← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 151

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 320 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

ركعتي الفجر، فإنَّ الأولى أن يقضيهما لتأكُّدهما. والوتر إن شاء قضاه وإن شاء لم يقضه. وإن كانت صلاةً أو صلاتين فالأولى أن يقضي، كما فعل النبيُّ ﷺ يوم فاتته الصبح، فإنه قضاها بسنَّتها (١). وكذا ينبغي أن يجوز له الاشتغال بالسنن المؤكدة كسننن الحاضرة وصلاة الكسوف والاستسقاء والتراويح قبل الفوائت، وإن كان الأولى المبادرة إلى الفرائض. فأمَّا غيرُ الرواتب من النوافل المطلقة فلا يجوز أن يشتغل بها عن قضاء الفوائت. وهل تنعقد؟ على روايتين مومأ إليهما. إحداهما: تنعقد. قال الآمدي: وهو ظاهر المذهب، لأنَّ النهي عنه لمعنًى في غيره. ولهذا تُكمَل فريضة العبد يوم القيامة من تنفُّلاته. والثانية: لا يصح، لأن النهي يقتضي الفساد. وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في وصيته لعمر: واعلم أنَّ الله لا يقبل النافلة حتى تؤدَّى الفريضة (٢). وذكره الإمام أحمد في «الرسالة» (٣)، فقال: وقد جاء الحديث: «لا يقبل الله النافلةَ حتى تؤدَّى الفريضة». [ص ٦١] وكذلك كلُّ نافلة تشغل عن فريضة، كالنفل بعد الشروع فيه بعد إقامة الصلاة، والتنفُّل بعد ضيق وقت الحاضرة.

стр. 947

فأما ما كان النهي عنه لمعنًى في الوقت، كالنافلة عند الطلوع والغروب، فلا تنعقد النية. وقد روي ما يدل على انعقادها، كما يُذكر إن شاء الله تعالى في موضعه. فصل ويجب الترتيب بين الفوائت، وبين الحاضرة والفوائت، لما روى ابن مسعود ﵁: أنَّ المشركين شغَلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات يومَ الخندق حتَّى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالًا، فأذَّن، ثم أقام فصلَّى الظهر، ثم أقام فصلَّى العصر، ثم أقام فصلَّى المغرب، ثم أقام فصلَّى العشاء. رواه أحمد والنسائي والترمذي (١). ولأحمد والنسائي (٢) مثلُه من حديث أبي سعيد إلا أنَّ النسائي لم يذكر المغرب، لكنه قد صحَّ من حديث جابر. وفعلُه ﷺ للصلوات يقتضي الوجوبَ؛ لأنه خرج بيانًا وامتثالًا للأمر. والفعلُ منه (٣) إذا خرج امتثالًا كان حكمُه حكمَ الأمر. وعن أبي جمعة بن سِباع: أنَّ النبي ﷺ عام الأحزاب صلَّى المغربَ، فلما خرج قال: «هل علِمَ أحدٌ منكم أنِّي صلَّيتُ العصر؟» قالوا: يا رسول الله

стр. 948

ما صلَّيتها. فأمر بالمؤذِّن، فأقام، فصلَّى العصر، ثم صلَّى المغرب. رواه أحمد (١). وهذا صريح بالإعادة إذا أخلَّ بالترتيب. وهذا الحديث فيه ضعف إلا أنه يقوِّيه أنَّ النبيَّ ﷺ يومئذ لم يصلِّ المغرب إلا بعد هَوِيٍّ من الليل، وبعيدٌ أن يكون نسيها إلى ذلك الوقت، فإنَّ وقت المغرب ضيِّق. ولأنه قد قال ﷺ : «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» (٢)، على أنَّ كثيرًا من أصحابنا يجعل الأصل في جميع أفعاله الوجوبَ، وهو إحدى الروايتين. ولأنَّ الفائتة يجب قضاؤها على الفور لما تقدَّم، والحاضرة يجوز تأخيرها إلى آخر الوقت، فوجب الابتداء بما يجب على الفور، كسائر الواجبات. ولأنَّ الفائتة الأولى استقرَّت في ذمَّته، وخوطب بقضائها إذا أدركها قبل الثانية، فإذا أخَّرها عن وقت الذكر أثِمَ بذلك. وأما الثانية، فإنما يجب عليه فعلُها بعد الأولى، إذ لا يكلَّف فعلَهما معًا. فإن قيل: هذا يقتضي وجوبَ الابتداء. أمَّا عدمُ الصحة فلا يلزم، كما لو أخَّر الواحدة عن حين ذكرها (٣).

стр. 949

قلنا: يتوجَّه أن يخرَّج في انعقاد الثانية قبل الأولى ما خُرِّج في انعقاد النفل المطلق قبلها وأولى، إذ النهيُ عنها بالمعنى في غيرها. وإنما المذهب أنها لا تصحُّ [ص ٦٢] لأنَّ هذا الترتيب مستحَقّ في الصلاة، فلم ينعقد مع الإخلال به، كترتيب السجود على الركوع. ولأنهما صلاتان مكتوبتان (١)، فوجب الترتيب بينهما كالمجموعتين. ولأنه إذا فعل الثانيةَ قبل الأولى فقد فعَلَها قبلَ وقت وجوبها فلم تُجزئه، كما لو صلَّى الحاضرة قبل وقتها؛ بخلاف النافلة فإنها لا تختصُّ بوقتْ. ولأنَّ الفرائض من جنس واحد مختلف (٢)، فوجب الترتيبُ بينها بخلاف النفل. ولهذا يجوز له أن يتنفَّل قبل المجموعتين. وليس له أن يقدِّم الثانية على الأولى، لأن بعض الصلوات متعلِّق ببعض، بدليل أنَّ المغرب وترُ النهار، وأنَّ الصلاة الأخرى وترُ الليل، فإذا قدَّم بعضَها على بعضٍ خرجت الصلواتُ عن نظمها. وسواء قلَّت الفوائت أو كثرت، لما ذكر. فإن نسي الترتيب، مثل أن يصلِّي الظهر، ثم يذكر أنه لم يصلِّ الفجر؛ أو أنه صلَّاها بغير طهارة= سقط الترتيب عنه في ظاهر المذهب. وحكي عنه (٣): لا يسقط؛ لأنه ترتيب مستحَقّ، فلم يسقط بالنسيان،

стр. 950

كترتيب السجود على الركوع، وترتيب ثانيتي الجمع على أولاهما (١)، وترتيب أعضاء الوضوء؛ ولحديث أبي جمعة المتقدم. ووجه الأول: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «فَلْيُصلِّها إذا ذكرها» (٢)، مع علمه أنه قد لا يذكرها إلا بعد عدة صلوات، ولم يفصِّل. ولأنَّ المنسيَّة لا يخاطب بأدائها إلا حين ذكَرها، وذلك هو الوقت المأمور بفعلها فيه. والمذكورةُ يخاطَب بها حين (٣) الذكر، فلا يجوز أن يبطل ما وجب فعلُه. وهذا بخلاف ترتيب الأركان والوضوء، فإنَّ الأول شرط في صحة الثاني، وهو مرتبط به بحيث لا يصح إلا بصحته، ولا يفسد إلا بفساده، فلا يصحُّ أن يتأخَّر عنه. وصلاتا الجمع لا يكاد يعرض فيهما نسيان، بخلاف الفوائت. وأما الجاهل بوجوب الترتيب، إذا بدأ بالحاضرة، ثم بالفائتة، ثم صلَّى بعد ذلك، ثم علِم فيجزئه ما صلَّى بعد الفائتة، لأنه صلَّى معتقدًا أن لا صلاة عليه. وأما ما صلَّى قبلها، فيعيده، لأنه صلَّاه في غير موضعه. ويتوجَّه أن يكون الجهل كالنسيان. فإن ذكر الفائتة في الحاضرة، فالمشهور عنه: أنَّ الترتيب لا يسقط. وعنه: يسقط عن المأموم خاصَّةً، فيُتمُّ الحاضرةَ، ثم يقضي الفائتة فقط، لأن الجماعة واجبة للحاضرة، وقد دخل وقتُها، فلا يجوز تفويتُها؛ بخلاف الإمام والمنفرد فإنه يمكنهما القطع من غير تفويت [ص ٦٣] شيء.

стр. 951

وقيل: يسقط مطلقًا، لما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: «إذا نسي أحدكم صلاةً، فذكرها وهو في صلاة مكتوبة، فليبدأ بالتي هو فيها. فإذا فرغ منها صلَّى التي نسي» رواه الدارقطني (١). فأمر بإتمام الحاضرة، ولم يأمر بإعادتها. ولأنَّ الحاضرة بالشروع فيها صارت على الفور، وتعيَّن إتمامها، فأشبه ما لو ضاق وقتها. وعلى المشهور يُتِمُّها المأموم، ثم يصلِّي الفائتة، ثم يعيد الحاضرة. وقد حكي عنه: المأمومُ يقطعها كالمنفرد. والأول (٢) هو الذي نقله عنه الجماعة، لما روى أبو يعلى الموصلي وأبو بكر والدارقطني (٣) عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «إذا نسي

стр. 952

أحدكم صلاةً، فذكرها وهو مع الإمام، فليصلِّ مع الإمام. فإذا فرغ فليصلِّ الصلاة التي نسي، ثم ليُعِد صلاته التي صلَّى مع الإمام» والمشهور أنه عن ابن عمر موقوفًا. ولأنه حين ذكر الفائتة صار ذلك وقتها، فوجب فعلُها فيه، ولم يصحَّ أن يصلِّي فيه غَيرها، كما لو ذكر قبل الشروع؛ لكن بدخوله مع الإمام صار ملتزمًا لصلاةٍ، فسُنَّ تأخيرُها إلى انقضاء صلاته، كما لو أخَّرها لسنَّة راتبة، وأَولى. وأما الإمام فإنه يقطعها. قال في رواية حرب: ينصرف هو، ويستأنف القوم الصلاةَ. قال أبو بكر: لم ينقلها غيره (١). وبنى أبو بكر ذلك على جواز الاستخلاف، وجوز ائتمام المتنفِّل بالمفترض. ومن أصحابنا من حكى في إتمام الإمام إياها روايتين. ومنهم من قال: صارت نافلة. والمأمومون خلفه مفترضون، ولا يجوز اقتداء المفترض بالمتنفِّل. ومن جوَّزه صحَّح إتمامَ الإمام إياها، وائتمامَهم به فيها. وعلى المنصوص قال القاضي: يُتِمُّها نفلًا، ثم يقضي الفائتة، ثم يصلِّي الحاضرة. وقال الآمدي وأكثر الأصحاب: عليه أن يقطعها. فإن أتمَّها فوجهان. أحدهما: تبطل، لأنَّ بقاء الفرض في ذمته يمنع صحة غيره كالمنفرد، بخلاف المأموم فإنها صحَّت تبعًا. والثاني: يُتِمُّها نفلًا. ثم بإئتمامهم به فيها وجهان. وهذه الطريقة أصح وأشبه بالنص.

стр. 953

وأما المنفرد، فهل يقطعها أو يُتِمُّها؟ على روايتين: إحداهما: يُتِمُّها. وهي اختيار أبي بكر. قال الآمدي: وهي أصحُّ، لأنَّ الشروع يؤكِّد الإتمام كالسنن الرواتب. والثانية: يقطعها، لأنها نافلة فلا يشتغل بها عن الفرض، كالنفل المبتدأ. وإذا قلنا: يقطعها، فأتمَّها، فهو جائز. نصَّ عليه. وكذلك إن قلنا: يُتِمُّها، فقطَعها جاز. نصَّ عليه، لأنه تطوُّع، والتطوُّع لا يلزم بالشروع. وقد نصَّ أحمد (١) على التخيير بين الأمرين. [ص ٦٤] ومقتضى ما ذكره بعض أصحابنا أنه يلزمه الإتمام حيث يؤمر به. ولنا في الصلاة النافلة هل تلزم بالشروع روايتان، لكن هنا دخل فيها يعتقد أنها عليه، فبان أنها ليست عليه، فإلزامه بالإتمام بعيد. فصل فإن ضاق الوقت عن فعل الفائتة والحاضرة سقط الترتيب في إحدى الروايتين. وفي الأخرى: لا يسقط. اختارها الخلال وصاحبه (٢)، لأن النبيَّ ﷺ قال: «فَلْيصلِّها إذا ذكَرها» (٣) فإنَّ ذلك وقتُها، فجعَل وقت الذكر وقت الفائتة، فلا يجوز أن يصلِّي فيه غيرَها. ولأنَّ الصلاة في الوقت فرض، وليس بشرط، والترتيب فرض مشترط، فكانت مراعاته أولى. وقد روي في

стр. 954

الحديث: «لا صلاة لمن عليه صلاة» (١)، لكنه لا يُعرَف له أصل. فعلى هذا يشتغل بقضاء الفوائت متواليات حسب الطاقة والإمكان، وإن فاته عدَّة من الصلوات، ثم يصلِّيهن إذا جاءت نوبتهن. ووجه الأولى ــ وهي الصحيحة عند أكثر أصحابنا ــ أنَّ الوقت وقت الحاضرة، فلا يجوز أن تؤخَّر عنه كسائر المواضع، وكما لا يجوز تأخير صوم رمضان لقضاء الزمان الماضي. ولأنَّ في ذلك تفويت الصلاتين. ولأنَّ الصلاة الحاضرة في وقتها فرضٌ متفَق عليه، معلوم قطعًا؛ والترتيب مما ساغ فيه الخلاف. ولأنَّ تأخير الفائتة لسنة راتبة أو (٢) نوع مصلحة جائز، وتأخير الحاضرة عن وقتها لمثل ذلك لا يجوز. وقال القاضي: المسألة رواية واحدة: يبدأ بالحاضرة. وذكر عن أحمد ما يدلُّ على أن الرواية الأولى مرجوع عنها (٣). فيكون في حكايتها مذهبًا له الطريقتان المشهورتان. فإن خالف وبدأ (٤) بالفائتة، ففي صحَّتها وجهان؛ لأنَّه فعلها على الوجه المنهِّي عنه، لكن لم يخالف ترتيبًا مستحَقًّا، كما قلنا فيما إذا صلَّى قبلها نافلة. وعلى هذا يجب عليه أن يشتغل بقضاء الفوائت إذا كثرت حتَّى يضيق

стр. 955

وقت الحاضرة، لأن الابتداء بالفوائت واجب، والصلاة في أول الوقت سنَّة. هذا أشهر الروايتين (١). وعنه: يجوز أن يصلِّيها في أول الوقت إذا لم يتَّسع الوقت لفعلها مع الفوائت. اختارها أبو حفص العكبري وصاحب الكتاب (٢)، لأنه لا يمكنه فعلُ جميع الفوائت قبلها، فسقط ترتيبهن عليها، كما لو ضاق (٣) الوقت عن فعل الفائتة والحاضرة. وإذا ضاق (٤) وقتُ [ص ٦٥] الحاضرة عن فعلِها في وقت الاختيار أو فعلِ بعضها بحيث لو صلَّى الفائتة، فهو كما لو ضاق عن فعل جميعها (٥)، فإنه يجب عليه أن يفعلها كلَّها قبل دخول وقت الضرورة. وكذلك لو بقي من وقتها ما لا يتسع إلا لفعل بعض صلاة، فإنه يبدأ بالحاضرة لقوله ﵇: «إذا أمرتُكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم» (٦). فأمَّا الجمعة إذا خشي فوتَها، مثل أن يذكر الفجر وهو فيها، أو عند قيامه إليها، ويخشى فوتَها إن اشتغل بالقضاء= فإنه يصلِّيها رواية واحدة. ثم إن قلنا: إنّ الترتيب يسقط بضيق الوقت أجزأته كغيرها، وأَولى، لأنها

стр. 956

لا تقضى جمعة بحال. وإن قلنا: لا يسقط، فإنه يعيدها ظهرًا بعد إعادة الفائتة. وقد نصَّ علي الروايتين. فإن كان الذي ذكر هو الإمام، فإن ذكَر وهو فيها، فعنه: يُتِمُّها، وتجزئه ومَن خلفه جمعة، لأنَّ تبطيل جمعتهم أعظم من ضيق الوقت ونسيان الفائتة. وعنه: لا تجزئه ولا مَن خلفه، كما لو ذكر في غير الجمعة. فعلى هذا يعيدون جمعةً إن اتسع الوقت، وإلا فظهرًا. وقياسُ ما ذكروه في الجماعة أنه يعتبر اتساع الوقت. وإن ذكر قبل إحرامه، فالأولى أن يستخلفَ ويشتغل بالقضاء. ثم إن أدرك معهم ما تدرك به الجمعة، وإلَّا صلَّى ظهرًا. فإن لم يفعل وصلَّى بهم، فعلى الروايتين. وقيل: إذا جاز له الاستخلاف، وأمكنه بعد القضاء أن يدرك معهم ما تدرَك به الجمعة، لزمه ذلك. فإن ذكر الفائتة في الحاضرة، وضاق الوقت عن إتمام الحاضرة، وإعادة الفائتة والحاضرة، سقط الترتيب أيضًا، كما لو ضاق عن فعل الحاضرة والفائتة. وقيل: إنما يسقط إذا ضاق عن فعل الفائتة وإعادة الحاضرة، لأنَّ إتمام الحاضرة نفلٌ، فيجب تركه عند ضيق الوقت عنه. فأمَّا إن أقيمت الجماعة وخشي فوتها بأن لا يطمع في إدراكها ولا إدراك جماعة أخرى، إن اشتغل بالقضاء= لم يسقط الترتيب، لكن يتابع الإمام في صلاته، ثم يقضي، ثم يعيد كما لو ذكر في أثنائها. وعنه: يسقط أيضًا. وهي اختيار أبي حفص، لأنَّ الجماعة واجبة، فأشبهت الجمعة. وإن لم يخش فوتها بأن يمكنه القضاء ثم يصلِّي معهم أو

стр. 957

مع غيرهم لم يسقط الترتيب قولًا واحدًا. فصل ومن نسي صلاةً من يوم وليلة لا يعلم عينَها لزمه أن يصلِّي خمسًا، ينوي بكلِّ واحدة أنها هي الفائتة. قال ابن أبي موسى (١): يصلِّي خمس صلوات فجرًا وظهرًا وعصرًا ومغربًا وعشاءً. نصَّ عليه (٢). وعنه ما يدل [ص ٦٦] على أنه يجزئه أن يصلِّي فجرًا ومغربًا وأربع ركعات ينوي بها ما فاته بناءً على أنَّ نية التعيين لا تجب للمكتوبة. والأول هو المذهب، لأنه قد ثبت في ذمته صلاةٌ، وتعيينُ النية للمكتوبة هل هي فجر أو عصر أو ظهر واجب، والتشهد الأخير والتسليم فرضٌ (٣)، فلا يتحقَّق براءة ذمته إلا بخمس صلوات على ما قلنا. فإن فاتته من يوم واحد ظهرٌ، وصلاة أخرى لا يعلم هل هي الفجر أو المغرب، وجب عليه الصلوات الثلاث، ويبدأ بالفجر لأنه إن يبدأ (٤) بالظهر لم يتحقق (٥) براءة ذمته مما قبلها، كمن شكَّ في وقت الظهر هل صلَّى الفجر أم لا. فإن نسي ظهرًا من يوم وعصرًا من يوم آخر لم يجب عليه إلا ظهر

стр. 958

وعصر، وإن كان قد يفضي إلى الإخلال بالترتيب في الباطن، لأن الترتيب يسقط بالنسيان، كما لو نسي نفس الفائتة. ويتحرَّى بما يبدأ: بما يغلب على ظنِّه أنها السابقة. فإن استويا خُيِّر، لأنَّ ذلك أقرب إلى رعاية الترتيب في إحدى الروايتين. وفي الأخرى: يبدأ بالظهر كصلاتي اليوم الواحد، إذ أكثر ما فيه سقوط الترتيب بالنسيان. ويتخرَّج (١) أن يلزمه قضاء ثلاث صلوات ظهرًا ثم عصرًا ثم ظهرًا، أو عصرًا ثم ظهرًا ثم عصرًا، بناءً على أنَّ الترتيب لا يسقط بالنسيان ولا يتيقَّن الترتيب المستحَقّ إلا بذلك. قال بعض أصحابنا: وهذا أقيس، كما لو نسي صلاةً من يومٍ لا يعلم عينها (٢). والصواب ما تقدَّم، وقد ذكر الفرق. فصل ومن شكَّ في دخول الوقت فلا يصلِّي حتى يتيقَّن دخوله برؤية الشمس ونحوها من معرفة الساعات وحسابها، فإن تعذَّر اليقين لتغيُّم السماء، أو لكونه في مطمورة، أو أعمَى في برِّيَّة، عمل بالاجتهاد بأن يستدل على ذلك بأعمال من قراءة أو صناعة أو نحو ذلك. فإن اجتهد وهو قادر على اليقين لم تصحَّ صلاته، كمن صلَّى بالاجتهاد عند حضور الكعبة، أو عمِل بالقياس مع وجود النصِّ، سواء أخطأ أو أصاب. هكذا حرَّره القاضي وابن عقيل وغيرهما من أصحابنا. وأطلق أبو الخطاب (٣) وغيره أنه يصلِّي إذا تيقَّن أو غلب على ظنِّه دخولُه. وعلى كلِّ

стр. 959

حال فيستحَبُّ له أن يؤخِّر الصلاة حتى يتيقَّن دخولَ الوقت ما لم يخَف خروجه. ويجوز العمل فيه بغالب الظنِّ إذا لم يمكن العلم. هذا قول أصحابنا. وقد كان أبو عبد الله [ص ٦٧]﵀ أحيانًا يصلِّي الفجر في الغَيم، ثم يتبيَّن له أنَّ الفجر لم يطلع، فيعيد (١)، كما جاء مثل ذلك عن الصحابة ﵃. وقد روى عنه حنبل: لا يصلِّي حتى لا يشكَّ في الزوال في السفر والحضر (٢). وقال في رواية ابن منصور: إذا شكَّ في الزوال وهو في السفر، فلا حتَّى لا يشكَّ ولا يستيقنَ (٣). وهذا فيما إذا لم يمكن اليقين، كما تقدَّم. وإن حُمِل على ظاهره، فله وجه. فإن أخبره ثقة عن علمٍ بالوقت قلَّده كسائر الأمور الدينية. وكذلك المؤذِّن الثقة إذا أذَّن في الصحو لغير الفجر، أو أذَّن الفجر وكان من عادته أن لا يؤذِّن حتى يطلع الفجر. وهذا قول أكثر أصحابنا. وقال القاضي في موضع (٤): لا يرجع إلى قول المؤذن ولا غيره حتى يغلب على ظنِّه دخولُ الوقت بمرور الزمان ونحوه، إلَّا الأعمى خاصَّة فإنه يرجع إلى خبر غيره.

стр. 960

والأول أصحُّ، لما تقدَّم عن النبي ﷺ أنه قال: «المؤذِّن مؤتمَن» (١) وغير ذلك من الأحاديث، ولأنَّ قبول قول العدل الذي لا يُتَّهم يجوز مع إمكان حذف الواسطة، كما كان أصحاب رسول الله ﷺ يقبل بعضُهم الرواية من بعض في حياة رسول الله ﷺ ، مع إمكان مراجعته. وإن أخبره ثقة عن اجتهاد لم يقلِّده، واجتهد كالقبلة. فإن أخبره عن علمٍ كالدقائق والساعات، أو أذَّن مؤذِّن بناءً على ذلك أو على إخبار عارفٍ بذلك، فهو كالإخبار عن علم. وإذا سمع الأعمى من يؤذِّن أو يخبر بالوقت قلَّده، ولم يلزمه أن يسأل: هل أخبر بذلك عن علم أو اجتهاد؟ لأنَّ الظاهر أنه خبرٌ عن علم. ومن لا يمكنه الاجتهاد كالمطمور، والمستيقظ في يوم غيمٍ لا يدري أيَّ وقت استيقظ، يقلِّد غيرَه من المجتهدين. وإذا (٢) اجتهد ثم تبيَّن أنه صلَّى في الوقت أو بعده أجزأه ولا يضرَّه، وإن كان نواها قضاءً، فتبيَّنت في الوقت، أو نواها أداءً فتبيَّنت بعد الوقت؛ لأن الصلاة المنوية هي الواجبة، ووصفُ (٣) القضاء والأداء إنما يُقصَد به تعيين فرض الوقت. وإن تيقَّن أنه صلَّى قبل الوقت لم يجزئه، لما صحَّ عن ابن عمر (٤)

стр. 961

وأبي موسى (١) أنهما صلَّيا يوم غيم صلاة الفجر، ثم تبيَّن أنه قبل الوقت، فأعادا. وسواء تبيَّن ذلك في الوقت أو بعد الوقت، لأنه فعل العبادةَ قبل وجوبها، فوقعت نفلًا، ولم يوجد بعد الوجوب ما يبرئ ذمته، فبقي في عهدة الوجوب. وهذا في الفجر والظهر والمغرب [ص ٦٨] ظاهر (٢). فأما العصر والعشاء ... (٣). وإذا ذكر في أثناء الصلاة أنَّ الوقت لم يدخل لم تبطل صلاته، لأنَّ دخول الوقت لا يمنع التنفُّل بالصلاة، وهي قد انعقدت نفلًا، لأنَّ وصف الفرض إذا لغا (٤) بقي مطلقُ الصلاة، ومطلقُ الصلاة ينصرف إلى النفل. وكذلك لو تصدَّق أو صام يعتقده واجبًا فتبيَّن أنه لم يكن عليه، فإنه يقع تطوُّعًا. وقال أبو الحسن الآمدي: إذا ذكر في أثناء الصلاة أنَّ الوقت لم يدخل، فهل تبطل الصلاة، أو تكون نفلًا؟ على روايتين مخرَّجتين على من ذكر فائتةً في حاضرة، وهو منفردٌ. وكذلك لو أراد أن ينقل الفرض إلى النفل لغرض صحيح. وهذا ضعيف، لأنَّ ذكر الفائتة كان يمنع الابتداءَ بهذه الصلاة، فلهذا منع استدامتها على هذه الرواية، ونقلُ الفرض إلى النفل إنما منعه مَن منعه

стр. 962

لحرمة الفرض، وعدمِ جواز فسخ نيَّته. وهذا مفقود (١) هنا؛ لأنَّ الابتداء بالنافلة في أول وقت المكتوبة جائز، وهذه الصلاة لم تنعقد فرضًا قطُّ. مسألة (٢): (الشرط الثالث: ستر العورة بما لا يصف البشَرة) . أمَّا ستر العورة عن أعين الناظرين بما لا يصف البشَرة، فواجب في الجملة في الصلاة وخارج الصلاة، وقد تقدَّم بعض هذا في باب الغسل؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]. وحفظُ الفرج يعمُّ حفظَه من مسِّ من لا يحِلُّ له مسُّه بجماع وغير جماع، ومن النظر إليه (٣). بل قد قال بعض التابعين (٤): إنه عُني به هنا النظرُ، لأنَّه قرنه بغضِّ البصر، ولأنه ذكر معه استتار النساء عن رؤية الرجال. ولقوله سبحانه: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾، وقوله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ يريد كشف السوءة ونحوه ﴿قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦ - ٢٨]. وهذه الآيات كلُّها تتضمَّن فرضَ ستر

стр. 963

العورة، وذمَّ من يتديَّن بغير ذلك في حال من الأحوال. وقال النبي ﷺ لمعاوية بن حَيدة القشيري جدِّ بَهْز بن حكيم بن معاوية بن حَيدة القشيري: «احفَظْ [ص ٦٩] عورتَك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك». قال: فالقوم (١) يكون بعضهم في بعض؟ قال: «إن استطعتَ أن لا يرَينَّها أحدٌ، فلا يرَيَنَّها» (٢). وأمَر من كشف فخذه أن يغطِّيه، وقال: «الفخذ عورة» (٣). فعُلِم أنَّ العورة يجب ستُرها. وفرَض على داخل الحمَّام أن لا يدخل إلا بمئزر (٤). وهذا كثير تقدَّم بعضه (٥).

стр. 964

ويجب سترها في الخلوة وغيرها إلا من حاجة. وقال القاضي: يكره التعرِّي في الخلوة، ولا يحرم. ومن أصحابنا من يحكيها على روايتين (١). والأول أبيَن في كلام أحمد، وأشبَه بظاهر السنَّة، لأنَّ النبيَّ ﷺ قال لمعاوية بن حَيدة: «فالله أحقُّ أن يستحيا منه» لمَّا قال له: فإن كان أحدُنا خاليًا؟ ونهى أن يحتبي الرجل في ثوب واحد، يفضي بفرجه إلى السماء. وفي لفظ: ليس على فرجه منه شيء. رواه الجماعة (٢). وعن ابن عمر أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إيَّاكم والتعرِّي، فإنَّ معكم مَن لا يفارقكم إلا عند الغائط، وحين يفضي الرجل إلى أهله. فاستَحْيُوهم، وأكرِمُوهم» رواه الترمذي (٣). وعن عتبة بن عبد (٤) السُّلَمي قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أتى أحدُكم أهلَه فليستتِرْ ولا يتجرَّدا تجرُّدَ العَيرَين» رواه ابن ماجه (٥).

стр. 965

ولأنَّ الله أحقُّ أن يستحيا منه من الناس، وكذلك ملائكته وغيرهم من خليقته. فتجب السترة في الخلوة، كما تجب عن أعين الناس. ولهذا وجبت في الصلاة خلوةً. وليس الاستتار لأجل الاستخفاء من الله تعالى، إذ هو سبحانه بصير لا تخفى عليه خافية، وإنما ذلك ظنُّ الذين كفروا، والذين أخبر الله عنهم بقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [هود: ٥]. ولكن يعني الاستحياءَ منه مبلغَ الجهد، كما أخبر الله تعالى عن آدم وحوَّاء حين بدت سوآتهما أنهما طفقا يخصِفان عليهما من ورق الجنة. وكما كان أبو بكر الصدِّيق ﵁ يقول: أيها الناس استحيُوا من الله، فإنِّي لَأدخل الخلاء، فأحني ظهري حياءً من ربِّي (١). وكذلك قال أبو موسى في الاغتسال (٢). فصل وأما التزيُّن للصلاة، فأمر زائد على ستر العورة. والأصل فيه: الكتابُ والسنَّة، والإجماع. أما الكتاب، فقوله : ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾

стр. 966

[الأعراف: ٣١]، أنزله الله سبحانه لما كان المشركون يطوفون بالبيت عراةً إلا الحُمْسَ، ويقولون: ثيابٌ عصينا الله فيها لا نطوف فيها، إلا الحمسَ لفضلهم في أنفسهم، وهم [ص ٧٠] قريش ومن دان دينها، وكان من حصل له ثوب أحمسيٌّ طاف فيه، ومن لم يحصل له ثوب أحمسيٌّ طاف عريانًا؛ فإن طاف في ثوبه حرُم عليه. فحرَّم الله ذلك، وأمر بأخذ الزينة، وهي اللباس، ولو كان عباءةً. وأمر النبيُّ ﷺ أبا بكر أن ينادي بالناس عام حَجَّ: «ألا لا يطوفَنَّ بالبيت عريان» متفق عليه (١). وكلُّ محلٍّ للسجود فهو مسجد. وهذا يدل على أن السترة للصلاة والطواف أمرٌ مقصودُه التزيُّنُ لعبادة الله. ولذلك جاء باسم الزينة، لا باسم السترة، ليبيِّن أنَّ مقصوده أن يتزيَّن العبدُ، لا أن يقتصر على مجرَّد الاستتار. وأما السنَّة، فقول النبي ﷺ : «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» (٢). وقوله: «إذا ما اتسع الثوبُ، فتَعاطَفْ به على منكبيك، ثم صلِّ. وإذا ضاق عن ذلك فشُدَّ به حَقْوَيْك، ثم صلِّ من غير ردٍّ له (٣)» (٤) وغير ذلك من

стр. 967

الأحاديث، وسنذكر إن شاء الله تعالى بعضَها. وأما الإجماع، فقال أبو بكر بن المنذر (١): أجمع أهل العلم على أنَّ على المرأة الحرَّة البالغة أن تخمِّر رأسها إذا صلَّت، وعلى أنها إذا صلَّت وجميعُ رأسها مكشوفٌ أنَّ عليها إعادة الصلاة. وكذلك حكى غيره الإجماع على اشتراط السترة في الجملة. وإذا كان مقصود السترة في الصلاة أن يتزيَّن العبد لربِّه في الصلاة لأنه يناجيه، فإنه يجب عليه السترة عن نفسه وعن غيره. فلو صلَّى في قميص واسع الجيب، ولم يزُرَّه ولا شدَّ وسطه، بحيث يرى عورته منه في قيامه أو ركوعه، لم تصح صلاته؛ وإن كان يجوز أن يرى عورة نفسه ويمسَّها، لما روى سلمة بن الأكوع قال: قلتُ يا رسول الله، إنِّي أكون في الصيد، وأصلِّي وليس عليَّ إلا قميص واحد. قال: «فزُرَّه، وإن لم تجد إلا شوكة» رواه أحمد وأبو داود والنسائي (٢).

стр. 968

وعن أبي هريرة قال: نهى النبيُّ ﷺ أن يصلِّي الرجل حتى يحتزم. رواه أحمد وأبو داود (١). ولذلك وجب أن تستر المرأة رأسها، وإن كان يجوز أن تقعد خالية مكشوفة الرأس. ولذلك وجب سترُ المنكبين، كما سيأتي إن شاء الله تعالى فليس كلُّ ما جاز كشفه خارج الصلاة جاز في الصلاة، إذ هي أشدُّ. وسواء سترها بنفسه أو بغيره، مثل أن يكون ذو الجيب الواسع عريضَ اللحية أو غليظَ الرقبة، لا يرى عورته من جيبه لذلك، أو يضع يده على خَرْق في السترة [ص ٧١] يستره بيده، لأنَّ المقصود السترة، وقد حصل. مسألة (٢): (وعورة الرجل والأَمة: ما بين السرَّة والركبة. والحرَّة كلُّها عورة إلا وجهها وكفَّيها. وأمُّ الولد والمعتَق بعضُها كالأمة) . في هذا الكلام فصول. أحدها أنَّ عورة الرجل ما بين السرَّة والركبة، وهذا أشهر الروايتين (٣).

стр. 969

والأخرى: أنها القبل والدبر (١)، لأنَّ ذلك هو المفهومُ من قوله تعالى: ﴿لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٦]، وفي (٢) قوله: ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٢٤]، ولما روى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنَّ النبي ﷺ يوم خيبر حسَر الإزار عن فخذه. قال: حتَّى إنِّي لأنظر إلى بياض فخِذ النبيِّ ﷺ . رواه أحمد والبخاري (٣). وكذلك روي عنه من حديث عائشة وحفصة ﵄: أنَّ أبا بكر وعمر ﵄ دخلا عليه، وهو كاشفٌ عن فخذه، فلم يغطِّها. فلما دخل عثمان غطَّاها، وقال: «ألا أستحيي من رجلٍ، والله إنَّ الملائكةَ لتستحيي منه؟» رواه أحمد (٤). ووجه الأول: ما روى جَرْهَد الأسلمي قال: مرَّ رسول الله ﷺ ، وعليَّ بُردةٌ، وقد انكشف فخذي، فقال: «غطِّ فخذَك، فإنَّ الفخذ عورة» رواه أحمد وأبو داود والترمذي (٥) وقال: حديث حسن. وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تُبرِزْ فخذَك، ولا تنظر إلى فخذِ حيٍّ ولا ميِّت» رواه أبو داود وابن ماجه (٦).

стр. 970

وعن ابن عباس قال: مرَّ رسول الله ﷺ على رجل، وفخذُه خارجة، فقال: «غطِّ فخذَك، فإنَّ فخذ الرجل من عورته». رواه أحمد (١). وروى الترمذي (٢) قولَه: «الفخِذ عورة»، وقال: حديث حسن غريب. وروي ذلك من وجوه أخرى يشُدُّ بعضُها بعضًا. ولأنَّ ستر العورة إنما وجب لما في كشفها من الفحش والقبح، وهذا يشترك فيه الفخذ وغيره. ولأنَّ ما حول السوءتين من حريمهما، وسترَه تمامُ سترهما؛ والمجاورةُ لها تأثير في مثل ذلك، فوجب أن يعطى حكمهما. وما نُقل من كشف فخذه فهو ــ والله أعلم ــ إمَّا أن يكون منسوخًا، لأنَّ أحاديثنا ناقلة حاظرة، أو يكون حصَل بغير قصد، أو يكون المكشوف أوائل الفخذ من جهة الركبة وفوق ذلك بقليل، فإنَّ الركبة والسرَّة ليستا من العورة. وكذلك ما دون السرَّة بقليل وفوق الركبة بقليل. نصَّ عليه في مواضع (٣).

стр. 971

وحكي عنه: أنهما من العورة (١) [ص ٧٢] لأنهما تمام الحدِّ، ولا يحصل تمام السترة إلا بهما، فوجب سترُهما؛ كما وجب غسلُ جزء من الرأس، وإمساكُ جزء من الليل. والأول أصحُّ؛ لأنَّ العمدة في ذلك على أحاديث الفخذ، وهي لا تتناول الركبة والسرَّة. وقد روى الدارقطني (٢) عن أيوب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أسفل السرَّة وفوق الركبتين من العورة». وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه عن النبي ﷺ قال: «ما بين السرَّة والركبة عورة» (٣). وهذا صريح بأنهما ليستا من العورة. وقوله (٤): «هما تمامُ الحدِّ» غير مسلَّم، بل إذا نزل عن السرَّة قليلًا وصعد عن الركبة قليلًا جاز. نصَّ عليه، لأن عادة الصحابة والعرب في زمانه ﷺ كانت الاكتفاء بالمآزر، والعادة انحطاطها عن السرَّة. وقد ذكر الإمام

стр. 972

أحمد عن ابن عمر أنه: كان يشدُّ إزاره تحتَ السرَّة (١). وسواء في ذلك الحرُّ والعبد، لعموم الأدلة. الفصل الثاني في عورة المرأة الحرَّة البالغة وجميعها عورة، يجب عليها سترُ بدنها في الصلاة إلا الوجه. وفي الكفَّين روايتان، وذلك لما روت عائشة ﵂ أنَّ النبي ﷺ قال: «لا يقبل الله صلاةَ حائض إلا بخمار» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي (٢) وقال: حديث حسن. وعن أمِّ سلمة ﵂ أنها قالت: يا رسول الله، كيف تصنع النساء بذيولهن؟ قال: «يرخين شبرًا». قالت: إذن تنكشف أقدامهن. قال: «فيُرخِينه ذراعًا، لا يزدن عليه» رواه أحمد والنسائي والترمذي (٣) وقال: حديث حسن صحيح. وعن ابن عمر أنَّ نساء النبي ﷺ سألنه عن الذيل فقال: «اجعلنَه شبرًا». فقلن: إن شبرًا لا يستر من عورة. فقال: «اجعَلْنَه ذراعًا». فكانت إحداهن إذا أرادت أن تتخذ درعًا (٤) أرخَتْ ذراعًا، فجعلته ذيلًا. رواه أحمد (٥).

стр. 973

وعن أم سلمة أنها سألت النبيَّ ﷺ : أتصلِّي المرأة في درع وخمار، وليس عليها إزار؟ قال: «إذا كان الدرع سابغًا يغطِّي ظهورَ قدميها» رواه أبو داود والدارقطني (١). والمشهور أنه موقوف على أمِّ سلمة، إلَّا أنه في حكم المرفوع، لأنها زوج النبي ﷺ ، ولا يجوز أن يخفى عليها مثل هذا من أمر النبي ﷺ ، وهي مبتلاة بهذا الأمر؛ ولا يجوز أن تفتي بخلاف ما تعلم منه ﷺ . فثبت (٢) بهذه الأحاديث أنَّ قدميها ورأسها عورة، يجب سترها في الصلاة، فسائر بدنها أولى. وأمَّا الوجه، فلا تستره في الصلاة إجماعًا. وأمَّا الكفَّان [ص ٧٣] إلى الرُّصْغين (٣) ففيهما روايتان: إحداهما: أنهما ليستا من العورة التي يجب سترُها في الصلاة، كما

стр. 974

اختاره الشيخ ﵀ وطائفة من أصحابنا (١)، لقوله سبحانه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]. قال ابن عباس: هو الوجه والكفَّان (٢). وهو كما قال، لأنَّ الوجهَ والكفَّين يظهران منها في عموم الأحوال، ولا يمكنها سترُهما مع العمل المعتاد. ولأنه قال: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] فأمرهن بإرخاء الخمُر على الجيوب لستر أعناقهن وصدورهن، فلو كان سترُ الوجه واليدين واجبًا لأمرَ كما أمر بستر الأعناق. وعن أسماء رضي الله تعالى عنها أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إذا بلغت المرأة المحيضَ لم يصلح أن يُرىَ منها إلا هذا وهذا» وأشار إلى وجهه وكفيه. رواه أبو داود (٣)، وذكره الإمام أحمد وقال: «فلا تكشف إلا وجهها ويدها». ولأنَّه أذِن للنساء في إطالة الذيول. وفي حديث أم سلمة: أنها تصلِّي في درع سابغ، ولم تذكر طول الكُمِّ بأمر ولا اشتراط، فدلَّ على أنه غير مشترَط، وأنَّ الصلاة تجوز معه، وإن لم يكن سابغًا.

стр. 975

ولأنَّ الكفَّ لا يجوز أن تغطِّيه في الإحرام بلباس مصنوع على قدره (١)، فلم يكن من العورة كالوجه، وعكسُه القدمان. ولأنها تحتاج إلى كشفه غالبًا، فأشبه الوجهَ. ولأنَّ مباشرة المصلِّي (٢) باليدين مسنون كالوجه، لأنَّ اليدين يسجدان كما يسجد الوجه خفضًا ورفعًا، فإذا لم يكن سترُهما مكروهًا فلا أقلَّ من أن لا يكون واجبًا. ومن نصر هذه الرواية، فله أن يبني ذلك على أنَّ الوجه والكفَّين ليس (٣) بعورة مطلقًا، بل يجوز النظر إليه (٤) لغير شهوة. وله أن يقول: وإن كان عورةً في باب النظر، فلا يلزم أن يُستَر (٥) في الصلاة، كالوجه وكالأمة الحسناء، ونحو ذلك مما يجب سترُه عن الأجانب، ولا يجب ستره في الصلاة. والثانية: هما عورة. وهي اختيار الخِرَقي وكثير من أصحابنا (٦)، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] قال عبد الله بن مسعود: الزينة الظاهرة: الثياب (٧). وذلك لأنَّ الزينة في الأصل اسم للباس

стр. 976

والحلية، بدليل قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف: ٣١] وقوله سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] وقوله ﵎: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] وإنما يُعلم بضرب الرِّجل الخلخالُ ونحوهُ من الحلية واللباس. وقد نهاهن الله عن إبداء الزينة إلا ما ظهر منها، وأباح لهن [ص ٧٤] إبداء الزينة الخفيَّة لذوي المحارم. ومعلوم أنَّ الزينة التي تظهر في عموم الأحوال بغير اختيار المرأة هي الثياب. فأمَّا البدن فيمكنها أن تُظهره، ويمكنها أن تَستره. ونسبة الظهور إلى الزينة دليلٌ على أنها تظهر بغير فعل المرأة. وهذا كلُّه دليل على أنَّ الذي ظهر من الزينة: الثياب. قال أحمد: الزينة الظاهرة: الثياب (١). وقال: كلُّ شيء من المرأة عورة حتى ظفرها (٢). وقد روي في حديث: «المرأة عورة» (٣)، وهذا يعُمُّ جميعَها. ولأنَّ الكفَّين لا يكره سترُهما في الصلاة فكانا من العورة كالقدمين. ولقد كان القياس يقتضي أن يكون الوجه عورةً لولا أنَّ الحاجة داعية إلى كشفه في الصلاة بخلاف الكفَّين. ولذلك اختلفت عبارة أصحابنا: هل

стр. 977

يسمَّى عورةً أو لا؟ فقال بعضهم: ليس بعورة، وقال بعضهم: هو عورة، وإنما رُخِّص في كشفه في الصلاة للحاجة. والتحقيق: أنه ليس بعورة في الصلاة، وهو عورة في باب النظر إذ لم يجُز النظر إليه. وقال الآمدي: من أصحابنا من قال: هو على الروايتين في اليدين. ومنهم من قال: ليس بعورة روايةً واحدةً، وهو الصحيح. وهذا الخلاف الذي حكاه هو عورة في الجملة، وأمَّا صحة الصلاة مع كشفه فلا خلاف بين المسلمين، بل يُكره للمرأة سترُه في الصلاة، كما يكره للرجل، حيث يمنع من إكمال السجود ومن تحقيق القراءة، على ما يأتي ــ إن شاء الله ــ ذكرُه، اللهم إلا أن تكون بين رجال أجانب. وربما يذكر هذا ــ إن شاء الله تعالى ــ في غير هذا الموضع. فأمَّا المرأة المراهقة، فعورتها كعورة الأمة: ما لا يظهر غالبًا، لأن قوله ﵇: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» (١) يدل بتعليله ومفهومه على أنَّ غير الحائض بخلاف ذلك. وكذلك قوله في حديث أسماء: «إنَّ المرأة إذا بلغت المحيضَ لم يصلُح أن يُرَى منها إلا هذا وهذا» (٢). دليل على انتفاء ذلك قبل بلوغ المحيض. وعن عائشة ﵂ قالت: دخل عليَّ رسولُ الله ﷺ ، وكانت في حجري جارية، فألقى عليَّ حِقْوَه، فقال: «شُقِّيه بين هذه وبين الفتاة التي في حجر أم سلمة، فإنِّي لا أراها إلا قد حاضت، أو لا أراهما إلا قد حاضتا»

стр. 978

رواه أحمد وأبو داود (١). والخنثى المشكل كالرجل في أشهر الوجهين، لأنَّ الأصل براءة ذمته مما زاد على ذلك. وفي الآخر: هو كالمرأة، لأنه لا يتبيَّن براءة ذمته إلا بذلك. وبكلِّ حال فالمستحَبُّ له أن يستتر كالمرأة احتياطًا. الفصل الثالث [ص ٧٥] في عورة الأمة ولا يختلف المذهب أنَّ رأسها مع العنق ويديها وقدميها ليست (٢) بعورة في الصلاة، وقد نصَّ أحمد على ذلك (٣). والمراد بذلك يداها إلى المرفقين، وقدماها إلى الركبتين، في المشهور. وقال الآمدي: القدمان إلى أنصاف الساقين (٤). وتسمَّى هذه الأعضاء ضواحيها، لأنها تضحَى أي تبرز غالبًا. وهو معنى (٥) قول الفقهاء: «ما يظهر غالبًا». وينبغي أن يكون المرفق والركبة مما لا يظهر غالبًا، لأنَّ الحدَّ الذي بين

стр. 979

العورة وما ليس بعورة ملحَق بالعورة كالحدِّ الذي بين رأس الحرَّة ووجهها، فإنَّ عليها أن تستره، لأنَّ ستر الوجه لا يمكن إلا به. وقد مضت السنَّة بالفرق بين الحرة والأمة في باب العورة، ويُذكر ــ إن شاء الله ــ في موضعه ما يجب أن تستره إذا خيف الافتتانُ بها ونحو ذلك. والأصل في ذلك أن الله سبحانه قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٩] والجلابيب هي الملاحف التي تعُمُّ الرأسَ والبدنَ، وتسمِّيها العامَّة «الأزر» وتسمِّي الجلباب «الملاءة». ومنه قول النبي ﷺ : «لِتُلْبِسْها أختُها من جِلبابها» (١) أي لِتُعِرْها (٢) طرفَ الجلباب، تلتحف به، فتلتحف امرأتان بجلباب واحد. فاختصَّ الله سبحانه بالأمر بإدناء الجلابيب أزواجَ النبيِّ ﷺ وبناتِه ونساءَ المؤمنين، ولم يذكر إماءه ولا إماء المؤمنين. ولسن داخلات في نساء المؤمنين بدليل أنَّ قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ وقوله: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، وقوله: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢]، إنما عنى به الأزواج خاصَّةً. وإذا لم يكنَّ داخلات في الأمر بالالتحاف بقين على أصل الإباحة، لاسيما وتخصيص المذكورات بالحكم يدل على انتفائه فيما سواهن. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ الآية لم تدخل فيه الأمة، لأنه لم يستثن سيدها، ولأنه قد قال: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ

стр. 980

أَيْمَانُهُنَّ﴾. وإنما يكون هذا للحرَّة، وهذه كانت سنّة المسلمين على عهد رسول الله ﷺ ، مع علمه بذلك. فروى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: لمَّا أولم النبيُّ ﷺ على صفية قال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه؟ فقالوا: إن حجبها فهي إحدى أمهات المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه. فلما ارتحل وطَّأَ لها خلفه، ومدَّ الحجاب. متفق عليه (١). فعُلِمَ بهذا أنَّ ما ملكت أيمانهم لم يكونوا يحجبونهن كحجب الحرائر، وأنَّ آية [ص ٧٦] الحجاب خاصّة بالحرائر دون الإماء. وقد روى أبو حفص (٢) بإسناده عن أنس بن مالك أنَّ عمر بن الخطاب رأى على أمةٍ قناعًا، فتناولها بدِرَّته، وقال: لا تشَبَّهِي (٣) بالحرائر. وعن أبي قِلابة أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ كان لا يدع أمةً تقنَّعُ في خلافته، وقال: إنما القناع للحرائر (٤). وروى الأثرم (٥) بإسناده عن علي ﵁ قال: تصلِّي الأمة كما تخرج. وهو كما قال علي ﵁، فإنَّ مثل هذا لا يجوز أن يخفى عليه من سنة رسول الله ﷺ .

стр. 981

وهو ظاهر، فإنَّ الأمة إذا كانت تخرج مكشوفَة الرأس، فأن (١) تصحَّ صلاتُها هكذا كان أولى وأحرى؛ فإنَّ ما تستره المرأة عن الناس أشدُّ مما تستره في الصلاة، ولأنه إذا لم يكن الاختمار واجبًا عليها ولا كانت عادة إمائهن ذلك، فمعلومٌ أنهم لم يكونوا وقت الصلاة يضعون لهن خمُرًا ولا يغيِّرون لهن هيئة. وهذا مما لا نعلم فيه خلافًا (٢). إذا ثبت ذلك فلا يختلف المذهب أيضًا أنِّ ما بين السرَّة إلى الركبة منها عورة. وقد حكى جماعة من أصحابنا (٣) روايةً أنَّ عورتها السوءتان فقط، كالرواية في عورة الرجل. وهو غلط قبيح فاحش على المذهب خصوصًا، وعلى الشريعة عمومًا؛ فإن هذا لم يقله أحد من أهل العلم. وكلام أحمد أبعد شيء عن هذا القول. وإنما كان يفعل مثلَ هذا أهلُ الجاهلية حين كانت المرأة الحرَّة والأمة تطوف بالبيت، وقد سترت قُبلها ودُبرها تقول: اليوم يبدو بعضُه أو كلُّه ... وما بدا منه فلا أُحِلُّه (٤) حتى نهى الله تعالى عن ذلك، وأمر بأخذ الزينة عند المساجد، وسمَّى فعلهم فاحشة (٥).

стр. 982

وإنما وقع الوهم فيه من جهة أن بعض أصحابنا قال: عورة الأمة كعورة الرجل، بعد أن حكى في عورة الرجل الروايتين. وإنما قصد أنها مثله في المشهور في المذهب. ثم اختلف أصحابنا فيما عدا ضواحيها وما بين السرة والركبة، وهو الظهر والصدر والمنكب ونحو ذلك، هل هو عورة في الصلاة؟ على وجهين. ومنهم من يحكيه على روايتين، لأنه قد أومأ إليهما. ومنهم من يقول: إن المنصوص عورة. أحدهما: أنه ليس بعورة، كما ذكره الشيخ ﵀. وهو قول ابن حامد وأبي الخطاب وابن عقيل (١)، لما روى أبو داود في سننه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه عن النبي ﷺ قال: «إذا زوَّج أحدُكم خادمَه أو عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرَّة وفوق الركبة» (٢) والمراد بالخادم: الأمة. وإذا جاز للسيِّد النظر إلى ذلك مع أنها حرام عليه لم [ص ٧٧] يكن عورة. والثاني: هو عورة. قاله القاضي في «الجامع» وابنه أبو الحسين، وذكر أنه منصوص أحمد (٣). وهو اختيار أبي الحسن الآمدي (٤). وهو أشبه بكلام أحمد وأصحُّ؛ لأنَّ عليًّا ﵁ قال: تصلِّي الأمة كما تخرُج (٥). ومعلوم

стр. 983

أنها لا تخرج عارية الصدر والظهر. ولأنَّ الفرق بين الحرَّة والأمة إنما هو في القناع ونحوه، كما دلَّت عليه الآثار. ولأنهن كنَّ قبل أن ينزل الحجاب مستوياتٍ في ستر الأبدان، فلما أُمِر الحرائر بالاحتجاب والتجلبُب بقي الإماء على ما كنَّ عليه. فأما كشفُ ما سوى الضواحي، فلم يكن عادتهن، ولم يؤذن لهن في كشفه، فلا معنى لإخراجه من العورة. ولأن الله تعالى أمر بأخذ الزينة عند كل مسجد، وقميصُ الأمة ورداؤها من زينتها بخلاف الخمار. ولأن النبيَّ ﷺ نهى الرجل أن يصلِّي في الثوب الواحد، ليس على عاتقه منه شيء (١) تكميلًا للتزيُّن بستر المنكب، فكيف يأذن للأمة أن تصلِّي وظهرها وصدرها مكشوف، مع العلم بأنَّ انكشاف ذلك منها أشدُّ قبحًا وتفاحشًا من انكشاف منكب الرجل. ولأنَّ الأصل أنَّ عورة الأمة كعورة الحرَّة، كما أنَّ عورة العبد كعورة الحر، لكن لما كانت مظنَّةَ المهنة والخدمة، وحرمتُها تنقص عن حرمة الحرة، رُخِّص لها في إبداء ما تحتاج إلى إبدائه، وقطعِ شبهها بالحرّة، وتمييزِ الحرَّة عليها. وذلك يحصل بكشف ضواحيها من رأسها وأطرافها الأربعة، فأما الظهر والصدر فباقٍ على الأصل. والحديث المتقدِّم لا دليل فيه، لأنه لا يلزم من إباحة النظر إليها بالملك أن يكون المنظور ليس بعورة، فإنَّ النظر يباح من المالك والمملوك وذوي المحارم إلى أشياء يجب سترُها في الصلاة، لكن نظر الزوج والسيّد المباح

стр. 984

لهما الوطء أعمُّ من نظر غيرهما. فصل وسواء في ذلك الأمة المزوَّجة والمتسرَّاة غيرُ المستولدة والمدبَّرةُ والمكاتبة والمعلَّق عتقُها بصفة، لأنَّ رقَّهن باقٍ بحاله، وما انعقد لهن من أسباب الحرية ليس بلازم. وقد تقدَّم حديث أنس في صفية (١) بأنه دليل على أن السُّرِّيّة لم تكن تُحجَب حجبَ الزوجة. هذا قول أكثر أصحابنا. وقال أبو علي بن البناء: حكمُ المكاتبة والمدبَّرة والمعلَّق عتقها بصفةٍ حكمُ أم الولد والمعتَق بعضُها (٢)؛ لأنه قد انعقد لهن سبب الحرية، فخرجن عن محض العبودية، فرجعن إلى الأصل. وأما أمُّ الولد، فقد نصَّ أحمد على أنها تصلِّي كما تصلي الحرَّة (٣)، لأنه انعقد لها سبب الحرية لازمًا، [ص ٧٨] وينجرُّ لها من أحكام الحرية أنها لا تباع، ولا توهب، ولا توقف، ولا ينقل الملك في رقبتها؛ فصار فيها شائبة الحرية، فغلب حكمها لوجهين: أحدهما: أنه لا يمكن تمييزُ حقِّ الحرّيَّة عن حقِّ العبودية، والعملُ بمقتضى ما فيها من الحرية واجبٌ، وهو لا يمكن إلا بأن تكون كالحرَّة؛ وما لا يتم الواجب إلا به فواجب. والثاني: أنَّ الأصل أنَّ السترة في الأمة والحرة سواء، وإنما تُرك ذلك

стр. 985

في الأَمة المحضة لما فيها من معنى الابتذال والامتهان، وهذا مفقود (١) في أمِّ الولد. ثم اختلف أصحابنا، هل هذا على سبيل الوجوب أو الاستحباب؟ على وجهين. وذكر القاضي وأبو الخطاب وغيرهما في ذلك روايتين (٢): إحداهما: أنه على سبيل الاستحباب، كما ذكره الشيخ ﵀. وهو اختيار الخرقي وغيره (٣)، فيُكره لها كشفُ رأسها، لكن لا تبطل صلاتها إن صلَّت مكشوفة، لأنها أمة، فأشبهت المكاتبة. ولأنها مالٌ بدليل [تقويمها] (٤) بالقيمة إذا قُتلت أو ماتت تحت اليد العادية، فتكون كسائر الإماء. وما فيها من منع التصرُّف في رقبتها لا يُخرِجها عن ذلك كالأمة الموقوفة. وما فيها من انعقاد سبب الحرية لا يُوجب أخذَ أحكام الحرية كالمدبَّرة، ولقد مُيِّزت على غيرها لما فيها من شوب الحرائر بكراهة كشف رأسها. والثاني: على سبيل الوجوب، لما تقدَّم. وأمَّا المعتَق بعضُها، فهي على هذا الخلاف المذكور، إلا أنَّ القول بالوجوب هنا هو القويُّ عند أصحابنا، لأن فيها جزءًا حُرًّا، فوجب أن يعطى حكم الحرَّة. وذلك لا يمكن إلا بستر جميعها، فيجب، لأنَّ ما لا يتمُّ الواجب إلا به فواجب. ولهذا قلنا فيما لا يمكن تقسيطه من الأحكام مثل
следующие страницы →