← Тараджим

Тараджим · id 1520

طبقات الحنابلة - لابن أبي يعلى - ت العثيمين

أبو الحسين ابن أبي يعلى

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

لأنَّكَ لو قُلْتَ: إِذَا صَلَّى فُلَانٌ فَكَلِّمْهُ، مَعْنَاهُ: أَنْ تَنْتَظِرَهُ حَتَّى إِذَا صَلَّى وفَرَغَ من صَلَاتِهِ كَلِّمْهُ، ولَيْسَ مَعْنَاهُ: أَنْ تُكَلِّمَهُ وهو يُصَلِّي، فَكَذلِكَ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "إِذَا كَبَّر الإمَامُ فَكَبِّرُوا" ورُبَّمَا طَوَّلَ الإمَامُ في التَّكِبيْرِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِقْهٌ، والَّذي يُكَبِّرُ مَعَهُ ربَّمَا جَزَمَ التَّكْبِيْرَ، فَفَرَغ من التَّكِبْيْرِ قَبْلَ أَنْ يَفْرَغَ الإمَامُ، فَقَدْ صَارَ هَذَا مُكَبِّرًا قَبْلَ الإمَامِ، ومَنْ كَبَّرَ قَبْلَ الإمَامِ فَلَيْسَتْ لَهُ صَلَاةٌ؛ لأنَّه دَخَلَ في الصَّلَاةِ قَبْلَ الإمَامِ، وكَبَّرَ قَبْلَ الإمَامِ. فَلَا صَلَاةَ لَهُ. وقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "إِذَا كَبَّرَ وَرَكَع، فَكَبِّرُوا، وارْكعُوا" مَعْنَاهُ: أَنْ يَنْتَظِرُوا الإمامَ حَتَّى يُكَبِّرَ ويَرْكَعَ، ويَنْقَطِعَ صَوْتُهُ وهُم قِيَامٌ، ثُمَّ يَتْبَعُوْنَهُ. وَقُوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "فَإِذَا رَفَعَ (١) وقالَ: سَمعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فارْفَعُوا رُؤُوسَكُمْ، وقُوْلُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ" مَعْنَاهُ: أَنْ يَنْتَظِرُوا الإمَامَ ويَثْبُتُوا رُكُوعًا (٢) حَتَّى يَرْفَعَ الإمَامُ رَأَسَهُ، ويَقُوْلُ: سَمعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَه" ويَنْقَطِعَ صَوْتُهُ، وهُمْ رُكَّعٌ، ثُمَّ يُتْبَعُوْنَهُ، فَيرْفَعُوْنَ رُءُوْسَهُمْ ويَقُوْلُوْنَ: "اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ". وقَوْلُهُ: "إِذَا كَبَّرَ وسَجَدَ فَكَبِّرُوا واسْجُدُوا" مَعْنَاهُ: أَن يَكُوْنُوا قِيَامًا حتَّى يَكَبِّرَ ويَنْحَطَّ للسُّجُوْدِ ويَضَعَ جَبْهَتَهُ على الأرْضِ، وهُمْ قِيَامٌ، ثُمَّ يَتبعُوْنَهُ، وكَذلِكَ جَاءَ عن البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ، وهَذَا كُلُّه مُوَافِقُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ

стр. 1017

ﷺ : "الإمَامُ يَرْكَعُ [قَبْلَكُمْ، ويَسْجُدُ قَبلَكُمْ] (١)، ويَرفَعُ قَبْلَكُم". وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "وإِذَا رَفَعِ رَأسَهُ وكَبَّرَ، فَارْفَعُوا رُءُوْسَكُمْ وكَبِّرُوا" مَعْنَاهُ: أَنْ يَثْبتُوا سُجُوْدًا حَتَّى يَرْفعَ رَأْسهُ فيُكَبِّرَ ويَنْقَطِعَ الإمَامُ صَوْتُهُ وهُم سُجُودٌ اتَّبَعُوْهُ، فَرَفَعُوا رُءُوْسَهُمْ. وقَوْلُ النَّبيِّ ﷺ : "فَتِلْكَ بِتِلْكَ" يَعْنِي انْتِظَارُكُمْ إِيَّاهُ قِيَامًا حَتَّى يُكَبِّرَ ويَرْكَعَ (٢) وَأَنْتُم قِيِامٌ، ثُمَّ تَتْبَعُوْنَهُ، وانتِظَارُكُمْ إِيَّاهُ رُكُوْعًا حَتَّى يَرْفَعَ رأْسهُ، ويَقُولُ: "سَمعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ" وأَنْتُم رُكُوْعٌ، فَإِذَا قَالَ: "سَمعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ" وانقَطَعَ صَوْتُهُ، وأَنْتُم رُكُوعٌ اتَّبَعْتُمُوْهُ، فَرَفَعَتُمْ رُءُوْسَكُم، وقُلْتُم: "رَبَّنَا (٣) لَكَ الحَمْدُ" وقَوْلُهُ: "فَتِلْكَ بِتِلْكَ" في كلِّ رَفْعٍ وخَفْضٍ وهَذَا تَمَامُ الصَّلَاةِ، فأَعْقِلُوْهُ وأَبْصِرُوْهُ، وأَحْكِمُوْهُ. واعْلُموا أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ اليَوْمَ مَا يَكُوْنُ لَهُمْ صَلَاةٌ لِسَبْقِهِمُ الإمَامَ بالرُّكُوع والسُّجُوْدِ، والرَّفْعِ والخَفْضِ، وقَدْ جَاءَ الحَدِيْثُ قَالَ: "يَأْتِي على النَّاسِ زَمَانٌ يُصَلُّونَ وَلَا يَصَلُّوْنَ" وقَدْ تَخَوَّفْتُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الزَّمَان، لَوْ صَلَّيْتُ في مائةِ مَسْجِدٍ مَا رَأيْتُ أَهْلَ مَسْجِدٍ وَاحدٍ يُقِيْمُوْنَ الصَّلَاةَ عَلَى مَا جَاءَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، وعن أَصْحَابِهِ رَحْمَةُ اللهِ عليهم، فاتَّقُوا الله، وانُظُرُوا في صَلَاتِكُم وصَلَاةِ مَنْ يُصَلِّي مَعَكُمْ.

стр. 1018

واعلَمُوا أَنْ لو أَنَّ رَجُلاً أَحْسَنَ الصَّلَاةَ، فأَتَمَّهَا وأَحْكَمَهَا، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى مَنْ أَسَاءَ في صَلَاتِهِ وضَيَّعَهَا، وسَبَقَ الإمَامَ فيها فَسَكَتَ عنه، ولم يُعَلِّمْهُ في إِسَاءَتِهِ في صَلَاتِهِ ومُسَابَقَتِهِ الإمَامَ فِيْهَا، ولى يَنْهَهُ عَنْ ذلِكَ، ولم يَنْصَحْهُ شَارَكَهُ في وِزْرِهَا وعَارِهَا. فالمُحْسِنُ في صَلَاتِهِ شَرِيْكٌ للمُسْيءِ في إِسَاءَتِهِ، إِذَا لَمْ يَنْهَهُ ولم يَنْصَحْهُ، وجَاءَ الحَدِيْثُ عن بَلَالِ بنِ سَعْدِ أَنَّه قَالَ: "الخَطِيْئَةُ إِذَا خَفِيَتْ لَمْ تَضُرَّ إِلَّا صَاحِبَهَا، وإِذَا ظَهَرَتْ فَلَمْ تُغَيَّرْ ضَرَّتْ العَامَّةَ" لِتَرْكِهِمْ مَا لَزِمَهُمْ، وَمَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ من التَّغْيِيْرِ والإنْكَارِ على مَنْ ظَهَرَتْ مِنْه الخَطِيْئَةُ، وجَاءَ عن النَّبيَّ ﷺ أَنَّه قَالَ: "وَيْلٌ للْعَالِم مِنْ الجَاهِلِ، حَيْثُ لَا يُعَلِّمُهُ" فَلَوْلَا أَنَّ تَعْلِيْمَ الجَاهِلِ وَاجِبٌ على العَالِمِ (١) لازمٌ وفَرِيْضة، ولَيْسَ بِتَطَوُّعٍ مَا كَانَ لَهُ الوَيْلُ في السُّكُوْتِ عَنْهُ، [وفي تَوْكِ تَعْلِيْمِهِ] (٢). واللهُ تَعَالَى لا يُؤَاخِذُ من تَوَكَ التَّطَوُّع، إِنَّمَا يُؤِاخِذُ مَنْ تَرَكِ الفَرَائِضَ. فَتَعْلِيْمُ الجَاهِلِ فَرِيْضةٌ، فَلِذَلِكَ كَانَ لَهُ الوَيْلُ في السُّكُوْتِ عَنْه وتَرْكِ تَعْلِيْمِهِ. فاتَّقُوا الله تَعَالَى في أُمُوْرِكُمِ عَامَّةً، وفي صَلَاتِكُمْ خَاصَّةً، واتَّقُوا اللهَ في تَعْلِيْمِ الجَاهِلِ، فَإِنَّ تَعْلِيْمَهُ فرِيْضَةٌ واجِبٌ لازمٌ، والتَّارِكُ لِذَلِكَ مُخْطِئٌ، آثمٌ، فأمُرُوا (٣) أهلَ مَسْجدُكُم بإحْكَامِ الصَّلَاةِ وإِتْمَامِهَا (٤)

стр. 1019

وأَنْ لا يكون تَكْبِيْرُهُم إلَّا بَعْدَ تَكْبِيْرِ الإمامِ (١)، ولا يَكُوْنُ رُكُوْعُهُمْ وسُجُوْدُهُم ورَفْعُهُم وخَفْضُهُم إلَّا بَعْدَ تَكْبيرِ الإمَامِ، وبَعْدَ رُكُوْعِهِ وسُجُوْدِهِ ورَفْعِهِ وخَفْضِهِ، واعْلَمُوا أَنَّ ذلِكَ من (٢) تَمَامِ الصَّلاةِ، وذلِكَ الوَاجِبُ عَلَى النَّاسِ، واللّاَزمُ لَهُمْ؛ كَذلِكَ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وعَن أَصْحَابِهِ رحمةُ الله عليهم. ومِنَ العَجَبِ: أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ في مَنْزِلهِ، فَيَسمَعُ الأذَانَ، فَيَقُوْمُ فَزِعًا يَتَهَيَّأُ، ويَخْرُجُ منْ مَنْزِلِهِ يُرِيْدُ الصَّلَاةَ، ولا يُرِيْدُ غَيْرَهَا ثُمَّ لَعَلَّهُ يَخْرُجُ في اللَّيْلَة المَطِيْرَةِ المُظلمة، ويَتَخَبَّطُ في الطِّيْنِ، ويَخُوْضُ المَاءَ وتَبْتَلُّ ثِيَابُهُ، وإِنْ كَانَ في لَيَالِي الصَّيْفِ: فَلَيْسَ يَأْمَنُ العَقَارِبَ والهَوَامَّ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، ولعلَّهُ مَعَ هَذَا: أَنْ يَكُوْنَ مَرِيْضًا ضَعِيْفًا، فَلَا يَدَعُ الخُرُوْجُ إِلَى المَسْجِدَ، فَيَتَحَمَّلُ هَذَا كُلَّهُ إِيْثارًا لِلصَّلَاةِ، وحُبًّا لَهَا، وقَصْدًا إِلَيْهَا، لم يُخْرِجْهُ منْ مَنْزِلهِ غَيْرُهِا، فَإِذا دَخَلَ مَعَ الإمَامِ في الصَّلَاةِ خَدَعَهُ الشَّيْطَانُ، فَيُسَابِقُ الإمَامَ في الرُّكُوع والسُّجُودِ والرَّفْعِ والخَفْضِ، خَدْعًا من الشَّيْطَانِ لَهُ؛ لِمَا يُرِيْدُ مِنْ إِبْطَالِ صَلَاتِهِ، وإِحْبَاطِ عَمَلِهِ، فَيَخْرُجُ مِنَ المَسْجِدِ ولَا صَلَاةَ لَهُ. ومِنَ العَجَبِ: أَنَّهُمْ كُلُّهُمْ يَسْتَيْقِنُوْنَ أَنَّه لَيْسَ أَحَدٌ مِمَّن خَلْفَ الإمَامَ يَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاتِهِ حَتَّى يَنْصَرِفَ الإمامُ، وكُلُّهُم يَنْتَظِرُونَ الإمَامَ حَتَّى يُسَلِّمَ، وهُمْ كُلُّهم -إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ- يُسَابِقوْنَهُ في الرُّكُوع والسُّجُودِ والرَّفْعِ

стр. 1020

والخَفْضِ، خَدْعًا مِنَ الشَّيْطَانِ لَهُمْ، واسْتِخْفَافًا بالصَّلَاةِ مِنْهُم، واستِهَانَةً بِهَا، وذلكَ حَظُّهُمْ مِنَ الإسْلَامِ، وقَدْ جَاءَ الحَدِيْثُ قَالَ: "لَا حَظَّ في الإسْلَامِ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ" فَكُلُّ مُستَخِفٍّ بالصَّلاةِ مُسْتَهِيْنٍ بِهَا: هُو مُسْتَخِفٌّ بالإسْلَامِ مُسْتَهِيْنٌ بِهِ، وإِنَّمَا حَظُّهُمْ من الإِسْلَامِ على قَدْرِ حَظِّهم مِنَ الصَّلَاةِ، ورَغْبَتُهُم في الإِسلامِ على قَدْرِ رَغْبَتِهِمْ في الصَّلاةِ، فاعْرِفْ نَفْسَكَ يَا عَبْدَ [اللهِ، واعْلَمْ أَنَّ حَظَّكَ منِ الإسْلَامِ وقَدْرِ الإسلَامَ عندَكَ بَقَدْرِ حَظِّكَ من الصَّلَاةِ وقَدْرِهَا عِنْدَكَ] (١)، واحْذَرْ أَنْ تَلْقَى اللهَ ولا قَدْرَ للإسْلَامِ عِنْدَك، فإِنَّ قَدْرَ الإسْلَام فِي قَلْبِكَ كَقَدْرِ الصَّلَاةِ في قَلْبِكَ، وقَدْ جَاءَ الحَدِيْثُ عن النَّبيِّ ﷺ أَنَّه قَالَ: "الصَّلَاةُ عَمُوْدِ الإسْلَام" ألسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الفِسْطَاطِ (٢) إِذَا سَقَطَ عَمُوْدُهُ سَقَطَ الفِسْطَاطُ ولم يُنْتَفَعْ بالطُّنُبِ ولا بالأوْتِادِ، وإِذَا قَامَ عَمُوْدُ الفِسْطَاطِ انتَفَعْتَ بالطُنْبِ والأوْتَادِ، فَكَذلِكَ الصَّلَاةُ مِنَ الإسْلَامِ. فانْظُرُوا رَحِمَكُمُ اللهُ واعْقِلُوا، وأَحْكِمُوا الصَّلَاةَ، واتَّقُوا اللهَ فِيْهَا، وتَعَاوَنُوا عَلَيْهَا، وتناصَحُوا فِيْهَا بالتَّعِليْمِ (٣) مِنْ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ، والتَّذْكِيْرُ مِنْ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ مِنَ الغَفْلَةِ والنِّسْيَانِ، فَإنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكُمْ أَنْ تَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ والتَّقْوَى، والصَّلَاةُ أَفْضَلُ البِرِّ، وجَاءَ الحَدِيْثُ عَنِ النَّبيِّ

стр. 1021

ﷺ أنَّه قَالَ: "أَوَّلُ مَا تَفْقِدُونَ مِنْ دِيْنِكُمُ الأمَانَةُ (١) واَخِرُ مَا تَفْقِدُوْنَ مِنْهُ الصَّلاة، ولَيُصَلِّيَنَّ اقْوَامٌ لَا خَلَاقَ لَهُمْ" وجَاءَ الحَدِيْث "أنَّ أَوَّلَ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإنْ تُقُبِّلَتْ مِنْهُ صَلَاتُهُ تُقبِّلَ مِنْهُ سَائِرَ عَمَلِهِ، وإِنْ رُدَّتْ صَلَاتُهُ رُدَّ سَائِرُ عَمَلِهِ" فَصَلَاتُنَا آخرُ دِيْنَنَا، وهي أَوَّلُ مَا نُسْأَلُ عَنْهُ غَدًا من أَعْمَالِنَا، فليسَ بعدَ ذَهَابِ الصَّلاةِ إِسْلامٌ ولا دِيْنٌ، فِإِذَا صَارَتِ الصَّلَاةُ آخرَ مَا يَذْهَبُ من الإسْلَامِ، فَكُلُّ شَيْءٍ يَذْهَبُ آخِرَهُ فَقَدْ ذَهَبَ جَمِيْعُهُ، فَتَمَسَّكُوا رَحِمَكُمُ اللهُ بآخرِ دِيْنِكُمْ. ولْيَعْلَم المُتَهَاوِنُ بِصَلَاتِهِ، المُسْتَخِفُّ بِهَا، المُسَابِقُ الإمَامَ فيها: أَنَّه لَا صَلَاةَ لَهُ، وأَنَّه إِذَا ذَهَبَتْ صَلَاتُهُ فَقَدْ ذَهَبَ دِيْنُهُ، فَعَظِّمُوا الصَّلَاةَ رَحِمَكُمُ اللهُ، وتَمَسَّكُوا بِهَا، واتَّقُوا اللهَ فِيْهَا خَاصَّةً، وفي أُمُورِكُم عَامَّةً. واعْلَمُوا أَنَّ اللهَ قَدْ عَظَّمَ خَطَرَ الصَّلَاةِ في القُرْآنِ، وعَظَّمَ أَمْرَهَا وَشَرَّفَهَا، وشَرَّفَ أَهْلَهَا، وخَصَّهَا بالذِّكْرِ مِنْ بَيْنِ الطَّاعَاتِ كُلِّهَا في مَوَاضِعَ من القُرْاَن كَثِيْرَةٍ، وأَوْصى بِهَا خَاصَّةً، فَمِنْ ذلِكَ: أَنْ ذَكَرَ اللهَ تَعَالى (٢) أَعْمَالَ البِرِّ الَّتي أَوْجَبَ لأهْلِهَا الخُلُوْدُ في الفِرْدَوْسِ، فافتَتَحَ تِلْكَ الأعْمَالَ بالصَّلَاةِ، وخَتَمَهَا بالصَّلَاةِ، وجَعَلَ تِلْكَ الأعْمَالَ الَّتِي جَعَلَ لأهْلِهَا الخُلُوْدَ في الفِرْدَوْسِ بينَ ذَكْرِ الصَّلَاةِ مَرَّتَيْنِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى (٣):

стр. 1022

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ هو فَبَدَأَ من صِفَتِهِمْ بالصَّلاةِ عند مَدِيْحِهِ إِيَّاهُمْ، ثُمَّ وَصَفَهُمْ بالأعْمَالِ الطَّاهِرَةِ الزَّاكِيَةِ المَرْضِيَّةِ، إِلَى قَوْله (١) : (٢) ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ فَأَوَجبَ اللهُ لأهلِ هذِهِ الأعْمَالِ الشَّريفةِ الزَّاكيةِ المَرضِيَّةِ الخُلُودَ في الفِرْدَوْسِ، وجَعَلَ هذه الأعْمَالَ بينَ ذِكْرِ الصَّلاةِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ عَابَ اللهُ النَّاسَ كُلَّهُمْ وَذَمَّهُمْ، ونَسَبَهُمْ إلى اللُّؤمِ والهَلَعِ والجَزَعِ، والمَنع للخَيْرِ، إلَّا أهلَ الصَّلَاةِ، فإِنَّه اسَتْثَنَاهُمْ مِنْهُم، فَقَالَ اللهُ (٣): ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾ ثُمَّ استَثْنَى المُصَلِّين منهم، فَقَالَ: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥)﴾ (٤) ثُمَّ وَصَفَهُمْ بالأعْمَالِ الزَّاكِيَةِ الطَّاهِرَةِ المَرْضِيَّةِ الشَّرِيْفَةِ، إلى قَوْلهِ (٥): ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣)﴾ ثُمَّ خَتَمَ بثنائِهِ عَلَيْهِمْ ومَدْحِهِمْ، بأَنْ ذَكَرَهُمُ بمُحَافَظَتِهِمْ على

стр. 1023

الصَّلاةِ. فَقَالَ (١): ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)﴾ فَأَوْجَبَ لأهْلِ هَذِهِ الأعْمَالِ الكَرَامَةِ في الجَنَّةِ. وافتَتَحَ ذِكْرَ هِذِهِ الأعْمَالِ بالصَّلاةِ وخَتَمَهُ بالصَّلَاةِ. فَجَعَلَ ذكرَ هذه الأعْمَالِ بينَ ذكرِ الصَّلاةِ مَرَّتين. ثُمَّ نَدَبَ اللهُ رَسُوْلَه ﷺ إلى الطَّاعَةِ كُلِّهَا جُملة وأفردَ الصَّلاةَ بالذِّكْرِ من بَيْنَ الطَّاعَةِ كُلِّهَا، والصَّلَاةُ هِيَ من الطَّاعَةِ، فقَالَ (٢): ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ ففي تِلَاوَةِ الكِتَابِ: فِعْلُ جَمِيعْ الطَّاعة (٣)، واجِتِنَابِ جَمِيعْ المَعْصِيَةِ. فَخَصَّ الصَّلاةَ بالذِّكْرِ، فَقَالَ (٤): ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ وإلى الصَّلاة خَاصَّةً نَدَبَهُ اللهُ ، فقَالَ: (٥) ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ فأَمَرَهُ أَنْ يأْمُرُ أَهْلَهُ بالصَّلَاةِ ويَصْطَبِرْ عَلَيْهَا. ثُمَّ أَمَرَ اللهُ تعَالَى جَمِيع المُؤْمِنين بالاستِعَانَةِ على طَاعَتِهِ كلِّها بالصَّبْرِ، ثُمَّ خَصَّ الصَّلاةَ بالذِّكْرِ مِنْ بَيْنِ الطَّاعَةِ كُلِّها فَقَرَنَهَا مَعَ الصَّبْرِ بِقَوْلهِ (٦): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ فَكَذلِكَ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بَني إِسْرَائِيلَ بالاستِعَانةِ بالصَّبْرِ

стр. 1024

والصَّلَاةِ علَى جَمِيع الطَّاعَةِ، ثُمَّ أَفْرَدَ الصَّلَاةَ من بينِ الطَّاعَةِ. فَقَالَ (١): ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ ومثلُ ذلِكَ: ما أَخْبَرَ اللهُ بِهِ من حِكَمه ووصَّيته خَليلَهُ إِبْراهيم ولُوطًا وإسحاق ويَعْقُوْبَ، فَقَالَ (٢): ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ -إِلَى قَوْله:- ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا﴾ إلى قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ -إلى قوله:- ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ﴾ فَذَكَرَ الخَيْرَاتِ كُلَّهَا جُمْلَةً، وهِيَ جَميعُ الطَّاعَاتِ واجتِنَابِ جَمِيعْ المَعْصِيَةِ، وأَفْرَدَ الصَّلَاةَ بالذِّكْرِ، وأَوْصَاهُم بِهَا خَاصَّةً، ومُثِلُ ذلِكَ: مَا أَخْبَرَ (٣) عن إِسْمَاعِيْلَ في قَوْلهِ (٤): ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)﴾ فبدأ بالصَّلاة، ومثلُ ذلِكَ عْن نَجِيِّه مُوسَى ﵇ في قَوْلِهِ (٥): ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩)﴾ -إلى قولِهِ- ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ فأَجمَلَ الطَّاعَةَ واجتِنَابَ المَعْصِيَةِ في قَوْلِهِ لمُوسَى ﴿فَاعْبُدْنِي﴾، وأَفْرَدَ الصَّلَاةَ وأَمَرَ بِهَا خَاصَّةً، وقَالَ (٦): ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ والتَّمَسُّكُ

стр. 1025

بالكِتَابِ يأْتِي عَلَى جَمِيع الطَّاعَةِ، واجتِنَابِ جَمِيع المَعْصِيَةِ، ثُمَّ خَصَّ الصَّلَاةَ بالذِّكْرِ، فَقَالَ: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ وإلى تَضْيِيْع الصَّلَاةَ نَسَبَ اللهُ مَنْ أَوْجَبَ لَهُ العَذَابَ قَبْلَ المَعَاصِي فَقَالَ (١): ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ فَمِنِ اتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ رُكُوْبُ جَمِيْعِ المَعَاصِي، فَنَسَبَهُم اللهُ إلى جَمِيع مَصيَتِهِ (٢) في تَضْيْيعِ الصَّلاةِ، فَهذَا مَا أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى بِهِ من آيِ القُرْآنِ، مِنْ تَعْظِيْمِ الصَّلَاةِ، وتَقْدِيْمِهَا بَيْنَ يَدَيْ الأعْمَالِ كُلِّها، وإفْرَادِهَا بالذِّكْرِ مِنْ بَيْنِ (٣) جَمِيْعِ الطَّاعاتِ. والوَصيَّةِ بها دُوْنَ أَعْمَالِ البِرِّ عَامَّة، فالصَّلاةُ: خَطَرُهِا عَظيمٌ، وأمرُها جَسِيْمٌ، وبالصَّلاةِ أَمَرَ اللهُ ﵎ رَسُوْلَهُ، أَوَّلَ مَا أُوْحِيَ إِلَيْهِ بالنُّبُوَّةِ قَبْلَ كُلِّ عَمَلٍ، وقَبْلَ كلِّ فَرِيْضَةٍ، وبالصَّلاةِ أَوْصَى النَّبيُّ ﷺ عندَ خُرُوْجِهِ مِنَ الدُّنْيَا فَقَالَ: "اللهَ اللهَ في الصَّلَاة وفيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانَكُمْ" في آخِرِ وَصِيَّتِهِ إِيَّاهُمْ وَجَاءَ الحَدِيْثُ: "أَنَّها آخرُ وَصِيَّة كُلِّ نَبِيٍّ لأُمَّتِهِ، وآخرُ عَهْدِهِ إِلَيْهِمْ عِنْدَ خُرُوْجِهِ مِنَ الدُّنْيَا" وجاءَ في حَدِيْثٍ آخرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "أنَّه كَانَ يَجُوْدُ بِنَفْسِهِ ويَقُوْلُ: الصَلَاةَ الصَلَاةَ الصَلَاةَ". فالصَّلاةُ: أَوَّلُ فَرِيْضَةٍ فُرِضَتْ عَلَيْهِمْ، وهِيَ آخرُ مَا أَوْصَى بِهِ أُمَّتِهِ. وآخرُ مَا يَذْهَبُ مِنَ الإسْلَامِ. وهي أَولُ مَا يُسْأَلُ عنه العَبْدُ من عَمَلِهِ يوم القِيَامَةِ.

стр. 1026

وهي عَمُوْدُ الإسْلَامِ. ولَيْسَ بعد ذهابها دينٌ، ولا إِسْلَامٌ، فاللهَ اللهَ في أُمُوْرِكُم عَامَّةً، وفي صَلَاتِكُمْ خَاصَّةً، فتَمَسَّكُوا بِهَا، واحْذَرُوا تَضْيِيْعَهَا والاسْتِخْفَافَ بِهِا، ومُسَابَقَةَ الإمَامِ فيها، وخِدَاعِ الشَّيْطَانِ أَحَدَكُمْ عَنْهَا، وإِخْرَاجَهُ إِيَّاكُم مِنْهَا (١)، فإِنَّهَا آخرُ دِيْنكُمْ. ومَنْ ذهَبَ آخرُ دِيْنهِ، فَقَدَ ذَهَبَ دِيْنُهُ كُلُّهُ، فَتَمَسَّكُوا بآخرِ دِيْنكُمْ. وأمُرْ يَا عَبْدَ الله الإِمَامَ أَنْ يَهْتَمَّ بِصَلَاتِهِ، ويُعْنَى بِهَا، ويَتَمَكَّنَ لِيَتَمَكَّنُوا إِذَا رَكَعَ وسَجَدَ، فإِنِّي صَلَّيْتُ يَوْمَئِذٍ، فَمَا اسْتَمْكَنْتَ من ثَلاثِ تَسْبِيْحَاتٍ في الرُّكُوع ولا ثَلَاثٍ في السُّجُودِ، وذلِكَ لِعَجَلَتِهِ، لَمْ يَمُكِّنْ ولم يَسْتَمْكِنْ، وَعَجَّلَ، فَأَعْلِمْهُ أَنَّ الإمَامَ إِذَا أَحْسَنَ الصَّلَاةَ كان لَهُ أَجرُ صَلَاتِهِ، ومِثْلُ أَجْرِ مَنْ يُصَلِّي خَلْفَهُ، وإِذَا أَسَاءَ كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُ إِسَائَتِهِ، وَوِزْرُ مَنْ يُصَلِّي خَلْفَهُ، وجَاءَ الحَدِيْثُ عن الحَسَنِ البَصْرِيِّ أَنَّه قَالَ: "التَّسْبِيْحُ التَّامُ سَبعٌ، والوَسَطُ من ذلِكَ خَمْسٌ، وأدْنَاهُ ثَلَاثُ تَسْبِيْحَاتٍ"، وأَدْنَى ما يُسَبِّحُ الإمَامُ في الرُّكُوْعِ: "سَبْحَانَ رَبِّي العَظِيْمُ" ثَلَاثُ مَرَّاتٍ، وفي السُّجُودِ: "سُبْحَانَ رَبِّي الأعْلى" ثَلَاثُ مَرَّاتٍ، وإِذَا سَبَّحَ في الرُّكُوْعِ والسُّجُودِ ثَلاثًا ثَلَاثًا. فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُعَجِلَ بالتَّسْبِيْحِ، ولا يُسْرِعَ فِيْهِ، ولا يُبَادِرَ، وليَكُنْ بِتَمَامٍ منْ كَلَامِهِ بِتَأَدٍّ وتَمَكُّنٍ (٢)، فإِنَّه إِذَا عَجَّل بالتَّسْبِيْحِ وبَادَرَ بِهِ لَمْ يُدْرِكْ مَنْ خَلْفَهُ التَّسْبِيْحَ، وصَارُوا مُبَادِرِيْنَ إِذَا بَادَرَ، وسَابَقُوْهُ،

стр. 1027

فَفَسَدَتْ صَلَاتُهُم، فَكَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ وُزْرِهِمْ جَمِيْعًا، وإِذَا لَم يُبَادِرِ الإمَامُ وتَمَكَّنَ، وأَتَمَّ صَلَاتَه (١) وتَسْبِيْحَهُ أَدْرَكَ مَنْ خَلْفَهُ وَلَمُ يُبَادِرُوا؛ فَيَكُونُ الإِمَامُ قَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ، ولَيْسَ عَلَيْهِ إِثْمٌ، ولَا وِزْرٌ. واْمُرْهُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ من الرُّكُوعِ فَقَالَ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَه" يَثْبُتُ (٢) قائِمًا مُعْتَدِلاً حَتَّى يَقُوْلَ "رَبَّنَا ولَكَ الحَمْدُ" وهو قائمٌ مُعْتَدِلٌ، من غَيْرِ عَجَلَةٍ في كَلَامِهِ ولا مُبَادَرَةٍ، وإِنْ زَادَ على ذلِكَ فَقَالَ: "رَبَّنَا ولَكَ الحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَواتِ (٣) ومِلْءَ الأرْضِ" كانَ أَحبُّ إِليَّ؛ لأنَّه جَاءَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ : "أَنَّه رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: رَبُّنَا ولَكَ الحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَواتِ، ومِلْءَ الأرْضِ، ومِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، ولَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، ولَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدّ" وهَذَا لَا يَكَادُ يُطمَعُ فِيه اليَوْمَ مِنَ النَّاسِ. وجَاءَ عَن أَنَسٍ قَالَ: "كَانَ رَسُوْلُ الله ﷺ إِذَا رَفعَ (٤) رَأْسَهُ من الرُّكُوع يَقُوْمُ، حَتَّى يُقَالَ: قَدْ نَسِيَ" ومَا فِي هَذَا مَطْمَعٌ مِنَ النَّاسِ اليَوْمَ، ولكِنْ يَنْبَغِي لِلإمَامِ أَنْ لا يُبَادِرَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوع، ولا يَعْجَلْ بِقَوْلهِ: "رَبَّنَا ولَكَ الحَمْدُ" ولْيَكُنْ ذلِكَ بِتَمَامٍ من كَلَامِهِ، وتَمَكُّنٍ وتأنٍّ من غَيْرِ عَجَلَةٍ ولا مُبَادَرةٍ، حَتَّى يُدْرك النَّاسُ مَعَهُ، وإِذَا سَجَدَ وَرَفَعَ رَأَسَهُ من

стр. 1028

السُّجُودِ فَلْيَعْتَدِلْ جَالِسًا، ولْيَثْبُتْ بينَ السَّجْدَتَيْنِ شَيْئًا بِقَدْرِ مَا يَقُوْلُ: "رَبِّ اغْفِرْ لِي" (١) مِنْ غَيْرِ عَجَلَةٍ، حَتَّى يُدْرِكَهُ النَّاسُ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ الثَّانِيَةَ، ولَا يُبَادِرُ، فَسَاعَةَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ من السَّجْدَةِ الأوْلَى يَعُوْدُ سَاجِدًا، فَيُبَادِرُ النَّاسُ لمُبَادَرَتِهِ، ويَقَعُوْنَ في المُسَابَقَةِ، فَتَذْهَبُ صَلَاتُهُمْ، ويَلْزَمُ الإمَامُ وِزْرُ ذلِكَ وإِثْمَهُ، فإِنَّ النَّاسَ إِذَا عَلِمُوا أَنَّه يَثْبُتُ ثَبَتُوا، ولم يُبَادِرُوا، وقَدْ جَاءَ الحَدِيْثِ: "أَنَّ كُلَّ مُصَلٍّ رَاعٍ ومَسْئُوْلٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" وَقَدْ قِيْلَ: إِنَّ الإمامَ رَاعٍ لِمَنْ يُصَلِّي بِهِمْ، فَمَا أَوْلَى بالإمَامِ النَّصِيْحَةَ لِمَنْ يُصَلِّي خَلْفَهُ، وأَنْ يَنْهَاهُمْ عن المُسَابَقَةِ في الرُّكُوعْ والسُّجُوْدِ، وأَن لا يَرْكَعُوا ويَسْجُدُوا مَعَ الإمَامِ، بَلْ يَأْمُرَهُمْ بَأَنْ يَكُونَ رُكُوْعُهُم وسُجُوْدُهُمْ ورَفْعُهُمْ وخَفْضُهُمْ بَعْدَهُ، وأَن يُحْسِنَ أَدَبَهُمْ وتَعْلِيْمَهُمْ؛ إِذْ كَانَ رَاعِيًا لَهُم. وكانَ غَدًا مَسْئُولاً عَنْهُم، ومَا أَولَى بالإمَامٍ أَنْ يُحْسِنَ صَلَاتَهُ، ويُتمَّهَا ويُحْكُمَهَا، وتَشْتَدَّ عِنَايَتَهُ بِهَا، إِذْ كَانَ لَهُ مِثْلُ أجْرِ مَنْ يُصَلِّي خَلْفَهُ إِذَا أَحْسَنَ، وعَلَيْهِ مِثلُ وُزْرِهِمْ إِذَا أَسَاءَ. ومَنَ الحَقِّ الوَاجِبِ علَى المُسْلِمِيْنَ: أَنْ يُقَدِّمُوا خِيَارَهُم، وأَهْلَ الدِّيْنِ والفَضْلِ مِنْهُم، وأَهْلِ العِلْمِ باللهِ تَعَالَى، الَّذِيْنَ يَخَافُوْنَ الله (٢) ويُرَاقِبُوْنَهُ، وقَدْ جَاءَ الحَدِيْثُ: "إِذَا أَمَّ بالقَوْمِ رَجُلٌ، وخَلْفَهُ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ: لَمْ يَزَالُوا في سِفَالِ". وجَاءَ الحَدِيْثُ: "اجْعَلُوا أَمْرَ دِيْنِكُم إلى فُقَهَائِكُمْ، وأَئِمَّتُكُمْ قُرَّاؤُكُم" وإِنَّمَا مَعَنَاهُ: الفُقَهَاءُ والقُرَّاءُ أَهْلُ الدِّين

стр. 1029

والفَضْلِ والعِلْمِ باللهِ، والخَوْفُ مِنَ اللهِ ، الَّذِيْنَ يُعْنَوْنَ بِصَلَاتِهِمْ، وصَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُمْ، ويَتَّقُوْنَ مَا يَلْزَمُهُم مِنْ وُزْرِ أَنْفُسِهِمْ وَوَزْرُ مَنْ خَلْفَهُمْ، إِنْ أَسَاءُوا في صَلَاتِهِمْ، ومَعْنَى القُرَّاءِ: لَيْسَ على الحِفْظِ للقُرْآنِ، فَقَدْ يَحْفَظُ القُرآن مَنْ لا يَعْمَلُ بِهِ، ولا يَعْبَأُ بِدِيْنهِ، ولَا بإِقَامَةِ حُدُوْدِ القُرْآنِ، ومَا فَرَضَ اللهُ عليه فيه، وقَدْ جَاءَ الحَدِيْثُ: "إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَذَا القُرْآن مَنْ كَانَ يَعْمَلُ بِه، وإِنْ كَانَ لا يَقْرَأُ" فالإمَامَةُ بالنَّاسِ، المُقدَّمُ بينَ أَيْدِيْهِمْ في الصَّلَاةِ بِهِم عَلَى الفَضْلِ، فَلَيْسَ للنَّاسِ أَنْ يُقَدِّمُوا بَيْنَ أَيْدِيْهِمْ إلَّا أَعْلَمَهُمْ باللهِ، وأَخْوَفهُمْ لَهُ، ذلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ، ولازمٌ لَهُم، فَتَزْكُو صَلَاتُهُم، وإِنْ تَرَكُوا ذلِكَ لم يَزَالُوا في سِفَالٍ وإِدْبَارٍ، وانْتِقَاصٍ في (١) دِيْنهِمْ، وبُعْدٍ مِنَ اللهِ، وَمِنْ رِضْوَانِه، ومن جَنَّتِهِ. فَرَحِمَ اللهُ قَوْمًا عُنُوا بِصَلَاتِهِم، وعُنُووا بِدِيْنهِمْ، فَقَدَّمُوا خِيَارَهُم، واتَّبَعُوا في ذلِكَ سُنَّة نَبيِّهم ﷺ ، وطَلَبُوا بذلِكَ القُرْبَةَ إِلَى رَبِّهِمْ . وأمُرْ يَا عَبْدَ اللهِ الإمَامَ أَنْ لا يُكَبِّرَ -أَوَّلَ مَا يَقُوْمُ مَقَامَهُ لِلصَّلَاةِ- حَتَّى يَلْتَفِتَ يَمِيْنًا وشَمَالاً، فِإِنْ رَأى الصَّفَّ مُعْوَجًّا والمَنَاكِبَ مُخْتَلِفَة أَمَرَهُمْ أَنْ يُسَوُّوا صُفُوْفَهُمْ وأَنْ يُحَاذُوا مَنَاكِبَهُمْ، فَإِنْ رَأى بينَ كلِّ رَجُلَيْنِ فُرجَةً أَمَرَهُمْ أَنْ يَدْنُو بَعْضهُمْ مِنْ بَعْضٍ، حَتَّى تَمَاسَّ (٢) مَنَاكِبُهُمْ. واعْلَمْ أَنَّ اعْوِجَاجَ الصُّفُوفَ واختلَافَ المَنَاكِب يُنْقِصُ مِنَ الصَّلَاةِ،

стр. 1030

وأَنَّ الفُرْجَةَ الَّتي تَكُوْنُ بينَ كُلِّ رَجُلَيْنِ: تُنْقِصُ (١) مِنَ الصَّلَاةِ، فاحْذَرُوا ذلِكَ، وقَدْ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قَالَ: "رُصُّوا الصُّفُوْفَ، وَحَاذُوا المَنَاكِبَ (٢)، وسُدُوا الخَلَلَ، لَا يَقُوْمُ بَيْنَكُمْ مِثْلَ أوْلَادِ (٣) الحَذَفِ -يَعْنِي أَوْلَادَ الغَنَمِ الصِّغَارِ- مِنَ الشَّيَاطِيْنِ" وقَدْ جَاءَ الحَدِيْثِ عَنِ النَّبيِّ ﷺ : "أَنَّه كانَ إذَا قَامَ مَقَامَهُ للصَّلَاةِ لَمْ يُكَبِّرْ حَتَّى يَلْتَفِتَ يِمِيْنًا وشَمَالًا، فيَأْمُرَهُمْ بِتَسْوِيَةِ مَنَاكِبَهُمْ، ويَقُوْلُ: لَا تَخْتَلِفُوا، فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ" وقَدْ جَاءَ عَنْهُ ﷺ : "أنَّه الْتَقَتَ يَوْمًا، فَرَأَى رَجُلاً قَدْ خَرَجَ صَدْرَهُ من الصَّفِّ، فَقَالَ: لَتُسَوُّنَّ مَنَاكِبَكُمْ، أو ليُخَالِفَنَّ اللهُ بين قُلُوبَكُم" فَتَسْوِيةُ الصُّفُوفِ، ودُنُوِّ الرِّجَالِ بَعْضُهُم من بَعْضِ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ، وتَرْكِ ذلِكَ نَقْصٌ في الصَّلَاةِ، وجَاءَ الحَدِيْثِ عن عُمَرَ "أَنَّه كَانَ يَقُوْم مَقَامَ الإمَامِ، ثُمَّ لا يُكَبِّرُ حَتَّى يَأْتِيَهُ رَجُلٌ قَدْ وَكَّلَهُ بإِقَامةِ الصُّفُوفِ، فيُخْبِرَهُ أَنَّهُمْ قَدْ استَوَوا، فَيُكَبِّرُ" وجَاءَ عَنْ عُمَرَ بنَ عَبْد العَزِيْزِ مِثْلِ ذلِكَ. ورُوِيَ: "أنَّ بِلَالاً كَانَ يُسَوِّيْ الصُّفُوْفَ، ويَضْرِبُ عَرَاقِيْبِهُمْ بالدِّرَّةِ، حَتَّى يَسْتَوْوا". قَالَ بعْضُ العُلَمَاءِ: وقَدْ يُشْبِهُ أَنْ يَكُوْنَ هَذَا من بِلَالٍ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ عندَ إِقَامَتِهِ، قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ في الصَّلَاةِ؛ لأنَّ الحَدِيْثَ جَاءَ (٤) عن بِلال:

стр. 1031

"أَنَّه لَم يُؤْذِّنْ لأحَدٍ بَعْدَ النَّبيِّ ﷺ إلَّا يَوْمًا وَاحِدًا" إِذْ أَتَى مَرْجِعهُ من الشَّامِ، ولَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ عَهْدٌ بأَذَانِه حِيْنًا، فَطَلَبَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ وأَصْحَابُ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، فَأَذَّنَ، فَلَمَّا سَمِعَ أَهلُ المَدِيْنَةَ صَوْتَ بلَالٍ ذَكَرُوا النَّبيِّ ﷺ ، بَعْدَ طُوْلِ عَهْدِهِم بأَذَانِ (١) بِلَالٍ وصَوْتِهِ: جَدَّدَ (٢) ذَلِكَ في قُلُوْبِهِمْ أَمْرَ النَّبِي ﷺ ، وشَوَّقَهُمْ أَذَانَهُ إِلَيْهِ، حَتَّى قَالَ بَعْضهُم: بُعِثَ النَّبيُّ ﷺ ، شَوْقًا مِنْهُم إِلَى رُؤْيَتِهِ، وَلِمَا هَيَّجَهُمْ، بِلَالٌ عَلَيْهِ، بأذَانِهِ وصَوْتهِ، فَرَقُّوا عِنْدَ ذَلِك وبَكَوْا، واشتَدَّ بُكَاؤُهُم عَليه ﷺ ، حَتَّى خَرَجَ العَوَاتِقُ من بُيُوْتهِنَّ شَوْقًا إِلَى النَّبيِّ ﷺ ، حِيْنَ سَمِعْنَ صَوْتَ بِلَالٍ وأَذَانَهُ، وذِكْرَ النَّبي ﷺ ، وَلَمَّا قَالَ بِلَالٌ: "أَشْهَدَ أَنَّ مُحمَّدًا رَسُوْلُ الله" امَتَنَعَ بِلَالٌ من الأذَانَ فَلَم يَقْدِرْ عليه، وقَالَ بَعْضُهُم: سَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، حُبًّا للنَّبيِّ ﷺ وشَوْقًا إِلَيْهِ، فَرَحِمَ اللهُ بِلَالاً والمُهَاجِرِينَ والأنْصَارَ، وجَعَلَنَا وإِيَّاكُمْ من التَّابِعِيْنَ لَهُمْ بإِحْسَانٍ. فاتَّقُوا الله (٣) مَعْشَرَ المُسْلِمِيْنَ، وأَحْكِمُوا صَلَاتَكُمْ، والزَمُوا فِيْهَا سُنَّةَ نَبِيِّكُم وأَصْحَابَه ﷺ وعليهم أجَمَعِيْنَ، فَإِنَّ ذلِكَ هو الوَاجِبُ عَلَيْكم، واللّاَزمُ لَكُمْ. وقَدْ وَعَدَ اللهُ تَعَالَى مَنِ اتَّبَعَهُمْ رِضْوَانَهُ، والخُلُوْدَ في جَنَّتِهِ. قَالَ اللهُ (٤): ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ

стр. 1032

اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ فاتِّبَاعِ المُهَاجرِيْنَ والأنْصَار وَاجبٌ على النَّاسِ إلى يَوْمِ القيَامَة. وجَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّه كَانَ لَه سَكْتَتَانِ؛ سَكْتَةٌ عندَ افتِتَاحِ الصَّلَاة، وسَكْتَةٌ إذَا فَرَغَ مِنَ القِرَاءَةِ" وكان النَّبيُّ ﷺ يَسْكُتُ إِذَا فَرَغَ مِنَ القِرَاءَةِ قبلَ أَنْ يَرْكَعِ، حَتَّى يَتَنَفَّسَ، وأَكثرُ الأئِمَّةِ عَلَى خِلَافِ ذلِكَ. فاْمُرْهِ يَا عَبْدَ اللهِ، إِذَا فَرَغ مِنَ القِرَاءَةِ (١) أَنْ يَسْكُتَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِ نَفَسُهُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ، وَلَا يَصِلَ قِرَاءَتَهُ بِتَكْبِيْرَةِ الرُّكُوْعِ وخَصْلَةٌ، قَدْ غَلَبَ عَليها النَّاسُ في صَلَاتِهِمْ إلَّا مَا (٢) شَاءَ اللهُ، من غَيْرِ عِلَّةٍ، وقَدْ يَفْعَلُهُ (٣) شَبَابُهُمْ وأَهْلُ القُوَّةِ والجَلَدِ منهم، يَنْحَطُّ أَحَدُهُم مِنْ قِيَامِهِ لِلسُّجُودِ ويَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى الأرْضِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ، وإِذَا نَهَضَ مِن سُجُوْدِهِ أَوْ بَعْدَ مَا يَفْرُغُ من التَّشَهُّدِ يَرْفَعُ رُكْبَتَيْهِ مِنَ الأرْضِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وهَذَا خَطَأٌ، وخِلَافُ مَا جَاءَ عن الفُقَهَاءِ، وإِنَّمَا يَنْبَغِي لَهُ إِذَا انحَطَّ مِن قِيَامِهِ لِلسُّجُودِ أَنْ يَضَعَ رُكْبَتَيْهِ عَلَى الأرْضِ، ثُمَّ يَدَيْهِ، ثُمَّ جَبْهَتَهُ، وإِذَا نَهَضَ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ يَدَيْهِ، ثُمَّ رُكْبَتَيْهِ، بِذلِكَ جَاءَ الأثَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . فَاْمُرُوا بِذلِكَ وانْهَوا عَنْهُ مَنْ رَأَيْتُمْ يَفْعَلُ خِلَافَ ذلِكَ، واْمُرُوْهُ أَنْ يَنْهَضَ إِذَا نَهَضَ عَلَى صُدُوْرِ قَدَمَيْهِ، ولَا يُقَدِّمُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ

стр. 1033

مَكْرُوْهٌ، وَقَدْ جَاءَ عَنِ عَبْدِ الله بنِ عَبَّاسٍ وغَيْرِهِ أَنَّ تَقْدِيْمَ إِحْدَى الرِّجْلَيْنِ إِذَا نَهَضَ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ. ويُسْتَحَبُّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَكُوْنَ بَصَرُهُ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، ولَا يَرْفَعُ بَصَرَهُ إلى السَّمَاءِ، ولَا يَلْتَفِتُ، فاحذَرُوا الالتِفَاتَ فَإِنَّه مَكْرُوهٌ، وقَدْ قِيْلَ: يَقْطَعَ الصَّلَاةَ، وإِذَا سَجَدَ فَلْيَرْفَعْ (١) أَصَابِعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيْ بِهِمَا أُذُنَيْهِ وهو سَاجِدٌ، ويَضُمُّ أَصَابَعَهُ، ويُوَجِّهُهَا نحوَ الِقبْلَةِ، ويُبْدِي مِرْفِقَيْهِ وسَاعِدَيْهِ، ولَا يُلْزِقُهمَا بِجَنْبِهِ (٢)، جَاءَ الحَدِيْثُ عَن النَّبِيِّ ﷺ : "أنَّه كانَ إِذَا سَجَدَ لَوْ مَرَّتْ بَهْمَةٌ تَحْتَ ذِرَاعَيْهِ لَنَفذَتْ" وذلِكَ لِشِدَّةِ مُبَالَغَتِهِ في رَفْعِ مِرْفِقَيْهِ وضَبُيَعْهِ، وجَاءَ عَنْ أَصْحَابِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهم قَالُوا: "كَانَ رَسُوْلُ الله ﷺ إذَا سَجَدَ جَافَى بمنَ ضَبُعَيْهِ" فأَحْسَنُوا السُّجُودَ -رَحِمَنَا اللهُ وإِيَّاكُمْ- ولا تُضَيِّعُوا شَيْئًا، فَقَدْ جَاءَ في الحَدِيْثِ "إنَّ العَبْدَ يَسْجُدُ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ" فَأَيُّ عُضْوٍ مِنْهَا ضَيَّعَهُ لَمْ يَزَلْ ذلِكَ العُضْوُ يَلْعَنُهُ. ويَنْبَغِي لَهُ إِذَا رَكَعَ أَنْ يُلْقِمَ رَاحَتَيْهِ رُكْبَتَيْهِ، ويُفَرِّقُ بينَ أَصَابِعِهِ، ويَعْتَمِدَ عَلَى ضَبُعَيْهِ وسَاعِدَيْهِ، ويُسَوِّي ظَهْرَهُ، ولَا يَرْفَعَ رَأَسَهُ ولَا يُنَكِّسَهُ، فَقَدْ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّه كَانَ إِذَا رَكَعَ لَوْ كَانَ قَدَحٌ مِنْ مَاءً على ظَهْرِهِ مَا تَحَرَّكَ مِنْ مَوْضِعِهِ" وذلِكَ لاسْتِوَاءِ ظَهْرِهِ، ومُبَالَغَتِهِ في رُكُوْعِهِ ﷺ . فَأَحْسِنُوا صَلَاتَكُمْ -رَحِمَكُمُ اللهُ- وأَتِمُّوا رُكُوْعِهِا وسُجُوْدَهَا وحُدُوْدَهَا، فإِنَّه جَاءَ الحَدِيْثُ: "إِنَّ العَبْدَ إِذَا صَلَّى فَأَحْسَنَ الصَّلَاةَ صَعَدَتْ

стр. 1034

ولَهَا نُوْرٌ، فإذَا (١) انتَهَتْ إِلَى أبْوَابِ السَّمَاءِ، فُتَحَتْ لَهَا أبْوَابُ السَّمَاءِ، وتَشْفَعُ لِصَاحِبِهَا، وتَقُوْلُ: حَفِظَكَ اللهُ كَمَا حَفِظْتَنِي، وإذَا أسَاءَ في صَلَاتِهِ، فلَمْ يُتِمَّ رُكُوْعَهَا وسُجُوْدَهَا وحُدُوْدَهَا صَعَدَتْ ولَهَا ظُلْمَةٌ فَتَقُوْلُ: ضَيَّعَكَ اللهُ كَمَا ضَيَّعْتَنِي، فَإذَا انتَهَتْ إِلَى أبْوَابِ السَّمَاءِ غُلِّقَتْ أبْوَابُ السَّمَاءِ دُوْنَهَا، ثُمَّ لُفَّتْ كمَا يُلَفُّ الثَّوْبُ الخَلِقُ، فيُضْرَبُ بِهَا وَجْهُ صَاحِبِهَا". ويَنْبَغِي للرَّجُلِ إِذَا جَلَسَ للتَّشَهُّدِ أَنْ يَفْتَرِشَ رَجْلَهُ اليُسْرَى، فيَجِلِسَ عَلَيْهَا، ويَنْصَبَ رجْلَهُ اليُمْنَى، ويُوَجِّهَ أَصَابِعَهُ نَحْوَ القِبْلَةِ، ويَضَعَ يَدَهُ [اليُمْنَى على فَخِذه اليُمْنَى] (٢)، [ويُوجِّهَ أَصَابِعَهَا نَحْوَ القِبْلَةِ، ويَضعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ اليُمْنَى] (٣)، ويشيرَ بإصْبَعِهِ الَّتِي تَلِي الإبْهَامَ، ويُحلِّقُ الإبْهَامَ والوُسْطَى، ويَعْقِدَ البَاقِيْنَ، وإذَا (٤) صَلَّى إلى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا، فَإِنْ ذلِكَ مُسْتَحَبٌ، ولا يُمَرَّ أَحَدٌ عَلَيْهَا، فَإنَّ ذلِكَ يُكْرَهُ. جَاءَ الحَدِيْثُ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّه قَالَ: "مَنْ صَلَّى إلى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا، فإن الشَّيْطَانَ يَمُرُّ بيْنَهُ وبَيْنَهَا" ومِمَّا يَتَهَاوَنُ بهِ النَّاسُ في أَمْرِ صَلَاتِهِم: تَرْكُهُمُ المَارَّ بينَ يَدَي المُصَلِّي وقَدْ جَاءَ (٥) الحديثُ عن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّه قَالَ لِلْمُصَلِّي: (٦)

стр. 1035

"إِدْرَأْهُ (١) [فإنْ أبَى فَادْرَأْهُ] (٢)، فإنْ أبىَ فالْطُمْهُ. فَإنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ" فلَوْ كَانَ لِلمَارِّ بينَ يَدَيِ المُصَلِّي رُخْصَةٌ [لما] (٣) أَمَرَ النَّبيُّ ﷺ بِلَطْمِهِ، وإِنَّمَا ذلِكَ لعظمِ (٤) المَعْصِيَةِ مِنَ المَارِّ بينَ يَدَيِ المُصَلِّي، والمَعْصَيةُ مِنَ المُصَلِّي إِذَا لَمْ يَدْرَأْهُ. وجَاءَ الحَدِيْثُ قَالَ: "لَوْ يَعْلَمْ أَحَدُكُم مَا عَلَيْهِ في مَمَرِّه بينَ يَدَي أَخِيْهِ في صَلَاتِهِ لَانْتَظَرَ أَرْبَعِيْنَ خَرِيْفًا" وجَاءَ الحَدِيْثُ: "أَنَّ أَبَا سَعِيْدٍ الخُدْرِيَّ كانَ يُصَلِّي، فَأَرَادَ ابنُ أخِي مَرْوَانَ بنَ الحَكَم أنْ يَمُرَّ بينَ يَدَيْهِ، فَمَنَعَهُ أبُو سَعِيْدٍ، فَذَهَبَ ابنُ أَخِي مَرْوَانَ إلَى مَرْوَانَ -وهو يَوْمئَذٍ والي المَدِيْنَةِ- فَشَكَى إِلَيْه صَنيْعَ أَبي (٥) سَعِيْدٍ، وجَاءَ أَبُو سَعِيْدٍ بَعْدَ ذلِكَ فَدَخَلَ فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: مَا يَذْكُرُ ابنُ أَخِي: أَنَّكَ لَطَمْتَهُ، وكانَ مِنْكَ إِلَيْهِ؟ فَقَالَ أبُو سَعِيْدٍ: أمَرَنَا رَسُوْلُ الله ﷺ أنْ نَدْرَأَ المَارَّ، فَإنْ أبَى دَرَأنَاهُ، فإِنْ أبي لَطَمْنَاهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ، وإِنَّمَا لَطَمْتُ شَيْطَانًا". ويُسْتَحَبُّ للرَّجُلِ إِذَا خَرَجَ لِصَلاةِ الغَدَاةِ: أَنْ يُصَلِّيَ الرَّكْعَتَيْنِ في مَنْزِلهِ، ثُمَّ يَخْرُجَ، ويُسْتَحَبُّ لَهُ ذِكْرُ اللهِ فِيْمَا بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ وبَيْنَ صَلَاةِ الغَدَاةِ. ومِنَ الجَفَاءِ الكَلَامُ بَيْنَهُمَا، إلَّا كَلَامًا وَاجِبًا لَازِمًا؛ من تَعْلِيْمِ

стр. 1036

الجَاهِلِ، ونَصِيْحَتِهِ، وأَمْرِهِ ونَهْيه، فَإِنَّ ذلِكَ وَاجِبٌ لَازِمٌ، وَالوَاجِبُ اللّاَزِمُ: أعْظَمُ أَجْرًا من ذِكْرِ اللهِ تَطَوُّعًا، والتَّطَوُّعُ لا يُقْبَلُ حَتَّى يُؤَدَّى الوَاجِبُ اللّاَزِمُ، وقَدْ جَاءَ الحَدِيْثُ: "لَا يُقْبلُ (١) نَافِلَةٌ حَتَّى تُؤدَّى الفَرِيْضَةُ". ويُسْتَحَبُّ للرَّجُلِ إِذَا أَقْبَلَ إِلَى المَسْجِدِ: أَنْ يُقْبِلَ بخَوْفٍ وَوَجَلٍ، وخُشُوعٍ وخُضُوعٍ، وأَنْ يَكُوْنَ عليه السَّكِيْنَةُ والوَقَارُ، فَمَا أَدْرَك صَلَّى، ومَا فَاتَه قَضَى، بِذلِكَ جَاء الأثَرُ عَنِ النَّبِيّ ﷺ ، وأَنَّه "كَانَ يأْمُرُ بإِثْقَالِ الخُطَى -يَعْنِي قُرْبَ الخُطَى- إلَى المَسْجِدِ" ولَا بَأْسَ إِذَا طَمِعَ أَنْ يُدْرِكَ التَّكبيْرَةَ الأوْلَى: أَنْ يُسْرِعَ شَيْئًا، مَا لَمْ يَكُنْ عَجَلَةً تَقْبُحُ، جَاءَ الحَدِيْثُ عن أَصْحَابِ النَّبيِّ ﷺ : "أَنَّهم كَانُوا يُعْجِلُوْنَ شَيْئًا إذَا تَخَوَّفُوا فَوَاتَ التَّكبِيْرَةِ الأوْلَى، وطَمِعُوا في إِدْرَاكِهَا". فاعلَمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ: أَنَّ العَبْدَ إِذَا خَرَجَ من مَنْزِلهِ يُرِيْدُ المَسْجِدَ: إِنَّمَا يَأْتِي اللهَ الجَبَّارَ الوَاحِدَ القَهَّارَ، العَزِيْزَ الغَفَّارَ، وإِنْ كَانَ لَا يَغِيْبُ عَنْ اللهِ تَعَالَى (٢) حَيْث كَانَ، ولا يَعْزِبُ عَنْهُ ﵎ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ، ولا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ ولَا أَكْبَرَ، في الأرَضِيْنَ السَّبْع، ولا في السَّمَوَاتِ السَّبْع، ولا في البِحَارِ السَّبْعَةِ، ولا في الجِبَالِ الصُّمِّ الصِّلابِ الشَّوامِخِ البَوَاذِخِ، وإِنَّمَا يَأْتِي بَيْتًا مِنْ بُيُوْتِ اللهِ، ويُرِيْدُ اللهَ، ويَتَوَجَّهُ إِلَى الله تَعَالَى، وإِلى بَيْتٍ مِنَ البُيُوْتِ الَّتي ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ

стр. 1037

وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١) فَإِذَا خَرَجَ أَحدُكُم من مَنْزِلِهِ فَليُحْدِثْ لِنَفْسِهِ تَفكرًا وأَدَبًا، غيرَ مَا كَانَ عَليه، وغيرَ مَا كَانَ [فيه قبل ذلك] (٢) من حَالَاتِ الدُّنْيَا وأشغَالِهَا، وليَخْرُج بِسَكِيْنَةٍ وَوَقَارٍ. فإِنَّ النَّبيَّ ﷺ بذلِكَ أَمَرَ (٣)، وليَخْرُجْ بِرَغْبَةٍ ورَهْبَةٍ، وَتَخوُّفٍ (٤) وَوَجَلٍ، وخُضُوعٍ وذلِّ (٥) وتَوَاضُعٍ لله ؛ فإِنَّه كُلَّمَا تَوَاضَعَ لله ، وخَشَعَ وخَضَعَ، وذَلَّ للهِ تَعَالَى: كَانَ أَزْكَى لِصَلَاتِهِ وأَحْرَى لِقَبُوْلهَا، وأَشْرَفَ للعَبْدِ، وأقرب لَهُ من [الله ] (٦)، وإِذَا تَكَبَّرَ قَصَمَهُ اللهُ، ورَدَّ عَمَلَهُ، ولَيْسَ يَقْبَلُ منَ المُتَكَبِّرِ عَمَلاً. جَاءَ الحَدِيْثِ عن إِبْرَاهيمَ خَلِيْلِ اللهِ : "أَنَّه أَحْيَا لَيْلَةً، فَلَمَّا أَصْبَحَ، أُعْجِبَ بِقِيَامِ لَيْلَتِهِ، فَقَالَ: نِعْمَ الرَّبُّ رَبُّ إِبْرَاهِيْمَ، ونعْمَ العَبْدُ إِبْرَاهِيْمَ. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ لَم يَجِدْ أَحَدًا يَأكلُ مَعَهُ -وكَان ﵇ (٧) يُحِبُّ أَنْ يَأكلَ مَعَهُ (٨) غَيْرَهُ -فأَخْرَجَ طَعَامَهُ إِلَى الطَّرِيْقِ لِيَمُرَّ بِهِ مَارٌّ، فَيَأكلَ مَعَهُ، فَنَزَلَ مَلَكَانِ مِنَ السَّمَاءِ، فَأَقْبَلَا نَحْوَهُ، فَدَعَاهُمَا إِبْرَاهِيْمُ إلى الغَدَاءِ. فَأَجَابَاهُ،

стр. 1038

فَقَالَ لَهُمَا: تَقَدَّمَا بِنَا إِلَى هَذِهِ الرَّوْضَةِ، فَإِنَّ فِيْهَما عَيْنًا، وفِيْهَا مَاءً. فَنَتَغَدَّى عِنْدَهَا، فَتَقَدَّمُوا إِلَى الرَّوْضَةِ، فَإِذَا العَيْنُ قَدْ غارَتْ، ولَيْسَ فِيْهَا ماءٌ. فَاشْتَدَّ ذلِكَ على إِبْرَاهِيمُ ﵇، فاستَحْيَا مِمَّا قَالَ، إِذْ رَأَى غيرَ مَا قَالَ، فَقَالَا لَهُ: يا إِبْرَاهِيْم، أُدْعُ رَبَّكَ، واسْأَلْهُ أَنْ يُعِيْدَ المَاءَ في العَيْنِ، فَدَعَا اللهَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فاشْتَدَّ ذلِكَ عَلَيْه، فَقَالَ لَهُمَا: ادْعُوَا اللهَ أَنْتُمَا، فَدَعَا أَحَدُهُمَا، فَرَجَعَ وإذَا هو بالمَاءِ في العَيْنِ، ثُمَّ دَعَا الآخرُ، فَأَقْبَلَتْ العَيْنُ، فأَخَبَرَاهُ أَنَّهما مَلَكَانِ، وأَن إِعْجَابَهُ بِقِيَامِ لَيْلَتِهِ رَدَّ دُعَاءَهْ عَلَيْهِ، ولم يُسْتَجَبْ لَهُ". فاحْذَرُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ تَعَالَى- من الكِبْرِ، فَلَيْسَ يُقْبَلُ مَعَ الكِبْرِ عَمَلٌ، وتَوَاضَعُوا بِصَلَاتِكُمْ، فَإِذَا قَامَ أَحَدُكُم في صَلَاتِهِ بينَ يَدَي اللهِ ، فَلْيَعْرِفِ اللهَ في قَلْبِهِ بِكَثْرَةِ نِعَمِهِ عليه، وإحْسَانِهِ إِلَيْهِ، فَإنَّ اللهَ قَدْ أَوْقَرَهُ نِعَمًا، وأَنَّه أَوْقَرَ نَفْسَهُ ذُنُوْبًا، فليُبَالِغْ في الخُشُوعِ والخُضُوع للهِ . وَقَدْ جَاءَ الحَدِيْثُ: "إِنَّ اللهَ أَوْحَى إلى عِيْسَى بنِ مَرْيَمَ إِذَا قُمْتَ بَيْنَ يَدَيَّ فَقُمْ مَقَامَ الحَقِيْرِ الذَّلِيْلِ، الذَّامِّ لِنَفْسِهِ، فإِنَّهَا أوْلَى بالذَّمِّ، فإِذَا دَعَوْتَنِي فَادْعُنِيْ وأعْضَاؤُكَ تَنْتَفِض" وجَاءَ الحَدِيْثُ: "أنَّ الله (١) أَوْحَى إلى مُوْسَى ﵀ (٢) نَحْوَ هَذَا" فَمَا أَحَقَّكَ يا أَخِي وَأَوْلَاكَ بالذَّمِّ لِنَفْسِكَ، إِذَا قُمْتَ بَيْنَ يَدَي الله . وجَاءَ الحَدِيْثُ عَن ابنِ سِيْرِيْنَ (٣)

стр. 1039

أَنَّه كَانَ إِذَا قَامَ في الصَّلَاةِ ذَهَبَ دَمُ [وَجْهه كَانَ يَذْهب] (١) خَوْفًا من الله ، وفَرَقًا مِنْه. وجَاءَ عَنْ مُسْلِمٍ: أَنَّه كانَ إِذَا دَخَلَ في الصَّلَاةِ لَمْ يَسْمعْ حِسًّا مِنْ صَوْتٍ ولا غَيْره، تَشَاغُلًا بالصَّلَاةِ وَخَوْفًا مِنَ اللهِ ، وجَاءَ عَن عَامرٍ العَنْبَرِيِّ -الَّذِيْ كَانَ يُقَالُ لَهُ عَامِرُ بْنُ عَبْد قَيْسٍ- فِي حَدِيْثٍ هَذَا بَعْضُهُ -أَنَّه قَالَ: "لأَنْ تَختَلِفَ الخَنَاجِرَ بمنَ كتِفَيَّ أحَبُّ إلَيَّ مِنْ أنْ أَتَفَكَّرُ في شَيْءٍ مِنْ امْرِ الدُّنْيَا وأَنَا في الصَّلَاةِ" وجَاءَ عَن سَعِيْدِ بنِ مُعَاذٍ أَنَّه قَالَ: مَا صَلَّيْتُ صَلَاةً قَطُّ، فَحَدَّثْتُ نَفْسِي فِيْهَا بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا حَتَّى أَنْصَرِفَ. وجَاءَ عَن أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّه قَالَ في حَدِيْثِ -هَذَا بَعْضُهُ-: "وتَعْفِيْرُ وَجْهِي لِرَبِّي في التُّرابِ: فَإنَّه مَبْلَغُ العِبادَةِ مِنَ الله (٢) ". فَلَا يَتَّقِيْ (٣) أَحَدُكُمْ التُّرابُ، ولَا يَكْرَهَنَّ السُّجُوْدَ عَلَيْهِ؛ فَلَا بُدَّ من (٤) المُبَالَغَةَ، فإِنَّهُ إِنَّمَا يَطْلُبُ بِذلِكَ فِكَاكَ رَقَبَتِهِ وخَلَاصُهَا مِنَ النَّارِ الَّتي لا تَقُوْمُ لَهِا الجِبَالُ الصُمّ الصِّلاب (٥) الشَّوامِخُ البَواذخُ، الَّتي جُعِلَتْ لِلأرْض أَوْتَادًا، ولَا تَقُوْم لَهُ السَّماوَات السَّبع الطِّبَاقِ الشَّدَاد الَّتي جُعِلَتْ سَقْفًا مَحْفُوْظًا، ولَا تَقُوْمُ لَهَا الأرْضُ الَّتي جُعِلَتْ لِلْخَلْقِ دَارًا، ولَا تَقُوْمُ

стр. 1040

لهَا البَحَارُ السَّبْعَةُ (١) الَّتِي (٦) لا يُدْرِكُ قَعْرُهَا ولا (٢) يَعْرِفُ قَدْرُهَا: إلَّا الَّذي خَلَقَهَا، فَكَيْفَ بأَبْدانِنَا (٣) الضَّعِيْفَةِ، وعِظَامِنَا الدَّقِيْقَةِ وجُلُوْدِنَا الرَّقِيْقَةِ؟ نَسْتَجِيْرُ بالله مِنَ النَّارِ، نَسْتَجِيْرُ باللهِ مِنَ النَّارِ، نَسْتَجِيْرُ باللهِ مِنَ النَّارِ. فإِنْ اسْتَطَاعَ أَحدُكُم -رَحِمَكُمُ اللهُ- إِذَا قَامَ في صَلَاتِهِ كأَنَّه (٤) ينظرُ إلَى الله ؛ فإِنَّه إِنْ لَمْ يَكُنْ يَرَاهُ فإِنَّ اللهَ يَرَاهُ. فَقَدْ جَاءَ في الحَدِيْثِ عن النَّبيِّ ﷺ أَنَّه: "أَوْصَى رَجُلًا، فَقَالَ لَهُ في وَصِيَّتِهِ: اتَّقِ اللهِ كأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَهْوَ يَرَاكَ" فَهَذِهِ وَصِيَّةُ النَّبِيِّ ﷺ لِلْعَبْدِ في جَمِيْعِ حَالَاتِهِ، فكيفَ بالعَبْدِ في صَلَاتِهِ، إِذَا قَامَ بينَ يَدَيِ الله في مَوْضِعٍ خَاصٍّ، ومَقَامٍ خَاصٍّ، يُرِيْدُ اللهَ ويَسْتَقْبِلَهُ بِوَجْهِهِ، لَيْسَ مَوْضِعُهُ ومَقَامُهُ وحَالُهُ في صَلَاتِهِ كَغَيْرِ ذلِكَ مِنْ حَالَاتِهِ؟. جَاءَ الحَدِيْثُ: "إنَّ العَبْدَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ اسْتَقْبلَهُ اللهُ بِوَجْههِ، فَلَا يَصْرِفُهُ عَنْهُ، حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِيْ يَنْصَرِفُ، أوْ يَلْتَفَتُ يَمِيْنًا وشَمَالًا" وجَاءَ الحَدِيْثُ قَالَ: "إِنَّ العَبْدَ مَادَامَ في صَلَاتِهِ فَلَهُ ثَلَاثُ خِصَالٍ: البِرُّ يَتَنَاثَرُ عَلَيْهِ مِنْ عَنَانِ السَّمَاءِ إلى مَفْرِقِ رَأسِهِ، ومَلَائِكَةٌ يَحِفُّوْنَ بِهِ مِنْ لَدُنْ قَدَمَيْهِ إلى عَنَانِ السَّمَاءِ، ومُنَادٍ يُنَادِيْ لَوْ يَعْلَمِ العَبْدُ مَنْ يُنَاجِيْ مَا انْفَتَلَ".

стр. 1041

فَرَحِمَ اللهُ مَنْ قْبَلَ علَى صَلَاتِهِ خَاشِعًا، خَاضِعًا، ذَلِيْلًا لله ، خَائِفًا، دَاعِيًا رَاغِبًا، وَجِلًا، مُشْفِقًا، راجِيًا، وجَعَلَ أَكْبَرَ هَمِّهِ في صَلَاتِهِ لِرَبِّه تَعَالَى، ومُنَاجَاتِهِ إِيَّاهُ، وانْتِصَاُبهُ قَائِمًا وَقَاعِدًا، ورَاكِعًا وَسَاجِدًا، وفَرَّغَ لِذلِكَ قَلْبُهُ، وثَمَرَةُ فُؤَادِهِ، واجْتَهَدَ في أدَاءِ فَرَائِضِهِ، فإِنَّه لَا يَدْرِيْ هَلْ يُصَلِّي صَلَاةً بَعْدَ الَّتِي هُوَ فِيْهَا، أَو يُعَاجَلُ قَبْلَ ذلِكَ؟ فَقَامَ بينَ يَدَيْ رَبِّهِ مَحْزُوْنًا مُشْفِقًا، يَرْجُو قَبُوْلَهَا، ويَخَافُ رَدَّهَا، فَإِنْ قَبِلَهَا سَعِدَ، وَإِنْ رَدَّهَا شَقِيَ. فَمَا أَعْظَمَ خَطَرَكَ يَا أَخي في هَذِهِ الصَّلَاةِ، وفي غَيْرِهَا مِنْ عَمِلِكَ، ومَا أَوْلَاكَ بالهَمِّ والحَزَنِ، والخَوْفِ والوَجَلِ فِيْهَا، وفِيْمَا سَوَاهَا مِمَّا افتَرَضَ اللهُ عَلَيْكَ. إِنَّكَ لَا تَدْرِيْ هَلْ يُقْبَلُ مِنْكَ صَلَاةٌ قَطُّ، أَمْ لَا؟ ولَا تَدْرِي هَلْ تُقْبَلُ (١) مِنْكَ حَسَنَةٌ قَطُّ، أَمْ لَا؛ وهَلْ غُفِرَ لكَ سَيِّئَةٌ قَطُّ، أَمْ لَا؟ ثُمَّ أَنْتَ -مَعَ هَذَا- تَضْحَكُ وتَغْفُلُ، ويَنْفَعُكَ العَيْشُ، وَقَدْ جَاءَكَ اليَقِيْنُ أَنَّكَ وَاردٌ النَّارَ، ولَمْ يأْتِكَ اليَقِيْنُ أَنّكَ صَادِرٌ عَنْهَا، فَمَنْ أَحَقُّ بِطُوْلِ البُكَاءِ، وطُوْلِ الحَزَنِ مِنْكَ، حَتَّى يَتَقَبَّلَ اللهُ مِنْكَ؟ ثُمَّ -مَعَ هَذَا- لَا تَدْرِيْ، لَعَلَّكَ لَا تُصْبِحُ إِذَا أَمْسَيْتَ، ولَا تُمْسِي إِذَا أَصْبَحْتَ، فمبشَّرٌ بالجَنَّةِ، أو مُبَشَّر بالنَّارِ، وإِنَّمَا ذَكَّرْتُكَ يَا أَخِي لِهذَا الخَطَرِ العَظِيْمِ إنَّك لَمَحْقُوْقٌ أَنْ لا تَفْرَحَ بِأَهْلٍ ولَا مَالٍ ولَا وَلَدٍ، وإِنَّ العَجَبَ كلَّ العَجَبِ من طُوْلِ غَفْلَتِكَ، وطُوْلِ سَهْوِكَ ولَهْوِكَ عَنْ هَذَا الأمْرِ العَظِيْمِ، وأَنْتَ تُسَاقُ

стр. 1042

سَوْقًا عَنِيْفًا في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، وفي كلِّ سَاعَةٍ وطَرْفَةِ عَيْنٍ، فَتَوَقَّعْ يَا أَخِيْ أَجَلَكَ، ولا تَغْفُلْ عَنِ الخَطَرِ العَظِيْم الَّذِي قَدْ أَظَلَّكَ، فإِنَّك لَابُدَّ ذَائِقٌ المَوْتَ ولاقِيْهِ، ولَعلَّه يَنْزِلُ بِسَاحَتِكَ في صَبَاحِكَ أَو مَسَائِكَ، أَشَدُّ مَا يمُوْنُ عَلِيْها إِقْبَالًا، وكَأَنَّك قَدْ أَخْرَجْتَ مِنْ مُلْكِكَ كُلِّهِ، فإِمَّا إِلَى الجَنَّة وَإِمَّا إلى النَّارِ، انقَطَعَتْ الصِّفَاتُ، وقَصرَتْ الحِكَايَاتُ عَنْ بُلُوْغِ صِفَتِهِمَا ومَعْرِفَةِ قَدْرِهِمَا، والإحَاطَةُ بِغَايَةِ خَبَرِهِمَا، أَمَا سَمِعْتَ يَا أَخِي قَوْلَ العَبْدِ الصَّالِح: عَجِبْتُ للنَّارِ كَيْفَ نَامَ هَارِبُهَا؟ وعَجِبْتُ للْجَنَّةِ كَيْفَ نَامَ طَالِبُهَا؟ فَوَاللهِ لَئِنْ كُنْتُ خَارِجًا من الطَّلَبِ والهَرَبِ، لَقَدْ هَلَكْتُ وعَظُمُ شَقَاؤُكَ، وطَالَ حُزْنُكَ وبُكَاؤُكَ غَدًا، مَعَ الأشْقِيَاءِ المُعَذَّبِيْنَ، وإِنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ هَارِبٌ طَالِبٌ، فاغْدُ في ذلِكَ عَلَى قَدْرِ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنْ عِظَمِ هَذَا (١) الخَطَرِ، لا (٢) تَغُرَّنَّكَ الأمَانِيُّ. واعْلَمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- أَنَّ الإسْلَامَ في إِدْبَارٍ وانْتِقَاصٍ، واضْمِحْلَالٍ ودُرُوْسٍ، جَاءَ في الحَدِيْثِ: "تُرْذَلُوْنَ فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَقَدْ يُسْرِعُ بِخِيَارِكُمْ" وجَاءَ الحَدِيْثُ عَن النَّبيِّ ﷺ أَنَّه قَالَ: "بَدَأ الإسْلَامُ غَرِيْبًا، وسَيَعُوْدُ غَرِيْبًا كَمَا بَدَأَ" وَجَاءَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قَالَ: "خَيْرُ أُمَّتِي القَرْنُ الَّذِيْنِ بُعِثْتُ فِييهِمْ، ثُمَّ الَّذيْنَ يَلُوْنَهُمْ، ثُمَّ الَّذِيْنَ يَلُوْنَهُمْ، والآخِرُ شَرٌّ الَى يَوْمِ القِيَامَةِ" وجاء (٣) عنه

стр. 1043

ﷺ أنَّه قَالَ لأصْحَابِهِ: "أَنْتُمُ خَيْرٌ منْ أبْنَائِكُمْ، وأبْنَاؤُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أبْنَائِهِمْ، وأبْنَاءُ أَبْنَائِكُمْ خَيْرٌ من [أبْنَائِهِمْ، وأبْنَاءُ أبْنَاءِ أبْنَائِكُمْ خَيْرٌ مِنْ أبْنَائِهِم] (١)، والآخرُ شَرٌّ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ" وجَاءَ عَنْهُ ﷺ : "يَأْتِي زَمَانٌ لَا يَبْقَى مِنَ الإسْلَامِ إلَّا اسْمُهُ، ولَا مِنَ القُرْآنِ إلَّا رَسْمُهُ" وَجَاءَ عَنْهُ ﷺ : "أَنَّ رَجُلًا قَالَ: كَيْفَ نَهْلَكُ، ونَحْنُ نَقْرَأُ القُرْآنَ، ونُقْرِئهُ أبْنَاءَنَا، وأبْنَاؤُنَا يُقْرِئونَهُ أبْنَاءَهُم؟ قَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، أوَلَيْسَ اليَهُوْدُ والنَّصَارَى يَقْرَؤُنَ التَّوْرَاةَ والإنْجِيْلَ؟ قَالَ: بلَى يَا رَسُوْلَ اللهِ، قَالَ: فَمَا أغْنَى ذلِكَ عَنْهُمْ؟ قَالَ: لَا شَيْءَ يَارَسُوْلَ الله". وَقَدْ أَصْبَحَ النَّاسُ في نَقْصٍ عَظِيْمٍ شَدِيْدٍ مِنْ دِيْنِهِمْ عَامَّةً، ومِنْ صَلَاتِهِمْ خَاصَّةً. فأَصْبَحَ النَّاسُ في صَلَاتِهِم ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ، صِنْفَانِ لَا صَلَاةَ لَهُمْ. أَحَدُهُمَا: الخَوَارِجُ والرَّوَافِضُ والمُشَبِّهَةُ، وأَهْلُ البِدَع يُحَقِّرُوْنَ الصَّلَاةَ في الجَمَاعَاتِ، ولا يَشْهَدُوْنَهَا مَعَ المُسْلِمِيْنَ في مَسَاجِدِهِمْ، بِشَهَادَتِهِمْ عَلَيْنَا بالكُفْرِ، وبالخُرُوْجِ مِنَ الإسْلَام. والصِّنْفُ الثَّاني: مِنْ أَصْحَابِ اللَّهْوِ واللَّعِبِ، والعُكُوْفِ عَلَى هَذِه المَجَالِسِ الرَّدِيْئَةِ عَلَى الأشْرِبَةِ والأعْمَالِ السَّيِّئَةِ. والصِّنْفُ الثَّالِثُ: هُمْ أَهْلُ الجَمَاعَةِ، الَّذِيْنَ لَا يَدَعُوْنَ حُضُوْرَ الصَّلَاةِ عَنْدَ النِّدَاءِ بِهَا، ومُشَاهَدَتِهَا مَعَ المُسْلِمِيْنَ في مَسَاجِدِهِمْ. فَهَؤلَاءِ خَيْرُ الأصْنَافِ الثَّلَاثَةِ، وهؤلَاءِ -مَعَ خَيْرِهِمْ وفَضْلِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ- قَدْ ضَيَّعُوهَا، ورَفَضُوْهَا، إلَّا مَا شَاءَ اللهُ، لِمُسَابَقَتِهِمُ الإمَامَ في الرُّكُوْعِ

стр. 1044

والسُّجُودِ، والخَفْضِ والرَّفْعِ، أَوْ مَعَ فِعْلِهِ، وإِنَّمَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَكُوْنُوا بَعْدَ الإمَامِ في جَمِيعْ حَالَاتِهِمْ، وَلَقَدْ أَخْبَرَنَا مَنْ صَلَّى في المَسْجِدِ الحَرَامِ أَيَّامَ المَوْسِمِ قَالَ: رَأَيْتُ خَلْقًا كَثِيْرًا فِيْهِ يُسَابِقُوْنَ الإمَامَ، وأَهْلُ المَوْسِم مِنْ كُلِّ أُفُقٍ: منْ خُرَاسَانَ، وإفْرِيْقِيَّةَ، وأَرْمِيْنِيَّةَ، وغَيْرِهَا من البِلَادِ، إلَّا مَا شَاءَ اللهُ، وقَدْ رَأَيْنَا تَصْدِيْقَ ذلِكَ، تَرَى الخُرَاسَانِيَّ يَقْدِمُ مِنْ خُرَاسَانَ حَاجًّا، يَسْبِقُ الإمَامِ إِذَا صَلَّى مَعَهُ، وتَرَى الشَّاميَّ كذلِكَ، والإفْرِيْقِيَّ، والحِجَازِيَّ، وغَيْرَهُمْ كذلِكَ، قَدْ غَلَبَتْ عَلَيْهِمُ المُسَابَقَةَ. وأَعْجَبُ مِنْ ذلِكَ: أَقْوَامٌ (١) يَسْبِقُوْنَ إلى الفَضْلِ، ويُبَكِّرُوْنَ إِلَى الجُمُعَةِ، طَلَبًا للفَضْلِ في التَّبْكِيْرِ، ومُنَافَسَةً فيْهِ، فَرُبَّمَا صَلَّى أَحَدُهُم الفَجْرَ بالمَسْجِدِ الجَامِعِ، حِرْصًا على الفَضْلِ، وطَلَبًا لَهُ، فَلَا يزَالُ مُصَلِّيًا، ورَاكِعًا وسَاجِدًا، وقَائِمًا وقَاعِدًا، وتَالِيًا للقُرْآنِ، ودَاعِيًا لله تَعَالَى (٢)، ورَاغِبًا ورَاهِبًا، وهَذِهِ حَالُهُ إِلَى العَصْرِ، ويَدْعُو إلى المَغْرِبِ. وهو مَعَ هَذَا كُلِّه: يُسَابِقُ الإمَامَ، خَدْعًا من الشَّيْطَانِ لَهُمْ، واسْتِيْلَاءً، يَخْدَعُهُمْ عَنِ الفَرِيْضَةِ الوَاجِبَةِ عَلَيْهِمْ، اللّاَزِمَةِ لَهُمْ، ويَرْكَعُوْنَ (٣) ويَسْجُدُونَ مَعَهُ، ويَرْفَعُوْنَ ويَخْفِضُوْنَ مَعَهُ، جَهْلًا مِنْهُمُ، وخَدْعًا مِنَ الشَّيْطَانِ لَهُمْ، فَهُمْ يَتَقَرَّبُوْنَ بالنَّوافِلِ الَّتِي لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ يُضَيِّعُوْنَ الفَرَائِضَ الوَاجِبَةَ عَلَيْهِمْ. وَقَدْ جَاءَ الحَدِيْثُ: "لَا

стр. 1045

تُقْبلُ (١) نَافِلَةٌ حَتَّى تُؤَدَّى الفَرِيْضَةُ" وإِنَّمَا يَطْلُبُ الفَضْلُ في التَّبْكِيْرِ إلى الجُمُعَةِ: غَيْرُ المُضَيِّعِ لِلأَصْلِ، فَمَنْ ضَيَّعَ الأصْلَ فَقَدْ ضَيَّعَ الفَضْلَ، ومَنْ ضَيَّعَ الفَضْلَ وتَمَسَّكَ بالأصْلِ وأَحْكَمَهُ كَفَى بِه، واسْتَغْنَى عَنه الفَضْلِ. وإِنَّمَا (٢) مِثلُكَ في طَلَبِ الفَضْلِ، وتَضْيِيْعُكَ الأصْلِ كَمَثلِ تَاجِرٍ اتَّجَرَ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ في الرِّبْحِ ويَحْسِبُهُ، ويَفْرَحُ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرفَعَ رَأْسَ المَالِ، فَلَمْ يَزَلْ كَذلِكَ يَفْرَحُ بالرِّبْحِ ويَغْفُلُ عَنِ النَّظَرِ في رَأْسِ المَالِ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى رَأْسِ مَالِهِ رآه قَدْ ذَهَبَ، وذَهَبَ الرِّبْحُ، فَلَمْ يَبْقَ رَأْسُ مَالٍ ولَا رِبْحٌ. فَرَحِمَ اللهُ رَجُلًا رَأى أَخَاهُ يَسْبِقُ الإمَامَ، فَيَرْكَعُ أَوْ يَسْجُدُ مَعَهُ، أَوْ يُصَلِّي وَحْدَهُ فَيُسِيْءُ في صَلَاتِهِ، فَيَنْصَحُهُ ويَأْمُرُهُ ويَنْهَاهُ، ولَا يَسْكُتُ عَنْهُ. فَإِنَّ نَصِيْحَتَهُ واجبَةٌ عَلَيْهِ، لَازِمَة لَهُ، وسُكُوْتُهُ عَنْهُ إِثْمٌ وَوِزْرٌ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يُرِيْدُ أَنْ تَسْكُتُوا (٣) عَنِ الكَلَامِ بِمَا أَمَرَكُمُ اللهُ، وأَنْ تَدَعُوا التَّعَاوُنَ علَى البِرِّ والتَّقْوَى، الَّذِي أَوْصَاكُمُ اللهُ بِهِ، والنَّصِيْحَةُ الَّتِي عَلَيْكُمُ مِنْ بَعْضِكُم لِبَعْضٍ، لِتكوْنُوا مَأْثُومِيْنَ مأْزُورِيْنَ، ولا تَكُوْنُوا مَأْجُورِيْنَ، ويَضْمَحِلُّ الدِّيْن ويَذْهَبُ، وأَنْ لا تُحْيُوا سُنَّةً، ولا تُمِيْتُوا بِدْعَةً. فَأَطِيْعُوا اللهَ فِيْمَا أَمَرَكُمْ بِهِ مِنَ التَّعَاون (٤) والتَّنَاصح على البرِّ

стр. 1046

والتَّقْوَى، ولَا تُطِيْعُوا الشَّيْطَانَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِيْنٌ؛ بذلِكَ أَخْبَرَكُمُ اللهُ فَقَالَ: (١) ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ وقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾. واعْلَمُوا أَنَّمَا جَاءَ هَذَا النَّقْصُ في الصَّلَاةِ مِنَ المَنْسُوبِيْن إِلَى الَفضْلِ المُبَكِّرِيْنَ إلى الجُمُعَاتِ، مِمَّنْ بالمَشْرِقِ والمَغْرِبِ مِنْ أَهْلِ الإسْلَامِ، لِسُكُوْتِ أَهْلِ العِلْمِ والفِقْهِ والبَصَرِ عَنْهُم. وتَرْكِهِمْ مَا لَزِمَهُمْ مِنَ النَّصِيْحَةِ والتَّعْلِيْمِ والأدَبِ، والأمْرِ والنَّهْيِ، والإنكارِ والتَّغيير (٣)، فَجَرَى أَهْلُ الجَهَالَةِ عَلَى المُسَابَقة للإمَامِ، وَجَرى مَعَهُم كثيرٌ مِمَّن يُنْسَبُ إلى العِلْمِ والفِقْهِ والبَصَرِ والفَضْلِ، اسْتِخْفَافًا مِنْهُم بالصَّلَاةِ. والعَجَبُ كلُّ العَجَبِ مِنْ اقْتِدَاءِ أَهْلِ العِلْمِ بأَهْلِ الجَهَالَة، بمجراهم (٤) مَعَهُم في المُسَابَقَةِ للإمَامِ في الركوع (٥)، والسِجُودِ، والرَّفْعِ، والخَفْضِ، وفِعْلِهِمْ مَعَهُمْ، وتَرْكِهِمْ مَا حُمِّلُوا، وسَمِعُوا مِنَ الفُقَهَاءِ والعُلَمَاءِ، وإِنَّمَا الحقُّ الوَاجِبُ على العُلَمَاءِ أَنْ يُعَلِّمُوا الجَاهِلَ ويَنْصَحُوْهُ، ويَأْخُذُوا عَلَى يَدِهِ، فَهُمْ فِيْمَا تَرَكُوا آثِمُونَ، عُصَاةٌ خَائِنُوْنَ، لِجَرَيَانِهِمْ مَعَهُمْ في ذلِكَ، وفي كَثِيْرٍ مِنْ مَسَاوِيْهم من الغشِّ والنَّمِيْمَةِ، ومَحْقَرةِ الفُقَرَاءِ والمُسْتَضْعَفِيْن، وغيرِ ذلِكَ مِنْ المَعَاصِيْ مِمَّا

стр. 1047

يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ، جَاء (١) الحَدِيْثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "وَيْلٌ للعَالِمِ مِنَ الجَاهِلِ حَيْثُ لَا يُعَلِّمُهُ" فتعليمُ الجَاهِلِ وَاجِبٌ عَلَى العَالِمِ، لَابدَّ (٢) لَهُ؛ لأنَّه لا يَكُونُ الوَيْلُ للعَالِمِ مِنْ تَطَوعُّ تَرَكَهُ؛ لأنَّ اللهَ لَا يُؤَاخِذُ على تَرْكِ التَّطَوعُّ، إِنَّمَا يُؤاخِذُ على تَرْكٍ لِفَرِيْضَةٍ (٣)، وجَاءَ الحَدِيْثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إنَّه قَالَ: "مَنْ رَأى مِنْكُم (٤) مُنكرًا فَلْيُغَيِّرهُ بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطعْ فَبِقَلْبِهِ، وذلِكَ أَضْعَفُ الإيْمَانِ" والمُضَيِّعُ لِصَلَاتِهِ، الَّذِي يُسَابِقُ الإمَامَ فِيْهَا، ويَرْكَعُ ويَسْجُدُ مَعَهُ، أَوْ لَا يُتِمُّ رُكُوْعَهُ ولَا سُجُوْدَهُ، إِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَقَد أَتَى مُنكرًا؛ لأنَّه سَارِق. وقَدْ جَاءَ الحَدِيْثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّه قَالَ: "شَرُّ النَّاسِ سَرِقَةً الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ، قَالُوا: يَارَسُوْلَ اللهِ، وكيْفَ يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ؟ قَالَ: لَا يُتِمُّ رُكُوْعَهَا، ولَا سُجُوْدَهَا" فَسَارِقُ الصَّلَاة قَدْ وَجَبَ الإنْكَارُ عَلَيْهِ مِمَّنْ رَآهُ، والنَّصْيْحَةُ لَهُ. أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ سَارِقًا سَرَقَ دِرْهَمًا، ألمْ يَكُنْ ذلِكَ مُنْكَرًا يَجِبُ الإنْكَارُ عَلَيْهِ مِمَّن رَآهُ؟ فَسَارِقُ الصَّلَاةِ أَعْظَمُ سِرْقَةً مِن سَارِقِ الدِّرْهم، وجَاءَ الحَدِيْثُ عَنِ ابنِ مَسْعُوْدٍ ﵁ أَنَّه قَالَ: "مَنْ رَأى مَنْ يُسِيُءُ في (٥) صَلَاتِهِ فَلَمْ يَنْهَهُ شَارَكَهُ في وِزْرِهَا وَعَارِهَا"

стр. 1048

وجَاءَ في الحَدِيْثِ عَن بِلَالِ بنِ سَعْدٍ أَنَّه قَالَ: "الخَطِيْئَةُ إِذَا خَفِيَتْ لَم تَضُرَّ إلَّا صَاحَبَها، فإذَا ظَهَرَتْ فَلَم تُغَيَّرْ ضَرَّتِ العَامَّةُ" وإِنَّمَا تَضُرُّ العَامَّة لـ[ـتركهم] مَا يَجِبُ عَلَيْهْم مِنَ الإنكارِ والتَّغْيِيْرِ على الَّذِي ظَهَرَت مِنْهُ الخَطِيْئَةُ؛ فَلَو أَنَّ عَبْدًا صَلَّى حَيْثُ لَا يَرَاهُ النَّاسُ، فَضَيَّعَ صَلَاتَهُ، ولَمْ يُتِمَّ الرُّكُوعَ والسُّجُوْدَ (١) كَانَ وِزْرُ ذلِكَ عَلَيْهِ خَاصَّةً، وإِذَا فَعَلَ ذلِكَ حَيْثُ يَرَاهُ النَّاسُ، فَلَمْ يُنْكِرُوْهُ وَلَمْ يُغَيِّرُوْهُ، كانَ وزرُ ذلِكَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ. فاتَّقُوا اللهَ عَبِادَ اللهِ في أُمُورِكُم عَامَّةً، وفي صَلَاتِكُم خَاصَّةً، وأحكموها في أنفُسِكُم، وانْصَحُوا فِيْهَا إِخْوَانكُمْ، فإِنَّهَا آخرُ [دِيْنكُمْ فَتَمَسَّكُوا بآخر دِيْنِكُم] (٢) ومِمَّا (٣) أَوْصَاكُمْ بِهِ رَبُّكُمْ خَاصَّةً (٤) مِنْ بَيْنِ الطَّاعَاتِ الَّتي افتَرَضَهَا اللهُ عَامَّةً، وتَمَسَّكُوا بِمَا عَهَدَ إِلَيْكُمْ (٥) نَبيّكُمْ ﷺ خَاصَّةً، من بينِ عُهُوْدِهِ إِلَيْكُمْ فِيْمَا افْتَرَضَ عليكم ربُّكم عَامَّةً. وجاء (٦) عن النَّبيِّ ﷺ "أنَّه كَانَ آخِرَ وَصِيَّتِهِ لأُمَّتِهِ، [وآخر عهده إليهم] (٧) عندَ خُرُوْجِهِ مِنَ الدُّنْيَا أن اتَّقُوا اللهَ في الصَّلَاةِ، وفِيْمَا مَلَكَت أَيْمَانكم" وجَاءَ الحَدِيْثُ

стр. 1049

"أَنَّها لآخِرُ وَصِيَّةِ كلِّ نبِيٍّ لأمَّتِهِ (١)، وآخرُ عَهْدِهِ إليهم عندَ خرُوْجِهِ من الدُّنْيَا" وهي آخرُ مَا يَذْهَبُ من الإسْلَامِ، لَيْسَ بَعْدَ ذِهَابِهَا إِسْلَامٌ ولَا دِيْنٌ، وهيَ أَوَّلُ مَا يُسْأَلُ عَنْه العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ من عَمَلِهِ، وهي عَمُوْدُ الإسْلَامِ، وإِذَا سَقَطَ الفُسْطَاطُ (٢)، فَلَا يُنْتَفَعُ بالطُّنُبِ والأوْتَادِ، وكذلِكَ الصَّلَاةُ إِذَا ذَهَبَتْ فَقَدْ ذَهَبَ الإسْلَامُ. وقَدْ خَصَّهَا [اللهُ ] (٣) بالذِّكْرِ مِنْ بَيْنِ الطَّاعة (٤) كلِّها، ونَسبَ أَهْلُهَا إلى الفَضْلِ، وأَمَرَ بالاسْتِعَانَةِ بِهَا، وبالصَّبْرِ عَلَى جَمِيع الطَّاعَاتِ، واجْتِنَابِ جَمِيع المَعْصِيَةِ. فأمُرُا -رَحِمَكُمُ اللهُ- بالصَّلَاةِ في المَسَاجِدِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا، وعَاتِبُوهُمْ إِذَا تَخَلَّفُوا عَنْهَا، وأَنْكِرُوا عَلَيْهِمْ بأَيْدِيْكُمْ؛ فإِنْ لَمْ تَسْتَطِيْعُوا فَبِألسِنَتِكُمْ، واعْلَمُوا أَنَّهُ لَا يَسَعَكُمْ السُّكُوْتُ عَنْهُمْ؛ لأنَّ التَّخَلُّفَ عَنِ الصَّلَاةِ من عَظْيِم المَعْصِيَةِ، فَقَدْ جَاءَ عن النَّبيِّ ﷺ أَنَّه قَالَ: "لَقَدْ هَمَمْتُ بأَنْ (٥) آمُرُ بالصَّلَاةِ فَتُقَامُ. ثمَّ أُخَالِفُ إلَى قَوْمٍ في مَنَازِلِهم لَا يَشْهَدُوْنَ الصَّلَاةَ في جَمَاعَةٍ، فأُحَرِّقَهَا عَلَيْهِمْ" فَتَهَدَّدَهُمْ النَّبيُّ ﷺ بحَرْقِ مَنَازِلِهمْ،

стр. 1050

فَلَولَا أَنَّ تَخَلُّفَهُمْ عن الصَّلَاةِ مَعْصِيَةٌ (١) كَبِيْرَةٌ عَظيمةٌ لَمَا (٢) تَهَدَّدُهُم النَّبيُّ ﷺ بحَرْقِ مَنَازِلِهم. وجَاءَ الحَدِيْثُ: "لَا صَلَاةَ لِجَارِ المَسْجِدِ إلَّا في المَسْجِدِ" وجَارُ المَسْجِدِ الَّذي بَيْنَهُ وبَيْنَ المَسْجِدِ أَرْبَعُوْنَ دَارًا (٣).

стр. 1051

قَالَ مُهَنَّى: قلتُ لأحْمَد بن حَنْبَلٍ: ما فَضْلُ (١) الأعمال؟ قال: طَلَبُ العِلْمِ، قَالَ: لِمَنْ صَحَّتْ نيَّتُهُ. قُلْتُ: وأَيْشٍ تَصْحِيْحُ النِّيَّة؟ قَالَ: يَنْوِي، يَتَواضَعُ فِيْهِ، ويَنْفِي عَنْه الجَهْلَ. ٤٩٧ - مُضَرُ بنُ مُحَمَّدِ (٢) بنِ خَالِدِ بنِ الوَليْدِ بنِ مُضَرَ، أَبُو مُحَمَّدٍ الأسَدِيُّ، سَمِعَ الإِمَامَ أَحْمَدَ بن (٣) حَنْبَلٍ. ويَحْيَى بنَ (٤) مَعينٍ، وغَيْرَهُمَا. رَوَى عَنْهُ

стр. 1052

يَحْيَى بنُ صَاعِدٍ، وأَبُو بَكْرِ بنُ مُجَاهِدٍ، ومُحمَّد بنُ مَخْلَدٍ، وغَيْرُهُم. وقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: هُو ثِقَةٌ. قَالَ عَلِيُّ بنُ عُمَرَ الحَافِظُ: مُضَرُ بنُ محمَّدٍ الأسَدِيُّ القَاضِي: بَغْدَادِيٌّ. وَلِيَ قَضَاءَ وَاسِطَ، وكان رَاوِيًا القرآن (١)، حَدَّثَنَا عَنْهُ جَمَاعَةٌ من شُيُوخِنَا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ: وَمَاتَ أَبُو مُحمَّدٍ (٢) الأسَدِيُّ: سَنَةَ سَبع وسَبْعِيْن ومائَتين. ٤٩٨ - مَعْرُوْفُ بنُ الفَيرُزَان (٣) أَبُو مَحْفُوظٍ العَابِدُ، المَعْرُوْفُ بـ "الكَرْخِيِّ" منسوبٌ إلى كَرْخِ بَغْدَاد، وكَانَ أَحَدَ المَشهورِيْنَ بالزُّهْدِ والعُزُوْفِ عَنِ الدُّنْيَا، يَغْشَاهُ الصَّالِحُوْنَ، ويَتبَرَّكُ بِلِقَائِهِ العَارِفُوْنَ، وَكَانَ يُوْصَفُ بأَنَّه مُجَابُ الدَّعْوة (٤). وحُكِيَ عَنْه كَرَامَاتٌ، وأَسْنَدَ أَحَادِيْثَ يَسِيْرَةً عن بَكْر بنِ حُبَيْشٍ (٥)

стр. 1053

والرَّبِيعْ بنِ صَبِيْحٍ وغَيرهما، رَوَى عَنْهُ خَلَفُ بنُ هِشَامٍ البَزَّارُ (١)، وزكَرِيَّا بنُ يَحْيَى المَرُّوذِيُّ، ويَحْيَى بنُ أبي طَالبٍ في آخرين، وحَكَى عَن إِمَامِنَا أَحْمَدَ حكايةً، وهي: مَا أَنَبأ الوَالِدُ السَّعِيْدُ عن مُحَمَّدِ بن فَارِسٍ المَعْرُوف بـ "ابن الغُوْرِيِّ" قَالَ: حَدَّثنَا أَحْمَدُ بن المُنَادِي، قَالَ: حَدَّثنَا أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ بنَ إِبْرَاهِيْم، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ أَكْثَمٍ القَاضِي، قَالَ: سَمِعْتُ مَعْرُوْفًا -وَذُكِرَ عِنْدَهُ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ- فَقَالَ: رَأَيْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ فَتَى عَلَيْهِ آثارُ النُّسْكِ، سَمِعْتُهُ يَقُوْلُ كَلَامًا جَمَعَ فيه الخَيْرَ، سَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: مَن عَلِمَ أَنَّه إِذَا مَات نُسِيَ أَحْسَنَ ولَمْ يُسِيءْ. ورَوَى هَذَا الحِكَاية عَنْ مَعْرُوْفٍ أَيْضًا أَبُو الفَرَج عَبْدِ الوَهَّابِ بنِ عَبْدِ العَزِيْزِ التَّمِيْمِيُّ قَالَ: سمِعْتُ أَبِي يَقُوْلُ: قِيْلَ لأبِي مَحْفُوْظٍ مَعْرُوفٍ الكَرْخِيِّ: هَلْ رَأَيْتَ أَبَا عَبْدِ الله أَحْمَدَ بنَ مُحَمَّدِ بنِ حَنْبَلٍ؟ قَالَ: نَعَمْ رَأَيْتُهُ، وسَمِعْتُ مِنْه كَلِمَتينِ أَزْعَجَتَانِي، سَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: مَنْ عَلِمَ أَنَّه إِذَا مَاتَ نُسِيَ. أَحْسَنَ، ولَمْ يُسِئْ. وَذَكَرَ أَبُو سَعِيْدٍ بنُ الأعْرَابِيِّ: أَنَّ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ كَانَ يَقُوْلُ: مَعْرُوْفٌ الكَرْخِيُّ من الأبْدَالِ، وهو مُجَابُ الدَّعْوَةِ. وذُكِرَ في مَجْلِسِ أَحْمَدَ مَعْرُوْفٌ الكَرْخِيُّ، فَقَالَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَهُ: هو قَصِيْرُ العِلْمِ. قَالَ أَحْمَدُ: أَمْسِكْ، عَافَاكَ اللهُ، وهَلْ يُرَادُ مِنَ العِلْمِ إلَّا مَا وَصَلَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ. وَقَالَ المُعَافَى بنُ زكَرِيَّا الجَرِيْرِيُّ: حُدِّثْتُ عَن عَبْدِ اللهِ بنِ أَحْمَد بنِ

стр. 1054

حَنْبَلٍ، أَنَّه قَالَ: قُفتُ لأبِي: هَلْ كَانَ مَعَ مَعْرُوفٍ شَيْءٌ مِنَ العَلْمِ؟ فَقَالَ لِي: يَا بُنَيَّ، كَانَ مَعَهُ رَأْسُ العِلْمِ خَشْيَةُ اللهِ تَعَالَى. وحَكَى إِسْمَاعِيْلُ بنُ شَدَّادٍ قَالَ: قَالَ لَنَا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ: مِنْ أَيْنَ أَنْتُمْ؟ قُلْنَا: مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ، قَالَ: مَا فَعَلَ ذلِكْ الحَبْرُ الَّذِي فِيْكُمْ؟ قُلْنَا: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: أَبُو مَحْفُوْظٍ مَعْرُوْفٌ، قَالَ: قُلْنَا: بِخَيْرٍ، قَالَ: لَايَزَالُ أَهْلُ تِلْكَ المَدِيْنَةِ بِخَيْرٍ مَا بَقِيَ فِيْهِمْ. وقَالَ إِمَامُنَا أَحْمَدُ لِلْمَرُّوذِيِّ: إِذَا أُخْبِرْتَ عَنْ مَعْرُوْفٍ بِشَيْءٍ مِنْ أَخْبَارِ السَّمَاءِ فَاقْبَلْهُ (١). ومَعْرُوْفٌ كَانَ أُسْتَاذَ سِريٍّ السَّقَطِيُّ، وصَحِبَ مَعْرُوْفٌ دَاوُدَ الطَّائِيَّ. وقَالَ إِبْرَاهِيمُ الحَرْبِيُّ: قَبْرُ مَعْرُوْفٌ التِّرِيَاقُ المُجَرَّبُ (٢).

стр. 1055

وقَالَ عَبْدُ اللهِ بن العبَّاسِ الطَّيَالِسيِّ: قَالَ لي ابنُ أَخِي مَعْرُوْفٍ: قَالَ لِيْ عَمِّي مَعْرُوْفٌ: إِذَا كَانَ لَكَ إِلَى الله حَاجَةً، فَتَوَسَّلْ إِلَيْهِ بِي (١).
следующие страницы →