل على أذان غيره= لم يجُز لعذرٍ ولا غيرِه (٣) بل لا بدَّ من أذان رجل واحد، وإن جوَّزنا الخطبةَ من اثنين؛ لأنه ذكر واحد يختلُّ (٤) مقصوده

стр. 837

باختلاف الأصوات، بخلاف الخطبة. ولا يقيم إلا بإذن الإمام، فإنَّ أمرَ الصلاة إليه. قال علي ﵁: المؤذِّن أملَكُ بالأذان، والإمام أملَكُ بالإقامة. رواه سعيد وأبو حفص (١). و السنَّة أن يكون الأذان والإقامة في موضع واحد . فإذا أذَّن في مكان استُحِبَّ أن يقيم فيه، لا في الموضع الذي يصلِّي فيه، لما احتجَّ به الإمام أحمد ﵀ عن بلال ﵁ أنه قال: يا رسولَ الله، لا تَسْبِقْني بآمين. رواه أحمد وأبو داود (٢). وقال إسحاق بن راهويه: وكذلك أبو هريرة وغيره من أصحاب النبي ﷺ قالوا لأئمتهم. ولو كانت الإقامة موضعَ الصلاة لم يخشوا أن يُسْبَقوا بآمين. فعُلِمَ أنَّ الإقامة كانت حيث يسمعها الغائبون عن المسجد: إمَّا موضعَ الأذان أو قريبًا منه. وكذلك قال النبي ﷺ : «إذا سمعتم الإقامة فامشُوا إلى الصلاة. وعليكم بالسكينة» متفق عليه (٣). وقد تقدَّم (٤) قولُ ابن عمر ﵁: كنَّا إذا سمعنا

стр. 838

الإقامة توضَّأنا، ثم خرجنا إلى الصلاة (١). ولأنَّ الإقامة أحد الندائين، فاستُحِبَّ إسماعُها للغائبين كالأذان؛ ولأنَّ المقصود بها الإعلامُ بفعل الصلاة لمنتظِرها في المسجد وغيره. [ص ١١] فإن شقَّت الإقامة قريبًا من موضع الأذان بأن يكون الأذان في المنارة أو في موضع بعيد من المسجد، فإنه يقيم في غيره بحيث يُعلِم الغائبين أيضًا؛ لما روى عبد الله بن شقيق قال: الأذان في المنارة، والإقامة في المسجد. وقال: هي السنَّة. رواه سعيد (٢). فصل وإذا أذَّن قريبًا من المسجد جاز، وإن كان بينهما طريق، كما يجوز الأذان في منارة المسجد، لما تقدَّم (٣) من حديث بلال أنه كان يؤذِّن على سطح امرأة من الأنصار (٤). وإن أذَّن في مكان بعيد من المسجد، فقال أحمد (٥): معاذ الله، ما سمعنا

стр. 839

أنَّ أحدًا يفعل هذا، لأنَّ المؤذن يدعو الناس إلى الصلاة، فلا بدَّ أن يكون نداؤه قريبًا من موضع الصلاة، ليقصده الناس. فأمَّا إن أذَّن لغير المسجد، بل للإعلام بالوقت، فلا بأس بذلك بكلِّ موضع. فصل ولا يصح الأذان إلا مرتَّبًا متواليًا على ما جاءت به السنَّة، لأنه ذكر مجموع، فوجب أن يؤتى به على وجهه كقراءة الفاتحة؛ ولأنه بدون ذلك يختلُّ المقصود به من الإعلام والدعاء. فإن نكَسه لم يصحَّ بحال. وإن فرَّق بين كلماته بسكوت يسير، أو كلام يسير مباح، لم يقطعه؛ لكنه إن كان لغير حاجة كُرِه. وهو في الإقامة أشدُّ كراهة من الأذان. وإن كان لحاجةٍ مثل أن يردَّ على من سلَّم عليه، أو يأمرَ بعض أهله بحاجة، أو يأمرَ بمعروف أو ينهى عن منكر بكلام قليل= لم يُكرَه، لما ذكره الإمام أحمد عن سليمان بن صُرَد ــ وكانت له صحبة ــ أنه كان يأمر غلامه بالحاجة، وهو يؤذِّن (١). وأمر ابنُ عباس مؤذِّنَه أن يقول في يوم مَطِير بعد قوله: «حيَّ على الفلاح» (٢): ألا، صَلُّوا في الرحال. متفق عليه. ولأنَّ ذلك

стр. 840

لا يُخِلُّ بمقصود الأذان، وبه إليه حاجة، فأشبه العملَ اليسيرَ في الصلاة. وعنه: أنَّ ذلك يكره مطلقًا. وعلى الروايتين، فالأفضل أن لا يتكلَّم بردِّ سلام في الأذان ولا غيره. فأمَّا الإقامة فلا يتكلَّم فيها، لأنَّ السنَّة حدرُها، والكلام يقطع ذلك. فأما إن طال الكلام أو السكوت استأنَفَ، لأنَّ ذلك يُخِلُّ بمقصود الإعلام، فأشبه التنكيسَ. وإن فصَل بينه بكلام يسير محرَّم كالسَّبِّ والقذف، فهل يبطل؟ على وجهين. ومن أصحابنا من يحكيها على روايتين: إحداهما: يبطل. قال الآمدي: وهو الصحيح، لأنه ذكر محض مجموع، والكلامُ المحرَّمُ منافٍ له. وربما ظُنَّ متلاعبًا لا مؤذِّنًا، إذا خلط الحق بالباطل. وفي الأخرى: لا يبطل، لأنها عبادة لا تبطل بالكلام المباح، فكذلك بالمحرَّم كالصوم والحج. فأمَّا الكلام بين الأذانين، فلا يُكرَه لأن الفصل [ص ١٢] بينهما مشروع بعمل أو جلوس، والكلام من جملة الفواصل. ولو ارتدَّ في أثناء الأذان بطَل، لأنها عبادة واحدة، فبطلت بالردة في أثنائها كسائر العبادات. فلو عاد إلى الإسلام في الحال استأنفَ. ولو جُنَّ أو نام أو أغمي عليه ثم أفاق في الحال بنَى، لأنه لم يخرج عن كونه من أهل العبادة. وقال الآمدي: إذا أغمي عليه بطل الأذان، كما يبطل بالكلام الكثير.

стр. 841

ولو ارتدَّ بعد الأذان ففيه وجهان: أحدهما: يبطل، قاله القاضي والآمدي وغيرهما، كما تبطل الطهارة بالردَّة (١). وهذا إذا كانت الردَّة بين الأذان والصلاة. فأما إن كانت بعد الصلاة لم يبطل حكم الأذان قولًا واحدًا. وكذلك إن كان بعد الشروع في الصلاة. والثاني: لا يبطل وإن استمر على ردَّته، وهو أصح. قاله طائفة من أصحابنا، لأنها عبادة قد انقضت، فلم تبطل بالردَّة كسائر العبادات، بخلاف الطهارة فإنَّ حكمها باق. ولأنه لا يُبطِل بعد فراغه شيء من المبطلات، فلم تبطل بالردَّة، كالصلاة وأولى؛ وعكسه الطهارة. وهذا لأن إحباط العمل لا يلزم منه بطلانه، كما تقدَّم في الطهارة. فصل يستحبُّ أن يفصل بين الأذان والإقامة للمغرب بجلسة بقدر ركعتين . قال في رواية المرُّوذي: بين الأذانين جلسة في المغرب وحدها، لأن في حديث الأنصاري الذي رأى الأذان: رأيتُ رجلًا كأنَّ عليه ثوبين أخضرين، فقام على المسجد، فأذَّن، ثم قعد قعدةً، ثم قام، فقال مثلها. رواه أحمد وأبو داود (٢). وفي رواية قال: رأيتُ الذي أذَّن في المنام أذَّن المغرب. وقعد بين

стр. 842

الأذان والإقامة قعدةً. رواه حرب (١). وعن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : «يا بلال، اجعل بين أذانك وإقامتك نَفَسًا، يفرُغ الآكلُ من طعامه (٢) في مَهَلٍ، ويقضي المتوضِّئُ حاجتَه في مَهَلٍ» رواه عبد الله بن أحمد في «المسند» (٣). قال إسحاق بن راهويه: لا بدَّ من القعدة في الصلوات كلِّها حتَّى في المغرب؛ لما صحَّ عن بلال حيث علَّمه النبي ﷺ الأذان، فأمره أن ينتظر بين الأذان والإقامة قدر ما يستيقظ النائم، وينتشر المنتشر للصلاة. فأذَّن مثنى مثنى، وأقام مرةً مرةً، وقعد قعدةً (٤). وعن مجاهد قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أذَّن المؤذِّن فلا يقيمُ حتى يجلس» (٥).

стр. 843

وعن ابن عباس قال: ينتظر المؤذِّن في الصلوات كلِّها بين الأذان والإقامة قدرَ ما يغتسل الرجل، وفي المغرب قدرَ ما [ص ١٣] يتوضَّأ. رواه الشالنجي (١). وإنما قدَّرها الإمام أحمد بركعتين، لأنَّ أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يصلُّون بين الأذانين للمغرب ركعتين. وقد قال ﷺ : «بين كلِّ أذانين صلاة». ولأنه بالفصل يتأهَّب إلى الصلاة من ليس على أُهبةٍ، ويصلِّي من يريد الصلاة، ويدرك أكثرُ الجماعة حدَّ الصلاة وهو تكبيرة الإحرام، ويدركون التأمين. وذلك مقصود للشارع، وفيه أجر عظيم جاءت به الأحاديث. وأما القعود، فَلِيفصِل بين الأذانين، وليكون قائمًا إلى الإقامة قيامًا مبتدأً، ولأنهما فصلان من الذكر يتقدَّمان الصلاة، يُفصَل بينهما بجلسة كالخطبتين. وإنما خُصَّت المغرب بذلك لضيق وقتها وكراهة تأخيرها. فأمَّا سائر الصلوات، فالفصلُ بين الصلاتين (٢) يحصل بأسباب أُخَر من الصلاة وغيرها. فإن تأخَّر (٣) الجماعة أكثر من قدر ركعتين استُحِبَّ له انتظارهم ما لم يخَفْ خروج الوقت. قال مهنَّا: سألتُ أحمد عن إمام أذَّن لصلاة المغرب، فرأى أن ينتظر القومَ إلى أن يتوضؤوا (٤)، ما لم يخَفْ فوتَ الوقت. وعنه: أنه إنما استُحِبَّ انتظارهم بالقدْر المتقدم. قال في رواية حنبل:

стр. 844

ينبغي للمؤذِّن إذا أذَّن أن لا يعجل بالإقامة، ويلبث حتى يأتيه أهل المسجد، ويقضي المعتصِرُ حاجتَه. يجعل بين أذانه وإقامته نفَسًا. وهذا أشبه بالروايتين. فيما (١) إذا أسفر الجيرانُ يغلِّس أو يُسفر؟ على روايتين. ولو أذَّن، ثم خرج من المسجد، أو ذهب إلى منزله لحاجةٍ، مثل أن يتوضَّأ= لم يُكرَه. وإن كان لغير حاجة كُرِه، لأنَّ الخروج من المسجد بعد الأذان منهيٌّ عنه لغير المؤذِّن (٢)، فالمؤذِّن أشدُّ، إلا أن يكون التأذين للفجر قبل الوقت، فلا يُكرَه الخروج. نصَّ على ذلك كلِّه، لأنَّ وقت الصلاة لم يدخل، ولا تجب الإجابة إليها إلا بعد الوقت. فصل الأذان من أفضل الأعمال، فإنه ذكرُ الله على وجه الجهر، ويُفتَح به أبوابُ السماء، وتهرب منه الشياطين، وتطمئنُّ به القلوب. وهو إظهارٌ لشعار الإسلام، وإعلامٌ للناس بوقت الصلاة، ودعاءٌ إليها، ومراعاةُ الشمس والقمر والظلال لذكر الله. قال الإمام أحمد: الأذان أحبُّ إليَّ من الإمامة، لأنَّ الإمام ضامن لصلاةِ مَن خلفه، والمؤذِّنُ يُغفَر له مدَّ صوته. وهذا اختيار أكثر أصحابنا. وروي عنه: أنَّ الإمامة أفضل. وهذا اختيار أبي عبد الله بن حامد، وأبي

стр. 845

الفرج بن الجوزي (١)؛ لأنَّ الإمامة تولَّاها ﷺ هو بنفسه، وكذلك [ص ١٤] خلفاؤه الراشدون، ووكَلوا الأذانَ (٢) إلى غيرهم. وكذلك ما زال يتولَّاها أفاضل المسلمين علمًا وعملًا. ولأنَّ الإمامة يعتبر لها من صفات الكمال أكثرُ مما يعتبر للأذان، ولأن الإمامة واجبة في كلِّ جماعة، والأذان إنما يجب مرَّةً في المصر. وقد روي عن داود بن أبي هند قال: حُدِّثتُ أنَّ رجلًا أتى النبيَّ ﷺ ، فقال: مُرْني بعملٍ أعمله. قال: «كن إمامَ قومك» قال: فإن لم أقدر. قال: «فكن مؤذِّنَهم» رواه سعيد (٣). والأول أصحُّ، لما تقدَّم من قوله ﷺ : «الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن. اللهم أرشِدِ الأئمةَ، واغفِرْ للمؤذِّنين» (٤)، ومنزلةُ الأمانة فوق منزلة الضمان، والمدعوُّ له بالمغفرة أفضل من المدعوِّ له بالرشد، لأنَّ المغفرة نهاية الخير. ولهذا أمر اللهُ رسولَ الله ﷺ بالاستغفار بقوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١]، وقد غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، وكان ذلك
следующие страницы →