← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

مثليه، وقال: «الوقت فيما بين هذين»، فلو جاز تأخيرها عن ذلك لبيَّنه. وقد ذمَّ من يؤخِّرها عن ذلك فيما رواه أنس قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «تلك صلاة المنافق: يجلِسُ يرقُب الشمس، حتَّى إذا كان بين قرني الشيطان قام، فنقَرها أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا» رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصحَّحه والنسائي (١). ولا يقال: إنما ذمَّه على النقر وقلَّة ذكر الله، لأنه إنما ذمَّه على المجموع. ولو لم يكن للتأخير مدخل في استحقاق الذَّمِّ لَما ذكَره كمن نقرها في أول الوقت. وأمَّا كون وقت الإدراك والضرورة باقيًا، فلِمَا روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من أدرك ركعةً من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدركها. ومن أدرك ركعةً من الفجر قبل أن تطلع الشمس، فقد أدركها» متفق عليه (٢). وقال: «ملأ الله قبورَهم وبيوتَهم نارًا، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى: صلاة العصر، حتى غابت الشمس» متفق عليه (٣). وقوله: «إنما التفريط في اليقظة أن يؤخِّر صلاةً حتى يدخل وقتُ الصلاة الأخرى» (٤). هذا مع ظاهر قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]، وقد فسَّرها النبيُّ ﷺ بصلاتي الفجر والعصر في حديث

стр. 877

جرير: حديث الرؤية (١)؛ وقوله: ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤]، فهذا (٢) يدلُّ على بقاء الوقت، وحصول الإدراك بالصلاة فيه، وأنها لا تفوت حتى تغيب الشمس. فالمعذور (٣) صلَّاها في الوقت، فلا يلحقه ذمٌّ. والقادر لحقه الذمُّ، كما تقدَّم. فإن قيل: كيف يكون مؤدِّيًا لها في الوقت [ص ٢٩] مع أنه مذموم؟ قلنا: كما يُمدَح إذا قضاها بعد خروج الوقت، وهو معذور لنوم أو نسيان. وذلك لأنَّ الأداء فعلُ العبادة في الوقت المضروب لها في الجملة، وكونُه في بعض الأوقات. والقضاءُ فعلُها بعد خروج الوقت المضروب لها، وإن لم يقدر على غيره. وقال الآمدي: يكره أن يؤخِّرها إلى وقت الضرورة من غير عذر. وظاهر هذا أنه مكروه غير محرَّم، والمذهب ما قدَّمناه. مسألة (٤): (ووقت المغرب: من الغروب إلى مغيب الشفق الأحمر) . المغرب ثلاث ركعات بإجماع الأمة ونقلها العامِّ المتوارَث خلفًا عن سلف، سواء في ذلك المقيم والمسافر؛ فإنها وتر صلاة النهار، فلو ثُنِّيت أو رُبِّعت لبطل معنى الوتر.

стр. 878

وتسميتها بالمغرب أفضل من العشاء. فإن سُمِّيت «العشاء» أحيانًا مع تقييدها بما يدلُّ على أنها المغرب فلا بأس، ما لم يُهجَر اسم «المغرب»؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ سمَّى «العشاء الآخرة» في حديث جبريل (١)، وحديثِ: «أثقلُ صلاةٍ على المنافقين» (٢). وأقَرَّ على تسميتها بذلك لسائل سأله (٣)، وسمَّاها أصحابه بذلك في عدَّة أحاديث (٤). وقولُهم: «الآخِرة» دليل على العشاء الأولى. وإنما كان تسميتها «المغرب» أفضل لما روى عبد الله بن مغفَّل أنَّ النبي ﷺ قال: «لا تغلبنَّكم الأعرابُ على اسم صلاتكم المغرب». قال: «والأعراب تقول: هي العشاء» متفق عليه (٥). ولأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨] وأراد بذلك صلاةَ العَتَمة، فعُلِم أنَّ العشاء المطلقة هي العشاء الآخرة. ولأنَّ تسميتها بالعشاء دائمًا يُشعِر بتأخيرها، بخلاف تسميتها بالمغرب، فإنه يُشعِر بفعلها عند الغروب. وعلى الوجه الذي يأتي ذكره يُكرَه تسميتُها بالعشاء لظاهر الحديث.

стр. 879

وأول وقتها: إذا غاب قرص الشمس. وحينئذ يُفطِر الصائم، ويزول وقت النهي. ولا أثر لما يبقى في الأفق من الحمرة الشديدة في شيء من الأحكام. وكذلك في حديث بريدة الآتي ذكرُه (١): أنه ﷺ أمر بالمغرب حين غاب حاجبُ الشمس. ويمتدُّ وقتها إلى مغيب الشفق الأحمر لأهل الأعذار وغيرهم. فمن صلَّاها قبل ذلك كان مؤدِّيًا بغير إثم، من غير خلاف في المذهب؛ لما سبق في حديث عبد الله بن عمرو من قوله ﷺ : «وقتُ المغرب ما لم يغب الشفق»، وفي حديث أبي هريرة: [ص ٣٠] «آخر وقتها حين يغيب الشفق»، وفي حديث أبي موسى في جواب السائل: وإنَّه (٢) أخَّرها في اليوم الثاني حتى كان عند سقوط الشفق. وعن بريدة بن الحُصَيب: أن رجلًا أتى النبيَّ ﷺ ، فسأله عن مواقيت الصلاة، فقال: «اشهد معنا الصلاةَ». فأمر بلالًا، فأذَّن بغلَس، فصلَّى بهم الصبح حين طلع الفجر. ثم أمره بالظهر حين زالت الشمس عن بطن السماء. ثم أمره بالعصر، والشمسُ مرتفعة. ثم أمره بالمغرب حين وجبت الشمس. ثم أمره بالعشاء حين وقع الشفق. ثم أمره الغد، فنوَّر بالصبح. ثم أمره بالظهر، فأبرَدَ. ثم أمره بالعصر، والشمسُ بيضاء نقية، لم (٣) يخالطها صفرة.

стр. 880

ثم أمره بالمغرب قبل أن يقع الشفق. ثم أمره بالعشاء عند ذهاب ثلث الليل أو بعضه. فلما أصبح قال: «أين السائل؟» قال: «ما بين ما رأيتَ وقتٌ» رواه الجماعة إلا البخاري (١). ولأنه قد صحَّ عن النبي ﷺ : أنه قرأ فيها بالأعراف، فرَّقها في ركعتين (٢). ولا يجوز مدُّ الصلاة إلى أن يخرج وقتها، لإيقاع شيء منها خارج الوقت؛ فعُلِمَ أنَّ وقتها يمتدُّ بقدر قراءة سورة الأعراف. وصحَّ عنه من وجوه ﷺ أنه قال: «إذا قُدِّم العَشاءُ فابدؤوا به قبل صلاة المغرب، ولا تَعجَلوا عن عشائكم» (٣). وصحَّ عنه أنَّ أصحابه كانوا يصلُّون بحضرته ركعتين بين الأذانين، ولو لم يجز تأخيرها عن أول الوقت لم يجز شيء من ذلك. ولأنها إحدى الصلوات الخمس، فاتسع وقتها كغيرها. ولأنها تُجمَع إلى ما بعدها، فاتصل وقتها بالذي (٤) يليها كالظهر، فإنَّ جواز الجمع يجعل الوقتين وقتًا واحدًا، والصلاتين كالصلاة الواحدة، والصلاةُ الواحدةُ لا يكون لها وقتان

стр. 881

متباينان. وعكسه الفجر والعصر والعشاء، لمَّا لم يجُز تأخيرها عمدًا إلى وقت التي تليها لم تُجمَع معها. فإن قيل: هذا معارَض بحديث جبريل، فإنه صلَّى المغرب في اليومين لوقت واحد حين غربت الشمس. وذلك يقتضي أنه يجب المبادرة إليها حين الغروب. وروى أبو أيوب أن النبي ﷺ قال: «بادروا بصلاة المغرب قبل طلوع النجم» (١). وعن مَرثَد بن عبد الله المُزَني قال: قدِم علينا أبو أيوب غازيًا، وعقبةُ بن عامر يومئذ على مصر، فأخَّر المغرب، فقام إليه أبو أيوب، فقال: ما هذه الصلاة يا عقبة؟ [ص ٣١] قال: شُغِلنا. قال: أمَا، والله ما بي إلا أن يظن الناسُ أنك رأيتَ رسول الله ﷺ يصنع هذا. أما سمعتَ رسولَ الله ﷺ يقول: «لا تزال أمتي بخير ــ أو: على الفطرة ــ ما لم يؤخِّروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم». رواهما أحمد (٢). وعن عقبة بن عامر مثله. رواه أحمد وأبو داود (٣). وعن عبد الرحمن الصُّنابِحي قال: قال رسول الله ﷺ : «لن تزال أمتي في مُسْكةٍ من دينها، ما لم يعملوا بثلاث: ما لم يؤخِّروا المغرب انتظارَ

стр. 882

الظلام مضاهاةَ اليهود، وما لم يؤخِّروا الفجر مُحَاقَ النجومِ مضاهاةَ النصرانية، وما لم يكِلُوا الجنائز إلى أهلها» رواه أحمد (١). ولأنَّ النبي ﷺ قال: «المغرب وتر صلاة النهار» (٢). ومعلوم أنها تُفعَل بعد انسلاخ النهار، فيجب تقريبُها من النهار، وأن تكون عقيبه؛ ليتحقَّق صعودُه مع عمل النهار. ولأنَّ المسلمين في جميع الأعصار والأمصار ما زالوا يعجِّلونها، ولو كان تأخيرها جائزًا لصنعوا فيها ما يصنعون في غيرها. قلنا: هذا يفيد أنَّ السنَّة فيها التعجيل، وأنَّ المداومة على تأخيرها منهيٌّ عنه، بخلاف بقية الصلوات. وكذلك نقول. ولهذا لم ينكِر أبو أيوب على عُقبة مجرَّدَ التأخير، لكن خاف أن يظنَّ الناس أنَّ السنَّة التأخير. وقد ورد مثلُ هذا الكلام عن (٣) تعجيل الفَطور وتأخير السَّحور (٤)،مع أنه ليس بواجب. وهكذا الجواب عن حديث جبريل، فإنه لعلَّه قصَد تبيينَ المواقيت التي لا كراهة في المداومة عليها أولًا وآخرًا. ثم هو حديث متقدِّم كان بمكة، والأحاديث المدنية الصحاح الصرائح قاطعة في جواز التأخير، فإن كان معارضًا لها كانت هي الناسخة له كما تقدَّم، ومرجَّحة بصحة أسانيدها وكثرة رواتها.

стр. 883

وكونها وترَ النهار لا يمنع (١) تأخيرَها، فإنها وإن كانت من صلاة الليل، كما قد نصَّ عليه الإمام أحمد ﵀، لكن الحمرة في الأفق هي من توابع الشمس، فجاز أن تُلحَق بالنهار من هذا الوجه؛ كما أنَّ الفجر من صلوات النهار، وجُهِرَ فيها بالقراءة تبعًا لصلاة الليل، لبقاء الظلمة قبل طلوع الشمس. فصل ومغيب الشفق يخرج به وقتُ المغرب، لما تقدَّم من هذه الأحاديث، ويدخل به وقتُ العشاء، لما تقدَّم من حديث جبريل أنه صلَّى العشاء حين غاب الشفق، وكذلك في حديث السائل أنه صلَّى العشاء حين غاب الشفق. وفي حديث أبي هريرة: «وقتُ العشاء من حين يغيب الأفق». وكذلك حديث عبد الله بن عمرو لما قال: «وقتُ المغرب [ص ٣٢] ما لم يغب الشفق ووقتُ العشاء إلى ثلث الليل» يدل على تواصل الوقتين، مع قوله: «وإنما التفريط في اليقظة أن (٢) يؤخِّر الصلاةَ حتى يدخل وقتُ التي تليها» مع أنَّ هذا مما أُجمع عليه. والشفق شفقان: أحمر وهو الأول، والأبيض وهو الثاني. والعبرة بمغيب الشفق الأحمر، فإذا غاب دخل وقت العشاء. واستحبَّ أبو عبد الله أن يؤخِّر العِشَاء في الحضر إلى أن يغيب الشفق الأبيض، ليستدِلَّ بمغيبه على مغيب الشفق الأحمر، لأنَّ الحمرة قد تكون باقية ويواريها الجدران، فيظنُّ أنها قد غابت وهي باقية، ولأنَّ اسم الشفق

стр. 884

يقع عليها. وقد قال بعضهم: إنه البياض، فإذا صلَّى بعد مغيب البياض خرج من الشك والاختلاف. فإن صلَّى في الحضر بعد أن غاب الأحمر وقبل أن يغيب الأبيض صحَّت صلاته. نصَّ عليه. ونصَّ في مواضع كثيرة على أنه لا يصلِّي إلا بعد مغيب الأبيض. فجعل القاضي وأصحابه وكثير من أصحابنا المسألةَ روايةً واحدةً بالجواز، وحملوا بقية الروايات على الاستحباب، لا على الوجوب. وقال ابن أبي موسى (١): «لم يختلف القول عنه إن الشفق في السفر الحمرة. واختلف قوله في الحضر على روايتين. إحداهما: أنه الحمرة في الحضر والسفر. والأخرى: أنه البياض في الحضر، فإذا غاب فقد وجبت». فأما في السفر فلا شيء يواريها. والجمع جائز فيه لصحة الأحاديث أنه كان يصلِّي العشاءَ في السفر قبل مغيب الشفق. وذلك لما رواه الإمام أحمد في «مسنده» (٢) و «مسائل ابنه» عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سأل رجلٌ النبيَّ ﷺ عن وقت الصلاة فقال: «صلِّ معي». فصلَّى رسول الله ﷺ الصبحَ حين طلع الفجر، ثم صلَّى الظهر حين زاغت الشمس، ثم صلَّى العصر حين كان فيءُ الإنسان مثلَه، ثم صلَّى المغرب حين وجبت الشمس، ثم صلَّى العشاء قبل غيبوبة الشفق. ثم صلَّى الظهر حين كان فيءُ الإنسان مثلَه، ثم صلَّى العصرَ حين كان فيءُ الإنسان مثلَيه، ثم صلَّى المغرب قبل غيبوبة الشفق، ثم صلَّى العشاء. قال

стр. 885

بعضهم: ثلثَ الليل، وقال بعضهم: شطَره. ومعلوم أنه ما صلَّى العشاء قبل [مغيب] (١) الشفق الأحمر، فَعُلِم أنه صلَّاها قبل مغيب الأبيض. وعن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «وقتُ المغرب ما لم يسقط ثَورُ الشَّفق» رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود (٢) ولفظه [ص ٣٣]: «فَورُ الشَّفق». وثَور الشفق: ثَوَرانُ حمرته. وفَوره: فَوَرانُه وسطوعُه (٣). وهذا إنما يكون في الشفق الأحمر. ولأن الأحمر أظهر في الاستعمال من الشفق الأبيض. قال الفراء (٤): سمعتُ بعضَ العرب يقول: عليه ثوب كأنه الشفق. وكان أحمر. ولهذا فسَّر أكثرُ الناس قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ [الانشقاق: ١٦] بالحمرة وما قبلها من النهار. وفهم أكثر الصحابة (٥) وأكابرهم من الشفق: الحمرة. قال عمر وابن عمر وابن عباس وأبو هريرة ﵃: الشفق: الحمرة (٦). وقال عبادة بن الصامت وشدَّاد بن أوس: الشفق شفقان: الحمرة والبياض. فإذا غابت الحمرة حلَّت الصلاة (٧). وإنما نقل خلاف هذا عن أنس، وأبي هريرة أيضًا (٨).

стр. 886

ولأنهما نوران يتبعان الشمسَ، فتعلَّق الوقت باقترابهما (١) إلى الشمس كالفجرين. وهذا لأن البياض الذي يمتدُّ في المغرب في الأفق بعد مغيب الحمرة نظير البياض الذي يستطيل في المشرق قبل طلوع الفجر الثاني، وذلك لم يتعلَّق به حكم. مسألة (٢): (ووقت العشاء من ذلك إلى نصف الليل. ويبقى وقت الضرورة إلى طلوع الفجر الثاني) . أمَّا أول وقتها، فقد تقدَّم. وأمَّا آخر وقتها في حال الاختيار، ففيه روايتان: إحداهما: إلى ثلث الليل، وهو أكثر الروايات عنه. واختارها الخرقي (٣) والقاضي (٤) وغيرهما، لأنه كذلك في حديث جبريل، وفي حديث السائل أيضًا من رواية أبي موسى وبريدة. ورواية جابر شكَّ فيها، قال بعضهم: ثلث الليل، وقال بعضهم: شطره. فتُحمَل روايةُ من روى «نصف الليل» (٥) على أنه قال بالتحرِّي والاجتهاد. وروى النسائي (٦) عن عائشة أن

стр. 887

النبي ﷺ قال: «صلُّوها ما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل». أو أراد مقاربة نصف الليل. والرواية الثانية: إلى نصفه. اختارها طائفة من أصحابنا، لأنَّ في حديث عبد الله بن عمرو المتقدِّم: «وقتُ صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط» وهو أبين شيء في المواقيت. وكذلك في حديث أبي هريرة: «وإنَّ آخر وقتها حين ينتصف الليل». وعن أبي برزة (١): أنَّ النبيَّ ﷺ كان لا يبالي بتأخير العشاء إلى نصف الليل. رواه مسلم (٢). وعن أنس قال: أخَّر النبيُّ ﷺ صلاة العشاء إلى نصف الليل, ثم صلَّى، ثم قال: «قد صلَّى الناسُ وناموا. أمَا إنكم في صلاةٍ ما انتظرتموها» [ص ٣٤] متفق عليه (٣). ولمسلم (٤): حتى كان قريبًا من نصف الليل. وعن أبي سعيد الخدري قال: انتظرنا رسولَ الله ﷺ ليلةً صلاةَ العشاء، حتى ذهب نحوٌ من شطر الليل، فجاء، فصلَّى بنا، وقال: «لولا ضعفُ الضعيف، وسقمُ السقيم، وحاجةُ ذي الحاجة= لأخَّرتُ هذه الصلاة إلى شطر الليل» رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه (٥).

стр. 888

وهذا كلام مفسَّر من النبيِّ ﷺ ، يُقضَى به على ما سواه من الحكايات المحتملة. وفي هذه الأحاديث زيادة، فيجب الأخذُ بالزائد، ويُحمَل (١) قولُ من روى «ثلث الليل» على (٢) أنه أراد ثلثَ الليل الممتدَّ إلى طلوع الشمس؛ فإنَّ ما بعد طلوع الفجر قد يُجعَل ليلًا. ولهذا يسمَّى وقتُ الزوال نصف النهار في كثير من الأحاديث التي تقدَّمت. وإنما يكون نصفَ النهار إذا كان أولُه من حين طلوع الشمس، كما يقوله بعض أهل اللغة والحساب والفقه. وإذا كان الغالب على لسان الشرع انتهاء الليل إلى طلوع الفجر، وابتداء النهار من حينئذ، وثلُث الليل بهذا الاعتبار أكثر من ثلثه بالاعتبار الأول= فإذا انضمَّ إلى هذا احتياطُ الراوي وإخبارهُ بالمستيقن جاز أن يسمَّى ما يقارب النصف ثلثًا. فصل وأما وقت الإدراك والضرورة، فيمتدُّ إلى طلوع الفجر الثاني، لما روى يحيى بن آدم عن ابن عباس قال: لا يفوت وقتُ الظهر حتى يدخل وقت العصر، ولا يفوتُ وقت العصر حتى يدخل وقت المغرب، ولا يفوت وقتُ المغرب إلى العشاء، ولا يفوت وقتُ العشاء إلى الفجر (٣). وروى الخلال

стр. 889

أيضًا عن ابن عباس: لا يفوت وقتُ العشاء إلى الفجر (١). وسنذكر إن شاء الله عن عبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وابن عباس أنهم قالوا في الحائض: إذا طهرت قبل طلوع الفجر صلَّت المغرب والعشاء. ولم يُنقَل عن صحابيٍّ خلافُه، بل وافقهم التابعون على أن العشاء تجب بالطهر قبل الفجر، مع قوله في حديث أبي قتادة لما ناموا: «أمَا، إنه ليس في النوم تفريط. إنما التفريط على من لم يصلِّ الصلاةَ حتى يجيء وقت الأخرى» (٢) رواه أحمد ومسلم وأبو داود؛ فإنه يقتضي امتداد كلِّ صلاة إلى وقت التي تليها، وإنما استثني منه الفجر لظهور وقتها. وظاهرُ القرآن في قوله تعالى: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤]، وقوله سبحانه: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ﴾ [طه: ١٣٠] يعُمُّ ذلك الجملة (٣). وتأخير الصلاة [ص ٣٥] إلى هذا الوقت لغير العذر لا يجوز، كما تقدَّم في صلاة العصر.

стр. 890

وهذه الصلاة أربع ركعات بالنقل العامِّ. وتسمَّى «العشاء»، لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨]. وهو أفضل من تسميتها بـ «العَتَمة». وإن سمِّيت «العتَمة» لم يُكرَه إلا أن يُهجَر اسمُ العشاء، لأن في «الصحيحين» (١) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «لو يعلَمون ما في العتَمة والصبح لأتوهما ولو حَبْوًا». وقد صحَّ من وجوه كثيرة عن أبي موسى وابن عباس وعائشة وجابر بن سمُرة (٢) أنهم سمَّوها «العتمة». ولأنَّ ذلك نسبة إلى وقتها، فأشبَه المغربَ والفجرَ. وإنما كُرِه تركُ ذلك الاسم لما روى ابن عمر قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «لا تغلِبنَّكم الأعرابُ على اسم صلاتكم. ألا إنَّها العشاء. وهم يُعتِمُون بالإبل» رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه (٣). ولمسلم (٤): «لا تغلبنَّكم الأعرابُ على اسم صلاتكم العِشاء، فإنَّها في كتاب الله العِشاء. وإنها تُعتِمُ بحِلاب الإبل». وفيه وجه ثان: أنه يُكرَه أن تسمَّى بالعتمة لظاهر الحديث وحملًا لأحاديث الرخصة على أنها منسوخة. ذكره الآمدي (٥).

стр. 891

مسألة (١): (ووقت الفجر: من ذلك إلى طلوع الشمس) . وتسمَّى هذه الصلاة «الفجر» لقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ﴾ [النور: ٥٨] وقوله: ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، و «الصبح» لقول النبي ﷺ : «من أدرك ركعة من الصبح» (٢). و «صلاة الغداة» لقوله ﵇: «لو يعلم المتخلِّفون عن صلاة العشاء وصلاة الغداة ما فيهما لأتَوهما ولو حَبْوًا» (٣). وقال الرجل له: إنِّي لأتأخَّر عن صلاة الغداة من أجل فلانٍ مما يُطيل بنا (٤). والمستحب: تسميتها «الفجر» و «الصبح». ولا يُكرَه تسميتها بالغداة في المشهور. وفي الآخر: يُكرَه، لأنه يقال: إنها تسمية الأعراب. وهي ركعتان بنقل الأمَّة العامِّ المتوارَث بينها. وهي من صلاة النهار،

стр. 892

نصَّ عليه. وجعلت ركعتين (١) من أجل طول القراءة فيها، فكأنه (٢) عُوِّض بتطويل القراءة عن تكثير الركعات. وأول وقتها: من طلوع الفجر الثاني، كما تقدَّم في أحاديث المواقيت كلِّها، مع قوله: ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ وقوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ وقوله: ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧]، وقوله: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠]، وغير ذلك. وهما فجران. فالأول: المستدِقُّ، المستطيل في طول السماء، كذنَب السِّرْحان ــ وهو الذئب ــ ويسمَّى الفجر الأول؛ ولا عبرة به في شيء من الأحكام. [ص ٣٦] ثم يسوَدُّ الأفق بعده، ثم يطلع الفجر الصادق بعده معترضًا في الأفق، منتشرًا، لا ظلمة بعده. ولذلك قال ﷺ : «لا يمنعنَّكم من سَحوركم أذانُ بلالٍ ولا الفجرُ المستطيلُ، ولكنِ الفجرُ المستطيرُ في الأفق» وقد تقدَّم. وقد روى أبو حفص والدارقطني (٣) عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال:

стр. 893

«الفجر فجران. فجرٌ تَحِلُّ فيه الصلاة، ويحرُم فيه الطعام. وفجرٌ تحرُم فيه الصلاة، ويحِلُّ فيه الطعام. أمَّا الذي يكون كذنَب السِّرحان فلا تحِلُّ الصلاة فيه، ولا يحرُم فيه الطعام. وأمَّا الذي يذهب مستطيلًا (١) في الأفق فإنه يُحِلُّ الصلاةَ ويُحرِّم الطعام». ويمتدُّ وقتها في حال الاختيار والاضطرار إلى طلوع الشمس، فإذا بدا حاجب الشمس خرج وقتها. هذا ظاهر المذهب، وهو المنصوص عنه (٢). وقال بعض أصحابنا: إذا أسفر ذهب وقت الاختيار، ويبقى وقت الضرورة إلى طلوع الشمس كالعصر والعشاء، لأن جبريل ﵇ لما صلَّى بالنبي ﷺ صلَّى به في اليوم الثاني حين أسفرت الأرض، وقال: الوقت فيما بين هذين الوقتين. والأول أصح، لأنَّ في حديث عبد الله بن عمرو: «وقت الفجر ما لم تطلع الشمس». وفي لفظ: «ما لم يطلع قرنُ الشمس الأول» هذا لفظ مسلم، وقد تقدَّم. وكذلك في حديث أبي هريرة: «إنَّ آخر وقتها حين تطلع الشمس». ولا يجوز حملُ هذا على وقت الإدراك والضرورة، لأنه إنما ذكر فيه وقت الاختيار، إذ الإطلاق يقتضي ذلك. وكذلك قال في العصر: «ما لم تصفرَّ الشمس»، وفي العشاء: «إلى نصف الليل» فلم يدخل وقت الضرورة في هذا الحديث.

стр. 894

ولأنَّ في حديث السائل: أنه انصرف من الفجر في اليوم الثاني، والقائل يقول: طلعت الشمس أو كادت ــ وقد تقدَّم من رواية أبي موسى ــ، ولم يُبيِّن إلا أوقات الاختيار. ولأنَّ الشمسَ تغرب بين قرني شيطان، فإذا اصفرَّت أخذت في الغروب. فلذلك أمر أن لا تؤخَّر (١) الصلاةُ إلى ذلك الوقت عمدًا. وفي الفجر لا يقارنها الشيطان حتى يطلع حاجبها، فإذا لم تطلع فالوقت مُبْقًى على حاله. فلا وجه للكراهة (٢) فيه. وحديث جبريل قد جاء فيه أنه أسفر جدًّا. وظاهره أنه سلَّم قبيل طلوع الشمس، فتحمل الرواية الأخرى على ذلك. وإن كان قد سلَّم قبلُ [ص ٣٧] بساعة فهو حديث متقدِّم، قد تبيَّن فيه الأفضل، كما مضى. فصل (٣) إذا نام قبل العشاء ولم يوكِّل به من يوقظه كُرِه له ذلك، لأنه يخاف أن يدوم النوم، فيفضي إلى فوت الوقت أو فوت الجماعة. وإن وكَّل به من يوقظه لم يُكرَه. فصل وأمَّا الحديث بعدها، فإن كان وحده أو كان (٤) يتحدَّث مع غيره في علم أو مصلحة لم يُكرَه، ولإيناس الضيف. وإن كان حديثًا لا فائدة فيه كُرِه له ذلك.

стр. 895

مسألة (١): (ومن كبَّر للصلاة قبل خروج وقتها فقد أدركها) . أما إذا صلَّى ركعة بسجدتيها قبل خروج الوقت، فإنه يكون مدركًا للصلاة من غير خلاف في المذهب. وسواء في ذلك الفجر وغيرها، لما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من أدرك ركعةً من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح. ومن أدرك ركعةً من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر» رواه الجماعة إلا الترمذي (٢). وإن صلَّى دون الركعة مثل أن يكبِّر ويركع، أو يركع ويسجد سجدةً، أو يكبِّر للإحرام فقط= فهل يكون مدركًا للصلاة؟ على روايتين: إحداهما: يكون مدركًا، كما ذكره الشيخ. وهي اختيار أكثر أصحابنا، لما روت عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أدرك من العصر سجدةً قبل أن تغرب الشمس، أو من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدركها» رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه (٣). وللبخاري (٤) في حديث أبي هريرة: «إذا أدرك أحدُكم سجدةً من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس، فَلْيُتِمَّ صلاتَه. وإذا أدرك سجدةً من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس، فَلْيُتِمَّ صلاتَه». وهذا المنطوق أولى من ذلك

стр. 896

المفهوم. ولأنَّ بعض الصلاة قد وُجِد في الوقت حقيقةً، فلا يمكن أن نجعلها فائتة، كما لو صلَّى ركعةً. والرواية الثانية: لا يكون مدركًا. هذا قول الخرقي وابن أبي موسى (١)، وهو أشبه بالحديث المفهوم حديث أبي هريرة (٢). وقولُه في الرواية الأخرى: «سجدة» المراد به: الركعة بكمالها. وهذا كثير في الحديث: تسمَّى السجدة الثانية «ركعة» تعبيرًا عنها بركنها. وذلك أنه لا يصح حتى يقع الركوع وسجدتان (٣)، فإذا قيل: قد صلَّى ركعةً أو سجدةً عُلِم أنه قد كمَّل ركعةً بسجدتيها. [ص ٣٨] ومنه: قولُ زيد لمروان: ألم أرك قصرتَ سجدتي المغرب؟ يعني: ركعتَي الجهر. رأيتُ رسول الله ﷺ يقرأ فيها بالأعراف (٤). وقولُ عائشة: كان رسول الله ﷺ يصلِّي بعد الوتر سجدتين (٥). تعني فيها: الركعتين اللتين كان يصلِّيهما وهو قاعد (٦). وقولُ علي: كان إذا قام من السجدتين رفَع يديه كذلك، وكبَّر (٧). وفي حديث أبي هريرة: إذا قام من

стр. 897

الركعتين (١). وفي حديث أبي حميد: حتى إذا قام من السجدتين كبَّر، ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبَيه، كما صنع حين افتتح الصلاة (٢). وهذا كما تسمَّى الصلاةُ «قيامًا» تعبيرًا عنها بركنها، وتسمَّى «قرآنًا» تعبيرًا عنها بركنها. ولا يجوز حملُه على السجدة الأولى من الركعة، إذ ليس في تعليق الحكم بها فائدة أصلًا، حيث لا فرق بين إدراكها وإدراك الركوع وحده، أو الركوع والاعتدال. ولو أريدت السجدة بعينها لم يدلَّ على ثبوت الإدراك بما دونها. ولأنه إدراك للصلاة، فلم يتعلَّق بما دون الركعة كالجمعة. ولمن نصر الأولى أن يقول: تقييدُ الحكم بالركعة لا يمنع ثبوته بما دونها، كما أنه لمَّا قيَّد بالفجر والعصر لم يمنع أن يثبت ذلك في المغرب (٣) والعشاء. والله أعلم، إنما قيَّده بذلك لأنَّ آخرَ وقت الفجر والعصر محدود، ومرئيٌّ بالعين؛ والركعة جزءٌ من الصلاة معلومٌ، بخلاف ما دون ذلك فإنه لا ينضبط فعلُه قبل خروج الوقت، والمسألة محتملة.

стр. 898

وإذا أدرك بعضَ الصلاة في الوقت، فبعضها المفعول خارجَ الوقت هل يكون أداءً أو قضاءً؟ على وجهين، أشهرهما: تكون أداءً، لظاهر قوله: «فقد أدركها». فمن زعم أنَّ بعضَها أو كلَّها يقع قضاءً لم يكن قد أدركها كلَّها عنده، وهو خلاف النص. ولأنَّ المشهور في المذهب أنَّ الجمعةَ تُفعَل بعضُها بعد خروج الوقت، مع أنها لا تكون قضاءً. والثاني: تكون قضاءً، لأنَّ حقيقة القضاء ما فُعِل بعد الوقت، وهذا كذلك. ولأنَّ مدرِك الجمعة والجماعة يكون منفردًا بعد سلام الإمام حقيقةً وحكمًا، وإن كان قد أدرك فضل الجماعة في الجملة، فكذلك هذا. وبكلِّ حال فيجب عليه أن يفعل جميع الصلاة قبل خروج الوقت، كما تقدَّم. ومتى أخَّر شيئًا منها عن الوقت عمدًا أثِمَ بذلك، لأنَّ النصوص المتقدِّمة في المواقيت [ص ٣٩] تدلُّ على وجوب فعل جميع الصلاة قبل خروج الوقت. مسألة (١): (والصلاة في أول الوقت أفضل، إلَّا عشاءَ الآخرة، وفي شدة الحرِّ الظهر) . هذا الكلام فيه فصلان، لأن الكلام في تعجيل الصلوات إمَّا أن يكون على سبيل الإجمال، أو على سبيل التفصيل.

стр. 899

الفصل الأول إن الأصل في الصلاة في أول الوقت (١) أفضل من آخره، إلا لمعنًى يقتضي استحباب التأخير، لأن الله تعالى قال: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]، وقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد: ٢١]، وقال تعالى: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١]، وقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠]، أي إلى الأعمال الصالحة في الدنيا هم السابقون إلى الدرجات في الجنة. وقال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وقال عن نبيِّه موسى: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤]. وهذه الآيات تقتضي أنَّ المسارعة إلى الخيرات مأمور بها، وأنَّ فاعلها مستوجِب لثناء الله ورضوانه. ولذلك يقتضي الاستباقُ إلى الخيرات وإلى أسباب المغفرة أمرًا بها، وثناءً على أهلها، وتفضيلًا لهم على غيرهم. والصلاةُ من أفضل الخيرات، وأعظم أسباب المغفرة. وعن محمد بن [عمر بن علي بن أبي طالب] (٢) عن أبيه عن علي بن

стр. 900

أبي طالب ﵁ (١) أن النبي ﷺ قال: «ثلاثٌ يا عليُّ لا تؤخِّرْهُنَّ: الصلاةُ إذا أتت، والجنازةُ إذا حضرت، والأيِّمُ إذا وجدتَ لها كفؤًا». رواه أحمد والترمذي وقال: «حديث حسن (٢) غريب، وما أرى إسناده بمتصل». لكن هذا الانقطاع هو من رواية ولده، ومثل ذلك يكون من أقوى المراسيل، فإنهم أعلم بحديثهم (٣). وعن عائشة ﵂ قالت: ما صلَّى رسول الله ﷺ صلاةً لوقتها الآخر (٤) حتى قبضه الله (٥). رواه أحمد والترمذي (٦). ورواه الدارقطني (٧)

стр. 901

فقال: إلا مرتين. وعن أمِّ فروة أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ أحبَّ العمل إلى الله تعجيلُ الصلاة لأول وقتها» رواه الترمذي (١). وإسناده (٢) كإسناد الذي قبله، متقاربان، فيهما لين. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ الرجلَ لَيصلِّي [ص ٤٠] الصلاة لوقتها، وقد ترك من وقتها الأول ما هو خيرٌ له من أهله وماله» رواه الدارقطني (٣). وقد روى الترمذي والدارقطني عن النبي ﷺ أنه قال: «الوقت الأول من الصلاة رضوان الله، والوقت الأخير عفو الله» (٤). وروى الدارقطني عن أبي محذورة عن النبي ﷺ قال: «أول الوقت رضوان الله، وأوسط الوقت رحمة الله، وآخر الوقت عفو الله» (٥).

стр. 902

وهي أحاديث ليِّنة، قال الإمام أحمد: لا أعرف شيئًا ثبتَ (١) في أوقات الصلاة أولها كذا وآخرها كذا. يعني: مغفرة ورضوان (٢)، إلا أنَّ هذا لا يمنع العملَ بها في الفضائل، لا سيَّما مع تعدُّد طرقها. فإن قيل: فالعفو إنما يكون عن المسيء، ولا إساءة في التأخير. قلنا: العفو قد يكون عن الذنب بعد وقوعه، وقد يكون عن أصل الإيجاب مع انعقاد سبب الوجوب أو التحريم، كقوله ﷺ : «عفوتُ لكم عن صدقة الخيل والرقيق» (٣)، وقوله ﷺ : «ما سكت الله عنه فهو مما عفا

стр. 903

عنه» (١). فالعفو عن الصلاة في آخر الوقت بمعنى أنه رُفِعَ الحرج والعقوبةُ عمَّن صلَّى فيه، وقد كان يمكن أن يضيق الوقت. ولأنَّ الصلاة تجب بأول الوقت وجوبًا موسَّعًا كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، ففي المبادرة إلى فعلها إبراءٌ لذمَّته عن الواجب، كالمبادرة إلى فعل الواجبات المطلقة من الحجِّ وغيره. وتحصل المبادرة المشروعة بأن يشتغل عقبَ دخول الوقت بالوضوء والصلاة، لأنَّ الله تعالى أمرَ بالوضوء عند القيام إلى الصلاة. وإن توضَّأ قبل الوقت فهو مبادر أيضًا هذا ما لم يشقَّ على غيره، كما سيأتي. الفصل الثاني في (٢) تفصيل الصلوات أما الظهر، فإنَّ الأفضل أن يصلِّيها عقب الزوال، لما روى أبو بَرْزة (٣) الأسلمي ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ كان يصلِّي الهجيرَ (٤) التي تدعونها «الأولى» حين تدحَض الشمس، ويصلِّي العصرَ، ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة، والشمسُ حيَّةٌ. ونسيتُ ما قال في المغرب. وكان يستحِبُّ

стр. 904

أن يؤخِّر العشاءَ التي تدعونها «العَتَمة» وكان يكره النومَ قبلها، والحديثَ بعدها. وكان ينفَتِل من صلاة الغداة حين يعرف الرجلُ جليسَه، ويقرأ فيها بالستِّين إلى المائة. متفق عليه (١). وعن عائشة ﵂ قالت: ما رأيتُ أحدًا [ص ٤١] أشدَّ تعجيلًا للظهر من رسول الله ﷺ ، ولا من أبي بكر، ولا من عمر. رواه الترمذي وقال: حديث حسن (٢). وعن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يصلَّي صلاة الظهر في أيام الشتاء، وما ندري لَمَا (٣) ذهب من النهار أكثرُ أو ما بقي منه. رواه أحمد (٤). وكتب عمر إلى أبي موسى: أنْ صلِّ الظهر حين تزيغ أو تزول الشمس (٥).

стр. 905

قال الترمذي: هو الذي اختاره أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم. فإن قيل: ففي حديث جبريل أنه صلَّى الظهر حين كان الفيء مثل الشِّراك، وكان عمر يؤخِّرها حتى يصير الفيء ذراعًا، وكتب إلى عمَّاله بذلك (١). قلنا: أما حديث جبريل، ففي رواية جابر أنه صلَّى حين زالت الشمس. فعُلِمَ أنَّ ذلك الفيء هو فيء الزوال، لا سيما والفرض يتبيَّن أول الوقت. وأما حديث عمر، فلعلَّه أمر بذلك في شدَّة الحرِّ ليقصد الإبراد بها، أو في أوقات وأمكنة يكون الفيء فيها قدرَ ذراع حين الزوال. ولا يقال: الفيء هو الظل بعد الزوال، وما قبل ذلك إنما يسمَّى ظلًّا، لا فيئًا؛ لأنَّ الشمس إذا زالت فلا بدَّ أن يفيء الظلُّ أدنى الفيء، فيسمَّى الظلُّ كلُّه حينئذ فيئًا، ولا يصح أن يراد الفيء الزائد على فيء الزوال، لأن ذلك لا يتميَّز؛ وليس في الحديث ما يدلُّ عليه. ثم إنَّ ذلك إنما يصير قريبًا من انتصاف الوقت، ومثل ذلك لا يكون هو الأفضل في غير الحرِّ بلا تردُّد. فصل فأمَّا في شدة الحرِّ، فإنَّ الأفضل الإبراد بها، لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا اشتدَّ الحرُّ فأبرِدوا بالصلاة، فإنَّ شدّة الحرِّ من فَيح

стр. 906

جهنَّم» رواه الجماعة (١). وللبخاري عن ابن عمر وأبي سعيد الخدري مثلُه. وعن أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا كان الحرُّ أبرَد بالصلاة، وإذا كان البردُ عجَّل. رواه النسائي والبخاري بمعناه (٢). وسواء كان المصلِّي منفردًا أو في جماعة، وسواء كان في مسجد الجماعة ينتابه (٣) الناس من البعد أو من القرب، وسواء كان المصلُّون مجتمعين أو منفردين. هذا الذي دلَّ عليه قول أحمد وفعله (٤)، وهو قول القاضي أخيرًا (٥) وأكثر أصحابنا، لعموم الحديث. فإنه أمر بالإبراد أمرًا عامًّا عمومًا مقصودًا، وعلَّله بعلَّة عامَّة توجد حال الصلاة وحال السعي إليها في الحرِّ، فإنَّ فَيح جهنم يصيب المصلِّي، كما يصيب الذاهبَ إلى الصلاة، مع علمه ﷺ أنَّ أكثر المساجد إنما يصلِّي فيها جيرانها، فلا يجوز حملُ هذا الكلام على المساجد [ص ٤٢] ينتابها (٦) الناس من البعد خاصَّةً، لأنَّ هذه صور قليلة بالنسبة إلى غيرها. فحملُ العامِّ عليها يكون (٧) حملًا لها على الأقلِّ دون

стр. 907

الأكثر، من (١) غير أن يكون في الكلام ما يدل عليه، وذلك لا يجوز. ولأنه على هذا التقدير تكون العلَّة تأذِّيَ (٢) الناس بالمشي في الحرِّ، وهذه علَّة تنفُّس الحرِّ سواء كان من فيح جهنم أو لم يكن. فلما قال: «فإنَّ شدَّة الحرِّ من فَيح جهنم»، وعلَّل بعلَّةٍ تُعلَم بالوحي عُلِمَ أنه (٣) قصد معنًى يخفى على أكثر الناس، وهو كراهةُ إيقاع الصلاة حالَ تسعير النار، كما كُرِه إيقاعُها وقتَ مقارنة الشيطان لها؛ وكره الصلاة وقتَ الغضب من الله، كما كره الصلاة في مكان الغضب (٤)، لأنَّ القلوب لا تُقبل على العبادة وقتَ تلك الساعة كلَّ الإقبال، ولا ينزل من الرحمة ما ينزل في غير ذلك الوقت. وأيضًا ما روى أبو ذرٍّ ﵁ قال: كنَّا مع النبي ﷺ في سفر، فأراد المؤذن أن يؤذِّن للظهر، فقال النبيُّ ﷺ : «أبرِدْ» ثم أراد أن يؤذِّن، فقال له: «أبرِدْ». حتى رأينا فيءَ التلول، فقال النبيُّ ﷺ : «إنَّ شدَّة الحرِّ من فَيح جهنَّم. فإذا اشتدَّ الحرُّ فأبرِدُوا بالصلاة» متفق عليه (٥). فهذا إبراد مع اجتماع المصلِّين، وهو نصٌّ في المسألة. ولأنَّ سبب الإبراد إنما هو في شدَّة الحرِّ من فَيح جهنم وتنفُّسِها. وهذا كما أنه يؤذي الناسَ في حال بروزهم (٦) إلى المسجد، فكذلك في حال

стр. 908

صلاتهم، بل أولى، كما تقدَّم. وكما أنه يؤذي من يصلِّي في الجماعة، فإنه يؤذي المصلِّيَ وحده. وقال القاضي في «المجرَّد» وأبو الحسن الآمدي وطائفة من أصحابنا: إنما يستحَبُّ الإبراد لمن يصلِّي في مساجد الجماعات (١) سواء كان المسجد ينتابه البعيد منه أم لا، لأن الخروج إلى المسجد في الجملة مظنَّة المشقَّة في وقت القائلة، فاستحبَّ التأخير لتكثير الجماعة؛ بخلاف المصلِّي وحده، أو في بيته، أو في القوم المجتمعين (٢). والأول هو الصحيح، لما تقدَّم. وإنما يستحَبُّ الإبراد في البلاد التي لها حرٌّ في الجملة، سواء كان شديدًا أو قليلًا، كبلاد الحجاز والعراق والشام واليمن ومصر. فأما البلاد الباردة التي لا حرَّ فيها، وإنما حرُّها في منزلة الربيع في غيرها مثل البلاد الشمالية وبلاد خراسان، فإنَّه لا يُستحَبُّ الإبرادُ فيها. هكذا ذكره القاضي وغيره من أصحابنا، لأن النبيَّ ﷺ قال: «إذا اشتدَّ الحرُّ فأبرِدُوا بالصلاة»، وقال: «فإنَّ شدَّةَ الحرِّ من فَيح جهنَّم». وهناك لا يشتدُّ الحرُّ، ولكن تتنفَّس (٣) بالبرد فيظهر [ص ٤٣] هناك زمهريرها، كما قال النبيُّ ﷺ : «إنَّ النارَ اشتكَتْ إلى ربِّها، وقالت: أكل بعضي بعضًا. فأذِنَ لها بنفَسين نفَسٍ في الشتاء، ونفسٍ في الصيف. فأشدُّ ما تجدون من الحرِّ من حرِّ جهنَّم،

стр. 909

وأشدُّ ما تجدون من البرد من زمهرير جهنَّم» متفق عليه (١). وقد حكى بعض [أصحابنا] (٢) وجهًا أنه لا فرق بين البلاد الحارَّة والباردة، ووجهًا بأن ذلك مخصوص بالبلاد التي يشتدُّ فيها الحرُّ. والذي قدَّمناه أصوب، فإنَّ الحرَّ والبرد لا بدَّ من وجودهما في جميع الأرض المعمورة. ولولا وجودهما لما عاش الحيوان، ولا نبت الشجر. ولا بدَّ أيضًا أن يكون الحرُّ في القَيظ أشدَّ منه في فصل الصيف والربيع اللذين (٣) يسمَّيان الربيع والخريف في كلِّ أرض بحسبها. لكن إذا كانت (٤) شدَّةُ الحرِّ في بعض البلاد بحيث لا تُكرَه الشمسُ، ولا يؤذى الجالسَ في الصبح، فليس هذا بحرِّ شديد. فلا يستحَبُّ الإبرادُ في مثل هذه البلاد البتَّة. وإذا كان الحَرُّ يؤذي فيها، فقد اشتدَّ الحرُّ، وإن لم يكن في أرض الحجاز. وينبغي أن يقصِد في الإبراد، بحيث يكون [بين] (٥) الفراغ منها وبينَ آخر الوقت فصلٌ؛ لأنَّ المقصودَ من الإبراد يحصل بذلك. ولهذا فإنَّ في حديث أبي ذر: حتى رأينا فيءَ التلول (٦). وقال عبد الله بن مسعود: كانت صلاة رسول الله ﷺ في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام. رواه أبو داود (٧). ولأنَّ

стр. 910

الإبراد الشديد يُخاف معه أن يُفعَل بعضُ الصلاة بعد خروج الوقت. و أمَّا الجمعة، فالسنَّة أن تصلَّى في أول وقتها في جميع الأزمنة ، لأنَّ النبيَّ ﷺ كان يصلِّيها في أول الوقت شتاءً وصيفًا، ولم يؤخِّرها هو ولا أحد من أصحابه، بل ربما كانوا يصلُّونها قبل الزوال. وذاك لأنَّ الناس يجتمعون لها، إذ السنَّة: التبكيرُ إليها، ففي تأخيرها إضرار بهم. وقد روي أنَّ جهنَّم تُسْجَر كلَّ يوم إلا الجمعة (١). فالسبب الذي من أجله سُنَّ الإبراد يكون مفقودًا يوم الجمعة. وهل (٢) يستحَبُّ تأخير الظهر في غير شدّة الحرّ؟ على روايتين: إحداهما: لا يستحَبُّ التأخير إلا في الحَرِّ، والأفضل التعجيل إذا تيقَّنَّا دخولَ الوقت. قال أبو عبد الله في رواية كثير من أصحابه: أنا أختار فيها كلِّها التعجيلَ إلا الظهر في الصيف, وعشاء الآخرة أبدًا (٣). وهذا اختيار الخرقي (٤) ,

стр. 911

وهو الذي ذكره الشيخ. وذلك لأنَّ الصلاة في أول الوقت أفضل, كما تقدَّم. وإنما خولف في شدّة الحرِّ لمعنى يختصُّه [ص ٤٤] فيبقى فيما سوى ذلك على استحباب التعجيل. ولأنَّ ما تقدَّم من تعجيل النبيِّ ﷺ صلاة الظهر مطلقًا، وتعجيلَه إياها في الشتاء من غير تفريق بين حالَي الغيم والصحو= دليل على أنهم لم يفهموا من حاله رعايةَ ذلك، مع أنَّ الشتاء مظِنّة الغيوم. والرواية الثانية: يؤخِّرها في الغيم أيضًا، وهذه أصرَح عنه. قال ﵁ (١): يؤخِّر الظهرَ في يوم الغَيم، ويعجِّل العصرَ، ويؤخِّر المغربَ، ويعجِّل العشاء. وقال أيضًا (٢): في يوم الغيم يؤخِّر الظهرَ حتى لا يشُكَّ أنها قد حانت، ويعجِّل العصرَ. والمغرب يؤخِّرها حتى يعلم أنه سواد الليل، ويعجِّل العشاءَ. وهذا اختيار أكثر أصحابنا، لما روى سعيد في «سننه» عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يؤخِّرون الظهر، ويعجِّلون العصر، ويؤخِّرون المغرب في اليوم المُغِيم (٣). وهذا إخبار عن أهل الكوفة من أصحاب علي وعبد الله، ومَن بين ظهرانيهم من الصحابة. ومَن علِم حالَهم علِمَ أنهم لم يكونوا يتحرَّون ذلك إلا تلقِّيًا له عن أصحاب رسول الله ﷺ ؛ لأنَّ الصلاة تتكرَّر في كلِّ وقت، فأمرُ الوقت بها لا بَّد أن يتقدَّم فيه سنّة وأثر (٤)، ولا يجوز أن

стр. 912

يتحرَّوا مخالفة ما ظهر من السنة. وقال ابن المنذر (١): رُوِّينا عن عمر أنه قال: إذا كان يومُ غيم فعجِّلوا العصر، وأخِّروا الظهر. ولأنَّ الغيم مظِنَّة المطر وغيره من الموانع للخروج، فإذا أُخِّر الظهر، وعُجِّل العصر، وأُخِّر المغرب، وعُجِّل العشاء= اكتُفي لهما بخروج واحد للمشقَّة. ولهذا قال القاضي: لا يستحَبُّ التأخير لمن يصلِّي في بيته. وقال غيره: بل يستحَبُّ على ظاهر كلامه. وعلَّل بعض أصحابنا هذه المسألة بأنَّ الغَيم في الجملة مظِنَّة اشتباه الوقت، فأخَّرنا الظهر والمغرب لنتيقَّن دخولَ الوقت (٢)، فإنهما لا يُفعلان قبل وقتهما بحال، وفعلُهما بعد خروج الوقت جائز للعذر، وهذا عذر في الجملة؛ بخلاف العصر والعشاء فإنهما يصلَّيان قبل وقتهما في حال العذر، وهذا عذر في الجملة، ولا يصلَّيان بعد وقتهما بحال. وأمَّا الفجرُ، فلمَّا لم يجُز بحالٍ تقديمها ولا تأخيرها استوى في حال الاشتباه الأمران. ولذلك استحببنا أن نجعل الثانية من صلاتي الجمع مع تأخير الأولى، ليبقى بمنزلة الجامع بين الصلاتين. وأيضًا فلما كانت الظهر والمغرب يُحذَر فعلُهما قبل الوقت بكلِّ حال [ص ٤٥] ولا يُحذَر التأخيرُ في جميع الأوقات؛ والعصر والعشاء بعكس ذلك فيهما= كان ما بعُد عن المحذور أولى بالمراعاة. وكلام أحمد يدل على هذا التعليل لأنه قال (٣): في يوم الغيم يؤخِّر

стр. 913

الظهرَ حتى لا يشك أنها قد حانت، ويعجِّل العصر. والمغربُ يؤخِّرها حتَّى يعلم أنه سواد الليل، ويعجِّل العشاء. وقد جاءت الأحاديث باستحباب تعجيل العصر مع الغيم خشية الفوات، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وهذا يدلُّ على أن الذي يُحذَر من تفويت العصر في الغيم لا يخاف مثلُه في الظهر، وعلى أن العصر هي التي تعجَّل مع الغيم، إذ لا مفسدة في تعجيلها في مثل هذه الحال، بخلاف الظهر. وعلى هذا فلا فرق بين المصلِّي وحده أو في جماعة مجتمعين أو مفترقين (١). وعلى هذا المنصوص، فإنه يستحَبُّ تأخيرُ المغرب وتعجيلُ العشاء مع الغيم أيضًا؛ لما تقدَّم من الأثر والمعنى. وعلى الرواية الأولى لا يستحب. وفرَّق جماعة من أصحابنا (٢)، فاستحبُّوا تأخيرَ الظهر مع الغيم، ولم يستحبُّوا تأخير المغرب إذا عُلِم دخولُ وقتها، أو غلب على الظن، لأنَّ السنَّة التبكير فيها، ولأنَّ وقت العشاء قريب منها فلا يشُقُّ انتظارها، ولأن الخروج بعد الغروب قد يشُقُّ؛ ولأنَّ العشاء: السنَّةُ التأخير فيها. والصحيح: المنصوص، لما تقدَّم. وقد صحَّ عنه ﷺ : أنه كان يؤخِّر المغرب ويعجِّل العشاء في مواضع تُذكَر إن شاء الله في باب الجمع. ولا تعريج مع السنَّة على رأي أحد. والعشاء وإن كانت السنَّة فيها التأخير، لكن

стр. 914

إذا أُخِّرت المغرب فإنه ينبغي أن لا يؤخَّر العشاء، بل يقارب بينهما كما في حال الجمع. فصل وأمَّا العصر، فالسنَّة تعجيلها بكلِّ حال في المعروف من نصوصه في عامَّة جواباته، وهو مذهبه الذي لا خلاف فيه بين أصحابه. وقد روى عنه صالح (١): آخر وقت العصر ما لم تَغيَّر الشمس. وقال: يؤخِّر الصلاةَ أحبُّ إليَّ؛ آخِرُ وقت العصر عندي ما لم تصفرَّ الشمسُ (٢). فجعل القاضي وابنه هذه روايةً ثانيةً بتصريحه بأنَّ آخر الوقت أحبُّ إليه (٣). والأشبه ــ والله أعلم ــ أنه إنما قصَد أنَّ القول بجواز تأخير العصر أحبُّ إليَّ من قول من لا يجوِّز تأخيرها إلى الاصفرار؛ فإنَّ استحباب تأخير العصر بعيدٌ جدًّا من مذهبه. وله مثل هذا الكلام كثيرًا (٤)، يقول: «هذا أحبُّ إليَّ»، وليس غرضه الفعل، وإنما غرضه حكم الفعل. والأصل في ذلك ما تقدَّم من الأمر الكلِّي. وأيضًا ما روى أنس، قال: كان رسول الله ﷺ [ص ٤٦] يصلِّي العصر،

стр. 915

والشمسُ مرتفعة حيَّة، فيذهب الذاهب إلى العوالي، فيأتيها والشمس مرتفعة. أخرجوه (١). وفي رواية: وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال أو نحوه. رواه أحمد والبخاري (٢). وعن أنس قال: صلَّى بنا رسولُ الله ﷺ العصرَ، فأتاه رجل من بني سَلِمة، فقال: إنّا نريد أن ننحر جزورًا لنا، وإنَّا نحبُّ أن تحضرها. قال: «نعم». فانطلَق وانطلقنا معه، فوجدنا الجزور لم تُنحَر، فنُحِرت، ثم قُطِّعت، ثم طبخ منها، ثم أكلنا قبل أن تغيب الشمس. رواه مسلم، والدارقطني (٣) وزاد: كنَّا نصلِّي مع رسول الله ﷺ العصرَ، فيسير الراكب ستة أميال قبل أن تغيب الشمس. وعن رافع بن خَديج قال: كنا نصلِّي العصر مع رسول الله ﷺ ، ثم ننحر الجَزور، فتُقسَم عشرَ قِسَم، ثم تُطبَخ (٤)، فنأكل لحمًا نضيجًا قبل مغيب الشمس. متفق عليه (٥). وعن أبي مسعود الأنصاري عن النبيِّ ﷺ : أنه كان يصلِّي العصرَ،
следующие страницы →