← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

وهو الذي ذكره الشيخ. وذلك لأنَّ الصلاة في أول الوقت أفضل, كما تقدَّم. وإنما خولف في شدّة الحرِّ لمعنى يختصُّه [ص ٤٤] فيبقى فيما سوى ذلك على استحباب التعجيل. ولأنَّ ما تقدَّم من تعجيل النبيِّ ﷺ صلاة الظهر مطلقًا، وتعجيلَه إياها في الشتاء من غير تفريق بين حالَي الغيم والصحو= دليل على أنهم لم يفهموا من حاله رعايةَ ذلك، مع أنَّ الشتاء مظِنّة الغيوم. والرواية الثانية: يؤخِّرها في الغيم أيضًا، وهذه أصرَح عنه. قال ﵁ (١): يؤخِّر الظهرَ في يوم الغَيم، ويعجِّل العصرَ، ويؤخِّر المغربَ، ويعجِّل العشاء. وقال أيضًا (٢): في يوم الغيم يؤخِّر الظهرَ حتى لا يشُكَّ أنها قد حانت، ويعجِّل العصرَ. والمغرب يؤخِّرها حتى يعلم أنه سواد الليل، ويعجِّل العشاءَ. وهذا اختيار أكثر أصحابنا، لما روى سعيد في «سننه» عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يؤخِّرون الظهر، ويعجِّلون العصر، ويؤخِّرون المغرب في اليوم المُغِيم (٣). وهذا إخبار عن أهل الكوفة من أصحاب علي وعبد الله، ومَن بين ظهرانيهم من الصحابة. ومَن علِم حالَهم علِمَ أنهم لم يكونوا يتحرَّون ذلك إلا تلقِّيًا له عن أصحاب رسول الله ﷺ ؛ لأنَّ الصلاة تتكرَّر في كلِّ وقت، فأمرُ الوقت بها لا بَّد أن يتقدَّم فيه سنّة وأثر (٤)، ولا يجوز أن

стр. 912

يتحرَّوا مخالفة ما ظهر من السنة. وقال ابن المنذر (١): رُوِّينا عن عمر أنه قال: إذا كان يومُ غيم فعجِّلوا العصر، وأخِّروا الظهر. ولأنَّ الغيم مظِنَّة المطر وغيره من الموانع للخروج، فإذا أُخِّر الظهر، وعُجِّل العصر، وأُخِّر المغرب، وعُجِّل العشاء= اكتُفي لهما بخروج واحد للمشقَّة. ولهذا قال القاضي: لا يستحَبُّ التأخير لمن يصلِّي في بيته. وقال غيره: بل يستحَبُّ على ظاهر كلامه. وعلَّل بعض أصحابنا هذه المسألة بأنَّ الغَيم في الجملة مظِنَّة اشتباه الوقت، فأخَّرنا الظهر والمغرب لنتيقَّن دخولَ الوقت (٢)، فإنهما لا يُفعلان قبل وقتهما بحال، وفعلُهما بعد خروج الوقت جائز للعذر، وهذا عذر في الجملة؛ بخلاف العصر والعشاء فإنهما يصلَّيان قبل وقتهما في حال العذر، وهذا عذر في الجملة، ولا يصلَّيان بعد وقتهما بحال. وأمَّا الفجرُ، فلمَّا لم يجُز بحالٍ تقديمها ولا تأخيرها استوى في حال الاشتباه الأمران. ولذلك استحببنا أن نجعل الثانية من صلاتي الجمع مع تأخير الأولى، ليبقى بمنزلة الجامع بين الصلاتين. وأيضًا فلما كانت الظهر والمغرب يُحذَر فعلُهما قبل الوقت بكلِّ حال [ص ٤٥] ولا يُحذَر التأخيرُ في جميع الأوقات؛ والعصر والعشاء بعكس ذلك فيهما= كان ما بعُد عن المحذور أولى بالمراعاة. وكلام أحمد يدل على هذا التعليل لأنه قال (٣): في يوم الغيم يؤخِّر

стр. 913

الظهرَ حتى لا يشك أنها قد حانت، ويعجِّل العصر. والمغربُ يؤخِّرها حتَّى يعلم أنه سواد الليل، ويعجِّل العشاء. وقد جاءت الأحاديث باستحباب تعجيل العصر مع الغيم خشية الفوات، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وهذا يدلُّ على أن الذي يُحذَر من تفويت العصر في الغيم لا يخاف مثلُه في الظهر، وعلى أن العصر هي التي تعجَّل مع الغيم، إذ لا مفسدة في تعجيلها في مثل هذه الحال، بخلاف الظهر. وعلى هذا فلا فرق بين المصلِّي وحده أو في جماعة مجتمعين أو مفترقين (١). وعلى هذا المنصوص، فإنه يستحَبُّ تأخيرُ المغرب وتعجيلُ العشاء مع الغيم أيضًا؛ لما تقدَّم من الأثر والمعنى. وعلى الرواية الأولى لا يستحب. وفرَّق جماعة من أصحابنا (٢)، فاستحبُّوا تأخيرَ الظهر مع الغيم، ولم يستحبُّوا تأخير المغرب إذا عُلِم دخولُ وقتها، أو غلب على الظن، لأنَّ السنَّة التبكير فيها، ولأنَّ وقت العشاء قريب منها فلا يشُقُّ انتظارها، ولأن الخروج بعد الغروب قد يشُقُّ؛ ولأنَّ العشاء: السنَّةُ التأخير فيها. والصحيح: المنصوص، لما تقدَّم. وقد صحَّ عنه ﷺ : أنه كان يؤخِّر المغرب ويعجِّل العشاء في مواضع تُذكَر إن شاء الله في باب الجمع. ولا تعريج مع السنَّة على رأي أحد. والعشاء وإن كانت السنَّة فيها التأخير، لكن

стр. 914

إذا أُخِّرت المغرب فإنه ينبغي أن لا يؤخَّر العشاء، بل يقارب بينهما كما في حال الجمع. فصل وأمَّا العصر، فالسنَّة تعجيلها بكلِّ حال في المعروف من نصوصه في عامَّة جواباته، وهو مذهبه الذي لا خلاف فيه بين أصحابه. وقد روى عنه صالح (١): آخر وقت العصر ما لم تَغيَّر الشمس. وقال: يؤخِّر الصلاةَ أحبُّ إليَّ؛ آخِرُ وقت العصر عندي ما لم تصفرَّ الشمسُ (٢). فجعل القاضي وابنه هذه روايةً ثانيةً بتصريحه بأنَّ آخر الوقت أحبُّ إليه (٣). والأشبه ــ والله أعلم ــ أنه إنما قصَد أنَّ القول بجواز تأخير العصر أحبُّ إليَّ من قول من لا يجوِّز تأخيرها إلى الاصفرار؛ فإنَّ استحباب تأخير العصر بعيدٌ جدًّا من مذهبه. وله مثل هذا الكلام كثيرًا (٤)، يقول: «هذا أحبُّ إليَّ»، وليس غرضه الفعل، وإنما غرضه حكم الفعل. والأصل في ذلك ما تقدَّم من الأمر الكلِّي. وأيضًا ما روى أنس، قال: كان رسول الله ﷺ [ص ٤٦] يصلِّي العصر،

стр. 915

والشمسُ مرتفعة حيَّة، فيذهب الذاهب إلى العوالي، فيأتيها والشمس مرتفعة. أخرجوه (١). وفي رواية: وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال أو نحوه. رواه أحمد والبخاري (٢). وعن أنس قال: صلَّى بنا رسولُ الله ﷺ العصرَ، فأتاه رجل من بني سَلِمة، فقال: إنّا نريد أن ننحر جزورًا لنا، وإنَّا نحبُّ أن تحضرها. قال: «نعم». فانطلَق وانطلقنا معه، فوجدنا الجزور لم تُنحَر، فنُحِرت، ثم قُطِّعت، ثم طبخ منها، ثم أكلنا قبل أن تغيب الشمس. رواه مسلم، والدارقطني (٣) وزاد: كنَّا نصلِّي مع رسول الله ﷺ العصرَ، فيسير الراكب ستة أميال قبل أن تغيب الشمس. وعن رافع بن خَديج قال: كنا نصلِّي العصر مع رسول الله ﷺ ، ثم ننحر الجَزور، فتُقسَم عشرَ قِسَم، ثم تُطبَخ (٤)، فنأكل لحمًا نضيجًا قبل مغيب الشمس. متفق عليه (٥). وعن أبي مسعود الأنصاري عن النبيِّ ﷺ : أنه كان يصلِّي العصرَ،

стр. 916

والشمسُ بيضاء مرتفعة، يسير الرجل حين ينصرف منها إلى ذي الحُليفة ستة أميال قبل غروب الشمس. رواه الدارقطني (١). وعن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يصلِّي العصرَ، والشمسُ طالعةٌ في حُجْرتي، لم يظهر الفيءُ بعدُ. متفق عليه (٢). وقال البخاري (٣): وقال أبو أسامة: «من قعر حجرتها». ولو كان يؤخِّرها لكانت الشمس قد مالت حتى خرجت من الحجرة، وظهر فيها الفيء، لأنها ليست كبيرة (٤). ولأنَّ الله سبحانه أمر بالمحافظة عليها خصوصًا، وكذلك أمرَ رسولُه بذلك. وكمالُ المحافظة: أن تُصَلَّى في أول الوقت، ولا تُعرَّض (٥) للفَوات ودخول وقت الكراهة. وكذلك وكَّد التبكيرَ بها مع الغيم، كما قد نصَّ عليه أحمد. فروي عن بريدة قال: كنَّا مع رسول الله ﷺ في غزوة، فقال: «بكِّروا بالصلاة في اليوم الغَيم، فإنَّ من فاتته صلاة العصر حبِط عملُه» رواه أحمد وابن ماجه (٦).

стр. 917

وروى أحمد والبخاري والنسائي (١) من حديث أبي المَليح بن أسامة قال: كنَّا مع بريدة في غزوة في يوم ذي غيم، فقال: بكِّروا بصلاة العصر، فإنَّ رسول الله ﷺ قال: «من ترك صلاةَ العصر حبِط عملُه». فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ (٢) [ق: ٣٩]، وإنما يقال «قبل الغروب» لما كان قريبًا منه. وفي تأخيرها توسعة لوقت النفل. قلنا: [ص ٤٧] الصلاة المفعولة في أول الوقت هي قبل الغروب (٣)، وهي مرادة من الآية بالسنة الصحيحة وبالإجماع، كصلاة الفجر المؤدَّاة في أول وقتها هي قبل الطلوع (٤). وقربُها من غروب الشمس ليس فيه فضيلة

стр. 918

لوجهين. أحدهما: أن تأخيرها إلى حين الاصفرار لا يجوز مع أنه أقرب إلى غروبها. الثاني: أن الأمر بالتسبيح قبل الغروب، وكلَّما بعُد عن الغروب كان أتمَّ تقديمًا على الغروب وأقرب إلى تحقيق القبلية. وأمَّا اتساعُ وقت النفل، فيعارضه خشيةُ التفويت وما فيه من المخاطرة بالفرض. ثم ما حصل له بالصلاة في أول الوقت أحبُّ إليه من جميع النوافل؛ فإن حدود الفرائض المسنونة وتكميل أدائها أولى بالرعاية من أصل النوافل. ولهذا كان إدراك تكبيرة الافتتاح مع الإمام أولى من الاشتغال عنها بالسنن الرواتب. وفي تعجيلها اتساع وقت ذكر الله المشروع آخر النهار. ثم إنَّا لا نسلِّم أن توسيع وقت النافلة مقصود، بل إذا كان مقصود الشارع في ترك النافلة بعد العصر كان مقصودًا مع سعة وقت الترك، وكان ذلك أحبَّ إلى الله تعالى. فصل وأما المغرب، فالسنَّة فيها التعجيل، وهذا مما أجمعت عليه الأمَّة. وقد روى سلَمة بن الأكوع أنَّ رسول الله ﷺ كان يصلِّي المغربَ إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب. رواه الجماعة إلا النسائي (١). وعن رافع بن خَديج قال: كنا نصلِّي المغربَ مع النبي ﷺ ، فينصرف

стр. 919

أحدُنا وإنه لَيُبصِرُ مواقعَ نَبْلِه. متفق عليه (١). وقد تقدَّم القول في كراهة المداومة على تأخيرها. وروي أن عمر بن عبد العزيز أخَّر المغربَ ليلةً حتى رأى نجمَين، فأعتَق رقبتَين (٢). فأمَّا ليلة الغَيم، فقد تقدَّم أنَّ أنَصَّ الروايتين (٣) عنه وأصحَّهما عند أكثر أصحابنا استحبابُ تأخيرها، كما تقدَّم في تأخير الظهر. فأمَّا تأخيرها في غير ذلك، فلا يستحَبُّ مطلقًا. واستثنى أبو الخطاب (٤) وطائفة معه تأخيرَها ليلةَ جمعٍ للمحرِم، فإن السنَّة أن يؤخِّر المغرب حتى يصلِّيها مع العشاء بالمزدلفة في المناسك عند بعض أهل العلم، حتَّى لم يجوِّزوا أن يصلِّي بغير المزدلفة. لكن هذا في الحقيقة تأخير الصلاة عن وقتها، ونحن إنما نتكلَّم في تأخيرها إلى آخر الوقت. فأما التأخير عن الوقت فهو الجمع بين الصلاتين، وفي استحبابه حيث يجوز خلافٌ وتفصيلٌ [ص ٤٨] يُذكرَ إن شاء الله تعالى في موضعه (٥). ولمن استثناها أن يقول: المستحَبُّ أن يؤخِّر ليصلِّي بمزدلفة، سواء

стр. 920

جمع بينها وبين العشاء، أو لم يجمع؛ حتَّى لو فرضنا أنه سار سيرَ البريد حتى وافى جمعًا قبل مغيب الشفق، فإنَّ السنَّة أن يؤخِّر المغربَ ليصلِّيها فيها ولو كان قبل مغيب الشفق. ولمن لم يستثنها أن يقول: هذه الصورة نادرة، والحكم مبنيٌّ على الغالب. وبالجملة، فلا خلاف في المعنى؛ وكلُّهم قد ذكروها في المناسك. فصل وأمَّا العشاء، فإنَّ الأفضل تأخيرها من غير خلاف في المذهب، إلا أن يشقَّ التأخير على المصلِّين، إلا ليلةَ الغيم إذا أُخِّرت المغربُ كما تقدَّم. وذلك لما روى ابن عباس قال: أعتَمَ النبيُّ ﷺ ليلةً بالعشاء حتَّى رقد الناس واستيقظوا، ورقدوا واستيقظوا، فقام عمر، فقال: الصلاة. فخرج نبيُّ الله ﷺ ، وقال: «لولا أن أشُقَّ على أمتي لأمرتُهم أن يصلُّوها هكذا» متفق عليه (١). وقال أبو بَرْزة: كان يستحِبُّ أن يؤخِّر العشاءَ التي تدعونها «العَتَمة». متفق عليه (٢). وفي لفظ: كان يؤخِّر العشاء إلى ثلث الليل. رواه أحمد ومسلم (٣). وقال جابر بن سمُرة: كان رسول الله ﷺ يؤخِّر العشاء الآخرة. رواه أحمد ومسلم والنسائي (٤).

стр. 921

وعن ابن عمر قال: مكثنا ليلةً ننتظر رسولَ الله ﷺ لصلاة العشاء الآخرة، فخرج إلينا حين ذهب ثلثُ الليل أو بعده، فقال حين خرج: «إنكم لتنتظرون صلاةً ما ينتظرها أهلُ دين غيركم. ولولا أن تثقل على أمتي لَصلَّيتُ بهم هذه الساعة» ثم أمر المؤذِّنَ، فأقام الصلاة، وصلَّى. رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي (١). وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لولا أن أشُقَّ على أمتي لأمرتُهم أن يؤخِّروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه» رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن صحيح (٢). ولأن في تأخيرها فوائد، علِمنا منها: أن تصلَّى في جوف الليل وتقرَّب (٣) من آخره. وهو الوقت الذي ينزل الله فيه إلى سماء الدنيا، فيقول: من يدعوني فأستجيبَ له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ وقد روى عبد الله بن مسعود قال: أخَّر رسولُ الله ﷺ صلاةَ العشاء، ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة، فقال: «أمَا، إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكُر الله هذه الساعة غيركم» [ص ٤٩] فأنزلت هذه الآيات: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ حتى بلغ ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١١٣ - ١١٥] رواه أحمد والترمذي (٤).

стр. 922

ولذلك استُحِبَّ تأخيرُ الوتر إلى آخره. قال سبحانه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [الإسراء: ٧٨] ومعلوم أنه إذا اشتدَّت الظلمة وبعُد عن النهار كان هذا المعنى (١) أبلغ. وإنما لم يُشرَع ــ والله أعلم ــ تأخيرُها إلى النصف الثاني لأنه مضاف إلى اليوم الذي يليه، فالتأخيرُ إليه تأخيرٌ إلى ما (٢) يقرب منه النهار. ولأنَّ فيه تغريرًا بها، إذ كانت السنَّة أن يصلِّيَ قبل النوم لئلا يستمرَّ النوم إلى الفجر؛ ولأنَّ الجمعَ بين استحباب تأخيرها إلى النصف الثاني وبين كراهة النوم قبلها متعذِّر (٣)، فإنه يقتضي سهر أكثر الليل، وذلك مفضٍ إلى غلبة النعاس وتفويت مقصود الصلاة. ومنها: أنه إذا انتظرها فإنَّ العبد في صلاة، ما دامت الصلاة تحبسه. وإلى هذا أشار ﷺ بقوله: «إنكم لَتنتظرون صلاةً ما ينتظرها أهلُ دين غيرَكم»، فإن أهل الكتاب ليست لهم صلاة في جوف الليل، وإنما يصلُّون قبل طلوع الشمس وبعد زوالها وبعد غروبها. وهذا المعنى لا يحتاج إليه في غيرها، فإنه يقدر أن يصلِّيها في أول الوقت، ويجلس ينتظر التي بعدها، فإنَّ انتظار الصلاة قبل وقتها ــ لاسيَّما بعد صلاة أخرى ــ يستحَبُّ، بخلاف العشاء فإنه لا صلاة بعدها تُنتَظر.

стр. 923

ومنها: أنه إذا أخَّرها ختَم عملَه بالصلاة، ونام عليها، ولم يتحدَّث بعدها. فختَم عمله بخير، وأمِن من كراهة السمر بعدها. ومنها: أن الأصوات تكون قد هدأت، والعيون قد رقدت. وذلك أقرب إلى نزول السكينة، واجتماع الهمِّ على الصلاة، والخشوع فيها، وبُعدها عن الشواغل وما يلهي المصلِّي. ومنها: أن يبعُد العهدُ بأعمال النهار وحركاته، والأفكار والوساوس الحاصلة بسبب ذلك. ويستحَبُّ تأخيرها بكلِّ حال، في إحدى الروايتين، على ظاهر الحديث المتقدِّم عن أبي برزة وجابر بن سمرة. ولأنَّ قوله في حديث ابن عباس وأبي هريرة: «لولا أن أشقَّ على أمتي لأمرتُهم أن يؤخِّروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه» (١) إنما نفى به أمرَ الإيجاب، فإنَّ المشقَّةَ (٢) إنما تحصل بالإيجاب دون الاستحباب، وهو يقتضي قوة استحباب التأخير، إذ كان المقتضي للوجوب قائمًا لولا وجودُ المانع. وسواء شقَّ عليهم التأخير [ص ٥٠] أو لم يشُقَّ، فإنَّ ذلك لا يمنع الاستحباب، كما في قوله ﵇: «لولا أن أشُقَّ على أمتي لأمرتُهم بالسواك عندَ كلِّ صلاة»، وقوله: «لولا أن أشُقَّ على أمتي لأمرتُهم بالوضوء عند كلِّ صلاة» (٣). والرواية الثانية: أنَّ المستحَب التأخير الذي لا يشُقُّ على المأمومين

стр. 924

غالبًا. فإن أخَّرها تأخيرا يشقُّ عليهم غالبًا كُرِه؛ لما روى زيد بن خالد الجهني أن رسول الله ﷺ قال: «لولا أن أشقَّ على أمتي لأخَّرتُ صلاةَ العشاء إلى ثلث الليل» رواه أحمد. والترمذي وقال: حديث حسن صحيح (١). وكذلك في حديث ابن عمر: «لولا أن تثقُلَ على أمتي لصلَّيتُ بهم هذه الساعة» (٢)، وقوله في حديث أبي سعيد: «لولا سَقَمُ السقيم، وضعفُ الضعيف، وحاجةُ ذي الحاجة= لأخَّرتُ هذه الصلاةَ إلى شطر الليل»، وقد تقدَّم. وكذلك قولُه في حديث عائشة: «إنه لَوقتُها، لولا أن أشقَّ على أمتي» (٣)؛ فإنَّ هذه الأحاديث تدل على أنَّ وجودَ المشقة على المأمومين يمنع استحبابَ التأخير وشرعَه. وعلى هذا بنيت قاعدة الصلاة، فإنَّ الإمام يُكرَه أن يطوِّل على المأمومين تطويلًا يفتِنهم به، وإن كان التطويل عبادة محضة. فالتأخيرُ الذي يفتِنهم، ويفوِّتهم الصلاةَ جماعةً، أو يُوجِب أن يصلُّوها متكرِّهين (٤) متضجِّرين= أولى أن يُكرَه. وما في التأخير من الفضيلة إنما يُقصَد لو لم يفُتْ ما هو أفضل منه. وإنَّ أفضلَ منه لكثرةُ الجماعة، وتحصيلُ الجماعة للمصلِّين، ونشاطُ القلوب للصلاة، وتحبيبُ الله إلى عباده. ولأنَّ المشقة قسمان:

стр. 925

أحدهما: في خاصَّة الإنسان، فله أن يحتمل هو المشقة لتحصل فضيلة التأخير. وهذه المشقة هي المانعة من الإيجاب. والثاني: يتعدَّى إلى المأمومين، وليس للإمام أن يحمل الناس مشقةً لم تجب عليهم، وهذه هي المانعة من استحباب التأخير. قال جابر بن عبد الله ﵄: كان نبيُّ الله ﷺ يصلِّي الظهر بالهاجرة، والعصرَ والشمسُ نقيَّةٌ، والمغربَ إذا وجبت، والعشاءَ أحيانًا وأحيانًا: إذا رآهم اجتمعوا عجَّل، وإذا رآهم قد أبطؤوا أخَّر؛ والصبحَ كان يصلِّيها بغلس. متفق عليه (١). وروى سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في «مغازيه» (٢) عن عبد الرحمن بن غَنْم قال: حدَّثنا معاذ بن جبل قال: لمَّا بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قال: «أظهِرْ كبيرَ الإسلام وصغيرَه، وليكن من أكثرها الصلاة، فإنَّها رأس [ص ٥١] الأمر بعد الإقرار بالدين. إذا كان الشتاء فصَلِّ صلاةَ الفجر في أول الفجر، ثم أطِل القراءةَ على قدر ما يطيق الناس، ولا تُمِلَّهم وتُكرِّه إليهم أمر الله. ثم عجِّل الصلاة الأولى قبل أن تميل الشمس. وصلِّ

стр. 926

العصر والمغرب في فصل الشتاء على ميقات واحد: العصرَ والشمسُ بيضاءُ مرتفعةٌ، والمغربَ حين (١) تغيب الشمس وتوارى بالحجاب. وصلِّ العشاء، فأعتِمْ بها، فإنَّ الليل طويل. فإذا كان الصيف فأسفِرْ بالصبح، فإنَّ الليل قصير وإن الناس ينامون، فأمهِلْهم حتى يدركوها. وصلِّ الظهر بعد أن ينقص (٢) الظل وتَحرَّك الرياحُ، فإن الناس يقيلون، فأمهِلْهم حتَّى يدركوها. وصلِّ العَتَمةَ، فلا تُعتِم بها، ولا تُصلِّها حتى يغيب الشفق». ويستحب التأخير إلى نصف الليل، إذا قلنا: يمتدُّ الوقت إليه، على إحدى الروايتين؛ لأن في حديث أبي سعيد: «لأخَّرتُ العشاءَ إلى نصف الليل». وقيل: إنما يستحَبّ إلى الثلث على الروايتين، لأنَّ ما بعد ذلك مختلَف في كونه وقتًا، فلم يستحَبَّ التأخيرَ إليه، وإن قلنا: إنه وقتٌ؛ خروجًا من الخلاف. فصل وأمَّا الفجر، فإنَّ التغليس بها أفضل. قال الإمام أحمد: التغليس في الفجر مذهبي. وكان يأمر به ويصلِّي بأصحابه بغلَس إن لم يكن في التغليس مشقة على المأمومين. ثم إن كان المأمومون يغلِّسون، أو أمكن أن يُعوَّدوا التغليسَ من غير مشقة، أو كان الوقت لا يشقُّ فيه التغليس عليهم ولا على غيرهم، أو ليس هناك جماعة تنتظر كالقوم المجتمعين، وكالصلاة في المساجد المبنية على الطرقات التي ليست لها جماعة راتبة، ونحو ذلك=

стр. 927

فلا يختلف المذهبُ أنه هو الأفضل، لما روت عائشة ﵂ قالت: كنَّ نساءُ المؤمنات يشهدن مع رسول الله ﷺ صلاةَ الفجر متلفِّعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من التغليس. رواه الجماعة (١). وللبخاري (٢) قال: كان يصلِّي الصبح بغلَس، فينصرف نساءُ المؤمنات، لا يُعرَفن من الغلَس، ولا يعرف (٣) بعضُهن بعضًا. وقد تقدَّم قولُ جابر: كان يصلي الفجر بغلس؛ وقولُ أبي برزة: كان ينصرف منها حين يعرف الرجل جليسه، ويقرأ فيها بالستين إلى المائة. وقال سهل بن سعد: كنت أتسحَّر مع أهلي، ثم يكون بي سرعةٌ أن أُدرِك صلاةَ الفجر مع رسول الله ﷺ . رواه البخاري (٤). وقال زيد بن ثابت: تسحَّرنا مع رسول الله [ص ٥٢] ﷺ ثم قمنا إلى الصلاة. قلت (٥): كم قدرُ ما بينهما؟ قال: قدر خمسين آية. رواه الجماعة إلا أبا داود (٦).

стр. 928

وعن أبي مسعود الأنصاري: أنَّ رسول الله ﷺ صلَّى صلاة الصبح مرةً بغلس، ثم صلى مرةً أخرى، فأسفر بها. ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات. لم يعُد إلى أن يُسفِر. رواه أبو داود (١). ولأنَّ التغليسَ بها عملُ الخلفاء الراشدين وغيرهم من أصحاب النبي ﷺ . جاء ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي موسى وابن عمر وابن الزبير ﵃ أجمعين (٢). وما نُقِل عن بعضهم من الإسفار، فلعله كان لعارض. ولأنَّ التغليس صلاة في أول الوقت فهو أفضل، كما تقدَّم. وفيه من الفوائد ما ذكرناه في تأخير العشاء وغير ذلك من قربها من صلا ة الليل، وبُعدها عن حركات النهار، وانتشار الأصوات، وافتتاح يومه بأداء الفرض، إلّا (٣) انتظار الصلاة فإنه يخلفه هنا جلوسُ المصلِّي في مصلَّاه حتى تطلع الشمس. ولأن ذلك أدعى إلى الاستيقاظ، واتساع ذكر الله المشروع أولَ النهار. ولأنَّ الجهر بقراءتها يُلحِقها في صلوات الليل، فكلَّما كانت الظلمة أشدَّ كان وقتها إلى الليل أقرب، وإن كانت من صلوات النهار، كما نصَّ عليه الإمام أحمد (٤). ولأنَّ إطالة القراءة فيها من السنن المؤكدة، وهذا إنما يتمُّ بالتغليس.

стр. 929

ولعل الذين أسفروا بها من الصحابة إنما أسفروا بالخروج منها لإطالة القراءة. فقد روى حرب والخلال وغيرهما أنَّ أبا بكر الصدِّيق ﵁ صلَّى صلاة الفجر، فقرأ سورة البقرة، فقالوا: كادت الشمس تطلع. فقال: لو طلعَتْ لم تجدنا غافلين (١). وفي رواية: سورة آل عمران (٢). وكذلك روى السائب بن يزيد قال: صلَّيتُ خلفَ عمر الصبحَ. فلما انصرفوا استشرفوا الشمسَ، فقال: لو طلعَتْ لم تجدنا غافلين (٣). فإن قيل: فقد روى رافع بن خَدِيج قال: قال رسول الله ﷺ : «أسفِروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر» رواه الخمسة. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح (٤). وقال عبد الله بن مسعود: ما رأيت رسول الله ﷺ صلَّى صلاةً لغير ميقاتها إلا صلاتَين: جمعَ بين المغرب والعشاء بجَمْعٍ، وصلَّى الفجرَ يومئذ قبل [ص ٥٣] ميقاتها رواه الجماعة (٥). وفي رواية لمسلم (٦): «بغلَس».

стр. 930

وهذا يقتضي أن عادته كانت الإسفار في غير هذا الموضع، إذ المراد به: قبلَ وقتها الذي كانت عادته أن يصلِّيها فيه. فإنه لم يصلِّها يومئذ حتى برَق الفجرُ، كما في حديث جابر. وهي قبل ذلك لا تجوز إجماعًا. قلنا: قال الإمام أحمد: الإسفار عندي أن يتيقَّن الفجرَ (١). ولم يرَ الإسفارَ التنوير. يقال للمرأة: أسفرت عن وجهها. وقال أيضًا: إسفار الفجر: طلوعه (٢). وهذا لأنه يقال: أسفر الفجر: أضاء. وأسفر وجهُه حسنًا: أي أشرَق. وسفَرت المرأة: كشفت عن وجهها. ومَسافِرُ الوجه (٣): ما يظهر. ومنه: السَّفَر، والسِّفْر، والسَّفير. فهذه المادة حيث تصرَّفت، فإنما معناها: البيان والظهور (٤). ومعلوم أنه إذا طلع الفجر فقد حصل البيان والظهور. قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ويقال: أبيَن من فلَق الصبح، ومن فرَق الصبح. ومعنى الحديث على هذا: تأخيرُها حتى يتيقَّن الفجر بحيث لا يكون فيه شكٌّ لأحد، وإن جاز فعلُها أولَ ما يبزغ به (٥)، بحيث قد يحصل معه شكٌّ لبعض الناس، لاسيَّما من يقول: إنه يجوز فعلُها إذا غلب على الظن دخولُ الوقت. وإنما ذُكِر هذا في الفجر لأنَّ طلوع الفجر مظِنَّةُ الاشتباه، لاسيَّما إذا

стр. 931

اشتبه ضوءه بضوء القمر في ليالي القمر. وكثيرًا ما قد صُلِّي الفجر، ثم تبيَّن لهم أنَّ الفجر لم يطُلع. وقد وقع ذلك لعدد من الصحابة وغيرهم (١)، بخلاف زوال الشمس وغروبها. ولهذا ــ والله أعلم ــ مدَّ الله الأكلَ بالليل إلى أن يتبيَّن الفجر، وقال: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فجعل وقتَ الفجر منوطًا بتبيُّنه وظهوِره، وهو الإسفار الذي أمر (٢) النبي ﷺ به على هذا التفسير. ولم يقل: ثم أتِمُّوا الصيام حتى يتبيَّن لكم الليلُ، لأنَّ دخول الليل لا شبهة فيه. فإذا أُخِّرت حتى يظهر ضوء الفجر ويتبيَّن كان أبعد عن الشبهة. ولعله بهذا (٣) أيضًا أن يتسحَّر الناس حتى يتبيَّن لهم الفجر، وأن لا يكفُّوا عن الطعام إذا اشتبه عليهم الحال. وقد جاء ذلك مأثورًا عن الصحابة في قضايا متعددة، فكأنّ المؤذِّن والمصلِّي (٤) إذا لم يتبيَّن طلوعُ الفجر منع الناس ذلك (٥). وقد قيل: إنَّ أولئك القوم لما أُمِروا بتعجيل الصلوات احتمل أنهم كانوا يصلُّونها ما بين الفجر الأول والثاني؛ طلبًا للأجر في تعجيلها، ورغبةً في الثواب. فقيل لهم: صلُّوها بعد الفجر الثاني، فإنه أعظم [ص ٥٤] للأجر، وإن كانت لا تجوز قبل الوقت، لكن لما قصدوا الخير (٦) ونوره فإنَّ الله يأجرهم

стр. 932

على نيَّاتهم (١)، لكن الأجر على ما يسقط (٢) من الفرض أعظم. وكثيرًا ما يفضَّل (٣) الواجب على المحرَّم كقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الآية [الجمعة: ٩] وقوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]، وقوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، وهذا كثير. وكذلك حديث ابن مسعود، فإن عادته ﷺ كانت تأخير الصلاة عن طلوع الفجر قليلًا بحيث يتمكَّن الناس من الطهارة والسعي إلى المسجد ونحو ذلك. وهذا القدر لا يُخِلُّ بالتقديم المستحَبِّ عندنا. فلما (٤) كان يوم مزدلفة صلَّاها حين برَق الفجرُ. وقد قيل: «أسفِرُوا بالفجر» أراد به إطالةَ القراءة فيها حتى يُسفر الفجر، فإن إطالتها أعظم للأجر، فإنه يستحَبُّ من إطالة القراءة فيها ما لا يستحَبُّ في سائر الصلوات، فيكون الإسفار بفعلِها والخروجِ منها، لا بنفس الابتداء فيها، كما كان الخلفاء الراشدون يفعلون. ويحتمل أن يكون ذلك خطابًا لمن يتأخَّر [من] (٥) المأمومين عندهم

стр. 933

كزمان الصيف، كما جاء مفسَّرًا في حديث معاذ بن جبل. فصل والتغليس أفضل من الإسفار مطلقًا في إحدى الروايتين عنه، لما تقدَّم، ولأن النبيَّ ﷺ كان يغلِّس بها دائمًا (١)، مع أنه كان يراعي حال المأمومين في العشاء (٢)، فدلَّ على افتراقهما. والرواية الثانية: التغليس أفضل، إلا أن يشُقَّ على المأمومين ويكون الإسفار أرفق بهم، فإنه يسفر بحيث يجتمعون فقط. وهذا أبيَن عنه، وأصح عند أكثر أصحابه، لما تقدَّم من وصية النبي ﷺ معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: «إذا كان الشتاء فصَلِّ صلاة الفجر في أول الفجر، ثم أطِل القراءةَ على قدر ما يطيق الناس، ولا تُمِلَّهم وتُكرِّهْ إليهم أمرَ الله. وإذا كان الصيف فأسفِرْ بالصبح، فإن الليل قصير، وإنَّ الناسَ ينامون، فأمهِلْهم حتى يدركوها» (٣). وقال الإمام أحمد: كان عمر إذا اجتمع الناس عجَّل، وإذا لم يجتمعوا أخَّر. وقد روي عن النبي ﷺ نحوُ ذلك، فروى أحمد في «المسند» (٤) عن

стр. 934

أبي الربيع قال: قلتُ لابن عمر: إني أصلِّي (١) معك، ثم ألتفِتُ، فلا أرى وجه جليسي. ثم أحيانًا تُسفر. قال: كذلك رأيت رسول الله ﷺ يصلِّي. وأُحِبُّ أن أصلِّيها كما رأيتُ رسول الله صلى الله [ص ٥٥] عليه وسلم يصلِّيها. ولعل قوله: «أسفِرُوا بالفجر، فإنه أعظم للأجر» (٢) عنى به هذا. ولأنه قد صحَّ عنه في العشاء أنهم كانوا إذا اجتمعوا عجَّل، وإذا أبطؤوا أخَّر (٣). فعُلِمَ أنه كان يراعي حالهم، وأنه إنما كان يغلِّس بها لأن أصحابه كانوا يغلِّسون، ولا يشقُّ عليهم التغليس. ولأنَّ استحبابَ تأخير العشاء آكدُ من تقديم الفجر (٤)، فإنه لم تختلف الأحاديث فيه، ولا اختلف الناس فيه إلا اختلافًا شاذًّا، ومع ذلك استحببنا تقديمَها إذا شقَّ على المأمومين، فكذلك الفجر. لكنَّ مشقة التأخير في العشاء أكثر من مشقة التغليس بالفجر، إلا أنَّ هذا لا يمنع رعاية المشقَّة عند حصولها. ولأنَّ التغليس بالفجر مع إسفار الجيران يفوِّت فضيلتين: إحداهما: كثرة الجمع. وهي مطلوبة، لما روى أبيُّ بن كعب رضي الله

стр. 935

تعالى عنه أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثُر فهو أحبُّ إلى الله» رواه أحمد وأبو داود (١). والثانية: تحصيل الجماعة للمصلي. فإنَّ النبي ﷺ سمَّاها صدقة، فقال: «ألا رجلٌ يتصدَّق على هذا، فيصلِّي معه» (٢). ولأنَّ في ذلك تفويتًا للجماعة عليهم، والنبيُّ ﷺ قد أمر الإمامَ بالتخفيف خشيةَ التنفير (٣)، وإن كان طول القنوت مستحبًّا في نفسه. ولذلك كان يخفِّف الصلاة إذا سمع بكاء الصبي، لِما يعلم من وجَل أمِّه به (٤). وكان يطيل الركعة الأولى حتى لا يسمَع وقعَ قدم (٥). ولأنه يستحَبُّ

стр. 936

انتظار الداخل في الركوع. كلُّ ذلك رعاية لحال المأمومين. ولأنَّ التأخير إذا كان لمصلحة راجحة مثل الصلاة بوضوء، والصلاة جماعةً، أو أن يكون امتثالًا لأمر أبيه أو سيِّده أو شبه ذلك= كان أفضلَ من التقديم. وهي هنا كذلك، لما تقدَّم. فإن قيل: فما الفرق بين الفجر والعشاء وسائر الصلوات؟ قلنا: الفجر والعشاء يكون النوم في بعض أوقاتهما، فيشقُّ فعلهما في وقت النوم. وأما غيرهما من الصلوات فإنَّ جميع أوقاتها سواء، فكان التقديم متعيِّنًا، بل ربما كان في الصلاة آخرَ الوقت أو وسطَه مشقّةٌ عليهم حتى لا ينضبط. فأمَّا هنا فإنَّ الإسفار وقت منضبط؛ حتى لو كان جماعة في مكان قد تهيّأ بعضهم لصلاة الظهر أو العصر أو المغرب، وبعضُهم لم يتهيَّأ، استحببنا التأخيرَ بحيث يتهيأ الجميع طردًا للقاعدة. [ص ٥٦] وبين الفجر والعشاء فرق، وهو أنَّ العشاء، المستحَبُّ فيها التأخير. وإنما تقدَّم إذا شقَّ على المصلِّين تأخيرها، والغالب حصول المشقة بذلك. والفجر، المستحَبُّ فيها التقديم، وإنما يؤخَّر إذا شقَّ على المأمومين تقديمُها، وليس الغالب حصول المشقة بذلك. وفرقٌ بين الاستحباب الناشئ من نفس الوقت، والاستحباب الناشئ من مصلحة المصلِّين، والله أعلم.

стр. 937

فصل تجب الصلاة بأول الوقت إذا كان من أهل الوجوب حينئذ، ويستقرُّ الوجوب بذلك في الذمة عند أكثر أصحابنا، وهو المنصوص عنه. وقال ابن بطة وابن أبي موسى: لا يستقرُّ الوجوب حتى يمكنه الأداء (١)، وهو قياس إحدى الروايتين في الزكاة والحج والصوم. وصورة ذلك أن تزول الشمس على امرأة طاهر فتحيض، أو على عاقل فيُجَنُّ. وإن كان بعد التمكن من فعل الصلاة وجب القضاء قولًا واحدًا، وكذلك إن كان قبل التمكن من الفعل (٢)، على المشهور. وعلى القول الآخر: لا يجب، لأنَّ هذا لم يقدر على الصلاة، ولا يكلِّف الله نفسًا إلا وسعها. ووجه الأول: أنَّ دخول الوقت سبب للوجوب، فوجب أن يتعلَّق به ويستقرَّ كسائر الأسباب. والمُكنةُ (٣) إنما تُعتبَر في لزوم الأداء، لا في نفس الوجوب في الذمة، بدليل ما لو دخل الوقت على نائم، ولم يستيقظ حتى خرج الوقت، فإنه يجب عليه القضاء، وإن لم يمكنه الأداء في الوقت. ثم القضاء إنما يجب إذا أمكن. وإذا لم يمكن فلا شيء عليه. وقد روى حرب (٤) بإسناده عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال للنساء: لا تنَمْنَ عن العتَمة مخافة أن تحِضْنَ.

стр. 938

فأما المسلم إذا ارتدَّ بعد دخول الوقت، فمن أصحابنا من يُلحقه بالعاقل إذا جُنَّ، ومنهم من لا يُلحِقه به. وحقيقة المذهب: أنَّا إن قلنا: لا يجب عليه قضاءُ ما تركه قبل الردَّة، فلا قضاء عليه بحال. وإن أوجبنا عليه قضاءَ ما تركه في الردَّة وقبلها، فليس من هؤلاء. وإن قلنا بالمشهور: أنه يقضي ما تركه قبلُ، دون ما تركه فيها، وكانت الردَّة بعد التمكُّن من الفعل= لزمه القضاءُ، لاستقرار الوجوب في الذمة. وإن كانت قبل التمكُّن، فكذلك أيضًا على المشهور. ففي ظاهر المذهب يجب القضاء على المرتدِّ بكلِّ حال. وتجب الصلاة أيضًا بإدراك آخر جزء من الوقت. فإذا أسلم الكافر أو طهرت الحائض أو النفساء في آخر جزء من وقت صلاةٍ، ولو أنه بقدر [ص ٥٧] تكبيرة، فعليهما فعلُها أداءً إن أمكن، وإلَّا فقضاءً من غير خلاف في المذهب، لأنهما أدركا بعضَ الوقت على وجهٍ يصحُّ بناءُ ما بعده عليه، فأشبَه من أمكنه فعلُ الجميع في الوقت. وكذلك إن بلغ الصبُّي وعقَل المجنونُ، وقلنا: لا صلاة عليهما. وإن كان الإدراك في وقت الثانية من المجموعتين وجبت الأولى أيضًا، لما ذكره الإمام أحمد وغيره عن عبد الرحمن بن عوف (١) وعبد الله بن عباس (٢) ﵄ قالا: إذا طهرت الحائض قبل مغيب الشمس صلَّت الظهرَ والعصرَ، وإذا رأت الطهر قبل أن يطلع الفجر صلَّت المغرب والعشاء. وروى حرب (٣) عن أبي هريرة قال: إذا طهرت قبل أن يطلع الفجر صلَّت المغرب والعشاء.

стр. 939

وهذا لأنَّ مواقيت الصلاة خمسة في حال الاختيار، وثلاثة في حال العذر والضرورة، بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] وقوله سبحانه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، وأنَّ السنَّة مضت بذلك في حال العذر حتى جاز أن يصلِّي الظهر والعصر ما بين الزوال إلى غروب الشمس، ويصلِّي المغرب والعشاء ما بين الغروب إلى طلوع الفجر. وهو الجمع بين الصلاتين إذا أخَّر الأولى بنية الجمع، ثم حدث له عذر أخَّرهما بسببه إلى وقت الضرورة. وهذا وقت ضرورة، فلذلك كان مدركًا للأولى بما أدرك به الثانية. وإن كان الإدراك في وقت الأولى بأن تحيض المرأة في وقت الظهر أو المغرب أو يُجَنَّ الرجل، فهل يجب عليهما قضاء العصر والعشاء؟ على روايتين: إحداهما: يجب القضاء، لأن وقتهما واحد. والثانية: لا يجب. وهي المنصورة عند أصحابنا، لأن وقت الأولى إنما يكون وقتًا للثانية إذا فعل الأولى، فتكون الثانية تابعةً لها؛ بخلاف وقت الثانية فإنه يكون وقتًا للأولى، فعَلَها أو لم يفعلها.

стр. 940

فصل ومن لم يصلِّ المكتوبة حتى خرج وقتها، وهو من أهل فرضها، لزمه القضاء على الفور؛ لما روى أنس بن مالك ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «من نسي صلاةً فَلْيُصلِّها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك» متفق عليه (١). وفي رواية لمسلم (٢): «إذا رقد أحدُكم عن الصلاة أو غفل عنها فَلْيُصلِّها إذا ذكرها، فإن الله يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]»، وفي لفظ (٣): «من نسي صلاةً [ص ٥٨] أو نام عنها، فكفَّارتها أن يصلِّيها إذا ذكرها» وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ نحوُه رواه مسلم وغيره (٤). وعن أبي قتادة في قصة نومهم عن الصلاة أن النبيَّ ﷺ قال: «ليس في النوم تفريط، فإذا نسي أحدكم صلاةً أو نام عنها فليصلِّها إذا ذكرها» رواه الجماعة إلا البخاري (٥). فأوجب ﷺ القضاء على الفور مع التأخير لعذر، فمع التأخير لغير عذر أولى. فإن قيل: تخصيص الحكم بالناسي دليل على أن العامد بخلافه. وقد قال ابن مسعود ﵁: إنَّ للصلاة وقتًا كوقت الحج (٦). وهذا يدل على

стр. 941

أن لا تُفعَل في غير الوقت. قلنا: إنما خصَّ النائم والناسي إذ لا إثم عليهما في التأخير إلى حين الذكر والانتباه بخلاف العامد، فكان تأخيرها عن وقتها من الكبائر. ومعنى قول ابن مسعود أنه لا يحِلُّ له أن يؤخِّرها عن وقتها، ولا يُقبَل منه إذا أخَّرها، كما قال الصدِّيق ﵁: إنَّ لله حقًّا بالليل لا يقبله بالنهار، وحقَّا بالنهار لا يقبله بالليل (١). وذلك أن الله تعالى أوجب عليه أن يصلِّي، وأن يفعَل ذلك في الوقت. فالإخلالُ بالوقت لا يوجب الإخلالَ بأصل الفعل، بل يأتي بالصلاة، ويبقى التأخيرُ في ذمَّته؛ إمَّا أن يعذِّبه الله، أو يتوب عليه، أو يغفر له. ولم يُرِد أن الصلاة كالحجِّ من كلِّ وجه، فإنَّ الحجَّ لا يُفعَل في غير وقته، سواء أُخِّر لعذر أو لغير عذر؛ والصلاة بخلاف ذلك. ومثل هذا ما روي أنَّ من أفطر يومًا من رمضان لم يقضِ عنه صيامُ الدهر كلِّه وإن (٢) صامه (٣). يعني: من أجل تفويت عين ذلك اليوم، مع أنَّ

стр. 942

القضاء واجب عليه. ويدل على ذلك أنَّ عمر وابن مسعود وغيرهما من السلف جعلوا تركَ الصلاة كفرًا، وتأخيرَها عن وقتها إثمًا ومعصيةً (١)، وفسَّروا بذلك قوله تعالى: ﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٥] وقوله تعالى: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ [مريم: ٥٩]. فلو كان فعلُها بعد الوقت لا يصحُّ بحال، كالوقوف بعرفة بعد وقته، لكان وجود تلك الصلاة كعدمها، وكان المؤخِّر كافرًا كالتارك. وقد أخبر النبيُّ ﷺ عن الأمراء الذين يؤخِّرون الصلاة حتى يخرج وقتها، وأمرَ أن يصلَّى خلفهم (٢). ولو كانت الصلاة فاسدة لم تصحَّ الصلاة خلفهم كالمصلِّي بغير وضوء. ويجوز تأخير القضاء شيئًا يسيرًا لغرض صالح، مثل اختيار بقعة على بقعة، وانتظار جماعة [ص ٥٩] يكثر بهم جمعُ الصلاة. بل يستحَبُّ له إذا نام عنها في موضع أن ينتقل عنه إلى غيره للقضاء. نصَّ عليه (٣)، واختاره بعض أصحابنا إذا نام عنها في منزل في السفر. وذلك كما فعل النبيُّ ﷺ لما فاتته صلاة الفجر في السفر وقال: «هذا منزل حضَرَنا فيه الشيطانُ» (٤)؛ لأنَّ الصلاة في مظانِّ الشياطين كالحمام والحُشَّ لا تجوز، فالتي عرض الشيطان فيها، أحسنُ أحوالها أن يستحَبُّ تركُ الصلاة فيها. ولا يجب عليه القضاء أكثر من مرَّة واحدة؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يقضِ يومَ

стр. 943

الخندق (١) ويومَ نام عن الفجر أكثر من مرَّة واحدة (٢). وقد احتجَّ أحمد على ذلك بما رواه في «المسند» (٣) بإسناد جيِّد عن عمران بن حصين قال: ثم أمرَ بلالًا، فأذَّن، ثم صلَّى الركعتين قبل الفجر، ثم أقام، فصلَّينا. فقالوا: يا رسول الله ألا نعيدها في وقتها من الغد؟ فقال: «أينهاكم ربُّكم عن الربا، ويقبله منكم؟» وهذا لأن الواجب في الذمة صلاة واحدة، فلو أمر بصلاتين لكان ربًا. فإن قيل: ففي حديث أبي قتادة عن النبي ﷺ : «أمَا إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصلِّ الصلاة حتى يجيء وقتُ الأخرى. فمن فعَل ذلك فليصلِّها حين ينتبه لها. فإذا كان الغد فليصلِّها عند وقتها». رواه أحمد ومسلم (٤). وفي رواية ابن ماجه (٥): «فإذا نسي أحدكم صلاةً أو نام عنها فليصلِّها إذا ذكَرها، ولِوقتِها في الغد». قلنا: معناه ــ والله أعلم ــ فليصلِّها حاضرةً. وأكد الأمر بالمحافظة لئلا يتوهَّم أن الرخصة لغير المعذور، وليتحفَّظ من تفويت مرة أخرى. وقد رواه

стр. 944

أبو داود (١) ولفظه: «من أدرك معكم في غد صلاةً، فليقض معها مثلَها». وهذا ــ والله أعلم ــ توهُّمٌ من بعض الرواة بما فهم من المعنى. وقد علَّل البخاري هذه الرواية. فصل فإن كثرت عليه الفوائت وجب عليه أن يقضيها، بحيث لا يشقُّ عليه في نفسه أو أهله أو ماله، لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إذا أمرتُكم بأمر فأتُوا منه ما استطعتم». فإن خاف في بدنه ضعفًا أو مرضًا أو انقطاعًا عن معيشة، أو تضرُّرَ أهلِه، أو ضياعَ ماله بالمداومة على القضاء= فرَّق القضاءَ بحسب طاقته. وإذا شكَّ في قدر الفوائت (٢)، فإن لم يعلم كم وجَب عليه، بأن يقول: لم أُصَلِّ منذ بلغتُ، أو صلَّيتُ (٣) بعد بلوغي سنةً ــ وهو لا يعلم متى بلغ ــ ثم تركتُ= وجب عليه أن يقضي ما يتيقَّن وجوبَه، إذ الأصل براءة ذمته [ص ٦٠] مما زاد على ذلك. لكن الأحسن أن يحتاط، فيقضي ما يتيقَّن به براءةَ ذمته.

стр. 945

وإن علِم قدرَ الواجب عليه، وشكَّ بقدر ما فاته منه، مثلَ أن يقول: بلغتُ منذ سنة، وصلَّيت بعضَها وتركتُ الباقي= فإنه يجب عليه أن يقضي حتى يعلم أنه قضى جميعَ الفوائت، لأنه متيقِّن لوجوب الصلاة عليه، شاكٌّ في براءة ذمته منها. وكذلك من شكَّ في فعل الصلاة في الوقت أو بعد خروج الوقت. وقد أطلق طائفة من أصحابنا فيمن لم يعلَم ما عليه في (١) أنه يقضي حتى يتيقَّن براءة ذمته، لأن أحمد قال (٢) فيمن ضيَّع الصلاة: يعيد حتى لا يشكَّ أنه قد صلَّى ما ضيَّع. وقال فيمن فرَّط في صلاة يوم الظهر ويوم العصر صلواتٍ لا يعرف عينَها= قال (٣): يعيد حتى لا يكون في قلبه شيء. وكلام أحمد إنما هو فيمن يتيقَّن الوجوب كغالب الخلق، لما قدَّمناه. فصل يجوز أن يقضي الفوائت بسننها الرواتب وبدونها ، لأنَّها متأكِّدة. ولهذا يفعلها العبد والأجير؛ لأنها تابعة للصلاة، فأشبهت السورة في الأوليين وما زاد على المرة من التسبيح والاستغفار. ثم إن كانت كثيرة فالأولى أن يقتصر على الفرائض؛ لأن المبادرة إلى براءة الذمة أولى. ولذلك لما قضى النبيُّ ﷺ الأربع يوم الخندق قضاهنَّ متواليات (٤)، ولم يُنقَل أنه قضى بينهن شيئًا، إلا

стр. 946

ركعتي الفجر، فإنَّ الأولى أن يقضيهما لتأكُّدهما. والوتر إن شاء قضاه وإن شاء لم يقضه. وإن كانت صلاةً أو صلاتين فالأولى أن يقضي، كما فعل النبيُّ ﷺ يوم فاتته الصبح، فإنه قضاها بسنَّتها (١). وكذا ينبغي أن يجوز له الاشتغال بالسنن المؤكدة كسننن الحاضرة وصلاة الكسوف والاستسقاء والتراويح قبل الفوائت، وإن كان الأولى المبادرة إلى الفرائض. فأمَّا غيرُ الرواتب من النوافل المطلقة فلا يجوز أن يشتغل بها عن قضاء الفوائت. وهل تنعقد؟ على روايتين مومأ إليهما. إحداهما: تنعقد. قال الآمدي: وهو ظاهر المذهب، لأنَّ النهي عنه لمعنًى في غيره. ولهذا تُكمَل فريضة العبد يوم القيامة من تنفُّلاته. والثانية: لا يصح، لأن النهي يقتضي الفساد. وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في وصيته لعمر: واعلم أنَّ الله لا يقبل النافلة حتى تؤدَّى الفريضة (٢). وذكره الإمام أحمد في «الرسالة» (٣)، فقال: وقد جاء الحديث: «لا يقبل الله النافلةَ حتى تؤدَّى الفريضة». [ص ٦١] وكذلك كلُّ نافلة تشغل عن فريضة، كالنفل بعد الشروع فيه بعد إقامة الصلاة، والتنفُّل بعد ضيق وقت الحاضرة.

стр. 947

فأما ما كان النهي عنه لمعنًى في الوقت، كالنافلة عند الطلوع والغروب، فلا تنعقد النية. وقد روي ما يدل على انعقادها، كما يُذكر إن شاء الله تعالى في موضعه. فصل ويجب الترتيب بين الفوائت، وبين الحاضرة والفوائت، لما روى ابن مسعود ﵁: أنَّ المشركين شغَلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات يومَ الخندق حتَّى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالًا، فأذَّن، ثم أقام فصلَّى الظهر، ثم أقام فصلَّى العصر، ثم أقام فصلَّى المغرب، ثم أقام فصلَّى العشاء. رواه أحمد والنسائي والترمذي (١). ولأحمد والنسائي (٢) مثلُه من حديث أبي سعيد إلا أنَّ النسائي لم يذكر المغرب، لكنه قد صحَّ من حديث جابر. وفعلُه ﷺ للصلوات يقتضي الوجوبَ؛ لأنه خرج بيانًا وامتثالًا للأمر. والفعلُ منه (٣) إذا خرج امتثالًا كان حكمُه حكمَ الأمر. وعن أبي جمعة بن سِباع: أنَّ النبي ﷺ عام الأحزاب صلَّى المغربَ، فلما خرج قال: «هل علِمَ أحدٌ منكم أنِّي صلَّيتُ العصر؟» قالوا: يا رسول الله

стр. 948

ما صلَّيتها. فأمر بالمؤذِّن، فأقام، فصلَّى العصر، ثم صلَّى المغرب. رواه أحمد (١). وهذا صريح بالإعادة إذا أخلَّ بالترتيب. وهذا الحديث فيه ضعف إلا أنه يقوِّيه أنَّ النبيَّ ﷺ يومئذ لم يصلِّ المغرب إلا بعد هَوِيٍّ من الليل، وبعيدٌ أن يكون نسيها إلى ذلك الوقت، فإنَّ وقت المغرب ضيِّق. ولأنه قد قال ﷺ : «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» (٢)، على أنَّ كثيرًا من أصحابنا يجعل الأصل في جميع أفعاله الوجوبَ، وهو إحدى الروايتين. ولأنَّ الفائتة يجب قضاؤها على الفور لما تقدَّم، والحاضرة يجوز تأخيرها إلى آخر الوقت، فوجب الابتداء بما يجب على الفور، كسائر الواجبات. ولأنَّ الفائتة الأولى استقرَّت في ذمَّته، وخوطب بقضائها إذا أدركها قبل الثانية، فإذا أخَّرها عن وقت الذكر أثِمَ بذلك. وأما الثانية، فإنما يجب عليه فعلُها بعد الأولى، إذ لا يكلَّف فعلَهما معًا. فإن قيل: هذا يقتضي وجوبَ الابتداء. أمَّا عدمُ الصحة فلا يلزم، كما لو أخَّر الواحدة عن حين ذكرها (٣).

стр. 949

قلنا: يتوجَّه أن يخرَّج في انعقاد الثانية قبل الأولى ما خُرِّج في انعقاد النفل المطلق قبلها وأولى، إذ النهيُ عنها بالمعنى في غيرها. وإنما المذهب أنها لا تصحُّ [ص ٦٢] لأنَّ هذا الترتيب مستحَقّ في الصلاة، فلم ينعقد مع الإخلال به، كترتيب السجود على الركوع. ولأنهما صلاتان مكتوبتان (١)، فوجب الترتيب بينهما كالمجموعتين. ولأنه إذا فعل الثانيةَ قبل الأولى فقد فعَلَها قبلَ وقت وجوبها فلم تُجزئه، كما لو صلَّى الحاضرة قبل وقتها؛ بخلاف النافلة فإنها لا تختصُّ بوقتْ. ولأنَّ الفرائض من جنس واحد مختلف (٢)، فوجب الترتيبُ بينها بخلاف النفل. ولهذا يجوز له أن يتنفَّل قبل المجموعتين. وليس له أن يقدِّم الثانية على الأولى، لأن بعض الصلوات متعلِّق ببعض، بدليل أنَّ المغرب وترُ النهار، وأنَّ الصلاة الأخرى وترُ الليل، فإذا قدَّم بعضَها على بعضٍ خرجت الصلواتُ عن نظمها. وسواء قلَّت الفوائت أو كثرت، لما ذكر. فإن نسي الترتيب، مثل أن يصلِّي الظهر، ثم يذكر أنه لم يصلِّ الفجر؛ أو أنه صلَّاها بغير طهارة= سقط الترتيب عنه في ظاهر المذهب. وحكي عنه (٣): لا يسقط؛ لأنه ترتيب مستحَقّ، فلم يسقط بالنسيان،

стр. 950

كترتيب السجود على الركوع، وترتيب ثانيتي الجمع على أولاهما (١)، وترتيب أعضاء الوضوء؛ ولحديث أبي جمعة المتقدم. ووجه الأول: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «فَلْيُصلِّها إذا ذكرها» (٢)، مع علمه أنه قد لا يذكرها إلا بعد عدة صلوات، ولم يفصِّل. ولأنَّ المنسيَّة لا يخاطب بأدائها إلا حين ذكَرها، وذلك هو الوقت المأمور بفعلها فيه. والمذكورةُ يخاطَب بها حين (٣) الذكر، فلا يجوز أن يبطل ما وجب فعلُه. وهذا بخلاف ترتيب الأركان والوضوء، فإنَّ الأول شرط في صحة الثاني، وهو مرتبط به بحيث لا يصح إلا بصحته، ولا يفسد إلا بفساده، فلا يصحُّ أن يتأخَّر عنه. وصلاتا الجمع لا يكاد يعرض فيهما نسيان، بخلاف الفوائت. وأما الجاهل بوجوب الترتيب، إذا بدأ بالحاضرة، ثم بالفائتة، ثم صلَّى بعد ذلك، ثم علِم فيجزئه ما صلَّى بعد الفائتة، لأنه صلَّى معتقدًا أن لا صلاة عليه. وأما ما صلَّى قبلها، فيعيده، لأنه صلَّاه في غير موضعه. ويتوجَّه أن يكون الجهل كالنسيان. فإن ذكر الفائتة في الحاضرة، فالمشهور عنه: أنَّ الترتيب لا يسقط. وعنه: يسقط عن المأموم خاصَّةً، فيُتمُّ الحاضرةَ، ثم يقضي الفائتة فقط، لأن الجماعة واجبة للحاضرة، وقد دخل وقتُها، فلا يجوز تفويتُها؛ بخلاف الإمام والمنفرد فإنه يمكنهما القطع من غير تفويت [ص ٦٣] شيء.
следующие страницы →