← Тараджим

Тараджим · id 1520

طبقات الحنابلة - لابن أبي يعلى - ت العثيمين

أبو الحسين ابن أبي يعلى

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

وحُدِّثْتُ عَنْهُ: أَنَّه مَضَى يَوْمًا إِلَى النَّخَّاسِيْن وجَارِيَةٌ تُعْرَضُ، حَسَنَةٌ كَامِلَةُ الوَصْفِ، قَالَ: فَوَقَعْتْ في قَلْبِي، ثُمَّ مَضَيْتُ إلى دَارِ أَمِيْرِ المُؤمِنِيْنَ الرَّاضِيْ، فَقَالَ لِيَ: أَيْنَ كُنْتَ إلى السَّاعَةِ؟ فَعَرِّفتُهُ، فَأَمَر بَعْضَ أَسْبَابِهِ فَمَضَى فاشْتَرَاهَا، وحَمَلَهَا إِلَى مَنْزِلي، فَجئْتُ فوَجَدْتُهَا، فَعَلَمْتُ الأمْرَ كَيْفَ جَرَى، فَقُلْتُ لَهَا: كُوْنِي فَوْقَ إِلَى أَنْ أَسْتبرِئَكِ، وكُنْتُ أَطْلُبُ مَسْألةً قَدْ اختَلَتْ عَلَيَّ، فاشْتَغَلَ قَلْبِي عن عِلْمِي فقلتُ للخَادِمِ: خُذْهَا امضِ (١) بِهَا إلَى النَّخَاسِيْنَ، فَلَيْسَ قَدَرُهَا أَنْ يَشْتَغِلَ بِهَا قَلْبِي عَنْ عِلْمِيْ، فَأَخَذَهَا الغُلَامُ، فَقَالَتْ: دَعْنِيْ أُكَلِّمُهُ بِحَرْفَيْنِ، فَقَالَتْ: أَنْتَ رَجُلٌ لَكَ مَحَلٌّ وعَقْلٌ، فَإِذَا أَخْرَجْتَنِي ولَمْ تُبَيِّنْ لِيْ ذَنْبِي لَمْ آمنْ أَنْ يَظُنَّ النَّاسُ بِي ظَنًّا قَبِيْحًا، فَعَرفْنِيْهُ قَبْلَ أَنْ تُخْرِجَنِي، فَقُلْتُ لَهَا: مَا لَكِ عِنْدي عَيْبٌ، إِنَّكَ شَغَلْتِيْنِي عَنْ عِلْمِي، فَقَالَتْ: هَذَا سَهْلٌ عِنْدِيْ، قَالَ: فَبَلَغَ الرَّاضِي أَمْرَهُ، فَقَالَ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُوْنَ العِلْمُ في قَلْبِ أَحَدٍ، أَحْلَى مِنْهُ في صَدْرِ هَدا الرَّجُلُ. قَرَأْتُ في بَعْضِ التَّوارِيْخ: أَنَّ أَبَا بَكْرِ بنِ الأنْبَارِيِّ أَكَلَ في عِلَّةِ مَوْتِهِ كلَّ مَا كَانَ يَشْتَهْيِ، وَقَالَ: هَيَ عِلَّةُ المَوْتِ. أَخْبَرَنَا عَلِيُّ البُنْدَارِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ بنِ بَطَّةَ، قَالَ: حَدَّثنَا أَبُو بَكْرٍ بنُ الأنْبَارِيِّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، عَنِ الهَيْثَمِ بنِ خَالِدٍ، حَدَّثنَا مُسْلِمُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ، حَدَّثَنَا أَبَانٌ، عن قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ : (٢) "بُعِثْتُ أَنَا والسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ -وأَشَارَ بِمُسَبِّحَتِهِ والوُسْطَى-".

стр. 1297

وبِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا الحَارثُ، حَدَّثَنَا يَعْلَى بنُ عَبْدِ الحَكَمِ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُوْلَ الله ﷺ قَالَ (١): "أَتِمُّوا الرُّكُوْعَ والسُّجُوْدَ. والله إِنِّي لأرَاكُمْ مِنْ خَلْفِي كَمَا أرَاكَمْ مِنْ بيْنِ يَدَيَّ". ومَاتَ أبُو بَكْرِ بنُ الأنْبَارِيِّ لَيْلَةَ النَّحْرِ مِنْ ذي الحِجَّةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وعِشْرِيْنَ وثَلَاثِمَائَةَ، ومَوْلُدُه سَنَةَ إِحْدَى وسَبْعِيْنَ ومَائَتَيْنِ. ومِنْ جُمْلَةِ كَلَامِهِ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ خَلَقْتَ الخَلَائِقَ بِعِلْمِكَ، واخْتَرْتَ مِنْهُمْ صفْوَتُكَ فَجَعَلْتَهُمْ أُمَنَاءَ عَلَى وَحْيِكَ، وخَزَنَةً عَلَى أَمْرِكَ، ونُطَقَاءَ وسُفَرَاءَ بَيْنَكَ وبَيْنَ خَلْقِكَ، ودُعَاءً إِلَى الإسْلَامِ الَّذِي اتَّخْذتَهُ دِيْنًا لإظْهِارِ حَقِّكَ، وإِيْضَاحِ سَبِيْلِكَ، دِيْنًا رَضِيْتَهُ لِنَفْسِكَ، وأَمَرْتَ بِهِ مَلَائِكَتَكَ، وأَنْزَلْتَ فِيْهِ وَحْيَكَ، ودَعَوْتَ إِلَيْهِ جَمِيع خَلْقِكَ، فَأكرَمْتَ بِهِ مَنْ دَخَلَ فِيْهِ، وعَصَمْتَ بِهِ مَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ، لَا تَقْبَلُ دِيْنًا غَيْرَهُ، ولَا تَرْضَى عَمْلًا إلَّا مَنْ أَهْلِهِ، فَمَضَتْ رُسُلُكَ في الأُمَمِ مُبَلِّغِيْنَ رِسَالَاتِكَ، طَائِعِيْنَ لأمْرِكَ، حَتَّى انْتَهَتْ نَبُوُّتُكَ، وأَفْضَتْ كَرَامَتكَ ورَحْمَتُكَ إِلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ ، فانْتَخَبْتَهُ واخْتَصَصْتَهُ، وائْتَمَنْتَهُ عَلَى وَحْيِكَ، وَأَرْسَلْتَهُ يَارَبِّ في أَشْرَفِ زَمَانٍ، وخَيْرِ أَوَانٍ، بالمِنْهَاجِ الوَاضِحِ، والمُتْجَرِ الرَّابِحِ، والمِيْزَانِ الرَّاجِحِ، والعَمَلِ الصَّالح، والسَّعْيِ ورَمْي الجمَارِ، والتَّأْنِي والوَقَارِ، والشَّهَادَةِ والإقْرَارِ، ومُعَانَدَةِ الكُفَّارِ، وبُغْضِ الأَشْرَارِ، واجتِنَابِ الفُجَّارِ، ومُرَافَفَةِ الأبْرَارِ، ومُوَاصَلَةِ الأخْيَارِ، ومُنَاسَلَةِ الأطْهَارِ، والعُوْدِ النَّضِيْرِ، والفِقْهِ الكَثِيْرِ،

стр. 1298

والبَحْرِ الغَزِيْرِ، والاسم الكَبِيْرِ، والحَقِّ الظَّاهرِ، والعِزِّ القَاهِرِ، والنَّجْمِ الزَّاهِرِ، والثَّوْبِ الطَّاهِرِ، والكِتَابِ النَّاطِقِ، والوَعْدِ الصَّادِقِ، والشِّهَابِ المُتَألَقِ، والفَرْع البَاسقِ، وإغَاثَةِ المَلْهُوْفِ، والقَلْبِ الرَّءُوْفِ، والأمْرِ بالمَعْرُوْفِ، والأمَانِ والأدَبِ، والشَّرَفِ والحَسَبِ. والصَّلَاةِ المَفْرُوْضَةِ. والزَّكَاةِ المَقْبُوْضَةِ، والهَرْوَلَةِ والهِجْرَةِ، والقَلائِدِ والعُمْرَةِ، والمُدَارَاة والمُتْعَةِ، والفَرَسِ والنَّجِيْبِ، والبُرْدَةِ والقَضِيْبِ، والفَضْلِ المَشْهُوْرِ والعَلَمِ المَنْشُورِ، والبَهَاءِ والنُّوْرِ، والرَّحْمَةِ والحُبُوْرِ، والسَّمْتِ والطُهُوْرِ، والسُّنَنِ والبَيَانِ، وشَهْرِ رَمَضَان، والإقَامَةِ والأذَانِ، والمُثَانِي والقُرْآنِ، والبِرِّ والإحْسَانِ، وشَرَائِعِ الإيْمَانِ، والصَّفَا والمَرْوَةِ، وخَاتِمِ النُّبُوَّةِ، والصَّلَاةِ والطَّاعَةِ، والجُمْعَةِ والجَمَاعَةِ، والقِبْلَةِ والشَّفَاعَةِ، عَلَى حِيْنِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وطُمُوْسٍ مِنَ السُّبُل، وفَضَّلْتَهُ بالعَزِّ والبَهَاءِ، ومِنَ الدَّرَجَاتِ بالعُلَى، ومِنَ المَرَاتِبِ بالعُظْمَى، فأَخْمَدَ اللهُ بِهِ نَارَ الضَّلالَةِ، ومُحَا بِهِ رَسْمَ الجَهَالَةِ، فَصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ من مَضْجَعٍ مَعْقُوْدٍ، ومَنٍّ مَحْمُوْدٍ، وعَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ السَّادَةِ الطَّاهِرِيْنَ، وعَلَى أَصْحَابِهِ المُنْتَخَبِيْنَ الخَيِّريْنَ الفَاضِلِيْنَ، وعَلَى أَزْوَاجِهِ الطَّاهِرَاتِ أُمَّهَاتِ (١) المُؤْمِنِيْنَ، وعَلَيْنَا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ

стр. 1299

يَا أَرْحَمِ الرَّاحِمِيْنَ. ٦٠٥ - مُحَمَّد بنُ مُخْلَدِ (١) بنِ حَفْصٍ، أَبُو عبدِ اللهِ الدُّوْرِيُّ العَطَّارِ. صَحِبَ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَاب إِمَامِنَا أَحْمَدَ، وحَدَّثَ عَنْهُمْ، مِنْهُم صَالحُ بنُ إِمَامِنَا أَحْمَدَ، وأَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، وأَبُو بَكْرٍ المَرُّوْذِيُّ، وزكَرَيَّا بنُ يَحْيَى النَّاقِدُ، وغيرُهُم، وسَمِعَ (٢) أَبَا السَّائب (٣) سَلمَ (٤) بنَ جُنَادَة، ويَعقوبَ الدَّوْرَقِيَّ،

стр. 1300

والفَضْلَ بنَ يَعْقُوْبَ الرُّخَامِيَّ، وعَليًّا ومُحَمَّدًا ابني أَشْكَابٍ، ومُحَمَّدَ بنَ عُثْمَان بنِ كَرَامَةَ، والحَسَنَ بنَ عَرَفَةَ، ومُسْلِمَ بنَ الحَجَّاجِ في آخرِيْنَ. حَدَّثَ عَنْهُ أَبُو عبدِ اللهِ بنُ بَطَّةَ، ومُحَمَّدُ بنُ الحُسَيْنِ الآجُرِّيُّ، وأَبُو العَبَّاسِ بنُ عُقْدَةَ، والدَّارَقُطْنِيُّ، وأَبُو حَفْصِ بنُ شَاهِيْنِ، ومَنْ في طَبَقَتِهِمْ وَبَعْدَهُمْ. وذَكَرَهُ ابنُ ثَابِتٍ وأَثْنَى عَلَيْهِ. ومَوْلدُهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وثمانين (١) ومائتين، وكَانَ يَنْزِلُ في الدُّوْرِ -وهْيَ مَحَلَّةٌ في آخِرِ بَغْدَادَ (٢) بالجَانِب الشَّرْقِيِّ في أَعْلى بَغْدَادَ- فَقَالَ لَهُ يَوْمًا بَعْضَ أَصْحَابِ الحَدِيْثِ: لَوْ زِدْتَنَا في القِرَاءَةِ؟ فَإِنَّ مَوْضِعَكَ بَعِيْدٌ، ويَشُقُّ عَلَيْنَا المَجِيْءُ إِلَيْكَ في كُلِّ وَقْتٍ، فَقَالَ ابنُ مَخْلَدٍ: مِنْ هَذَا المَوْضِعِ كُنْتُ أَمْضَي إِلَى المُحَدِّثِيْنَ، فَأَسْمَعَ مِنْهُمْ، أَوْ كَمَا قَالَ. أَخْبَرَنَا الخَطِيْبُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ العَزِيْزِ البَرْذَعِيُّ (٣)، أَخْبَرَنَا

стр. 1301

محمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ عِمْرَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الله بنُ مَخْلَدٍ العَطَّارُ، قَالَ: مَاتَتْ وَالِدَتِيْ فَأَرَدْتُ أَنْ أَدْفنهَا في مَقْبَرَةِ دَرْبِ الرِّيْحَانِ (١)، فَنَزَلَتُ أَلْحَدَهَا أَنَا، فَانْفَرَجَتْ لِي فَرْجَةً عَنْ قَبْرٍ بِلِزِقَهَا فَإِذَا رَجُلٌ عَلَيْهِ أَكْفَانٌ جُدُدٌ، عَلَى صَدْرِهِ طَاقَةُ يَاسِمَيْنَ رَطْبَة، فَأَخَذْتُهَا فَشَمَمْتُهَا، فَإِذَا هِيَ أَذْكَى مِنَ المِسْكِ، وشَمَّهَا جَمَاعَةٌ كَانُوا مَعِي في الجَنَازَةِ، ثُمَّ رَدَدْتُهَا إِلَى مَوْضِعِها وسَدَدْتُ (٢) الفُرْجَةَ. سُئِلَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْهُ؟ فَقَالَ: ثِقَةٌ مَأمُوْنٌ. ومَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وثَلَاثِيْنَ وثَلَاثِمَائَةَ، وقَدْ اسْتكمَلَ سَبْعًا وتسْعِيْنَ سَنَةٍ وثَمَانِيَة أَشْهُرٍ وأحَدًا وعِشْرِيْنَ يَوْمًا.

стр. 1302

(أَوَّلُ الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ) ٦٠٦ - أَحْمَدُ بنُ إبْرَاهِيْمَ (١) بنِ إِسْمَاعِيْلَ البَرْمَكِيُّ. صَحِبَ جَمَاعَةً مِمَّن صَحِبُوا

стр. 1303

مِنْ صَحِبَ إِمَامَنَا أَحْمَدَ، وتَخَصَّصَ بِصُحْبَةِ (١) أَبِي الحَسَنِ بنِ بَشَّارٍ (٢)، وحَكَى عَنْهُ أَشْيَاء قَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَهِا في أَخْبَارِ أَبِي الحَسَنِ بنِ بَشَّارٍ، ونَذْكُرُ الآنَ في هَذِهِ التَّرْجَمَةِ مَا أَغْفَلْنَاهُ [هُنَاكَ (٣) مِنْ ذلِكَ] (٤) قَالَ: سَمِعْتُ أَبَالحَسَنِ بنِ بَشَّارٍ يَقُوْلُ: اقْبَلْ مِنِّي مَا أَقُوْلُ لَكَ. انْظُرْ إِنْ اشتَهِيْتَ باقِلَّا حارًّا أَوْ بَارِدًا (٥) فَلَا تَسْأَلْ سِوَى الله، فَإِنَّه يَقْضِي حَاجَتكَ، ولَا تَسْأَلْ سِوَاهُ. قَالَ: وسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: بَلَغَنِي عَنِ المُتَوَكَّلِ ﵀ أنَّه كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ جَالِسًا وَوَلَدَانِ لَهُ يَلْعَبَانِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَضَرَبَ أَحَدُهُمَا الآخرَ، فَقَالَ: خذْهَا [مِنِّي، وأَنَا الغُلَامُ (٦) الهَاشِمِيُّ العَبَّاسِيُّ، ثُمَّ إِنَّهُمَا لَعِبَا فَضَرَبَهُ الآخَرُ، ثُمَّ قَالَ: خُذْهَا مِنِّي] (٧)، وأَنَا الغلَامُ الحَنْبَلِيُّ. فَسُرَّ بذلِكَ المُتَوَكِّلُ وأَقْطَعَهُ. قَالَ: وسَمِعْتُهُ في مَجْلِسِهِ يَذْكُرُ أَبْنَاءَ الآخِرَةِ (٨) ويَنْعَتُهُمْ، وَهْوَ يَقُوْلُ: إِنْ حَضَرُوا لَمْ يُعْرَفُوا، وإِنْ غَابُوا لَمْ يُفْقَدُوا، ثُمَّ قَالَ: جُرَابُهُ بَطْنُهُ

стр. 1304

واللهُ ذُخْرُهُ. قَالَ: وكُنْتُ أَسْمَعُهُ يَقُوْلُ في دُعَائِهِ إِذَا دَعَا: أَعْطَيْتَ فَأَجْزَلْتَ العَطَاءَ، وعَافَيْتَ فَصَرَفْتَ البَلَاءَ، وكَثُرَتْ عَلَيْنَا مِنْكَ الآلاءَ والنَّعْمَاءَ. فَأَيُّ أَيَادِيْكَ نَذْكُرُ؟ أَمْ أيُّ نَعْمَائِكَ نَشْكُرُ؟ جَمِيْلُ مَا أَظْهَرْتَ، أَمْ قَبِيْحَ مَا سَتَرْتَ؟ نُطِيْعُكَ فَتَشْكُرُ، ونَعْصِيْكَ فَتَسْتُرُ، ونَسْأَلُ فَتُعْطِيَ، وَنَسْكُتُ (١) فَتكفِيَ. فَلَكَ الحَمْدُ عَلَى جَمِيْل (٢) مَا أَظْهَرْتَ، ولَكَ الحَمْدُ عَلَى قَبِيْحِ مَا سَتَرْتَ، عَجَبًا لِمَنْ عَرَفَكَ كَيْفَ يَألفُ غَيْرَكَ؟ مَنْ ذَا الَّذِيْ عَرَفَكَ حَقَّ مَعْرِفَتِكَ؟ أَمْ مَنْ ذَا الَّذِي قَدَّرَكَ حَقَّ قَدْرِكَ؟ سُبْحَانَكَ (٣). ٦٠٧ - إبْراهِيمُ بنُ إِسْحَاق الشَّيْرَجِيُّ (٤) صَاحِبُ المَرُّوْذِيِّ، حَدَّثَ عَنْهُ ابنُ الجُنْدِيُّ والمُخَلِّصُ، ومَاتَ سَنَةَ اثْنَتينِ وثَلَاثِيْنَ وثَلَاثِمِائَةِ، وصَلَّى عَلَيْهِ حَمْزَةُ بنُ القَاسِمِ الهَاشِمِيُّ. ٦٠٨ - عُمَرُ بنُ الحُسَيْنِ (٥) بنِ عَبدِ اللهِ بنِ أَحْمَدَ، أَبُو القَاسِمِ الخِرَقِيِّ، قَرَأَ

стр. 1305

العِلْمَ عَلَى مَنْ قَرَأَهُ عَلى أَبِي بَكْرٍ المَرُّوْذِيِّ، وحَرْبٍ الكَرْمَانِيِّ، وصَالِحٍ، وعَبْدِ اللهِ ابْنَيْ إِمَامِنَا. لَهُ المُصَنَّفَاتُ الكَثيْرَةُ (١) في المَذْهَبِ، لَمْ يَنْتَشِرْ مِنْهَا إلَّا "المُخْتَصَر" في الفِقْهِ؛ لأنَّه خَرَجَ عَنْ مَدِيْنَةِ السَّلَامِ لَمَّا ظَهَرَ سَبُّ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِيْنَ، وأَوْدعً كُتبهُ في دَرْبِ سُلَيْمَانَ (٢)،

стр. 1306

فاحتَرَقَتِ الدَّارِ الَّتي كَانَتْ فِيْهَا الكُتُبُ ولَمْ تَكُنْ انْتَشَرَتْ لبُعْدِهِ عَنِ البَلَدِ. قَرَأَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ شُيُوْخِ المَذْهَبِ، مِنْهُمْ أَبُو عَبْدِ اللهِ بنُ بَطَّةَ، وأَبُو الحُسَيْنِ التَّمِيْمِيُّ، وأَبُو الحُسَيْنِ (١) بنِ سَمْعُوْنَ، وغَيْرُهُمْ. قَرَأَتُ بخطِّ أَبِي إِسْحاقَ البَرْمَكيِّ: أَنَّ عَدَدَ مَسَائِلَ "المُخْتَصَرِ" أَلْفَانِ وثَلَاثُمَائَةَ مَسْأَلةً. وقَرَأْتُ بِخَطِّ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ العَزِيْزِ عَلَى نُسْخَةِ "مُخْتَصَرِ الخِرَقِيِّ" يَقُوْلُ عَبْدُ العَزِيْزِ: خَالَفَنِي الخِرَقِيُّ في "مُخْتَصَرِهِ" في ستِّيْنَ مَسْأَلةٍ وَلَمْ يُسَمِّهَا، فَتَتبَّعْتُ أَنَا اخْتِلافِهَا. فَوَجَدْتُهُ في ثَمَانِيَةٍ وتَسْعِيْنَ مَسْأَلةً (٢). (المَسْأَلَةُ الأوْلَى): قَالَ الخِرَقِيُّ: وإِذَا كَانَ مَعَهُ في السَّفَرِ إِنَاءَانِ (٣) نَجِسٌ وطَاهِرٌ، واشْتبَهَا عَلَيْهِ أَرَاقَهُمَا وتَيَمَّمَ، وهِيَ مَنْصُوْصَةٌ، وبِهَا (٤) قَالَ أَبُو حَنْيِفَةَ، وَوَجْهُهَا: أَنَّ مَعَهُ مَاء طَاهِرًا بِيَقِيْنٍ، فَلَمْ يَجُزِ (٥) التَّيَمَّمُ مَعَ

стр. 1307

وُجُوْدِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ عَالِمًا بِهِ، وفيه رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ: لَا تَجبُ الإرَاقَةُ اختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَوَجْهُهَا (١): أَنَّ وُجُوْدَ المَاءِ الطَّاهِرِ إِذَا تَعَذَّرَ اسْتَعْمَالُهُ فَبَقُاؤُهُ لَا يَمْنَعُ التَّيممَ (٢)، كالماءِ الَّذِي يُحْتَاجُ إِلى شُرْبِهِ. (المَسْأَلَةُ الثَّانِيةُ): قَالَ الخِرَقِيُّ: ويُكْرَهُ أَنْ يَتَوضَّأَ في آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، فَإِنْ فَعَلَ أَجْزَأَهُ، وبِهِ قَالَ أَكْثَرَهُمْ، وَوَجْهُهَا: أَنَّ النَّهْيَ عَنْ اسْتِعمَالِهَا لَا يَخْتَصُّ بالطَّهَارَةِ؛ لأنَّه عامٌّ في الأكْلِ والشُّرْبِ والطِّيْبِ والوَضُوْءِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ في فَسَادِ العِبَادَةِ، وقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الوَضُوْءُ بَاطِلٌ، وهو أَصَحُّ؛ لِقَوْلهِ ﵊ (٣): "مَنْ عَمَلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهْوَ رَدٌّ" ولأنَّه تَوَضَّأَ مِنْ إِنَاءٍ مُحَرَّمٍ فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا (٨) لَوْ تَوَضَّأَ (٤) مِنْ جِلْدِ مَيْتَةٍ لَمْ يُدْبَغْ. (المَسْأَلَةُ الثَّالِثةُ): قَالَ الخِرَقِيُّ: والسِّوَاكُ سُنَّة (٥)، ثُمَّ عَقَّبَ ذلِكَ بِغَسْلِ اليَدَيْنِ عِنْدَ القِيَامِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ، وبِهِ قَالَ أَكْثَرُهُم؛ لأنَّه قِيَامٌ مِنْ نَوْمٍ؛ فَلَا يُوجِبُ غَسْلَ اليَدَيْنِ، كالقِيَامِ مِنْ نَوْمِ النِّهَارِ، وقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَجِبُ

стр. 1308

غَسْلُهُمَا، وهِي الرِّوَايَةُ الصَّحِيْحَةُ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ بإِسْنَادِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (١) "إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ فَلَا يَغْمِسُ (٢) يَدَهُ في الإنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فإنَّه لَا يَدْرِيْ أيْنَ بَاتَتْ يُدُهُ". (المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ): ذَكَرَ الخِرَقِيُّ عَقَيْبَ ذلِكَ التَّسْمِيَةُ، وأَنَّها سُنَّةٌ في الطَّهَارَةِ، وبِهَا قَالَ أَكْثَرُهُمْ؛ لأنَّه لمَّا لَمْ يَجِبِ الذِّكْرُ في آخِرِهَا لَمْ يَجِبْ في أَوَّلِهَا، كالصِّيَامِ. وقَالَ أَبُو بَكْرٍ: التَّسْمِيْةُ وَاجِبَةٌ، وهِيَ الرِّوَايةُ الصَّحْيِحَةُ؛ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ بإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي سَعْيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ (٣): "لَا وَضُوْءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسمَ اللهِ عَلَيْهِ". (المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ): قَالَ الخِرَقِيُّ: والخَشَبُ والخِرَقُ وكُلُّ مَا أُنْقِيَ بِهِ فَهْوَ كالأَحْجَارِ، وبِهِ قَالَ أَكْثَرُهُمْ، لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ بإِسْنَادِهِ عنْ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ (٤): "إِذَا قَضَى أَحدُكُمْ حَاجَتَهُ فَلَيَسْتَنجِ بِثَلَاثَةِ أَعْوَادٍ، أَوْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ مَنَ المَاءِ". وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يُجْزِئُ إلَّا الأَحْجَارُ، (٥) وبِهِ قَالَ دَاوُدَ (٥)؛ لِمَا

стр. 1309

رَوَى البُخَارِيُّ بإِسْنَادِهِ (١) عن عَبْدِ الله (٢) قَالَ: "أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الغَائِطَ، فَأَمَرَني أَنْ آتيَهُ بِثَلَاثَةِ [أَحْجَارٍ" والأمْرُ عَلَى الوُجُوْبِ] (٣)؛ ولأنَّهَا عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بالأحْجَارِ، فَلَا يَقُوْمُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا، دَلِيْلُهُ رَمْيُ الجِمَارِ. (المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ): قَالَ الخُرَقِيُّ: والحَجَرُ الكَبيْرُ الَّذِي لَهُ ثَلَاثُ شُعَبٍ يَقُوْمُ مَقَامَ الثَّلَاثَةِ الأحْجَارِ؛ لأنَّ القَصْدَ تَخْفِيْفُ (٤) النَّجَاسَةِ بِضَرْبٍ مِنَ العَدَدِ، وهَذَا المَعْنَى مَوْجُوْدٌ في الحَجَرِ الكَبِيْرِ، كَمَا لَوْ وُجِدَ بِثَلَاثَةٍ صِغَارٍ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَابُدَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، وهي الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ (٥) عَنْ أَحْمَدَ؛ لِقَوْلهِ ﷺ لِعَبدِ الله بنِ مَسْعُوْدٍ (٦): "ائْتِنِي بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ" ولَمْ يُفَرِّقْ. (المَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ): قَالَ الخِرَقِيُّ: وإِذَا أَسْلَمَ الكَافِرُ وَجَبَ عَلَيْهِ الغُسْلُ، وهو المَنْصُوْصُ؛ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادهِ: "أَنَّ قَيْسَ بنَ عَاصِمٍ (٧)

стр. 1310

لمَّا أَسْلَمَ أَمَرَهُ رَسُوْلُ الله ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ" والأمْرُ عَلَى الوُجُوْبِ، وذكرَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: يُسْتَحَبُّ الغُسْلُ إِذَا لمْ يَكُنْ جُنُبًا في حَالِ كُفْرِهِ، وبِهِ قَالَ أَكْثَرُهُمْ؛ لأنَّه مَعْنًى يُحْقَنُ بهِ الدَّمُّ، فَلَمْ يُوْجِبِ الغُسْلَ، دَلِيْلُهُ: عَقْدُ الذِّمَّةِ. وقَدْ رَأَيْتُ أَنَافي كِتَابِ "التَّنْبِيْهِ" لأبِي بَكْرٍ: إِيْجَابُ الغُسْلِ (المَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ): أَوْجَبَ الخِرَقيُّ طَلَبُ المَاءِ في حَقِّ المُتَيَمِّمِ، وهي الرِّوَايَةُ الصَّحِيْحَةُ، وبِهَا قَالَ مَالِكٌ والشَّافِعِيُّ؛ لأَنَّ كُلَّ أَصْلٍ وَجَبَ طَلَبُهُ إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ وُجُوْدُهُ وَجَبَ، وإِنْ لَمْ يَغْلِبْ كالنَّصِّ في الأحْكَامِ والرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لا تَجِبُ. اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وبِهَا قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ؛ لأنَّه غَيْرُ عَالِمٍ بمَوْضِعِ المَاءِ، فَلَهُ التَّيمُّمُ، كَمَا لَوْ طَلَبَ فَلَمْ يَجِدْ. (المَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ): قَالَ الخِرَقِيُّ: وَلَوْ أَحْدَثَ مُقِيْمًا، ثُمَّ مَسَحَ مُقِيْمًا، ثُمَّ سَافَرَ أَتمَّ عَلَى مَسْحِ مُقِيْمٍ، ثُمَّ خَلَعَ، وهي الرِّوايةُ الصَّحِيْحَةُ، وبِهَا قَالَ الشَّافِعَيُّ؛ لأنَّها عِبَادَةٌ يَخْتَلِفُ قَدْرُهِا بالحضَرِ والسَّفَرِ، فإِذَا تَلَبَّسَ بِهَا في الحَضَرِ، ثُمَّ سَافَرَ غَلَّبَ حُكْمَ الحَضَرِ، كالصَّلَاةِ. والثَّانِيَةُ: يَمْسَحُ مَسْحَ مُسَافِرٍ، وبِهَا قَالَ أَبُو حَنْيْفَةَ، اختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وأُسْتَاذُهُ الخَلَّالُ، وقَالَا الخَلَّالُ: رَجَعَ أَحْمَدُ عن الأوَّلةِ؛ لأنَّ السَّفَرَ

стр. 1311

مَوْجُوْدٌ مَعَ بَقَاءِ المُدَّةِ، فَجَازَ أَنْ يَمْسَحَ مَسْحَ مُسَافِرٍ، كَمَا لَوْ أَنْشَأَ المَسْحَ في السَّفَرِ. (المَسْأَلَةُ العاشِرَةُ): قَالَ الخِرَقِيُّ: إذَا غَابَ الشَّفَقُ -وهو الحُمْرَةُ- في السَّفَرِ، وفي الحَضَرِ البَيَاضُ؛ لأنَّ في الحَضَرِ قَد تَنْزِلُ الحُمْرَةُ فَتُوَارِيْهَا الجُدْرَانُ، فَيَظُنُّ أَنَّهَا قَدْ غَابَتْ، فَإِذَا غَابَ البَيَاضُ فَقَدْ تَيَقَّنَ، وَوَجَبَتْ عِشَاءُ الآخِرَةِ، فَذَكَرَ الخِرَقِيُّ وَجْهَ مَا قَالِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ في "التَّنْبِيهِ": يُصَلِّي المَغْرِبَ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ إِلَى أَنْ يَغِيْبَ الشَّفَقُ، وهوَ الحُمْرَةُ في الحَضَرِ والسَّفَرِ، وبِهِ قَالَ أَبُو يُوْسُفَ، ومُحَمَّدٌ، والشَّافِعِيُّ. وقَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ: هُوَ البَيَاضُ، حَضَرًا أَوْ سَفَرًا. وَجْهُ قَوْلِ أَبي بَكْرٍ: مَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ بإِسْنَادِهِ عَن ابنِ عُمَرَ (١) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ (٢): "الشَّفَقُ الحُمْرَةُ، فإِذَا غَابَ الشَّفَقُ فَقَدْ وَجَبَتِ الصَّلَاةُ". (المَسْأَلَةُ الحَادِيَةَ عَشرَةَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: إِذَا اشْتَدَّ الخَوْفُ، وَهْوَ مَطْلُوْبٌ ابتدَأَ الصَّلَاةَ إِلَى القِبْلَةِ، وصَلَّى إِلَى غَيْرِهَا رَاجِلًا وَرَاكِبًا، يُوْمِئُ إِيْمَاءً على قَدْرِ الطَّاقَةِ، ويَجْعَلُ سُجُوْدَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوْعِهِ، وسَوَاءً كَانَ مَطْلُوْبًا أَوْ طالِبًا يَخْشَى فَوَاتَ العَدُوِّ، وهيَ الرِّوَايَةُ الصَّحِيْحَةُ؛ لأنَّ المَقْصُوْدَ الاحتِرَازُ والنِّكَايةُ (٣) في العَدُوِّ، فَإِذَا جَازَ تَركَهَا للتَّحَرُّزِ، كذلِكَ

стр. 1312

النِّكَايَةُ. والثَّانِيَةُ لا يَجُوْزُ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وبِهَا قَالَ أَكْثَرُهُمْ لِقَوْلهِ تَعَالَى: (١) ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ فَشَرَطَ الخَوْفَ في ذلِكَ، وهوَ في هَذِهِ الحالةِ آمِنٌ. (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ): اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ في حَدِّ الرَّفْعِ عَلَى ثَلَاثِ رِوَايَاتٍ؛ إِحْدَاهَا: إلى المَنْكِبَيْنِ، وبِهَا قَالَ مَالِكٌ والشَافِعِيُّ وإِسْحَاقُ، والثَّانِيَةُ: حَتَّى يُحَاذِيَ أُذُنَيْهِ، اختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وبِهَا قَالَ أَبُو حَنِيْفَة. والثَّالِثَةُ: الكُلُّ سَوَاءٌ، اختَارَهَا الخِرَقِيُّ وأَبُو حَفْصٍ العُكْبَرِيُّ، وجهُ الأوَّلَةِ (٢) -اختَارَهَا الوَالِدُ السَّعِيْدُ- مَا رَوَى أَحْمَدُ بإِسْنَادِهِ عن ابن عُمَرَ، قَالَ (٣): "رَأَيْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ إذَا افْتَتَحَ الصَّلاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيْ مَنْكِبَيْهِ، وإذَا أرَادَ أنْ يَرْكَعَ، وبعدَ مَا يَرْفَعُ (٤)، ولا يَرْفَعُ بمنَ السَّجْدَتَيْنِ" قَالَ أَحْمَدُ (٥): لا يُعْدَلُ بحَدِيْثِ ابنِ عُمَرَ شَيْئًا. وأَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. وَوَجْهُ الثَّانِيَةِ: أَنَّ في رِوَايَةِ وَائِلِ بنِ حُجْرٍ، ومَالِكِ بنِ الحُوَيْرِثِ "أَنَّه رَفَع يَدَيْهِ إِلَى حِيَالِ أُذُنَيْهِ" (٦) وَرُوِيَ "إلىَ فُرُوْعِ أُذُنَيْه" وَوَجْهُ الثَّالِثَةِ: أَنَّ الكُلَّ مَرْوِيٌّ

стр. 1313

عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَدَلَّ على (١) أَنَّ الجَمِيَعَ سَوَاءٌ. (المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: ويُسْتَحَبُّ لأمِّ الوَلَدِ أَنْ تُغَطِّيَ رَأْسَهَا في الصَّلَاةِ، وقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمُّ الوَلَدِ كالحُرَّةِ في وُجُوْبِ السِّتْرِ، وَجْهُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ أَنَّها تُضْمَنُ بالقِيْمَةِ فَهِيَ كالأمَةِ القِنِّ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّه قَدْ استَقَرتِ الحُرِّيَّةُ فِيْهَا. (المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: ويَقُوْمُ عَلَى صُدُوْرِ قَدَمَيْهِ، مُعْتَمِدًا على رُكْبَتيهِ، إلَّا أَنْ يَشُقَّ ذلِكَ عَلَيْهِ، فَيَعْتَمِدُ بالأرْضِ، وهُوَ أَصحُّ الرِّوَايَتَيْنِ، وبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ؛ لِمَا رُوِيَ (٢): "انَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَنْهَضُ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى صُدُوْرِ قَدَمَيْهِ" والثَّانِيَةُ: يَجْلِسُ على إِلْيَتَيْهِ، ثُمَّ يَقُوْمُ، اختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وشَيْخُهُ، قَالَ شَيْخُهُ: رَجَعَ أَحْمَدُ (٣) عن الأوَّلةِ (٤). وَوَجْهُ الثَّانِيَةِ مَا رَوَى طَاوُوْسٌ، قَالَ (٥): قُلْنَا لابن عَبَّاسٍ في الإقْعَاءِ على القَدَمَيْنِ، فَقَالَ: "هيَ سُنَّةُ نِبِيِّكَ" وهَذَا يَدُلُّ على أَنَّه مَسْنُوْنٌ. (المَسْأَلَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: ومَنْ ذَكَرَ صَلَاةً وهو في أُخْرَى أَتَمَّها وقَضَى المَذْكُوْرَةَ، وأَعَادَ الَّتِي كَانَ فِيْهَا، إِذَا كانَ الوَقْتُ

стр. 1314

مُبْقَى، فَإِنْ خَشِيَ خُرُوْجَ الوَقْتِ اعتَقَدَ وهو فيها أَن لا يُعِيْدَهَا وقَدْ أَجْزَأَتْهُ، ويَقْضِيَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِ، وهيَ الرِّوايَةُ الصَّحِيْحَةُ، وبِهَا قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ، وَوَجْهُهَا: أَنَّا لَوْ أَوْجَبْنَا التَّرْتِيْبَ، مَعَ ضِيْقِ الوَقْتِ أَفْضَى إِلَى فَوَاتِ الوَقْتِ فِيْهِمَا؛ فَلأَنْ (١) يَفُوْتَ في إِحْدَاهُمَا ويُسْتَدْرَكُ في الأخْرَى أَوْلَى، وجَرَى (٢) مَجْرَى قَضَاءِ شَهْرِ رَمَضَان، إِذَا أَدْرَكَ مَنْ عَلَيْهِ صَوْمُهُ قُدِّمَ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ عَلَى الصَّوْمِ الفَائِتِ لِهَذهِ المَزِيَّةِ. والثَّانِيَةُ: يَجِبُ التَّرْتِيْبُ، اختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وشَيْخُهُ، وبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَوَجْهُهُ: أَنَّهما صَلَاتَانِ، فَكَانَ التَّرْتِيْبُ فِيْهِمَا مُسْتَحَقًّا، دَلِيْلُهُ: -لَوْ كَانَ الوَقْتُ وَاسعًا. (المَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: وَسُجُوْدُ القُرآنِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً، في الحَجِّ مِنهما اثنَتَانِ. فَعَلَى هَذِ الرِّوَايَةِ لَيْسَ في سُوْرَةِ (صَ) سَجْدَةٌ، وبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ؛ لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ -بإِسْنَادٍ- عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُوْلَ الله ﷺ قَالَ (٣): "سَجَدَهَا نَبِيُّ الله دَاوُدَ تَوْبَةً، ونَسْجُدُهَا نَحْنُ شُكْرًا". والثَّانِيَةُ. أَنَّها مِنْ عَزَائِم السُّجُودِ، اختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وبِهَا قَالَ

стр. 1315

أَبُو حَنِيْفَة ومَالِكٌ؛ لأنَّها لَوْ كَانَتْ تُسْجَدُ شُكْرًا (١) لقُطِعَتِ الصَّلَاةُ بِفِعْلِهَا. (المَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: ومَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ في التَّشَهُّدِ الأخِيْرِ عَامِدًا، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لأنَّه لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُوْنَ الشَّيْءُ وَاجِبًا ويَسْقُطُ بالسَّهْوِ، كالإمْسَاكِ في الصَّوْمِ، والوُقُوْفِ بعَرَفَةِ، والتَّسْمِيَةِ على الذَّبِيْحَةِ، والطَّهَارَةِ. وعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ، غَيْرُ مَا ذَكَرَ الخِرَقِيُّ، أَصَحُّهُمَا: أَنَّ الصَّلَاةَ على النَّبِيِّ ﷺ رُكْنٌ، لا يَسْقُطُ بالسَّهْوِ، اختَارَهَا الوَالِدُ [السَّعِيْدُ] (٢) وشَيْخُهُ، وابنُ شَاقِلَّا، وأَبُو حَفْصٍ العُكْبَرِيُّ، وبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ؛ لِمَا رَوَى النَّجَّادُ -بِإِسْنَادِهِ- عَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ (٣): "لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يُصلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ". والرِّوَايَةُ الأخْرَى: أَنَّها سُنَّةٌ، اختَارَهَا أبُو بَكْرٍ، وبِهَا قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ ومَالِكٌ ودَاوُدُ (٤). وَوَجْهُهَا: أَنَّه جُلُوْس مَوْضُوعٌ (٥) للتَّشَهُّدِ، فَلَا يَجِبُ فيه الصَّلَاةُ على النَّبِيِّ ﷺ ، كالجُلُوْسِ عَقِيْبَ الرَّكْعَتَيْنِ مِنَ الصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ.

стр. 1316

(المَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: وَمَنْ كَانَ إِمَامًا فَشَكَّ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى؟ تَحَرَّى، فَبَنَى عَلَى أَكْثَرِ وَهْمِهِ، ثمَّ سَجَدَ بعْدَ السَّلَامِ، كَمَا رَوَى عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُوْدٍ عَن النَّبِيِّ ﷺ فذَكَرَ دَلِيْلَ قَوْلهِ. وفيه رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ: يَبْنِي عَلَى اليَقِيْنِ، كالمُنْفَرِدِ، ويَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ، اختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، والوَالِدُ السَّعِيْدُ، وبِهَا قَالَ أَكْثَرُهُمْ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ -بِإِسْنَادِهِ- عَنْ أَبِي سَعِيْدٍ الخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُوْلَ الله ﷺ قَالَ (١): "إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ في صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى، فَلْيَبْنِ علَى اليَقِيْنِ، حَتَّى إِذَا استَيْقَنَ أَنْ قَدْ تَمَّ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنَّه إِنْ كَانَتْ صَلَاتُهُ وَتْرًا صَارَتْ شَفْعًا، وإِنْ كَانَتْ شَفْعًا صَارَ ذَيْنِكَ تَرْغِيْمًا للشَّيْطَانِ". (المَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: وَمَنْ تَكَلَّمَ عَامِدًا أَو سَاهِيًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، إلَّا الإمَامُ خَاصَّةً؛ فَإِنَّه إِذَا تَكَلَّمَ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ لَمْ تُبْطُلْ صَلَاتُهُ؛ لأنَّ بالإمَامِ حَاجَه إِلَى الكَلَامِ؛ لأنَّه يُطْوُقُهُ السَّهْوُ، فَلَا يُمْكِنُهُ مَعْرِفَةُ الصَّوَابِ إلَّا بالسُّؤَالِ عَنْهُ. وعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ سِوَى مَا ذَكَرَهُ الخِرَقِيُّ، أَصَحُّهُمَا: تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِكَلَامِ الإمَامِ، اختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ والوَالِدُ السَّعِيْدُ، وبِها قَالَ أَكْثَرُهُم؛ لأنَّه كَلَامُ آدَميٍّ لِغَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ علَى وَجْهِ العَمْدِ فَأَبْطَلَهَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لِمَصْلَحَتِهَا، مِثْلُ رَدِّ السَّلَامِ وتَشْمِيْتِ العَاطِسِ. والرِّوَايَةُ الأُخْرَى: يَجوزُ في حَقِّ الإمَامِ والمَأْمُومِ، وبِهَا قَالَ مَالِكٌ،

стр. 1317

ووَجْهُهَا: أَنَّ هَذا من (١) مَصْلَحةِ صَلاتِهِمَا، فلم يُبْطِلْهَا، كَمَا لَوْ نُبِّه الإمَامُ عَلَى سَهْوِهِ. (المَسْأَلَةُ العُشْرُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: والمَنِيُّ طَاهِرٌ، وهي الرِّوايةُ الصَّحِيْحَةُ، اختَارَهَا الوَالِدُ السَّعِيْدُ وشَيْخُهُ، وبِهَا قالَ الشَّافِعِيُّ ودَاوُدُ، لِمَا رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ (٢) قَالَ (٣): "سُئلَ النَّبِيُّ ﷺ عنِ المَنِيِّ يُصِيْبُ الثَّوْبَ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا هو بمنزلَةِ المُخَاطِ البُزَاقِ، وإنَّمَا يَكْفِيْكَ أنْ تَمْسَحَهُ بخِرْقَةٍ أو إِذْخِرَةٍ" ونَقَلَ الخِرَقِيُّ رِوَايَةً (٤) أُخْرَى: أَنَّهُ كالدَّمِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ في "التَّنْبِيْهِ": إِنْ كَانَ رَطْبًا غُسِلَ، وإِنْ كَانَ يَابِسًا فُرِكَ، فَمَتَى لَمْ يَفْعَلْ ذلِكَ وصَلَّى فِيْهِ، أَعَادَ الصَّلَاةَ، وبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ، وقَالَ مَالِكٌ: يُغْسَلُ بِكُلِّ حَالٍ. وَجْهُ اختِيَارِ أَبِي بَكْرٍ: مَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ: "أَمَرَني رَسُوْلُ الله ﷺ بغَسْلِ المَنِيِّ مِنَ الثَّوْبِ إِذَا كَانَ رَطْبًا، وبِفَرْكِهِ إذَا كَانَ يَابِسًا" وأَمْرُهُ عَلَى الوُجُوْبِ. (المَسْأَلَةُ الحَادِيَةُ والعُشْرُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: وَمَنْ لَمْ يَنْوِ القَصْرَ في وَقْتِ دُخُوْلِهِ إِلَى الصَّلَاةِ لَمْ يَقْصرْ، وبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ؛ لِقَوْلهِ ﵊: "إِنَّمَا الأعْمَالُ بالنِّيِّاتِ، وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئً مَا نَوَى" وهَذَا لَمْ يَنْوِ القَصْرَ.

стр. 1318

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ في "الخِلَافِ": يَصِحُّ القَصْرُ بغَيْرِ نِيَّةٍ؛ وَوَجْهُ (١): أَنَّ المُصَلِّي عَلَى ضَرْبَيْنِ؛ مُتِمٌّ، ومُقَصِّرٌ، ثُمَّ المُتِمُّ: لَا يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةِ الإتمامِ، كَذلِكَ المُقَصِّرُ. (المَسْأَلَةُ الثَّانِيةُ والعُشْرُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: ومَنْ صَلَّى الظَّهْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِمَّنْ عليه حُضُوْرُ الجُمُعَةِ قَبْلَ صَلَاةِ الإمَامِ: أَعَادَهَا (٢) ظُهْرًا، وبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وقَالَ أَبُو بَكْرٍ في كِتَابِ "التَّنْبِيْهِ": لَا يَجُوْزُ للْمُسَافِرِ، ولَا للمَرِيْضِ، ولَا مَنْ هُوَ مُخَاطَبٌ بالجُمُعَةِ وغيرُ مُخَاطَبٍ: أَن (٣) يُصَلِّيَ ظُهْرًا قَبْلَ صَلَاةِ الإمَامِ الجُمُعَةِ، ومَنْ صَلَّى لَمْ يُجْزِهِ، وعَلَيْهِ الإعَادَةُ. وَجْهُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ: أَنَّه غيرُ مُخَاطَبٍ بِهَا، فَجَازَ لَهُ فِعْلُهَا قَبْلَ فَرَاغِ الإمَامِ مِنْهَا؛ لأنَّه لَا مَأْثَمَ عَلَيْهِ في تَرْكِ إِتْيَانِهَا، فَلَمْ يَلْزَمْهُ تَأْخِيْرُ فِعْلِهَا إلى فَرَاغِهِمْ مِنَ الجُمُعَةِ. وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّه لَوْ حَضَرَ الجُمُعَةَ لَصَحَّتْ مِنْهُ، وسَقَطَ عَنْهُ فَرْضُ الظُّهْرِ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ فِعْلُهَا قَبْلَ فَرَاغِهِمْ مِنْهَا، دَلِيْلُهُ: مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ حُضُوْرُهَا. (المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ والعُشْرُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: ومَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ العِيْدِ: صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، كَصَلَاةِ التَّطَوُّعُ، يُسَلِّمُ في آخِرِهَا؛ لأنَّه مَذْهَبُ عليٍّ،

стр. 1319

وابنِ مَسْعُوْدٍ. وفِيْهِ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ: يُصَلِّي كَمَا يُصَلِّي الإمَامُ رَكْعَتَيْنِ، اختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ في "التَّنْبِيْهِ"؛ وَوَجْهُهَا: أَنَّ أَنَسَ بنَ مَالِكٍ كَانَ إِذَا لَمْ يَشْهَدِ العِيْدَ مَعَ النَّاسِ بالبَصْرَةِ جَمَعَ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. وَعَنْ أَحْمَدَ رَوايَةٌ ثَالِثَةٌ: أَنَّه مُخَيَّرٌ بينَ الأرْبَعِ والرَّكْعَتينِ؛ لأنَّها قَدْ أَخُذَتْ شَبَهًا مِنْ صَلَاةِ الجُمُعَةِ، بِدَلِيْلِ الخُطْبَةِ والجَهْرِ وعَدَدِ الرَّكَعَاتِ، وشَبَهًا مِنْ صلاةِ الفَجْرِ؛ لأنَّها أَصْلٌ في نَفْسِهَا (١)، فِلَهَذَا خَيَّرنَاهُ. (المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ والعُشْرُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: وإِنْ كَبَّرَ الإمَامُ في الصَّلَاةِ عَلَى المَيِّتِ خَمْسًا: كَبَّر المَأْمُوْمُ (٢) بتَكْبِيْرَهِ. وبِهِ قَالَ زُفَرُ، لِمَا رُوِيَ عنْ زَيْدٍ بن أَرْقَمَ "أَنَّه كَانَ يُكَبِّرُ عَلَى الجَنَائِزِ أَرْبَعًا، وأَنَّه كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ خَمْسًا، فَسَأَلُوْهُ؟ فَقَالَ: كَانَ رَسُوْلُ الله ﷺ يُكَبِّرُهَا" أَخرَجَهُ مُسْلِمٌ وأَبُو دَاوُدَ (٣). وفيه رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ -وهي الصَّحِيْحَةُ (٤) - يُتَابِعُ الإمَامَ إِلَى سَبعٍ، اختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وابنُ بَطَّةَ، وأَبُو حَفْصٍ العُكْبَرِيُّ، والوَالِدُ السَّعِيْدُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الله بنِ مَسْعُوْدٍ قَالَ: "مَا حَفِظْنَا التَّكبْيِر عَنْ رَسُوْلِ الله ﷺ ، قَدْ كَبَّرَ أرْبَعًا وخَمْسًا، وسَبْعًا، فَمَا كَبَّرَ إِمَامُكَ فَكَبِّرْ".

стр. 1320

وفِيْهِ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: لَا يُتَابَعُ في الخَامِسَةِ، وبِهَا قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ والشَّافِعِيُّ؛ وَوَجْهُهَا: أَنَّ عُمَرَ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أَرْبَع، كأَطْوَلَ الصَّلَاةِ. (المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ والعُشْرُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: والشَّهِيْدُ إِذَا مَاتَ في مَوْضِعِهِ لَمْ يُغْسَلْ، ولَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ، ودُفِنَ، وهي الرِّوَايَةُ الصَّحِيْحَةُ، وبِهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ؛ لأنَّ مَنْ لَمْ يَجِبْ غَسْلُهُ مَعَ الإمْكَانِ لَمْ تَجِبِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، كالسِّقْطِ إِذَا أَلْقَتْهُ ولمَّا يُصَوَّرْ (١). والثَّانِيَةُ: يُصَلَّى عَلَيْهِ، اختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ في "التَّنْبِيْهِ"، فَقَالَ: والنَّاسُ كُلُّهُمْ يُغَسَّلُوْنَ، إلَّا الشُّهَدَاء، إِذَا مَاتُوا في المَعْرَكَةِ لَمْ يُغَسَّلُوا، ويُصَلَّى عَلَيْهِمْ، كَفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ بأَهْلِ أُحَدٍ، فَذَكَرَ حُجَّتَهُ، واختَارَ ذلِكَ شَيْخُهُ، وبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ، ومَالِكٌ. وفِيْهُ رَوَايَة ثَالِثَةٌ: أَنّهُ مُخَيَّر في الصَّلَاةِ وتَرْكِهَا؛ وَوَجْهُهَا: أَنَّ ابنَ مَسْعُوْدٍ قَالَ (٢): "لَمْ يُصَلِّ النَّبِيُّ ﷺ علَى قَتْلَى أُحُدٍ" وَرَوَى غَيْرُهُ الصَّلَاةَ، فَتَعَارَضَا، فِلِهَذَا خَيَّرْنَاهُ. (المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ والعُشْرُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: وَمَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ من التَّكْبِيْرِ قَضَاهُ مُتَتَابِعًا، وإِنْ سَلَّمَ مَعَ الإمَامِ ولَمْ يَقْضِ فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ أَخْرَى: إِنْ لَمْ يَقْضِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وبِهَا قَالَ أَكْثَرَهُمْ. وَجْهُ الأولةُ -وهي مَذْهَبِ ابنِ عُمرَ، والحَسَنِ البَصْرِيِّ، وأَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ والأوْزَاعِيِّ-. مَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ:

стр. 1321

"يَارَسُوْلَ اللهِ، أُصَلِّي عَلَى الجَنَازَةِ، وَيَخْفَى عَليَّ بعضُ التَّكبِيْرِ؟ فَقَالَ: مَا سَمِعْتِ فكَبَرِّي، ومَا فَاتَكِ فَلا قَضَاءَ عَلَيكِ". وَوَجْهُ الثَّانِية: أَنَّ كُلَّ تَكْبِيْرٍ قائمًا مَقَامَ رَكْعَةٍ، ولهذَا لَا يَجُوْزُ الاقْتِصَارُ عَلَى أَقلِّ من أَرْبَعِ تَكِبِيْرَاتٍ. ولَوْ فَاتَهُ بعضُ الرَّكَعَات قَضَاهُ، كذلكَ التَّكِبْيَراتُ. (المَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ والعُشْرُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: في زكَاةِ الإبلِ: إِذَا بَلَغَتْ إحدَى وتِسْعِيْن: فَفِيْهَا حِقَّتَانِ، إلى عِشْرِيْنَ ومَائةَ، فَإِذَا زَادَتْ على عِشْرِيْنِ ومَائَة، ففي كلِّ أَرْبَعينِ: بنتُ لَبُوْنٍ، وفي كلِّ خَمْسِيْنَ: حقَّةٌ. قَالَ الوالدُ السَّعِيْدُ: فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ زِيَادَةَ الواحِدةِ (١) على عِشْرِيْنَ ومائة تُغَيِّر الفَرْضَ، فيَكونُ في كلِّ أَرْبَعِيْنَ بنتُ لَبُوْنٍ، وفي كلِّ خَمْسين حِقَّةٌ. فيكون فيها ثلاثُ بَنَاتِ لَبُوْنٍ، وأخْتَارُهُ، وبِهِ قَالَ الشَّافِعَيُّ ودَاوُدُ؛ وَوَجْهُهُ: مَا رَوَى ابنُ عُمَرَ قَالَ (٢): ""وَجَدْنَا في كتَابِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ في صَدَقَةِ الإبل -وذَكَرَ الخَبرَ- إلى أَنْ قَالَ: إلى عِشْرِيْنَ ومَائة، فإِذَا زَادَت واحدةً، ففي كلِّ أَرْبَعِيْنَ: ابْنَةُ لَبُوْنٍ، وفي كلِّ خَمْسين: حِقَّةٌ، طَرُوْقَةُ الفَحْلِ، فيَكُوْنَ فيها ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُوْنٍ". وفيه روايةٌ ثانيةٌ: لا يَتَغَيَّرُ الفَرْضُ إلَّا بزِيَادَةِ عَشْرٍ، فَتَكُوْنُ الحِقَّتَانِ

стр. 1322

في إِحْدَى وتِسْعِيْنَ، إلى مائةٍ وتسْعَةٍ وعِشْرِيْنَ. فَإِذَا صَارَتْ مائةً وثَلَاثِيْنَ ففيها حِقَّةٌ وبِنْتَا لِوْنٍ، اختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ في كتاب "الخِلَاف". وبِهَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، وعَنْ مَالِكٍ: كالرِّوايَتَيْنِ. وَجْهُ الثَّانِيَةِ: مَا رَوَاهُ ابنُ بَطَّةَ -بِإِسْنَادِهِ- عن الزُّهْرِيِّ قَالَ: "هَذِهِ نُسْخَةُ كِتَابِ رَسُوْلِ الله ﷺ ، الَّتي كَتَبَ في الصَّدَقَةِ، وهيَ عِنْدَ آلِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، وذَكَرَ الخَبَرَ إلى أَنْ قَالَ: فَإِذَا كَانَتْ إحْدَى وتِسْعِيْنَ ففيها حِقَّتَانِ طَرُوْقَتَا الفَحْلِ، حَتَّى تبلغَ عِشْرِين ومَائة. فإِذَا كَانَت ثَلَاثِيْنَ ومَائَةَ، ففيها حِقَّةٌ وبِنْتَا لَبُوْنٍ وذَكَرَ الخَبَرَ" (١). (المَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ والعُشْرُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: في زَكَاةِ الغَنَمِ: في أَرْبَعِيْنَ شَاةٌ، فَإِذَا صَارَتْ مائةً وإحدَى وعِشْرِيْنَ فَشَاتَيْنِ، فَإِذَا صَارَتْ مَائَتَيْنِ وشَاةً، فَفِيْهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، إلى ثَلَاثِمَائَة، فَإذَا زَادَتْ ففي كلِّ مائةٍ شاةٌ، وهيَ الرِّوايةُ الصَّحِيْحَةُ، وبِهَا قَالَ أَكْثَرُهُمْ؛ وَوَجْهُهَا: مَا رَوَى ثُمَامَةُ ابنُ عَبْدِ الله بنِ أَنَسٍ -أَنَّ جَدَّهُ أَنَسًا حَدَّثَهُ "أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيْقَ كَتَبَ لهُ- لَمَّا وَجَّهَهُ إلى البَحْرَيْنِ، وذَكَرَهُ -ثُمَّ قَالَ: وفي صَدَقَةِ الغَنَم في سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِيْنَ، إلى عِشْرِيْنَ ومَائَة شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ إلى أَن تَبْلُغَ مَائَتَيْن فِفِيْها شَاتَان، فَإِذَا زَادَتْ على المائَتينِ، إلى ثَلَاثَمِائة فَفِيْهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، فَإِذَا

стр. 1323

زَادَتْ على ثَلَاثَمِائَةَ فَفِي كلِّ مَائِةٍ شَاةٌ" أَخْرَجَهُ البُخَارِي (١). وفِيْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى: إِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثَمَائَةِ شَاةٍ فَفِيْهَا أَرْبَعُ شِيَاهٍ، ثُمَّ كذلِكَ، كُلَّمَا زَادَتْ عَلَى المائة وَاحِدَةً، فَفِيْهَا شَاةٌ، اختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَوَجْهُهَا أَنَّه لَمَّا حُدَّ الوَقْصُ (٢) بِهَذَا الحَدِّ دلَّ عَلَى أَن الفَرْضَ يَتَعَلَّقُ بالزِّيَادَةِ، إِذْ لَوْ كَانَ الفَرْضُ لَا يَتَعَلَّقُ بالزِّيادةِ علَى الثَّلاثِمَائَة لم يُحَدَّ الوَقْصُ بهَذَا الحَدِّ. (المَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ والعُشْرُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: وإِنْ أَعْطَاهَا كُلَّهَا في صِنْفٍ مِنْهَا أَجْزَأَهُ، إِذَا لَمْ يُخْرِجْهُ إلى الغِنَى، وهو المَنْصُوْصُ عَنْ أَحْمَدَ؛ وَوَجْهُهُ: أَنَّه مَذْهَبُ عُمَرَ، وعَلِيٍّ (٣) وحُذَيْفَةَ، ومُعَاذٍ، وابنِ عَبَّاسٍ، وبِهِ قَالَ مِنَ الفُقَهَاءِ أَبُو حَنِيْفَةَ، ومَالِكٌ. وقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لا يُدْفَعُ إلَّا في الثَّمانِيَةِ، وبِهِ قَالَ الشافِعِيُّ؛ وَوَجْهُهُ: أَنَّه لَمَّا لَمْ يَجُزِ الاقْتِصَارُ في خُمْسِ الخُمُسِ على بَعْضِ الأصْنَافِ كَانَ كَذلِكَ في الزَّكَاةِ. (المَسْأَلَةُ الثَّلَاثُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: ولَا زكَاةَ في دُونِ المَائَتَي دِرْهَمٍ إلَّا أَنْ يَكُوْنَ في مُلْكِهِ ذَهَبٌ أَوْ عُرُوضٍ للتِّجَارَةِ، فَيُتِمُّ بِهِ، [وكَذلِكَ مَا كَانَ] (٤) دُوْنَ العِشْرِيْنَ مِثْقَالًا، فَإِذَا تَمَّتْ فَفيْهَا رُبْعُ العُشُرِ، وهي الرِّوايةُ

стр. 1324

الصَّحِيْحَةُ، اختَارَهَا الخَلَّالُ، والوَالِدُ السَّعِيْدُ. وبِهَا قَالَ أَبُو حَنْيْفَةَ، ومَالِكٌ؛ وَوَجْهُهَا: أَنَّ الدَّرَاهِمَ والدَّنَانِيْرَ أَثْمَانُ الأشْيَاءِ، وقَيمُ المُتْلَفَاتِ، ويَكْمُلُ بَعْضُهَا بِمَا يَكْمُلُ بِهِ الآخَرُ، وهو عُرُوْضُ التِّجَارَةِ، فيُضَمُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ كالسُّودِ والبِيْضِ، والمُكَسَّرَةِ والصِّحَاحِ. وفِيْهُ رِوايةٌ أُخْرَى: لا تُضَمُّ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وبِهَا قَالَ الشَّافِعَيُّ ودَاوُدُ؛ لأنَّهمَا جِنْسَانِ يَجْرِي فيهما الرِّبَا، فَلَا يُضَمُّ بَعْضُهمَا إلى بَعْضٍ، كالتَّمْرِ والزَّبِيْبِ. (المَسْأَلَةُ الحَادِيَةُ والثَّلَاثُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: وإِذَا مَلَكَ جَمَاعَةٌ عَبْدًا أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ [مِنهم في صَدَقَةِ [فِطْرِهِ صَاعًا،] (١) اختَارَهَا الوَالِدُ السَّعِيْدُ؛ لأنَّ مَنْ لَزِمَهُ أَن يُخْرِجَ صَدَقَةَ الفِطْرِ عَنْ غَيْرِهِ لَزِمَهُ] (٢) صَاعٌ كَامِلٌ؛ دَلِيْلُهُ: إِذَا انْفَرَدَ بمُلْكِهِ، وطَرْدُهُ: إِذَا لَزِمَ اثْنَيْنِ نَفَقَةَ ابْنِهِمَا. وفيه رِوَايَةٌ أُخْرَى: يُخْرِجَانِ عَلَى قَدْرِ المِلْكِ، وبِهَا قَالَ مَالِكٌ والشَّافِعِيُّ، اختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ في "التَّنْبِيْهِ"، فَقَالَ: ويُعْطِي السَّيِّدَانِ عَنْ عَبْدِهِمَا صَاعًا، يُؤَدِّي كُلُّ وَاحدٍ مِنْهُمَا نِصْفَهُ، مِثْل مَا يُزَكِّيَانِ ثَمَنَهُ، فَذَكَرَ حُجَّتَهُ (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَة الثَّلَاثُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: فَإِنْ أَعْطَى أَهْلُ البَادِيَةِ الأَقَط (٣) أَجْزَأَهُمْ إِذَا كَانَ قُوْتَهُمْ، وبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ. وَوَجْهُهُ: أَنَّه مَخْلُوْقٌ

стр. 1325

منْ حيَوَانٍ، فَلَا يَجُوْزُ إِخْرَاجُهُ، كاللَّحْمِ. وفِيْهُ رِوَايَةٌ ثَانِيَة: يَجُوزُ إخراجُ الأقِطِ في صَدَقَة الفِطْرِ، وإِنْ لَمْ يَكُنْ قُوْتَهُمْ. اختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ والوَالِدُ [السَّعِيْدُ]، وبِهَا قَالَ مَالِكٌ، وعَنِ الشَّافِعَيِّ كالرِّوايَتَيْنِ. وَجْهُ الثَّانِيَةِ: مَا رَوَى أَبُو سَعِيْدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ: (١) "كنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ -إِذْ كَانَ فِيْنَا رَسُوْلُ الله ﷺ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أوْ صَاعًا مِنْ شَعِيْرٍ، أوْ صَاعًا منْ زَبِيْبٍ، أوْ صَاعًا من أقِطٍ، وذَكَرَ الخَبَر" أَخْرَجَهُ البُخَارِي ومُسْلِمٌ. (المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ والثَّلَاثُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: وإِذَا رَأَى الهِلَالَ نَهَارًا، قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ، فهو لِلَّيْلَةِ المُقْبِلَةِ؛ لأنَّه مَرْوِيٌّ عن عَلِيٍّ، وابنِ عَمْرٍو، وابنِ مَسْعُودٍ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ في "التَّنْبِيْهِ": فَإِنْ قَالَ: (٢) أَخْبِرُوْنَا عن رُؤْيَةِ الهِلَالِ قَبْلَ الزَّوَالِ وبَعْدَهُ للإفْطَارِ والصِّيَامِ؟ قيل: إِذَا رَآهُ قَبْلَ الزَّوَالِ فهو لأمْسِهِ، وإِذَا كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ فهو لِغَدِهِ، وهو مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ وأَبِي يُوسُفَ؛ لأنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ كَتَبَ إلى سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ وإِلَى أَهْلِ جَلَوْلَاءَ "إِذَا رَأَيْتُمُ الهِلَالَ في الصَّوْمِ في آخر النَّهَارِ فَلَا تُفْطِرُوا، وإِذَا رأَيْتُمُوْهُ في أَوَّل النَّهَارِ بالأمْسِ فأفطِرُوا، فَإِنَّه كَانَ بالأمْسِ".

стр. 1326

(المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ والثَّلَاثُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: ومَنْ حَجَّ عن غَيْرِهِ، ولم يَكُنْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ: رَدَّ مَا أَخَذَ، وكَانَتْ الحَجَّةُ عن نَفْسِهِ، اختَارَهَا (١) ابنُ حَامدٍ، وبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَوَجْهُهُ: أَنَّ أكْثَرَ ما فِيْهِ عَدَمُ التَّعْييْنِ، وذلِكَ غيرُ مُعْتبَرٍ (٢) في الإحْرَامِ؛ الدَّلِيْلُ عَلَيْهِ: لَوْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا انْصَرَفَ إلى الفَرْضِ، كذلِك إِذَا نَواهُ عن غَيْرِهِ يَجِبُ أَنْ يَنْصَرِفَ إلى نَفْسِهِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ في كِتَابِ "الخِلَافِ": إنَّ الإحْرَامَ لَا يَنْعَقِدُ جُمْلَةً، ويقعُ بَاطِلًا، وَوَجْهُهُ أَنَّه لَمْ يَنْوِهِ عَنْ نَفْسِهِ، ونَوَاهُ عَنْ غَيْرِهِ، وقَدْ قُلْنَا: إِنَّه (٣) لَا يَنْعَقِدُ عَن الغَيْرِ (٤). (المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ والثَّلَاثُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: ومَنْ طَافَ وسَعَى مَحْمُولًا لِعِلَّةٍ: أَجْزَأَهُ، قَالَ الوَالِد [السَّعِيْدُ] في كِتَابِ "الرِّوَايَتينِ" وغَيْرِهِ، فَظَاهِرُ المَنع، إِذَا كَانَ لِغَيْرِ عَلَّةٍ، وأَنّه لا يُجْزِئُهُ، وسَوَاءً كَانَ رَاكِبًا دابةً، أَوْ يَحْمِلُهُ آدَميٌّ، وهي الرِّوايةُ التي نَصَرَهَا الوَالِدُ؛ وَوَجْهُهَا: قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ (٥): "الطَّوَافُ بالبَيْتِ صَلَاةٌ، غَيْرَ أنَّ اللهَ أحَلَّ لَكُمْ فِيْهُ النُّطْقَ" وقَوْلُهُ: "الطَّوَافُ صَلَاةٌ" مَعْنَاهُ: مِثْلُ صَلَاةٍ، فَحَذَفَ المُضَافَ، فكَانَ بمنزِلَةِ

стр. 1327

الصَّلَاةِ إلَّا ما استَثنَاهُ وهْوَ إِبَاحَةُ النُّطْقِ. وفِيْهُ رِوَايةٌ ثَانِيَةٌ: يُجْزيه، ولا دَمَ عَلَيْهِ، اختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ في "زَادَ المُسَافِرِ" وابنُ حَامدٍ، وبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وقَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ ومَالِكٌ: إِذَا طَافَ رَاكِبًا لغَيْرِ عُذْرٍ: كُرِهَ لَهُ، وقِيْلَ لَهُ: أَعِدْ. فَإِنْ لَم يُعِدْ أَجْزَأَهُ وعَلَيْهِ دَمٌ. وَجْهُ الثَّانِيَةِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَافَ رَاكبًا (١). (المَسْأَلَةُ السَّادِسَة الثَّلَاثوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: وليس في عَمَلِ القَارِنِ زيادَةٌ على عَمَلِ المُفْرِدِ، إلَّا أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا وهي الرِّوايَةُ الصَّحِيْحَةُ، وبِهِ قَالَ مَالِكٌ والشَّافِعِيُّ؛ لِمَا رَوَى ابنُ عُمَرَ [﵁] (٢) قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ (٣): "مَنْ قَرَنَ بَيْنَ حَجَّتِهِ وعُمْرَتِهِ أجْزَأهُ لَهُمَا طَوَافٌ وَاحِدٌ". وقَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ: يَطُوْفُ طَوَافَيْن، ويَسْعَى سَعْيَيْنِ، وقَدْ أَجْزَأَهُ لَهُمَا. وعَنْ أحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: لَا يُجْزِئُ القَارِنُ عن عُمْرَتهِ، بلْ عَلَيه (٤) عُمْرَةٌ مُفْرَدَةٌ، اختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وأَبُو حَفْصٍ، فَعَلَى هَذهِ الرِّوَايَةِ: يَحْتَاجُ إِلَى إِحْرَامَيْنِ، وعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيْفَةَ: يُجْزِئُهُ ذلِكَ بإِحْرَامٍ وَاحِدٍ. وَوَجْهُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الأفْعَالَ إِذَا تَرَادَفَتْ من جِنْسٍ، فَإِنَّمَا تَتَدَاخَلُ إِذَا اتَّفَقَا في المِقْدَارِ، كالغُسْلِ من الجَنَابَةِ والحَيْضِ، والوَضُوءِ من البَوْلِ والنَّوْمِ، فأَمَّا

стр. 1328

إِذَا اخْتَلَفا فيِ المِقْدَارِ فَإِنَّه يُؤتَى بكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، كحدِّ الزِّنَا وشُرْبِ الخَمْرِ. وطَرْدُهُ: الطهَارَةُ الصُّغْرَى والكُبْرَى لَا تَتَدَاخَلُ، علَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (المَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ والثَّلَاثُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: وسَائِرُ اللُّحْمَانِ جِنْسٌ وَاحِدٌ، لَا يَجُوْزُ بَيْعُ بَعْضِهِ ببَعْضٍ رَطْبًا، ويَجُوْزُ إِذَا تَنَاهَى جَفَافُهُ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ في أَحَدِ قَوْلَيْهِ؛ وَوَجْهُهُ: لَحْمُ بَهِيْمَةِ الأنْعَامِ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا؛ دَلَيْلُهُ: اختِلَافُ أَنْواعِهِ، مِثْلُ لَحْمِ البُخْتِ (١) والعِرَابِ، والضَّأْنِ والمَاعِزِ. وعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى -وَهِيَ الصَّحِيْحَةُ- أَنَّ اللُّحُوْمَ أَجْنَاسٌ باختِلَافِ (٢)، أُصُوْلهَا وكذلِكَ الألْبَانُ، اختَارَ ذلِكَ أَبُو بَكْرٍ، والوَالِدُ السَّعْيِدُ، وبِهَا قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ. وَوَجْهُهَا: أَّنَّهَا فُرُوْع لأصُوْلٍ، في (٣) أجْنَاسٌ، فكانَتْ أَجْنَاسًا في أَنْفُسِهَا، كالأدِقَّةِ والأخْبَازِ.

стр. 1329

وعَنْ أَحْمَدَ روايةٌ ثالثةٌ: أَنَّها أربعةُ أَجْنَاسٍ؛ لَحْمُ الأنْعَامِ صِنْفٌ، و [لُحُومُ] الوُحُوْشِ (١) صِنْفٌ، ولُحُوْمُ (٢) الطَّيْرِ صِنْفٌ، ولحُوْمُ (٤) دَوَابِّ المَاءِ صِنْفٌ، يَجُوْزُ بَيع كُلِّ وَاحِدٍ بخِلَافِهِ مُتَفَاضِلًا، ولَا يَجُوْزُ بِصَنْفِهِ (٣) إلَّا مُتَمَاثِلاً، وبِهِ قَالَ مَالِكٌ؛ وَوَجْهُهَا: أَنَّ الإبلَ والبَقَرَ مِنْ بَهِيْمَةِ الأنْعَامِ، ومِنْ ذَوَاتِ الأرْبَعِ، فَلَمْ يَجُزْ بَيعُ أَحَدِهِمَا بالآخَرِ مُتَفَاضِلًا، كأَنْواعِ الإبِلِ، وأَنْوَاعِ البَقَرِ. (المَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ والثَّلَاثُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: إِذَا وَجَدَ أَحدُ المُتَصَارِفَيْنِ عَيْبًا -بَعْدَ التَّفَرُّق- وكانَ العَيْبُ من جِنْسِهِ: لَهُ البَدَلُ وهي الرِّوايَةُ الصَّحِيْحَةُ، واختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ الخَلَّالُ؛ لأنَّ البَدَلَ قائمٌ مقامَ المُبْدَلِ، والقَبْضُ قَدْ حَصَلَ في المُبْدَلِ. والرِّوايةُ الثَّانِيَةُ: لَيْسَ لَهُ البَدَلُ، اختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وبها قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ، فَعَلَى هَذَا: يَبْطُلُ العَقْدُ [فيه، ولا يَجُوْزُ أَنْ يَكونَ القَبْضُ في عينٍ منَ الأعْيَانِ قَبْضًا في عَيْنِ أُخْرَى، فَإِذَا بَطَلَ الصَّرْفُ فِي] (٤) قَدْرِ المَرْدُوْدِ، فَهَلْ يَبْطُلُ في نَفْسهِ؟ عَلَى رِوَايَتينِ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيْقِ الصَّفْقَةِ. (المَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ والثَّلَاثُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: والإقَالَة فَسْخٌ، وعن

стр. 1330

أَبِي عبدِ الله رِوَايَةٌ أُخْرَى: الإقَالَةُ بَيْعٌ، اختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ في "التَّنْبِيه" وَجْهُ الأوَّلَة (١) -وهيَ الصَّحِيْحَةُ- وبِهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ-: أَنَّ الإقَالةَ في اللُّغَةِ مَوْضُوْعَةُ لرفعِ الشَّيْءِ، يُقَالُ: أَقَالَ اللهُ عَثْرَتَكَ، يَعْنِي رَفَعَهَا، وإِذَا كَانَ كذلِكَ وَجَبَ أَنْ يَكُوْنَ رَفْعًا للعَقْدِ وفَسْخًا لَهُ. وَوَجُهُ الثَّانِيَةِ -وهِيَ مَذْهَبُ مَالِكٍ- أَنَّ الفَسْخَ في العُقُوْدِ: مَا كَانَ عن غَلَبةٍ، دُوْنَ مَا وَقَعَ عن اختِيَارٍ وتَرَاضٍ، دَلِيْلُهُ: سَائِرُ العُقُوْدِ. (المَسْأَلَةُ الأرْبَعُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: وَإِذَا اشْتَرَى أَمَةً ثَيِّبًا فَأَصَابَهَا واستَغلَّها، ثُمَّ ظَهَرَ فِيْهَا على عَيْبٍ، كان مُخيَّرًا بينَ أَنْ يَرُدَّهَا ويَأْخُذَ الثَّمَنَ كَامِلًا؛ لأنَّ الخَرَاجَ بالضِّمَانِ -والوَطْءِ كالخدِمْةِ- وبينَ أَن يأخذَ ما بين الصِّحةِ والعَيْبِ، وإن كانت بِكْرًا فأرَادَ ردَّها كان عليه ما نَقَصَهَا، إلَّا أنْ يَكونَ البائعُ قد دَلَّسَ، فَيَلْزَمُهُ رَدُّ الثَّمنِ كاملًا، وكذلِكَ سائرُ المَبِيعِ، وهي الرِّوايةُ الصَّحِيْحَةُ، وبها قَالَ مَالِكٌ؛ لأنَّ الوَطْءَ مَعْنًى لوْ حَصَل من الزَّوْجِ لم يَمْنَعْ منَ الرِّدِّ بالعَيْبِ، فَإِذَا حَصَلَ من المُشْتَرِي لَمْ يَمْنَعْ كالاستِخْدَامِ. وفيه روايةٌ ثانيةٌ: إِذَا (٢) وُجِدَ الوَطْءُ لَمْ يَمْلُكِ الرَدَّ فِيْهِمَا، اختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وبِهَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وأَبُو حَنِيْفَةَ. وقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنْ كَانَتْ بِكْرًا لَمْ يَمْلِكِ الرَّدَّ. فالدِّلَالةُ لِمَا اختَارَهُ أَبُو بَكْرٍ أنَّه لَوْ رَدَّهَا بالعَيْبِ لانْفَسَخَ

стр. 1331

العقْدُ (١) مِنْ أَصْلِهِ، وعَادَتِ الجاريةُ إلى البَائِعِ عَلَى حُكْمِ المِلْكِ الأوَّلِ، كأَنَّه لم يَكُنُ بَيْنَهمَا بَيعٌ، ويَحْصُلُ وَطْءُ المُشْتَرِي في مِلْكِ الغَيْرِ، والوَطْءُ في مُلْكِ الغَيْرِ: لا يَخْلُو من إِيْجَابِ حَدٍّ أَوْ مَهْرٍ -واتَّفَقُوا: أَنَّه لا يَجِبُ عليه حَدٌّ ولا مَهْرٌ- وَجَبَ أَنْ لا يَرُدَّ. والدَّلَالةُ على قَوْل الشَّافِعِيِّ: أَنَّه لَمَّا لَمْ يَمْنَعِ الزَّوْجُ من الرَّدِّ بالعَيْبِ في حَقِّ البِكْرِ، فَكَذلِكَ في حَقِّ البَائِعِ. (المَسْأَلَةُ الحَادِيَة الأرْبَعُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: وإِذَا اشْتَرَى شَيْئًا مأْكُوْلَهُ في جَوْفِهِ، فَكَسَرَهُ، فَوَجَدَهُ فَاسِدًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَكْسُوْرًا قِيْمَةٌ -كَبيْضِ الدَّجَاجِ- رَجَعِ بالثَّمَنِ عَلَى البَائِعِ، وإِنْ كَانَتْ لَهُ مَكْسُوْرًا قِيْمَةٌ -كَجَوْزِ الهِنْدِ- فهو مُخيَّرٌ في الرَّدِّ، ويَأْخُذُ الثَّمَنَ، وعَلَيْهِ أَرْشُ الكَسْرِ، أَوْ يَأْخُذُ مَا بَيْنَ صَحِيْحِهِ ومَعِيْبِهِ. وعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: لَهُ الأرْشُ، دُوْنَ الرَّدِّ، اختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وبِهَا قالَ أبُو حَنِيْفَةَ والشَّافِعِيُّ. وَجُهُ الأوَّلَةِ: مَا رَوَى الخَلَّالُ -بإِسْنَادِهِ- عَنْ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ في رَجُلٍ اشْتَرَى ثَوْبًا فَلَبِسَهُ، ثُمَّ رَأَى بِهِ عَيْبًا "يَرُدُّهُ ومَا نَقَصَهُ". وَوَجُهُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: أنَّ في إِثْبَاتِ الرَّدِّ إِثْبَاتُ ضَرَرٍ عَلَى البَائِع؛ لأنَّكمْ تَقُوْلُوْنَ: إِذَا كَانَ البَائِعُ قَدْ دَلَّسَ العَيْبَ، فَتَصرَّفَ المُشْتَرِي مَلَكَ الرَّدَّ، ولا يَغْرَمُ الأرْشَ، وهَذَا ضَرَرٌ؛ لأنَّه أَخَذَهُ صَحِيْحًا من الأتْلَافِ،

стр. 1332

ورَدَّهُ مُتْلَفًا مِنْ غَيْرِ ضَمَانٍ. (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ والأرْبعوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: وإِذَا بَاعَ شَيْئًا، واختَلَفَا في ثَمَنِهِ تَحَالَفَا، وإِنْ شَاءَ المُشْتَرِي أَخَذَهُ بعدَ ذلِكَ بِمَا قَالَ البَائِعُ، وإِلَّا انْفَسَخَ البَيع بَيْنَهُمَا، وإِنْ كَانَتِ السِّلْعَةُ تَالِفَةً تَحَالَفَا، ورَجَعَا إلى قِيْمَةِ مِثْلِهَا، إلَّا أَنْ يَشَاءَ المُشْتَرِي أَنْ يُعْطِيَ الثَّمَنَ عَلَى مَا قَالَ البَائِعُ. وفيه رِوَايَة ثَانية: القَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي معَ يَمِيْنهِ، ولَا يَتَحَالَفَانِ (١)، وهيَ اختِيَارُ أَبِي بَكْير، وبِهَا قَالَ أَبُو حَنِيْفَة. وَجْهُ الأوَّلَةِ (٢) مَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ -بَإِسْنَادِهِ- عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ قَالَ: "إِذَا اخْتَلَفَ البَيِّعَانِ -والمَبِيع مُسْتَهْلَكٌ- فَالقَوْلُ قَوْلُ البَائِعٍ" (٣) ورفع الحَدِيْثَ إلى النَّبِيِّ ﷺ ، وهَذَا نَصٌّ في إِثْبَاتِ التَّحَالُفِ بعدَ الهَلَاكِ. وَوَجْهُ الثَّانِيَةُ: أَنَّه مَعْنًى يُوْجِبُ فَسْخَ البَيع (٤) مَعَ بَقَاءِ السِّلْعَةِ. فَوَجَبَ أَنْ لَا يَثْبتَ حُكْمُهُ بعدَ هَلَاكِهَا، كالرَدِّ بالعَيْبِ، والإقَالَةِ، وخِيَارُ الشَّرْطِ، عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. (المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ والأرْبعوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: وَبَيع الفَهْدِ والصَّقْرِ المُعَلَّمِ جَائِزٌ، وكَذلِكَ بَيْعُ الهِرِّ، وكلُّ مَا فِيْهِ مَنْفَعَةٌ، وبِهِ قَالَ الشَّافِعَيُّ،

стр. 1333

وقَال أَبُو بَكْرٍ: لَا يَصِحُّ بَيْعُهُمَا. وَجْهُ الأوَّلَةُ: أَنَّه حَيَوَانٌ (١) يُنْتَفَعُ بِهِ ويَجُوْزُ اقتِنَاؤُهُ عَلَى الإطْلَاقِ، فَجَازَ بَيْعُهُ، كَبَهِيْمَةِ الأنْعَامِ. وَوَجْهُ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ: مَا رَوى جَابِرٌ ﵁ عن النَّبِيِّ ﷺ "نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ والسِّنَّوْرِ" (٢). (المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ والأرْبَعُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: وَمَنْ أَوْنِسَ مِنْهُ رُشْدٌ: دُفِعَ إِلَيه مَالُهُ، إِذَا كَانَ قَدْ بَلَغَ. وكَذلِكَ الجَارِيَةُ، وإِنْ لَمْ تُنْكَحْ، وبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ، والشَّافِعِيُّ؛ لأنَّهَا بَالِغَةٌ رَشِيْدَةٌ، فَيُدْفَعُ إِلَيْهَا مَالَهَا، كَمَا لَوْ تزَوَّجَتْ وَوَلَدَتْ وَلَدًا. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يُدْفَعُ إلى الجَارِيَةِ مَالَهَا تَتَصَرَّفُ فِيْهِ، حَتَّى تَلِدَ وَلَدًا؛ فإِنَّ حِفْظَهَا لِوَلَدِهَا أَكْثَرُ مِنْ حِفْظِهَا لِنَفْسِهَا، وهوَ قَوْلُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ. وهَذَا مَنْصُوْصٌ عن (٣) أَحْمَدَ، واختَارَهُ الوَالِدُ السَّعِيْدِ. قَالَ: ويَحُوْلُ عليه الحَوْلُ. وَوَجْهُ الثَّانِيَةِ: مَا رَوَى أَبُو بَكْرٍ -بإِسْنَادِ- عن شُرَيْحٍ قَالَ: "عَهِدَ إِلَيَّ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ أَنْ لَا أُجِيْزَ لِجَارِية عَطِيَّةً حَتَّى تَحِلَّ في بَيْتِ زَوْجِهَا حَوْلًا، أَوْ تَلِدَ وَلَدًا" ولَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ في الصَّحَابَةِ.

стр. 1334

(المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ والأرْبَعُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: ومَنْ أَقرَّ بِشَيْءٍ، واستَثنى مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ: كَانَ استِثناؤُهُ بَاطِلًا إِلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَ عَيْنًا مِنْ وَرِقٍ، أَوْ وَرِقًا من عَيْنٍ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَصِحُّ استِثْنَاءُ الوَرِقِ من العَيْنِ، ولا العَيْنُ مِنَ الوَرِقِ. وَجْهُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ: أَنّهُمَا قَدْ أُجْرِيَا مُجْرَى الجِنْسِ الوَاحِدِ في قِيَمِ المُتْلفَاتِ، وأَرشِ الجِنَايَاتِ، وضَمِّ بَعْضِهِمَا إلى بَعْضٍ في الزَّكَوَاتِ. فَكَدْلِكَ في الاستثْنَاءِ. وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّه اسْتِثناءُ مِنْ غَيْرِ الجِنْسِ، فهوَ كَمَا لَوْ استَثْنَى طَعَامًا أَوْ ثَيَابًا أَوْ حَيَوَانًا (١). (المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ والأرْبَعُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: ومَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ، فاسْتَثْنَى مِنْهُ الأكْثَرَ، وهو أَكْثَرُ من النِّصْفِ أُخِذَ بالكُلِّ. وكانَ استِثْنَاؤُهُ بَاطِلًا، فَظَاهِرُهُ أَنه يَصِحُّ استِثْنَاءِ النِّصْفِ، هكَذَا فَسَّرَهُ الوَالدُ السَّعِيْدُ. وَوَجْهُهُ: [أَنَّه لَمْ يَسْتَثْنِ (٢) الأكْثَرَ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ استَثنَى الثُّلْثَ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَصِحُّ استِثْنَاءِ النِّصْفِ. وَوَجْهُهُ: أَنَّه] (٣) إِنَّمَا لَمْ يَجُزْ استِثناؤُهُ الكَثيْرَ؛ لأنَّه لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، وهَذَا مَوْجُوْد في النِّصْفِ؛ لأنَّه لَمْ يُنْقَلْ [عَنْهُمْ، وإِنَّمَا نُقِلَ عَنْهُم] (٤) فِيْمَا دُوْنَهُ (٥)، فَيَجِبُ أَنْ يُمْنَعَ

стр. 1335

مِنْ ذلِكَ، كَمَا مُنِعَ في الكَثِيْرِ. (المَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ والأرْبعوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: ولَا يَجُوْزُ أَنْ يَأْخُذَ رَهْنًا ولَا كَفِيْلاً مِنَ المُسْلَمَ إِلَيْهِ (١). وَوَجْهُهُ: أَنَّ هَلَاكَ (٢) الرَّهْنِ علَى وَجْهِ العُدْوَانِ وأَن (٣) يَصِيْرَ مُسْتَوْفِيًا للمُسْلَمِ فيه، فيَصِيْرَ كأَنَّه استَوْفَى الرَّهْنَ بَدَلاً عَنِ المُسْلَمِ، فَلَا يَجُوْزُ؛ لِقَولهِ ﷺ : (٤) "مَنْ أَسلَمَ في شَيءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيرِهِ". وفِيْهِ رَوَايَةٌ ثَانِيَةٌ: يَجُوْزُ ذلِكَ، اختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وبِهَا قَالَ أَكْثَرُهُمْ. وَوَجْهُهَا: أنَّه أَحَدُ نَوْعَيْ المَبِيعِ، فَجَازَ أَخْذُ الرَّهْنِ بِمَا ثَبَتَ في الذِّمَّة مِنْهُ، كالثَّمَنِ في المَبيع. (المَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ والأرْبعُوْنَ): اختَلَفَتْ الرِّوايةُ: بِمَا يَضْمَنُ المَغْرُوْرُ أَوْلَادَهُ؟ عَلَى ثَلَاثِ رَوَايَاتٍ؛ أَصَحُّها: بِمثْلِهُمْ مِنَ العَبِيْدِ، اختَارَهَا الخِرَقِيُّ والثَّانِيَةُ: المَغْرُوْرُ بالخِيَارِ بَيْنَ المِثْلِ أَوِ القِيْمَةِ، اختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ في "المُقْنِعِ". والثَّالِثَةُ: يَفْدِيْهِمْ بالقِيْمَةِ، وبِهَا قَالَ أَكْثَرُهُمْ. وَجْهُ الأوَّلَةِ: مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ "مَكَانَ كلِّ غُلَامٍ بغُلَامٍ، ومَكَانَ كلِّ
следующие страницы →