← Тараджим

Тараджим · id 1520

طبقات الحنابلة - لابن أبي يعلى - ت العثيمين

أبو الحسين ابن أبي يعلى

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

الإمام، الحَافِظُ، أَبُو حَاتِمٍ. سَمِعَ صَالِحَ بنَ أَحْمَدَ، وأَحمَدَ بنَ أَصْرَمَ، وأَبَا زُرْعَةَ، وأَبَاهُ، وأَحْمَدَ بنَ سِنَانٍ القَطَّانَ، وأَحْمَدَ بنَ مَنْصُوْرٍ الرَّمَادِيَّ، ويُوْنُسَ بنَ حَبِيْبٍ الأصْبَهَانِيَّ، وغَيْرَهُمْ. ورَحَلَ في طَلَبِ الحَدِيْثِ إِلَى البِلَادِ مَعَ أَبيْهِ وبَعْدَهُ، وصنَّفَ التَّصَانِيْفَ، مِنْ جُمْلَتهَا: كِتَابُ "السُّنَّة"، و"التَّفْسِيْر"، وكتاب "الرَّدُّ عَلَى [الجَهْمِيَّةِ"، و"فَضَائِلِ إِمَامِنَا أَحْمَدَ" وغَيْرُ ذلِكَ] (١). قَرَأْتُ في كِتَابِ "الرَّدُّ عَلَى الجَهْمِيَّةِ" (٢) حدَّثَنَا صَالِحُ بنُ أَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ قَالَ: سمِعْتُ أَبِي ﵁ يَقُوْلُ: قَالَ اللهُ تَعَالَى (٣): ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ

стр. 1262

وَالْأَمْرُ﴾ فَأَخْبَرَنَا بالخَلْقِ. ثُمَّ قَالَ: والأمْرُ، فَأَخْبَرَ أَنَّ الأمْرَ غَيْرُ الخَلْقِ. وقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَن بنُ أَبِي حَاتِمٍ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ سِنَانٍ الوَاسِطِيَّ يَقُوْلُ: قَدْ مَيَّزَ اللهُ بينَ الخَلْقِ والأمْرِ. فَسَمَّى هذَا أَمْرًا (١)، وسَمَّى هَذَا خَلْقًا، وفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ وكلُّ مَخْلُوْقٍ دَاخِلٌ في الخَلْقِ، وبَقِيَ الأمْرُ، والأمْرُ لَيْسَ بمَخْلُوْقٍ، قَالَ الله تَعَالَى (٢): ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ فَأَنْزَلَ كَلَامَهُ غَيرَ مَخْلُوْقٍ. أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الإِمَامُ عَبدُ الرَّحْمَن بنُ مَنْدَه -فِيْمَا كَتَبَ إِلَيْنَا- قَالَ: أَخبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بنُ حَيَّان أَبُو الشَّيْخِ، قَالَ في "تاريْخِهِ": مَاتَ أَبو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَن بنُ أَبِي حَاتِمٍ سَنَةَ سَبع وعِشْرِيْنَ وثَلَاثِمَائَةَ. ٥٩٧ - عُمَرُ بنُ مُحَمَّدِ (٣) بنِ بَكَّارٍ القَافِلَانِيُّ (٤)، أَبُو حَفْصٍ (٥). حَدَّثَ

стр. 1263

بـ"مَسَائِلِ أَبِي إِبْرَاهِيْمَ بنِ هَانِئٍ النَّيْسَابُوْرِيِّ" فِيْمَا أَنْبَأَنَا الوَالِدُ السَّعِيْدُ، عن ابنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بنُ بَدْرٍ المَغَازِلِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو إسْحَقَ إِبْرَاهِيْمُ بنُ هَانِيءٍ النَّيْسَابُوْرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله يَقُوْلُ: بَلَغَ ابنُ أَبِي ذِئْبٍ أَنَّ مَالِكَ بنَ أَنَسٍ قَالَ: لَيْسَ البَيِّعَانِ بالخِيَارِ، فَقَالَ ابنُ أَبِي ذِئْبٍ: يُسْتَتَابُ مَالِكٌ، فَإِنْ تَابَ وإِلَّا ضُرِبَتْ عُنُقَهُ. وبِهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله وسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ قَدِمَ مَكَّةَ مِنْ بَلَدٍ بَعِيْدٍ تَاجِرًا، فَدَخَلَ مَكَّةَ بَغَيْرِ إِحْرَامٍ؟ قَالَ: يَرْجِعُ إِلَى المِيْقَاتِ، فيُهِلُّ بعُمْرَةٍ، إِنْ كَانَ في غَيْرِ أَيَّامِ الحَجِّ، فَإِنْ كانَ في أَيَّامِ الحَجِّ أَهَلَّ بالحَجِّ. وبِهِ قَالَ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللهِ عَنِ البَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ، قَالَ: لَا، إلَّا أَنْ يُسَمِّيَ العَيْبَ، وبِهِ قَالَ: سُئِلَ عَنْ مَسْجِدٍ بُنِيَ عَلَى الطَّرِيْقِ؟ قَالَ: يُقْلَعُ، ويُرَدُّ الطَّرِيْقُ إِلَى مَا كَانَ. ٥٩٨ - عُمَرُ بنُ مُحَمَّدِ (١) بنِ وَجَاءٍ، أَبُو حَفْصٍ العُكْبَرِيُّ. حَدَّثَ عَن

стр. 1264

عَبْدِ الله بنِ إِمَامِنَا أَحْمَدَ، وقَيْسِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ الطَّوَابِيْقِيِّ (١)، ومُوْسَى بن حَمْدُوْنَ العُكْبَرِيِّ (٢)، وَعِصْمَةُ بنُ أَبِي عِصْمَةَ، وغَيْرُهُمْ. وكَانَ عَابِدًا صَالِحًا. رَوَى عَنه جَمَاعَةٌ؛ مِنْهُم: أَبُو عَبْدِ الله بنُ بَطَّةَ، وقَالَ: إِذَا رَأَيْتَ العُكْبُرِيَّ يُحِبُّ أَبَا حَفْصِ بنِ رَجَاءٍ فاعْلَمْ أَنَّه صَاحِبُ سُنَّةٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ اللهِ الخَيَّاطُ (٣): كَانَ أَبُو حَفْصِ بنِ رَجَاءٍ لا يُكَلِّمُ مَنْ يُكَلِّمُ رَافِضِيًّا إلى عَشَرَة. وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بنُ شِهَابٍ (٤): كَانَ لأبِي حَفْصِ بنِ رَجَاءٍ صَدِيْقٌ صَيْرَفِيٌّ. فَبَلَغَهُ أَنَّه قَدْ اتَّخَذَ دَفْتَرًا للحِسَابِ فَهَجَرَهُ؛ لأنَّ الصَّرْفَ المُبَاحَ يَدًا بِيَدٍ، ولمَّا اتَّخَذَ دَفْتَرًا (٥) فإِنَّمَا يُعْطِي نَسِيْئَةً. وَقَرَأْتُ في بَعْضِ كُتُبِ أَصْحَابِنَا: أَنَّ ابنَ رَجَاءٍ كَانَ إِذَا مَاتَ بعُكْبَرَا

стр. 1265

رَجُلٌ مِنَ الرَّافِضَةِ، فَبَلَغَهُ أَنَّ بَزَّازًا بَاعَ لَه كَفَنًا، أَوْ غَاسِلًا غَسَّلَهُ، أَوْ حَامِلًا حَمَلَهُ هَجَرَهُ عَلَى ذلِكَ. أَنْبَأَنَا أَبُو القَاسِمِ البُنْدَارُ، عَنِ ابنِ بَطَّةَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصِ بنِ رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا عِصْمَةُ بنُ أَبِي عِصْمَةَ، حَدَّثنا العَبَّاسُ بنُ الحُسَيْنِ القَنْطَرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ الحَجَّاجِ، قَالَ: كَتَبَ عَنِّي (١) أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ كَلَامًا، قَالَ العَبَّاسُ: فَأَمْلَاهُ عَلَيْنَا، قَالَ: لَا يَنْبَغِي للرَّجُلِ أَنْ يُنَصِّبَ نَفْسَهُ للفَتْوَى حَتَّى يَكُوْنَ فيه خَمْسُ خِصَالٍ، أَمَّا أَوَّلُهَا: فأَنْ تَكُوْنَ له نِيَّةٌ، فَإنَّه إِنْ لم تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ نُوْرٌ، ولَا عَلَى كَلَامِهِ نُوْرٌ، وأَمَّا الثَّانِيَةُ: فَيَكُوْنُ عَلَيْه حِلْمٌ وَوَقَارٌ وسَكِيْنَةٌ. وأَمَّا الثَّالِثَةُ: فَيَكُوْنُ قَوِيًّا عَلَى مَا هُوَ فِيه وعَلَى مَعْرِفَتِهِ. وأَمَّا الرَّابِعَةُ: فالكِفَايَةُ، وإلَّا مَضَغَهُ النَّاسُ. والخَامسةُ: مَعْرِفَةُ النَّاسِ. فَأَقُولُ أَنَا -واللهُ العَالِمُ-: لَوْ أَنَّ رَجُلًا عَاقِلًا أَنْعَمَ نَظَرَهُ ومَيَّزَ فِكْرَهُ، وسَمَا بِطَرْفِهِ، واسْتَقْصَى بجَهْدِهِ، طَالِبًا خِصْلَةً وَاحِدَةً في أَحَدٍ من فُقَهَاءِ وَقْتِنَا والمُتَصَدِّرِيْنَ للْفَتْوَى أَخْشَى أَنْ لا يَجِدَهَا، واللهَ نَسْأَلُ صَفْحًا جَمِيْلًا، وعَفْوًا كَثِيْرًا. وتُوفي سَنَةَ تِسْعٍ وثَلَاثِيْنَ وثَلَاثِمَائَةَ. ٥٩٩ - عليُّ بنُ مُحَمَّدِ بنِ بَشَّارِ، (٢) أَبُو الحَسَنِ الزَّاهِدُ العَارِفُ، حَدَّثَ عَن

стр. 1266

أَبِي بَكْرٍ المَرُّوْذِيِّ، وصَالِحٍ، وعبدِ اللهِ ابنَيْ إمَامِنَا أَحْمَدَ، وغَيْرِهِمْ. رَوَى عَنْهُ أَبُو الحَسَن أَحْمَدُ بنُ مَقْسِمٍ المُقْرِيُّ، وعليُّ بنُ مُحَمَّدِ بنِ جَعْفَرٍ البَجَلِيُّ، وعليُّ بنُ أَحْمَدَ بنِ ممويه الحلَوَانِيّ المُؤَدِّبُ، وأَبُو عَليٍّ النَّجَّادُ وَغَيْرُهُم. أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ المُقْرِيُّ (١)، عَن الحَسَنِ بنِ حِمْكَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الحَسَنِ بنِ مِقْسَمٍ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبَا الحَسَنِ بنِ بَشَّارٍ يَقُولُ: وكانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ شَيْئًا قَالَ: أَعْرِفُ رَجُلًا حَالَهُ كَذَا وكَذَا، فَقَالَ ذَاتَ يَوْمٍ: أَعْرِفُ رَجُلًا مُنْذُ ثَلَاثِيْنَ سَنَةً مَا تَكَلَّمَ بكَلِمَةٍ يَعْتَذِرُ مُنْهَا. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الحَسَنِ بنَ بَشَّارٍ أَيْضًا يَقُوْلُ: أَعْرِفُ رَجُلًا مُنْذُ ثَلَاثِيْنَ سَنَةً يَشْتَهِيْ أَنْ يَشْتَهِيَ لِيَتْرُكَ مَا يَشْتَهِي، فَمَا يَجِدُ شَيْئًا يَشْتَهِيْ.

стр. 1267

وأَنْبَأَنَا أَبُو مُسْلِمٍ الَّليْثِيُّ (١) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيْلُ الصَّابُوْنِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ العَدْلُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ حَمَّادٍ الوَرَّاقُ، حَدَّثنا أَبُو الحَسَنِ القَنَّادُ الصُّوْفِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الحَسَنِ بنِ بَشَّارٍ العَبْدُ الصَّالِحُ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ قَالَ: مَرَّتْ بِنَا جَنَازَةٌ، ونَحْنُ قُعُوْدٌ عَلَى مَسْجِدِ أَبي، فَقَالَ أَبي: مَا كَانَتْ صَنْعَةُ صَاحِبِ الجَنَازَةِ؟ قَالُوا: كَانَ يَبِيعُ عَلَى الطَّرِيْق، قَالَ: في فَنَائِهِ أَوْ فنَاءِ غَيْرِهِ؟ قَالُوا: في فَنَاءِ غَيْرِهِ. قَالَ: عَزَّ عَلَيَّ، عَزَّ عَلَيَّ، إِنْ كَانَ فِنَاءَ يَتِيْمٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَقَدْ ذَهَبَتْ أَيَّامُهُ عطلًا، ثُمَّ قَالَ (٢): قُمْ نُصَلِّ (٣) عَلَيْهِ، عَسَى اللهُ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ، قَالَ: فَكَبَّرَ عليه أَرْبَعَ تَكْبِيْرَاتٍ، ثُمَّ حَمَلْنَاهُ إِلَى قَبْرِهِ ودَفَنَّاهُ، ونَامَ أِبي (٤) تِلْكَ اللَّيْلَةِ وهو مُغْتَمٌّ بِهِ، فَإِذَا نَحْنُ بامرَأَةٍ من بَعْضِ جِيْرَانِنَا جَاءَتْ إِلَى أَبِي، فَقَالَتْ: يَا أَبَا عَبْدِ الله، أَلَا أُبَشِّرُكَ بِشَارَةً؟ فَقَالَ لَهَا: قولي يَا مُبَارَكَةُ، أَنْتِ امْرأَةٌ صَالِحَةٌ، قَالَتْ: نِمْتُ البَارِحَةَ، فَرَأَيْتُ صَاحِبَ الجَنَازَةِ الَّذِي مَرَرْتَ مَعَهُ، وهوَ يَجْرِي في الجَنَّةِ جَرْيًا وَعَلَيْهِ حُلَّتَانِ خَضْرَوانِ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا فَعَلَ اللهُ بِكَ؟ قَالَ: غَضْبَانٌ عَلَيَّ وقْتَ خُرُوْجِ رُوْحِيْ، فَصَلَّى عَلَيَّ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ فَغَفَرَ ذُنُوْبِي، ومَتَّعَنِي بالجَنَّةِ (٥).

стр. 1268

وأَنْبَأَنَا عَلِيٌّ المُحَدِّثُ، عن أَبِي عَبْدِ اللهِ (١) الفَقِيْهِ أَنَّه قَالَ: إِذَا رَأَيْتَ البَغْدَادِيَّ يُحِبُّ أَبَا (٢) الحَسَنِ بنَ بَشَّارٍ، وأَبَا مُحَمَّدٍ البَرْبَهَارِيَّ، فَاعلَمْ أَنَّه صَاحِبُ سُنَّةٍ. قُلْتُ أَنَا: وَكَانَ قَدْ سَمِعَ جَمِيع "مَسَائِلَ صَالِحٍ" لأبيْهِ أَحْمَدَ من صَالِحٍ، وحَدَّثَ بهَا، فَسَمِعَهَا من ابنِ بَشَّارٍ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ أَبُو حَفْصِ بنِ بَدْرٍ المَغَازِلِيُّ (٣)، وأَحْمَدُ البَرْمَكِيُّ وَغَيْرُهُم. وكان شُيُوْخُ طَائِفِتَنَا (٤) يَقْصُدُوْنَهُ ويُعَظِّمُوْنَهُ أَبُو محمَّدٍ البَرْبَهَارِيُّ، وأَبُو بَكْرٍ الخَلَّالُ، وأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ العَزِيْزِ وأَشْكَالُهُم (٥). وكانَ ابنُ بَشَّارٍ يَقُوْلُ في دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ صَلِّ على أَبِيْنَا آدَمَ الَّذِيْ خَلَقْتَهُ بِيَدِكَ، وأَنْحَلْتَهُ صُوْرَتَكَ، وأَسْجَدْتَ لَهُ مَلَائِكَتَكَ، وَزَوَّجْتَهُ حَوَّاءَ أَمَتَكَ، فَسَبَقَ عَلَيْهِ قَضَاؤكَ وقَدَرُكَ، فأكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، فأهبَطْتَهُ إِلَى الأرْضِ. وقَالَ أَحْمَدُ البَرْمَكِيُّ: سَأَلْتُ أَبَا الحَسَنِ بنَ بَشَّارٍ عن حَدِيْثِ أَمِّ الطُّفَيْلِ (٦) وحَدِيْثِ ابنِ عَبَّاسٍ في الرُّؤْيَةِ؟ فَقَالَ: صَحِيْحَانِ، فَعَارَضَ رَجُلٌ، فَقَالَ: هَذِهِ الأحَادِيْثُ لَا تُذْكَرُ في مِثْلِ هَذَا الوَقْتِ، فَقَالَ ابنُ

стр. 1269

بَشَّارٍ: فَيدْرُسَ الإسْلَامُ؟ مُنْكِرًا على مَن مَنْعَ السُّؤَالَ عَنِ الخَبَرَيْنِ. وقَرأَتُ بِخَطِّ الوَالِدِ السَّعِيْدِ -قَدَّسَ اللهُ رَوْحَهُ- قَالَ: رَأَيْتُ في كُتُبِ أَبي حَفْصٍ البَرْمَكِيِّ عن أَبِي بَكْرٍ الخَلَّالِ، أَوْ صَاحِبِهِ: سَمِعْتُ ابنَ بَشَّارٍ يَقُوْلُ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ الكُفَّارَ يُحَاسَبُوْنَ يَسْتَحِي (١) مِنَ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَقُوْلُ هَذِهِ المَقَالَةِ يُعِيْدُ. ومَنْ خَطِّهِ: قَالَ أَحْمَدُ البَرْمَكِيُّ: سَمِعْتُ ابنَ بَشَّارٍ يَقُوْلُ: لَسْتُ أَشْهَدُ لأحَدٍ بالوِلَايَةِ ولا بالبِدَايَةِ (٢)، حَتَّى تَجْتَمِعَ فيه أَرْبَعُ خِصَالٍ؛ قَطْعُ كلِّ عَلَاقَةٍ تَقْطَعُ عن السِّباقِ، وتَرْكُ كلِّ لَذَّةٍ فيها حِسَابٌ، والتَّبَرُّمُ بالصَّدِيْقِ والعَدُوِّ، وخِفَّةُ الحَالِ وقِلَّةُ الادِّخَارِ. قَالَ: وسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ -وقَد سُئِلَ مِنْ أَيْنَ المَطْعَمُ-؟ فَقَالَ: قَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ، فقومٌ يَقُوْلُوْنَ: لَهُ هَاوُنٌ في العَطَّارِيْنِ، وكلُّ هَاوُنٍ لي صَدَقَةٌ، وكلُّ عَقَارٍ وَقْفٌ، وقَالَ قَوْمٌ آخرَوْنَ: يَأْكُلُ مِنْ مِغْزَلِ أَخْتِهِ، قَالَ ابنُ بَشَّارٍ: فَعَجِبْتُ مِنْ ذلِكَ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: (٣) ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ ولم يَقُلْ: النِّسَاءُ قَوَّامُوْنَ عَلَى الرِّجَالِ، هو لا يُضَيِّعُ الجاثليقَ، وهو كَافِرٌ، يُضَيِّعُنِي أَنَا مِنْ رَغِيْفٍ آكُلُهُ وأَنَا مُسْلِمٌ؟ ثُمَّ قَالَ: يَا أَهْلَ المَجْلِس مَنْ قَالَ لَكُمْ مِنْ أَهْلِ الأرْضِ: إِنَّ لابنِ بَشَّارٍ حَاجةً إلى مَخْلُوْقٍ مُنْذُ أَرْبَعِيْنَ سَنَة، فَقَدْ كَذَبَ، أَوْ قَالَ لَكُمْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأرْضِ: إِنَّ ابنَ بَشَّارٍ سَأَلَ مَخْلُوْقًا

стр. 1270

حَاجَةً مُنْذُ أَرْبَعِيْنَ سَنَة فَقَدْ كَذَبَ. قَالَ: وسأَلهُ رَجُلٌ عن الأُنْسِ باللهِ ؟ فَقَالَ: لَا يَتَكَلَّمُ في الأُنْسِ إلَّا مَنِ انْقَطعَ عن (١) قَلْبِهِ حِسُّ وَساوِس الأُنْسِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا تَرَوْنَ هَذِهِ الجَارِيَةَ الَّتِي يُقَالُ لَها: نَاسِي، وتخْدِمُ (٢) بني أخته؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: هِيَ في الدَّارِ مُنْذُ أَرْبَعٍ وعِشْرِيْنَ سَنَةً، أَشُكُّ في الكَلِمَةِ الثَّانِيَة أَنِّي كَلَّمْتُهَا. قَالَ: وكَانَ يَفْتَتِحُ مَجْلِسَهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتكلَّمَ بَقَوْلهِ : (٣) ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩)﴾ فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: رَضِيَ اللهُ عَنْكَ، ومَا الَّذِي تُريدُ؟ فَقَالَ لَهُ: وَمَا حَمَلَكَ عَلَى المَسْأَلةِ عن ذلِكَ، وأَنَا أَقُولُ ذلِكَ مُنْذُ أَرْبَعِيْنَ سَنَةً، فَمَا سأَلنِي أَحَدٌ عَنْهُ؟ فَأَقْسَمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: هُوَ يَعْلَمُ أَنِّي مَا أُرِيْدُ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ سِوَاهُ. وقَالَ ابنُ عَلِيَّكَ الزَّيَّاتُ: أَضَقْتُ في بعضِ الأوْقَاتِ ضَيْقَةً شَدِيْدَةً، فَجَلَسْتُ في غُرْفَتِي مَغْمُوْمًا مُفَكِّرًا، فَإِذَا الشَّيْخُ يُنَادِيْنِي: يَا عَبْدَ اللهِ، وكانَ مِنْ غُرْفَة ابنِ بَشَّارٍ إلى غُرْفَتِهِ طَرِيْقٌ، قَالَ: فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ: تَعَالَ، فَمَضَيْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَيْشٍ هَذَا الغَمُّ الشَّدِيْدُ على الدُّنْيَا؟ أَنْتَ مَضِيْقٌ أَنْتَ (٤) مَضِيْقٌ على الدُّنْيَا (٤)، وليسَ مَعَكَ شَيْءٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ

стр. 1271

شَيْءٌ يَغْتَمُّ هَذَا الغَمُّ؟ فَقَالَ لِي: خُذْ عَلَيْكَ (١) مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ. والبَسْ نَعْلِكَ (٢)، وامْشِ علَى الشَّطِّ إِلَى أَنْ يَلْقَاكَ رِزْقُكَ فخُذْهُ واذكُرِ اللهَ. قَالَ: فَبَقِيْتُ مُفَكِّرًا في قَوْلِهِ، إِلَّا أَنَّه لم يُمْكِنِّي مُخَالَفَتُهُ، فَخَرَجْتُ أَذْكُرُ اللهَ، ولَزِمْتُ الشَّطَّ إلى أَنْ وَصَلْتُ إلى الجِسْرِ الفَوْقَانِيِّ. فَإِذَا بِرَجُلٍ يُنَادِيْنيْ: يَا عَبْدَ اللهِ فَأَجَبْتُهُ، فَدَفَعَ إِليَّ أَرْبَعِيْنَ دِرْهَمًا وَوَرقًا، فَقَالَ: انْسَخْ لِي كِتَابًا سَمَّاهُ، وأَجْلَسَنِي في سُمَارِيَّة (٣)، ورَجَعْتُ، فَلَمَّا صَعَدْتُ نَادَانِي ابنُ بَشَّارٍ: يَا عَبْد اللهِ، قلتُ: لَبَّيْكَ، قَالَ: أَخَذْتُ أَرْبَعِيْنَ دِرْهَمًا ومِنَ الوَرَقِ كَذَا وكَذَا، وقَالَ لَكَ: انْسخِ الكِتَابَ الفُلَانِيَّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: لَوْ صَبَرْتَ لجَاءَكَ إلى البَابِ. وقَالَ أَحْمَدُ البَرْمَكِيُّ: سَمعتُهُ يَوْمًا -وقَدْ قَامَ مِنَ (٤) المَجْلِسِ الأوَّلِ إلى المَجْلِسِ الثَّانِي لأهْلِ القُلُوبِ، وقَدْ تَحَرَّكَ سِرُّهُ- فَقَالَ: قُومُوا بِنَا إلى الجَنَّةِ، ثُمَّ صَبَرَ قَلِيْلًا، ثُمَّ قَالَ: أَوْ إِلَى النَّارِ، أَوْ يَعْفُوَ اللهُ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ من أَهْلِ المَجْلِسِ: هَبْكَ أَنْتَ - رَضِيَ اللهُ عَنْكَ - مُسْتَوْجِبٌ لِذلِكَ، نَحْنُ أَيْشٍ؟ فَقَالَ: دَعُوا عَنكم هَذَا، كلُّ أَهْلِ مَذْهَبٍ يَجْمَعُ اللهُ مُحْسِنَهُم ومُسِيْئَهُم في دَارٍ وَاحِدَةٍ.

стр. 1272

وحَضَرْتُ مَجْلِسَهُ في يَوْمِ الأرْبَعَاءِ وجَلَسْتُ في (١) أَقْصَى الدَّارِ، وكانَ يَخْتِمُ مَجلِسَهُ يَقُوْلِ: لَا إِله إِلَّا اللهُ ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ الآية (٢) ويَقُوْلُ: أَسْأَلُكَ بِمَا سَأَلَكَ بِهِ عَبْدُكَ الصَّالِحِ ذُو النُّونِ إِذْ حَبَسْتَهُ في بَطْنِ الحُوْتِ، ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ فقُلْتَ -وَقَوْلُكَ الحَقُّ-: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ اللَّهُمَّ فاستَجِبْ [لَنَا كَمَا استَجَبْتَ لَهُ، ونَجِّنَا كَمَا نَجَّيْتَهُ، وخَلِّصْنَا كَمَا خَلَّصْتَهُ بِرَحْمَتِكَ] (٣). إِنَّكَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِيْنَ، ثُمَّ يَقُوْلُ في إِثْرِ ذلِكَ: يَارَبِّ -عَشْرَ مَرَّاتٍ- فَكَان كُلَّمَا قَالَ يَاربِّ قُلْتُ أَنَا في نَفْسِي، يَارَبِّ أَوْسِعْ عَلَيَّ، واصنَعْ لِي، وفَرِّجْ عَنِّي مِرَارًا، فَإِذَا هو قَدْ أَنْصَتَ (٤) إِلَى السَّمَاءِ ساعةً، وهو يقولُ: هَا هَا، كالمُسْتَمِعِ مَا يُقَالُ لَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ نَحْوِي فَقَالَ: وَيْحَكَ، مَا تَسْتَحِي؟ الجَبَّارُ قَدْ أَقْبَلَ عَلَيْكَ لِتَسْأَلَهُ الجَنَّةَ، فيُعْطِيْكَ فَيُغْنِيْكَ، وأَنْتَ تَسأَلَهُ الدُّنْيَا فَتَقوْلُ: أَوْسِعْ عَلَيَّ، واصنَعْ لِي؟ سَلْهُ وَيْحَكَ الجَنَّةَ لِيُعطِيَكَ فيُغْنِيَكَ، فَبَقِيْتُ كالخَجِلِ، إِذْ لَمْ يَطِّلِعْ عَلَى سِرِّي إلَّا الله (٥)، فَسَأَلْتُ اللهَ الجَنَّةَ كَمَا أَمَرَنِي. قَالَ: وكُنْتُ يَوْمًا وَاقِفًا بينَ يَدَيْهِ بَعدَ العَصْرِ، وكانَ يومَ الثُّلَاثَاءِ،

стр. 1273

وبيَدِي جُزْءٌ من "مَسَائِلِ صَالِح" لأقرأَهُ عَلَيْه، فَنَظَرْتُ إلى وَجْه يُضِيءُ كالقَمَرِ فَقُلْتُ في نَفْسِي: غَدًا المَجْلِسُ، واحْسِبُ أَنَّ أُسْتَاذَنَا قَدْ حَلَقَ رَأَسَهُ، وأُسْخِنَ لَه المَاءُ، فاغْتَسَلَ وتَنَظَّفَ، فلذلِكَ وَجْهُهُ قَدْ أضَاءَ، فَلمَّا أَسْرَرْتُ ذلِكَ في نَفْسِي، قَالَ: أَيْشٍ هَذَا الأدَبُ؟ وبَادَرَ فَكَشَفَ رَأْسَهُ، فَإِذَا هُوَ لَمْ يَحْلِقْ، ثُمَّ قَالَ: أَحْسِنُو الظَّنَّ، واحْفَظُوا أَسْرَارَكُمْ، فَخَجِلْتُ إِذْ كَاشَفَهُ اللهُ بأَمْرِي (١). قَالَ: وسَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ لله (٢) عِبَادًا سَمَتْ هِمَهُهُمْ عَلَى هِمَممِ الخَلْقِ، فاستُطْلِعُوا عَلَى مَا في ضَمَائِرِهِمْ (٣). قَالَ: وسَمِعْتُهُ يَقُولُ: [إِنَّ الَّذِيْنَ] (٤) اتَزَرُوا مآزَرَ الحَذَرَ أَقَامُوا على نُفُوسِهِم سَوْطَ الغَضَبِ، واتَّبَعُوا الكَلَالَ، وحَثُّوا الجدَّ بالارتحَالِ، فعِنْدَ هَؤلَاءِ تُحَطُّ الرِّحَالُ، إلَّا بِقُرْبِ ذِي الجَلَالِ والإكْرَامِ. قَالَ: وحَضَرْتُ مَجْلِسَهُ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ، وقَدْ جَاءَ رَجُلٌ صَارِخٌ

стр. 1274

مُسْتَغِيْثٌ، فَوُسِّعَ لَهُ، فَدَخَلَ إِليه، وهو صارخٌ، ويَدُهُ على رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: مَالَكَ؟ فَقَالَ: يَدِي، يُرِيدُوْنَ أَنْ يَقْطَعُوْهَا؛ لأنَّ الآكَلَةَ قد أَكَلَتهَا، قَدْ أَيْأَسُوْنِي الأَطِبَّاءُ الطِّبَّ (١)، وقَالُوا لَيْسَ غَيْرَ قَطْعِهَا، فَرَفَعَ الشَّيْخُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وقَالَ: إِلهِي إِنَّ عَبِيْدَكَ قَدْ أَيْأَسُوا عَبْدَكَ، فَلَا تُؤْيِّسُهُ أَنْتَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: تَقَدَّمْ، فَتَقَدَّمْ؛ فَقَرَأْ عَلَيْهِ، فَلَمَّا كَانَ في المَجْلِسِ الآخَرِ حَضَرَ، ويَدُهُ في عَافِيَةٍ والحَمْدُ لله. قَالَ: وسَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ البَرْبَهَارِيَّ في مَسْجِدِهِ في دَرْبِ الرَّواشِيْنَ -وَقَدْ ذَكَرَ أَبَا الحَسَنِ بنَ بَشَّارٍ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَذَكَرَ مِنْ فَضْلِهِ، وَمَا هَيَّأَهُ اللّهُ لَهُ، فَقَالَ البَرْبَهَارِيُّ: إِذَا كَانَ أُوَيْسٌ القَرَنِيُّ يَدْخُلُ في شَفَاعَتِهِ مثلُ رَبِيْعَةَ ومضُرَ، فَكَمْ يَدْخُلُ في شَفَاعَةِ أَبِي الحَسَنِ بنِ بَشَّارٍ، قَالَ أَحْمَدُ البَرْمَكِيُّ: صَدَقَ البَرْبَهَارِيُّ؛ لأنَّ أَوْيَسًا كَانَ مِنَ الأَبْدَالِ، وأَبَا الحَسَنِ كَانَ من المُسْتَخْلِفَيْنَ، والمُسْتَخْلَفُ أَجَلُّ مِنَ البَدَلِ، وأَفْضَلَ عِنْدَ الله؛ لأنَّ المُسْتَخْلَفَ في الأرْضِ مَقَامُهُ مَقَامَ النَّبِيِّين ﵈؛ لأنَّه يَدْعُو الخَلْقَ إِلَى اللهِ تَعَالَى. فَبَرَكَتُهُ عَائِدةٌ عَلَيْهِ وعَلَى كَافَّةَ الخَلْقِ، وبَرَكَةُ البَدَلِ عائدةٌ عَلَى نَفْسِهِ (٢). قَالَ أَحْمَدُ البَرْمَكِيُّ: وسَمِعْتُ ابنَ بَشَّارٍ يَقُوْلُ: إِنْ كَانَ لابُدَّ من

стр. 1275

الأكْلِ والنَّوْمِ فَنُم نَوْمَ الوَسْنَانِ، وكُلْ أَكْلَ المُبَرسَمِ (١). قَالَ: وسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَا يَنْبَغِي لِمَنْ عَصَا اللهَ أَنْ يَسْتكثِرَ نِقَمَ اللهِ. قَالَ: وسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ -وَذَكَرَ الأوْلِيَاءَ- فَقَالَ: سَقَاهُمْ بِكَأْسِ الوِدَادِ، ونَشَرَ أَعْلَامَهُمْ في البِلَادِ. قَالَ: وقِيْلَ لَهُ: كَيْفَ الطَّرِيْقُ إِلَى اللهِ؟ فَقَالَ: كَمَا عَصَيْتَ اللهَ سرًّا تُطِيْعُهُ سِرًّا، حَتَّى تَدْخُلَ إلى قَلْبِكَ طَرَائِفُ البِرِّ. ودَخَلَ أَبُو مُحَمَّدِ بنِ أَخِيْ مَعْرُوْفٍ الكَرْخِيِّ على ابنِ بَشَّارٍ، وعليه جُبَّةُ صُوْفٍ فَقَالَ لَهُ ابنُ بَشَّارٍ، يَا أَبَا مُحمَّدٍ، صَوَّفْتَ قَلْبَكَ أَوْ جِسْمَكَ؟ صَوِّفْ قَلْبَكَ والْبَسْ القُوْهِيَّ عَلَى القُوْهِيِّ (٢). وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ النَّجَّادُ: سَمِعْتُ أَبَا الحَسَنِ بنَ بَشَّارٍ يَقُوْلُ: مَا أَعِيْبُ عَلَى رَجُلٍ يَحْفَظُ لأحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ خَمْسَ مَسَائِلٍ أَنْ يَسْتَنِدَ إِلَى بَعْضِ سَوَارِي المَسْجِدَ ويُفْتِي النَّاسَ بِهَا. وتُوفِّيَ لِسَبْعٍ خَلَوْنَ من شَهْرِ رَبِيع الأوَّلَ، سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وثَلاثمائة، ودُفِنَ بالعَقَبَةِ قَرِيْبًا من النَّجْمِيِّ، وقَبْرُهُ الآنَ ظَاهِرٌ يَتَبَرَّكُ النَّاسُ بِزِيَارَتِهِ (٣).

стр. 1276

(بابُ المِيم من الطَّبقة الثَّانية) ٦٠٠ - مُحَمَّد بنُ أحْمَد (١) بنِ الحَسَنِ بنِ إِسْحَاقَ بنِ إِبْرَاهِيْمَ بنِ عَبْدِ اللهِ، أَبُو عَلِيٍّ المَعْرُوْفُ بـ"ابن الصَّوَّافِ". سَمِعَ إِسْحَاقَ بنَ الحَسَنِ (٢) الحَرْبِيَّ، وبِشرَ بن موْسى (٣) الأسَدِيَّ، وأَبَا إِسْمَاعِيْلَ التِّرْمِذِيَّ، وعَبْدَ اللهِ بنَ إِمَامِنَا أَحْمَدَ في آخَرِيْنَ. رَوَى عَنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وأَبُو الحَسَنِ بنُ رِزقُوْيَهْ، وأَبُو الحَسَنِ بنُ بِشْرَانَ، ومُحَمَّدُ بنُ أَبِي الفَوَارِسِ وغَيْرُهُمْ. أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ الخَطِيْبُ -قِرَاءَةً- قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ أَحْمَدَ بنِ أَبِي الفَوَارِس يَقُولُ: سَمِعْتُ الدَّارقِطْنِيَّ يَقُولُ: مَا رَأَتْ عَيْنَايَ مِثْلَ أَبِي عَلِيِّ بنِ الصَّوافِ ورَجُلٍ آخرَ لَمْ يُسَمِّهِ أَبُو الفَتح. وبِهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ البَرْقَانِيَّ (٤) يَقُوْلُ: تُوفِيَ ابنُ الصَّوَّافِ في سَنَةِ تِسْعٍ وخَمْسِيْنَ وثَلَاثمائة.

стр. 1277

وبِهِ قَالَ ابنُ أَبِي الفَوَارِسِ: تُوفِّيَ ابنُ الصَّوَّافِ لِثَلَاثٍ خَلَوْنَ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ تِسْعٍ وخَمْسِيْنَ وثَلَاثمائة، ولَهُ يومَ مَاتَ تِسْعٌ وثَمَانُون سَنَةً؛ لأنَّ مَوْلدَهُ في شَعْبَانَ سَنَةَ سَبْعِيْنَ ومَائَتينِ، وكانَ ثِقَةٌ، مَأْمُوْنًا، مِنْ أَهْلِ التَّحَرُّزِ، مَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ في التَّحَرُّزِ. ٦٠١ - مُحَمَّد بنُ أحْمَدَ (١) بنِ صَالِحِ بنِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، يُكْنَى أَبَا جَعْفَرٍ. حَدَّثَ عَنْ عَمِّ أَبِيْه عَبْدِ الله بنِ أَحْمَدَ، وعن أَبيْهِ أَحْمَدَ بنِ صَالِحٍ، وعن عَمِّه زهُيْرِ بنِ صَالِحٍ، وعَنْ إِبْرَاهِيْمَ بنِ خَالدٍ الهِسَنْجَانِيِّ (٢) وعُمَيْرِ بنِ مِرْدَاسٍ الدُّوْنَقِيِّ (٣)، وإِبْرَاهِيْمَ بنِ سَعْدَان الأصْبَهَانِيِّ في آخرِيْنَ.

стр. 1278

رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ؛ منهم: أَبُو القَاسِم عَبْدُ اللهِ بنُ إِبْراهيم الآبَنْدُوْنِيُّ (١)، ومُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ الوَرَّاقُ، والدَّارقُطْنِيُّ: سَمِعَ إِمْلَاءَهُ في مَجْلِسِ أَبِي مُحَمَّدٍ البَرْبَهَارِيِّ. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ المُؤَرِّخُ، حَدَّثَنَا أَبُو القَاسِمِ الأزْهَرِيُّ، [حَدَّثَنَا أَبُو الحَسَنِ الدَّارقُطْنِيّ، حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ صَالِحِ بنِ أَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ] (٢) -إِمْلَاءً في مَجْلِسِ البَرْبَهَارِيِّ- حَدَّثَنَا أَبِي أَحْمَدَ بنُ صَالِحٍ (٣)، حَدَّثَنَا جَدِّي أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ، عن مالِكِ بنِ أنَسٍ، عن سُفْيَان الثَّوْرِيِّ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ (٤):

стр. 1279

"كُنْتُ أَغْتَسِلُ أنَا ورَسُوْلُ الله ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ". قَرَأْتُ في كِتَابِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ صَالِحِ بنِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي عَمِّي زُهَيْرُ بنُ صَالِحٍ، قَالَ: قَرَأَ (١) عَلَيَّ أَبي صَالِحُ ابنُ أَحْمَدَ هَذَا الكِتَابَ وقَالَ: هَذَا كِتَابٌ عَمِلَهُ أَبي ﵁ في مَجْلِسِهِ، رَدًّا عَلَى من احتَجَّ بِظَاهِرِ القُرْآنِ، وَتَرَكَ مَا فَسَّرَهُ رَسُوْلُ الله ﷺ ودَلَّ عَلَى مَعْنَاهُ، ومَا يَلْزَم من اتبَاعه ﷺ وأَصْحَابِه رَحْمَةُ الله عليهم. قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: إِنَّ الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ بَعَثَ مُحَمَّدًا نَبِيَّهُ ﷺ ﴿بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (٢) وأَنْزَلَ عَلَيه كِتَابَهُ الهُدَى والنُّورَ لِمَن اتَّبَعَهُ، وجَعَلَ رَسُوْلَهُ ﷺ الدَّالَّ علَى مَعَنَى مَا أرَادَ مِنْ ظَاهِرِهِ وباطنه (٣)، وخَاصِّه وعامِّهِ، ونَاسِخِهِ ومَنْسُوْخِهِ، ومَا قَصَدَ لَهُ الكِتَابِ. فَكَانَ رَسُوْلُ الله ﷺ هو المُعَبِّرُ عن كِتَابِ الله، الدَّالُ على مَعَانِيْهِ، شَاهَدَهُ في ذلِكَ أَصْحَابه، من ارتَضَاهُ الله لِنَبِيِّهِ واصْطَفَاهُ لَهُ، ونَقَلُوا ذلِكَ عَنْهُ، فَكَانُوا هُمْ أَعْلَمُ النَّاسِ بِرَسُوْلِ الله ﷺ ، وبِمَا أَخْبَرَ عن مَعْنَى مَا أَرَاد (٤) اللهُ مِنْ ذلِكَ بمُشَاهَدَتِهِمْ مَا قَصَدَ لَهُ الكِتَاب، فَكَانُوا هُمُ المُعبِّرِيْنَ عن ذلِكَ بعْدَ رَسُوْلِ الله ﷺ ، وقَالَ جَابِرُ بنُ عَبدِ اللهِ: "ورَسُوْلُ الله ﷺ بينَ أَظْهُرِنَا عَلَيْهِ

стр. 1280

ينْزِلُ القُرْآن وهو يَعْرِفُ تَأْوِيْلَهُ، وَمَا عَمِلَ به مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا" فَقَالَ قَوْمٌ: بل نَسْتَعْمِلُ الظَّاهِرُ، وتَرَكُوا الاسْتِدْلَالَ بِرَسُوْلِ الله ﷺ ، ولم يَقْبَلُوا أَخْبَارَ أَصْحَابِهِ، وقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ للخَوَارِج: "أَتَيْتُكُم مِن عَنْدِ أَصْحَابِ رَسُوْلِ الله ﷺ المُهَاجِرِيْنَ والأنْصَارِ، ومن عِنْدَ ابنِ عَمِّ رَسُوْلِ الله ﷺ وصِهْرِهِ، وعَلَيْهِمْ نزَلَ القْرْآنُ، وهُمْ أَعْلَمُ بِتَأْوِيْلِهِ مِنْكُمْ، ولَيْسَ فِيْكُمْ مِنْهُم أَحَدٌ" وذَكَرَ تَمَامَ الكِتَابِ بطُوْلِهِ. وقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا عَمِّي عبدُ اللهِ بنِ أَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ قَالَ: قَالَ أَبِي: رَأَيْتُ البَارِحَةَ في النَّوْم عليَّ بنَ عَاصِمٍ فَأَوَّلتُ ذَلِكَ؛ عَلَيًّا عُلُوًّا، وعَاصِمٌ عِصْمَةُ اللهِ. وقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بنُ مَعْبَدٍ الأصْبَهَانِيُّ، وأَبُو يَعْقُوْبَ إِسْحاقُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ الأصْبَهَانِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ إِدْرِيْسَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَفْصٍ عَمْرُو بنُ عَلِيٍّ الفَلَّاسُ، قَالَ: شَكَوْتُ إِلَى أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيْلِ رَجُلًا، فَقُلْتُ: إِذَا أَنَا كَلَّمْتُهُ أَثِمْتُ، وإِذَا تَرَكْتُهُ استَرَحْتُ، فأَنْشَدَنِي أَبُو عَاصِمٍ (١): وَفِي الأرْضِ مَنْجَاةٌ وفي الصَّوْمِ رَاحَةٌ … وَفِي النَّاسِ أَبْدَالٌ سِوَاكَ كَثيْرُ (٢) ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَتْنِي زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي طُلَيْقٍ أُمُّ الحُصَيْنِ العَابِسيَّةُ (٣)، قَالَتْ: حَدَّثَتْنِي الصَّحِيْحَةُ، قَالَتْ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ رحمها الله (٤): إِنَّه في جِيْرَانِي

стр. 1281

قَوْمٌ يُكْرِمُوْنِي، وليَ قَرَابَاتٌ يُهِيْنُوْنِي، فَقَالَتْ: أَكْرِمْي مَنْ أَكْرِمَكِ، وأَهِيْنِيْ مَنْ أَهَانَكِ. أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ المُصَنِّفُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بنُ أَبِي الفَتْحِ، عَنْ طَلْحَةَ بن مُحَمَّدِ بنِ جَعْفَرٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بنَ أَحْمَدَ بن صَالِحٍ بن أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثِيْنَ وَثَلَاثُمَائَة، ﵏ (١). ٦٠٢ - مُحَمَّد بنُ حَمْدَان (٢) بنِ حَمَّادٍ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْدَلَانِيُّ، سَمِعَ أَبَا بَكْرٍ المَرُّوْذِيَّ، وأَبَا الأشْعَثِ أحْمَدَ بنَ المِقْدَامِ العِجْلِيَّ، وفَضْلَ بنَ يَعْقُوْبَ الرُّخَامِيَّ (٣)، وعَبدَ اللهِ بنَ رَوْحٍ المَدَائِنِيَّ.

стр. 1282

رَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بنُ خَلَفِ بن جَيَّانَ الخَلَّالُ، ومُحَمَّدُ بنُ المُظَفَّرِ، وأَبُو القَاسمِ بنُ النَّحَّاسِ المُقْرِيُّ، وأَبُو عُمَرَ بن حَيُّويَهْ. وَذَكَرَهُ ابنُ ثَابِتٍ في كتابِهِ فَقَالَ: كانَ ثِقَةً يَتَفَقَّهُ (١) عَلَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ. أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ المُؤَرِّخُ قِرَاءَةً، أَخْبَرَنِي أَبُو القَاسم الأزْهرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ العَبَّاسِ الخَزَّازُ، حَدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ حَمْدَانَ بنِ حَمَّادٍ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْدَلَانِيُّ، حَدَّثنا أَبُو الأشْعَثِ أَحْمَدُ بنُ المِقْدَامِ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بنُ عِيَاضٍ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بنُ السَّائِبِ، عن سَعِيْدٍ بن جُبَيْرٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧)﴾ (٢) قَالَ: يَعْلَمُ مَا تُسِرُّ في نَفْسِكَ، ويَعْلَمُ مَا تَعْمَلُ غَدًا. وبِهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا البَرْقَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ خَلَف بنِ حِبَّان الخَلَّالُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ، مُحَمَّدُ بن حَمْدَانَ الصَّيْدَلانِيُّ حَنْبَلِيٌّ، ثَقَةٌ. قَرَأَتُ في كِتَابِ الخَطِيْبِ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ عُمَرَ بنِ بُكَيْرٍ، أَخْبَرَنَا إسْمَاعِيْلُ بنُ عَلِيٍّ الفَحَّامُ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الصَّيْدَلَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر المَرُّوْذِيُّ، حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بنُ شَبيْبٍ الآجُرِّيُّ، وكَانَ هَذَا مِنَ النُّسَّاكِ المَذْكُوْرِيْنَ -حَدَّثَنَا أَبُو حَمْزَةَ الأسَلِيُّ بِطَرَسُوْسَ، حَدَّثَنَا وَكِيْعٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْرَائِيْلَ، عن أَبِي إسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ خَلَيْفَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله

стр. 1283

ﷺ : "الكُرْسِيُّ الَّذِيْ يَجْلِسُ عليه الرَّبُّ [ ] (١) مَا يَفْضُلُ مِنْهُ إلَّا قَدْرَ أَرْبعَ أَصَابعَ، وإِنْ لَهُ أَطِيْطًا كَأَطِيْطِ الرَّحْلِ الجَدِيْدِ" قَالَ أَبُو بَكْرٍ المَرُّوْذِيُّ: قَالَ لِي عليُّ بن شَبِيْبٍ، قَالَ لِي أَبُو بَكْرِ بنِ أَبِي مُسْلِمٍ العَابِدُ -حِيْنَ قَدِمْنَا إِلَى بَغْدَاد- أَخْرَجَ ذَاكَ الحَدِيْثَ الَّذِي كَتَبْنَاهُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، فَكَتبَهُ أَبُو بَكْرِ ابنُ مُسْلِمٍ بِخَطِّهِ، وسَمِعْنَاهُ جَمِيْعًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي مُسْلِمٍ: إِنَّ المَوْضِعَ الَّذِي يَفْضُلُ لمُحَمَّدٍ ﷺ ليُجْلِسَهُ عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْدَلَانِيُّ: مَنْ رَدَّ هَذَا فَإِنَّمَا أَرَادَ الطَّعْنَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ المَرُّوْذِيِّ، وعَلى أَبِي بَكْرِ بنِ أَبي مُسْلِمٍ العَابِدِ. قَرَأْتُ في كِتَابِ الوَالِدِ السَّعَيْدِ أَنَّه مَاتَ سَنَةِ عَشْرِيْنَ وثَلَاثمِائَةَ. ٦٠٣ - مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ (٢) بنِ أَبِي هَاشِمٍ، أَبُو عُمَرَ اللُّغَوِيُّ الزَّاهِدُ

стр. 1284

المَعْرُوْفُ بـ"غُلَامِ ثَعْلَبٍ"، سَمِعَ إِبْرَاهِيْمَ الحَرْبِيَّ، وأَحمدَ بنَ عُبَيْدِ اللهِ النَّرْسِيَّ، ومُوْسَى بنَ (١) سَهْلٍ الوَشَّاءَ في آخَرِيْنَ، رَوى عَنْهُ أَبُو الحَسَنِ بنُ رِزْقُوْيَهْ، وأَبُو الحَسَنِ بنُ بِشْرَانِ، وأَبُو عَلِيِّ بنُ شَاذَانَ وغَيْرُهُم. أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ البَغْدَادِيُّ -قِرَاءَةً- أَخْبَرَنَا عبدُ الصَّمَدِ بنِ محمَّدِ الخَطِيْبُ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ الحُسَيْن الهَمَذَانِيُّ الفَقِيْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الحَسَنِ بنَ المَرْزُبَان (٢) يَقُولُ: كَانَ ابنُ مَاسِي (٣) من دَارِ كَعْبٍ يُنفِذُ إلى أَبي عُمَر غلام (٤) ثَعْلَبٍ وَقْتًا بعدَ وَقْتٍ كِفَايَتَهُ لِمَا يُنْفِقُ لِنَفْسِهِ، فَقَطَعَ عَنْهُ ذلِكَ مُدَّةً لِعُذْرٍ، ثُمَّ أَنْفَذَ إِلَيْهِ بَعْدَ ذلِكَ جُمْلةَ مَا كَانَ في رَسْمِهِ، وكَتَبَ إِلَيْهِ

стр. 1285

رِقْعَةً يَعْتَذِرُ إِلَيْهِ مِنْ تأَخُّر ذلِكَ عَنْهُ فَرَدَّهُ، وأَمَرَ مَن بَيْنَ يَدَيْه أَنْ يَكْتُبَ عَلَى ظَهْرِ رِقْعَتِهِ: أَكْرَمْتَنَا فَمَلَكْتَنَا، ثُمَّ أَعْرَضْتَ عَنَّا فأَرَحْتَنَا (١). أَخْبَرنَا أَبُو بَكْرٍ البَغْدَادِيُّ، أَخْبَرَنِي عَبَّاسُ (٢) بنُ عُمَرَ الكَلْوَذَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُمَرَ مُحَمَّدَ بنَ عَبْدِ الوَاحِدِ الزَّاهِدَ غُلَامَ ثَعْلَبٍ يَقُوْلُ: تَرْكُ قَضَاءِ حُقُوْقِ الإخْوانِ مَذَلَّةٌ، وفي قَضَاءِ حُقُوْقِهِمْ رفْعَةٌ، فاحمَدُوا الله على ذلِكَ، وسَارِعُوا إلى قَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ ومُسارِّهِم تُكَافَؤُا عَلَيْهِ. أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ نَزِيْلُ دِمَشْقَ (٣) قَالَ: سَمِعْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ يَحْكِي عَنْ أَبي عُمَرَ الزَّاهِدِ أَنَّ الأشْرَافَ والكُتَّابَ (٤) وأَهْلَ الأدَبِ كَانُوا يَحْضُرُوْنَ عِندَهُ

стр. 1286

لِيَسْمَعُوا مِنْهُ كُتُبَ ثَعْلَبٍ وغَيْرَهَا، وكانَ لَهُ "جُزْءٌ" قَدْ جَمَعَ فيه الأحَادِيْثَ الَّتِي تُرْوَى في "فضائلِ مُعَاوِيَةَ" فَكَانَ لا يَتْرُكُ (١) أحَدًا، مِنْهُم يَقْرأ عليه شَيْئًا حَتَّى يَبْدأَ بِقِرَاءَةِ ذلِكَ الجُزْءِ، ثُمَّ يَقْرَأُ بَعْدَهُ مَا قَصَدَ لَهُ. وبه (٢) حَدَّثَنَا عَليُّ بنُ أَبِي عَلِيٍّ، عَن أَبِيْهِ، قَالَ: ومِنَ الرُّوَاةِ الَّذِيْنَ لَم يُرَ قَطُّ أَحْفَظُ مِنْهُمْ: أَبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ غُلَامُ ثَعْلَبَ، أَمْلَى مِن حِفْظِهِ ثَلَاثِيْنَ أَلْفَ وَرَقَةً لُغَةً فِيْمَا بَلَغَنِي، وجَمِيع كُتُبِهِ الَّتِي في أَيْدِي النَّاسِ إِنَّمَا أَمْلَاهَا بِغَيْرِ تَصْنِيْفٍ. وَبِهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا لقَاسِمِ عَبْدَ الوَاحِدَ بنَ بَرْهَانَ الأسَدِيَّ (٣) يَقُوْلُ: لَمْ يَتكلَّمْ في عِلْمِ اللُّغَةِ أَحَدٌ مِنَ الأوَّلِيْنَ والآخِرِيْنَ أَحْسَنَ مِنْ كَلَامِ أَبِي عُمَرَ الزَّاهِدِ، قَالَ: ولَهِ كِتَابُ "غَرِيْبِ الحَدِيْثِ" صَنَّفَهُ على "مُسْنَدِ

стр. 1287

أَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ" وجَعَلَ يَسْتَحْسِنُهُ جِدًّا (١). أَنْبَأَنَا أَبُو الحُسَين بنُ النَّقُّوْرِ (٢) قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو القَاسِمِ الصَّيْدَلَانِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَر مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَلِيٍّ القَاضِي، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بنَ المُوَفَّقِ يَقُوْلُ: كَانَ لِي جَارٌ مَجُوْسِيٌّ اسمُهُ شَهْرَيَارُ، فكُنْتُ أعْرِضُ عَلَيْهِ الإسْلَامَ فَيَقُوْلُ: نَحْنُ عَلَى الحَقِّ، فَمَاتَ على المَجُوْسِيَّةِ، فَرَأَيْتُهُ في النَّوْمِ، فَقُلْتُ لَهُ مَا الخَبَرُ؟ فَقَالَ: نَحْنُ قَوْمٌ (٣) في قَعْرِ جَهَنَّمَ، قَالَ: قُلْتُ: تَحْتكمْ قَوْمٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَومٌ مِنْكُمْ، قَالَ: قُلْتُ: مِنْ أَيِّ الطَّوَائِفِ مِنَّا؟ قَالَ: الَّذِيْنَ يَقُوْلُوْنَ القُرْآنُ مَخْلُوْقٌ. أَنْبَاَنَا عَليٌّ البُنْدَارُ عن أَبي عبدِ اللهِ بنِ بَطَّةَ قَال: سَألتُ أَبَا عُمَرَ محمَّدَ ابنَ عَبدِ الوَاحِدِ، صَاحِبَ اللُّغَةِ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (٤): "ضَحِكَ رَبُّنَا

стр. 1288

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1289

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === = يا عَبْدُ كَم لَكَ مِنْ ذَنْبٍ ومَعْصِيَةٍ … إِنْ كُنْتَ نَاسِيَهَا … الأبيات ويُراجع: المنتظم (٨/ ١٣٤)، والكامل في التاريخ (٩/ ٥٤٣)، وتاريخ ابن الوردي (١/ ٣٥٠) وغيرها. فهي أخطاء لا خطأ واحدٌ؟!. (تتمَّة) لم يَذْكُرِ المُؤَلِّفُ ﵀ أَغْلَبَ تَصَانِيْفِ أبي عُمَرَ الزَّاهدِ، ومن أشهرها "المُداخَلُ" في اللُّغة، وهو مَطْبُوعٌ، و"فائت الفَصِيْحِ" وهو مَطْبُوعٌ أيضًا رسَالَةٌ صَغِيْرةٌ. وله "شرحُ الفَصِيْح" وغَيْرِهَا. وأهمُّ مؤلَّفَاتِهِ كتابه "اليَوَاقِيْتِ" نَقَلَ عنه الأزْهَرِيُّ في "تَهْذِيْبِ اللُّغَةِ" (١/ ٣٠) وَسَمَّاه "اليَاقُوتَةَ" وهو من مَصَادر الحَسَنِ بنِ مُحمَّدٍ الصَّغَانِيِّ في كتابيه "العُبابِ" (١/ ٩)، و"التَّكْمِلَةِ" ومنه نَقُوْلٌ في كثير من المصادر، وربَّما سُمَّي "الياقوتَ" و"اليَاقُوْتَةَ" ويُراجع: خزانة الأدب (١/ ٢٦، ٣٤١، ٦/ ٦٧، ٨/ ١٠٣). ويُوجد نسخ من الكتاب، ويَعْمَلُ على تحقيقه زَميلنا الدُّكتور محمد يعقوب تُركستاني في الجامعة الإسلامية بالمدينة الشَّريفة على ساكنها أفضل الصَّلاة والسَّلام، ولا أَشُكُّ أنَّ المُوْجُوْدَ مُنْتَخَبَاتٌ من الكتاب انتَخَبَهَا المُؤلِّفُ أو غيرُهُ؟! فالأصْلُ كَبِيْرٌ، وقد وَقَفْتُ على نُصُوْصٍ تَدُلُّ على ذلك فَقَد جَعَلَهُ مؤلِّفه (يَوَاقِيْتَ) لا (يَاقُوْنَة) وكلُّ ياقوتة منه ذات موضوعٍ خاصٍّ، رأيتُ من نَقَلَ عن ياقُوتة الصَّراط، وياقوتة كَذَا وكَذَا … وقد أبلغتُ صاحِبَنَا بذلك في اتصالي هاتفيٍّ، ولا أَشُكُّ أنَّه على دِرَايَةٍ بِذلك قَبْلَ وبَعْدَ الاتصال فهو من أهلِ العلمِ والفَضْلِ. قال البَغْدَادِيُّ في "الخِزَانَةِ": وله في آخر "اليواقيت": لَمَّا فَرَغْنَا مِنْ نِظَامِ الجَوْهَرَهْ اعوَرَّتِ العَيْنُ ومَاتَ الجَمْهَرَهْ وَوَقَفَ التَّصْنِيْفُ عِنْدَ القَنْطَرَهْ يعني بـ "العَيْنِ" مُعْجَمَ الخَلِيْلِ [المنسوب إليه] وبـ "الجَمْهَرَةِ" جَمْهَرَةُ ابنُ دُرَيْدٍ، وفي هذا دلالةٌ على أن الكتابَ أكبرُ منهما، أو بحجمهما على الأقل، فكيف يكون في أوراق معدودة؟!. ولأبي عُمَرَ أيضًا: "عَمَلُ اليَوْمِ واللَّيْلَةِ في اللُّغة والغريب" مطبوعٌ، وكتاب "العَسَلِ

стр. 1290

مِنْ قُنُوْطِ عِبادِهِ وقُرْبِ غَيْرِهِ" فَقَالَ: الحَدِيْثُ مَعْرُوْفٌ ورِوَايَتُهُ سُنَّةٌ، والاعتِرَاضُ بالطَّعْنِ عَلَيْهِ بِدْعَةٌ، وتَفْسِيْرُ الضَّحِكَ تَكَلُّفٌ وإِلْحَادٌ، فأَمَّا قَوْلُهُ: "وقُرْبُ غَيْرِهِ" فسُرْعَةُ رَحْمَتِهِ لَكُمْ، وتَغْيِيْرِ مَا بِكُمْ مِنْ ضُرٍّ. وتُوِفِّيَ سَنَة خَمْسٍ وأَرْبَعِيْنَ وثَلَاثِمَائَةَ في ذِي القعْدَةِ، ومَوْلدُهُ سَنَةَ إِحْدَى وسِتِّين وَمَائَتينِ. ٦٠٤ - محمدُ بنُ القَاسِمِ (١) بنِ محمَّدِ بنِ بَشَّارٍ، أَبُو بَكْرٍ بنِ الأنْبَارِيِّ

стр. 1291

النَّحْوِيُّ، كَانَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بالنَّحْوِ والأدَبِ، وأَكْثَرِهمْ حِفْظًا لَهُ. سَمِعَ مِنْ إِسْمَاعِيْلَ بنِ إِسْحَاقَ القَاضِي، وأَحْمَدَ بنِ الهَيْثَمِ بنِ خَالِدٍ البَزَّازِ، وإِبْرَاهِيمَ الحَرْبِيِّ. وكانَ صَدُوْقًا، فَاضِلًا، دَيِّنًا خَيِّرًا، مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وصَنَّفَ كُتُبًا كَثيْرَةً في عُلُوْمِ القُرْآنِ والمُشْكِلِ (١)، و"الوَقْفِ والابْتِدَاءِ"، و"الرَدِّ عَلَى مَنْ خَالَفَ مُصْحَفَ العَامَّةِ"، و"غَرِيْبِ الحَدِيْثِ" وغَيْرَ ذلِكَ. (٢)

стр. 1292

رَوَى عَنْهُ أَبُو عُمَرَ بنُ حَيُّوْيَه، والدَّارقُطْنِيُّ، وابنُ سُوَيْدٍ، وأَبُو عَبْدِ اللهِ ابنُ بَطَّةَ، وكتِبَ عَنْهُ وَوَالِدُه (١) حَيٌّ، وكَانَ يُمْلِي في نَاحِيَةِ المَسْجِدِ، وَوالدُهُ في نَاحِيَةٍ أُخْرَى (٢)، قَرَأَتُ عَلَى المُبَارِكِ قُلْتُ لَهُ: أخبرك (٣) إبْرَاهِيْمُ الفَقِيْهُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الله بنُ بَطَّةَ، قَالَ: سُئِلَ أَبُو بَكْرِ بنِ الأنْبَارِيِّ، عَن الاسْتِثْنَاءِ في الإيْمَانِ؟ فَقَالَ: نَحْنُ نَسْتَثْنِي فَنَقُوْلُ: نَحْنُ مُؤْمِنُوْنَ إِنْ شَاءَ اللهُ، فَرَاجَعَهُ السَّائِلُ في ذلِكَ وعَلَّلَ عليه الجَوَابُ، فَأَجَابَهُ أَبُو بَكْرٍ، وتَرَاجَعَا في الكَلَامِ، فَقَالَ لهُ أَبُو بَكْرِ بنِ الأنْبَارِيِّ: هَذَا مَذْهَبُ إِمَامِنَا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ ﵀، قَالَ ابنُ بَطَّةَ: فَرَأَيْتُ الخُرَاسَانِيَّ (٤) انْصَرَفَ وهو يَقُوْلُ: اسْتَعْدَى (٥) الشَّيْخُ. قَالَ البَرْمَكِيُّ: وسَمِعْتُ هَذِهِ الحِكَايَةَ من أَبِي أَحْمَدَ السَّرَّاجِ النَّحْوِيِّ (٦) أَيْضا. وذَكَرَ أَنَّه سَمِعَهَا من ابنِ الأنْبَارِيِّ.

стр. 1293

قَرَأْتُ في كِتَابِ الخَطِيْبِ بإِسْنَادِهِ قَالَ: قال: أَبُو عَليٍّ (١) إِسْمَاعِيْلُ ابنُ القَاسِمِ القَالِي، كَانَ أَبُو بَكْرِ بنِ الأنْبَارِيُّ يَحْفَظُ فِيْمَا ذُكِرَ ثَلَاثَمَائَة أَلْفَ بَيْتٍ شَاهِدٍ في القُرْآن. وقَالَ حَمْزَةُ بنُ طَاهِرٍ الدَّقَّاقُ: كانَ أَبُو بَكْرِ بنِ الأنْبَارِيِّ يُمْلِي (٢) كُتُبَهُ المُصَنَّفَةَ ومَجَالِسَهُ المُشْتَمَلَةَ على الحَدِيْثِ والأخْبَارِ والتَّفَاسِيْرِ والأشْعَارِ كلُّ ذلِكَ مِنْ حِفْظِهِ. قَالَ حَمْزَةُ: وحَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي: أَنَّ أَبَا بَكْرِ بنِ الأنْبَارِيِّ مَرِضَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَصْحَاُبهُ يَعُوْدُوْنَهُ فَرَأَوا من انْزِعَاجِ ابْنِهِ وقَلَقِهِ عَلَيْهِ أَمْرًا عَظِيْمًا، فَطَيَّبُوا نَفْسَهُ وَرَجَوْهُ عَافِيَةَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُمْ: كَيْفَ لَا أَقْلَقُ وأَنْزَعِجُ لَعلَّةِ مَنْ يَحْفَظُ جَمِيع مَا تَرَوْنَ، وأَشَارَ لَهُمْ إلى حِيْرِيٍّ (٣) مَمْلُوْءًا كُتُبًا. وقَالَ مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ التَّمِيْميُّ النَّحْوِيُّ (٤): قَالَ أَبُو الحَسَنِ العَرُوْضِيُّ (٥): اجتَمَعْتُ أَنَا وأَبُو بَكْرِ بنِ الأنْبَارِيِّ عِنْدَ الرِّاضِي (٦)

стр. 1294

عَلَى الطَّعَامِ. وَكَانَ قَدْ عَرَفَ الطَّباخُ مَا يَأكلُ أَبُو بَكْرٍ فَكَانَ يُسَوِّي له قَلِيَّةً يَابِسَةً، قَالَ: فأكَلْنَا نَحْنُ مِنْ أَلْوَانِ الطَّعَامِ وأَطَايِبِهِ، وهو يُعَالِجُ تِلْكَ القَلِيَّةِ، ثُمَّ فَرَغْنَا وأَتَيْنَا بِحَلْوَاءَ فَلَمْ يَأكلُ مِنْهَا شَيْئًا، وقَامَ وقُمْنَا إِلَى الخَيْشِ، فنام بين الخيشين، ونمْنَا نَحْنُ في خَيْش يُنَافَسُ فيه (١)، ولَمْ يَشْرَبْ مَاءً إلى العَصْرِ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ العَصْرِ قَالَ للغُلَامِ: الوَظِيْفَةَ، فَجَاءَهُ بِمَاءٍ مِنَ الحُبِّ (٢)، وتَرَكَ المَاءَ المُزَمَّلَ بالثَّلْجِ، فَغَاظَنِي أَمرُهُ، فَصِحْتُ صَيْحَةً، فَأَمَرَ أَمْيِرُ المُؤْمِنِيْنَ بإِحْضَارِي. وَقَالَ: مَا قَصَّتكَ؟ فَأَخْبَرْتُهُ. وقُلْتُ: هَذَا يَا أَمِيْرَ المؤْمِنِيْنَ يَحْتَاجَ أَنْ يُحَالَ بَيْنَهُ وبَيْنَ تَدْبِيْرِ نَفْسِهِ؛ لأنَّه يَقْتُلُهَا، لا يُحْسِنُ عِشْرَتَهَا، قَالَ: فَضَحَكَ، وقَالَ لَهُ: في هَذَا لَذَّةٌ، وقَدْ جَرَتْ بِهِ العَادَةُ فَصَارَ إِلْفًا، فَلَنْ يَضُرَّهُ، ثُمَّ قُلْتُ: يا أَبَا بَكْرٍ، لِمَ تَفْعَلُ هَذَا بِنَفْسِكِ؟ فَقُلْتُ: أُبْقَي عَلَى حِفْظِيْ، فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ في حِفْظِكَ، فَكَمْ تَحْفَظُ؟ قَالَ: أَحْفَظُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ صُنْدُوْقًا

стр. 1295

وَقَالَ محمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ التَّمِيْميُّ النَّحْوِيُّ: وَهَذَا مَا لَا يُحْفَظُ لأحَدٍ قَبْلَهُ ولَا بَعْدَهُ، وكَانَ أَحْفَظَ النَّاسِ لِلُغَةٍ، وَنَحْوٍ، وشِعْرٍ، وتَفْسِيْرٍ، وقُرْآنٍ، فَحُدِّثْتُ أَنَّه كَانَ يَحفَظُ عِشْرِيْنَ ومَائَةَ تَفْسِيْرٍ من تَفَاسِيْرْ القُرْآنِ بِأسَانِيْدِهَا (١). وَقَالَ لنا أُبُو العَبَّاسِ بنُ يُوْنُسَ: كَانَ آيةً من آياتِ الله في الحِفْظِ. وَقَالَ لنَا أبو الحسن (٢) العَرُوْضِيُّ: كَانَ يَتَرَدَّدُ ابنُ الأنْبَارِيِّ إِلَى أَوْلَادِ الرَّاضِي، فَكَانَ يَوْمًا منَ الأيَّامٍ، وقَدْ سَألتُهُ جارية عن شَيْءٍ مِنْ تَفْسِيْرِ الرُّؤْيَا؟ فَقَالَ: أَنَا حَاقِنٌ، ثُمَّ مَضَى، فَلَمَّا كَانَ مِنْ غَدٍ عَادَ، وَقَدْ صَارَ مُعَبِّرًا للرُّؤْيَا، وذَاكَ أّنَّه مَضَى مِنْ يَوْمِهِ، وَقَدْ دَرَسَ كِتَابَ الكَرْمَانِيِّ وَجَاءَ. قَالَ: وكانَ ابنُ الأنْبَارِيِّ يَأْخُذُ الرُّطَبَ يَشُمُّهُ، ويَقُوْلُ: أَمَا إِنَّكَ لَطَيِّبٌ، وَكَانَ أَطْيَبُ مِنْكَ حِفْظَ مَا وَهَبَ اللهُ لِي مِنَ العِلْمِ. قَالَ مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ: وَمَاتَ ابنُ الأنْبَارِيِّ وَلَمْ نَجِدْ مِن تَصْنِيْفِهِ إلَّا شَيْئًا يَسِيْرًا، وذَاكَ أَنَّه كَانَ يُمْلِي مِنْ حِفْظِهِ. وَقَدْ أَمْلَى كِتَابَ "غَرِيْبِ الحَدِيْثِ"، قَيْلَ: إِنَّه خَمْسٌ وأَرْبَعُوْنَ أَلْفَ وَرَقَةٍ، وَكِتَابَ "شَرْحِ الكَافِي" وهو نَحْو أَلْفِ وَرَقَةٍ، وكِتَابَ "الهَاءَات" وهو نَحْوَ أَلْفِ وَرَقَةٍ، وكِتَابَ "الأضْدَادِ" وَمَا رَأَيْتُ أَكْبَرَ مِنْهُ، وكِتَابَ "المُشْكِل" أَمْلَاهُ، وبَلَغَ إلى سُوْرَةِ طَهِ ومَا أَتَمَّهُ. و"الجَاهِلَيَّاتِ" تِسْعُمَائة وَرَقَةٍ، و"المُذَكَّرَ والمُؤنَّثَ" مَا عَمَلَ أَحَدٌ أَتمَّ مِنْهُ، وعَمِلَ رِسَالَةَ "المُشْكِلِ" رَدًّا عَلَى ابنِ قُتَيْبَةَ وأَبِي حَاتِمٍ وتَقَصَّا لِقَوْلهمَا.

стр. 1296

وحُدِّثْتُ عَنْهُ: أَنَّه مَضَى يَوْمًا إِلَى النَّخَّاسِيْن وجَارِيَةٌ تُعْرَضُ، حَسَنَةٌ كَامِلَةُ الوَصْفِ، قَالَ: فَوَقَعْتْ في قَلْبِي، ثُمَّ مَضَيْتُ إلى دَارِ أَمِيْرِ المُؤمِنِيْنَ الرَّاضِيْ، فَقَالَ لِيَ: أَيْنَ كُنْتَ إلى السَّاعَةِ؟ فَعَرِّفتُهُ، فَأَمَر بَعْضَ أَسْبَابِهِ فَمَضَى فاشْتَرَاهَا، وحَمَلَهَا إِلَى مَنْزِلي، فَجئْتُ فوَجَدْتُهَا، فَعَلَمْتُ الأمْرَ كَيْفَ جَرَى، فَقُلْتُ لَهَا: كُوْنِي فَوْقَ إِلَى أَنْ أَسْتبرِئَكِ، وكُنْتُ أَطْلُبُ مَسْألةً قَدْ اختَلَتْ عَلَيَّ، فاشْتَغَلَ قَلْبِي عن عِلْمِي فقلتُ للخَادِمِ: خُذْهَا امضِ (١) بِهَا إلَى النَّخَاسِيْنَ، فَلَيْسَ قَدَرُهَا أَنْ يَشْتَغِلَ بِهَا قَلْبِي عَنْ عِلْمِيْ، فَأَخَذَهَا الغُلَامُ، فَقَالَتْ: دَعْنِيْ أُكَلِّمُهُ بِحَرْفَيْنِ، فَقَالَتْ: أَنْتَ رَجُلٌ لَكَ مَحَلٌّ وعَقْلٌ، فَإِذَا أَخْرَجْتَنِي ولَمْ تُبَيِّنْ لِيْ ذَنْبِي لَمْ آمنْ أَنْ يَظُنَّ النَّاسُ بِي ظَنًّا قَبِيْحًا، فَعَرفْنِيْهُ قَبْلَ أَنْ تُخْرِجَنِي، فَقُلْتُ لَهَا: مَا لَكِ عِنْدي عَيْبٌ، إِنَّكَ شَغَلْتِيْنِي عَنْ عِلْمِي، فَقَالَتْ: هَذَا سَهْلٌ عِنْدِيْ، قَالَ: فَبَلَغَ الرَّاضِي أَمْرَهُ، فَقَالَ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُوْنَ العِلْمُ في قَلْبِ أَحَدٍ، أَحْلَى مِنْهُ في صَدْرِ هَدا الرَّجُلُ. قَرَأْتُ في بَعْضِ التَّوارِيْخ: أَنَّ أَبَا بَكْرِ بنِ الأنْبَارِيِّ أَكَلَ في عِلَّةِ مَوْتِهِ كلَّ مَا كَانَ يَشْتَهْيِ، وَقَالَ: هَيَ عِلَّةُ المَوْتِ. أَخْبَرَنَا عَلِيُّ البُنْدَارِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ بنِ بَطَّةَ، قَالَ: حَدَّثنَا أَبُو بَكْرٍ بنُ الأنْبَارِيِّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، عَنِ الهَيْثَمِ بنِ خَالِدٍ، حَدَّثنَا مُسْلِمُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ، حَدَّثَنَا أَبَانٌ، عن قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ : (٢) "بُعِثْتُ أَنَا والسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ -وأَشَارَ بِمُسَبِّحَتِهِ والوُسْطَى-".

стр. 1297

وبِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا الحَارثُ، حَدَّثَنَا يَعْلَى بنُ عَبْدِ الحَكَمِ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُوْلَ الله ﷺ قَالَ (١): "أَتِمُّوا الرُّكُوْعَ والسُّجُوْدَ. والله إِنِّي لأرَاكُمْ مِنْ خَلْفِي كَمَا أرَاكَمْ مِنْ بيْنِ يَدَيَّ". ومَاتَ أبُو بَكْرِ بنُ الأنْبَارِيِّ لَيْلَةَ النَّحْرِ مِنْ ذي الحِجَّةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وعِشْرِيْنَ وثَلَاثِمَائَةَ، ومَوْلُدُه سَنَةَ إِحْدَى وسَبْعِيْنَ ومَائَتَيْنِ. ومِنْ جُمْلَةِ كَلَامِهِ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ خَلَقْتَ الخَلَائِقَ بِعِلْمِكَ، واخْتَرْتَ مِنْهُمْ صفْوَتُكَ فَجَعَلْتَهُمْ أُمَنَاءَ عَلَى وَحْيِكَ، وخَزَنَةً عَلَى أَمْرِكَ، ونُطَقَاءَ وسُفَرَاءَ بَيْنَكَ وبَيْنَ خَلْقِكَ، ودُعَاءً إِلَى الإسْلَامِ الَّذِي اتَّخْذتَهُ دِيْنًا لإظْهِارِ حَقِّكَ، وإِيْضَاحِ سَبِيْلِكَ، دِيْنًا رَضِيْتَهُ لِنَفْسِكَ، وأَمَرْتَ بِهِ مَلَائِكَتَكَ، وأَنْزَلْتَ فِيْهِ وَحْيَكَ، ودَعَوْتَ إِلَيْهِ جَمِيع خَلْقِكَ، فَأكرَمْتَ بِهِ مَنْ دَخَلَ فِيْهِ، وعَصَمْتَ بِهِ مَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ، لَا تَقْبَلُ دِيْنًا غَيْرَهُ، ولَا تَرْضَى عَمْلًا إلَّا مَنْ أَهْلِهِ، فَمَضَتْ رُسُلُكَ في الأُمَمِ مُبَلِّغِيْنَ رِسَالَاتِكَ، طَائِعِيْنَ لأمْرِكَ، حَتَّى انْتَهَتْ نَبُوُّتُكَ، وأَفْضَتْ كَرَامَتكَ ورَحْمَتُكَ إِلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ ، فانْتَخَبْتَهُ واخْتَصَصْتَهُ، وائْتَمَنْتَهُ عَلَى وَحْيِكَ، وَأَرْسَلْتَهُ يَارَبِّ في أَشْرَفِ زَمَانٍ، وخَيْرِ أَوَانٍ، بالمِنْهَاجِ الوَاضِحِ، والمُتْجَرِ الرَّابِحِ، والمِيْزَانِ الرَّاجِحِ، والعَمَلِ الصَّالح، والسَّعْيِ ورَمْي الجمَارِ، والتَّأْنِي والوَقَارِ، والشَّهَادَةِ والإقْرَارِ، ومُعَانَدَةِ الكُفَّارِ، وبُغْضِ الأَشْرَارِ، واجتِنَابِ الفُجَّارِ، ومُرَافَفَةِ الأبْرَارِ، ومُوَاصَلَةِ الأخْيَارِ، ومُنَاسَلَةِ الأطْهَارِ، والعُوْدِ النَّضِيْرِ، والفِقْهِ الكَثِيْرِ،

стр. 1298

والبَحْرِ الغَزِيْرِ، والاسم الكَبِيْرِ، والحَقِّ الظَّاهرِ، والعِزِّ القَاهِرِ، والنَّجْمِ الزَّاهِرِ، والثَّوْبِ الطَّاهِرِ، والكِتَابِ النَّاطِقِ، والوَعْدِ الصَّادِقِ، والشِّهَابِ المُتَألَقِ، والفَرْع البَاسقِ، وإغَاثَةِ المَلْهُوْفِ، والقَلْبِ الرَّءُوْفِ، والأمْرِ بالمَعْرُوْفِ، والأمَانِ والأدَبِ، والشَّرَفِ والحَسَبِ. والصَّلَاةِ المَفْرُوْضَةِ. والزَّكَاةِ المَقْبُوْضَةِ، والهَرْوَلَةِ والهِجْرَةِ، والقَلائِدِ والعُمْرَةِ، والمُدَارَاة والمُتْعَةِ، والفَرَسِ والنَّجِيْبِ، والبُرْدَةِ والقَضِيْبِ، والفَضْلِ المَشْهُوْرِ والعَلَمِ المَنْشُورِ، والبَهَاءِ والنُّوْرِ، والرَّحْمَةِ والحُبُوْرِ، والسَّمْتِ والطُهُوْرِ، والسُّنَنِ والبَيَانِ، وشَهْرِ رَمَضَان، والإقَامَةِ والأذَانِ، والمُثَانِي والقُرْآنِ، والبِرِّ والإحْسَانِ، وشَرَائِعِ الإيْمَانِ، والصَّفَا والمَرْوَةِ، وخَاتِمِ النُّبُوَّةِ، والصَّلَاةِ والطَّاعَةِ، والجُمْعَةِ والجَمَاعَةِ، والقِبْلَةِ والشَّفَاعَةِ، عَلَى حِيْنِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وطُمُوْسٍ مِنَ السُّبُل، وفَضَّلْتَهُ بالعَزِّ والبَهَاءِ، ومِنَ الدَّرَجَاتِ بالعُلَى، ومِنَ المَرَاتِبِ بالعُظْمَى، فأَخْمَدَ اللهُ بِهِ نَارَ الضَّلالَةِ، ومُحَا بِهِ رَسْمَ الجَهَالَةِ، فَصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ من مَضْجَعٍ مَعْقُوْدٍ، ومَنٍّ مَحْمُوْدٍ، وعَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ السَّادَةِ الطَّاهِرِيْنَ، وعَلَى أَصْحَابِهِ المُنْتَخَبِيْنَ الخَيِّريْنَ الفَاضِلِيْنَ، وعَلَى أَزْوَاجِهِ الطَّاهِرَاتِ أُمَّهَاتِ (١) المُؤْمِنِيْنَ، وعَلَيْنَا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ

стр. 1299

يَا أَرْحَمِ الرَّاحِمِيْنَ. ٦٠٥ - مُحَمَّد بنُ مُخْلَدِ (١) بنِ حَفْصٍ، أَبُو عبدِ اللهِ الدُّوْرِيُّ العَطَّارِ. صَحِبَ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَاب إِمَامِنَا أَحْمَدَ، وحَدَّثَ عَنْهُمْ، مِنْهُم صَالحُ بنُ إِمَامِنَا أَحْمَدَ، وأَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، وأَبُو بَكْرٍ المَرُّوْذِيُّ، وزكَرَيَّا بنُ يَحْيَى النَّاقِدُ، وغيرُهُم، وسَمِعَ (٢) أَبَا السَّائب (٣) سَلمَ (٤) بنَ جُنَادَة، ويَعقوبَ الدَّوْرَقِيَّ،

стр. 1300

والفَضْلَ بنَ يَعْقُوْبَ الرُّخَامِيَّ، وعَليًّا ومُحَمَّدًا ابني أَشْكَابٍ، ومُحَمَّدَ بنَ عُثْمَان بنِ كَرَامَةَ، والحَسَنَ بنَ عَرَفَةَ، ومُسْلِمَ بنَ الحَجَّاجِ في آخرِيْنَ. حَدَّثَ عَنْهُ أَبُو عبدِ اللهِ بنُ بَطَّةَ، ومُحَمَّدُ بنُ الحُسَيْنِ الآجُرِّيُّ، وأَبُو العَبَّاسِ بنُ عُقْدَةَ، والدَّارَقُطْنِيُّ، وأَبُو حَفْصِ بنُ شَاهِيْنِ، ومَنْ في طَبَقَتِهِمْ وَبَعْدَهُمْ. وذَكَرَهُ ابنُ ثَابِتٍ وأَثْنَى عَلَيْهِ. ومَوْلدُهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وثمانين (١) ومائتين، وكَانَ يَنْزِلُ في الدُّوْرِ -وهْيَ مَحَلَّةٌ في آخِرِ بَغْدَادَ (٢) بالجَانِب الشَّرْقِيِّ في أَعْلى بَغْدَادَ- فَقَالَ لَهُ يَوْمًا بَعْضَ أَصْحَابِ الحَدِيْثِ: لَوْ زِدْتَنَا في القِرَاءَةِ؟ فَإِنَّ مَوْضِعَكَ بَعِيْدٌ، ويَشُقُّ عَلَيْنَا المَجِيْءُ إِلَيْكَ في كُلِّ وَقْتٍ، فَقَالَ ابنُ مَخْلَدٍ: مِنْ هَذَا المَوْضِعِ كُنْتُ أَمْضَي إِلَى المُحَدِّثِيْنَ، فَأَسْمَعَ مِنْهُمْ، أَوْ كَمَا قَالَ. أَخْبَرَنَا الخَطِيْبُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ العَزِيْزِ البَرْذَعِيُّ (٣)، أَخْبَرَنَا
следующие страницы →