← Тараджим

Тараджим · id 1520

طبقات الحنابلة - لابن أبي يعلى - ت العثيمين

أبو الحسين ابن أبي يعلى

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

إِلَى الغَارِمِ لِيَقْضِيَ دَيْنَهُ، والغَازِيَ لِيَغْزُوَ بِهِ (١)، فَلَمْ يَفْعَلَا (٢): لَزِمَهُمَا الرَدُّ؛ وَوَجْهُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ: أنَّه لَمَّا دَفَعَ إِلَى المُكَاتَبِ مَلَكَهُ، وقَدْ ثَبَتَ أَنَّ جَمِيعَ مَا فِي يَدِ يَكُوْنُ لِسَيِّدِهِ، فَكَذلِكَ هَذَا المَالُ. (المَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ والتُّسْعُوْنَ): قَالَ الخِرَقِيُّ: ومَنْ شَرِبَ مُسْكِرًا حُدَّ إِذَا شَرِبَهَا مُخْتَارًا لِشُرْبِهِا. وفيه رِوَايَةٌ أُخْرَى: يَجِبُ الحَدُّ على المُكْرَهُ عَلَى الشُّرْبِ، وهو اختِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ: وكَذلِكَ الحُكْمُ في الإكْرَاهِ عَلَى السَّرِقَةِ. وَجْهُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ: قَوْلُهُ ﷺ (٣): "عُفِيَ لأمَّتِي عَنْ الخَطَأِ والنِّسْيَانِ ومَا اسْتكْرِهُوا عَلَيْهِ". وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ الشُّرْبَ فِعْلٌ، والإكْرَاهُ عَلَيْهِ لَا يَمْنَعُ مُوْجِبَهُ. دَلِيْلُهُ: الإكْرَاهُ علَى القَتْلِ والإحْبَالِ والرَّضَاعِ، وطَرْدُهُ: الإكْرَاهُ عَلَى الزِّنَا والسَّرِقَةِ، وعَكْسُهُ: الإكْرَاهُ عَلَى الكُفْرِ، والطَّلَاقِ، والبَيع، وغَيْرِ ذلِكَ مِنَ العُقُوْدِ. تمَّتِ المَسَائلُ وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللّهِ بنِ الفُقَّاعِيُّ (٤): وَجَدْتُ بخطِّ شَيْخِنَا أَبِي حَفْصٍ

стр. 1367

العُكْبَرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّيْخَ أَبَا عَبْدِ اللّه بنَ بَطَّةَ، يَقُوْلُ: تُوفِّيَ الشَّيْخُ أَبُو القَاسِمِ الخِرَقِيُّ سَنَةَ أَرْبَعٍ وثَلَاثِيْنَ وثَلَاثِمَائَةَ، ودُفِنَ بِدِمَشْقَ وزُرْتُ قَبْرَهُ ٦٠٩ - إِسْحَاقُ بنُ أَحْمَدَ (١) بنِ محمَّدِ بن إِبْرَاهِيْمَ، أَبُو الحَسَنِ الكَاذِيُّ. كَانَ يَقْدِمُ مِنْ قَرْيتَهِ "كَاذَةَ" إلى بَغْدَادَ، فيُحَدِّثُ بِهَا. رَوَى عَنْ محمَّدِ بنِ يُوسُفَ ابنِ الطَّبَّاعِ، وأَبِي العَبَّاسِ الكُدَيْمِيِّ، وعَبْدِ اللّهِ بنِ إِمَامِنَا أَحْمَدَ في آخَرِيْنَ. حَدَّثَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ أَبُو الحَسَنِ بنُ رِزْقُويَه، وأَبُو الحَسَنِ بنُ بِشْرَانَ. وكَانَ ثِقَة، زَاهِدًا. ومَاتَ يَوْمَ الأرْبِعَاءِ لثَلَاثٍ من شَعْبَانَ سَنَةَ سِتٍّ وأَرْبَعِيْنَ وثَلَاثِمَائَةَ، وبِكَاذَةَ قَرْيَتِهِ مَاتَ. ٦١٠ - إسمَاعِيْلُ بنُ عليِّ (٢) بنِ إِسْمَاعِيْلَ، أَبُو محمَّدٍ الخُطَبِيُّ.

стр. 1368

سَمَعَ عَبْدَ اللهِ بنَ إِمَامِنَا أَحْمَدَ (١)، والحَارِثَ بنَ أَبِي أُسَامَةَ، وغَيْرَهُمَا. رَوَى عَنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وأَبُو حَفْصٍ بنُ شَاهِيْنَ، وغَيْرُهُمَا. وكَانَ فَهْمًا عَارِفًا بأيَّامِ النَّاسِ، وأَخْبَارِ الخُلفَاءِ. وصَنَّفَ "تَارِيْخًا" (٢) كَبيْرًا. سُئِلَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْهُ؟ فَقَالَ: ثِقَةٌ. ومَوْلدُهُ: في مُحَرَّمٍ سَنَةَ تِسْعٍ وستِّيَن ومَائَتينِ. ومَوْتُهُ: في جَمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ خَمْسِيْنَ وثَلَاثِمَائة. وقَالَ الخُطَبِيُّ: وَجَّهَ إلِيَّ الرَّاضِي باللّهِ لَيْلَةَ عِيْدِ الفِطْرِ، فحُمِلْتُ

стр. 1369

إِلَيْهِ، رَاكِبًا عَلَى بَغْلَةٍ، ودَخَلْتُ عَلَيْهِ، وهو جَالِسٌ في الشُّمُوع، فَقَالَ لِي: يَا إِسْمَاعِيْلُ، إِنِّي قَدْ عَزَمْتُ في غَدٍ عَلَى الصَّلَاةِ بالنَّاسِ في المُصلَّى، فَمَا الَّذِي أَقُوْلُ إِذَا انْتَهَيْتُ في الخُطْبَةِ إلى الدُّعَاءِ لِنَفْسِي؟ فَقُلْتُ: تَقُوْلُ: (١) ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ الآية. فَقَالَ لِي: حَسْبُكَ، ثُمَّ أَمَرَنِي بالانْصِرَافِ، وأَتْبَعَنِي بِخَادِمٍ، فَدَفَعَ إِلَيَّ خَرِيْطَةً فيها أَرْبَعُمَائَةِ دِيْنَارٍ، وكَانَتْ الدَّنَانِيْرُ خَمْسمائة، فَأَخَذَ الخَادِمُ مِنْهَا لِنَفْسِهِ مائةَ دِيْنَارٍ، أَوْ كَمَا قَالَ. (٢)

стр. 1370

٦١١ - عبْدُ العَزيْزِ بنُ جَعْفَرِ (١) بنِ أَحْمَدَ بنِ يَزْدَادَ بنِ مَعْرُوْفٍ، أَبُو بَكْرٍ، المَعْرُوْفُ بـ "غُلَامِ الخَلّاَلِ". حَدَّثَ عَن مُحَمَّدِ بنِ عُثْمَان بنِ أَبِي شَيْبَةَ، ومُوْسَى بنِ هَارُوْنَ،

стр. 1371

ومُحَمَّدِ بنِ الفَضْلِ الوَصِيْفيِّ، وسَعِيْدِ بنِ عَجَبٍ الأنْبَارِيِّ، وأَبي خَلِيْفَةَ الفَضْلِ بنِ الحُبَابِ البَصْرِيِّ، وعَلِيِّ بنِ طَيْفُوْرٍ (١) النَّسَوِيِّ، وجَعْفرٍ الفِرْيَابِيِّ، وأَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ الجَعْدِ، وإِبْرَاهِيْمَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ الهَيْثَمِ القَطِيْعِيِّ، ومُحَمَّدِ بنِ مُحَمَّدِ البَاغَنْدِيِّ، وقَاسِمِ بنِ زكريَّا المِطَرِّزِ، والحُسَينِ بن عَبْدِ اللّهِ الخِرَقِيِّ، وأبو القاسم البَغَوِيِّ، ومُحَمَّد بن الحَسَنِ بنِ هَارُوْنَ بن بَدِيْنَا، وعبدِ اللّهِ بنِ أَحْمَدَ، وأَبِي بَكْرِ بن أَبِي دَاوُدَ، في آخرين. رَوَى عَنْهُ أَحْمَدُ بنُ عَلِيِّ بنِ عُثْمَان بنِ الجُنَيْدِ الخُطَبِيُّ، وبِشْرُ بنُ عَبْدِ اللّهِ الفَاتِنِيُّ، وجَمَاعَةٌ من شُيوخِنَا؛ أَبُو إسحَاقَ بنُ شَاقِلَّا، وأَبُو عَبْدِ اللّهِ ابنُ بَطَّةَ، وأَبُو الحَسَنِ التَّمِيْمِيُّ، وأَبُو حَفْصٍ العُكْبَرِيُّ، وأَبُو حَفْصٍ البَرْمَكِيُّ، وأَبُو عَبْدِ اللّه بنُ حَامَدٍ، وحَدَّثَ عَنْهُ بـ "مَسَائِل" الأثْرَمِ، وصَالِحُ، وعَبْدُ اللّهِ، وغَيْرُ ذلِكَ. وكَانَ أَحدَ أهلِ الفَهْمِ، مَوْثُوقًا بِهِ في العِلْمِ، مُتَّسِعَ الرِّوَايةِ، مَشْهُوْرًا بالدِّيَانَةِ، مَوْصُوفًا بالأمَانَةِ، مَذْكُوْرًا بالعِبَادَةِ. لَهُ المُصنَّفَاتِ في العُلُومِ المُخْتَلِفَاتِ (٢): "الشَّافِي"، "المُقْنِع"، "تَفْسِيْر القُرْآن"، "الخِلَافُ مَعَ الشَّافِعيِّ"، كتابِ "القَوْلَيْنِ" "زَادَ المُسَافِرِ"، "التَّنبِيه"، وغيرُ ذلِكَ. أَخْبَرَنَا بَرَكَةُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ، عَن عَبْدِ العَزِيْزِ، حَدَّثَنَا

стр. 1372

أَبُو الطَّيِّبِ النُّعْمَان بن أَحْمَد (١) بن نُعيمٍ القَاضِي، حدَّثَنَا السَّرِيُّ بنُ عَاصمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ مُصْعَبٍ الجَزَرِيُّ، حدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بن عَمْرٍو الأوْزَاعِيُّ، عَن عَبْدَةَ بن أَبِي لُبَابَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ : (٢) "الإيْمَانُ بالقَدَرِ يُذْهِبُ الهَمَّ والحَزَنَ". وبِهِ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بنُ مُحَمَّدِ بنُ سُلَيْمَان الخَلّاَلُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَوْفٍ الحِمْصِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ -وسُئِلَ عنِ التَّفْضِيْلِ؟ - فَقَالَ: مَنْ قَدَّمَ عَلِيًّا عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَدْ طَعَنَ عَلَى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، ومَنْ قَدَّمَهُ عَلَى عُمَرَ فَقَدْ طَعَنَ عَلَى رَسُوْلِ الله ﷺ وعَلَى أَبِي بَكْرٍ، ومَنْ قَدَّمَهُ عَلَى عُثْمَانَ فَقَدْ طَعَنَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعَلَى عُثْمَانَ، وعَلَى أَهْلِ الشُّوْرَى، والمُهَاجِرِيْنَ والأنْصَارِ. وبِهِ قَالَ (٣): حَدَّثَنَا العَبَّاسُ بنُ المُغِيْرَةِ، قَالَ: سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بنَ

стр. 1373

الحَسَنِ الحَرْبِيَّ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بن المَنْصُوْرَ الطُّوْسِيَّ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ يَقُوْلُ: مَا رُوِيَ في فَضَائِلِ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَاب رَسُوْلِ اللّه ﷺ بالأسَانِيْدِ الصَّحَاحِ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بن أَبِي طَالِبٍ [﵇. وبِهِ قَالَ] (١): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ بنِ هَارُوْنَ بنِ بَدِيْنَا قَالَ: سَألتُ أَبَا عَبْدِ اللّهِ عَنْ الاسْتِثناءِ في الإيْمَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ، الاسْتِثناءُ عَلَى غَيْرِ مَعْنَى الشَّكِّ، مَخَافَةً واحتِيَاطًا للعَمَلِ، وقَد استَثنَى ابنُ مَسْعُوْدٍ وغَيْرُهُ، وهو مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ. فَلْنَذْكُرِ الآنَ طَرَفًا مِنِ اخْتِيَارَاتِهِ الَّتي خَالَفَ فِيْهَا اختِيَارَاتِ شَيْخِهِ أَبِي بَكْرٍ الخَلّاَلِ. اختَارَ عَبْدُ العَزِيْزِ: أَنَّه يَجِبُ غَسْلُ جَمِيع الذَّكَرِ والأُنْثَيَيْنِ في خُرُوْجِ المَذْي، وهوَ الَّذي نَصَرَهُ الوَالِدُ السَّعِيْدُ. واختَارَ الخَلّاَلُ: أَنَّه يُغْسَلُ مِنْهُ مَا يُغْسَلُ مِنَ البَوْلِ. واخْتَارَ عَبْدُ العَزِيْزِ: أَنَّ الصَّلَاةَ في الثَّوْبِ المَغْصُوْبِ بَاطِلَةٌ، وهي الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ. واخْتَارَ الخَلّاَلُ: أَنّها صَحِيْحَةٌ. واخْتَارَ عَبْدُ العَزِيْزِ: أَنَّ المَرْأَةَ إِذَا وَقَفَتْ إِلَى جَانِبِ الرَّجُلِ بَطَلَتْ صَلَاةُ مَنْ يَلِيْهَا مِنَ الرِّجَالِ.

стр. 1374

واختَارَ الخَلّاَلُ، وابنُ حَامِدٍ، والوَالِدُ: أَنَّها لَا تَبْطُلُ. واختَارَ عَبْدُ العَزِيْزِ: أَنَّه إِذَا شَرِبَ المَاءَ في صَلَاةِ التَّطَوُّعِ: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وهوَ الَّذِي نَصَرَهُ الوَالِدُ. واختَارَ الخَلّاَلُ: أَنَّه لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ. واختَارَ عَبْدُ العَزِيْزِ: أَنَّه إِذَا أَحْرَمَ مَعَ الإمَامِ بالجُمُعَةِ، ثُمَّ زحُمَ عَنِ الرَّكْعَتينِ: أَنَّه يَسْتَقْبِلُ الصَّلَاةَ، واخْتَارَهُ الوَالِدُ السَّعِيْدُ. واخْتَارَ الخَلّاَلُ: أَنَّه يُصَلِّي رَكْعَتينِ. واخْتَارَ عَبْدُ العَزِيْزِ: أَنَّه لا يَضُمُّ الذَّهَبَ إِلَى الوَرِقِ في إكْمَالِ النِّصَابِ واخْتَارَ الخَلّاَلُ: الضَّمَّ، وهو الَّذِي نَصَرَهُ الوَالِدُ، والخِرَقِيُّ. واخْتَارَ عَبْدُ العَزِيْزِ: إِذَا وَجَدَ أَحَدَ المُتَصَارِفَيْنِ عَيْبًا بَعْدَ التَّفَرُّقِ، وَكَانَ العَيْبُ مِنْ جِنْسِهِ: لَيْسَ لَهُ البَدَلُ. واخْتَارَ الخَلّاَلُ والحرَقيُّ والوَالِدُ: لَهُ البَدَلُ. واخْتَارَ عَبْدُ العَزِيْزِ: أَنَّ الكُفْرَ مِلَلٌ، وهو الذي اخْتَارَهُ الوَالِدُ. واخْتَارَ الخَلَّالُ: أَنَّ الكُفْرَ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ. واخْتَارَ عَبْدُ العَزِيْزِ: أَنَّ كُلَّ جِنَايَةٍ لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ في الحُرِّ، مِنَ الدِّيَةِ: يُتَقَدَّرُ مِنَ العَبْدِ في القِيْمَةِ، وهو اخْتِيَارُ الخِرَقِيُّ والوَالِدُ. والرِّوايةُ الثَّانِيَةُ. يَضْمَنُ العَبْدُ بِمَا نَقَصَ، اختَارَهَا الخَلّاَلُ، وغيرُ ذلِكَ. وذَكَرَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ في "الانْتِصَارِ" لعبدِ العَزِيْزِ فَقَالَ: كَانَ ذَا دِيْنٍ، وأَخَا وَرَعٍ، عَلَّامةً، بَارِعًا في عِلْمِ مَذْهَبِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ.

стр. 1375

وذَكَرَ تَصَانِيْفَهُ، وذَكَرَ تَعْظِيْمَهُ في النُّفُوْسِ، وتَقَدُّمَهُ عِنْدَ السُّلْطَانِ. ولَقَدْ حَكَى لِي بَعْضُ الشُّيُوْخِ عَنْ وَالِدِهِ -وَكَانَ لَهُ صُحْبَةٌ بأَبي بَكْرٍ- فَذَكَرَ أَنَّ أبَا بَكْرٍ ذُكِرَ عِنْدِ أُخْتِ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ بسُوْءٍ، وأَنَّه يَغُضُّ من عليِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ، فَاسْتَدْعَتْهُ، وجَمَعَتْ مِنَ المُتكلِّمِيْنَ لِمُنَاظَرتِهِ، فَكَانَ صَوْتُهُ عَلَيْهِمْ، وحُجَّتُهُ ظَاهِرَةٌ لَدَيْهِمْ، والأُختُ بِحَيْثُ تَسْمَعُ كَلَامَهُ، حَتَّى شَهَدَتْ لَهُ بالفَضْلِ، وكَانَ مِنْها الإنكارُ عَلَيْهِمْ فِيْمَا كَذَبُوْهُ عَلَيْهِ، وأَضَافُوا إِلَيْهِ، وبَذَلَتْ لَهُ شَيْئًا مِنَ المَالِ، فامْتَنَعَ مِنْ قَبُوْلِهِ مَعَ خِفَّةِ حَالِهِ، وقِلَّةِ مَالِهِ، زهدًا وَوَرَعًا. قَالَ: وحَكَى لَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بنُ إِسْحَاقَ الحجريُّ -المعرُوف بـ "ابن سُكَيْنَةَ الأزَجِيُّ" (١) - قَالَ: حَكَى لَنَا الشَّيْخ أَبُو الفَضْلِ بنِ التَّمِيْمِيِّ، قَالَ: حَكَى لِيَ شَيْخٌ كَانَ يُسَافِرُ في طَلَبِ الحَدِيْثِ أَنَّه وَقَعَ لِي في خَبَرِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (٢) "إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ يَدْخُلُ الجَنَّةَ سَبْعُوْنَ ألْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ" قَالَ: فَسَافَرْتُ كَذَا وكَذَا بَلَدًا، أَسْأَلُ: هَلْ هُنَاكَ زِيَادَةٌ عَلَى هَذَا العَدَدِ؟ فَمَا زَادَنِي أَحَدٌ، وكلٌّ يَقُولُ: هكَذَا سَمِعْنَا، فَدَخَلْتُ مَدِيْنَةَ البَصْرَةِ، وسَألتُ عَن ذلِكَ؟ فَمَا زَادَنِي أَحَدٌ، فلَمَّا كَانَ ذَات يَوْمٍ نِمْتُ، وأَنَا

стр. 1376

تَعِبٌ، فرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَبَّلْتُ قَدَمَهُ فَقَالَ لِي: يَا فُلَانُ، قَدْ تَعِبْتَ في هَذَا الخَبَرِ الَّذِي سَمِعْتَهُ عَنِّي؟ فَقُلْتُ لَهُ: إيْ واللّهِ يَا رَسُولَ اللّهِ، فَقَالَ لِي: امْضِ إلى بَغْدَادَ إلى جَامِعِ الخَلِيْفَةِ، سَتَرَى رَجُلًا واسعَ الجَبِيْنِ، جَهُوْرِيَّ الصَّوْتِ، فَسَلْهُ عَنْ هَذِهِ المْسَأَلةِ -يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ عَبدَ العَزِيْز- فإِنَّه يُجِيْبُكَ، قَالَ: فَلَمْ يَحْمِلْنِي القعُوْدُ، حَتَّى جِئْتُ إلى بَغْدَادَ، قَالَ: فقلتُ في نَفْسِي: لا سَألتُ أَحَدًا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، حَتَّى أَدْخَلَ الجَامِعَ، وأنْظُرَ إلى الصِّفَةِ التي وَصَفَهَا رَسُوْلُ اللّه ﷺ ، فَدَخَلْتُ يومَ الجُمُعَةِ الجَامِعَ، فسَمِعْتُ صَوْتَهُ، فإِذَا هُوَ بالصِّفَةِ الَّتي وَصَفَهَا رَسُوْلُ اللّه ﷺ ، فَوَقَفْتُ حِذَاءَهُ، فَقُلْتُ: أَيُّهَا الشَّيْخُ، مَسْأَلةٌ؟ قَالَ: أَوْسِعُوا لِلشَّيْخِ مَوْضِعًا، إِلَى أَنْ وَصَلَتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لِي: اجْلِسْ، فَجَلَسْتُ: فَقَالَ لِي مُسِرًّا (١): ألسْتَ الرَّجُلَ الَّذِي بَعَثَ بِكَ رَسُوْلُ اللّه ﷺ ؟ فَوَقَعَتْ عَليَّ الرِّعدَةُ، فقُلْتُ: نَعَمْ (٢)، وأَمْسَكْتُ، ثُمَّ قَالَ لِي: أَيُّهَا الشَّيْخُ هَاتِ مَسْأَلَتَكَ، فَسَألتُهُ عَنِ الحَدِيْثِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يَدْخُلُ الجَنَّةُّ سَبْعُوْنَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسْابٍ" فَقَالَ لِي: يا أَبْلَهُ، أَنْتَ والَّذِيْنَ سَألتَهُمْ، حَدَّثنَا فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ -وذَكَرَ الإسْنَادَ- أَنَّه إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ، وحَصَلَ أَهْل المَوْقف يَقُولُ اللّهُ سُبْحَانَه: هَؤُلَاءِ إِلَى الجَنَّةِ، ولَا أُبَالِي -ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- ويَحْثِي ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، فَمَنْ قَبْضَتُهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ

стр. 1377

سَمَاءٍ، والأرْضُ في يَدِهِ كَحَبَّةِ خَرْدَلٍ في أَرْضِ فَلَاةٍ: كَمْ مَرَّةٍ سبْعُوْنَ أَلْفًا؟ قَالَ: وحَكَى لَنَا أَيْضًا هَذَا الشَّيْخُ (١) عَنْ الحَسَنِ بنِ خَيْرُوْنَ (٢) -صَاحِبِ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ العَزِيْزِ- أَنَّه قَالَ: قَالَ لِي أَبُو بَكْرٍ عَبدُ العَزِيْزِ: كُنْتُ مَعَ أُسْتَاذِي -يَعْنِي أبَا بَكْرٍ الخَلّاَلَ- وأَنَا غُلَامٌ مُشْتَدٌّ، فاجتَمَعَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ يَتَذَاكَرُوْنَ بعدَ عِشَاءِ الآخرةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَلَيْسَ مُقْبِلٌ -يَعْنِي رَجُلًا أَسْوَدَ، كَانَ نَاطُوْرًا (٣) ببابِ حَرْبٍ- لنا مُدَّةٌ مَا رَأَيْنَاهُ؟ فَقَامُوا يَقْصدُوْنَهُ، وقَالَ لِي أُسْتَاذِيْ -يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ الخَلّاَلَ- لَا تَبْرَحْ، احفَظِ البَابَ، فَتَرَكْتهُمْ حَتَّى مَضَوا، وأَغْلَقْتُ البَابَ وتَبِعْتُهُم، فَلَمَّا بَلَغَنَا بَعْضَ الطَّرِيْقِ قَالَ لِي أُسْتَاذِي -يَعْنِي الخَلَّالَ- هُوَ ذَا، أَرَى وَرَاءَنَا شَخْصًا، فَوَقَفُوا فَقَالَ لِي:

стр. 1378

أَنْتَ مَنْ؟ فَأَمْسَكْتُ فَزَعًا مِنْ أُسْتَاذِيْ، فَجَاءَنِي وَاحِدٌ مِنْهُم، وأَخَذَ بِيَدِي، وقَالَ: باللّهِ عَلَيْكَ إلَّا تَرَكَتَهُ، فَإِنَّ النَّجَابَةَ بينَ عَيْنَيْهِ، فَتَرَكَنِي، ومَضَيْتُ مَعَهُ، فَدَخَلْنَا إلى قَرَاحٍ (١) فيه باذِنْجَان مَمْلُوْءًا، والأَسْوَدُ قَائِمٌ يُصلِّي فَسَلَّمُوا، وجَلَسُوا إِلَى أَنْ سَلَّمَ، وسَلَّمَ بَعْضُهُم على بَعْضٍ، فأَخْرَجَ كِيسًا (٢) فيه كِسَرٌ يَابِسَةُ ومِلْحٌ جَرِيْشٌ وقَالَ: فَأكَلُوا وَتَحَدَّثُوا وأخَذُوا (٣) يَذْكُرُوْنَ كَرَامَاتِ الصَّالِحِيْنَ وهو سَاكِتٌ -يَعْنِي الأسْوَدَ- فَقَالَ وَاحِدٌ منَ الجَمَاعَةِ: يَا مُقْبلُ، قَدْ زُرْنَاكَ فَمَا تُحَدِّثُنَا بِشَيْءٍ؟ فَقَالَ: أَيْشٍ أَنَا؟ وأَيُّ شَيْءٍ عِنْدِي أُحَدِّثُكْمْ؟ أَنَا أَعْرِفُ رَجُلًا لَوْ سَأَلَ اللّهَ أَنْ يَجْعَلَ هَذَا القَرَاحَ البَاذِنْجَانَ ذَهَبًا لَفَعَلَ، فَواللّهِ مَا اسْتَتَمَّ الكَلَامَ حَتَّى رَأَيْنَا القَرَاحَ يَتَّقِدُ ذَهَبًا، فَقَالَ لَهِ أُسْتَاذِي -يَعْنِي: أَبَا بَكْرٍ الخَلّاَلَ-: يَا مُقْبِلُ، لأحَدٍ سَبِيْلٌ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ هَذَا القَرَاحِ أَصْلًا وَاحِدًا؟ فَقَالَ لَهُ: خُذْ، وكَانَ القَرَاحُ مَسْقِيًّا، فَأَخَذَ الأصْلَ فَقَلَعَهُ بعُرُوْقِهِ، والأصْلُ والوَرَقُ والبَاذِنْجَانُ الَّذِي فِيْهِ ذَهَبٌ، فَوَقَعَتْ مِنْ ذلِكَ باذِنْجَانَةٌ صَغِيْرَةٌ وشَيْءٌ مِنَ الوَرَق، فَأَخَذْتُهُ وبَقَايَاهُ مَعِي إِلَى يَوْمِ حَدَّثَهُ، قَالَ: ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وسَأَلَ اللّه، فَأَعَادَ القَرَاحَ كَمَا كَانَ، وعَادَ مَوْضِعَ ذلِكَ الأصْلِ أَصْلُ بَاذِنْجَانَةٍ. قَالَ: وحَكَى لنَا هَذَا الشَّيْخُ، قَالَ: لَمَّا مَاتَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ العَزِيْزِ

стр. 1379

اختَلَفَ أَهْلُ بابِ الأزجَ في دَفْنِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُدْفَنُ في قَبْرِ أَحْمَدَ، وقَالَ بَعْضُهُمْ: يُدْفَنُ عِنْدَنَا، وَجَرَّدُوا السُّيُوْفَ والسَّكَاكِيْنَ، فَقَالَ المَشَايِخُ: لَا تَقْتَتِلُوا، نَحْنُ في حَرِيْم السُّلْطَانِ -يَعْنُوْنَ المُطِيع للّهِ- فَمَا يَأْمُرُ نَفْعَلُ، قَالَ: فَلَفُّوْهُ في النَّطْعِ مَشْدُوْدًا بالشَّوَارِفِ خَوْفًا أَنُ يُمَزِّقَ النَّاسُ أَكْفَانَهُ، وكَتَبُوا رُقْعَةً إِلَى الخَلِيْفَةِ، فَخَرَجَ مِثْلُ هَذا الرَّجُلِ لا نُعْدَمُ بَرَكَاتِهِ أَنْ يَكُوْنَ في جِوَارِنَا، وهُنَاكَ مَوْضِعٌ يُعْرَفُ بِدَارِ الفِيَلَةِ، هو مُلْكٌ لَنَا، ولَمْ يَكُنْ فيه دَفْنٌ، فَدُفِنَ فِيْهِ ﵀. قَالَ: وَحَكَى لَنَا أَيْضًا قَالَ: حَكَى لِي أَبُو العَبَّاسِ بنِ أَبِي عَمْرٍو الشَّرَابِيُّ (١) -وكَانَ عَلَى بَابٍ يُعْرَفُ بِبَابِ الخَاصَّةِ، مِمَّا يَلِي بَابَ الأزَجِ، يُقَارِبُ قَبْرَ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ العَزِيْزِ- قَالَ: كَانَ لَنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ خِدْمَةٌ، أَمْسَيْتُ لأجْلِهَا، ثُمَّ إنِّي خَرَجْتُ مِنْهَا نَوْمَةَ النَّاسِ، وغَلَّقَ البَوَّابُوْنَ خَلِفْي البَابَ، وتَوَجَّهْتُ إِلَى دَارِي بِبَابِ الأزَجِ، فَرَأَيْتُ عَمُوْدَ نُوْرٍ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ إِلَى جَوْفِ المَقْبَرَةِ، فَجَعَلْتُ أنظُرُ إِلَيْهِ ولا أَلْتَفِتُ، خَوْفًا أَنْ يَغِيْبَ عَنِّي، إلَى أَنْ وَصَلْتُ حِذَاءَ قَبْرِ أَبي بَكْرٍ عَبْدِ العَزِيْزِ، فَإِذَا أَنَا بالعَمُوْدِ مِنْ جَوْفِ السَّمَاءِ إِلَى القَبْرِ، فَبَقِيْتُ مُتَحَيِّرًا، ومَضَيْتُ وهُو على حَالِهِ (٢).

стр. 1380

وحَكَى لَنَا هَذَا الشَّيْخُ عَنْ أَبِي سَعْدٍ السَّقَّاء (١) - وهُو مِنْ بَابِ الأزَجَ - قَالَ: جِئْتُ يَوْمًا أَصُبُّ رَاوِيةَ مَاءٍ في حُبِّ مَقْبَرَةٍ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا خُرَاسَانِيًّا عَلَى قَبْرِ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ العَزِيْزِ، يَتَرحَّمُ عَلَيْهِ ويَتَضَرَّعُ، فَصَاحَ بِي، وَقَالَ لِي: تَعَالَى يَا سَقَّاءُ، هَذَا الرَّجُلُ فِي هَذَا المَوْضِعِ، لَا يُبْنى عَلَيْهِ مَشْهَدٌ؟ هَذَا رَجُلٌ حَدِيْثُهُ عِنْدَنَا، ورَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ في نَوْمِي، وهو يَقُوْلُ: مَنْ زَارَ قَبْرَ عَبْدِ العَزِيْزِ غُلَامِ الخَلّاَلِ، يَعْنِي غُفِرَ لَهُ. قَالَ: وَكَانَ -مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّصَانِيْفِ في الفُرُوْعِ والأصُوْلِ- لَهُ قَدَمٌ في تَفْسِيْرِ القُرْآنِ، ومَعْرِفَةُ مَعَانِيْهِ. وَلَقَدْ وَجَدْتُ غنْهُ: أَنَّ رَافِضِيًّا سَألَهُ عَنْ قَوْلهِ تَعَالَى (٢): ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ مَنْ هُوَ؟ فَقَالَ لَهُ: أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيْقِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: بَلْ هُوَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ، فَهَمَّ به الأصْحَابُ، فَقَالَ: دَعُوْهُ، ثُمَّ قَالَ: اقْرَأ مَا بَعْدَهَا: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ (٣) وهَذا يَقْتَضِي أَن يكونَ هَذَا

стр. 1381

المُصَدِّقُ مِمَّن لَهُ إِسَاءَةٌ سَبَقَتْ، وعَلَى قَوْلكَ أَيُّها السَّائِلُ: لَمْ يَكُنْ لِعَليٍّ إِسَاءَةٌ، فَقَطَعَهُ. وهَذَا اسْتِنْبَاطٌ حَسَنٌ لَا يَعْقِلُهُ إلَّا العُلَمَاءُ، فَدَلَّ عَلَى عِلْمِهِ، وحَلْمِهِ، وحُسْنِ خُلُقِهِ، فَإِنَّه لَمْ يُقَابِلْهُ عَلَى جَفَائِهِ بِجَفَاءٍ، وعَدَلَ إِلَى العِلْمِ، وَقَدِ امْتَدَحَهُ بعضُهُم بأَبْيَاتٍ، قَالَ فِيْهَا: فَإِذَا عَبْدُ (١) العَزِيْزِ لَهُ مَقَامٌ … بِعِلْمٍ حِيْنَ يُفْتِي كَالصَّوَارِمْ يِزِيْنُ الحَنْبَلِيَّةَ حِيْنَ يُفْتِي … ويُطْرِي الشَّافِعِيَّ بِلَا دَرَاهِمْ وأُقْسِمُ بالَّذِيْ نَاجَى لِمُوْسَى … لَقَدْ أَضْحَى يُشَرِّفُ كُلَّ عَالِمْ ولَوْ عَاشَ ابنُ حَنْبَلِ كِيْ يَرَاهُ … لأيْقَنَ أَنَّه حِصْنُ المَحَارِمْ فَرَحْمَةُ رَبِّنَا تَسْرِي وتَعْلُو … عَلَى قَبْرِ ابنِ حَنْبَلِ بِالمَكَارِمْ وتُوفي في شَوَّالٍ لعَشْرٍ بَقِيْنَ مِنْهُ، سَنَةَ ثَلَاثٍ وستِّين وثَلَاثمائة. وتُوفي في يَوْمِ الجُمُعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ. وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى: قَالَ أَبُو بَكْرٍ عبدُ العَزِيْزِ في عِلَّتِهِ: أَنَا عِنْدَكُم إِلَى يَوْمِ الجُمُعَةِ، وذلِكَ في شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وستِّين وثَلَاثِمَائة، فقيلَ لَه: يُعَافِيْكَ اللّهُ -أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعَنَاهُ- فَقَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الخَلّاَلَ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ المَرُّوذِيَّ يَقُولُ: عَاشَ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ ثَمَانًا وسَبْعِيْنَ سَنَةً، وماتَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ودُفِنَ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وعَاشَ أَبُو بَكْرٍ المَرُّوْذِيُّ ثَمَانًا وسَبْعِيْنَ سَنَةً، وماتَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ودُفِنَ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وعَاشَ أَبُو بَكْرٍ

стр. 1382

الخَلّاَلُ ثَمَانًا وسَبْعِيْنَ سَنَةً، وماتَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ودُفِنَ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وأَنَا عِنْدَكُمْ (١) إِلَى يَوْمِ الجُمُعَةِ، وَلِي ثَمَانٌ وسَبْعُوْنَ سَنَةً، فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ مَاتَ، ودُفِنَ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وهَذِهِ كَرَامَةٌ حَسَنَةٌ لَهُ، فَإِنَّه حَدَّثَ بِيَوْمِ مَوْتهِ، وكَانَ يَوْمَ مَوْتهِ يَوْمًا عَظِيْمًا لِكَثرةِ الجَمْعِ، وهَاجَرَ مِنْ دَارِهِ لَمَّا ظَهَرَ سَبُّ السَّلَفِ إِلَى غَيْرِهَا، وهَذا يَدُلُّ على قُوَّةِ دِيْنِهِ وصِحَّةِ عَقِيْدَتِهِ. ﵀. قُلْتُ أَنَا: وَقَرَأْتُ بخطِّ بعضِ أَصْحَابِنَا قَالَ: حَكَى لَنَا أَبُو القَاسِمِ الأزَجِيُّ (٢): أَنَّ عَبْدَ العَزِيْزِ بنَ جَعْفَرٍ: أَضَاقَ فِي بَعْضِ الأوْقَاتِ، فَأَخَذَ رُقْعَةً، وكَتَبَ فِيْهَا: بسْمِ اللّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيْمِ، فُلَانُ بنُ فُلَانٍ مُحْتَاجٌ، قَالَ: فأَخَذْتُهَا، وخَرَجْتُ إِلَى بابِ الخَلِيْفَةِ، وأَلْقَيْتُ الرُّقْعَةَ من يَدِي، فَحَمَلْتَهَا الرِّيحُ، وعُدْتُ إِلَى مَنْزِليْ: فَمَا كَانَ إلَّا يَسِيْرًا، فَإِذَا البَابُ يُطْرَقُ، فَخَرَجْتُ، وإِذَا شَيْخٌ لَا أَعْرِفُهُ، فَدَفَعَ إِلَيَّ قِرْطَاسًا ثَقِيْلًا، فَأَخَذْتُهُ ودَخَلْتُ، فَاعْتبَرْتُهُ، فَإِذَا هُوَ خَمْسمائةُ دِرْهَمٍ، وإِذَا رُقْعِتِي القِرْطَاسُ وقِيْهَا مَكْتُوْبٌ: يَا صَاحِبَ هَذِهِ الرُّقْعَةُ بَعْدَهَا أَحْسَنِ الأَدَبَ فيْ الطَّلَبِ. وَقَرَأْتُ بِخَطِّ أَبِي حَفْصٍ البَرْمَكِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ عَبْدَ العَزِيْزِ بنِ جَعْفَرٍ يَقُوْلُ: سَمِعَ مِنِّي الخَلّاَلُ نَحْوَ عِشْرِيْنَ مَسْألَةً، وأَثْبَتَهَا في كِتَابِهِ. قَالَ: وحُكِيَ لَنَا عَنِ الخَلّاَلِ أَنَّه قَالَ: مَنْ لَمْ يُعَارِضْ لَمْ يَدْرِ كَيْفَ يَضَعُ رِجْلَهُ.

стр. 1383

وَقَالَ: رَأَيْتُ الخَلّاَلَ في المَنَامِ، فَسَألتُهُ عَمَّا يَأْكُلْ؟ فَقَالَ: مَا أَكَلْتُ مُنْذُ فَارَقْتُكُمْ إلَّا بَعْضَ فَرْخٍ، وقَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ طَعَامَ الجَنَّةِ لَا يَنْفَدُ؟ وقَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلْخَلّاَلِ: إِنَّمَا جِئْتُكَ أَسْألكَ عَنْ مَسْأَلةٍ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ طُرُقِيٌّ (١). وقَالَ مَا دَخَلْتُ إلى (٢) مَجْلِسٍ، فَرَفَعْتُ فِيْهِ إلَّا أَخَذْتُ دُوْنَ حَقِّي فِيْهِ قَالَ البَرْمَكِيُّ: الغَالِبُ أَنَّه حَكَى هَذَا عَنْ نَفْسِهِ. وقَالَ: سَمِعْتُ ابنَ بَشَّارٍ يَقُوْلُ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ الكُفَّارَ يُحَاسَبُوْنَ مَا يَسْتَحِيَ من اللهِ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَقُوْلُ هَذِهِ المَقَالَةُ يُعِيْدُ. وقَالَ: تَنَزَّهَ ابنُ البَرْبَهَارِيِّ عَنْ مِيْرَاثِ أَبِيْهِ عَنْ سَبْعِيْنَ أَلْفَ دِرْهَمٍ. قَالَ: وسُئِلَ الخَلّاَل: يَكْتَفِي الرَّجل بِكِتَاب "العِلَلِ" عن "المَبْسُوْطِ"؟ قَالَ: إِذَا كَانَ لَهُ قَرِيْحَةٌ. ٦١٢ - ضِرَارُ بنُ أَحْمدَ (٣) بنِ ثَابِتٍ، أَبُو الطَّيِّبِ الحَنْبَلِيُّ. صَحِبَ جَمَاعَةً مِنْ شُيُوْخِ المَذْهَبِ؛ [منهم] أَبُو عَلِيٍّ الخِرَقِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ المَرُّوْذِيُّ، قَالَ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللّهِ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلِ -وأَنَا أَسْمَعُ- عَنِ

стр. 1384

الحُقْنَةِ؟ فَقَالَ: أَكْرَهُهَا؛ لأنَّهَا تُشْبِهُ اللِّوَاطَ. ٦١٣ - عُمَرُ بنُ بدْرِ (١) عَبْدِ اللّهِ، أَبُو حَفْصٍ المَغَازِليُّ. سَمِعَ من ابنِ بَشَّارٍ "مَسَائِلَ صَالِحٍ" ومن عُمَرَ القَافِلَانيّ (٢) "مَسَائِلَ إِبْرَاهِيْمَ بنِ هَانِئٍ" حَدَّثَ عَنْهُ ابنُ شَاقِلّاَ، وأَبُو حَفْصٍ البَرْمَكِي وغَيْرُهُمَا. لَهُ تَصَانِيْفَ في المَذْهَب، واختيَارَاتٌ؛ مِنْهَا: اختِيَارُ: جَوَازِ صَلَاةِ الجُمُعَةِ في الوقت الذي يُصَلَّى فيه العِيْد، واختيار إِذَا صَلَّى إِمَامُ الحَي جَالِسًا، وصَلَّى مَنْ خَلْفَهُ قَائِمًا: لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ. واختِيَارُ: إِذَا نَذَرَ ذَبْحَ وَلَدِهِ: وَجَبَ عَلَيْهِ ذَبْحُ كَبْشٍ، وغيرُ ذلِكَ. ٦١٤ - إِبْرَاهِيْمُ بنُ أحْمَدَ (٣) بنِ عُمَرَ بنِ حَمْدَانَ بنِ شَاقِلّاَ، أبُو إِسْحَاقَ

стр. 1385

البَزَّارُ. جَلِيْلُ القَدْرِ، كَثِيْرُ الرِّوَايَةِ، حَسَنُ الكَلامِ في الأصُوْلِ والفُرُوْعِ. سَمِعَ مِنْ أَبي بَكْرٍ الشَّافِعِيِّ، وأَبي بَكْرٍ أَحْمَدَ بن آدَمَ الوَرَّاقِ، ودَعْلَجِ (١)، ومحمَّدِ بن القَاسِمِ المُقْرِئِ، وعَبْدِ العَزِيْزِ بن محمَّدٍ اللُّولُؤِيِّ، وابنِ مالكٍ، وابنِ الصَّوَّافِ، وأَحْمَدَ بن القَاسِمِ بن دُوْست، وأَبِي بَكْرٍ السَّلْمَانِيِّ، وأَبِي بكْرٍ عَبْدِ العَزِيْزِ - وحَاضَرَهُ - وأَبِي عبدِ الله الحُسَيْنِ بن عَلِيِّ بن محمَّدٍ المَخرِّمِيِّ، المَعْرُوْفِ بـ "ابن شَاصُو" (٢). قَالَ ابنُ شَاقِلَّا: وقَرَأْتُ عَلَيْهِ في جَامِع الخَلِيْفَةِ، حَدَّثَكُمْ أَبُو عَلِيٍّ الحُسَيْنُ بنُ إِسْحَقَ الخِرَقِيُّ. قَالَ: وسَأَلهُ - يَعْنِي أَحْمَدَ بنَ محمَّدِ بن حَنْبَلٍ ﵀ (٣) عَنْ رَجُلٍ مُسَافِرٍ إِذَا عَزَمَ (٤) إِقَامَة: كَمْ يُتِمُّ الصَّلاةَ؟ قَالَ: أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، قُلْتُ لَهُ: فَحَدِيْثُ عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ: "أَنَّ النّبِيَّ ﷺ أَقَامَ بمكَّةَ

стр. 1386

سَبع عَشْرَةَ يَقْصُرُ الصَّلاةَ" (١)؟ فَقَالَ: إنَّمَا كَانَ النَّبيُّ ﷺ أَرَادَ حُنَيْنًا. رَوَى (٢) عَنْهُ أَبُو حَفْصٍ العُكْبَرِيُّ، وأَحْمَدُ بنُ عُثْمَانَ الكَبْشِيُّ، وعَبْدُ العَزِيْزِ غُلامُ الزَّجَّاج (٣). قَرَأْتُ بخَطِّ الوَالِدِ السَّعِيْدِ قَالَ: نَقَلْتُ من خَطِّ أَبِي بَكْرِ بن شَاقِلَّا قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسحَقَ بنُ شَاقِلَّا - قِرَاءَةً عَلَيْهِ - قَالَ: قُلْتُ لأبِي سُلَيْمَان الدِّمَشْقِيِّ: بَلَغَنَا أنَّكَ حَكَيْتَ فَضِيْلَةَ الرَّسُوْلِ ﷺ في لَيْلَةِ المِعْرَاجِ، وقَوْلُهُ في الخَبَرِ: "وَضَعَ يَدَهُ بمنَ كَتِفَيَّ، فَوَجَدْتُ بَرْدَهَا "وذَكَرَ الحَدِيْثَ (٤). فَقَالَ لِي: هَذَا إِيْمَانٌ ونيَّةٌ؛ لأنَّه أُرِيْدَ مِنِّي (٥) رِوَايَتَهُ، ولَهُ عِنْدِي مَعْنَىً غَيْرُ الظَّاهِرِ، قَالَ: وأَنَا لا أَقُوْلُ مَسَّه. فَقُلْتُ لَهُ: وَكَذَا تَقُوْلُ في آدَمَ ﵇ (٦) لمَّا (٧) خَلَقَهُ بِيَدِهِ؟ قَالَ: كَذَا أَقُوْلُ، إنَّ الله لا يَمَسُّ الأشْيَاءَ. فقلتُ لَهُ: سَوَّيتَ بينَ آدَمَ وسِوَاهُ، فأَسقَطْتَ فَضِيْلَتَهُ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى (٨): ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ

стр. 1387

لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ﴾ قُلْتُ لَهُ: هَذَا رَوَيْتُهُ؛ لأنَّه أُرِيْدَ مِنْكَ - عَلَى رَغْمِكَ - ولَهُ عِنْدَكَ مَعْنًى غَيْرُ ظَاهِرِهِ، وإلَّا سَلِمَتِ الأحَادِيْثُ الَّتِي جَاءَتْ في الصِّفَاتِ، ويَكُوْنُ لَهَا مَعَانِي غَيْر ظَاهِرِهَا، أَو تَرُدَّهَا جَمِيْعُهَا (١)؟ فَقَالَ لِي: مِثْلُ أَيِّ شَيْءٍ؟ فَقُلْتُ لَهُ: مِثْلُ الأصَابِعِ، والسَّاقِ، والرَّجْلِ، والسَّمْعِ، والبَصَرِ، وجَمِيع الصَّفَاتِ الَّتي جَاءَتْ في الأخْبَارِ الصِّحَاحِ، حَتَّى إِذَا سَلَّمْتَهَا كَلَّمْنَاكَ عَلَى مَا ادَّعَيْتَهُ مِنْ مَعَانِيْهَا الَّتي هيَ غيرُ ظَاهِرِهَا؟ فَقَالَ لِي - مُنْكِرًا لِقَوْلي -: مَنْ يَقُوْلُ رِجْلٌ؟ فَقُلْتُ: أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ . فَقَالَ: مَنْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؟. فَقُلْتُ: هَمَّامٌ، فَقَالَ: مَنْ عَنْ هَمَّامٍ؟ فَقُلْتُ: مَعْمَر. فَقَالَ: مَنْ عَنْ مَعْمَرٍ؟ فَقُلْتُ: عَبْدُ الرَّزَّاقِ، فَقَالَ لِيْ: مَنْ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ؟ فَقُلْتُ لَهُ: أحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، فَقَالَ لِي: عَبْدُ الرَّزَّاقِ كَانَ رَافِضِيًّا. فَقُلْتُ لَهُ: مَنْ ذَكَرَ هَذَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ؟ فَقَالَ لِي: يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ. فَقُلْتُ لَهُ: هَذَا تَخَرُّصٌ عَلَى يَحْيَى، إِنَّمَا قَالَ يَحْيَى: كَانَ يَتَشَيَّعُ، ولَمْ يَقُلْ رَافِضِيًّا، فَقَالَ لِي: الأعْرَجُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: بِخِلافِ مَا قَالَهُ هَمَّامُ. قُلْتُ لَهُ: كَيْفَ؟ قَالَ: لأنَّ الأعْرَجَ قَالَ: "يَضَعُ قَدَمَهُ". فَقُلْتُ لَهُ: لَيْسَ هَذَا ضِدَّ مَا رَوَاهُ هَمَّامٌ، وإِنَّمَا قَالَ هَذَا "قَدَمٌ" وقَالَ

стр. 1388

هَذَا "رِجْلٌ" وكِلاهُمَا (١) وَاحِدٌ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكونَ أَبُو هُرَيْرَةَ سَمِعَ مِنَ النَّبيِّ ﷺ مرَّتَيْنِ، وحَدَّثَ بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ مرَّتَيْنِ، فسَمِعَ الأعْرَجُ مِنْهُ في إِحْدَى المرَّتَيْنِ ذِكْرَ "القَدَم" وسَمِعَ مِنْه هَمَّام ذِكْرَ "الرِّجْلِ". فَقَالَ لِي: هَمَّامٌ غَلِطَ، فقلتُ لَهُ: هَذا قَوْلُ مَنْ لا يَدْرِي. ثُمَّ قَالَ لِي: والأصَابِعُ في حَدِيْثِ ابن مَسْعُوْدٍ، تَقُوْلُ بِهِ؟ فَقُلْتُ لَهُ: حَدِيْثُ ابن مَسْعُوْدٍ صَحِيْحٌ من جِهَةِ النَّقْلِ، رَوَاهُ النَّاسُ، وَرَوَاهُ الأعْمَشُ، عن إِبْرَاهِيْمَ، عَن عَلْقَمَةَ، عَن عَبْدِ اللهِ. فَقَالَ لِي: هَذَا قَالهُ اليَهُوْدِيُّ. فَقُلْتُ لَهُ: لَمْ يُنْكِرْ رَسُوْلُ الله ﷺ قَوْلَهُ، قَدْ ضَحِكَ رَسُوْلُ الله ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، تَصْدِيْقًا لِقَوْلِهِ، فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُوْنَ هَذَا اللَّفْظُ مَرْوِيًّا مِنْ أَخْبَارِ ابن مَسْعُوْدٍ. فَقُلْتُ لَهُ: بَلَى، هَذَا رَوَاهُ مَنْصُوْرٌ والأعْمَشُ جَمِيْعًا، عَن إِبْرَاهِيْمَ عن أَبِي عُبَيْدَةَ (٢) "أَنَّ يَهُوْدِيًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا مُحمَّدُ، إِنَّ الله يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ على إِصْبعٍ، والأرْضِيْنَ عَلَى إِصْبِعٍ، والجِبَالَ على إِصْبِعٍ، والخَلائِقَ على إِصْبعٍ، والشَّجَرَ على إِصْبِعٍ - وروى: والثَّرى على إِصْبِعٍ - ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، فَضَحِكَ رَسُوْلُ الله ﷺ ، تَصْدِيْقًا لَمِّا قَالَ الحَبْرَ" هكَذَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، وفُضَيْلُ بنُ عِيَاضٍ.

стр. 1389

فَقَالَ لِي: قَدْ نزلَ القُرْآنُ بالتَّكْذِيْبِ، لا بالتَّصْدِيْقِ. فَقَالَ (١): ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (٢). فقلتُ لَهُ: قَدْ نزلَ القُرآن بالتَّصْدِيْقِ، لا بالتَّكْذِيْبِ، بِدِلالَةِ قَوْلهِ تَعَالَى في سِيَاقِ الآية: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ثُمَّ نزَهَ نَفْسَهُ عَمَّا يُشْرِكُ به مَنْ كَذَّبَ بِصِفَاتِهِ، فَقَالَ: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾: وقَولُهُ ﴿وَمَا قَدَرُوا (٣) اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ لا يَمْنَعُ مِنْ إثْبَاتِ الأصَابِعِ صِفَةً لَهُ، كَمَا ثَبَتَتْ صِفَاتُهُ التي لا أَخْتَلِفُ أَنَا أَنْتَ فِيْهَا، ومَعَ هَذَا ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ كذلِكَ أَيْضًا نُثْبِتُ الأصَاجَ صِفَةً لِذَاتِهِ ﵎: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ هو فَلمَّا رَأَى مَا لَزِمَهُ قَالَ: هَذَا ظَنٌّ مِنِ ابن مَسْعُوْدٍ [أَخْطَأَ فِيْهِ. فَقُلْتُ لَهُ: هَذَا قَوْلُ مَنْ يَرُوْمُ هَدْمَ الإسْلامِ، والطَّعْنَ عَلَى الشَّرْعِ؛ لأنَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ ابنَ مَسْعُوْدٍ ظَنَّ، ولَمْ يَسْتَيْقِنْ] (٤)، فَحَكَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ على ظَنِّهِ: فَقَدْ جَعَلَ إلى هَدْمٍ الإسلامِ مَقَالَتَهُ هَذِهِ، بَأَنْ يَتَجَاهَلَ أَهلَ الزَّيغ، فَيَتَهَجَّمُوا على كلِّ خبَرٍ جَاءَ عَن النَّبيِّ ﷺ لا يُوافقُ مَذْهَبَهُم فيُسْقِطُوْنَهُ، بأن يَقُوْلُوا هَذَا ظَنٌّ مِنَ الصَّحَابِي (٥) عَلَى الرَّسُوْلِ ﷺ ، إِذْ لا فَرْقَ بينَ ابن

стр. 1390

مَسْعُوْدٍ وَسَائرِ الصَّحَابةِ (١). وهَذَا ضِدُّ مَا أَجْمَعَ عليه المُسْلِمُوْنَ. وَقَد (٢) أَكْذَبَ القُرْآنُ مَقَالَةَ هَذَا القَائِلُ في الآيةِ الَّتِي شَهِدَ فيها لابنِ مَسْعُوْدٍ بالصِّدْقِ في جُمْلَةِ الصَّحَابَةِ. ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: و"الأَصَابعُ" قَدْ رَوَاهَا عَن النَّبِيِّ ﷺ أيضًا أصْحَابُهُ، مِنْهُم أَنَسُ بنُ مَالِكٍ، في حَدِيْثِ الأعْمَشِ عن أَبي سُفْيَانَ عن أَنَسٍ (٣)، قَالَ: "كَانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُوْلَ: يَا مُقَلِّبُ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِيْنِكَ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُوْلَ اللهِ، - آمَنَّا بِكَ، وبِمَا جِئْتَ بِه، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّ القُلُوْبَ بَيْنَ إِصْبِعَيْنِ من أَصَابعِ اللهِ يُقَلِّبُهَا"، ثُمَّ قَالَ لِي: تَرْوِي حَدِيْثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: "خَلَقَ (٤) آدَمَ على صُوْرَتهِ (٥) "ويُوْمِئُ إِلَى أَنَّه مَخْلُوق عَلَى صُورَةِ آدَمَ. [فقلتُ لَهُ: قَالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ: مَنْ قَالَ إنَّ آدمَ خَلَقَهُ اللهُ على صُوْرَةِ آدمَ] (٦) فهو جَهْمِيٌّ، وأيُّ صُوْرَةٍ كانَتْ لآدَمَ قَبْلَ خَلْقِهِ؟! فَقَالَ لِي: قَدْ جَاءَ الحدِيْثُ عن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّ الله خَلَقَ آدَمَ على صُوْرَةِ آدَمَ" فَقُلْتُ لَهُ: هَذَا كَذِبٌ على النَّبِيِّ ﷺ . فَقَالَ لِي:

стр. 1391

بَلَى، قَدْ جَاءَ في الحَدِيْثِ "طُوْلُهُ سُتُّوْنَ ذِرَاعًا" فعلمت (١) أَنَّه آدمُ (٢). فقلتُ لَهُ: رُوِيَ (٣) هَذَا، ولَيْسَ هو الذِي ادَّعَيْتَ عَلَى رَسُوْلِ الله ﷺ ؛ لأنَّكَ قُلْتَ عَن النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّ الله خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُوْرَةِ آدَمَ" ثُمَّ قُلْتُ (٤): استَدْلَلْتَ بقَوْلهِ: ""سُتُّوْنَ ذِرَاع" عَلَى أَنَّه آدَمُ (٢)، وهَذَا خَبَرٌ جَاءَ عن النَّبِيِّ ﷺ من وَجْهَيْنِ، فأبُو الزِّنَادِ، عن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عن النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّ الله خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُوْرَتهِ" ورَوَى جَرِيْرٌ، عن الأعْمَشِ، عن حَبِيْبِ بن أَبي ثَابِتٍ، عن عَطَاءٍ، عن ابن عُمَرَ (٥) عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (٦): "لَا تُقَبِّحُوا الوُجُوْهَ، فإِنَّ الله خَلَقَ آدَمَ على صُوْرَةِ الرَّحمن "قَالَ أَبُو إِسْحَقَ: وهَذَا الحَدِيْثُ (٧) يذكر عن إِسْحَقَ بن رَاهُوْيَه (٧) يذكر أَنَّه صَحِيْحٌ مَرْفُوع، وأَمَّا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَل: فَذَكَرَ أَنَّ الثَّوْرِيَّ أَوْقَفَهُ على ابن عُمَرَ، فَكِلاهُمَا الحُجَّة (٨)، فيه عَلَى مَنْ خَالَفَهُ. فإِنْ كَانَ رَفْعُهُ صَحِيْحًا إلِى النَّبِيِّ ﷺ : فَقَدْ

стр. 1392

سَقَطَ العُذْرَ، وإِنْ كَانَ ابنُ عُمَرَ القَائِلَ لَهُ: فَقَدْ انْدَحَضَ بقَوْلِ ابن عُمَرَ تَأْوِيْلَ مَنْ حَمَلَ قَوْلَهُ "عَلَى صُوْرَتهِ". قَالَ أَبُو إِسْحَقَ: وهَذَا لَمْ يَجْرِ بَيْنِي وبَيْنَهُ، وإِنَّمَا بَيَّنْتُهُ لأصْحَابِي لِيَفْهَمُوْهُ. ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: قَوْلُهُ "خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُوْرَتهِ" لا يُتَأَوَّلُ لآدَمَ على صُوْرَةِ آدمَ، لِمَا قَالَهُ أَحْمَدُ "وأَيُّ صُوْرَةٍ كَانَتْ لآدَمَ قَبْلَ خَلْقِهِ؟ " فَقَدْ فَسَدَ تَأْوِيْلُكَ مِنْ هَذَا الوَجْهٍ، وفَسَدَ أَيْضًا بقَوْلِ ابن عُمَرَ ﵀ (١) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّ الله خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُوْرَةِ الرَّحمن ﵎". وأَمَّا الاسْتِدلالُ بَقَوْلهِ (٢): "طُوْلُهُ سُتُّوْنَ ذِرَاعًا" فإِنْ كَانَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ مَحْفُوْظَةً، فَكَانَ قَوْلُهُ: "خَلَقَ آدمَ عَلَى صُوْرَتهِ" فَتَمَّ الكَلامُ، ثُمَّ قَالَ: "طُوْلُهُ سُتُّوْنَ ذِرَاعًا" إخْبَارًا عَنْ آدَمَ بِذَلِكَ، عَلَى حَدِيْثِ الثَّوْرِيِّ، عن أَبِي الزِّنَادِ، عن مُوْسَى بن أَبِي عُثْمَان، عَنْ أَبِيْهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أَنَّه (٣) قَالَ: "إنَّ الله خَلَقَ آدمَ عَلَى صُوْرَتهِ" ذَكرت بدِلالَةِ حَدِيْثِ ابن عُمَرَ (٤)، ومَا ذَكَرْتُهُ عَنْ أَحْمَدَ. فَقَالَ لِي - جَوَابًا عَنْ حَدِيْثِ أَنَسٍ: "إنَّ القُلُوْبَ بينَ إِصْبِعَيْنِ مِنْ أَصَابعِ اللهِ يُقَلِّبهُا" - إنَّما هُمَا نِعْمَتَانِ.

стр. 1393

فَقُلْتُ لَهُ: هَذَا الخَبَرُ، يَقُوْلُ: "إنَّ الإصْبِعَيْنِ نِعْمَتَانِ؟ " واليَدَيْنِ صِفة للذَّات (١)، ولم يَتَقَدَّمْكَ بِهَذَا أَحَدٌ إلَّا عَبْدَ الله بنَ كُلَّابٍ القَطَّانَ، الذي انتَحَلْتَ مَذْهَبَهُ، ولا عِبْرَةَ في التَّسْلِيْم للأصَابِعِ، والتَّأْويلُ لَهَا على ما ذَكَرْتَ إنَّ القُلُوْبَ بينَ نِعْمَتَيْنِ مِنْ نِعَمِ الله . ثُمَّ قَالَ لِي: وهَذَا مِثْلُ رِوَايَتِكُم عن ابن مَسْعُوْدٍ في قَوْلِهِ (٢): ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ إنَّ الله يَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ فَقلتُ لَهُ: هَذَا رَوَاهُ ابنُ مَسْعُوْدٍ عَن النَّبيِّ ﷺ ، فَأَنْكَرَهُ عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، وقَالَ: هَذَا مِنْ كَلامِ ابن مَسْعُوْدٍ، وقد رُويَ عن ابن عَبَّاسٍ أَنَّه قَالَ: "الشِّدَّةُ". فَقُلْتُ لَهُ: إنَّمَا نَذْكُرُ مَا جَاءَ عن الصَّحَابِهِ، إِذَا لَمْ نَجِدْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لِي: تَحْفَظُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. هَذَا رَوَاهُ المِنْهَالُ بن عَمْرٍو، عن أَبِي عُبَيْدَةَ بن عَبْدِ اللهِ، عن مَسْرُوقِ بن الأجْدَع، حَدَّثَنَا عَبدُ اللهِ بنُ مَسْعُوْدٍ (٣) عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَجْمَعُ اللهُ الأوَّلِيْنَ والآخِرِيْنَ لِمِيْقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُوْمٍ، ويَنزلُ اللهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمَام " - وذَكَرَ الحَدِيْثَ بطُولهِ - وقَالَ فيه: "فَيَأتِيْهِمْ اللهُ ﵎، فَيَقُولُ (٤): مَا لَكُمْ لَا تَنْطَلِقُوْنَ كَمَا انْطَلَقَ النَّاسُ؟ فَيَقُوْلُوْنَ: لَنَا

стр. 1394

إِلهٌ. فَيَقُوْلُ: هَلْ تَعْرِفُوْنَهُ إِنْ رَأَيْتُمُوْهُ؟ فَيقُوْلُونَ: نَعَمْ، بيننَا وبينهُ عَلامَةٌ، إنْ رَأيْناهَا عَرَفْناهُ، قَالَ: فَيقُوْلُ: مَا هِيَ؟ فَيقُوْلُوْنَ: يَكْشفُ عَنْ سَاقِهِ، قَالَ: فعِنْدَ ذلِكَ يَكْشِفُ عن سَاقِهِ، قَالَ: فَيَخِرُّ مَنْ كانَ بظَهْرِهِ طَبَقٌ، ويَبْقَى قَوْمٌ ظُهُوْرُهُم كَأَنَّها صَيَاصِي البَقَرِ، يُرِيْدُوْنَ السُّجُوْدَ فَلا يَسْتَطِيْعُونَ ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣)﴾ (١) "في حَدِيْثٍ فيه طُوْلٌ، وقد رُوِيَ أَيْضًا (٢) من طَرِيْقِ أَبِي سَعِيْدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ عن النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: أَبُو هَارُوْنَ العَبْدِيُّ، عن أَبِي سَعِيْدٍ الخُدْرِيِّ؟ فَقُلْتُ لَهُ: هَذَا في "صَحِيْحِ البُخَارِي"، فليسَ من شَرْطِهِ أَبُو هَارُوْنَ العَبْدِيِّ، لِضَعْفِهِ عِنْدَهُ، وعِنْدَ (٣) أَئِمَّةِ أَهْلِ العِلْمِ، ولم يَحْضُرْني إِسْنَادُهُ في وَقْتِ كَلامِي لَهُ، وأَخْرَجْتُهُ من "صَحِيْحِ البُخَارِيِّ" كَمَا ذَكَرْتُهُ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ بن مُحَمَّدِ بن زِيَادٍ المُقْرِئُ - يُعْرَفُ بـ "النَّقَّاشِ" (٤) - قَالَ: حَدَّثَنَا محمَّدُ بنُ يُوسُفَ بن

стр. 1395

مَطَر (١)، قَالَ: حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ البُخَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا (٢) آدم، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عن خَالِد بن يَزِيْد، عَنْ سَعِيْدٍ بن أَبي هِلالٍ، عَنْ زَيْدِ بن أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بن يَسَارٍ، عن أِبي سَعِيْدٍ الخُدْرِي (٣) قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يقُول: "يَكْشِفُ رَبُّنَا ﵎ عَنْ سَاقِهِ، فَيسجُدَ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ، ويَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ لَهُ في الدُّنْيَا رِيَاءً وسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ، فَيَعُوْدَ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا". ثُمَّ قَالَ لِي: وتَقُوْلُ بحديثِ ابن عَبَّاسٍ عَن النَّبِيِّ ﷺ : "رَأَيْتُ رَبيِّ "؟ فَقُلْتُ لَهُ: رواهُ حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عن ابن عَبَّاسٍ (٤)، عن النَّبِيِّ ﷺ (٥). فَقَالَ لِي: حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ ضَعِيْفٌ، فَقُلْتُ: مَنْ ضَعَّفَهُ؟ فَقَالَ لِي: يَحْيَى القَطَّانُ. فَقُلْتُ لَهُ: هَذَا تَخَرُّصٌ عَلَى يَحْيَى، لَمْ يَقُلْ يَحْيَى هَذَا، وإلَّا فَمَنْ حَدَّثَكَ؟ فَلَمْ يَقُلْ مَنْ حَدَّثَهُ.

стр. 1396

وَقَالَ لِي: أَيُّمَا أَثْبَتُ عِنْدَكَ؟ حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، أَوْ سِمَاكٌ؟ قُلْتُ: حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ أَثْبَتُ، وسِمَاكٌ مُضْطَرِبُ الحَدِيْثِ، فَنَازَعَنِي في هَذَا، والَّذي أَجَبْتُهُ بِهِ: بَأَنَّ (١) حَمَّادَ بنَ سَلَمَةَ ثِقَةٌ، وسَمَّاكٌ مُضْطَرِبُ الحَدِيْثِ: هُو جَوابُ أَحْمَدَ فِيْهِمَا، ولَمْ أَدْرِ ما أَرَادَ بِسِمَاكٍ؟ وخَرَجْنَا مِنْ ذلِكَ، ولَمْ أَسْأَلهُ. ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: هَذَه الأحَادِيْثُ تَلَقَّاهَا العُلَمَاءُ بالقَبُوْلِ، فَلَيْسَ لأحَدٍ أَنْ يَمْنَعَهَا، ولا يَتَأَوَّلَهَا ولا يُسْقِطَهَا، لأنَّ الرَّسُوْلَ ﷺ لوْ كَانَ لَهَا مَعْنَى عَنْدَه غيرُ ظَاهرهَا لبَيَّنَهُ، ولَكَانَ الصَّحَابَةُ - حِيْنَ سَمَعُوا ذلِكَ مِنَ الرَّسُوْلِ ﷺ - سَألوْهُ عَنْ مَعْنَى غيرِ ظَاهِرِهَا، فَلَمَّا سَكَتُوا وَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَسْكُتَ حَيْثُ سَكَتُوا، ونَقْبَلَ طَوْعًا مَا قَبِلُوا. فَقَالَ لِيْ: أَنْتُم المُشَبِّهَةُ، فَقُلْتُ: حَاشَا للهِ، المُشَبِّهُ الَّذي يَقُوْلُ: وَجْهٌ كَوَجْهِيْ، ويَدٌ كَيَدِي، فأَمَّا نَحْنُ فَنَقُوْلُ: له وَجْهٌ، كَمَا أَثْبَتَ لِنَفْسِهِ وَجْهًا، ولَهُ يَدٌ، كَمَا أَثْبَتَ لِنَفْسِهِ يَدًا، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (٢) ومَنْ قَالَ هَذَا فَقَدْ سَلِمَ. ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: أَنْتَ مَذْهَبُكَ أَنَّ كَلامَ اللهِ لَيْسَ بَأَمرٍ ولا نَهْي، ولا مُتَشَابِهٍ، ولا نَاسِخٍ ولا مَنْسُوْخٍ، ولا كَلامُهُ مَسْمُوعٌ؛ لأنَّ عِنْدَكَ: اللهُ لا يَتكلَّمُ بِصَوْتٍ، وأَنَّ مُوْسَى لَمْ يَسْمَعْ كَلامَ اللهِ بسَمْعِهِ، وإِنَّمَا خَلَقَ اللهُ في مُوْسَى فَهْمًا فَهِمَ بِهِ.

стр. 1397

فَلَمَّا رَأَى مَا عَلَيْهِ في هَذَا مِنَ الشَّنَاعَةِ قَالَ: فَلَعَلِّي أُخَالِفُ ابنَ كُلَّابِ (١) القَطَّانَ في هَذِهِ المَسْأَلَةَ مِنْ سَائِرِ مَذْهَبِهِ. ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: ومَنْ خَالَفَ الأخْبَارَ التي نَقَلَهَا العَدْلُ عَنِ العَدْلِ مَوْصُوْلَةً، بِلا قَطْعٍ في سَنَدِهَا، وَلا جَرْحٍ في نَاقِلِيْهَا، وتَجَرَّأَ على رَدِّهَا فَقَدْ تَهَجَّمَ عَلَى رَدِّ الإسلامِ؛ لأنَّ الإسلامَ وأَحْكَامَهُ مَنْقُوْلَةٌ إِلَيْنَا بِمِثْلِ مَا ذَكَرْتُ فَقَالَ لِي: الأخْبَارُ لا تُوْجِبُ عِنْدِي عِلْمًا. فَقُلْتُ لَهُ: يَلْزَمُك عَلَى قَوْدِ مَقَالَتِكَ: أَنَّكَ لَوْ سَمِعْتَ أَبَا بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمَانَ، وعَلِيًّا، وطَلْحَةَ، والزُّبَيْرَ، وسَعْدًا، وسَعِيْدًا، وعبد الرَّحمنِ بنَ عَوْفٍ، وأَبَا عُبَيْدَةَ (٢)، يَقُوْلُوْنَ: سَمِعْنَا رَسُوْلَ الله ﷺ يقولُ كذَا وكَذَا أَنّكَ لا تَعْلَمُ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ مِنْ ذلِكَ شَيْئًا، لِقَوْلهِمْ: "سَمِعْنَا"، فَلَمْ يُنْكِرْ مِنْ ذلِكَ شَيْئًا، غَيْرَ الشَّنَاعَةِ. ثُمَّ قَالَ لِي: أَخْبَارُ الآحَادِ في الصِّفَاتِ: اغْسِلْهَا، وهِيَ عِنْدِي والتُّرابُ سَوَاءٌ، ولا أَقُوْلُ مِنْهَا إلَّا بِمَا قَامَ في العَقْلِ تَصْدِيْقُهُ. قُلْتُ لَهُ: فَلِمَ أَتْعَبْتَ نَفْسَكَ في كَتْبِهَا، وسَعَيْتَ إلى الشُّيُوخِ فِيْهَا، وأَنْصَبْتَ نَفْسَكَ وأَتْعَبْتَهَا، وأَسْهَرْتَ لَيْلَكَ بِمَا لا تَدِيْنُ الله بِهِ، ولا تَزْدَادُ عِلْمًا؟ فَأَجَابَنِي بأَنْ قَالَ: كَتَبْتُهُ حَتَّى أُتَمِّمَ بِهِ الأبْوَابَ، إِذَا أَرَدْتُ تَخْرِيْجَهَا.

стр. 1398

فَقُلْتُ لَهُ: تُخَرِّجُ لِلْمُسْلِمِيْنَ مَا لا تَدِيْنُ بِهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ؛ لأعُرِّفَهُ. فَقُلْتُ لَهُ: تُعَنِّي المُسْلِمِيْنَ عَلَى قود مَقَالَتِكَ، والحَقُّ في غَيرِ مَا ذَكَرْتَ؟. ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: خَرَقْتَ الإجْمَاعَ؛ لأنَّ الأمَّةَ بأَسْرِهَا اتَّفَقَتْ عَلَى نَقْلِهَا، ولَمْ يَكُنْ نَقْلُ ذلِكَ عَبَثًا ولا لَعِبًا، ولَوْ كَانَ نَقْلُهُم لَهَا كَتَرْكِ نَقْلِهِمْ لَهَا لَكَانُوا عَابِثيْنَ، وحَاشَا للهِ مِنْ ذلِكَ، ومَنْ كَانَتْ هِذِهِ مَقَالَتُهُ فَقَدْ دَخَلَ تَحْتَ الوَعِيْدِ في قَوْلهِ : (١) ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾. ولَمَّا كَانَتْ أَخْبَارُ الآحَادِ في الصِّفَاتِ لا تُوْجِبُ عَمَلًا: دَلَّ عَلَى أَنَّهَا مُوْجِبَةٌ للعِلْمِ فَسَقَطَ بِهَذَا ما ادَّعَاهُ مَنْ لَمْ يُنْتَفَعْ بِعِلْمهِ، وتَهَجَّمَ على إِسْقَاطِ كَلامِ الرَّسُوْلِ ﷺ بنَقْلِ العَدْلِ عَنِ العَدْلِ، مَوْصُوْلًا إِلَيْهِ بِرَأْيِهِ وظَنِّهِ. ثُمَّ ذَكرتُ حِسَابَ الكُفَّارِ، فَقَالَ لِي: قَدْ رُوِيَ عَن النَّبيِّ حَدِيْثُ أَبِي الأحْوَصِ، عَن عَبْدِ الله (٢)، عن النَّبيِّ ﷺ (٣): "إنَّ الكَافِرَ ليُحَاسَبُ حَتَّى يَقُوْلَ: أَرِحْنِي، ولَوْ إِلَى النَّارِ" فَهَلَّا قُلْتَ بِهِ؟ فَقُلْتُ لَهُ: لَيْسَ يَحلُّ ما رُوِيَ صَحِيْحًا أَوْ سَقِيْمًا أَنْ نَقُوْلَ بهِ، وإِنَّمَا تَعَبَّدْنَا بالصَّحِيْحِ دُوْنَ السَّقِيْمِ، والصَّحِيْحُ مَعْلُوْمٌ عندَ أَهْلِ النَّقْلِ بِعَدَالَةِ نَاقِلِيْهِ، مُتَّصِلًا إلى المُخبَرِ عَنْهِ، والسَّقِيْمُ مَعْلُوْمٌ بجرح نَاقِلِيْهِ، وهَذَا

стр. 1399

الخَبَرُ الَّذي رَوَيْتَهُ رَوَاهُ إِبْرَاهِيْمُ بنُ مُهَاجِرِ بن مِسْمَارٍ - يَعْنِي: وهو مَتْرُوْكُ الحَدِيْثِ، ضَعِيْفٌ عندَ أَهْلِ العِلْمِ - ولَيْسَ مثلَ هَذَا مِمَّا تَقُوْمُ به حُجَّةٌ. فَقَالَ لِي: فأَيُّ شَيْءٍ مَعَكَ في أَنَّهم لا يُحَاسَبُوْنَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: إِنْ شِئْتَ مِنْ كِتَابِ اللهِ، وإِنْ شِئْتَ مِنْ سُنَّةَ رَسُوْلِ الله ﷺ ، وإِنْ شئْتَ مِنْ قَوْلِ صَحَابَتِهِ - علهيم السلام - (١). [فَقَالَ لِي] (٢) - مُنْكِرًا لِقَوْلي في الصَّحَابَةِ -: مَنْ قَالَ هَذَا؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَرَأْتُ عَلى أَبِي عِيْسَى يَحيَى بن محمَّدِ بن سَهْلٍ الخَصِيْبُ العُكْبَرِيِّ (٣) - بِعكْبَرَا - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ صَالِح بن ذَرِيْحٍ العُكْبَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثنَا محمَّدُ بنُ هَنَّادِ بن السَّرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، عَن هِشَامِ بن عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيْهِ، عن عَائشَةَ (٤) قَالَتْ: "مَنْ حُوْسِبَ دَخَلَ

стр. 1400

الجَنَّةَ" يَقُوْلُ اللهُ (١): ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ ويَقُوْلُ للآخَرِيْنَ، يَعْنِي: الكُفَّارَ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١)﴾ (٢). فَقَالَ لِي: قَدْ سمِعْتُ هَذَا الحَدِيْثَ من أَبِي عَليٍّ الصَّوَّافِ قَالَ: حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بنِ عَبْدِ الخَالِقِ، قَالَ: حَدَّثنَا أَبُو الحَسَيْنِ عَبْدُ الوَهَّابِ الوَرَّاقُ، عن أَبِي مُعَاوِيَةَ الضَّرِيْرِ عَن هِشَامِ بن عُرْوَةَ، عن أَبِيْهِ، عَنْ عَائِشَةَ، بمِثْلِ مَعْنَاهُ، يَعْنِي: "مَنْ حُوْسبَ دَخَلَ الجَنَّةَ" فَقَالَ لِي: هُوَ المُسْلِمُ المُحْتَرَمُ (٣). فَقُلْتُ لَهُ: جَمَعْتَ بَيْنَ مَا فَرَّقَ اللهُ ، [لأنَّ الله ] (٤) يَقُوْلُ (٥): ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾. قَالَ أَبُو إِسْحَقَ: وكانَ عِنْدَنَا: أَنَّ أَبَا سُلَيْمَانَ يَقُوْلُ: إِنَّ الكَافِرَ والمُومِنَ يُحَاسَبَانِ. فَعَلَى قَوْلهِ: إِنَّ المُؤْمِنَ لا يُحَاسَبُ، وإِنَّ الكَافِرَ يُحَاسَبُ، [وهَذِهِ عَصَبِيَّةٌ للكَافِرِ] (٦) خَرَجَ بِهَا عَنْ جُمْلَةِ أَهْلِ العِلْمِ.

стр. 1401

قُلْتُ لَهُ: أَنْتَ تَتكلَّمُ عَلَى المُسْلِمِيْنَ، فَتَحْشُو أَسْمَاعَهُمْ بكَلامِ الكَلْبِيِّ الكَذَّابِ فِيْمَا يُخْبُرُ عَن مُرَادِ اللهِ تَعَالَى عَنِ الأُمَم الخَالِيَةِ، الَّتَي لَمْ يُشَاهِدْهَا، فَلا يَكُوْنُ عِنْدَكَ هَذَيَانٌ، تَجِيْءٌ (١) إِلَى مِثْلِ حَدِيْثِ إِبْرَاهِيْمَ النَّخَعِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبدِ اللهِ - حَدِيْثِ الخَبَرِ - فَتَقُوْلُ: هَذَا هَذَيَانٌ، وهَذَا قَوْلٌ مَنْ تَقَلَّدَهُ (٢) خَرَجَ عِنْدِي مِنَ الدِّيْنِ، وسَلَكَ غَيْرَ طَرِيْقِ المُسْلِمِيْنَ وهَذَا مَا جَرَى بَيْنَنَا، إلَّا مَا أَخْلَلْتُ بِهِ، فَلَمْ أتيَقَّنْ حِفْظَهُ، واللهُ (٣) المُوَفِّقُ لإدْرَاكِ الصَّوَابِ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَقَ بنُ شَاقِلَّا: حَدَّثَنَا عَبدُ العَزِيْزِ بن جَعْفَرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ النَّجَّارَ (٤) - وكَانَ عَبْدًا صَالِحًا، وكانَ مِنْ أَصْحَابِ المَرُّوْذِيِّ - قَالَ: غَسَّلْتُ مَيْتًا. فَمَضَى الَّذِي يَصُبُّ (٥) عَلَيَّ إلى حَاجَةٍ فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ، وقَبَضَ عَلَى زَنْدِيْ، وقَالَ لي (٦): يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أَحْسِنِ الاسْتِعْدَادَ لِهَذَا المَصْرَعِ، وعَادَ إِلَى حَالِهِ. قَالَ: وسُئِلَ الشَّيْخُ - يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ - عَنِ المَصْلُوْبِ: هَلْ تَضْغَطُهُ الأرْضُ؟ فَقَالَ: قُدْرَةُ اللهِ لا يُتَكلَّمُ عَلَيْهَا، أَرَأَيْتَ رَجُلًا لَو قُطِعَتْ يَدُهُ، أَوْ

стр. 1402

رِجْلُهُ، أَوْ لِسَانُهُ في بَلَدٍ، ومَاتَ في بَلَدٍ آخرَ: هَلْ يَنْزِلُ المَلَكَانِ عَلَى الكُلِّ مِنْهُ؟ وهَذَا في القَدْرَةِ واليَدُ في مَعْنَى التَّبَعِ. قَالَ: وسَألَ رَجُلٌ شَيْخَنَا أَبَابَكْرٍ عَنْ قَوْلِ الله تَعَالَى (١): ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ وقَالَ اللهُ (٢): ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ وقَالَ تعَالَى (٣): ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١)﴾ فَقَالَ: مَلَكُ المَوْتِ يُعَالِجُهَا، فَإِذَا بَلَغَتْ مُنْتَهَاهَا، قَبَضَهَا اللهُ ، فَقِيْلَ لَهُ: قَد استَوَى في ذلِكَ الفَاضِلُ والكَافِرُ والمُسْلِمُ (٤) فَمَا فَضْلُهُ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ في ابتدَاءِ الخَلْقِ في نَفْخِ الرُّوْحِ (٤)، فَكَذلِكَ في الانْتِهَاءِ في قَبْضِهَا، وكذلِكَ لَمْ يَكْنُ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ في التَّكوِيْنِ في الابتدَاءِ، وكذلِكَ في المَوْتِ في الانْتِهَاءِ، وهَذَا مَعْنَى مَا قَالَ وكَانَتْ لأبِي إِسْحَقَ بن شَاقِلَّا حَلْقَتَانِ، إِحْدَهُمَا: بِجَامِعِ المَنْصُوْرِ، والحَلْقَةُ الثَّانِيَةُ: بِجَامِعِ القَصْرِ. وحَجَّ سَنَةَ تِسْعٍ وأَرْبَعِيْنَ، ومَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وستِّينَ، قِيْلَ: في سَلْخِ جُمَادَى الآخِرَةِ. وقيلَ: في مُسْتَهَلِّ رَجَبٍ. وكانَ لَهُ ابنَانِ: عَلِيٌّ، وحَسَنٌ (٥).

стр. 1403

وكانَ سِنَّهُ يَوْمَ مَاتَ: أَرْبَعٌ وخَمْسُوْنَ سَنَةً. وغَسَّلَهُ أَبُو الحَسَنِ التَّمِيْمِيُّ. ٦١٥ - إِبْرَاهيمُ بنُ ثَابِتِ الحَنْبَليُّ، (١) أَبُو إسْحَقَ، كَانَ على غَايةٍ مِنَ العِلْمِ والزُّهْدِ. قَالَ القَاضِي أَبُو عَلِيٍّ بن أَبِي مُوْسَى: لَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيْمُ بنُ ثَابِتٍ الحَنْبَلِيُّ: كانَ الزَّمَانُ شَدِيْدَ الحَرِّ، وكانَ رَمَضَانَ، فَأفطَرَ ذلِكَ اليَوْم خَلْقٌ كَثِيْرٌ من شِدَّةِ مَا لَحِقَهُمْ مِنَ الجُهْدِ والعَطَشِ، وعَظُمَ الخَلْقُ الَّذِيْنَ كَانُوا مَعَهُ (٢). تُوفي سَنَهَ سَبْعِيْنَ وثَلاثِمَائَةَ (٣). ٦١٦ - عبْدُ العَزِيْز بن الحَارِثِ (٤) بن أَسَدٍ، أَبُو الحَسَنِ التَّمِيْمِيُّ.

стр. 1404

حَدَّثَ عن أَبِي بَكْر النَّيْسَابُوْرِيِّ، ونِفْطُوْيَه، والقَاضِي المَحَامِليِّ، وغَيرِهِمْ. وصَحِبَ أَبَا القَاسِم الخِرَقِيَّ، وأَبَا بَكْر عَبدَ العَزِيْزِ. وصَنَّفَ في الأُصُولِ والفُرُوْعِ، والفَرَائِضِ. صَحِبَهُ القَاضِيَانِ: أَبُو عَلِيِّ بنُ أَبِي مُوْسَى (١)، وأَبُو الحُسَيْنِ بنُ هُرْمُزَ (٢). وكانَ لَهُ أَوْلادٌ؛ أَبُو الفَضْلِ، وأَبُو الفَوَجِ (٣)، وغَيْرُهُمَا. وقيل: إِنَّه حَجَّ ثَلاثًا وعِشْرِيْنَ حَجَّةً.

стр. 1405

ومَوْلِدُهُ: سَنَةَ سَبع عَشْرَةَ وثَلاثِمَائَةَ، ومَوْتُهُ في ذِيْ القِعْدَةِ مِنْ سَنَةَ إِحْدَى وسَبْعِيْنَ وثَلاثِمَائَةَ. ٦١٧ - إِبْرَاهِيم بنُ جعْفَرِ (١) أَبُو القَاسِمِ، يُعْرَفُ بـ "ابن السَّاجِيِّ" المُتَخَصِّصُ بصُحْبَةِ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ العَزِيْزِ. سَمِعَ إِسْمَاعِيْلَ الصَّفَّارَ، وعَلِيَّ بنَ مُحَمَّدٍ المِصْرِيَّ، وأَبَا عَمْرِو بن السَّمَّاكِ، في آخرِيْنَ. رَوَى عَنْهُ أَبُو القَاسِمِ الأزَجِيُّ، وأَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرا. وصَنَّفَ كِتَابَ "البَيَانِ عَلَى مَنْ خَالَفَ القُرْآن ومَا جَاءَ فِيْهِ مِنْ صِفَاتِ الرَّحمَنِ، ومَا قَامَتْ عَلَيْهِ أَدِلَّةُ البُرْهَانِ". وتُوفِّيَ في جُمَادَى الأوْلَى سَنَةَ تِسْعٍ (٢) وسَبْعِيْنَ وثَلاثِمَائَة (٣). ودُفِنَ في مَقْبَرَة عَبْدِ العَزِيْزِ بالجَانِبِ الشَّرْقِيِّ.
следующие страницы →