← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

ولو ارتدَّ بعد الأذان ففيه وجهان: أحدهما: يبطل، قاله القاضي والآمدي وغيرهما، كما تبطل الطهارة بالردَّة (١). وهذا إذا كانت الردَّة بين الأذان والصلاة. فأما إن كانت بعد الصلاة لم يبطل حكم الأذان قولًا واحدًا. وكذلك إن كان بعد الشروع في الصلاة. والثاني: لا يبطل وإن استمر على ردَّته، وهو أصح. قاله طائفة من أصحابنا، لأنها عبادة قد انقضت، فلم تبطل بالردَّة كسائر العبادات، بخلاف الطهارة فإنَّ حكمها باق. ولأنه لا يُبطِل بعد فراغه شيء من المبطلات، فلم تبطل بالردَّة، كالصلاة وأولى؛ وعكسه الطهارة. وهذا لأن إحباط العمل لا يلزم منه بطلانه، كما تقدَّم في الطهارة. فصل يستحبُّ أن يفصل بين الأذان والإقامة للمغرب بجلسة بقدر ركعتين . قال في رواية المرُّوذي: بين الأذانين جلسة في المغرب وحدها، لأن في حديث الأنصاري الذي رأى الأذان: رأيتُ رجلًا كأنَّ عليه ثوبين أخضرين، فقام على المسجد، فأذَّن، ثم قعد قعدةً، ثم قام، فقال مثلها. رواه أحمد وأبو داود (٢). وفي رواية قال: رأيتُ الذي أذَّن في المنام أذَّن المغرب. وقعد بين

стр. 842

الأذان والإقامة قعدةً. رواه حرب (١). وعن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : «يا بلال، اجعل بين أذانك وإقامتك نَفَسًا، يفرُغ الآكلُ من طعامه (٢) في مَهَلٍ، ويقضي المتوضِّئُ حاجتَه في مَهَلٍ» رواه عبد الله بن أحمد في «المسند» (٣). قال إسحاق بن راهويه: لا بدَّ من القعدة في الصلوات كلِّها حتَّى في المغرب؛ لما صحَّ عن بلال حيث علَّمه النبي ﷺ الأذان، فأمره أن ينتظر بين الأذان والإقامة قدر ما يستيقظ النائم، وينتشر المنتشر للصلاة. فأذَّن مثنى مثنى، وأقام مرةً مرةً، وقعد قعدةً (٤). وعن مجاهد قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أذَّن المؤذِّن فلا يقيمُ حتى يجلس» (٥).

стр. 843

وعن ابن عباس قال: ينتظر المؤذِّن في الصلوات كلِّها بين الأذان والإقامة قدرَ ما يغتسل الرجل، وفي المغرب قدرَ ما [ص ١٣] يتوضَّأ. رواه الشالنجي (١). وإنما قدَّرها الإمام أحمد بركعتين، لأنَّ أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يصلُّون بين الأذانين للمغرب ركعتين. وقد قال ﷺ : «بين كلِّ أذانين صلاة». ولأنه بالفصل يتأهَّب إلى الصلاة من ليس على أُهبةٍ، ويصلِّي من يريد الصلاة، ويدرك أكثرُ الجماعة حدَّ الصلاة وهو تكبيرة الإحرام، ويدركون التأمين. وذلك مقصود للشارع، وفيه أجر عظيم جاءت به الأحاديث. وأما القعود، فَلِيفصِل بين الأذانين، وليكون قائمًا إلى الإقامة قيامًا مبتدأً، ولأنهما فصلان من الذكر يتقدَّمان الصلاة، يُفصَل بينهما بجلسة كالخطبتين. وإنما خُصَّت المغرب بذلك لضيق وقتها وكراهة تأخيرها. فأمَّا سائر الصلوات، فالفصلُ بين الصلاتين (٢) يحصل بأسباب أُخَر من الصلاة وغيرها. فإن تأخَّر (٣) الجماعة أكثر من قدر ركعتين استُحِبَّ له انتظارهم ما لم يخَفْ خروج الوقت. قال مهنَّا: سألتُ أحمد عن إمام أذَّن لصلاة المغرب، فرأى أن ينتظر القومَ إلى أن يتوضؤوا (٤)، ما لم يخَفْ فوتَ الوقت. وعنه: أنه إنما استُحِبَّ انتظارهم بالقدْر المتقدم. قال في رواية حنبل:

стр. 844

ينبغي للمؤذِّن إذا أذَّن أن لا يعجل بالإقامة، ويلبث حتى يأتيه أهل المسجد، ويقضي المعتصِرُ حاجتَه. يجعل بين أذانه وإقامته نفَسًا. وهذا أشبه بالروايتين. فيما (١) إذا أسفر الجيرانُ يغلِّس أو يُسفر؟ على روايتين. ولو أذَّن، ثم خرج من المسجد، أو ذهب إلى منزله لحاجةٍ، مثل أن يتوضَّأ= لم يُكرَه. وإن كان لغير حاجة كُرِه، لأنَّ الخروج من المسجد بعد الأذان منهيٌّ عنه لغير المؤذِّن (٢)، فالمؤذِّن أشدُّ، إلا أن يكون التأذين للفجر قبل الوقت، فلا يُكرَه الخروج. نصَّ على ذلك كلِّه، لأنَّ وقت الصلاة لم يدخل، ولا تجب الإجابة إليها إلا بعد الوقت. فصل الأذان من أفضل الأعمال، فإنه ذكرُ الله على وجه الجهر، ويُفتَح به أبوابُ السماء، وتهرب منه الشياطين، وتطمئنُّ به القلوب. وهو إظهارٌ لشعار الإسلام، وإعلامٌ للناس بوقت الصلاة، ودعاءٌ إليها، ومراعاةُ الشمس والقمر والظلال لذكر الله. قال الإمام أحمد: الأذان أحبُّ إليَّ من الإمامة، لأنَّ الإمام ضامن لصلاةِ مَن خلفه، والمؤذِّنُ يُغفَر له مدَّ صوته. وهذا اختيار أكثر أصحابنا. وروي عنه: أنَّ الإمامة أفضل. وهذا اختيار أبي عبد الله بن حامد، وأبي

стр. 845

الفرج بن الجوزي (١)؛ لأنَّ الإمامة تولَّاها ﷺ هو بنفسه، وكذلك [ص ١٤] خلفاؤه الراشدون، ووكَلوا الأذانَ (٢) إلى غيرهم. وكذلك ما زال يتولَّاها أفاضل المسلمين علمًا وعملًا. ولأنَّ الإمامة يعتبر لها من صفات الكمال أكثرُ مما يعتبر للأذان، ولأن الإمامة واجبة في كلِّ جماعة، والأذان إنما يجب مرَّةً في المصر. وقد روي عن داود بن أبي هند قال: حُدِّثتُ أنَّ رجلًا أتى النبيَّ ﷺ ، فقال: مُرْني بعملٍ أعمله. قال: «كن إمامَ قومك» قال: فإن لم أقدر. قال: «فكن مؤذِّنَهم» رواه سعيد (٣). والأول أصحُّ، لما تقدَّم من قوله ﷺ : «الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن. اللهم أرشِدِ الأئمةَ، واغفِرْ للمؤذِّنين» (٤)، ومنزلةُ الأمانة فوق منزلة الضمان، والمدعوُّ له بالمغفرة أفضل من المدعوِّ له بالرشد، لأنَّ المغفرة نهاية الخير. ولهذا أمر اللهُ رسولَ الله ﷺ بالاستغفار بقوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١]، وقد غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، وكان ذلك

стр. 846

خصوصًا خصَّه به دون سائر الأنبياء؛ وندَب قُوَّامَ الليل إلى الاستغفار بالأسحار. والرشدُ مبتدأ الخير، فإنه من لم يرشُد يكن غاويًا، والغاوي: المتِّبِع للشهوات، المضِيعُ للصلوات (١). ولأن الأذان له خصائص لا توجد في الإمامة. منها: أنه يُغفَر له مدَّ صوته، وأنه يستغفر له كلُّ رطب ويابس, وأنه لا يسمع صوتَ المؤذن جنٌّ ولا إنسٌ ولا شيءٌ إلا شهد له يوم القيامة. وقد تقدَّم ذلك. وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لو يعلم الناسُ ما في النِّداء والصفِّ الأول، ثم لا يجدوا إلا أن يَستهِموا عليه، لاستهموا عليه» متفق عليه (٢). وعن معاوية أن النبيَّ ﷺ قال: «المؤذّنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة» رواه أحمد ومسلم (٣). وعن البراء بن عازب عن النبي ﷺ قال: «المؤذِّن يُغفرَ له مدَّ صوته، ويصدِّقه من يسمعه من رطب ويابس، وله مثلُ أجر من صلَّى معه» رواه أحمد والنسائي (٤).

стр. 847

وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أذن محتسبًا سبع سنين كتبت له براءة من النار» (١). وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «من أذَّن اثنتي عشرة سنةً وجبت له الجنَّة، وكتب له بتأذينه كلَّ يوم ستون حسنة، وفي كلِّ إقامة ثلاثون حسنة» رواهما ابن ماجه (٢). ولم يجئ في فضل الإمامة مثلُ هذا. ولأن [ص ١٥] الإمامة من باب الإمامة (٣) والولاية، إذ هي الإمامة الصغرى. ولذلك قال عثمان لابن عمر: اقض بين الناس، فاستعفاه، وقال: لا أقضي بين اثنين، ولا أؤمُّ رجلين. رواه أحمد (٤).

стр. 848

وهي فتنة، لما فيها من الشرف والرئاسة، حتى ربَّما كان طلبُها مثل طلب الولايات والإمارات، الذي هو من إرادة العلوِّ في الأرض؛ وهذا مضِرٌّ بالدين. وقد روى كعب بن مالك عنه ﷺ أنه قال: «ما ذئبان جائعان أُرسِلا في غنمٍ بأفسد لها مِن حرصِ المرء على المال والشرف لدينه». قال الترمذي: حديث حسن صحيح (١). ولأنه يُخاف على صاحبها انتفاخُه بذلك واختيالُه، وأن يُفتَن باشتهاره. ولذلك صلَّى حذيفة بن اليمان مرَّةً إمامًا، ثم قال: لَتُصَلُّنَّ وُحدانًا، أو لَتلتمسُنَّ لكم إمامًا غيري، فإني لمَّا أممتُكم خُيِّل إليَّ أنه ليس فيكم مثلي (٢). وقيل لمحمد بن سيرين في بعض المَّرات: ألا تؤمُّ أصحابَك؟ فقال: كرهتُ أن يتفرَّقوا، فيقولوا: أمَّنا محمدُ بن سيرين (٣).

стр. 849

ولأنَّ الإمام يتحمَّل صلاةَ المأمومين، الذي دلَّ عليه حديث الضمان. والأذان سليم من هذه المخاوف كلِّها، بل ربما زهَّد الشيطانُ فيه، وثبَّط عنه، حتَّى يفوَّض إلى أطراف الناس. ولذلك قال عمر ﵁ لبعض العرب: من يؤذِّن لكم؟ قالوا: عَبيدنا. قال: ذلك شرٌّ لكم (١). وأما إمامته ﷺ وإمامة الخلفاء الراشدين ﵃، فمثلُ الإمارة والقضاء. وذلك أنَّ الولايات وإن كانت خَطِرةً، لكن إذا أقيم أمرُ الله فيها لم يعدِلها شيءٌ من الأعمال. وإنما يُهابَ الدخولُ فيها أولًا خشيةَ أن لا يقام أمرُ الله فيها لكثرة نوائبها، وخشيةَ أن يُفتَن القلبُ بالولاية، لما فيها من الشرف والعزِّ. ويكره طلبها لأنه من حبِّ الشرف وإرادة العلوِّ في الأرض يكون في الغالب، ولأنه تعرُّضٌ للمحنة والبلوى فإذا ابتلي المرءْ بها صار القيام بها فرضًا عليه، وكذلك إذا تعيَّنت عليه؛ فإمامته (٢) وإمامة الخلفاء الراشدين كانت متعينةً عليهم، فإنها وظيفة الإمام الأعظم، ولم يمكن الجمع بينها وبين الأذان، فصارت الإمامة في حقِّهم أفضلَ من الأذان، لخصوص أحوالهم؛ وإن كان لأكثر الناس الأذان أفضل (٣). ولهذا قال عمر ﵁: لولا الخِلِّيفى لأذَّنتُ. رواه سعيد (٤). وهذا كالإمارة نفسها. وكما أنَّ مقامهم بالمدينة لكونها دارَ هجرتهم كان أفضل من مقامهم بمكة، بل كان يحرُم عليهم استيطانُ مكة، وهذا الوصف مفقود في غيرهم. وكذلك صوم يومٍ وفطر [ص ١٦] يومٍ هو أفضلُ الصيام، وكان النبي ﷺ يصوم غيرَه؛ لأنه كان يُضعِفه عما هو أفضل منه، فصار قلَّة الصوم في حقِّه أفضلَ. ونظائر هذا كثيرة.

стр. 850

نعم، نظير هذا: أن يكون في القوم رجلٌ لا يصلح للإمامة إلا هو، وهو أحقُّهم بالإمامة، ومن يصلح للأذان كثير، فتكون إمامتُه بهم إذا قصَد وجهَ الله بها وإقامتَه هذا الفرضَ، واتَّقى الله فيها= أفضلَ، لما ذكرناه. وعلى هذا يُحمَل حديث داود بن أبي هند. وقد روى عبد الله بن عمر قال قال رسول الله ﷺ : «ثلاثةٌ على كُثبان المِسك يوم القيامة: عبدٌ أدَّى حقَّ الله وحقَّ مواليه، ورجلٌ أمَّ قومًا وهم به راضُون، ورجلٌ ينادي بالصلوات الخمس في كلِّ يوم وليلة» رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب (١). فصل وإذا تشاحَّ نفسان في الأذان قُدِّم أكملُهما في الخصال المطلوبة في المؤذن، وهي: الصوت، والأمانة، والعلم بالأوقات، بأن يكون أندى صوتًا وأعلم (٢) بالأوقات. ويقدَّم أكملُهما في عقله ودينه، لما تقدَّم. فإن استويا في ذلك قُدِّم أعمَرُهما للمسجد، وأكثَرُهما مراعاةً له، وأقدَمُهما تأذينًا فيه. ولا يقدَّم أحدُهما بكون أبيه كان هو المؤذِّن. فإن استويا في ذلك قُدِّم من يرتضيه الجيران أو أكثرهم. فإن انقسموا طائفتين متساويتين، أو لم يختاروا أحدَهما، أو لم يكن للمسجد جيرانٌ=

стр. 851

أُقرِعَ بينهما، لقوله: «لو يعلَم الناسُ ما في النداء والصفِّ الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستَهِموا عليه، لاستَهموا عليه» (١)، ولأنَّ الناس تشاحُّوا في الأذان بالقادسية، فَأقرعَ بينهم سعدُ بن أبي وقاص ﵁. ذكره الإمام أحمد وغيره (٢). وعنه: أنه يُقرَع بينهم، من غير نظرٍ إلى الجيران. والأول أصح، لأنَّ ذلك أقربُ لرضاهم وانتظام أمرهم، ولذلك اعتُبِر ذلك في الإمامة. فصل قال القاضي: يستحَبُّ الاقتصار على مؤذنَين ــ وإن اقتصر على واحد أجزأه ــ اقتداءً بالنبي ﷺ ، فإنه كان له مؤذِّنان: بلال وابن أمِّ مكتوم. وكذلك قال الآمدي: يستحَبُّ أن لا ينقص في مسجد الجماعة عن اثنين، لدعوى الحاجة إليهما كالواحد في غير مسجد الجماعة. ومعنى هذا: أنه يرتَّب للمسجد مؤذِّنان، إن غاب أحدهما حضَر الآخَرُ. وأمَّا تأذين واحد بعد واحد، فعلى ما ذكره القاضي: يستحَبُّ. وعلى ما ذكره غيره: لا يستحَبُّ ذلك إلا في الفجر.

стр. 852

قال القاضي: ولا يستحَبُّ أن يزيد على أربعة (١). يعني أنَّ ترتيب الأربعة ورزقهم جائز من غير كراهة، بخلاف الزيادة على الأربعة. وكذلك قال الآمدي: لا يُرزَق أكثر من أربعة، [ص ١٧] لأنَّ عثمان ﵁ اتخذ أربعةً من المؤذِّنين (٢)، ولأنه إذا زاد على أربعة، فأذَّن واحدٌ بعد واحد فات فضيلة أول الوقت، فلا يزاد على الاثنين إلا لحاجة. وإذا احتيج إلى أكثرَ من أربعةٍ كانت الزيادة مشروعة. وهذا ظاهر المذهب. ذكر أبو بكر عن أحمد أنه قال في رواية أحمد بن سعيد (٣): ويقيم الإمام من المؤذِّنين ما أراد (٤)، ويرزقهم من الفيء. فصل وإذا أذَّن جماعة فالأفضل أن يؤذِّن واحد بعد واحد، إن كان المسجد صغيرًا، والإبلاغ يحصل بذلك؛ لأنَّ مؤذِّني رسول الله ﷺ كان يؤذِّن أحدهما بعد الآخر. فان أذَّنوا جميعًا من غير حاجة، فقال الآمدي (٥): يُكرَه. وذلك لما فيه

стр. 853

من اختلاط الأصوات على المستمع حتى لا يفهم ما يقولون، مع ما فيه من مخالفة السنة. وإن كان المسجد كبيرًا لا يحصل التبليغ بأذان الواحد، والمقصودُ إسماعُ أماكن لا يبلغهم صوتُ الواحد، فلا بأس بأذانهم جميعًا. نصَّ عليه، وقال (١): إذا أذَّن في المنارة عدّةٌ فلا بأس، لأن المقصود بالأذان الإبلاغ، وذلك يحصل باجتماع الأصوات ما لا يحصل بتفريقها. وإن أذَّنوا في وقت واحد متفرِّقين، فإن كان كلُّ واحد يسمع (٢) أذانَه (٣) أهلُ ناحية، بأن يؤذِّن أحدُهما في طرف، والآخر في طرف بعيد منه= فهو حسن. وإن أذَّنوا في مكان واحد، فهذا أولى بالكراهة من أذانهم جميعًا في المكان الصغير، لما فيه من اختلاط الأصوات. قال بعض أصحابنا: وإن خافوا من تأذين واحد بعد واحد فواتَ أول الوقت أذَّنوا دفعةً واحدةً. ولا يؤذَّن قبل تأذين المؤذِّن الراتب، إلا أن يغيب ويُخافَ فوتُ وقت التأذين. فأما مع حضوره فلا. * * * *

стр. 854

باب شرائط (١) الصلاة مسألة (٢): (وهي ستة (٣)). شرائط الصلاة: ما يجب لها قبلها ويستمرُّ حكمه إلى انقضائها. وكذلك كلُّ متقدِّم على الشيء يسمَّى شرطًا كشروط الطلاق، ومنه أشراط الساعة. وقد ذكر الشيخ ﵀ أنها ستٌّ (٤)، يعني شرائط المكتوبات، وهي: الطهارتان، والاستقبال، والوقت، والنية. وبعض أصحابنا يضُمُّ إلى ذلك: الموضع، لأنَّ الصلاة لا تصحُّ إلا في موضع مستقرِّ، ولأنَّ الأماكن المنهيَّ عن الصلاة فيها لا تصحُّ الصلاة فيها على ظاهر المذهب مع طهارتها. ولعلَّ الشيخ ترك ذلك لأنَّ المكان غير المستقرِّ في الغالب يمنع تكميلَ الصلاة، فتكون العلّةُ نقصَ الأركان. وكذلك الأماكن المنهيُّ عنها معلَّلة عنده بكونها مظِنَّة النجاسة، فيدخل في قسم الطهارة.

стр. 855

[ص ١٨] مسألة: (أحدها: الطهارة من الحدث، لقول رسول الله ﷺ : «لا يقبل الله صلاةَ مَن أحدَث حتَّى يتوضَّأ» (١). وقد مضى ذكرها (٢)). أما الطهارة من الحدث، فهي شرط لجميع الصلوات فرضِها ونفلِها، ولما يجري مجرى الصلاة، وهو: الطواف، ولَمْس المصحف. ووجوبها ثابت بالكتاب والسنَّة والإجماع، وقد تقدَّم ذلك. مسألة (٣): (الثاني: الوقت) . المذكور هنا هو شرط للصلوات المكتوبات خاصَّة. فأما ما (٤) سواها، فمنها ما يصحُّ في كلِّ وقت كركعتي الطواف والفوائت، ومنها ما يصحُّ في غير أوقات النهي كالنوافل المطلقة، ومنها ما هو موقَّت أيضًا كالرواتب والضحى، ومنها ما هو معلَّق بأسباب كصلاة الكسوف والاستسقاء. ومعنى كونه شرطًا للصلاة أنَّ الصلاة لا تصحُّ قبله. ولا ينتقض هذا بالمجموعة إلى ما قبلها. والجمعة إذا صُلِّيت في صدر النهار، فإنَّ ذلك وقت لها، أي وقت لجواز فعلها. ومع كون الوقت شرطًا فإنه موجِب للصلاة، فإنَّ الصلاة لا تجب قبله. وليس في الشرائط ما هو سبب لوجوب الصلاة إلا الوقت. لكن الوقت

стр. 856

الموجب للصلاة قد يكون هو الوقت المشروط لصحتها، كالزوال للظهر، والغروب للمغرب. وقد يكون غيره كالزوال للجمعة، ومصير الظلِّ مثلَ الشخص للعصر في حق المعذور (١)، فإنَّ هذا الوقت ليس شرطًا للصحة، وهو سبب الوجوب. والوقت شرط مع العلم والجهل، والعمد والنسيان. فمتى صلَّى قبل الوقت لزمته الإعادة في الوقت. لكن إن كان معذورًا مثل المطمور (٢) والمغيم عليه فلا إثم عليه، وإن فعل ذلك عمدًا أثِمَ. مسألة (٣): (ووقت الظهر (٤): من زوال الشمس إلى أن يصير ظلُّ كلِّ شيء مثلَه) . بدأ الشيخ ﵀ بالظهر. وكذلك جماعة من أصحابنا، منهم الخِرَقي (٥) والقاضي، في بعض كتبهم (٦)، لأنَّ جبريل لمَّا أقام للنبي ﷺ المواقيتَ بدأ بها، وكذلك تسمَّى «الأولى»، ولأنه بدأ بها في حديث

стр. 857

عبد الله بن عمرو (١) وأبي هريرة (٢) فاقتدي به في ذلك. وقال بعض أصحابنا: هي أولُ ما فرض الله من الصلوات. ولأن الله سبحانه بدأ بها في قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]. ومنهم من يبدأ بالفجر كابن أبي موسى (٣)، وأبي الخطاب (٤)، والقاضي في بعض كتبه (٥). وهذا أجود إن شاء الله، لأن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، وإنما تكون وسطى إذا كانت الفجر الأولى. ولأن [ص ١٩] النبيَّ ﷺ قال: «المغربُ وترُ النهار، فأوتِروا صلاةَ الليل» رواه أحمد من حديث ابن عمر (٦). فجعل جميع الصلوات مُوتَرة (٧)، فلو كانت الظهر هي الأولى لخرجت الفجر عن أن تكون داخلةً في وتر النهار أو وتر الليل، وذلك لا يجوز. ولأن الفجر هي المفعولة في أول النهار، فحقيقة الابتداء موجود (٨) فيها. ولأنّ النبيَّ ﷺ لمَّا بيَّن المواقيت في المدينة بفعله في حديث أبي

стр. 858

موسى، وبريدة، وجابر، ووصيته لمعاذ (١) = بدأ بالفجر. وهذا متأخِّر عن حديث جبريل، وناسخ له، إذ كان بمكة؛ وفي هذا جواب عن الاحتجاج بقصة جبريل. ولأنَّ بيان جبريل للمواقيت كان صبيحة ليلة الإسراء، وهو ﷺ لم يخبر الناس بها حتى أصبح، وفات الفجر. فلعله أخَّر البيان إلى وقت الظهر، ليعلم المسلمون، ويأتمُّوا برسول الله ﷺ ، حيث كان يأتمُّ هو بجبريل. ولأنَّ أكثر آيات القرآن بدأت بالفجر، مثل قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤]، وقوله: ﴿وَسَبِّحْ (٢) بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ [طه: ١٣٠]، وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]. وإنما بدأ بالظهر تارةً، كما بدأ بالمغرب (٣) في قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الآية [الروم: ١٧]. فتارةً يبدأ بأول النهار، وتارةً بأوسطه، وتارةً بأول الليل. ولأن النائم إذا استيقظ أولَ النهار كان بمنزلة الخلق الجديد، فإنَّ الانتباه حياة بعد الموت، ونشور بعد السكون، فما فعَلَه حينئذ كان أولَ أعماله. وبهذا يتبيَّن أنَّ أعمالَ النهار سابقة لأعمال الليل، وأنَّ أعمال النهار فواتيح، وأعمالَ الليل خواتيم، وإن كان الليل هو المتقدِّم على النهار خلقًا وإبداعًا.

стр. 859

فصل الظهر: أربع ركعات، بالنقل العامِّ المستفيض والإجماع المستيقن، في حقِّ المقيم. فأمَّا المسافر فيذكر إن شاء الله في موضعه. وتسمَّى الظهرَ، والهجيرَ، والأُولى. وأول وقتها: هو زوال الشمس عن كبد السماء. وهذا مما أجمعت عليه الأمة، وجاءت به السنَّة المستفيضة. فمن ذلك (١): ما روى جابر بن عبد الله أن النبيَّ ﷺ جاءه جبريل ﵇ (٢)، فقال: قُمْ، فصَلِّه. فصلَّى الظهرَ حين زالت الشمس. ثم جاءه العصر، فقال: قُمْ، فصَلِّه. فصلَّى العصر حين صار ظلُّ كلِّ شيء مثلَه. ثم جاءه المغربَ فقال: قُمْ [ص ٢٠] فصَلِّه. فصلَّى المغربَ حين وجبت الشمس. ثم جاءه العشاءَ فقال: قُمْ فصَلِّه فصلَّى العشاءَ حين غاب الشفق. ثم جاءه الفجرَ (٣) فقال: قُمْ، فصَلِّه. فصلَّى الفجرَ حين برَق الفجرُ ــ أو قال: سطع ــ ثم جاءه من الغد للظهر فقال: قُمْ، فصَلِّه. فصلَّى الظهرَ حين صار ظلُّ كلِّ شيء مثلَه. ثم جاءه العصرَ فقال: قُمْ، فصلِّه. فصلَّى حين صار ظلُّ كلِّ شيء مثلَيه. ثم جاءه المغربَ وقتًا واحدًا لم يزُل عنه. ثم جاءه العشاءَ حين ذهب نصفُ الليل ــ أو قال: ثلثُ الليل ــ فصلَّى العشاء. ثم جاءه حين أسفر جدًّا، فقال: قُمْ، فصَلِّه. فصلَّى الفجرَ. ثم قال: ما بين هذين وقت.

стр. 860

رواه أحمد والنسائي والترمذي. وقال البخاري: هو أصحُّ شيء في المواقيت (١). وعن ابن عباس أن النبيَّ ﷺ قال: «أمَّني جبريلُ عند البيت مرَّتَين. فصلَّى الظهرَ في الأولى منهما حين كان الفيءُ مثل الشِّراك، ثم صلَّى العصَر حين صار ظلُّ كلِّ شيء مثلَه، ثم صلَّى المغربَ حين وجبت الشمس وأفطر الصائم، ثم صلَّى العشاء حين غاب الشفق، ثم صلَّى الفجر حين برَق الفجرُ وحرمُ الطعام على الصائم. وصلَّى المرَّة الثانية الظهر حين صار ظلُّ كلِّ شيء مثله لوقت العصر بالأمس، ثم صلَّى العصر حين صار ظلُّ كلِّ شيء مثليه، ثم صلَّى المغرب لوقته الأول، ثم صلَّى العشاء الآخرة حين ذهب ثلثُ الليل، ثم صلَّى الصبحَ حين أسفرت الأرض. ثم التفت إليَّ جبريلُ فقال: يا محمد, هذا وقتُ الأنبياء من قبلك. الوقتُ فيما بين هذين الوقتين» رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن (٢). وقد دلَّ على ذلك قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وقوله: ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾. ومعنى زوال الشمس: أن تحاذي رأسَ المصلِّي ثم تميل عنه. يقال: زالت، وزاغت، ودلَكت، ودحَضت. ويُعرَف ذلك بازدياد الظل بعد كمال

стр. 861

انتقاصه (١). وذلك أنَّ الشمسَ ما دامت مرتفعةً في رأي العين، فإنَّ الظل ينقُص ويتقلَّص، فإذا وقفت في رأي العين فإنَّ الظلَّ يبقَى على حاله، فإذا أخذت في الانحطاط أخذ الظلُّ في الزيادة. فإذا جئتَ إلى شخصٍ (٢) من جبل أو شجر أو جدار، أو نصبت عودًا، وأعلمت رأسَ ظلِّه، ثم نظرتَ بعد ذلك، فإن وجدته قد نقص فالشمسُ لم تستوِ ولم تزُل، وإن وجدته قد زاد فقد زالت الشمس. وكذلك [ص ٢١] إن وجدته على حاله لأنه يكون قد تكامل نقصه، ثم أخذ في الزيادة، فعاد إلى حاله الأولى، لأن الشمس لا تقف أبدًا. وقد ذكر بعض أهل العلم (٣) قدرَ ظلِّ الإنسان حين تزول الشمس بالأقدام في شهور السنة. وهذا مع أنه تقريب، إذ الزوال لا يكون في يومين متواليين على حدٍّ واحد، لا يستمرُّ (٤) في جميع الأمصار، وإنما ضُبط في الأصل لبعض البلدان كالكوفة والبصرة.

стр. 862

وأما آخر وقتها، فأن (١) يصيرَ ظلُّ كلِّ شخص مثلَه بعد ظلِّه حين الزوال. فمن صلَّاها بعد ذلك من غير نيةِ جمعٍ كان قاضيًا، لا مؤدِّيًا. وهذا لما تقدَّم من حديث جبريل، فإن معنى قوله في اليوم الثاني: «فصلَّى بي الظهرَ حين صار ظلُّ كلِّ شيء مثلَه» أي فرغ منها حين صار ظلُّ كلِّ شيء مثلَه. ومعنى قوله في العصر في اليوم الأول: «إنه صلَّاها حين صار ظلُّ كلِّ شيء مثلَه» أنه ابتدأها حينئذ، لأنَّ المراد تحديد الوقت وضبطه، وإنما يقع حدُّ آخره بوقوع حدِّ آخرِ الصلاة فيه، كما يقع حدُّ أوله بوقوع أول الصلاة فيه. وقد جاء ذلك مفسَّرًا فيما رواه عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «وقتُ الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظلُّ كلِّ شيء كطوله، ما لم تحضر العصر. ووقتُ العصر ما لم تصفرَّ الشمس. ووقتُ المغرب ما لم يغرُب (٢) الشفق. ووقتُ العشاء إلى نصف الليل الأوسط. ووقتُ الفجر من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس» رواه أحمد ومسلم (٣). وهذا أتمُّ أحاديث المواقيت بيانًا، لأنه من قول رسول الله ﷺ ، وليس بحكاية فعلٍ. وقد روي نحوه من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ للصلاة أولًا وآخرًا، وإن أولَ وقت

стр. 863

صلاة الظهر حين تزول الشمس، وآخرَ وقتها حين يدخل وقت العصر. وإنَّ أول وقت العصر حين يدخل وقتها، وإنَّ آخر وقتها حين تصفرُّ الشمس. وإنَّ أول وقت المغرب حين تغرب الشمس، وإنَّ آخر وقتها حين يغيب الأفق. وإنَّ أول وقت العشاء حين يغيب الأفق، وإنَّ آخر وقتها حين ينتصف الليل. وإنَّ أول وقت الفجر حين يطلع الفجر، وإنَّ آخر وقتها حين تطلع الشمس» رواه أحمد والترمذي (١)، إلا أن محمد بن فضيل رواه عن الأعمش هكذا، وغيره يرويه عن الأعمش عن مجاهد مرسلًا، ومراسيل مجاهد حسنة، لا سيما [ص ٢٢] وقد رُوي مسندًا من وجوه صحيحة. وكذلك أيضًا في حديث السائل عن مواقيت الصلاة، قد بيَّن أنه أخَّر الظهرَ حتى كان قريبًا من وقت العصر. وقال لما ناموا عن الصلاة: «ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة أن يؤخِّر صلاةً حتى يدخلَ وقتُ الأخرى» (٢).

стр. 864

فهذا كلُّه يبيِّن أنه إذا صار الظلُّ مثل الشخص (١) خرج وقت الظهر، ودخل وقت العصر. وإنما يعتبر مساواة الظل لشخصه بعد فيئه حين الزوال، لأنَّ الظل حين الزوال قد يكون مثل الشخص أو أطول، لا سيَّما في البلاد الشمالية في زمن الشتاء. فلو اعتبر أن يكون الظل مثل الشخص مطلقًا لَتداخلَ الوقتان أو استحال ذلك. وإنما أطلق في الأحاديث لأنه قصَد أن يبيِّن أنَّ وقت الظهر يزداد (٢) الظل عن مثل شخصه، ولأنَّ الظلَّ وقت الزوال يكون مستقيمًا، فإذا انحرف بقدر الشخص فهو آخر وقت الظهر؛ ولأنه في الصيف في أرض الحجاز يكون الظلُّ وقتَ الزوال شيئًا يسيرًا لا عبرةَ به، فمجرَّدُ كون الظلِّ مثل الشخص يكفي في التقريب. ولهذا قال في الحديث: «لما كان الفيءُ مثلَ الشِّراك». مسألة (٣): (ووقت العصر ــ وهي الوسطى ــ من آخر وقت الظهر إلى أن تصفرَّ الشمس. ثم يذهب وقتُ الاختيار، ويبقى وقتُ الضرورة إلى غروب الشمس) . في هذا الكلام ثلاثة فصول: أحدها: أنَّ العصر هي الصلاة الوسطى المعنيَّة في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وهذا ممَّا لا

стр. 865

يختلف المذهب فيه. قال الإمام أحمد: تواطأت الأحاديث عن رسول الله ﷺ وعن أصحابه أنَّ صلاة العصر هي الصلاة الوسطى. وقال أيضًا: أكثرُ الأحاديث عن (١) صلاة العصر، وخرَّج فيها نحوًا من مائة وعشرين حديثًا. وذلك لما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبيَّ ﷺ قال يوم الأحزاب: «ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس» متفق عليه (٢). وفي لفظ لأحمد ومسلم وأبي داود (٣): «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر». وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حبس المشركون رسولَ الله ﷺ عن صلاة العصر حتى احمرَّت الشمس أو اصفرَّت (٤) فقال: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله أجوافَهم وقبورَهم نارًا» [ص ٢٣] أو «حشا الله أجوافهم وقبورهم نارًا» رواه أحمد ومسلم وابن ماجه (٥). وعنه أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : «صلاة الوسطى صلاة العصر» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح (٦). وعن سمُرة بن جندب عن النبي ﷺ أنه قال في الصلاة الوسطى:

стр. 866

«صلاة العصر» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح (١). وفي رواية لأحمد أنَّ النبيَّ ﷺ قرأ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وسمَّاها لنا أنها صلاة العصر (٢). وعن البراء بن عازب قال: نزلت هذه الآية: ﴿حافظوا على الصلوات وصلاة العصر﴾ فقرأناها ما شاء الله، ثم نسخها الله، فنزلت ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾. فقال رجل: فهي إذن صلاة العصر. فقال: قد أخبرتك كيف نزلت، وكيف نسخها الله، والله أعلم. رواه أحمد ومسلم (٣). وهذا يدل على أنها العصر، لأنَّ تخصيصها بالأمر بالمحافظة متيقَّن بالقراءة الأولى، وتبديلُ اللفظ لا يوجب تبديلَ المعنى (٤) إذا أمكن أن يكون معنى اللفظين واحدًا (٥)؛ فلا يزول اليقين بالشك. فإن قيل: فقد روي عن عائشة ﵂ أنها قرأت ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين﴾ وقالت: سمعتها من رسول الله ﷺ . رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه (٦). وهذا

стр. 867

يقتضي أن يكون غيرَها لأنَّ المعطوف غير المعطوف عليه. قلنا: العطف قد يكون للتغاير في الذوات، وقد يكون للتغاير في الأسماء والصفات، كقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى: ١ - ٤]، وهو سبحانه واحد، وإنما تعدَّدت أسماؤه وصفاته. فيكون العطف في هذه القراءة لوصفها بشيئين: بأنها وسطى، وبأنها هي العصر. وهذا أجود من قول طائفة من أصحابنا: إنَّ الواو تكون زائدة، فإنَّ ذلك لا أصل له في اللغة عند أهل البصرة وغيرهم من النحاة. وإنما جوَّزه بعضُ أهل الكوفة، وما احتجَّ به لا حجة فيه على شيء من ذلك (١). فإن قيل: فقد قال: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، والقنوت إنما هو في الفجر. قلنا: القنوت هو دوام الطاعة والثبات عليه، وذلك واجب في جميع الصلوات، كما قال تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي﴾ [آل عمران: ٤٣]، وقال [ص ٢٤]: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم: ٢٦]، وقال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر: ٩]، فجعله قانتًا في حال سجوده وقيامه. وقال: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، أراد به الصلاة، ولم يرد به مجرَّدَ الدعاء

стр. 868

في القيام: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾ [النساء: ٣٤]: أي مطيعات لأزواجهن. ولا يجوز أن يراد بهذه الآية الدعاء في صلاة الفجر، لأنَّ ذلك لو كان مشروعًا لكان سنَّه حقيقةً (١). والآية سيقت لبيان ما يجب فعله ويتوكَّد في حال الخوف وغيره، فلا وجه لتخصيص الدعاء في حال القيام دون غيره بالذكر، وإنما يكون ذلك بالاشتغال بالصلاة عن غيرها. ولذلك لما نزلت أُمِروا بالسكوت، ونُهُوا عن الكلام. ولو فُرِض أنَّ المراد به الدعاء في القيام، فليس في الكلام ما يُوجِب أنَّ ذلك في الصلاة الوسطى، لا حقيقةً ولا مجازًا؛ فلا يجوز حملُ الكلام عليه. بل لو كان القنوت هنا هو الدعاء لوجب أن يكون في جميع الصلوات على ما جاءت به السنَّة عند الحوادث والنوازل. ولأنَّ الأمر بالمحافظة عليها خصوصًا بعد دخولها في العموم يوجب الاعتناءَ بها والتحذيرَ من تضييعها، والعصر محقوقة (٢) بذلك، لما روى أبو بَصْرة الغفاري قال: صلَّى بنا رسولُ الله ﷺ العصرَ بالمخمَّص، فقال: «إنَّ هذه الصلاة عُرِضت على مَن قبلكم، فضيَّعوها. فمَن حافظ عليها كان له أجره مرَّتَين. ولا صلاةَ بعدها حتى يطلع الشاهد». والشاهد: النجم. رواه أحمد ومسلم والنسائي (٣).

стр. 869

وقال عليُّ بن أبي طالب ﵁: هي الصلاة التي عقَر سليمانُ الخيلَ من أجلها لمَّا فاتته (١). فبيَّن ﷺ أنَّ مَن قبلنا ضيَّعوها، وما هذا شأنه فهو جدير أن يؤمر بالمحافظة عليه، وأنَّ لنا أجرين بهذه المحافظة. وهما ــ والله أعلم ــ الأجران المشار إليهما بقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]، وفي المثل المضروب لنا ولأهل الكتابين (٢). وهو ما رواه جماعة من الصحابة، منهم ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «إنما بقاؤكم فيما سَلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس. ومثلُكم ومثلُ أهل الكتابين كمثل رجلٍ استأجر أُجَراءَ، فقال: مَن يعمل لي مِن غُدوةَ إلى نصف النهار على قيراط؟ فعملت اليهود. ثم قال: من يعمل [ص ٢٥] لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط (٣)؟ فعملت النصارى. ثم قال: من يعمل لي من العصر إلى مغيب الشمس على قيراطين؟ فأنتم هم. فغضبت اليهود والنصارى، قالوا: كنَّا أكثرَ عملًا وأقلَّ عطاءً. قال: هل نقصتُكم من حقِّكم؟ قالوا: لا. قال: فذلك فضلي، أوتيه من أشاء» رواه أحمد والبخاري والترمذي وصحَّحه (٤). وذلك إنما (٥) استحققنا الأجرين

стр. 870

بحفظ ما ضيَّعوه، وهو صلاة العصر. ولأن المسلمين كانوا يعرفون فضلها على غيرها من الصلوات، حتَّى عَلِم منهم الكفار. ولهذا لمَّا صلَّى النبيُّ ﷺ بأصحابه صلاة الظهر بعُسْفان قال المشركون: قد كانوا على حالة لو أصبنا غِرَّتَهم! قالوا: يأتي عليهم الآن صلاة هي أحبُّ إليهم من أبنائهم وأنفسهم. فأنزل الله صلاة الخوف (١). فكانت صلاة العصر هي السبب في نزول صلاة الخوف الشديد لمَّا شُغِلوا عنها، وهي السبب في صلاة الخوف اليسير لما خافوا من تفويتها في الجماعة. ولأنَّ في تفويتها من الوعيد ما ليس في غيرها. فروى ابن عمر أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الذي تفوته صلاةُ العصر كأنما وُتِرَ أهلَه ومالَه» رواه الجماعة (٢). وعن بريدة (٣) أنَّ رسول الله ﷺ قال: «من ترك صلاةَ العصر حبِط عملُه» رواه أحمد والبخاري (٤). ولأنَّ أول الصلوات هي الفجر كما تقدَّم، فتكون العصر هي الوسطى. وكذلك قال بعض السلف، وأمسك أصابعه الخمس، فوضع يده على الخنصر، فقال: هذه هي الفجر. ثم وضعها على البنصر، وقال: هذه الظهر.

стр. 871

ثم وضعها على الوسطى، وقال: هذه الوسطى (١). وكذلك أهل العبارة (٢) يعتبرون الأصابع الخمس بالصلوات الخمس على هذا الوجه. ولأنَّ الصلوات غيرها تقع في وقت الفراغ، فإنَّ الفجر تكون عند الانتباه، والعشائين يكونان عند السكن والرجوع إلى المنازل وانقطاع الشغل، والظهر في وقت القائلة. وإنما يقع الشغلُ أولَ النهار وآخرَه، لكن ليس في صدر النهار صلاة مفروضة، فيقع العصر وقت اشتغال الناس. ولذلك ضيَّعها أهلُ الكتاب. ولأنَّ آخرَ النهار أفضلُ من أوله، فإنَّ السلف كانوا لآخر النهار أشدَّ تعظيمًا منهم (٣) لأوله. وهو وقتٌ تعظِّمه أهلُ الملل كلِّها. ولذلك أمر الله بتحليف الشهود بعد الصلاة، يعني: صلاة العصر (٤). ولأنَّ آخرَ النهار وقتُ ارتفاعِ عمل النهار واجتماعِ ملائكة الليل والنهار، وإنما الأعمال بالخواتيم، فتحسين خاتمة العمل أولى من تحسين فاتحته. وصلاةُ [ص ٢٦] الفجر وإن كان يُرفَع عندها عملُ الليل، لكن ليس في عمل الليل من الذنوب والخطايا في الغالب ما يحتاج (٥) إلى محو مثلَ عمل النهار. ولهذا ــ والله أعلم ــ جُعِل تركُها موجِبًا لحبوط العمل، يعني ــ والله أعلم ــ: عملَ يومه؛ فإنَّ الأعمال بالخواتيم.

стр. 872

ولأنَّ وقتها ليس متميزًا في النظر تمييزًا محدودًا، مثل مواقيت سائر الصلوات. فإنَّ وقتَ الفجر يُعرَف بظهور النور، ووقتَ الظهر يُعرَف بزوال الشمس، ووقتَ المغرب يُعرَف بغروبها، ووقتَ العشاء بمغيب الشفق. وأمَّا العصر فإنَّ حالَ الشمس لا تختلف بدخول وقتها اختلافًا ظاهرًا. وإنما يُعرَف بالظلال أو نحو ذلك. فلمَّا كان وقتُها قد يشتبه (١) دخولُه كان التضييعُ لها أكثرَ من التضييع لغيرها، فكان تخصيصُها بالأمر بالمحافظة عليها مناسبًا لذلك. الفصل الثاني: أنها أربع ركعات في حقِّ المقيم، بالنقل العامِّ الذي توارثته الأمة خلفًا عن سلف. ووقتها: من حين يصير ظلُّ كلِّ شيء مثلَه. فإذا صار ظلُّ الشخص مثلَه، وزاد أدنى زيادة، فقد دخل وقتُ العصر. ويمتدُّ وقتها إلى أن يتغيَّر لون الشمس وتصفرَّ. على هذا أكثر الروايات عن أبي عبد الله (٢). وعنه: أنه يمتدُّ إلى أن يصير ظلُّ كلِّ شيء مثليه فقط (٣). وهي اختيار الخِرَقي وطائفة من أصحابنا (٤)، لما تقدَّم من إمامة جبريل بالنبي ﷺ ، فإنه صلَّى العصَر في اليوم الثاني حين صار ظلُّ كلِّ شيء مثليه، وقال: الوقت ما بين هذين.

стр. 873

والأول أصح، لما تقدَّم من قوله ﷺ : «وقت العصر ما لم تصفرَّ الشمسُ» من رواية عبد الله بن عمرو وغيره، ولما روى أبو موسى عن النبي ﷺ قال: أتاه سائل سأله عن مواقيت الصلاة، فلم يرُدَّ عليه شيئًا. وأمر بلالًا، فأقام الفجر حين انشقَّ الفجرُ، والناس لا يكاد يعرف بعضُهم بعضًا. ثم أمره، فأقام الظهر حين زالت الشمس، والقائل يقول: انتصف النهار أو لم ينتصف, وكان أعلم منهم. ثم أمره، فأقام العصر، والشمس مرتفعة. ثم أمره، فأقام المغربَ حين وقعت الشمس. ثم أمره، فأقام العشاء حين غاب الشفق. ثم أخَّر الفجرَ من الغد حتى انصرف منها، والقائل يقول: طلعت الشمس أو كادت. وأخَّر الظهرَ حتى كان قريبًا من وقت العصر بالأمس. ثم أخَّر العصرَ، فانصرف منها، والقائل يقول: احمرَّتِ الشمسُ. ثم أخَّر المغربَ حتى كان عند سقوط الشفق. [ص ٢٧] وأخَّر العشاء حتى كان ثلث الليل الأول. ثم أصبح، فدعا السائلَ، فقال: «الوقت فيما بين هذين» رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي (١). وهذه الأحاديث أولى من حديث جبريل ﵇ لوجوه: أحدها: أنَّ فيها زيادة منطوقة، فتُقدَّم على ما ليس فيه تلك الزيادة، وإنما تنفيها بطريق المفهوم. الثاني: أنها متأخرة؛ لأنها كانت بالمدينة، فإن السائل الذي سأله إنما كان بالمدينة وبلال يؤذِّن له. بل رواتها أبو موسى وعبد الله بن عمرو وأبو هريرة وبريدة بن الحصيب، وكلُّ هؤلاء لم يصحبوه إلا بالمدينة. وأبو موسى وأبو هريرة إنَّما صحِبَاه بعد خيبر. وحديث جبريل كان قبل

стр. 874

الهجرة بأكثر من سنة. وإنما يؤخذ بالآخِر فالآخِر من أمر رسول الله ﷺ ، لأنه يكون هو الناسخ للأول، إن كان بينهما تعارض. الثالث: أنَّ حديث عبد الله بن عمرو وأبي هريرة قول مبين، وهو أتمُّ تحديدًا، وأصرحُ دلالةً من حكاية الفعل. الرابع: أنها أكثر وأصحُّ من حديث جبريل. الخامس: أن فيها زيادات (١) في وقت العصر والمغرب والفجر، وفي بعضها العشاء (٢). وقد وجب العمل بها في تلك المواضع لما ضامَّها (٣) من الدلائل، فكذلك ها هنا. السادس: أنَّ الله تعالى قال: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠]، وكذلك قوله: ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤]، لكن إذا تغيَّر لون الشمس، فقد أخذت الشمس في التحوُّل والغروب، فيبقى ما قبل ذلك على عموم الآية. السابع: أنَّ من الناس من يقول: لا يدخل وقتُ العصر حتى يصير ظلُّ كلِّ شيء مثلَيه (٤). فإن لم يكن فعلُها في ذلك الوقت هو الأفضلَ خروجًا من الخلاف، فلا أقلَّ من أن يكون جائزًا من غير كراهة.

стр. 875

الثامن: أنَّ التحديد بالشمس نفسها أولى [من التحديد] (١) بمقدار الظل، بدليل سائر الصلوات. وإنما تُرِك في أول صلاة العصر إذ ليس في الشمس علامة ظاهرة، بخلاف آخره. الفصل الثالث: أن وقت الضرورة يبقى إلى أن تغيب جميع الشمس . ومعنى ذلك أن أهل الضرورة والعذر الذين لا يمكنهم الصلاة قبل تغيُّر الشمس، مثل الحائض تطهُر، والمجنون والمغمَى عليه يُفيقان، والنائمِ ينتبه، والصبِّي يبلُغ= بعد اصفرار الشمس يصلُّونها أداءً في هذا الوقت، من غير إثم. وكذلك الكافر يُسلم؛ لأنَّ المنعَ من صحة الصلاة كان موجودًا فيه وإن كان على الحقيقة ليس بذي عذر، ولكن أُلحِقَ بهم [ص ٢٨] لأنه غُفِر له تأخيُرها، إذ الإسلام يجُبُّ ما قبله. فأمَّا مَن تُمْكِنه الصلاة قبل هذا الوقت، فلا يجوز له تأخيرها البتَّةَ. فإنْ أخَّرها وصلَّاها، فهي أداء مع كونه آثمًا (٢). فأمَّا المريض يبرأ فقد أُلحِقَ بالقسم الأول. وهذا أشهر، لأنَّ من يقدر على الصلاة، فإنه لا يحِلُّ له تأخيرها عن وقت الاختيار إلَّا أن يكون مغلوبًا على عقله، كما قالوا في المسافر: لا يجوز له تأخيرها إلى حين الاصفرار إذا عَلِم أنه يجد الماء حينئذ، بل يصلِّي وقت الاختيار بالتيمم. أمَّا أنه لا يحِلُّ له تأخيرها البتة لمن يقدر على الصلاة، فلأنَّ النبي ﷺ بيَّن المواقيت في حديث جبريل ﵇ والسائل، وذكرها بكلامه، وفي جميعها: أنَّ وقت العصر ما لم تصفرَّ الشمس، أو ما لم يصِرْ ظلُّ كلِّ شيء

стр. 876

مثليه، وقال: «الوقت فيما بين هذين»، فلو جاز تأخيرها عن ذلك لبيَّنه. وقد ذمَّ من يؤخِّرها عن ذلك فيما رواه أنس قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «تلك صلاة المنافق: يجلِسُ يرقُب الشمس، حتَّى إذا كان بين قرني الشيطان قام، فنقَرها أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا» رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصحَّحه والنسائي (١). ولا يقال: إنما ذمَّه على النقر وقلَّة ذكر الله، لأنه إنما ذمَّه على المجموع. ولو لم يكن للتأخير مدخل في استحقاق الذَّمِّ لَما ذكَره كمن نقرها في أول الوقت. وأمَّا كون وقت الإدراك والضرورة باقيًا، فلِمَا روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من أدرك ركعةً من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدركها. ومن أدرك ركعةً من الفجر قبل أن تطلع الشمس، فقد أدركها» متفق عليه (٢). وقال: «ملأ الله قبورَهم وبيوتَهم نارًا، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى: صلاة العصر، حتى غابت الشمس» متفق عليه (٣). وقوله: «إنما التفريط في اليقظة أن يؤخِّر صلاةً حتى يدخل وقتُ الصلاة الأخرى» (٤). هذا مع ظاهر قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]، وقد فسَّرها النبيُّ ﷺ بصلاتي الفجر والعصر في حديث

стр. 877

جرير: حديث الرؤية (١)؛ وقوله: ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤]، فهذا (٢) يدلُّ على بقاء الوقت، وحصول الإدراك بالصلاة فيه، وأنها لا تفوت حتى تغيب الشمس. فالمعذور (٣) صلَّاها في الوقت، فلا يلحقه ذمٌّ. والقادر لحقه الذمُّ، كما تقدَّم. فإن قيل: كيف يكون مؤدِّيًا لها في الوقت [ص ٢٩] مع أنه مذموم؟ قلنا: كما يُمدَح إذا قضاها بعد خروج الوقت، وهو معذور لنوم أو نسيان. وذلك لأنَّ الأداء فعلُ العبادة في الوقت المضروب لها في الجملة، وكونُه في بعض الأوقات. والقضاءُ فعلُها بعد خروج الوقت المضروب لها، وإن لم يقدر على غيره. وقال الآمدي: يكره أن يؤخِّرها إلى وقت الضرورة من غير عذر. وظاهر هذا أنه مكروه غير محرَّم، والمذهب ما قدَّمناه. مسألة (٤): (ووقت المغرب: من الغروب إلى مغيب الشفق الأحمر) . المغرب ثلاث ركعات بإجماع الأمة ونقلها العامِّ المتوارَث خلفًا عن سلف، سواء في ذلك المقيم والمسافر؛ فإنها وتر صلاة النهار، فلو ثُنِّيت أو رُبِّعت لبطل معنى الوتر.

стр. 878

وتسميتها بالمغرب أفضل من العشاء. فإن سُمِّيت «العشاء» أحيانًا مع تقييدها بما يدلُّ على أنها المغرب فلا بأس، ما لم يُهجَر اسم «المغرب»؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ سمَّى «العشاء الآخرة» في حديث جبريل (١)، وحديثِ: «أثقلُ صلاةٍ على المنافقين» (٢). وأقَرَّ على تسميتها بذلك لسائل سأله (٣)، وسمَّاها أصحابه بذلك في عدَّة أحاديث (٤). وقولُهم: «الآخِرة» دليل على العشاء الأولى. وإنما كان تسميتها «المغرب» أفضل لما روى عبد الله بن مغفَّل أنَّ النبي ﷺ قال: «لا تغلبنَّكم الأعرابُ على اسم صلاتكم المغرب». قال: «والأعراب تقول: هي العشاء» متفق عليه (٥). ولأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨] وأراد بذلك صلاةَ العَتَمة، فعُلِم أنَّ العشاء المطلقة هي العشاء الآخرة. ولأنَّ تسميتها بالعشاء دائمًا يُشعِر بتأخيرها، بخلاف تسميتها بالمغرب، فإنه يُشعِر بفعلها عند الغروب. وعلى الوجه الذي يأتي ذكره يُكرَه تسميتُها بالعشاء لظاهر الحديث.

стр. 879

وأول وقتها: إذا غاب قرص الشمس. وحينئذ يُفطِر الصائم، ويزول وقت النهي. ولا أثر لما يبقى في الأفق من الحمرة الشديدة في شيء من الأحكام. وكذلك في حديث بريدة الآتي ذكرُه (١): أنه ﷺ أمر بالمغرب حين غاب حاجبُ الشمس. ويمتدُّ وقتها إلى مغيب الشفق الأحمر لأهل الأعذار وغيرهم. فمن صلَّاها قبل ذلك كان مؤدِّيًا بغير إثم، من غير خلاف في المذهب؛ لما سبق في حديث عبد الله بن عمرو من قوله ﷺ : «وقتُ المغرب ما لم يغب الشفق»، وفي حديث أبي هريرة: [ص ٣٠] «آخر وقتها حين يغيب الشفق»، وفي حديث أبي موسى في جواب السائل: وإنَّه (٢) أخَّرها في اليوم الثاني حتى كان عند سقوط الشفق. وعن بريدة بن الحُصَيب: أن رجلًا أتى النبيَّ ﷺ ، فسأله عن مواقيت الصلاة، فقال: «اشهد معنا الصلاةَ». فأمر بلالًا، فأذَّن بغلَس، فصلَّى بهم الصبح حين طلع الفجر. ثم أمره بالظهر حين زالت الشمس عن بطن السماء. ثم أمره بالعصر، والشمسُ مرتفعة. ثم أمره بالمغرب حين وجبت الشمس. ثم أمره بالعشاء حين وقع الشفق. ثم أمره الغد، فنوَّر بالصبح. ثم أمره بالظهر، فأبرَدَ. ثم أمره بالعصر، والشمسُ بيضاء نقية، لم (٣) يخالطها صفرة.

стр. 880

ثم أمره بالمغرب قبل أن يقع الشفق. ثم أمره بالعشاء عند ذهاب ثلث الليل أو بعضه. فلما أصبح قال: «أين السائل؟» قال: «ما بين ما رأيتَ وقتٌ» رواه الجماعة إلا البخاري (١). ولأنه قد صحَّ عن النبي ﷺ : أنه قرأ فيها بالأعراف، فرَّقها في ركعتين (٢). ولا يجوز مدُّ الصلاة إلى أن يخرج وقتها، لإيقاع شيء منها خارج الوقت؛ فعُلِمَ أنَّ وقتها يمتدُّ بقدر قراءة سورة الأعراف. وصحَّ عنه من وجوه ﷺ أنه قال: «إذا قُدِّم العَشاءُ فابدؤوا به قبل صلاة المغرب، ولا تَعجَلوا عن عشائكم» (٣). وصحَّ عنه أنَّ أصحابه كانوا يصلُّون بحضرته ركعتين بين الأذانين، ولو لم يجز تأخيرها عن أول الوقت لم يجز شيء من ذلك. ولأنها إحدى الصلوات الخمس، فاتسع وقتها كغيرها. ولأنها تُجمَع إلى ما بعدها، فاتصل وقتها بالذي (٤) يليها كالظهر، فإنَّ جواز الجمع يجعل الوقتين وقتًا واحدًا، والصلاتين كالصلاة الواحدة، والصلاةُ الواحدةُ لا يكون لها وقتان
следующие страницы →