← Тараджим

Тараджим · id 1520

طبقات الحنابلة - لابن أبي يعلى - ت العثيمين

أبو الحسين ابن أبي يعلى

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

العقْدُ (١) مِنْ أَصْلِهِ، وعَادَتِ الجاريةُ إلى البَائِعِ عَلَى حُكْمِ المِلْكِ الأوَّلِ، كأَنَّه لم يَكُنُ بَيْنَهمَا بَيعٌ، ويَحْصُلُ وَطْءُ المُشْتَرِي في مِلْكِ الغَيْرِ، والوَطْءُ في مُلْكِ الغَيْرِ: لا يَخْلُو من إِيْجَابِ حَدٍّ أَوْ مَهْرٍ -واتَّفَقُوا: أَنَّه لا يَجِبُ عليه حَدٌّ ولا مَهْرٌ- وَجَبَ أَنْ لا يَرُدَّ. والدَّلَالةُ على قَوْل الشَّافِعِيِّ: أَنَّه لَمَّا لَمْ يَمْنَعِ الزَّوْجُ من الرَّدِّ بالعَيْبِ في حَقِّ البِكْرِ، فَكَذلِكَ في حَقِّ البَائِعِ. (المَسْأَلَةُ الحَادِيَة الأرْبَعُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: وإِذَا اشْتَرَى شَيْئًا مأْكُوْلَهُ في جَوْفِهِ، فَكَسَرَهُ، فَوَجَدَهُ فَاسِدًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَكْسُوْرًا قِيْمَةٌ -كَبيْضِ الدَّجَاجِ- رَجَعِ بالثَّمَنِ عَلَى البَائِعِ، وإِنْ كَانَتْ لَهُ مَكْسُوْرًا قِيْمَةٌ -كَجَوْزِ الهِنْدِ- فهو مُخيَّرٌ في الرَّدِّ، ويَأْخُذُ الثَّمَنَ، وعَلَيْهِ أَرْشُ الكَسْرِ، أَوْ يَأْخُذُ مَا بَيْنَ صَحِيْحِهِ ومَعِيْبِهِ. وعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: لَهُ الأرْشُ، دُوْنَ الرَّدِّ، اختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وبِهَا قالَ أبُو حَنِيْفَةَ والشَّافِعِيُّ. وَجُهُ الأوَّلَةِ: مَا رَوَى الخَلَّالُ -بإِسْنَادِهِ- عَنْ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ في رَجُلٍ اشْتَرَى ثَوْبًا فَلَبِسَهُ، ثُمَّ رَأَى بِهِ عَيْبًا "يَرُدُّهُ ومَا نَقَصَهُ". وَوَجُهُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: أنَّ في إِثْبَاتِ الرَّدِّ إِثْبَاتُ ضَرَرٍ عَلَى البَائِع؛ لأنَّكمْ تَقُوْلُوْنَ: إِذَا كَانَ البَائِعُ قَدْ دَلَّسَ العَيْبَ، فَتَصرَّفَ المُشْتَرِي مَلَكَ الرَّدَّ، ولا يَغْرَمُ الأرْشَ، وهَذَا ضَرَرٌ؛ لأنَّه أَخَذَهُ صَحِيْحًا من الأتْلَافِ،

стр. 1332

ورَدَّهُ مُتْلَفًا مِنْ غَيْرِ ضَمَانٍ. (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ والأرْبعوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: وإِذَا بَاعَ شَيْئًا، واختَلَفَا في ثَمَنِهِ تَحَالَفَا، وإِنْ شَاءَ المُشْتَرِي أَخَذَهُ بعدَ ذلِكَ بِمَا قَالَ البَائِعُ، وإِلَّا انْفَسَخَ البَيع بَيْنَهُمَا، وإِنْ كَانَتِ السِّلْعَةُ تَالِفَةً تَحَالَفَا، ورَجَعَا إلى قِيْمَةِ مِثْلِهَا، إلَّا أَنْ يَشَاءَ المُشْتَرِي أَنْ يُعْطِيَ الثَّمَنَ عَلَى مَا قَالَ البَائِعُ. وفيه رِوَايَة ثَانية: القَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي معَ يَمِيْنهِ، ولَا يَتَحَالَفَانِ (١)، وهيَ اختِيَارُ أَبِي بَكْير، وبِهَا قَالَ أَبُو حَنِيْفَة. وَجْهُ الأوَّلَةِ (٢) مَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ -بَإِسْنَادِهِ- عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ قَالَ: "إِذَا اخْتَلَفَ البَيِّعَانِ -والمَبِيع مُسْتَهْلَكٌ- فَالقَوْلُ قَوْلُ البَائِعٍ" (٣) ورفع الحَدِيْثَ إلى النَّبِيِّ ﷺ ، وهَذَا نَصٌّ في إِثْبَاتِ التَّحَالُفِ بعدَ الهَلَاكِ. وَوَجْهُ الثَّانِيَةُ: أَنَّه مَعْنًى يُوْجِبُ فَسْخَ البَيع (٤) مَعَ بَقَاءِ السِّلْعَةِ. فَوَجَبَ أَنْ لَا يَثْبتَ حُكْمُهُ بعدَ هَلَاكِهَا، كالرَدِّ بالعَيْبِ، والإقَالَةِ، وخِيَارُ الشَّرْطِ، عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. (المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ والأرْبعوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: وَبَيع الفَهْدِ والصَّقْرِ المُعَلَّمِ جَائِزٌ، وكَذلِكَ بَيْعُ الهِرِّ، وكلُّ مَا فِيْهِ مَنْفَعَةٌ، وبِهِ قَالَ الشَّافِعَيُّ،

стр. 1333

وقَال أَبُو بَكْرٍ: لَا يَصِحُّ بَيْعُهُمَا. وَجْهُ الأوَّلَةُ: أَنَّه حَيَوَانٌ (١) يُنْتَفَعُ بِهِ ويَجُوْزُ اقتِنَاؤُهُ عَلَى الإطْلَاقِ، فَجَازَ بَيْعُهُ، كَبَهِيْمَةِ الأنْعَامِ. وَوَجْهُ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ: مَا رَوى جَابِرٌ ﵁ عن النَّبِيِّ ﷺ "نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ والسِّنَّوْرِ" (٢). (المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ والأرْبَعُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: وَمَنْ أَوْنِسَ مِنْهُ رُشْدٌ: دُفِعَ إِلَيه مَالُهُ، إِذَا كَانَ قَدْ بَلَغَ. وكَذلِكَ الجَارِيَةُ، وإِنْ لَمْ تُنْكَحْ، وبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ، والشَّافِعِيُّ؛ لأنَّهَا بَالِغَةٌ رَشِيْدَةٌ، فَيُدْفَعُ إِلَيْهَا مَالَهَا، كَمَا لَوْ تزَوَّجَتْ وَوَلَدَتْ وَلَدًا. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يُدْفَعُ إلى الجَارِيَةِ مَالَهَا تَتَصَرَّفُ فِيْهِ، حَتَّى تَلِدَ وَلَدًا؛ فإِنَّ حِفْظَهَا لِوَلَدِهَا أَكْثَرُ مِنْ حِفْظِهَا لِنَفْسِهَا، وهوَ قَوْلُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ. وهَذَا مَنْصُوْصٌ عن (٣) أَحْمَدَ، واختَارَهُ الوَالِدُ السَّعِيْدِ. قَالَ: ويَحُوْلُ عليه الحَوْلُ. وَوَجْهُ الثَّانِيَةِ: مَا رَوَى أَبُو بَكْرٍ -بإِسْنَادِ- عن شُرَيْحٍ قَالَ: "عَهِدَ إِلَيَّ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ أَنْ لَا أُجِيْزَ لِجَارِية عَطِيَّةً حَتَّى تَحِلَّ في بَيْتِ زَوْجِهَا حَوْلًا، أَوْ تَلِدَ وَلَدًا" ولَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ في الصَّحَابَةِ.

стр. 1334

(المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ والأرْبَعُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: ومَنْ أَقرَّ بِشَيْءٍ، واستَثنى مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ: كَانَ استِثناؤُهُ بَاطِلًا إِلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَ عَيْنًا مِنْ وَرِقٍ، أَوْ وَرِقًا من عَيْنٍ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَصِحُّ استِثْنَاءُ الوَرِقِ من العَيْنِ، ولا العَيْنُ مِنَ الوَرِقِ. وَجْهُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ: أَنّهُمَا قَدْ أُجْرِيَا مُجْرَى الجِنْسِ الوَاحِدِ في قِيَمِ المُتْلفَاتِ، وأَرشِ الجِنَايَاتِ، وضَمِّ بَعْضِهِمَا إلى بَعْضٍ في الزَّكَوَاتِ. فَكَدْلِكَ في الاستثْنَاءِ. وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّه اسْتِثناءُ مِنْ غَيْرِ الجِنْسِ، فهوَ كَمَا لَوْ استَثْنَى طَعَامًا أَوْ ثَيَابًا أَوْ حَيَوَانًا (١). (المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ والأرْبَعُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: ومَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ، فاسْتَثْنَى مِنْهُ الأكْثَرَ، وهو أَكْثَرُ من النِّصْفِ أُخِذَ بالكُلِّ. وكانَ استِثْنَاؤُهُ بَاطِلًا، فَظَاهِرُهُ أَنه يَصِحُّ استِثْنَاءِ النِّصْفِ، هكَذَا فَسَّرَهُ الوَالدُ السَّعِيْدُ. وَوَجْهُهُ: [أَنَّه لَمْ يَسْتَثْنِ (٢) الأكْثَرَ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ استَثنَى الثُّلْثَ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَصِحُّ استِثْنَاءِ النِّصْفِ. وَوَجْهُهُ: أَنَّه] (٣) إِنَّمَا لَمْ يَجُزْ استِثناؤُهُ الكَثيْرَ؛ لأنَّه لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، وهَذَا مَوْجُوْد في النِّصْفِ؛ لأنَّه لَمْ يُنْقَلْ [عَنْهُمْ، وإِنَّمَا نُقِلَ عَنْهُم] (٤) فِيْمَا دُوْنَهُ (٥)، فَيَجِبُ أَنْ يُمْنَعَ

стр. 1335

مِنْ ذلِكَ، كَمَا مُنِعَ في الكَثِيْرِ. (المَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ والأرْبعوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: ولَا يَجُوْزُ أَنْ يَأْخُذَ رَهْنًا ولَا كَفِيْلاً مِنَ المُسْلَمَ إِلَيْهِ (١). وَوَجْهُهُ: أَنَّ هَلَاكَ (٢) الرَّهْنِ علَى وَجْهِ العُدْوَانِ وأَن (٣) يَصِيْرَ مُسْتَوْفِيًا للمُسْلَمِ فيه، فيَصِيْرَ كأَنَّه استَوْفَى الرَّهْنَ بَدَلاً عَنِ المُسْلَمِ، فَلَا يَجُوْزُ؛ لِقَولهِ ﷺ : (٤) "مَنْ أَسلَمَ في شَيءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيرِهِ". وفِيْهِ رَوَايَةٌ ثَانِيَةٌ: يَجُوْزُ ذلِكَ، اختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وبِهَا قَالَ أَكْثَرُهُمْ. وَوَجْهُهَا: أنَّه أَحَدُ نَوْعَيْ المَبِيعِ، فَجَازَ أَخْذُ الرَّهْنِ بِمَا ثَبَتَ في الذِّمَّة مِنْهُ، كالثَّمَنِ في المَبيع. (المَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ والأرْبعُوْنَ): اختَلَفَتْ الرِّوايةُ: بِمَا يَضْمَنُ المَغْرُوْرُ أَوْلَادَهُ؟ عَلَى ثَلَاثِ رَوَايَاتٍ؛ أَصَحُّها: بِمثْلِهُمْ مِنَ العَبِيْدِ، اختَارَهَا الخِرَقِيُّ والثَّانِيَةُ: المَغْرُوْرُ بالخِيَارِ بَيْنَ المِثْلِ أَوِ القِيْمَةِ، اختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ في "المُقْنِعِ". والثَّالِثَةُ: يَفْدِيْهِمْ بالقِيْمَةِ، وبِهَا قَالَ أَكْثَرُهُمْ. وَجْهُ الأوَّلَةِ: مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ "مَكَانَ كلِّ غُلَامٍ بغُلَامٍ، ومَكَانَ كلِّ

стр. 1336

جَارِيَةٍ بِجَارِيَةٍ". وَوَجْهُ الثَّانِيَة: أَنَّه بَدَلُ حُرٍّ، فَدَخَلَهُ التَّخييْرُ بينَ الحَيَوَانِ والأثْمَانِ. دَلِيْلُهُ: غَيْرُهُ مِنَ الأحْرَارِ. وَوَجْهُ الثَّالِثَةِ: أَنَّه لا يُمْكِنُ الرُّجُوع إِلَى المِثْلِ؛ لأنَّه إِنْ سَاوَاهُ في القَدْرِ خَالَفَهُ في الصِّفَةِ واللَّوْنِ. (المَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ والأرْبَعوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: إِذَا غَصَبَ جَارِيَةً وبَاعَهَا، فَوَطِئَهَا المُشْتَرِي، وأَوْلَدَهَا وهو لا يَعْلَمُ رُدَّتِ الجَارِيَةُ إلى سَيِّدِهَا ومَهْرُ مِثلِهَا، وهوَ مَذهَبُ عُمَرَ. وفِيْهِ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ: لَا يَرْجِعُ بالمَهرِ، اختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وهيَ مَذْهَبُ عَلِيٍّ، وبِهَا قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ. وَجْهُ الأوَّلَةُ: أَنَّ البَائِعَ ضَمِنَ لَهُ بعَقدِ البَيع سَلَامَةَ الوَطْءِ، كَمَا ضَمِنَ لَهُ سَلَامَةَ الوَلَدِ، فَكَمَا يُرْجَعُ عليه بقيْمَةِ الوَلَدِ، كَذلِكَ يُرْجَعُ عليه [بالمَهْرِ. وطَردُهُ: أُجرةُ الخِدْمَةِ إِذَا غَرَمَهَا. وَوَجْهُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ المَهْرِ] (١) بَدَلُ مَنْفَعَةٍ قَدْ حَصَلَتْ لَهُ، فَيَجِبُ أَن لا يَرْجِعَ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ. (المَسْأَلَةُ الخَمْسُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: فَإِنْ وَقَعَتْ الإجَارَةُ على كُلِّ شَهْرٍ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ لم يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمُ الفَسْخُ إلَّا عندَ تَقَضِّي كلِّ شَهْرٍ، وبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ ومَالِكٌ؛ لأنَّ الشَّهْرَ الأوَّلَ مَعْلُوْمٌ؛ لأنَّه عَقِيْبَ العَقدَ، وَقَدْ

стр. 1337

ذَكرَ لَه قِسْطًا مِنَ الأُجرَةِ مَعْلُوْمًا، فَصَحَّ في الشَّهْرِ الأوَّلِ، وبَطَلَ فِيْمَا بَعْدَهُ، كَمَا لَوْ قَالَ في الشَّهْرِ الأوَّلِ: بعَشَرَةٍ، ومَا بَعْدَهُ من الشُّهورِ بِحِسَابِهِ، ولَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ الشَّهرُ الثَّانِي والثَّالِثُ؛ لأنَّه لَوْ صَحَّ فِيْهِمَا لَوَجَبَ أَنْ يَصِحَّ في جَمِيعِ الشُّهُوْرِ، ولَوْ صَحَّ في جَمِيْعِهَا: أَدَّى إلى الجَهَالَةِ. وفِيْهِ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ: الإجَارَةُ فَاسِدةٌ، اختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وبِهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ؛ لأنَّ العَقدَ إِذَا وَقَعَ على جُمْلَةٍ مَجْهُوَلَةٍ، بَطَلَ فِيْهَا وفي أَبْعَاضِهَا كُلِّهَا، وإِنْ كَانَتْ أَبْعَاضُهَا مَعْلُوْمَةً، كَمَا لَوْ قَالَ: آجرتُكَ هَذهِ الدَّارَ ودَارًا أُخْرَى بعَشَرَةٍ. (المَسْأَلَةُ الحَادِيَةُ والخَمْسُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: إِذَا وَقَفَ عَلَى قَوْمٍ وَأَوْلَادِهِمْ وعَقِبِهِمْ، فَهوَ وَقْفٌ عَلَى مَنْ وَقَفَ عَلَيْهِ وأَوْلَادِهِ، الذَّكَرِ والأنْثَى مِنْ أَوْلَادِ البَنيْنِ، بَيْنَهُمْ بالسَّويَّةِ، إلَّا أنْ يَكُوْنَ الواقِفُ فَضَّلَ بَعْضَهُمْ علَى بَعْضٍ، وبِهِ قَالَ مَالِكٌ، ومُحَمَّدُ بن الحَسَنِ. وَوَجْهُهُ: أَنَّ المَالَ إِذَا أُضِيْفَ إلى الوَلَدِ على الإطْلَاقِ: لَمْ يَدْخُلْ فيه وَلَدُ البَنَاتِ، كالمِيْرَاثِ، وهوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (١) ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ في "التَّنْبِيْهِ": وإِذَا وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ، وَوَلَدِ وَلَدِهِ: دَخَلَ فِيْهِ وَلَدُ البِنْتِ، وَوَلَدُ الابْنِ، كَمَا قَالَ النَّبيُّ ﷺ : (٢) "إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ" وهُوَ ابنُ ابْنَتِهِ، فَإِذَا قَالَ: لِوَلَدِهِ لصُلْبِهِ لَمْ

стр. 1338

يَدْخُلْ فيهم وَلَدُ البِنْتِ، واختَارَهُ ابنُ حَامدٍ، وبِهِ قَالَ أبُو يُوْسُفَ، والشَّافِعِيُّ. وَوَجْهُهُ: مَا تَقَدَّمَ مِنِ احْتِجَاجِ أَبِي بَكْرٍ بالخَبَرِ. (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الخَمْسُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: وإِذَا أَوْصَى لَهُ بِسَهْمٍ من مَالِهِ: أُعْطِيَ السُّدُسُ. وَقَدْ رُوِيَتْ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله رِوَايَةٌ أَخْرَى: يُعْطَى سَهْمًا مِمَّا تَصِحُّ مِنْه الفَرِيْضَةُ، وهَذهِ الرِّوَيَةُ الثَّانِيةُ: اختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وشَيْخُهُ. قَالَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ: الرِّوَايَةُ الأوَّلَةُ: لَهُ السُّدُسُ، إلَّا أَنْ تَعُوْلَ المَسْأَلةُ، فيُعْطَى سُدُسًا عَائِلًا، فَإِن كَانَتِ المَسْأَلةُ مِنْ ثَمَانِيَةٍ، كَانَ لَه السُّبع (١)، قَالَ: وهو مَذْهَبُ ابنِ مَسْعُودٍ، وإِيَاسِ بنِ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: ومَحْمَلُ الثَّانِيَةِ لَهُ سَهْمٌ مِمَّا تَصِحُّ مِنْهُ الفَرِيْضَةُ، وإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنَ السُّدُسِ، فَإِنْ زَادَ على السُّدُسِ: أَعْطِيَ السُّدُسُ. وقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيُّ: الخِيَارُ للوَرَثَةِ يُعْطُوْنَ مَا شَاءُوا. وَجْهُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ: مَا رُوِيَ عن عَبْد اللّه قَالَ في رَجُلٍ قَالَ: "لِرَجُلٍ سَهْمٌ من مَالِي -في عَهْدِ رَسُوْلِ اللّه ﷺ فتُوفيَ المُوْصِي، فَلَمْ يُدْرَ مَا يُعَطَى (٢)؟ فسُئِلَ النبَّيِّ ﷺ عَنْهَا؟ فَجَعَلَ لَهُ سُدُسًا مِنْ مالِهِ". وَوَجْهُ الثَّانِيَة: أَنَّ اسمَ السَّهْمِ يَقَعُ عَلَى ذلِك، وهو مُتَحَقَّقٌ، وما زَادَ عَلَيْهِ مَشْكُوْكٌ فِيْهِ.

стр. 1339

(المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ والخَمْسُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: والعَمَّةُ بمَنْزِلَةِ الأبِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللّه ﵁ أَنّهَ جَعَلَهَا بمَنزلةِ العَمِّ. وَوَجْهُ الأوَّلَةِ -وهي مَذْهَبُ عُمَرَ، وابنِ مَسْعُوْدٍ، والنَّخَعِيِّ، والثَّوْرِيِّ وغَيْرِهِمْ- مَا رَوَى أَحْمَدُ -بإسْنَادِهِ- عن الزُّهْرِيِّ: أَنَّ رَسُوْلَ الله ﷺ قالَ: "العَمَّةُ بِمَنزلَةِ الأَبِ، إذَا لَم يَكْنْ بَينَهمَا أبٌ، والخَالُ بمَنزلَةِ الأُمِّ، إِذَا لَمْ يَكُنْ بَينهُمَا أُمٌّ". وَوَجْهُ الثَّانِيَةِ -اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وبِهَا قَالَ الشَّعْبِيُّ، وعَنْ عَليٍّ ﵁ (١) أنَّا إِذَا أَنْزَلْنَاهَا مَنْزِلَةَ أَبٍ أسْقَطَتْ (٢) مَنْ هُوَ أقْرَبُ مِنْهَا، وهُو وَلَدُ الأخَوَاتِ، وبَنَاتِ الإخْوَةِ؛ لأنَّهم وَلَدُ الأبِ، وهي من وَلَدِ الجَدِّ، ولَا يَجُوْزُ أَنْ يُسْقِطَ الأبْعَدُ الأقْرَبَ. (المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ والخَمْسُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: ومَنْ زَوَّجَ غُلَامًا غيرَ بَالِغٍ أَوْ مَعْتُوْهًا: لَمْ يَجُزْ، إلَّا أَنْ يُزَوِّجهُ وَالدُهُ، أَوْ وَصِيٌّ نَاظِرٌ لَهُ في التَّزوِيْجِ، وهيَ الصَّحِيْحَةُ، وبِهَا قَالَ الحَسَنُ وحَمَّادٌ، ومَالِكٌ؛ لأنَّها وِلَايَةٌ ثَابِتَةٌ لِلأَبِ في حَالِ حَيَاتِهِ، فمَلَكَ نَقْلَهَا بالإيْصَاءِ عِنْدَ مَمَاتِهِ، كولَايَةِ المَالِ. وفيه رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ: لا يُسْتَفَادُ النِّكاحُ بالوَصِيَّةِ، اختَارَهَا أَبُو [بَكْرٍ، وبِهَا قَالَ] (٣) أَبُو حَنِيْفَةَ والشَّافِعِيُّ؛ لأنَّها وَلَايَةٌ في حَقِّ غَيْرِهِ، وقَدْ كَانَت

стр. 1340

تَنْتَقِلُ إلى عَصَبَتِهِ لو لَمْ يُوصِ، فَلَمْ يَجُز أَن يَسْقُطَ حَقُّه عَنْهَا، كالوَصيَّةِ في المالِ إِذَا كانَ وَرَثَتُهُ كِبَارًا. (المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ والخَمْسُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: وإِذَا زَوَّجَ ابنَتَهُ البِكْرَ، فَوَضَعَهَا في كَفَاءَةٍ فالنِّكَاحُ ثَابِتٌ، وإِنْ كَرِهَتْ، صَغِيْرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيْرةً، ولَيْسَ هَذَا لِغَيْرِ الأبِ، وهي الرِّوَايَةُ الصَّحِيْحَةُ، اختَارَهَا الوَالِدُ السَّعِيْدُ في جَمِيْعِ مُصَنَّفَاتِهِ، وبِهَا قَالَ مَالكٌ، وابنُ أَبِي لَيْلَى، والشَّافِعِيُّ، وإِسْحَاقُ؛ لأنَّ مَنْ لَمْ يَفْتَقِرْ نِكَاحُهَا إلى نُطْقِهَا مَعَ القَدْرَةِ عَلَيْهِ لَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى رِضَاهَا في تَزْوِيْجِ الأبِ. وعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: إِذَا بَلَغَتْ تِسْعَ سِنِيْنَ لَمْ تُجْبَرْ عَلَى النِّكَاحِ، اختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وقَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ: إِذَا بَلَغَتْ لَمْ تُجْبَرْ. وَجْهُ الثَّانِيَةِ: أَنَّهَا بَلَغَتْ سِنًّا تَحْدُثُ فيه الشَّهْوَةُ، فَلَمْ تُجْبَرْ علَى النِّكَاحِ، كَالثَّيِّبِ. (المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ الخَمْسُوْنَ): قَالَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ في [المَجْنُونِ إِذَا كَانَ جُنُوْنُه] (١) مُطْبِقًا في جَمِيْعِ الأوْقَاتِ، وَكَانَ مُحْتَاجًا إلى النِّكَاحِ، فَقَالَ الخِرَقِيُّ: يَجُوْزُ للْوَليِّ تَزْوِيْجُهُ؛ لأنَّه مُحْتَاجٌ إِلَى ذلِكَ، ولَيْسَ لَهُ إِذنٌ في الحَالِ، ولا يُرجَى لَه إِذْنٌ في الثَّانِي، فَجَازَ تَزْوِيْجُهُ بغَيْرِ إِذْنِهِ. وقَالَ أَبُو بَكْرٍ في "الخِلَافِ": لَا يَجُوْزُ لِلأَبِ تَزْوِيْجِه إِذَا كَانَ بَالِغًا. وَوَجْهُهُ: أَنَّه بَالغٌ مَحْجُوْرٌ (٢) عَلَيْهِ، أَشْبَهَ المَحْجُوْرَ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ.

стр. 1341

(المَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ والخَمْسُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: وأَحَقُّ النَّاسِ بتَزوِيْجِ المَرْأَةِ الحُرَّةِ: أَبُوْهَا، ثُمَّ أَبُوْهُ، ثُم ابنُهَا وابنُهُ، ثُمَّ أَخُوْهَا لأبِيْهَا وأُمِّهَا، والأخُ للأَبِ مثله، وهو المَنْصُوْصُ عن أَحْمَدَ. [وَوَجْهُه: أَنَّهُمَا أَخَوَانِ، يزَوِّجِ كلُّ وَاحدٍ مِنهُمَا على الانْفِرَادِ. فَإِنْ اجْتَمَعَا تَسَاوَيَا، كَمَا لَوْ كَانَا لأبَوَيْنِ أَو لأبٍ. وقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الأخُ للأبوَيْنِ أَوْلَى، بِهِ قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ، ومَالِكٌ، والجَدِيْدُ للشَّافِعِيِّ. وَوَجْهُهُ] (١): أَنَّ الأخَ مِنَ الأبَوَيْنِ قَدْ سَاوَى الأخَ مِنَ الأبِ في التَّعْصِيْبِ، وانْفَرَدَ بمَزِيَّةِ الرَّحِم مِنْ جِهَةِ الأمِّ فَكَانَ أُوْلَى، كَمَا قُلْنَا في بَابِ المِيْرَاثِ، وهكَذَا الحَكْمُ في تَحَمُّلِ العَقلِ، والصَّلَاةِ عَلَى الجَنَازَةِ. (المَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ والخَمْسُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: إِذَا (٢) أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الوَثَنِيَّيْنِ، أَو المَجُوْسِيَّيْنِ بعدَ الدُّخُولِ فَإِنْ أَسْلَمَ الآخرُ قَبْلَ انْقِضَاءَ العِدَّةِ فَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ، وإِنْ لَمْ يَسْلِمْ حَتَّى انْقَضَتْ العِدَّةُ بَانَتْ مِنْهُ مُنْذُ اختَلَفَ الدِّينانِ، وبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ؛ لأنَّ النّبِيَّ ﷺ "رَدَّ هِنْدًا إِلَى أَبِي سُفْيَانَ" وقد كان تأخَّرَ إِسْلَامُهَا. وفيه رِوَايَةٌ أُخْرَى بتَعْجِيْلِ الفُرْقَةِ، كَمَا لَوْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُوْلِ (٣)،

стр. 1342

اختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وشَيْخُهُ؛ لأنَّه اختِلَافُ دِيْنٍ، فأَوْجَبَ الفُرْقَةَ، دَلِيْلُهُ: قَبْلَ [الدُّخُوْل. (المَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ والخَمْسُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: ولَوْ كَانَتْ الأمَةُ لنفْسَيْنِ، فأَعْتَقَ (١) أحدُهُمَا فَلَا خِيَارَ (٢) لَهَا] (٣) إِذَا كَانَ المُعْتِقُ مُعْسِرًا؛ لأنَّه إِنَّمَا يَثبُتُ لِلأَمَةِ الخِيَارُ إِذَا كَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا؛ لأنَّهَا صَارَتْ كَامِلَةً في نَفْسِهَا، كَامِلَةً في أَحْكَامِهَا، وهَذَا لَا يُوْجَدُ فِيْمَا (٤) إِذَا أُعْتِقَ بعْضُهَا؛ لأنَّ أَحْكَامَهَا لَمْ تَكمُلْ، بَلْ هِيَ في حُكْمِ الأمَةِ القِنِّ. وقَالَ أَبُو بَكْرٍ في كِتَابِ "الخِلَافُ": تَمْلِكُ، ورَوَى ذلِكَ عَنْ أَحْمَدَ. وَوَجْهُهَا: أَنَّها أَكْمَلُ مِنْهَا بِمَا حَصَلَ فِيْهَا مِنَ الحُرِّيَّةِ، ولِهَذَا يَقُوْلُ: إِنَّها تَرِثُ وتُوْرَثُ، وتَحْجِبُ عَلَى قَدْرِ مَا فِيْهَا مِنَ الحُرِّيَّةِ، فيَجِبُ أَنْ تَمْلِكَ الفَسْخَ، كَمَا لَوْ عَتَقَ جَمِيْعُهَا. (المَسْأَلَةُ السُّتُّوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ في العِّنِيْنِ: إِذَا أَجَّلَهُ الحَاكِمُ سَنَةً، فإِنْ جُبَّ قبلَ الحَوْلِ (٥) كَانَ لَهَا الخِيَارُ في وَقْتِهَا؛ لأنَّنَا لا نَنْتَظِرُ بِهِ تَمَامَ الحَوْلِ ليُرْجَى منه الدُّخُوْلُ، وبالجَبِّ أُيِسَ منه الدُّخُولُ، فَلَا مَعْنَى للتَّرَبُّصِ، فَلِهذَا مَلَكَتِ الفَسْخَ في الحَالِ.

стр. 1343

وقَالَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ: فَإنْ حَدَثَ بِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ بَعْدَ النِّكَاحِ عَيْبٌ يُوْجِبُ الفَسْخَ لَمْ يَثْبُتِ الخِيَارُ في قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وابنِ [حَامدٍ، وهو مَذْهَبُ مَالِكٍ؛ لأنَّ البِضْعَ في حُكْمَ المَقْبُوْضِ، بدَلِيْلِ أَنَّ البَدلَ يَسْتَقِرُّ بالمَوْتِ] (١)، وإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْ جِهَتِهَا تَسْلِيْمٌ، وكَذلِكَ نِصْفُ الصَّدَاقِ يَسْتَقِرُّ بالطَّلَاقِ قَبْلَ [الدُّخُوْلِ، ومَعْلُوْمٌ أَنَّ الطَّلاقَ قَبْلَ الدُّخُوْلِ يَجْرِي] (٢)، فَجَرَى مَجْرَى الإقَالَةِ، والإقَالَةُ تُوْجِبُ رَدَّ جَمِيع العِوَضِ، وإِذَا كَانَ في حُكُمِ المَقْبُوْضِ لَمْ يُوْجِبِ الفَسْخَ، كالمَبِيع إِذَا حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ بَعْدَ القَبْضِ. (المَسْأَلَةُ الحادِيَةُ والسِّتُّوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ في بابِ العِنِّيْنِ: وإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا وادَّعَى أَنَّه يَصِلُ إِلَيْهَا أُخْلِيَ مَعَهَا، وقِيْلَ لَهُ: أَخْرِجْ مَاءَكَ على شَيْءٍ، فَإِنْ ادَّعَتْ أَنَّه لَيْسَ بِمَنِيٍّ جُعِلَ على النَّارِ، فَإِنْ ذَابَ، فهو مَنِيٌّ، وبَطَلَ قَوْلُهَا. وَقَدْ رُوِيَ عَن أَبِي عَبْدِ اللهِ قولٌ آخرُ: القَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَميْنهِ. وَجْهُ الأوَّلَةِ -وهيَ قَوْلُ عَطَاءٍ، اختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ في "التَّنبِيْهِ"-: أَنَّ ذلِكَ مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى صِدْقِ الزَّوْجِ وكَذِبِهِ؛ لأنَّ العِنِّيْنَ يَضْعُفُ عَنِ الإنْزَالِ، فَإِذَا أَنْزَلَ تَبَيَّنَا أَنَّه كَانَ صَادِقًا في دَعْوَاهُ، فَهْوَ كَمَا لَوْ شَهِدَ القَوَابِلُ أنَّهَا عَذْرَاءُ: حَكَمْنَا بِصِحَّةِ قَوْلهَا. وَوَجْهُ الثَّانِيَةِ -وبِهَا قَالَ أَكْثُرُهم-: أَنَّ المَرْأَةَ تَدَّعِي عَلَى زَوْجِهَا العِنَّةَ، وتُرِيْدُ أَنْ تَرْفَعَ النِّكَاحَ وتَفْسَخَهُ، والزَّوْجُ يُنكرُ ذلِكَ، ويَقُوْلُ: لَسْتُ

стр. 1344

بِعِنِّيْنٍ، لِيَبْقَى النِّكَاحَ عَلَى حَالته (١)، والأصْلُ بَقَاءُ النِّكَاحِ. وعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: القَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجَةِ؛ لأنَّ الزَّوْجَ يَدِّعِيْ الوَطْءَ، والزَّوْجَةُ تُنْكِرُهُ، والأصْلُ: أَنَّ لَا وَطْءَ. وذَكرَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ عَنْ أَبِي بِكْرٍ: أَنَّه يُزَوَّجُ امرأةً مِنْ بَيْتِ المَالِ، لَهَا دَيْنٌ، فَإِنْ ذَكَرَتْ أَنَّه يَقْرَبُهَا، كُذِّبَتِ الأوْلَى، وكَانَتِ الثَّانِيَةُ بالخِيَارِ، إِنْ شَاءَتْ أَقَامَتْ مَعَهُ، وإِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْهُ، ويَكُوْنُ الصَّدَاقُ في بَيْتِ المَالِ، وإِنْ كَذبَتْه (٢) فُرِّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأوْلَى (٣) والثَّانِيَةِ، وكانَ صَدَاقُهَا في بَيْتِ المَالِ وهْوَ مَذْهَبُ سَمُرَةَ. وقَالَ الأوْزَاعِيُّ: تُدْخَلَ مَعَ زَوْجِهَا وتُقْعَدُ امرأَتَانِ، فَإِذَا فَرَغَا نظَرَا في فَرْجِهَا، فإِنْ كَانَ فيه المَنِيُّ فهو صَادِقٌ، وإلَّا فَهْوَ كَاذِبٌ. (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ والسِّتُّوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: وإِذَا قَالَ الخُنْثَى المُشْكِلُ: أَنَا رَجُلٌ، لمْ يُمْنَعْ مِنْ نِكَاحِ النِّسَاءِ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ أَن ينكح بغيرِ (٤) ذلِكَ بَعْدُ (٥)، وكذلِكَ لَوْ سَبَقَ فَقَالَ: أَنَا امْرَأَةٌ، لَم ينكحْ إلَّا رَجُلًا. وَوَجْهُهُ: أَنَّ مَنْ هذِهِ صِفَتُهُ، فالأَصْلُ فِيْهِ مَشْكُوْكٌ، وهُوَ أَعْرَفُ بِطَبْعِهِ مِنْ غَيْرِهِ، فَيُرْجَعُ إليه في ذلِكَ كالعِدَّةِ؛ لَمَّا لَمْ يُتَوصَّلْ إِلَى مَعْرِفَتِهَا

стр. 1345

مِنْ غَيْرِ المَرْأَةِ قُبِلَ قَوْلُهَا في انْقِضَائها (١). وقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَجُوْزُ للخُنْثَى المُشْكِلُ التَّزَوُّجَ، وحَكَى ذلَكَ عَنْ أَحْمَدَ. وقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لأنَّ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ لا يُقْطَعُ عَلَى كَوْنِهِ رَجُلًا ولا امْرَأَةً، وإِنَّمَا يُحْكَمُ مِنْ طَرِيْقِ الظَّاهِرِ وغَلَبَةِ الظَّنِّ، والفُرُوْجُ لا تُبَاحُ بِغَلَبَةِ (٢) الظَنِّ. (المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ والسِّتُّوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: والنِّثَارُ مَكْرُوْهٌ؛ لأنَّه شَبِيْهُ النُّهْبَةِ، وقَدْ يَأْخُذُهُ مَنْ غَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَى صَاحِبِ الدَّارِ مِنْهُ، وبِهِ قَالَ مَالِكٌ والشَّافِعِيُّ، لِمَا رَوَى أَنَسٌ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ "نَهَى عَنِ النُّهبَةِ" وقَالَ: "مَنِ انْتَهَبَ فَلَيْسَ مِنَّا" (٣). وفي رِوَايَةٍ ثَانِيَةٍ: لَا يُكْرَهُ، اختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وبِهَا قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نَحَرَ بَدَنَةً وخَلَّى بَيْنَهَا وبَيْنَ المَسَاكِيْنِ، وقَالَ: "مَنْ شَاءَ اقتَطَعَ" (٤) والنِّثَارُ في مثل (٥) هَذَا المَعْنَى. (المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ والسِّتُّوْنَ): قَالَ الولدُ [السَّعِيْدُ]: فأَمَّا بِنْتُهُ مِنَ الرِّضَاعَةِ من لَبَنٍ ثَابَ بِوَطْءِ زِنًا: هَلْ يُحَرِّمُهَا أَمْ لَا؟ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ في كِتَابِ "المُقْنِع": تَحْرُمُ عَلَيْهِ، كَمَا يَحْرُمُ المَوْلُوْدُ. قَالَ:

стр. 1346

وظَاهِرُ كَلَامِ الخِرَقَيِّ: أَنَّها لا تَحْرُمُ؛ لأنَّه قَالَ: وإِذَا جُعِلَتْ (١) مِمَّن يُلْحَقُ نَسَبُ وَلَدِهَا بِهِ، فَثَابَ لَهَا لَبَنٌ، فَأَرْضَعَتْ بِهِ: حَرَّمَتْ. فَشَرَطَ في التَّحْرِيْمِ: أَنْ يَكُوْنَ مِمَّنْ يُلْحَقُ نَسَبُ وَلَدِهَا بِهِ. وَجْهُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ -اخْتَارَهُ الوَالِدُ السَّعِيْدُ-: أَنَّ الرَّضَاعَ يُثبِتُ التَّحْرِيْمَ كالوِلَادَةِ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ الوِلَادَةَ مِنْ الزِّنَا تُثْبِتُ التَّحْرِيْمَ، كذلِكَ الرَّضَاعُ مِنْ لَبَنٍ نزَلَ عَنْ وَطْءِ زِنًا. وَوَجْهُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ: أَنَّ الرِّضَاعَ تَحْرِيْمُهُ مُعْتبَر بثبوْتِ النَّسَبِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (٢): "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ" والنَّسَبُ غَيْرُ ثَابِتٍ، فَهَذَا الوَطْءُ كَذَلِكَ، مَا هُو مُعْتبَرٌ بِهِ، وتَحْرِيْمُ العَقدِ لَا يَقِفُ عَلَى ثُبُوْتِ النَّسَبِ [بِدَلِيْلِ الرَّبِيْبَةِ وبِنْتِهِ من] (٣) الرَّضَاعَةِ. (المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ والسِّتُّوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: وَلَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا في طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيْهِ كَانَ أَيْضًا لِلسُّنَّةِ، وكانَ تَارِكًا للاخْتِيَارِ. وبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَكُوْنُ لِلْبِدْعَةِ، وهو المَنْصُوْصُ عَنْ أحْمَدَ، وبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ، ومَالكٌ، ودَاوُدُ، وهو مَذْهَبُ عُمَرَ، وعَلِيٍّ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ عَبَّاسٍ، وعِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ، وأَبِي مُوْسَى. وَوَجْهُهُ: أَنَّه ذُو عَدَدٍ اعْتُبِرَ فيه السُّنَّةِ مِنْ حَيْثُ الوَقْتُ، فاعتُبِرَ فيه

стр. 1347

التَّفْرِيْقُ، كَرَمْي الجِمَارِ. وَوَجْهُ قَوْلِ الخِرَقيِّ: أَنَّه طَلَاقٌ في عِدَّةٍ من غَيْرِ رِيْبَةٍ (١)، فَكَانَ مُبَاحًا، كالطَّلْقَةِ الوَاحِدَةِ. (المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ والسِّتُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: إِذَا قَال لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إِذَا قَدِمَ فُلَانٌ، فَقُدِمَ بِهِ مُكْرَهًا، أَوْ مَيِّتًا: لَمْ تَطْلُقْ؛ لأنَّ القُدُوْمَ لَمْ يُوْجَدْ مِنْهُ، وإِنَّمَا قُدِمَ بِهِ. فَلِهَذَا لَمْ تَطْلُقْ لِعَدَمِ الصِّفَةِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إذَا قُدِمَ بِهِ مَيْتًا حَنَثَ؛ لأنَّ العَيْنَ الَّتِي عَلَّقَ الصِّفَةَ بِهَا قَدْ (٢) قَدِمَتْ، فَوَقَعَ الطَّلَاقُ كَمَا لَوْ قَدِمَ حَيًّا. (المَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ والسِّتُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: ولَوْ آلَى مِنْهَا، واختُلِفَ في مُضِيِّ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ: فَالقَوْلُ قَوْلُهُ أَنَّها لَم تَمْضِ مَعَ يَمِيْنِهِ؛ لأنَّهمَا لَو اختَلفَا في قَبْضِ المَهْرِ كَانَ القَولُ قَوْلَهَا مَعَ يَمِيْنهَا، كَذلِكَ هَاهُنَا: يَجِبُ أَن يَكُوْنَ القَوْلُ قَولَهُ مَعَ يَمِيْنهِ. وَقالَ أَبُو بَكْرٍ في كِتَابِ "الخِلَافِ": لَا يَحْلِفُ. اختَارَهُ الوَالِدُ السَّعِيْدُ؛ لأنَّ اختِلَافَهُمَا في بَقَاءِ المُدَّةِ هُو اختِلَافٌ في بَقَاءِ النِّكَاحِ وَزَوَالِهِ، وبَدَلُ النِّكَاحِ لَا يَصِحُّ، فَلَمْ يُسْتَخْلَفْ فِيْهِ، كَمَا لَو ادَّعَتْ نِكَاحَهُ وأَنكرَها (٣)، أَوِ ادَّعَى نِكَاحَهَا وأَنُكَرَتْ. فإِنَّه لَا يَمِيْنَ.

стр. 1348

(المَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ والسِّتُّوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: والمُرَاجَعَةُ أَنْ يَقُوْلَ لِرَجُلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِيْنَ: اِشْهَدَا أَنِّي قَدْ رَاجَعْتُ امْرَأَتِي، بِلَا وَليِّ يَحْضُرُهُ، ولَا صَدَاقٍ يزيدُهُ، وقَدْ رُوِيَتْ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى، تَدُلُّ عَلَى أَنَّه تَجُوْزُ الرَّجْعَةُ بِلَا شَهَادَةٍ، اختَارَهَا أَبُو بَكرٍ، والوَالِدُ، وبِهَا قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ، ومَالِكٌ. وَجْهُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ -اختَارَهُ ابنُ شَاقِلَّا، وهوَ المَشْهُوْرُ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ-: أَنَّ الشَّهَادَةَ اعتُبِرَتْ في النِّكَاحِ لِيَثبتَ بِهَا عِنْدَ التَّجَاحُدِ، احتِيَاطًا للبُضْعِ، وهَذَا المَعْنَى مَوْجُوْدٌ في الرَّجْعَةِ. وَجْهُ الثَّانِيَةِ: أنَّ الرَّجْعَةَ حَقٌّ للزَّوْجِ، بِدِلَالَةِ قَوْلهِ تَعَالَى: (١) ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ فَلَا يَفْتَقِرُ في اسْتِيْفَائِهِ إِلَى الإشْهَادِ، كَسَائِرِ الحُقْوْقِ. (المَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ والسِّتُّوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: والفَيْئَةُ: الجِمَاعُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ من مَرَضٍ، أو إِحْرَامٍ أَوْ شَيءٍ لَا يُمْكُنُ مَعَهُ الجِمَاعُ، فيَقُولَ: مَتَى قَدِرْتُ جَامَعْتُهَا، فيكونَ ذلِكَ مِنْ قَوْلهِ فَيْئَةٌ لِلْعُذْرِ، فَمَتَى قَدَرَ فَلَمْ يَفْعَلْ أُمِرَ بالطَّلَاقِ، وهو قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَوَجْهُهُ: أَنَّ عَلَيْهِ الفَيْئَةَ بِحَسَبِ القُدْرَةِ، فَإِذَا فَعَلَ هَذَا فَقَدْ فَعَلَ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ، فَإِذَا زَالَ عُذْرُهُ خَرَجَ عَنْ حَالِ العَاجِزِ، فَلَهذَا أُمِرَ بالجِمَاعِ، أو الطَّلَاقِ إِذَا لَم يُجَامِعْ. وقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِذَا فَاءَ بِلِسَانِهِ حَالَ العُذْرِ سَقَطَ الإيْلَاءُ، ولَمْ تَلْزَمٍ الفَيْئَةُ بالجِمَاعِ عِنْدَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، اختَارَهُ الوالِدُ [السَّعِيْدُ]، وبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيْفةَ.

стр. 1349

وَوَجْهُهُ: أَنَّه قَدْ وُجِدَ مِنْهُ الفَيْئَةُ (١) المَانِعَةُ مِنَ الطَّلَاقِ، فَصَارَ كالفَيْئَةِ (٢) بالوَطْءِ. (المَسْأَلَةُ السَّبْعُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: وَلَوْ ظَاهَرَ مِنْ زَوْجَتِهِ، وهي أَمَةٌ، ولم يُكَفِّرْ حَتَّى مَلَكَهَا انْفَسَخَ النِّكَاحُ، ولم يَطَأْهَا حَتَّى يُكَفِّرَ. وقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَسْقُطْ يَمِيْنُ الظِّهَارِ بِفَسْخِ النِّكَاحِ، فَإِنْ وَطِئَهَا كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِيْنٍ، فَعَلَى قَوْلهِ: يَجُوْزُ لَهُ وَطْؤُهَا قَبْلَ الكَفَّارَةِ. وَجْهُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ -اختَارَهُ الوَالِدُ-: أَنَّا لَا نَجِدُ في الأُصوْلِ أَنَّ يَمِيْنَ الظِّهَارِ يَنْقَلِبُ حُكْمُهَا إلى حُكْمِ اليَمِيْنِ باللهِ تَعَالَى. وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ الكَفَّارَةَ تَجِبُ بالعَوْدِ، والعَوْدُ هو العَزْمُ (٣) عَلَى الوَطْءِ [في زَوْجَتِهِ] (٤) وهَاهنَا قَدْ عَادَ في غَيْرِ زَوْجَتِهِ. فَلِهَذَا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ. (المَسْأَلَةُ الحَادِيَةُ والسَّبْعُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ (٥): والكَفَّارَةُ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، وبِهِ قَالَ مَالِكٌ، والشَّافِعِيُّ. وعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: لَيْسَ بشرطٍ فِيْهَا الإيْمَانِ، ولا فِي كَفَّارةِ اليَمينِ، والجِمَاعُ في رَمَضَان، والرَّقَبَةُ في الكَفَّارَةِ المَنْذُوْرَةِ، اختَارَهَا

стр. 1350

أَبُو بَكْرٍ، وبِهَا قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ. وَجْهُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ: أَنَّه تَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ عن كفَّارَةٍ، فَكَانَ من شَرْطِهِ الإيْمَانُ كالعِتْقِ في كَفَّارَةِ القَتْلِ. وَوَجْهُ اختيَارِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّها رَقَبَةٌ تَامَّةُ المِلْكِ، سَلِيْمَةُ الخَلْقِ، لَمْ يَحْصُلْ عَن شَيْءٍ مِنْهَا عِوَضٌ، فَجَازَ عِتْقُهَا في كَفَّارَةِ الظِّهَارِ كالمُسْلِمَةِ. (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ والسَّبْعُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: في بَابِ الكَفَّارَاتِ: وإِنْ شَاءَ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤمِنَةً قَدْ صَلَّتْ وصَامَتْ؛ لأنَّ الإيْمَانَ قَوْلٌ وعَمَلٌ. قَالَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ في "شَرْحِهِ": ظَاهِرُ كَلَامِ الخِرَقِيِّ: أَنَّه إنْ كَانَ طِفْلًا، لم يَصِحَّ مِنْهُ فِعْلُ العِبَادَاتِ، وهُو أَن يكونَ لَه دُوْنَ السَّبْعِ سِنِيْنَ: فَلَا يُجْزِئُ (١). وَوَجْهُهُ: أَنَّه لا يُجْزِئُ في الغُرَّةِ، كذلِكَ الكَفَّارَةِ. وقَالَ أَبُو بَكْرٍ في "المُقْنِعِ": يَجُوْزُ عِتْقُ الصَّغِيْرِ في الجُملةِ، وهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَوَجْهُهُ: أنَّ عَدَمَ البُلُوغِ لَا يَمْنَعُ عِتْقَهُ، دَلِيْلُهُ: من له سَبع سِنين فَصَاعِدًا. (المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ والسَّبْعُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: وإِنْ أَعْتَقَ نِصْفَيْ عَبْدَيْنِ، أَوْ نِصْفَيْ أَمَتَيْنِ، أَوْ نِصْفَيْ عَبْدٍ وأَمَةٍ أَجْزَأَ عَنْهُ. وَوَجْهُهُ: أَنَّ النِّصْفَ مِنَ العَبْدَيْنِ بمَنْزِلَةِ العَبْدِ الخَالِصِ المُفْرَدِ، بدَلِيْلِ أَنَّ عليه فيهما الفِطْرَة، كَمَا لَوْ كَانَ عَبْدًا مُفْرَدًا، وعَلَيْهِ زكَاةُ نِصْفِ ثَمَانِيْنَ شَاةً، كَمَا لوْ كَانَ لَهُ أَرْبَعُوْنَ شَاةً منفردَةً، فَإِذَا كَانَت الأنْصَافُ في

стр. 1351

هَذَا الأصلِ كالكَامِلِ، كذلِكَ العِتْق. وقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لا يُجْزِيْهِ، اختَارَهُ ابنُ حَامِدٍ، وهو قولُ جَمَاعَةٍ من الشَّافِعِيَّةِ. وَوَجْهُهُ: أَنَّه لَوْ جَازَ عِتْق من عَبْدَيْنِ عن كفَّارة، جَازَ أَنْ يصومَ أَرْبَعَةَ [أَشْهُرٍ كلُّ شَهْرَيْنِ عَنْ] (١) كَفَّارَةِ. (المَسْأَلَةُ الرَّابعَةُ والسَّبْعُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: فَإِنْ كَانَ في اللِّعَانِ ذِكْرُ الوَلَدِ (٢)، فَإِذَا قَالَ: أَشْهَدُ باللهِ لَقَدْ زَنَتْ، ومَا هَذَا الوَلَدُ وَلَدِي، وتَقُوْلُ هِيَ: أَشْهَدُ باللّه لَقَدْ كَذَبَ عَلَيَّ (٣) وهَذَا الوَلَدُ وَلَدُهُ. وَوَجْهُهُ: أَنَّ كُلَّ مَنْ سَقَطَ حَقُّهُ باللِّعَانِ كَانَ ذِكْرُهُ شَرْطًا فِيْهِ، كالزَّوْجَةِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ في كِتَابِ "الخِلَافِ": لَيْسَ عَلَيْه ذلِكَ. وَوَجْهُهُ: أَنَّ نَفْيَ الوَلَدِ إِنَّمَا يَكُونُ تَبَعًا لِزَوَالِ الفِرَاشِ، والفِرَاشُ يَزُوْلُ بِلِعَانِهِمَا جَمِيْعًا، ونَفْيُ النَّسَبِ تَبَعًا لَهُ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ذكره. (المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ والسَّبْعُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: وَلَوْ جَاءَتْ امرأتُهُ بوَلَدٍ، فَقَالَ: لَمْ تَزْنِ ولكِن لَيْسَ هَذَا الوَلَدُ مِنِّي، فهو وَلَدُهُ في الحُكْمِ، ولَا حَدَّ عَلَيْهِ لَهَا. وَوَجْهُهُ: أَنَّه إِذَا لَاعَنَ (٤) يَحْتَاجُ أَنْ يَقُوْلَ: أَشْهَدُ بالله إنَّني لَمِنْ

стр. 1352

الصَّادِقِيْن فِيْمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنَ الزِّنَا، فَإِذَا لَمْ يَقْذِفْهَا لَمْ يَمْكِنْهُ اللِّعَانَ، ثَبَتَ أَنَّه (١) لا يُلَاعِنُ حَتَّى يَقْذِفَ. وفِيْهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى: لَهُ اللِّعَانُ، اختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وابنُ حَامِدٍ، والوَالدُ [السَّعِيْد]. وَجْهُهَا: أَنَّه قَذَفَ بِزِنًا لَوْ أَتَتْ مِنْهُ بِوَلَدٍ لَحِقَهُ، فَكَانَ لَهُ نَفْيُهُ باللِّعَانِ، كَمَا لَوْ قَذَفَهُمَا جَمِيْعًا. (المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ والسَّبْعُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: والسَّعُوْطُ (٢) كالرَّضَاعِ. وكذلكَ الوَجُوْرُ (١). وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ في "التَّنبِيْه": وَلَا يُحَرِّمُ، ولَا السَّعُوْطُ؛ لأنَّ ذلِكَ لَيْسَ بِرَضَاعٍ، وبِهِ قَالَ دَاوُدُ. وَوَجْهُهُ: أَنَّ اللَّبَنَ وَصَلَ في جَوْفِهِ مِنْ غَيْرِ إِرْضَاعٍ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيْمُ، كَمَا لَوْ وَصَلَ من (٣) جُرْع في بَدَنِهِ، وكالحُقْنَةِ. وَوَجْهُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ -وهوَ أَصَحُّ، وهو قولُ أَكْثَرِ الفُقَهَاءِ- قوله ﵊: "الرَّضَاعَةُ (٤) مِنَ المَجَاعَةِ" وقولُهُ ﵊: "الرَّضَاعُ مَا أَنْبَتَ (٥) اللَّحْمَ وانْشَزَ العَظْمَ" وهَذ المَعَانِي تُوْجَدُ في الوَجُوْرِ

стр. 1353

كَوُجُوْدِهَا في المَصِّ منَ الثَّدْي. (المَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ والسَّبْعُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: ولَوْ رَمَى -وهوَ مُسْلِمٌ- عَبْدًا كَافِرًا، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ السَّهْمُ حَتَّى عَتَقَ وأَسْلَمَ: فَلَا قَوَدَ، وعَلَيْهِ دِيَةُ مُسْلِمٍ إِذَا مَاتَ من الرَّمْيَةِ. قَالَ الوَالِدُ [السَّعِيْد] في شَرْحِهِ: إِنَّمَا لَمْ يَجِبِ القَوَدُ -خِلَافًا لأبِي حَنِيْفَةَ، وأَبِي بَكْرٍ من أَصْحَابِنَا، وهو أَنَّهُ يَجِبَ القَوَدُ- هو أَنَّ الاعتبارَ بالقَصْدِ إلى تناوُلِ نَفْسٍ مُكَافَئَةٍ، حِيْنَ الجِنَايَةِ؛ بدَلِيْلٍ أَنَّه لَوْ قَطَعَ كافرٌ يَدَ كَافِرٍ ثُمَّ أسْلَمَ القَاطِعُ ومَاتَ المَقْطُوع، كان عليه القِصَاصُ، وهكَذَا لو قَطَعَ عَبْدٌ يَدَ عَبْدٍ، فأعتِقَ القَاطِعُ ثُمَّ مَاتَ المَقْطُوْعُ: فَعَلَيْهِ القَوَدُ (١)، اعتِبَارًا بالمُمَاثَلَةِ حِيْنَ الجِنَايَةِ والتَّكَافُؤُ (٢) غيرُ مَوْجُوْدٍ حِيْنَئِذٍ، فَلَا قِصَاصَ وَوَجْهُ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّها رَمْيَةٌ مَحْظُوْرَةٌ أَوْجَبَتْ دِيَةَ مُسْلِمٍ حُرٍّ، فَأَوْجَبَتِ (٣) [القِصَاصَ، كَمَا لَوْ كَانَ حِيْنَ الرَّمْيَةِ مُسْلِمًا حُرًّا، وإِذَا سَقَطَ القِصَاصُ -كَمَا لَوْ كَانَ حِيْنَ الرَّمْيَةِ] (٤)، عَلَى (٥) قَوْلِ الخِرَقِيِّ- تَجِبُ دِيَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ؛ لأنَّ الجِنَايَةَ إِذَا وَقَعَتْ مَضْمُوْنَةٌ، اعْتُبِرَ قَدْرُهَا حَالَ الاسْتِقْرَارِ، بِدَلِيْلِ أَنَّه لَوْ قَطَعَ يَدَيْ مُسْلِمٍ ورِجْلَيْهِ لَزِمَه دِيَتَانِ، فَلَوْ سرَى إلى نَفْسِهِ لَزِمَهُ

стр. 1354

دِيَةٌ وَاحِدَةٌ. (المَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ والسَّبْعُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: وإِذَا جَنَى العَبْدُ: فَعَلَى سَيِّدِهِ أَنْ يَفْدِيَهُ أَوْ يُسَلِّمَهُ، فَإِنْ كَانَتْ الجِنَايَةُ أَكْثَرُ من قِيْمَةِ العَبْدِ لَمْ يَكُنْ عَلَى السَّيِّدِ أَنْ يَفْدِيَهُ بأَكْثَرَ مِنْ قِيْمَتِهِ، وهيَ الرِّوَايَةُ الصَّحِيْحَةُ. وَوَجْهُهَا: أَنَّ الحَقَّ تَعَلَّقَ بِرَقَبَةِ العَبْدِ، بِدَلِيْلِ أَنَّه لَوْ سَلَّمَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ زِيَادَةٌ على قِيْمَتِهِ، فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْهُ لَم تَلْزَمْهُ زِيَادَةٌ عَلَى القِيْمَةِ، كَمَا لَوْ غَصَبَ عَبْدًا فَأَتْلَفَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ زِيَادَةٌ على قِيْمَتِهِ. وفيه رِوَايَةٌ وثَانِيَةٌ: أَنَّ السَّيِّدَ [بالخِيَارِ بينَ أَن يَفْدِيَهُ بَأَرْشِ الجِنَايَةِ] (١) بالغًا مَا بَلَغَ، أوْ يُسَلِّمَهُ (٢) للبَيع، اختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ. وَوَجْهُهَا: أَنَّه قَدْ يَرْغَبُ فيه رَاغِبٌ، فَيَشْرِيَهُ بذلِكَ القَدْرِ أَوْ أَكْثَرَ، فَإِذَا حَبَسَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَقَدْ فَوَّتَ على المَجْنِيِّ عليه ذلِكَ القَدْرِ، فِلِهَذَا لَزِمَهُ. (المَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ والسَّبْعُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: وإِنْ كَانَ القَتْلُ شِبْهَ العَبْدِ فالدِّيَةُ على العَاقِلَةِ في ثَلَاثِ سِنِيْنَ في كلِّ سَنَةٍ ثلثها؛ لأنَّه قَتْلٌ لا يَجِبُ بِهِ قَوَدٌ بِحَالٍ، فَكَانَتِ الدِّيَةُ فِيْهِ علَى العَاقِلَةِ مُؤجَّلَةً، دَلِيْلُهُ: دَيَةُ الخَطَأَ المَحْضِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ في كِتَابِ "الخِلَافِ": هِيَ مِنْ مَالِ القَاتِلِ؛ لأنَّها دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ، فَكَانَتْ فِي مَالِهِ، كالعَمْدِ المَحْضِ.

стр. 1355

(المَسْألة الثَّمَانُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: والعَاقِلَةُ هُمُ العُمُوْمَةُ وأَوْلَادُهُمْ، وإِنْ سَفَلُوا، في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، والرِّوَايَةُ الأُخرَى الأبُ والابنُ والإخْوَةُ، وكلُّ العَصَبَةِ مِنَ العَاقِلَةِ. وَجْهُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ -وبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ-: أَنّهَا قَرَابَةٌ يسْتَحَقُّ بِهَا النَّفَقَةُ، مَعَ اختِلَافِ الدِّيْنِ، فَلَمْ تَتَحَمَّلِ العَاقِلَةُ بِهَا، كأب الأُمِّ. وَوَجْهُ الثَّانِيَةِ -اختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ والوَالِدُ السَّعِيْدُ، وهوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيْفَةَ ومَالِكٌ-: أَنَّ العَاقِلَةَ إِنَّمَا تَحْمِلُ العَقلَ نُصْرَةً للقَاتِلِ، والأبُ أَحَقُّ بِنُصْرَتهِ مِنْ غَيْرِهِ. (المَسْأَلَةُ الحَادِيَةُ والثَّمَانُوْنَ): قَالَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ: اختَلَفَتِ الرِّوَايَةُ في قَاتِلِ العَمْدِ هَلْ تَجِبُ عَليْهِ الكَفَّارَةُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، أَصَحُّهُمَا لَا كَفَّارَةَ، وبِهَا قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ ومَالِكٌ. واختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وابنُ حَامِدٍ والوَالِدُ السَّعِيْدُ؛ لأنَّ الكَفَّارَةَ حَقٌّ في مالٍ. فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ (١) مَعَ القَودِ كالدِّيَةِ، وفيه رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ: تَجِبُ (٢)، اختَارَهَا الخِرَقِيُّ، وبِهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَوَجْهُهَا: أَنَّه لَوْ قَتَلَهُ خَطَأً وَجَبَتِ الكَفَّارَةُ، فَإِذَا قَتَلَهُ عَمْدًا وَجَبَتِ الكَفَّارَةُ، قِيَاسًا عَلَى قَتْلِ الصَّيْدِ. (المَسْأَلَةُ الثَّانِيةُ والثَّمَانُوْنَ): قَال الخِرَقِيُّ: وإِذَا قَذَفَ أُمَّهُ، وهِيَ مَيِّتَةٌ -مُسْلِمَة كَانَتْ أَوْ كَافِرَةً- حُدَّ القَاذِفُ إِذَا طَلَبَ الابنُ، وكانَ مُسْلِمًا

стр. 1356

حُرًّا. اختَارَهُ الوَالِدُ [السَّعِيْد]. وَوَجْهُهُ: أَنَّ هَذَا القَذْفَ حَصَلَ قَدْحًا فِي نَسَبِ حَيِّ (١). فيَجِبُ أَنْ يَمْلِكَ المُطَالَبَةَ بِهِ، لِمَا عَلَيْهِ مِن المَعَرَّةِ. وقَالَ أَبُو بَكْرٍ في كِتَابِ "الخِلَافِ": لَيْس له المُطَالَبَةُ، قَالَ: لأنَّه قَذْفٌ لِمَيِّتَةٍ، فَلَمْ يَمْلِكَ الوَارِثَ المُطَالَبَةَ بِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ المَقْذُوْفُ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ، فَإِنَّ وَارِثَهُ لَا يَمْلِكُ المُطَالَبَةَ بِهِ عَلَى أَصْلِنَا، كَذلِكَ هاهنَا. (المَسْأَلَةُ الثَّالِثةُ والثَّمَانُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: وَمَا أَوْجَبَ مِنَ الجِنَايَاتِ المَالَ دُوْنَ القَوَدِ قُبِلَ فِيْهِ رَجُلٌ وامْرَأتانِ، ورَجُلٌ عَدْلٌ مَعَ يَمِيْنِ الطَّالِبِ. قَالَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ: ومِثْلُ ذلِكَ قَتْلُ الخَطَأِ، والجَائِفَةُ (٢)، والمَأْمُوْمَةُ (٣)، وقَتْلُ العَبْدِ ونَحْوَ ذلِكَ. وقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لا يُقْبَلُ فِيْهِ النِّسَاءُ.

стр. 1357

وَجْهُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ: أَنَّها شَهَادَةٌ على مَالٍ أَشْبَهَ سَائِرَ الأمْوَالِ. وَوَجْهُ قَوْلٍ أَبِي بَكْرٍ: أَّنَّهَا شَهَادَةٌ على قَتْل، فَلَمْ تَثبُتْ بالنِّسَاءِ بِدَلِيْلِ قَتْلِ العَمْدِ. (المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ والثَّمَانُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: وَلَا يُقْطَعُ وإِنْ اعتَرَفَ، أَوْ قامَتْ بَيِّنَةٌ، حَتَّى يَأْتِيَ مَالِكُ المَسْرُوْقِ يَدَّعِيْهِ. وقَالَ أَبُو بَكْرٍ (١): يُقْطَعُ، ولَا يُحْتَاجُ فيه إلى مُطَالَبَةٍ. وَجْهُ قَوْل الخِرَقِيِّ -اختَارَهُ الوَالِدُ السَّعِيْدُ-: إِنَّه يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ المَالِكُ أَبَاحَ هَذِهِ العَيْنِ لِمَنْ أَخَذَهَا، أَوْ وَقَفَهَا عَلَيْهِ، وهو لَا يَعْلَمُ، أَوْ كَانَتْ مِلْكًا للسَّارِق عِنْدَهُ، ولا تُعْلَمُ بِهِ البَيِّنَةُ، فَأَسْقَطْنَا القَطْعُ عَنْهُ للاحْتِمَالِ والشُّبْهَةِ. وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّه حَقٌّ للّهِ، فَلَا [يُفْتَقَرُ في إِقَامَتِهِ إلى مُطَالَبَةِ آدَمِيٍّ، كَالزِّنَا، وشُرْبِ الخَمْرِ، وعَكْسُهُ: حَدُّ القَذْفِ؛ لأنَّهُ حَقٌّ لآدَمِيٍّ] (٢). (المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ والثَّمَانُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: ومَنْ شَرِبَ مُسْكِرًا -قَلَّ أَوْ كَثُرَ- حُدَّ ثَمَانِيْنَ جَلْدَةٍ، وبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ، ومَالِكٌ.

стр. 1358

وقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُحَدُّ بِهِ أَرْبَعِيْنَ، وبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَجْهُ الأوَّلَةِ -اختَارَهَا الوَالِدُ السَّعِيْدُ- مَا رَوَى ابنُ بَطَّةَ -بإِسْنَادِهِ- عن عَلِيٍّ "أنَّ رَسُولَ الله ﷺ جَلَدَ رَجُلًا من بنَي الخَزْرَجِ من الأنْصَارِ في الخَمْرِ ثَمَانِيْنَ". وَوَجْهُ الثَّانِيَة: أَنَّ الحُدُوْدَ تَرَتَّبَتْ باخْتِلَافِ الأجْرَامِ، فحدُّ الزِّنَا مائةٌ؛ لأنَّه هَتْكُ حُرْمَتَهُ وحُرْمَتَهَا. ورُبَّمَا أَفْسَدَ النَّسَبَ، وحَدُّ القَذْفِ أَدْوَنُ؛ لأنَّه هَتَكَ بِهِ حُرْمَةَ آدَميٍّ، فَكَانَ ثَمَانِيْنَ. وحَدُّ الخَمْرِ: هَتْكُ حُرمَةٍ واحِدَةٍ في حقِّ اللّهِ تَعَالَى، فَكَانَ أَخَفَّ مِنْ غَيْرِهِ، فَكَانَ حَدُّهُ أَرْبَعِيْنَ. (المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ والثَّمَانُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: والمَأْخُوْذُ مِنْهُم الجِزْيَةُ على ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ، فَيأْخُذُ من أدْوَنِهِمْ: اِثْنَى عَشَرَ دِرْهَمًا، ومِنْ أَوْسَطِهِمْ: أَرْبَعَةٌ [وعُشْرُوْن، ومن أَيْسَرِهِمْ: ثَمَانِيَةٌ وأَرْبَعُوْنَ] (١). وفيه رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ: أَنَّها غَيْرُ مُقَدَّرَة الأقَلِّ والأكْثَرِ، وَهْيَ إِلَى اجتهَادِ الإِمَامِ. وفيه روايةٌ [ثالثةٌ: أَنَّها مُقَدَّرَةٌ الأقَلِّ] (٢)، غيرُ مُقَدَّرَةِ الأكْثَرِ. فَيَجُوْزُ للإمَامِ أَنْ يَزِيْدَ عَلَى مَا قَدَّرَهُ عُمَرَ. ولا يجوزُ أن يَنْقُصَ عَنْهُ، وهو اختيارُ أبي بَكْرٍ. وَجْهُ الأوَّلَةِ: أَنَّ عُمَرَ لَمَّا مَضَى إلى الشَّامِ ضَرَبَ الجِزْيَةَ على أَهْلِ

стр. 1359

الكِتَابِ عَلَى الغَنِيِّ: ثَمَانِيَةً وأَرْبَعِيْنَ دِرْهَمًا، وعلى المُتَوَسّطِ: أَرْبَعةً وعِشْرِيْنَ دِرْهَمًا، وعلى المُتَحَمِّلِ: اثنى عَشَرَ دِرْهَمًا. وَوَجْهُ الثَّانِيَةِ: أَنَّ المَأْخُوْذَ مِنَ المُشْرِكِ عَلَى الأمَانِ ضَرْبَانِ؛ هُدْنَةٌ وجِزْيَةٌ، فَلَمَّا كَانَ المأخُوْذُ هُدْنَةً إلى اجْتِهَادِ الإمَامِ، كانَ كَذلِكَ المَأْخُوْذُ جِزْيَةً. وَوَجْهُ الثَّالِثَةِ: أَنَّ في النُّقْصَانِ من ذلِكَ إِضْرَارًا ببَيْتِ المَالِ، وفي الزِّيادة حَظًّا للمُسْلِمِيْنَ، إِذَا كَانَ فيه رَأيٌ وإِصْلَاحٌ. (المَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ والثَّمَانُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: ومَنْ قَتَلَ مِنَّا أَحَدًا مِنْهُمْ مُقْبِلًا على القِتَالِ فَلَهُ سَلَبُهُ، غَيْرُ مَخْمُوْسٍ، قَالَ ذلِكَ الإمَامُ، أَوْ لَمْ يَقُلْ، وبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، ودَاوُدُ؛ لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ (١): "مَنْ قَتَلَ قَتِيْلًا، لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، فَلَهُ سَلَبُهُ". وفيه رِوَايةٌ ثانيةٌ: لا يَسْتَحِقُّهُ إلَّا بِشَرْطِ الإمَامِ، اختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ؛ لأنَّه مَالٌ مُسْتَحَقٌّ بالتَّحْرِيْضِ عَلَى القِتَالِ، فافتَقَرَ اسْتِحْقَاقُهُ إلى شَرْطِ الإمَامِ، كالنَّفْلِ. ورَأَيْتُ أَنَا في "التَّنبِيْهِ" قَدِ اخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ مِثْلَ اخْتِيَارِ الخِرَقِيِّ. (المَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ والثَّمَانُوْنَ): ذَكَرَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ في كِتَابِ الجِهَادِ مِنَ "المُجَرَّدِ": وإِذَا قُسِمَتِ الغَنَائِمِ في دَارِ الحَرْبِ: جَازَ بَيْعُهَا هُنَاكَ، بَعْضُهُم مِنْ بَعْضٍ.

стр. 1360

قَالَ أَحْمَدُ: هو أنفعُ للمُسْلِمِيْنَ؛ لأنَّها إِذَا قُسِمَتْ وبِيْعَتْ خَفَّتِ المَؤنَةُ، وَكَانَ ذلِكَ أَحْفَظَ لَهَا، وإِذَا بِيْعَتْ في دَارِ الحَرْبِ وحَصَلَ القَبْضُ، ثُمَّ غَلَبَ عَلَيْهِا الكُفَّارُ، فَهَلْ تَكُوْنُ مِنْ ضَمَانِ البَائِعِ، أَوْ المُشْتَرِي؟ فيه رِوَايَتَانِ. إِحْدَهُمَا: هِيَ مِنْ ضَمَانِ المُشْتَرِي، وهي اختيارُ أَبِي بَكْرٍ الخَلّاَلُ وصَاحِبُهُ عَبْد العَزِيْزِ؛ لأنَّه قَدْ حَصَلَ القَبْضُ، فأَشبَهُ دَارَ الإسْلَامِ. والثَّانِيَةُ: هيَ مِنْ ضَمَانِ البَائِعِ، وهي اخْتِيَارُ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّها دَارُ خَطَرٍ، وغَرَرٍ (١)؛ لأنَّه لَا يُؤمَنُ مِنْ كَرَّةِ المُشرِكِيْنَ، فهو بِمَثَابَةِ الثَّمَرَةِ المُعَلَّقَةِ، إِذَا خَلَّى بَيْنَهَا وبينَ المُشْتَرِي لَمْ يَزِلِ الضَّمَانُ عَنِ البَائِعِ. (المَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ والثَّمَانُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: وإِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ على الذَّبِيْحَةَ عَامِدًا: لَمْ تُؤكَلْ، وبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ. لِقَوْلهِ تَعَالَى: (٢) ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ورَوَى أَبُو سَعِيْدٍ الخُدْرِيُّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَن الجَزُوْرِ والبَقَرَةِ يُوْجَدُ في بَطْنِهَا الجَنِيْنُ؟ فَقَالَ: (٣) "إذَا سَمَّيْتُمْ على الذَّبِيْحَةِ فَذَكَاتُهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ" فَقَوْلُهُ: "إِذَا سَمَّيْتُم" يدُلُّ عَلَى أَنَّه شَرْطٌ في الذَّبِيْحَةِ. وفيه روايةٌ ثَانِيةٌ: تُبَاحُ، اختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وبِهَا قَالَ مَالِكٌ،

стр. 1361

والشَّافِعِيُّ؛ لأنَّه ذِكْرٌ، لَوْ تَرَكَهُ نَاسِيًا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ أَكْلِهَا، كذلِكَ إِذَا تَرَكَهُ عَامِدًا، كالصَّلاةِ على النَّبِيِّ ﷺ . (المَسْأَلَةُ التِّسْعُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: والعَضْبُ ذَهَابُ أَكْثَر (١) مِنْ نِصْفِ الأُذُنِ أَوْ القَرْنِ، هو مَذْهَبُ سَعِيْدِ بنِ المُسَيَّبِ؛ لأنَّ الأُذُنَ غيرُ مُسْتَطَابٍ، وإِنَّمَا يُسْتَطَابُ أُصُوْلُهَا، فَإِذَا (٢) قُطِعَ الأقَلُّ لَمْ يُؤثِّرْ (٣)، فَإِذَا قَطَعَ زِيَادَةً على النِّصْفِ فَقَدْ ذَهَبَ بُجُزْءٍ مُسْتَطَابٍ، فَجَازَ أَن يؤثِّر. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ في "التَّنبِيْهِ" والمَقْطُوْعَةُ الأُذُنِ، والمَكْسُوْرَةُ القَرْنِ لَا يُضَحَّى بِهَا، إِذَا كَانَ الكَسْرُ والقَطْعُ الثُّلُثَ فَصَاعِدًا؛ لأنَّها العَضْبَاءُ الَّتِي نَهَى عَنْهَا رَسُوْلُ الله ﷺ (٤). وَوَجْهُهَا: أَنَّ الثُّلُثَ في حدِّ القِلَّةِ، ومَا زَادَ عَلَيْهِ في حدِّ الكَثْرَةِ. ولِهَذَا جَازَ لِلْمَرِيْضِ التَّصَرُّفَ في الثُّلُثِ فَمَا دُوْنَ. (المَسْأَلَةُ الحَادِيَةُ والتِّسْعُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: ومَنِ اضْطُرَّ إِلَى المَيْتَةِ، فَلَا يَأْكُلْ مِنْهَا إلَّا مَا يَأمَنُ مَعَهُ المَوْتَ، وبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ؛ لأنَّ الإبَاحَةَ مُعَلَّقَةٌ بِشَرْطِ الضَّرُوْرَةِ، بِدَلَالَةِ قَوْلهِ تَعَالَى (٥): ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ

стр. 1362

[إِلَيْهِ﴾ فَإِذَا أَكَلَ مِنْهَا مَا يُمْسِكُ رَمَقَةُ زَالَتِ الضَّرُوْرَةُ، فَزَالَتِ الإبَاحَةُ؛ لِعَدَمِ الشَّرْطِ] (١). وفِيْهِ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ: يَجُوزُ الشِّبَعُ مِنْهَا، اختَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وعَن مَالِكٍ والشَّافِعِيِّ: كالرِّوَايَتينِ، وكَذلِكَ الحُكْمَ عِنْدَهُمْ في طَعَامِ الغَيْرِ. وَجْهُ الثَّانِيَةِ: قَوْلُ النَّبيِّ ﷺ : "المَيتَةُ حَلَالٌ لَكُمْ مَا لَمْ تَصْطَبِحُوا أَوْ تغْتَبِقُوا" فَأَبَاحَهَا عَلَى الإطْلَاقِ. (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ والتِّسْعُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: وإِذَا نَذَرَ صِيَامَ شَهْرٍ مِنْ يَوْمِ يقدُمُ فُلَانٌ، فَقَدِمَ أَوَّلَ يَوْمٍ مِن شَهْرِ رَمَضَانَ أَجْزَأَهُ صِيَامُهُ لِرَمَضَانَ عَنْ نَذْرِهِ، وبِهِ قَالَ أَبُو يُوْسُفَ؛ لأنَّه وَافَقَ نَذْرَهُ زَمَانَ يَسْتَحِقُّ صَوْمُهُ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ القَضَاءُ، دَلِيْلُهُ: لَوْ نَذَرَ يَصُوْمَ شَهْرَ رَمَضَان، أَوْ نَذَرَ أَنْ يَصُوْمَ يَوْمَ يُقدِمُ فُلَانٌ أَبَدًا، فَقَدِمَ يَوْمَ اثْنَيْنِ من أثانِيْنِ شَهْرِ رَمَضَانَ لا تَدْخُلُ تَحْتَ نَذْرٍ، نَصَّ عَلَيْهِ وفيه روايةٌ ثَانِيَةٌ: يَصُوْمُ رَمَضَانَ، ثُمَّ يَقْضي النَّذْرَ، اختَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، والوالدُ السَّعِيْدُ؛ لأنَّ رَمَضَانَ يَتكَرَّرُ على مرِّ السِّنِيْنَ، فَلَا يَكَادُ يتَّفِقُ رَمَضَانَ يومَ قُدُوْمِهِ، فَإِذَا كَانَ مِمَّا يُمْكِنُهُ الوَفَاءُ بِهِ غَالبًا انْعَقَدَ نَذْرُهُ. (المَسْأَلَةُ الثَّالِثةُ والتِّسْعُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: ويَشْهَدُ عَلَى مَنْ سُمِعَ (٢) يُقِرُّ بِحَقٍّ، وإنْ لَم يَقُلْ للشَّاهِدِ: اشْهَدْ عَلَيَّ، وتَجُوْزُ شَهَادَةُ المُسْتَخْفِي إِذَا كَانَ عَدْلًا، وبِهِ قَالَ أَكْثَرُهُمْ.

стр. 1363

وفيه رِوَايَةٌ أُخْرَى: لَا يَشْهَدُ فِيْهَا، اختَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ القَاضِي، والشَّعْبِيُّ، وإبْراهيمُ النَّخَعِيُّ. وَجْهُ الأوَّلَةِ: أَنَّ عَمْرو (١) بن حُرَيْثٍ أَجَازَ شَهَادَة المُخْتَبِئِ، وقَالَ (٢): كَذلِكَ يُفْعَلُ بالخَائِنِ أَوْ الفَاجِرِ؛ ولأنَّ الشَّاهِدَ إِنَّمَا يَصِيْرُ مُتَحَمِّلًا للشَّهَادَةِ بأَنْ يَقَعَ لَهُ العِلْمُ بِمَا شَهَدَ بِهِ، وقَدْ وَقَعَ لَهُ، فإِنَّه شَاهَدَ المُقِرِّ، وسَمِعَ إِقْرَارَهُ. وَوَجْهُ الثَّانِيَةِ: قَوْلُهُ ﷺ (٣): "مَنْ حَدَّث بِحَدِيْثٍ ثُمَّ التَفَتَ فَهِيَ أَمَانَةٌ" قِيْلَ: مَعْنَاهُ أَنَّها أَمَانَةٌ أَن تُذْكَرُ عَنْهُ، لالتِفَاتِهِ وحَذَرِهِ مِنْ قَوْلهِ بِهَا؛ ولأنَّ شَاهِدَي الفَرْعِ لَوْ سَمِعَا شَاهِدَيْ الأصْلِ يَقُوْلَا: أَشْهَدَنَا فُلَانٌ على فُلَانٍ بِكَذَا وكَذَا، لَمْ يَجُزْ لِشَاهِدَي الفَرْعِ أَن يَشْهَدَا بِهِ. (المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ والتِّسْعُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: والعَقِيْقَةُ سُنَّةٌ، وبِهِ قَالَ أَكْثَرُهُمْ؛ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ بِإِسنَادِهِ عن عَمْرو بنِ شُعَيْبٍ عن أَبِيْهِ عن جَدِّه قَالَ: سُئِلَ رَسُوْلُ الله ﷺ عَن العَقِيْقَةِ؟ -وذَكَرَ الخَبَرَ إلى أَنْ قَالَ (٤) -: "مَنْ وُلِدَ لَهُ مِنكُمْ مَوْلُوْدٌ فَأَحَبَّ أنْ يَنْسُكَ عَنْهُ فَلْيَفْعَلْ". وقَالَ أَبُو بَكْرٍ في "التَّنِبْيِه": إنْ سَأَلَ سَائِلٌ عن العَقِيْقَةِ: أَوَاجِبَةُ هِيَ؟

стр. 1364

قِيَلَ لَهُ: هِيَ وَاجِبَةٌ، والدّلالة على وُجُوْبِهِا مَا رَوَيْنَا عَنْ رَسُوْلِ اللّه ﷺ أَنَّه قَالَ (١): "يُعَقُّ عَنِ الغُلَامِ شَاتَانِ، وعَنِ الجَارِيَة شَاةٌ، لَا يَضُرّكُمْ ذكرَانًا كُنَّ أَمْ إنَاثًا" ورَوَى عَنْهُ أَنَّه قَالَ: "المُؤْمنُ مُرْتَهَنٌ بِعَقيْقَتِهِ" وأَنَّ النَّبيَّ ﷺ "عَقَّ عَنْ نَفْسِهِ" (٢) فالعَقيْقَةُ وَاجِبَةٌ بهَذَا السُّنَنِ، فَهَذَا دَلِيْلُ أَبِي بَكْرٍ. (المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ والتِّسْعُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: وإِذَا قَالَ لَهُ: يَا لُوْطِيُّ. سُئِلَ عَمَّا أَرَادَ؟ فَإِذَا قَالَ: أَرَدْت أَنَّك مِنْ قَوْمِ لُوْطٍ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وإِذَا قَالَ: أَرَدْتُ أَنَّك تَعْمَلُ عَمَلَ لُوْطٍ: فَهْوَ كَمَنْ قَذَفَ بالزِّنَا، وكَذلِكَ مَنْ قَالَ: يَا مَعْفُوْجٌ (٣). قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذِهِ المَسْأَلةُ رَوَاهَا المَرُّوْذِيُّ، وهي قَوْلٌ قَدِيْمٌ، والعَمَلُ عَلَى مَا رَوَاهُ مُهَنَّى، أَنَّ عَلَيْهِ الحَدَّ. وَجْهُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ: أَنَّه إِنَّمَا لَمْ يَكُنْ هَذَا اللَّفْظُ صَرِيْحًا؛ لأنَّه يُحْتَمَلُ أَن يُرِيْدَ بذلِكَ: أَنَّه يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوْطٍ، فَيَكُوْنُ قَذْفًا صَرِيْحًا، ويُحْتَمَلَ: أَنَّه مِنْ قَوْمِ لُوْطٍ، أَوْ مُؤمِنٌ بلُوْطٍ فَلِهذَا رُجِعَ بِهِ إِلَيْهِ فِيْهِ، وكَذلِكَ قَولُهُ: يَا مَعْفُوْجُ، يُحْتَملَ يا مَعْفُوج (٤)، ويُحْتَمَلُ مفعول بِهِ. فَلِهَذَا رُجِعَ إلى تَفْسِيْرِهِ، أَوْ دِلَالَةِ حَالِهِ (٥).

стр. 1365

وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّ التَّعْرِيْضَ بالقَذْفِ يُوْجِبُ الحَدَّ، فأَدْنَى أَحْوَالِهِ ههنَا أَنْ يَكُوْنَ تَعْرِيْضًا. (المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ والتِّسْعُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ في بَابِ المُكَاتَبِ: ولَا يَبِيْعُهُ سَيِّدُهُ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ في "الخِلَافِ" قَدْ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ عَن نَفْسِهِ أَنَّه لَيْسَ بينَ المُكَاتَبِ وبَيْنَ سَيِّدِهِ رِبًا؛ لأنَّه عَبْد مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، فَلوْ بَاعَهُ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ، لَمْ يَكُنْ رِبًا، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذلِكَ. وَجْهُ اخْتِيَارِ أَبِي بَكْرٍ: قَوْلُهُ ﷺ : (١) "المُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ" فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّه عَبْدٌ: فَلَيْسَ بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ سَيِّدِهِ رِبًا؛ ولأنَّه يَجُوْزُ بَيْعُهُ عِنْدَنَا، ولَو سَرَقَ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ في رِوَايَةِ ابنِ مَنْصُوْرٍ. وَوَجْهُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ -وهو اختِيَارُ الوَالِدُ السَّعِيْدُ- أَنَّ المُكَاتَبَ مَالِكٌ لِمَا في يَدِهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوْزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ مَوْلَاهُ، ويَبِيع مِنْهُ، ويَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ أَخْذُ المِلْكِ بالشُّفْعَةِ؟ وهَذَا مَعْدُوْمٌ في العَبْدِ القِنِّ. (المَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ والتُّسْعُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: وإِذَا عَجَزَ المُكَاتَبُ، وَرُدَّ في الرِّقِّ، وَقَدْ كَانَ تُصُدِّق عَلَيْهِ: فَهْوَ لِسَيِّدِهِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُجْعَلُ في المُكَاتَبِيْنَ، وهو اخْتِيَارُ الوَالِدُ السَّعِيْدُ. وَوَجْهُهُ: أَنَّه إِنَّمَا دُفِعَ إِلَيْهِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ العَتِيْقُ، ومَا وَقَعَ فَهْوَ كَمَا لَوْ دَفَعَ

стр. 1366

إِلَى الغَارِمِ لِيَقْضِيَ دَيْنَهُ، والغَازِيَ لِيَغْزُوَ بِهِ (١)، فَلَمْ يَفْعَلَا (٢): لَزِمَهُمَا الرَدُّ؛ وَوَجْهُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ: أنَّه لَمَّا دَفَعَ إِلَى المُكَاتَبِ مَلَكَهُ، وقَدْ ثَبَتَ أَنَّ جَمِيعَ مَا فِي يَدِ يَكُوْنُ لِسَيِّدِهِ، فَكَذلِكَ هَذَا المَالُ. (المَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ والتُّسْعُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: ومَنْ شَرِبَ مُسْكِرًا حُدَّ إِذَا شَرِبَهَا مُخْتَارًا لِشُرْبِهِا. وفيه رِوَايَةٌ أُخْرَى: يَجِبُ الحَدُّ على المُكْرَهُ عَلَى الشُّرْبِ، وهو اختِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ: وكَذلِكَ الحُكْمُ في الإكْرَاهِ عَلَى السَّرِقَةِ. وَجْهُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ: قَوْلُهُ ﷺ (٣): "عُفِيَ لأمَّتِي عَنْ الخَطَأِ والنِّسْيَانِ ومَا اسْتكْرِهُوا عَلَيْهِ". وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ الشُّرْبَ فِعْلٌ، والإكْرَاهُ عَلَيْهِ لَا يَمْنَعُ مُوْجِبَهُ. دَلِيْلُهُ: الإكْرَاهُ علَى القَتْلِ والإحْبَالِ والرَّضَاعِ، وطَرْدُهُ: الإكْرَاهُ عَلَى الزِّنَا والسَّرِقَةِ، وعَكْسُهُ: الإكْرَاهُ عَلَى الكُفْرِ، والطَّلَاقِ، والبَيع، وغَيْرِ ذلِكَ مِنَ العُقُوْدِ. تمَّتِ المَسَائلُ وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللّهِ بنِ الفُقَّاعِيُّ (٤): وَجَدْتُ بخطِّ شَيْخِنَا أَبِي حَفْصٍ

стр. 1367

العُكْبَرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّيْخَ أَبَا عَبْدِ اللّه بنَ بَطَّةَ، يَقُوْلُ: تُوفِّيَ الشَّيْخُ أَبُو القَاسِمِ الخِرَقِيُّ سَنَةَ أَرْبَعٍ وثَلَاثِيْنَ وثَلَاثِمَائَةَ، ودُفِنَ بِدِمَشْقَ وزُرْتُ قَبْرَهُ ٦٠٩ - إِسْحَاقُ بنُ أَحْمَدَ (١) بنِ محمَّدِ بن إِبْرَاهِيْمَ، أَبُو الحَسَنِ الكَاذِيُّ. كَانَ يَقْدِمُ مِنْ قَرْيتَهِ "كَاذَةَ" إلى بَغْدَادَ، فيُحَدِّثُ بِهَا. رَوَى عَنْ محمَّدِ بنِ يُوسُفَ ابنِ الطَّبَّاعِ، وأَبِي العَبَّاسِ الكُدَيْمِيِّ، وعَبْدِ اللّهِ بنِ إِمَامِنَا أَحْمَدَ في آخَرِيْنَ. حَدَّثَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ أَبُو الحَسَنِ بنُ رِزْقُويَه، وأَبُو الحَسَنِ بنُ بِشْرَانَ. وكَانَ ثِقَة، زَاهِدًا. ومَاتَ يَوْمَ الأرْبِعَاءِ لثَلَاثٍ من شَعْبَانَ سَنَةَ سِتٍّ وأَرْبَعِيْنَ وثَلَاثِمَائَةَ، وبِكَاذَةَ قَرْيَتِهِ مَاتَ. ٦١٠ - إسمَاعِيْلُ بنُ عليِّ (٢) بنِ إِسْمَاعِيْلَ، أَبُو محمَّدٍ الخُطَبِيُّ.

стр. 1368

سَمَعَ عَبْدَ اللهِ بنَ إِمَامِنَا أَحْمَدَ (١)، والحَارِثَ بنَ أَبِي أُسَامَةَ، وغَيْرَهُمَا. رَوَى عَنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وأَبُو حَفْصٍ بنُ شَاهِيْنَ، وغَيْرُهُمَا. وكَانَ فَهْمًا عَارِفًا بأيَّامِ النَّاسِ، وأَخْبَارِ الخُلفَاءِ. وصَنَّفَ "تَارِيْخًا" (٢) كَبيْرًا. سُئِلَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْهُ؟ فَقَالَ: ثِقَةٌ. ومَوْلدُهُ: في مُحَرَّمٍ سَنَةَ تِسْعٍ وستِّيَن ومَائَتينِ. ومَوْتُهُ: في جَمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ خَمْسِيْنَ وثَلَاثِمَائة. وقَالَ الخُطَبِيُّ: وَجَّهَ إلِيَّ الرَّاضِي باللّهِ لَيْلَةَ عِيْدِ الفِطْرِ، فحُمِلْتُ

стр. 1369

إِلَيْهِ، رَاكِبًا عَلَى بَغْلَةٍ، ودَخَلْتُ عَلَيْهِ، وهو جَالِسٌ في الشُّمُوع، فَقَالَ لِي: يَا إِسْمَاعِيْلُ، إِنِّي قَدْ عَزَمْتُ في غَدٍ عَلَى الصَّلَاةِ بالنَّاسِ في المُصلَّى، فَمَا الَّذِي أَقُوْلُ إِذَا انْتَهَيْتُ في الخُطْبَةِ إلى الدُّعَاءِ لِنَفْسِي؟ فَقُلْتُ: تَقُوْلُ: (١) ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ الآية. فَقَالَ لِي: حَسْبُكَ، ثُمَّ أَمَرَنِي بالانْصِرَافِ، وأَتْبَعَنِي بِخَادِمٍ، فَدَفَعَ إِلَيَّ خَرِيْطَةً فيها أَرْبَعُمَائَةِ دِيْنَارٍ، وكَانَتْ الدَّنَانِيْرُ خَمْسمائة، فَأَخَذَ الخَادِمُ مِنْهَا لِنَفْسِهِ مائةَ دِيْنَارٍ، أَوْ كَمَا قَالَ. (٢)

стр. 1370

٦١١ - عبْدُ العَزيْزِ بنُ جَعْفَرِ (١) بنِ أَحْمَدَ بنِ يَزْدَادَ بنِ مَعْرُوْفٍ، أَبُو بَكْرٍ، المَعْرُوْفُ بـ "غُلَامِ الخَلّاَلِ". حَدَّثَ عَن مُحَمَّدِ بنِ عُثْمَان بنِ أَبِي شَيْبَةَ، ومُوْسَى بنِ هَارُوْنَ،
следующие страницы →