← Тараджим

Тараджим · id 1520

طبقات الحنابلة - لابن أبي يعلى - ت العثيمين

أبو الحسين ابن أبي يعلى

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

قُلْتُ لَهُ: أَنْتَ تَتكلَّمُ عَلَى المُسْلِمِيْنَ، فَتَحْشُو أَسْمَاعَهُمْ بكَلامِ الكَلْبِيِّ الكَذَّابِ فِيْمَا يُخْبُرُ عَن مُرَادِ اللهِ تَعَالَى عَنِ الأُمَم الخَالِيَةِ، الَّتَي لَمْ يُشَاهِدْهَا، فَلا يَكُوْنُ عِنْدَكَ هَذَيَانٌ، تَجِيْءٌ (١) إِلَى مِثْلِ حَدِيْثِ إِبْرَاهِيْمَ النَّخَعِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبدِ اللهِ - حَدِيْثِ الخَبَرِ - فَتَقُوْلُ: هَذَا هَذَيَانٌ، وهَذَا قَوْلٌ مَنْ تَقَلَّدَهُ (٢) خَرَجَ عِنْدِي مِنَ الدِّيْنِ، وسَلَكَ غَيْرَ طَرِيْقِ المُسْلِمِيْنَ وهَذَا مَا جَرَى بَيْنَنَا، إلَّا مَا أَخْلَلْتُ بِهِ، فَلَمْ أتيَقَّنْ حِفْظَهُ، واللهُ (٣) المُوَفِّقُ لإدْرَاكِ الصَّوَابِ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَقَ بنُ شَاقِلَّا: حَدَّثَنَا عَبدُ العَزِيْزِ بن جَعْفَرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ النَّجَّارَ (٤) - وكَانَ عَبْدًا صَالِحًا، وكانَ مِنْ أَصْحَابِ المَرُّوْذِيِّ - قَالَ: غَسَّلْتُ مَيْتًا. فَمَضَى الَّذِي يَصُبُّ (٥) عَلَيَّ إلى حَاجَةٍ فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ، وقَبَضَ عَلَى زَنْدِيْ، وقَالَ لي (٦): يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أَحْسِنِ الاسْتِعْدَادَ لِهَذَا المَصْرَعِ، وعَادَ إِلَى حَالِهِ. قَالَ: وسُئِلَ الشَّيْخُ - يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ - عَنِ المَصْلُوْبِ: هَلْ تَضْغَطُهُ الأرْضُ؟ فَقَالَ: قُدْرَةُ اللهِ لا يُتَكلَّمُ عَلَيْهَا، أَرَأَيْتَ رَجُلًا لَو قُطِعَتْ يَدُهُ، أَوْ

стр. 1402

رِجْلُهُ، أَوْ لِسَانُهُ في بَلَدٍ، ومَاتَ في بَلَدٍ آخرَ: هَلْ يَنْزِلُ المَلَكَانِ عَلَى الكُلِّ مِنْهُ؟ وهَذَا في القَدْرَةِ واليَدُ في مَعْنَى التَّبَعِ. قَالَ: وسَألَ رَجُلٌ شَيْخَنَا أَبَابَكْرٍ عَنْ قَوْلِ الله تَعَالَى (١): ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ وقَالَ اللهُ (٢): ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ وقَالَ تعَالَى (٣): ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١)﴾ فَقَالَ: مَلَكُ المَوْتِ يُعَالِجُهَا، فَإِذَا بَلَغَتْ مُنْتَهَاهَا، قَبَضَهَا اللهُ ، فَقِيْلَ لَهُ: قَد استَوَى في ذلِكَ الفَاضِلُ والكَافِرُ والمُسْلِمُ (٤) فَمَا فَضْلُهُ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ في ابتدَاءِ الخَلْقِ في نَفْخِ الرُّوْحِ (٤)، فَكَذلِكَ في الانْتِهَاءِ في قَبْضِهَا، وكذلِكَ لَمْ يَكْنُ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ في التَّكوِيْنِ في الابتدَاءِ، وكذلِكَ في المَوْتِ في الانْتِهَاءِ، وهَذَا مَعْنَى مَا قَالَ وكَانَتْ لأبِي إِسْحَقَ بن شَاقِلَّا حَلْقَتَانِ، إِحْدَهُمَا: بِجَامِعِ المَنْصُوْرِ، والحَلْقَةُ الثَّانِيَةُ: بِجَامِعِ القَصْرِ. وحَجَّ سَنَةَ تِسْعٍ وأَرْبَعِيْنَ، ومَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وستِّينَ، قِيْلَ: في سَلْخِ جُمَادَى الآخِرَةِ. وقيلَ: في مُسْتَهَلِّ رَجَبٍ. وكانَ لَهُ ابنَانِ: عَلِيٌّ، وحَسَنٌ (٥).

стр. 1403

وكانَ سِنَّهُ يَوْمَ مَاتَ: أَرْبَعٌ وخَمْسُوْنَ سَنَةً. وغَسَّلَهُ أَبُو الحَسَنِ التَّمِيْمِيُّ. ٦١٥ - إِبْرَاهيمُ بنُ ثَابِتِ الحَنْبَليُّ، (١) أَبُو إسْحَقَ، كَانَ على غَايةٍ مِنَ العِلْمِ والزُّهْدِ. قَالَ القَاضِي أَبُو عَلِيٍّ بن أَبِي مُوْسَى: لَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيْمُ بنُ ثَابِتٍ الحَنْبَلِيُّ: كانَ الزَّمَانُ شَدِيْدَ الحَرِّ، وكانَ رَمَضَانَ، فَأفطَرَ ذلِكَ اليَوْم خَلْقٌ كَثِيْرٌ من شِدَّةِ مَا لَحِقَهُمْ مِنَ الجُهْدِ والعَطَشِ، وعَظُمَ الخَلْقُ الَّذِيْنَ كَانُوا مَعَهُ (٢). تُوفي سَنَهَ سَبْعِيْنَ وثَلاثِمَائَةَ (٣). ٦١٦ - عبْدُ العَزِيْز بن الحَارِثِ (٤) بن أَسَدٍ، أَبُو الحَسَنِ التَّمِيْمِيُّ.

стр. 1404

حَدَّثَ عن أَبِي بَكْر النَّيْسَابُوْرِيِّ، ونِفْطُوْيَه، والقَاضِي المَحَامِليِّ، وغَيرِهِمْ. وصَحِبَ أَبَا القَاسِم الخِرَقِيَّ، وأَبَا بَكْر عَبدَ العَزِيْزِ. وصَنَّفَ في الأُصُولِ والفُرُوْعِ، والفَرَائِضِ. صَحِبَهُ القَاضِيَانِ: أَبُو عَلِيِّ بنُ أَبِي مُوْسَى (١)، وأَبُو الحُسَيْنِ بنُ هُرْمُزَ (٢). وكانَ لَهُ أَوْلادٌ؛ أَبُو الفَضْلِ، وأَبُو الفَوَجِ (٣)، وغَيْرُهُمَا. وقيل: إِنَّه حَجَّ ثَلاثًا وعِشْرِيْنَ حَجَّةً.

стр. 1405

ومَوْلِدُهُ: سَنَةَ سَبع عَشْرَةَ وثَلاثِمَائَةَ، ومَوْتُهُ في ذِيْ القِعْدَةِ مِنْ سَنَةَ إِحْدَى وسَبْعِيْنَ وثَلاثِمَائَةَ. ٦١٧ - إِبْرَاهِيم بنُ جعْفَرِ (١) أَبُو القَاسِمِ، يُعْرَفُ بـ "ابن السَّاجِيِّ" المُتَخَصِّصُ بصُحْبَةِ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ العَزِيْزِ. سَمِعَ إِسْمَاعِيْلَ الصَّفَّارَ، وعَلِيَّ بنَ مُحَمَّدٍ المِصْرِيَّ، وأَبَا عَمْرِو بن السَّمَّاكِ، في آخرِيْنَ. رَوَى عَنْهُ أَبُو القَاسِمِ الأزَجِيُّ، وأَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرا. وصَنَّفَ كِتَابَ "البَيَانِ عَلَى مَنْ خَالَفَ القُرْآن ومَا جَاءَ فِيْهِ مِنْ صِفَاتِ الرَّحمَنِ، ومَا قَامَتْ عَلَيْهِ أَدِلَّةُ البُرْهَانِ". وتُوفِّيَ في جُمَادَى الأوْلَى سَنَةَ تِسْعٍ (٢) وسَبْعِيْنَ وثَلاثِمَائَة (٣). ودُفِنَ في مَقْبَرَة عَبْدِ العَزِيْزِ بالجَانِبِ الشَّرْقِيِّ.

стр. 1406

٦١٨ - الحَسَنُ بنُ يَحْيَى (١) بن قَيْسٍ، أَبُو بَكْرٍ المُقْرِئُ، سَمِعَ "مُخْتَصَر أَبِي القَاسِمِ الخِرَقِيِّ" مِنْهُ، وحَدَّثَ بِهَذَا "المُخْتَصَرِ" جَمَاعَةً، أَحَدُهُم أَبُو عَبدِ اللهِ بنُ حَامدٍ (٢)، وأَبُو طَالِبٍ العُشَارِيِّ. ٦١٩ - الحَسَنُ (٣) بنُ عَبْدِ الله (٤) أَبُو عَلِيٍّ النَّجَّادُ. كَانَ فَقِيْهًا مُعَظَّمًا، إِمَامًا في أُصُوْلِ الدِّيْنِ وفُرُوْعِهِ، صَحِبَ مِنْ شُيُوخِ المَذْهَبِ، لأبي الحَسَن بن بَشَّارٍ، وأَبِي مُحَمَّدٍ البَرْبَهَارِيِّ، ومَنْ في طَبَقَتهمَا .. وصَحِبَهُ جَمَاعَةٌ؛ أَبُو حَفْصٍ البَرْمَكِيُّ، وأَبُو حَفْصٍ العُكْبَرِيُّ، وأَبُو الحَسَنِ الخَرَزِيُّ (٥)، وعبدُ العَزِيْزِ غُلامُ الزَّجَّاجِ (٦)، وأَبُو عَبْدِ اللهِ بن حَامِدٍ.

стр. 1407

قَالَ أَبُو حَفْصٍ: سَمعتُهُ يقُولُ: سُئِلَ ابنُ بَشَّارٍ لِمَ صَارَ الإمساك عن فَضْلِ الكَلامِ أَشَدُّ من الإمْسَاكِ عَن فَضْلِ الطَّعَامِ؟ فَقَالَ: إِنَّ الكَلام تَبقى مِدْحَتُهُ بَعْده، والطَّعَام تَزُول مَنْفَعَتُه بزَوَالِهِ، أَوْ كَمَا قَال. قَالَ: وسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ البَرْبَهَارِيُّ يَقُولُ: قَال ذو النُّون المَصْرِي: وُصِفَ لِي (١) رَجُلٌ بتاهَرْت (٢)، فَمَضَيْتُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا رآنِي وَلَّى عَنِّي، فَنَادَيْتُه: بالَّذي وَهَبَ لَكَ مَا وَهَبَ إلَّا وَقَفْتَ، فَلَستُ أُطَوِّلُ عَلَيْكَ، كيفَ كَانَ بَدْءُ أَمْرِكَ مَعَ رَبُّكَ ﵎؟ قَالَ لِي: يَا فَتَى، كُنْتُ إِذَا عَمِلْتُ بِمَعْصِيَتِهِ صَبَرَ عَليَّ وتَأَنَّى بِي، فَإِذَا عَمِلْتُ بِطَاعَتِهِ زَادَنِي وأَعْطَانِي، وإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَيْهِ قَرَّبَنِي وأَدْنَانِي، وإِذَا وَلَّيْتُ عَنْهُ صَوَّتَ بِي ونَادَانِي، وإِذَا وقَفْتُ لِفَتْرَةٍ رَغَّبَنِي ومَنَّانِي، فَمَنْ أَكْرَمُ مِنْ هَذَا مَأْمُولًا؟

стр. 1408

انْصَرَفْ عَنِّي، لا تَشْغَلْنِي. قَالَ: وسَمِعْتُ أَبَا عَلِيِّ (١) النَّجَّادَ يَقُوْلُ: بَيْنَا أَنَا ذَاتُ يَوْمٍ، إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ البِدَعِ، ومَعَهُ مُصْحَفٌ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ فيه، في سُوْرَةِ الأحْزَابِ، فَلَمَّا انْتَهَى إلى هَذَهِ الآيةِ (٢): ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ أَطْبَقَ (٣) المُصْحَفَ، وقَالَ: أيْشٍ نَعْمَلُ فِي هَذِا (٤) وعَائِشَةُ قَدْ خَرَجَتْ؟!. قُلْتُ: إِنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهَا. قَالَ: وكَيْفَ ذَاكَ؟ قُلْتُ: لأنَّ بُيُوْتَ أَبْنَائِهَا بَيْتُهَا. قَالَ: وسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: جَاءَنِي رَجُلٌ - وَقَدْ كُنْتُ حُذِّرْتُ مِنْهُ أَنَّه رَافِضِيٌّ - فَأَخَذَ يَتَقَرَّبُ إِليَّ، ثُمَّ قَالَ: لا نَسُبُّ أَبَا بَكْرٍ وعُمَرَ، بَلْ مُعَاويةَ وعَمْرُو بنَ العَاصِ. فَقُلْتُ لَهُ: ومَالُ مُعَاوِيَةَ؟ قَالَ: لأنَّه قَاتَلَ عَلِيًّا. قُلْتُ لَهُ: إِنَّ قَوْمًا يَقُوْلُوْنَ: إِنَّه لَمْ يُقَاتِلْ عَلِيًّا، وإِنَّمَا قَاتَلَ قَتَلَةَ (٥) عُثْمَانَ.

стр. 1409

قَالَ: فَقَوْلُ النَّبيِّ ﷺ لِعَمَّارٍ: "تَقْتُلُكَ الفِئَة (١) البَاغِيَةُ" (٢). قُلْتُ: إِنْ أَنَا قُلْتُ: إِنَّ هَذَا لَمْ يَصِحَّ، وقَعَتْ مُنَازَعَةٌ، ولكن قُلْتُ: قَوْلُهُ ﵇ (٣): "تَقْتُلُكَ الفِئَةُ البَاغِيَةُ" يَعْنِي (٤): الطَّالِبَةُ، لا الظَّالِمَةُ؛ لأنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ تُسَمِّي الطَّالِبَ بَاغِيًا، ومنه: بَغَيْتُ الشَّيْء، تَقُوْلُ: طَلَبْتُهُ، ومِنْهُ: قَوْلُهُ تَعَالَى (٥): ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ﴾ وقَولُهُ (٦): ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ ومثلُ ذلِكَ كَثيْرٌ، فَإِنَّمَا يَعْنِي بذلِكَ: الطَّالِبَةُ لِقَتَلَةِ عُثْمَانَ ﵁. وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ العُكْبَرِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا عَلِيٍّ النَّجَّادَ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبَا الحَسَنِ بنَ بَشَّارٍ يَقُوْلُ: مَا أَعِيْبُ عَلَى رَجُلٍ يَحْفَظُ لأحْمَدَ بن حَنْبَلٍ خَمْسَ مَسَائِلَ أَن يَسْتَنِدَ إلى بَعْضِ سَوَارِي المَسْجِدِ، ويُفْتِي النَّاسَ بِهَا. ٦٢٠ - أبُو الحسَن البِرْتِيُّ (٧) ذَكَرَهُ الوَالِدُ السَّعِيْدُ، فَقَالَ: كَانَ شَيْخًا يَجْتَمِعُ

стр. 1410

عندَهُ المَشَايِخِ، ويَتَذَاكَرُوْنَ عِنْدَهُ. ٦٢١ - يُوْسُف بنُ عُمَرَ (١) بن مَسْرُوْرٍ، أَبُو الفَتْحِ القَوَّاسُ. سَمِعَ أَبَا القَاسِمِ البَغَوِيَّ، وَأَبَا بَكْرِ بن أَبِي دَاوُدَ، ويَحْيَى بنَ صَاعِدٍ، وخَلْقًا كَثيْرًا. حَدَّثَنَا عَنْهُ أَبُو الحُسَيْن بنُ المُهْتَدِي بالله، قَالَ: حَدَّثنَا يُوْسُفُ القَوَّاسُ - إِمْلاءً - قَالَ: حَدَّثنَا أَبُو القَاسِمِ عبدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بن عَبْدِ العَزِيْزِ البَغَويُّ - إِمْلاءً - قَالَ: حَدَّثَنَا طَالُوْتُ بنُ عَبَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَلالٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بن شَقِيْقٍ، عن مُرَّةَ البَهْزيِّ: أَنَّ رَسُوْلَ الله ﷺ قَالَ (٢): "إِنَّه سَتَكُوْنَ فِتَنٌ، كأَنَّها صَيَاصِي بَقَرٍ"، فَمَرَّ بِنَا رَجُلٌ مُتَقَنِّع، فَقَالَ: هَذَا وأَصْحَابُهُ عَلَى الحَقِّ، فَذَهَبْتُ ونَظَرْتُ إِلَيْهِ، فَإِذَا هوَ عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ ﵁. وُلِدَ يُوْسُفُ القَوَّاسُ أَوَّل يَوْمٍ مِنْ ذِيْ الحِجَّةِ سَنَةَ ثَلاثَمِائَةِ، وأَوَّلُ

стр. 1411

سَمَاعِهِ من البَغَوِيِّ سَنَةَ ستَّ عَشْرَةَ. قَالَ القَوَّاسُ: وحَضَرْتُ مَجْلِسَ القَاضِي المَحَامِلِيِّ، وكانَ لَهُ أَرْبَعةُ مُسْتَمْلِيْنَ يَسْتَمْلُوْن عَلَيْهِ، وكُنْتُ لا أَكْتُبُ في مَجْلِسِ الإمْلاءِ إلَّا مَا أَسْمَعهُ مِنْ لَفْظِ المُحَدِّثِ، فَقُمتُ قَائِمًا؛ لأنِّي كُنْتُ بَعِيْدًا مِنَ المَحَامِلِيِّ بحيثُ لا أَسْمَعُ لَفْظَهُ، فَلَمَّا رآنِي النَّاسُ أَفْرَجُوا لي، وأَجَازُوْنِي، حَتَّى جَلَسْتُ مَعَ المَحَامِليِّ عَلى السَّرِيْرِ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ جَاءَنِي رَجُلٌ فَسَّلَمَ علَيَّ، وَقَالَ لِي: أَسْألكَ بالله (١) أَنْ تَجْعَلَنِي في حِلٍّ، فَقُلْتُ لَهُ: مِمَّاذَا؟ قَالَ: رَأَيْتُكَ أَمْسِ قُمْتَ في المَجْلِسِ، وتَخَطَّيْتَ رِقَابَ النَّاسِ، فَقُلْتُ في نَفْسِي: إِنَّكَ قَصَدْتَ القِيَامَ لِتَخَطِّي رِقَابَ النَّاسَ، لا لِسَمَاعِ الحَدِيْثِ، فَرَأَيْتُ رَسُوْلَ الله ﷺ في المَنَامِ وهْوَ يَقُوْلُ لِي: مَنْ أَرَادَ سَمَاعَ الحَدِيْثِ كَأنَّه يَسْمَعُهُ مِنِّي، فَلْيَسْمَعْهُ كَسَمَاعِ أَبِي الفَتْحِ القَوَّاسِ. أَنْبَأَنَا القَاضِي (٢) الخَطِيْبُ، عَن يُوْسُفَ القَوَّاسِ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بن مَخْلَدٍ قُلْتُ لَهُ: حَدَّثَكُمْ أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بنُ الأشْعَثِ السِّجِسْتَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ ﵁ سُئِلَ عَنِ المُعْتَمِّ تَحْتَ الحَنَكِ؟ فَقَالَ: مَا نَعْرِفُ العِمَامَةِ [تَحْتَ الحَنَكِ] (٣)، ورَأَيْتُ أَحْمَدَ يَعْتَمُّ بِعِمَامَةٍ بَيْضَاءَ،

стр. 1412

يَجْعَلُهَا تَحْتَ الحَنَكِ، ورَأَيْتُ أَحْمَدَ يَعْتَمُّ على (١) قُلُنْسُوَةٍ. قَرَأْتُ في كِتَابِ ابن ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَليَّ بنَ مُحَمَّدِ بن الحَسَنِ السِّمْسَارَ يَقُوْلُ: مَا أَتَيْتُ يُوْسُفَ القَوَّاسَ قَطُّ إلَّا وَجَدْتُهُ يُصَلِّي. قَالَ: وَسمِعْتُ البَرْقَانِيَّ والأزْهَرِيَّ - وذَكَرَا أَبَا الفَتْحِ (٢) القَوَّاسَ - فَقَالا: كَانَ من الأبْدَالِ. وقَالَ الأزْهَرِيُّ: كَانَ أَبُو الفَتْحِ مُجَابَ الدَّعَوَاتِ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: كُنَّا نَتبَرَّكُ بِأَبي الفَتْحِ القَوَّاسِ وهو صَبِيٌّ. وقَالَ أَبُو ذَرٍّ (٣): كُنْتُ عِنْدَ القَوَّاسِ، وقَدْ أَخْرَجِ جُزْءًا مِنْ كُتُبِهِ، فَوَجَدَ فِيْهِ قَرْضَ الفَأْرَةِ، فَدَعَا الله عَلَى الفَأْرَةِ الَّتِي قَرَضتْهُ، فَسَقَطَتْ مِنْ سَقْفِ البَيْتِ فَأْرَةٌ، ولَمْ تَزَلْ تَضْطَرِبُ حَتَّى مَاتَتْ. وقَالَ العَتِيْقِيُّ (٤): سَنَةَ خَمْسٍ وثَمَانِيْنَ وثَلاثِمَائَةَ: فِيْهَا تُوُفِّيَ الشَّيْخُ

стр. 1413

الصَّالِحُ أَبُو الفَتْحِ القَوَّاسِ، يَوْمَ الجُمُعَةِ لِسَبْعٍ (١) بَقِيْنَ من شَهْرِ رَبِيْعٍ الآخرِ، وصُلِّيَ عليه في جَامِع الرَّصَافةِ، وحُمَلَ إلى قَبْرِ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ، وكانَ مُسْتَجَابَ الدَّعَوَاتِ. ورَأَيْتُ بِخَطِّ أَبِي عَلِيٍّ البَرَدَانِيِّ: سَمِعْتُ قَاسِمَ الحَفَّارِ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ جَدِّي يَقُوْلُ: لَمَّا نزَلْتُ في قَبْرِ القَوَّاسِ حَتَّى أَلْحَدَهُ، وَأَخَذْتُهُ عَلَى يَديَّ حَتَّى أُنْزِلُهُ اللَّحْدَ سَمِعْتُه، وهْوَ يَضْحَكُ (٢)، ودُفِنَ بالقُرْبِ من أَحْمدَ [بنَ حَنْبَلٍ] (٣) ﵁. (٤) ٦٢٢ - عُبَيْدُ الله بنُ مُحُمَّد (٥) بن مُحَمَّدِ بن حَمْدَانَ بن عُمَرَ بن عِيْسَى بن

стр. 1414

إِبْرَاهِيْمَ بن سَعْدِ بن عُتْب بن (١) فَرْقَدٍ، صَاحِب رَسُوْلِ اللهِ ﷺ (٢)، أَبُو عَبْدِ اللهِ العُكْبَرِيُّ، المَعْرُوْفُ بـ "ابن بَطَّةَ" (٣). سَمِعَ عبدَ اللهِ بنَ مُحَمَّدٍ البَغَويَّ (٤)، وأَبَا مُحَمَّدِ بنَ صَاعِدٍ، وإِسْمَاعِيْلَ بنَ العَبَّاسِ الوَرَّاقَ، وأَبَا بَكْرٍ النَّيْسَابُوْريَّ، وأَبَا طَالِبٍ أَحْمَدَ بنَ نَصْرٍ الحَافِظَ، وأَبَا ذَرٍّ بنَ البَاغَنْدِيِّ، ومُحَمَّدَ بنَ مَحْمُوْدٍ السَّرَّاجَ، ومُحَمَّدَ بنَ مَخْلَدٍ العَطَّارَ، ومحمَّدَ بنَ ثَابِتٍ العُكْبَرِيَّ، وجَعْفَرَ القَلافْلانِيَّ، وأبَا القَاسِمِ الخِرَقِيَّ، وأَبَا بَكْرٍ عَبْدَ العَزِيْزِ، وغَيْرَهُمْ مِنَ الغُرَبَاءِ. فَإِنَّه سَافَرَ الكَثيْرَ إِلَى مَكَّةَ والثُّغُوْرِ، والبَصْرَةِ، وغَيْرِ ذلِكَ من البِلادِ. صَحِبَهُ (٥) جَمَاعَةٌ مِنْ شُيُوْخِ المَذْهَبِ؛ أَبُو حَفْصٍ العُكْبَرِيُّ، وأَبُو حَفْصٍ البَرْمَكِيُّ، وأَبُو عَبْدِ الله بنُ حَامِدٍ (٦)، وأَبُو عَلِيِّ بن شِهَابٍ، وأَبُو إِسْحَقَ البَرْمَكِيُّ في آخَرِيْنَ (٧).

стр. 1415

ولَمَّا رَجَعَ ابنُ بَطَّةَ مِنَ الرِّحْلَةِ، لازَمَ بَيْتَهُ أَرْبَعِيْنَ سَنَةً، فَلَمْ يُرَ في سُوْقٍ وَلا رُئِيَ مُفْطِرًا، إلَّا في يَوْمِ الفِطْرِ والأضْحَى وأَيَّامِ التَّشْرِيْقِ. وقَالَ ابنُ ثَابِتٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الوَاحِدِ (١) بن عَليٍّ العُكْبَرِيُّ، قَالَ: لَمْ أَرَ في شُيُوخِ أَصْحَابِ الحَدِيْثِ، ولا فِي غَيْرِهِمْ أَحْسَنَ هَيْئَةً من ابن بَطَّةَ. قَالَ: وحَدَّثَنِي القَاضِي أَبُوحَامِدٍ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ الدَّلَّوِيُّ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ أَبُو عَبْدِ اللهِ بنُ بَطَّةَ مِنَ الرِّحْلَةِ لازَمَ بَيْتَهُ أَرْبَعِيْنَ سَنَةً، فَلَمْ يُرَ يَوْمًا مِنْهَا في سُوْقٍ، ولا رُئِيَ مُفْطِرًا إلَّا في يَوْمِ الأضْحَى والفِطْرِ، وكَانَ أَمَّارًا بالمَعْرُوْفِ، ولَمْ يَبْلُغْهُ خَبَرَ مُنْكَرٍ إلَّا غَيَّرَهُ، أَوْ كَمَا قَالَ. قَالَ: وأَخْبَرَنَا العَتِيْقِيُّ قَالَ: سَنَةَ سَبع وثَمَانِيْنَ وثَلاثَمائة فِيْهَا تُوفِيَ بعُكْبَرَا أَبُو عَبْدِ اللهِ بنُ بَطَّةَ في المُحَرَّمِ، وكَانَ شَيْخًا صَالِحًا مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ. قُلْتُ أَنَا: وأَنْبَأَنَا (٢) أَبُو مُحَمَّدٍ الجَوْهَرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَخِي أَبَا عَبْدِ الله يَقُوْلُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ في المَنَامِ، فقلتُ لَهُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ أَيُّ المَذَاهِبِ خَيْرٌ - أَوْ قَالَ: قُلْتُ: على أَيِّ المَذَاهِبِ أَكُوْنُ؟ فَقَالَ: ابن بَطَّةَ، ابن بَطَّةَ، ابن بَطَّةَ، فَخَرجتُ مِنْ بَغْدَادَ إلى عُكْبَرَا، فَصَادَفَ دُخوْلِي يَوْمَ

стр. 1416

الجُمُعَةِ، فَقَصَدْتُ إِلَى الشَّيْخِ أَبِي عَبدِ اللهِ بن بَطَّةَ إلى الجَامِعِ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ لِيْ ابتِدَاءً: صَدَقَ رَسُوْلُ اللهِ، صَدَقَ رَسُوْلُ الله، أَوْ كَمَا قَالَ. (١) وقَرَأْتُ بخطِّ أَخِي عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: نَقَلْتُ من خَطِّ أَبِي القَاسِمِ الدّميانيِّ (٢)، في آخرِ الجُزْءِ الأوَّلِ مِنَ "المُعْجَمِ" قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ الله ﵀ (٣): وُلِدْتُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، لأرْبَعٍ خَلَوْنَ مِنْ شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وثَلاثِمَائَةَ. قَالَ: وَوُلِدَ ابنُ مَنِيْعٍ ﵀ (٤) سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ (٥). وَمَاتَ يَوْمَ الفِطْرِ، سَنَةَ سَبع عَشْرَةَ وثَلاثِمَائَةَ (٦). قَالَ (٧) الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ الله (٨): كَانَ لأبِي ﵀ (٩) بِبَغْدَادَ شُرَكَاء، وكانَ فِيهمْ رَجُلٌ، يُعرف بأَبي بَكْرٍ، فَقَالَ لأبِي: ابْعَثْ بابْنِكَ إلى بَغْدَادَ، ليَسْمَعَ الحَديثَ، فَقَالَ: إِنَّه صَغِيْر، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا أَحْمِلُهُ مَعِي، فَحَمَلَنِي إلى بَغْدَادَ فَجِئْتُ إِلَى ابن مَنِيعٍ، وهو يُقْرَأُ عَلَيْهِ الحَدِيْثَ، فَقَالَ لِي بَعْضُهُمْ: سَلِ الشَّيْخَ أَنْ يُخْرِجَ إِلَيْكَ

стр. 1417

"مُعْجَمَهُ" لتَقْرَأَهُ عليه، ولَمْ أَعْلَمْ أَنَّ لَهُ "مُعْجَمًا"، فَسَألتُ ابنَهُ، أو ابن ابنَتِهِ في بابِ "المُعْجَمِ"، فقَالَ: إِنَّه يُرِيْدُ دَرَاهِمَ كَثيْرَة، فَقُلْتُ: لأمِّي طَاقُ (١) مُلَحَمٌ، آخذُهُ (٢) مِنْهَا وأَبِيْعُهُ، ثُمَّ قَرَأْنَا عَلَيْهِ كِتَابَ "المُعْجَم" في نَفَرٍ خَاصٍّ في مُدَّةِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، أَو أَقَلَّ أَوْ أَكْثرَ، وذلِكَ في آخرِ سَنَةِ خَمْسِ عَشْرَةَ، وأَوَّلِ سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ. قَالَ الشَّيْخُ: أذْكُرُهُ، وَقَدْ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ الطَّالْقَانِيُّ سَنَةَ أَرْبَعٍ وعِشْرِيْنَ ومَائَتَيْنِ، فَقَالَ (٣) المُسْتَمْلِي: خُذُوا هَذَا قَبْلَ أَنْ يُوْلَدَ كلُّ مُحَدِّثٍ على وَجْهِ الأرْضِ اليَوْمَ. قَالَ: وسَمِعْتُ المُسْتَمْلِي - واسْمُهُ أَبُو عَبدِ الله بنُ مِهْرَانَ - يَقُوْلُ لَهُ: مَتَى ذَكَرْتَ، يا ثبت (٤) الإسْلامِ؟. وقَرَأتُ بِخَطِّ أَبِي القَاسِمِ ﵀ سمِعْتُ الشَّيْخَ أَبَا الحَسَنِ عَليَّ (٥) بنَ الحُسَيْنِ بن أَحْمَدَ بن إِبْرَاهِيْمَ الزَّاهِدَ - إِمْلاء - سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُوْدٍ أَحْمَدَ بنَ مُحَمَّدٍ البَجَليَّ الحَافِظَ - أَحَدُ أَوْلادِ أَبِي بَكْرٍ الإسْمَاعِيْليِّ - يَقُوْلُ: أَحْبَبْتُ الحَنْبَلِيَّةَ مُذْ رَأَيْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ بنَ بَطَّةَ. قَالَ: وسَمِعْتُ أَبَا عَلِيِّ بنَ شِهَابٍ يَقُوْلُ: كُنْتُ بِمَكَّةَ، فَوَقَفْتُ عَلَى بَعْضِ أَوْلادِ أَبِي بَكْرٍ الإسْمَاعِيْليِّ، فَذَكَرَ كِتَابَ "المُعْجَمِ"، وقَالَ في أَثْنَاءِ

стр. 1418

كَلامِهِ: بِخَطِّ وَرَّاقٍ لَهُ - يَعْنِي لأبِي (١) عَبْدِ الله بن بَطَّةَ - فَقُلْتُ لَهُ: هو الَّذي يُكَلِّمُكَ. قَالَ: وسَمِعْتُ أَبَا عَلِيِّ بنَ شِهَابٍ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله بن بَطَّةَ - يَقُوْلُ: اسْتَعْمَلُ عِنْدَ مَنَامِي أَرْبَعِيْنَ حَدِيْثًا رُوِيَتْ عَنْ رَسُوْلِ الله ﷺ . قَالَ: وسَمِعْتُ أَبَا عَلِيِّ بنَ شِهَابٍ يَقُوْلُ: رَأَيْتُ أَبَا عَبْدِ الله بنَ بَطَّةَ، وقَدْ صَلَّى صَلاةَ الجُمُعَةِ بِبَغْدَادَ، أَوْ فِي جَامِعِ المَنْصُوْرِ، وخَرَجَ بَعْدَ الصَّلاةِ فَمَشَى في الصَّحْنِ الَّذي يَلي المِنْبَرَ فَقَالَ النَّاسُ في الرِّوَاقِ وَمَا يَلِيْهِ: ابنُ بَطَّةَ، فَرَأَيْتُ النَّاسَ يُهْرَعُوْنَ إِلَيْهِ. قَالَ: وسَمَعْتُ نَصْرَ بنَ الفَرَجِ البَزَّازَ، يَقُوْلُ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ بن بَطَّةَ، وهو صَائِمٌ في يَوْمٍ شَدِيدِ الحَرِّ، فَرَأَيْتُهُ وَقَدْ وَضَعَ صَدْرَهُ على طَوَابِقَ مَغْسُوْلَةً، يَتبَرَّدُ بذلِكَ. قَالَ: وسمعتُ أَبَا عَلِيِّ بنَ شِهَابٍ يَقُوْلُ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ الله بن بَطَّةَ بينَ العِشَاءَيْنِ، وهو مُتَوَارٍ، فَقَالَ لِي: إِنَّنِي أَشْرَبُ مَاءَ البِئْرِ، وكانَ قَدْ اختَفَى لأمرٍ طَغَا، وأَظنُّه من سُلْطَانٍ، ودَفَعَ إِلَيَّ كتابَ "العُزْلَةِ" (٢). قَالَ: وسَمِعْتُ مَنْ يذْكُرُ أَنّه كَانَ يَجْلِسُ في مَجْلِسِهِ يومَ الجُمُعَةِ، مُتَوجِّهًا إلى القِبْلَةِ والنَّاسُ بينَ يَدَيْهِ. وكانَ يَتَطَيْلَسُ بإِزَارٍ مُرَبَّعٍ عَلَى رَأْسِهِ، فربَّمَا اسْتَنْكَرَ شَيْئًا يَظْهَرُ مِن حَلْقَتِهِ من حَدِيْثٍ أَو نَحْوِهِ، فيُومِئُ فيَقُوْلُ:

стр. 1419

أَحسِنُوا الأدَبَ، فيَحْتَشِمُ النَّاسُ ذلِكَ ويَنْكَفُّوا. قَالَ: وسَمِعْتُ أَبَا عَلِيِّ بنَ شِهَابٍ يَقُوْلُ: حَضَرْتُ مَجْلِسَ أَبِي عَبْدِ اللهِ، وقَدْ حَضَرَهُ مُؤدِّبِي أَبُو إِسْحَق الضَّرِيْرَ، فَقَالَ لَهُ: لَوْ اشتَغَلْتَ بِشيءٍ مِنَ العَرَبِيَّةِ - أَوْ كَلامًا هَذَا مَعْنَاهُ - فَقَالَ: هَذَا "مُسْنَدُ أَحْمَدَ" يأخذُ أَحَدُكُمْ أيَّ جُزْءٍ شَاءَ ويَقْرَأُ عَليَّ الإسْنَادَ لأذْكُرَ المَتْنَ، أَوْ المَتْنَ لأذْكُرَ الإسْنَادَ، فاحتَشَمْنَاهُ أَنْ نَقولَ لَهُ ذلِكَ أَوْ كَمَا قَالِ. قَالَ أَخِي أَبُو القَاسِمِ ﵁ (١): وذُكِرَ أَنَّ عَبْدِ اللهِ بنَ بَطَّةَ كَانَ يَسْرِدُ الصَّوْمَ، وكانَ بِعَيْنهِ نَاصُوْرٌ، وقَدْ وُصِفَ لَهُ تَرْكُ العَشَاءِ، فَكَانَ يَجْعَلُ عَشَاءَهُ قَبْلَ الفَجْرِ بيَسِيْرٍ، ولا ينَامُ حَتَّى يُصْبِحَ، وكَانَ عَالِمًا بِمَنَازِلِ الفَجْرِ والقَمَرِ. قُلْتُ أَنَا: وحَكَى لِيَ أَبُو الفَتْحِ العُكْبَرِيُّ (٢)، قَالَ: وَجَدْتُ بخطِّ أَبي قَالَ: اجتَازَ الشَّيْخُ أبُو عَبْدِ اللهِ بن بَطَّةَ بالأحْنَفِ العُكْبَرِيِّ، فَقَامَ لَهُ، فشَقَّ ذلِكَ عَلَيْهِ: فَأَنْشَأَ يَقُوْلُ (٣): لا تَلُمْنِيْ عَلَى القِيَامِ فَحَقِّيْ … حِيْنَ تَبْدُو أَنْ لا أَمَلَّ القِيَامَا أَنْتَ مِنْ أَكْرَمِ البَرِيَّةِ عِنْدِيْ … ومِنَ الحَقِّ أَنْ أَجِلَّ الكِرَامَا فقالَ ابنُ بَطَّةَ لابن شِهَابٍ: تَكَلِّفْ لَهُ جَوَابَ هَذِهِ، فَقَالَ:

стр. 1420

أَنْتَ إِنْ كُنْتَ - لا عَدمْتُك - تَرْعَى … لِيَ حَقًّا وتُظْهِرُ الإعْظَامَا فَلَكَ الفَضْلُ في التَّقَدُّم والعِلْـ … ـم ولَسْنَا نُحِبُّ مِنْكَ احْتِشَامَا فَاعْفِنِيْ الآنَ مِنْ قِيَامِكَ أَو لا … فَسَأُجْزِيْكَ بالقِيَامَ قِيَامَا وَأَنَا كَارِهٌ لِذلِكَ جِدًّا … إِنَّ فِيْهِ تَمَلُّقًا وأَثَامَا لا تُكَلِّفْ أَخَاكَ أَنْ يَتَلَقَّا … كَ بِمَا يَسْتَحِلُّ فِيْهِ الحَرَامَا فَإِذَا صَحَّتِ الضَّمَائِرُ مِنَّا … اكْتَفَيْنَا أَنْ نُتْعِبَ الأَجْسَامَا كُلُّنَا وَاثِقٌ بِوُدِّ مُصَافِيْـ … ـهِ، فِفِيْمَا انْزِعَاجُنَا وعَلامَا أَنْبَأنَا عَلِيٌّ (١) عن ابن بَطَّةَ قَالَ: حَدَّثَنا أَبُو القَاسِم عَبدُ اللهِ بن مُحَمَّدٍ الوَرَّاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بنُ الوَليْدِ الكِنْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَهْلٌ - أَخْو حَزْمٍ - عن أَبِي عِمْرَانَ الجونيّ، عن جُنْدُبِ بن عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ (٢): "مَنْ قَالَ في القُرْآنِ بِرَأَيِهِ، فَأَصَابَ فَقَدْ أخْطَأَ". وبِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ دَعْلَجٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَليٍّ الصَّائِغُ، حدَّثَنَا سَعِيْدُ بنُ مَنْصُوْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ، عن أَيُّوبَ عَنْ ابن أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ الصَّدِّيْقُ ﵁ عن آيةٍ من كِتَابِ اللهِ؟ فَقَالَ: أيّةُ أَرْضٍ تُقلُّنِي وأيَّةُ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، وأَيْنَ أَذْهَبُ؟ أَوْ كَيْفَ أَصْنَعُ؟ إِذَا أَنَا قُلْتُ في آيةٍ من كتابِ اللهِ بِغَيْرِ مَا أَرَادَ اللهُ بِهَا". وبِهِ قَالَ: حَدَّثنا دَعْلَجُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا سَعِيْدُ بنُ

стр. 1421

مَنْصُوْرٍ، حَدَّثَنَا يَزِيْدُ بنُ هَرُوْنَ، عن حُمَيْدٍ الطَّوِيْلِ، عن أَنَسِ بن مَالِكٍ "أَنَّ (١) عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ (٢) قَرَأَ عَلَى المِنْبَرِ ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ (٣) فَقَالَ: هَذِهِ الفَاكِهَةُ قَدْ عَرَفْنَاهَا، فَمَا الأبُّ؟ قَالَ: ثُمَّ رَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ فَقَالَ: لَعَمْرُكَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ التَّكَلُّفُ يَا عُمَرُ". قُلْتَ أَنَا: حَسْبُكَ بشَيْخِيْ (٤) الإسْلامِ، وإِمَامَيْ الهُدَى، وخَلِيْفَتَيْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ الهَادِيَيْن الرَّاشِدَيْن، وتَوقُّفَهُمَا وإِحْجَامَهُمَا عَنْ تَفْسِيْرِ آيةٍ من كِتَابِ الله جَلَّ وعَزَّ، وهُمَا أَعْلَمُ الخَلْقِ باللهِ بعدَ رَسُوْلِ الله ﷺ ، وبِرَسُوْلهِ، وبِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى وتَأْوِيْلِهِ؟ فَمَاذَا عَسَى أَنْ نَقُوْلَ في جَسَارَةِ المُعْتَزِلَةِ، والأشَاعِرَةِ، وبَقِيَّةِ المُتكلِّمِيْنَ الضَّالِيْنَ، في تأْوِيْلِ صِفَاتِ الرَّحْمَنِ ، الَّتِي نَطَقَ بِهَا القُرْآنُ ونَقَلَهَا الأئمةُ الأثبَاتُ، والعُلَمَاءُ (٥) الثِّقاتُ؟ وبِهِ قَالَ: حَدَّثنَا جَعْفَرٌ القَلافِلانيُّ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ مُحَمَّدِ بن أَبِي مَعْشَرٍ، قَالَ: حَدَّثنَا وَكِيعٌ، عن أُسَامَةَ بن زِيْدٍ، عن مُحَمَّدِ بن كَعْبٍ القُرَظِيِّ، قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ بنُ أَبِي سُفْيَان ﵁ على المِنْبَرِ (٦): "اللَّهُمَّ لَا

стр. 1422

مَانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ، ولَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ"، "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّيْنِ" (١)، سَمِعْتُ هَؤلاءِ الكَلِمَات مِنْ نَبِيِّكُمْ ﷺ . وبِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بنُ مُحَمَّدٍ الرَّاجِيَان، حَدَّثَنَا عَلِي بنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بنُ عَلِيٍّ الجُعْفِيُّ، حَدَّثَنَا لَيْثُ بنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عن مُجَاهِدٍ قَالَ: "الفَقِيْهُ مَنْ يَخَافُ الله ". وبِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بن أَبِي سَهْلٍ الحَرْبِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو العَبَّاسِ بنُ مَسْرُوْقٍ الطُّوْسِيُّ، حَدَّثَنَا مُوْسَى بنُ خَاقَان النَّحْوِيُّ، قَالَ: وحَدَّثنا أَحْمَدُ بنُ عُثْمَانَ الأدَمِيُّ، حَدَّثَنَا الحَارِثُ بنُ أَبِي أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بنُ القَاسِمِ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بنُ حُبَيْشٍ، عن لَيْثِ بن أَبِي سُلَيْم، عن أَبِي هُرَيْرَةَ الأنْصَارِيِّ عَنْ عَلِيِّ بن أَبِي طَالِبٍ ﵁ كلمه (٢) قَالَ: "أَلا (٣) أَخْبِرُكُمُ بالفَقِيْهِ كُلِّ الفَقِيْهِ؟ مَنْ لَمْ يُقَنِّطِ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، ولَمْ يُؤَمِّنْهُمْ مِنْ مَكْرِ الله، ولَمْ يُرَخِّصْ لَهُمْ فِي مَعَاصِي اللهِ، ولَمْ يَدَعْ القُرْآن رَغْبَةً عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ" وذَكَرَ الكَلامَ بِطُوْلهِ. وبِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيْل الحَسَّانِيُّ، حَدَّثنَا يَزِيْدُ بنُ هَرُوْنَ، أَخْبَرَنَا المَسْعُودِيُّ عن القَاسِمِ بن عَبْدِ الرَّحْمَن، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُوْدٍ: "كَفَى بخَشْيَةِ اللهِ عِلْمًا، وكَفَى بالاغْتِرَارِ بالله جَهْلًا".

стр. 1423

وبِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الحُسَيْنِ الحَرْبِيُّ [، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو القَاسِمِ البَغَوِيُّ، حَدَّثنَا يَحْيَى بنُ الحَرْبِيِّ] (١)، قَالَ: حَدَّثنَا أَحْمَدُ بنُ مَسْرُوْقٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بنُ حَفْصٍ، حَدَّثنَا وَكِيعٌ، عن مُحَمَّدِ بن أَبِي عَلْقَمَةَ اللَّيْثيُّ، قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ (٢) إلى أَبِي مُوْسَى: "إنَّ الفِقْهَ لَيْسَ بسَعَة (٣) الهَذْرِ، وكَثرةِ الرِّوَايَةِ، وإِنَّمَا الفِقْهُ خَشْيَةُ اللهِ". وبِهِ قَالَ: حَدَّثنَا أَبُو القَاسِمِ البَغَويُّ، حَدَّثنَا يَحْيَى بنُ أَيُّوبَ العَابدُ، حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّحْمَن بنُ عُمر العُمَريُّ، قَالَ (٤) قَالَ أَبُو حَازِمٍ: "لا يَكُوْنُ العَالِمُ عَالِمًا حَتَّى يَكُوْنَ فيه ثَلاثُ خِصَالٍ: لا يُحَقِّرُ مَنْ دُوْنَهُ في العِلْمِ، ولا يَحْسِدُ مَنْ فَوْقَهُ، ولا يَأْخُذُ على عِلْمِهِ دُنْيَا". وبِهِ قَالَ: حَدَّثنَا ابنُ صَاعدٍ، قَالَ: حَدَّثنَا عَلِيُّ بنُ مُسلمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَيَّارُ، قَالَ: حَدَّثنَا جَعْفَرُ بنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثنَا مَطَرٌ الوَرَّاقُ، قَالَ: سَأَلْتُ الحَسَنَ عَنْ مَسْأَلةٍ فَقَالَ فِيْهَا، فَقُلْتُ: يَا أَبَا سَعِيْدٍ، يَأْبَى (٥) عَلَيْكَ الفُقَهَاءُ، يُخَالِفُوْنَكَ، فَقَالَ الحَسَنُ: "ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، مَطَرُ (٦) وهَلْ رَأَيْتَ فَقِيْها قَطُّ؟ وهلْ تَدْرِي مَن الفَقِيْهِ؟ الفَقِيْهُ: الوَرعُ الزَّاهِدُ، المُقِيْمُ

стр. 1424

عَلَى سُنَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، الَّذي لا يَسْخَرُ بمن (١) أَسْفَلَ مِنْهُ، ولا يَهْزَأُ بمَنْ فَوْقَهُ، ولا يأخُذُ عَلَى عِلْمِ عَلَّمَهُ اللهُ حُطامًا". وبِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَق الكَاذِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بنُ الهَيْثَمِ، قَالَ: حَدَّثنَا أَبُو حُرَّةَ، عن الحَسَنِ قَالَ: "الفَقِيْهُ: المُجْتَهِدُ في العِبَادَةِ، والزَّاهِدُ في الدُّنْيَا، المُقِيْمُ عَلَى سُنَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ". وبِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُمَارَةَ حَمْزَةُ بنُ القَاسِمِ (٢) خَطِيْبُ جَامِع المَنْصُورِ، حَدَّثَنَا حَنْبَلُ بنُ إِسْخَقَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ، سَمِعْتُ أَيُّوبَ، سَمِعْتُ الحَسَنَ يَقُوْلُ: "مَا رَأَيْتُ فَقِيْهًا قَطُّ يُدَارِي ولا يُمَارِيْ، إِنَّمَا يَنْشُرُ حِكْمَتَهُ، فَإنْ قُبِلَتْ: حَمِدَ الله، وإِنْ رُدَّتْ حَمِدَ الله". قَالَ: وسَمِعْتُ الحَسَنَ يَقُوْلُ: "مَا رَأَيْتُ فَقِيْهًا قَطُّ، إِنَّمَا الفَقِيْهُ الزَّاهِدُ في الدُّنْيَا، الرَّاغِبُ في الآخِرَةِ، الدَّائِبُ عَلَى العِبَادَةِ، المُتَمَسِّكُ بالسُّنَّةِ". وبِهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ يُوْنُسَ الكُدَيْمِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيْمُ بنُ نَصْرٍ الصَّائِغُ، قَالَ: سَمَعْتُ الفُضَيْلَ بنَ عِيَاضٍ قَالَ: "إِنَّمَا الفَقِيْهُ الَّذِيْ أَنْطَقَتْهُ الخَشْيَةُ، وأَسْكَتَتْهُ الخَشْيَةُ، إِنْ قَالَ قَالَ بالكِتَابِ والسُّنَّةِ، وإِنْ سَكَتَ سَكَتَ بالكِتَابِ والسُّنَّةِ، وإِنْ اشْتبَهُ عليه شَيْءٌ وَقَفَ عِنْدَهُ، ورَدَّهُ إلى عَالِمِهِ".

стр. 1425

قُلْتُ أَنَا: هَذه واللهِ المَحْمُوْدَةُ (١) صِفَةُ إِمَامِنَا أَحْمَدَ، ومَنْ سَلَكَ طَرِيْقَهُ، وقَلِيْلُ مَا هُمْ، فَيَا وَيْحَ مَنْ يَدَّعِي مَذْهَبَهُ، ويَتَحَلَّى بالفَتْوَى عَنْهُ، وهو سِلْمٌ لِمَنْ حَارَبَهُ، عَوْنٌ لِمَنْ خَالَفَهُ، اللهُ المُسْتَعَانُ عَلَى وَحْشَةَ هَذَا الزَّمَانِ. وبِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ مَخْلَدٍ، حَدّثَنَا المَرُّوْذِيُّ، حَدَّثَنِي حِبَّانُ بنُ مُسْلِمٍ، سُئِلَ ابنُ المُبَارَكِ: هَلْ للعُلَمَاءِ عَلامَةٌ يُعْرَفُوْنَ بِهَا؟ قَالَ: عَلامَةُ العَالِم مَنْ عَمِلَ بعلْمِهِ، واستَقَلَّ كَثيْرَ العِلْمِ (٢) مِنْ نَفْسِهِ، ورَغِبَ في عِلْمِ غَيْرِهِ، وقَبِلَ الحَقَّ مِنْ كلِّ مَنْ أَتَاهُ بِهِ، وأَخَذَ العِلْمَ حَيْثُ وَجَدَهُ، فَهذهِ عَلامَةُ العَالِمِ وصِفَتُهُ (٣). قَالَ المَرُّوْذِيُّ: فَذَكَرْتُ ذلِكَ لأبِي عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ: هكَذَا هُوَ. وبِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابنُ مَخْلَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا المَرُّوْذِيُّ، قَالَ: قُلْتُ لأبِي عَبْدِ الله: قِيْلَ لابن المُبَارَكِ: كَيْفَ تَعْرِفُ العَالِمَ الصَّادِقَ؟ فَقَالَ: الَّذِي يَزْهَدُ في الدُّنْيَا، ويُقْبِلُ عَلَى أمْرِ آخِرَتهِ، فَقَالَ: نَعَمْ، هكَذَا يُرِيْدُ أَنْ يَكُوْنَ. وبِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الحُسَيْنِ الكَاذِيُّ (٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ،

стр. 1426

حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثنَا عَفَّانُ، حَدَّثنَا (١) حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: (٢) يَنْبَغِي للعَالِمِ أَنْ يَضَعَ التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ تَوَاضُعًا للهِ . وبِهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَفْصٍ بنُ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الأثْرَمُ: قِيْلَ لأبِي عَبْدِ الله في حَدِيْثِ عَمْرٍو "لا يَحِلُّ لِوَاحِدٍ (٣) مِنْهُمَا أَنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيْلَهُ" يَرْوِيْهِ ابنُ عَجْلانَ؟ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَفِي حَدِيْثِ عبدِ اللهِ بن عَمْرٍو "إِبْطَالُ الحِيَلِ". وبِهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثنَا أَبُو حَفْصٍ مُحَمَّدُ بنُ دِاوُدَ، حَدَّثنَا أَبُو الحَارِثِ الصَّائِغُ، سَمِعْتُ أَبا عَبْدِ اللهِ قَالَ: هَذِهِ الحِيَلُ الَّتي وَضَعَهَا هَؤلاءِ - أَبُو حَنِيْفَةَ وأَصْحَابُهُ - عَمَدُوا إِلَى السُّنَنِ فاحْتَالُوا في نَقْضِهَا، أَتَوا الَّذِي قِيْلَ لَهُمْ: إِنَّه حَرَامٌ، احتَالُوا فِيْهِ حَتَّى أَحَلُّوْهُ. وقَالَ المَيْمُوْنِيُّ: قُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ مَنْ حَلَفَ على يَمِيْنٍ ثُمَّ احْتَالَ لإبْطَالِهَا، هَلْ تَجُوْزُ تِلْكَ الحِيْلَةُ؟ قَالَ: لا، نَحْنُ لا نَرَى الحِيْلَةَ. وبِهِ قَالَ: حَدَّثنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ العَزِيْزِ بن جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بن هَرُوْنَ، حَدَّثنَا عَبدُ اللهِ بن مُحَمَّدِ بن عَبْدِ الحَمِيْدَ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بنُ مُحَمَّدِ بن الحَكَمِ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: إِذَا حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ، ثُمَّ احْتَالَ بحِيْلَةٍ فَصَارَ إِلَيْهَا فَقَدْ صَارَ إلى ذلِكَ الَّذي حَلَفَ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ، قَالَ

стр. 1427

أَبُو عَبْدِ اللهِ: مَا أَخْبَثَهُمْ - يَعْنِي أَصْحَابَ الحِيَلِ - وقَالَ: قَالَ: أَبُو عَبْدِ الله، وَمَنْ احَتَالَ بِحِيْلَةٍ فَهْوَ حَانِثٌ. وبِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيْمُ بنُ حَبِيْبٍ العَطَّارُ قَالَ (١): حَدَّثَنَا أَبُو دَاودَ السِّجِسْتَانِيُّ، سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله - وَذَكَرَ الحِيَلَ مِنْ أَصْحَابِ الرَّأْي - فَقَالَ: يَحْتَالُوْنَ لِنَقْضِ سُنَنِ رَسُوْلِ الله ﷺ . فَلْنَذْكُرِ الآنَ بَعْضَ مُصَنَّفَاتِهِ: "الإبَانَةُ الكَبِيْرُ" و"الإبَانَةُ الصَّغِيْرُ" (٢). "السُّنَّنُ". "المَنَاسِكُ" "الإمَامُ ضَامِنٌ". "الإنْكَارُ عَلَى مَنْ قَضَى (٣) بكُتُبِ الصُّحُفِ الأوْلَى". "الإنْكَارُ عَلَى مَنْ أَخَذَ القُرْآنَ مِنَ الصُّحُفِ". "النَّهْيُ عَنْ صَلاةِ النَّافِلَةِ بَعْدَ العَصْرِ وبَعْدَ الفَجْرِ". "تَحْرِيْمُ النَّمِيْمَةِ". "صَلاةُ الجَمَاعَةِ". "مَنع الخُرُوْجِ بَعْدَ الأذَانِ والإقَامَةِ لغَيْرِ حَاجَةٍ". "إِيْجَابُ الصَّدَاقِ بالخَلْوَةِ". "فَضْلُ المُؤْمِنِ" "الرَّدُّ عَلَى مَنْ قَال: الطَّلاقُ الثَّلاثُ لا يَقَعُ". "صَلاةُ النَّافِلَةِ في شَهْرِ رَمَضَانَ بَعْدَ المَكْتُوْبَةِ". "ذَمُّ البُخْلِ". "تَحْرِيْمُ الخَمْرِ". "ذَمُّ الغِنَاءِ والاسْتِمَاعَ

стр. 1428

إِلَيْهِ". "التَّفَرُّدُ والعُزْلَةُ" وغير ذلك. وقيلَ: إِنَّهَا تَزِيْدُ عَلَى مَائَةِ مُصَنَّفٍ (١).

стр. 1429

فَلْنَذْكُر السَّنَةِ الَّتِي تُوفِّي فِيْهَا: وكَانَتْ وَفَاتُهُ في يومِ عَاشُوْرَاء سَنَةَ سَبْعٍ وثَمَانِيْنَ وثلاثمائَة، ودُفِنَ بُعكْبَرَاء، وزُرْتُ قَبْرَهُ، ورَثَاهُ ابنُ شِهَابٍ تِلْمِيْذُهُ، فَقَالَ: هَيْهَاتَ لَيْسَ (١) إِلَى السُّلُوِّ سَبِيْلُ … فَلْيَكْتَنِفْكَ (٢) تَفَجُّعٌ وَعَوِيْلُ مَوْتُ ابنُ بَطَّةً ثُلْمَةٌ لا يُرْتَجَى … لِمَسَدِّهَا شَكْلٌ لَهُ وَعَدِيْلُ فَمَضَى (٣) فَقِيْدًا مَالَهُ خَلَفٌ، ولا … مِنْهُ وإِنْ طَالَ الزَّمَانُ بَدِيْلُ (٤) أَمَّا المَحَاسِنُ بَعْدَهُ فَدَوَارِسٌ … والعِلْمُ رَبْعٌ مُقْفِرٌ وطُلُوْلُ أَمَّا القُبُوْرُ فَإِنَّهُنَّ أَوَانِسُ … بحُلُوْلهِ وعَلَى الدِّيَارِ مُحُوْلُ مَنْ لِلخُصُوْمِ اللُّدِّ إِنْ هُمْ شَغَّبُوا (٥) … وعَنَاهُمُ التَّمْوِيْهُ والتَّأْوِيْلُ مَنْ لِلْقُرَانِ وكَشْفِ مُشْكِلِ آيِهِ … حَتَّى يَقُوْمَ عَلَيْهِ مِنْكَ دَلِيْلُ مَنْ لِلْحَدِيْثِ وَحِفْظِهِ بِرِوَايَةٍ … مَنْقُوْلَةٍ إِسْنَادُهَا مَنْقُوْلُ يَا لَيْتَ شِعْرِيْ عَنْ لِسَانٍ كانَ كالسَّـ … ـيْفِ الصَّقِيْلِ ولَيْسَ فِيْهِ فُلُوْلُ مَاتَ الَّذِي آثَارُهُ وعُلُوْمُهُ … مَدْرُوْسَةٌ، مَسْطُوْرُهَا (٦) مَنْقُوْلُ الشَّيْخُ مَاتَ أَمِ البَسِيْطَةُ زلْزِلَتْ … أَمْ صَارَ فِي البَدْرِ المُنِيْرِ أُفُوْلُ مَنْ لِلْفَرَائِضِ فِي عَوِيْصِ حِسَابِهَا … في الجَدَّ أَوْ في الرَّدِّ حَيْثُ تَعُوْلُ

стр. 1430

مَنْ للشُّرُوْطِ وحِفْظِ حُكُمِ فُرُوْعِهَا … إِذْ (١) أُحْكِمَتْ قَبْلَ الفُرُوْعِ أُصُوْلُ مَنْ فِعْلَهُ الثَّبْتُ السَّدِيْدُ مُوَافِقٌ … لِلْقَوْلِ مِنْهُ حَيْثُ صَارَ يَقُوْلُ مَنْ لا يَهَابُ إِذَا الحُقُوْقُ تَعَاوَرَتْ … مَنْ فِيْهِ دُوْلاتُ الزَّمَانِ تَدُوْلُ هَيْهَاتَ أَنْ يَأْتِي الزَّمَانُ بِمِثْلِهِ … إِنَّ الزَّمَانَ بِمِثْلِهِ لَبَخِيْلُ اللهُ حَسْبِي بَعْدَهُ وَهْوَ الَّذِيْ … فِي كُلِّ مَا أَرْجُوْهُ مِنْهُ وَكِيْلُ اجْبُرْ مُصِيْبَتَنَا وَأَحْسِنْ عَوْضَنَا … مِنْهُ فَأَنْتَ لِمَا تَشَاءُ تَنْيْلُ ٦٢٣ - عُمَرُ بن أحْمَدَ (٢) بن إِبْرَاهِيْمَ، أَبُو حَفْصٍ البَرْمَكِيُّ. كَانَ مِنَ الفُقَهَاءِ والأعْيَانِ النُّسَّاكِ الزُّهَّاد، ذوي (٣) الفُتيَا الواسِعَة، والتَّصَانِيْفَ النَّافِعَةَ مِنْ ذلِكَ "المَجْمُوع"و"شَرْحُ بَعْضِ مَسَائِلِ الكَوْسَجِ" (٤)

стр. 1431

حَدَّثَ عَن ابن الصَّوَّافِ، والخُطَبِيِّ، وابنِ مَالِكٍ، في آخرين. صَحِبَ عُمَرَ بنَ بَدْرٍ المَغَازِلِيَّ، وأَبَا عَلِيٍّ النَّجَّادَ، وأَبَا بَكْرٍ عَبدَ العَزِيْزِ وغَيْرَهُمْ. قَالَ عُمَرُ بنُ البَرْمَكِيِّ. سَمِعْتُ أَبَا عَلِيٍّ النَّجَّادَ يَقُوْلُ في وُقُوْفِ الجَنَازَةِ ورُجُوْعِهَا: يُحْتَمَلُ، مَتَى كَثُرَتِ المَلائِكَةُ بينَ يَدَيْهَا رَجَعَتْ أَو وقفت (١)، ومَتَى كَثُرَتْ خَلْفَهَا أَسْرَعَتْ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكونَ بِلَوْمِ النَّفْسِ لِلْجَسَدِ، ولَوْمُ الجَسَدِ للنَّفْسِ، يَخْتَلِفُ حَالُهَا تَارَةً تأخَّرُ (٢)، وتَارةً تُقَدَّمُ، الدَّليْلُ عليه قَوْلُهُ تَعَالَى (٣): ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾ ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكُوْنَ بَقَاؤُهَا في حالِ رُجُوعِهَا، لِيتمَّ أَجَلُهَا لأنَّ الإنْسَانَ لَهُ أَجَلانِ؛ أَجَلٌ في الدُّنْيَا تُعْلَمُ مُدَّتُهُ، وأَجَلُ عِنْدَهُ لا يَعْلَمُهُ إلَّا هُوَ، قالَ اللهُ تعَالى (٤): ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ فَنَحْنُ: نَعْلَمُ كَمْ مُدَّة أَجَلِهِ مِنْ حِيْنَ يُوْلَدُ، إلى أَنْ يُدْفَنَ في قَبْرِهِ، ولا نَعْلَمُ كَمْ مُدَّةِ مُكْثِهِ في قَبْرِهِ؛ لأنَّه سُمِّيَ عِنْدَهُ ﵎. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: سُئِلْتُ عَن خِفَّةِ الجَنَازَةِ ثِقَلِهَا؟ فَقُلْتُ: إِذَا خَفَّتْ فَصَاحِبُهَا شَهِيْدٌ، لأنَّ الشَّهْيدَ حَيٌّ، والحَيُّ أَخَفُّ مِنَ المَيِّتِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى (٥): ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾.

стр. 1432

وقَالَ أَبُو حَفْصٍ البَرْمَكِيُّ: سَمِعْتُ شَيْخَنَا أَبَا بَكْرٍ عَبدَ العَزِيْزِ يَقُوْلُ: حَدَّثنا أَبُو يَحْيَى السَّاجِيَّ بالبَصْرَةِ، حَدَّثَنَا الرَّبِيْع (١)، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُوْلُ: لأنْ أَتَكَلَّمَ في العِلْمِ فأُخْطِئَ فَيُقَالُ لُي: أَخْطَأَتَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ أَتَكَلَّمَ في الكَلامِ فأُخْطِئَ، فَيُقَالَ لِي: كَفَرْتَ. قَالَ أَبُو حَفْصٍ البَرْمَكِيُّ: وأَخْبَرَنَا عليٌّ الجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ الأزَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الفَتْحُ بنُ شُخْرُفٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيْمُ بنُ بَشَّارٍ، قَالَ: قَالَ لِي إِبْرَاهِيْمُ بنُ أَدْهَمَ: فِرُّوا مِنَ النَّاسِ فِرَارَكُمْ مِنَ السَّبُع الضَّارِي، ولا تَتَخَلَّفُوا عَنِ الجُمُعَةِ والجَمَاعَة (٢). وبِإِسْنَاد قَالَ: قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁: "مَنْ خَافَ الله لَمْ يَشْفِ غَيْظَهُ؛ ومَنْ اتَّقَى الله لَمْ يَصْنَعْ مَا يُرِيْدُ، ولَوْلا يَوْمُ القِيَامَةِ كَانَ غَيْرُ مَا تَرَوْنَ". وبإِسْنَادِهِ قَالَ: بِشْرُ بنُ الحَارِثِ: رُئِيَ إِبْرَاهِيْمُ بنُ أَدْهَمَ مُقْبِلًا مِنَ الجَبَلِ، قِيْلَ لَهُ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ قَالَ: مِنْ أُنْسِ اللهِ ، ثُمَّ قَالَ: (٣) اتَّخِذِ الله مُؤْنِسًا … وَدَع النَّاسَ جَانِبَا وتَشَاغَلْ بذِكْرِهِ … إِنَّ فِي ذِكْرِهِ الشَّفَا وَارْضَ مِنْهُ بِمَا قَضَى … إِنَّ فِي ذلِكَ الغِنَا

стр. 1433

قَالَ: وسَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ المُقْرِئ (١) - شَيْخَنَا - يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بن أَبِي الثَّلْجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بنُ فَهْمٍ الكَاتِبُ، قَالَ: كُنَّا نَعْرِفُ عِلَّةَ مَعْرُوْفٍ بسُكُوْتِهِ وصِحَّتَهُ بأَنِيْنهِ. وقَالَ لَنَا شَيْخُنَا أَبُو مُحَمَّدٍ: سَألْتُ ابنَ مُجَاهِدٍ عَنْ قَوْلهِ (٢): ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١)﴾ فَقَالَ لِي في مَعْنَاهُ سَنُقْبِلُ (٣)، وأَنْشَدَنَا (٤): الانَ وَقَدْ (٥) فَرَغْتُ إِلَى [نُمَيْرٍ] … فَهَذَا حِيْنَ صِرْتُ لَهَا عَذَابَا قَالَ البَرْمَكِيُّ: وأَخْبَرَنَا شَيْخُنَا أَبُو مُحَمَّدٍ - قِرَاءَةً عَلَيْهِ - عَن أَبِي عُمَرَ (٦): سَنَقْصُدُ لَكُم أَيُّهَا الثَّقَلان. يَعْنِي الجِنَّ والإِنْسَ.

стр. 1434

قَالَ: وقَالَ لَنَا أَبُو عُمَرَ: "أَلِظُّوا بيَاذَا الجَلالِ والإكْرَامِ". وقَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَ العِيْدُ عِيْدًا؛ لأنَّه يَعُوْدُ في كلِّ سَنَةِ بفَرَحٍ. ومَاتَ أَبُو حَفْصٍ البَرْمَكِيُّ في جَمَادَى الأوْلَى سَنَةَ سَبع وثَمَانِيْنَ وثَلاثِمَائَةَ، ودُفِنَ بمَقْبَرَة إِمَامِنَا أَحْمَدَ، وكانَ لَهُ أَوْلادٌ: إِبْرَاهِيْمُ، وأَحْمَدَ، وعَلِيٌّ (١). ٦٢٤ - مُحَمَّد بنُ أَحْمَدَ (٢) بن إِسْمَاعِيْلَ بن عَنْبَسِ (٣) بن إِسْمَاعِيْلَ،

стр. 1435

أَبُو الحُسَيْنِ المَعْرُوْفُ بـ "ابن سَمْعُوْنَ". كَانَ وَاحِدَ دهْرِهِ، وفَرْدَ (١) عَصْرِهِ، في الكَلامِ على عِلْمِ الخَوَاطِرِ والإشَارَاتِ، دَوَّنَ النَّاسُ حِكَمَهُ، وجَمَعُوا كَلامَهُ. قَرَأَ "مُخْتَصَر أَبِي القَاسِمِ الخِرَقِيّ" عليه، وسَمِعَهُ مِنْهُ جَمَاعَةٌ، أَحَدُهُم: الشَّيخُ الزَّاهِدُ أَبُو الحُسَيْنِ القِزوِيْنيُّ (٢): وحَدَّثَ بِهِ القِزْوِيْنيُّ جَمَاعَةٌ، أَحَدُهُمُ: المُبَارَكُ بنُ عَبْدِ الجَبَّارِ (٣)؛ وحَدَّثَ بِهِ. وسَمِعَ ابنُ سَمْعُوْنَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بن أَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيِّ، ومُحَمَّدِ بن مَخْلَدٍ الدُّوْرِيِّ، وأَبِي مُحَمَّدِ بن صَاعِدٍ، ومُحَمَّدِ بن جَعْفَرٍ المَطِيْريِّ، وابنِ زَبَّانَ (٤) الدِّمَشْقِيِّ، في آخرِيْنَ. حَدَّثَ عَنْه القَاضِي أَبُو عَلِيِّ بنُ أَبي مُوْسَى، وأَبُو مُحَمَّدٍ الخَلَّالُ، وعبدُ العَزِيْزِ الأزَجِيُّ. وحَدَّثَنَا عَنْهُ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ المُقْرئُ - يُعْرَفُ بـ "ابن حُمَّدُوْه" (٥) -

стр. 1436

قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الحُسَيْنِ بن سَمْعُوْنَ - إِمْلاءً، يَوْمَ الثُّلاثَاءِ، لِخَمْسٍ خَلَوْنَ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ سَبع وثَمَانِيْنَ وثَلاثِمَائَة - قَالَ: حَدَّثنَا أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بن أَبِي أَحْمَد (١) بن أَبِي سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ سِنَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوْبُ بنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيْمَ بنُ سَعِيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ مَحْمُوْدِ بن الرَّبِيْعِ، عَن عُتْبَان بن مَالِكٍ - وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا - قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ (٢): "حَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ مَن قَالَ: لَا إله إلَّا اللهُ، يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ الله ". أَخْبَرَنَا ابنُ ثَابِتٍ: حَدَّثَنِي الحَسَنُ بنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الحُسَيْنِ بنَ سَمْعُوْنَ يَقُوْلُ: وُلِدْتُ في سَنَةِ ثَلاثِمَائةَ. قَالَ: وأَخْبَرَنَا البَرْقَانِيُّ، قَالَ: قلْتُ لأبِي الحُسَيْنِ بن سَمْعُوْنَ: أَيُّهَا الشَّيْخُ: تَدْعُو النَّاسَ إِلَى الزُّهْدِ في الدُّنْيَا والتَّركِ لَهَا، وتَلْبَسُ أَحْسَنَ الثِّيَابِ، وتأْكُلُ أَطْيَبَ الطَّعَامِ، فَكَيْفَ هَذَا؟ فَقَالَ: كُلُّ مَا يُصْلِحُكَ للهِ فَافْعَلْهُ، إِذَا صَلَحَ حَالُكَ مَعَ اللهِ، بِلِبْسِ لَيِّنِ الثَّيَابِ، وأَكْلِ طَيِّبِ الطَّعَام فَلا يَضُرُّكَ. قَالَ: وحَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الخَلَّالُ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو الحُسَيْنِ بن سَمْعُوْنَ: مَا اسْمُكَ؟ فَقُلْتُ: حَسَنٌ. فَقَالَ: قَدْ أَعْطَاكَ اللهُ الاسمَ، فَسَلْهُ أَنْ يُعْطِيَكَ المَعْنَى. قَالَ: وحَدَّثَنَا عَبدُ الوَاحِدِ بن عُمَرَ قَالَ: وسَمِعْتُ ابنَ سَمْعُوْنَ

стр. 1437

يَقولُ: رَأَيْتُ المَعَاصي نَذَالَةً؛ فَتَرَكْتُهَا مُرُوْءَةً؛ فاسْتَحَالَتْ دِيِانَةً. قَالَ: وحَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ [بن مُحَمَّد] الطَّاهِرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الحُسَيْنِ بنَ سَمْعُوْنَ يَذْكُرُ أَنَّه خَرَجَ مِنْ مَدِيْنَةِ الرَّسُوْلِ ﷺ قَاصِدًا بيتَ المَقْدِس (١)، وَحَمَلَ في صُحْبَتِه تَمْرًا صَيْحَانِيًّا (٢)، فَلَمَّا وَصَلَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ (١) تَرَكَ التَّمْرَ مَعَ غَيْرِهِ مِنَ الطَّعَامَ في المَوْضِعِ الَّذِي كَانَ يَأْوِي إِلَيْهِ. ثُمَّ طَالَبَتْهُ نَفْسُهُ بأَكْلِ الرُّطَبِ، فأَقْبَل عَلَيْهَا بالمَلامَةِ، وقَالَ: مِنْ أَيْنَ لَنَا في هذَا المَوضع رُطَبٌ، فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ الإفْطَارَ عَمَدَ إلى التَّمْرَ ليَأكُلَ مِنْهُ، فَوَجَدَهُ رُطَبًا صَيْحَانِيًّا، فَلَمْ يَأكلْ مِنْهُ شَيْئًا، ثُمَّ عَادَ إِليه من غَدٍ عَشِيَّةً، فَوَجَده تَمْرًا عَلى حَالَتِهِ الأوْلَى، فَأَكَلَ مِنْهُ، أَوْ كَمَا قَالَ (٣). قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا الحَسَنِ بنَ البَادَا يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبَا الفَتْحٍ القَوَّاسَ يَقُوْلُ: لَحِقَنِي إِضَافَةٌ وَقْتًا مِنَ الزَّمَانِ، فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَجِدْ في البَيْتِ غيْرَ قَوْسٍ

стр. 1438

وخُفَّيْنِ كُنْتُ أَلْبَسُهُمَا، فَأصبَحْتُ وَقَدْ عَزَمْتُ عَلَى بَيْعِهِمَا، وكَانَ يَوْمَ مَجْلِسِ ابن سَمْعُوْنَ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: أَحْضُرُ المَجْلِسَ، ثُمَّ أَنْصَرِفُ فَأِبيْعُ الخَفَّيْنَ والقَوْسَ، فَحَضَرْتُ المَجْلِسَ، فَلَمَّا أَرَدْتُ الانصِرَافَ، نادَانِي أَبُو الحَسَن: يَا أَبَا الفَتْحِ، لا تَبعِ الخُفَّيْنِ ولا تَبع (١) القَوْسَ، فإِنَّ الله سَيَأْتِيْكَ بِرِزْقٍ مِنْ عِنْدِهِ؛ أَوْ كَمَا قَالَ (٢). وبِهِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَليُّ بنُ الحَسَنِ، حَدَّثَنِي أَبُو طَاهِرِ بن العَلَّافِ، قَالَ: حَضَرْتُ أَبَا الحُسَيْنِ بنَ سَمْعُوْنَ يَوْمًا في مَجْلِسِ الوَعْظِ. وهو جالسٌ عَلَى كُرْسِيِّه يَتكَلَّمُ، وكَانَ أَبُو الفَتْحِ القَوَّاسُ جَالِسًا إلى جَنْبِ الكُرْسِيِّ، فَغَشِيَهُ النُّعَاسُ فَنَامَ (٣)، فَأَمْسَكَ أَبُو الحُسَيْنِ عَن الكَلامِ سَاعَةً، حَتَّى اسْتَيْقَظَ أَبُو الفَتْحِ ورَفعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو الحُسَيْن: رَأَيْتَ رَسُوْلَ الله ﷺ في نَوْمِكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ أَبُو الحُسَيْنِ: لِذلِكَ أَمْسَكْتُ عَنِ الكَلامِ، خَوْفًا أَنْ تَنْزَعِجَ وتَنْقَطِعَ عَمَّا كُنْتَ فِيْهِ. أَوْ كَمَا قَالِ. وبِهِ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بنُ الحَسَنِ الوَزِيْرُ قَالَ: حَكَى أَبُو عَلِيِّ بنُ أَبِي مُوْسَى الهَاشِمِيُّ، قَالَ: حَكَى لِي دُجَى، مَوْلَى الطَّائِعِ لله (٤)، قَالَ: أَمَرَنِي

стр. 1439

الطَّائَعُ أَن أُوَجِّهُ إِلَى ابن سَمْعُوْنَ فَأُحْضِرَهُ إِلَى دَارِ الخِلافَةِ، ورَأَيْتُ الطَّائَعِ عَلَى صِفَةٍ مِنَ الغَضَبِ. وَكَانَ يُتَّقَى فِي تِلْكَ الحَالِ؛ لأنَّه كَانَ ذَا حِدَّةٍ. فَبَعَثْتُ إلى ابن سَمْعُوْنَ، وأَنَا مَشْغُوْلُ القَلْبِ لأجْلِهِ، فَلَمَّا حَضَرَ أَعْلَمْتُ الطَّائِعَ حُضُوْرَهُ، فَجَلَسَ مَجْلِسَهُ، وأَذِنَ لَهُ في الدُّخُوْلِ، فَدَخَلَ، وسَلَّمَ عَلَيْهِ بالخِلافَةِ، ثُمَّ أَخَذَ في وَعْظِهِ، فَأوَّلُ مَا بَدَأَ بِهِ أَنْ قَالَ: رُوِيَ عَنْ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ عَلِيِّ بن أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ - وَذَكَرَ عَنْهُ خَبَرًا - وَلَمْ يَزَلْ يَجْرِي في مَيْدَانِ الوَعْظِ حَتَّى بَكَى الطَّائِعُ للهِ، وسُمَعَ شَهْيْقُهُ، وابتَلَّ مِنْدِيْلٌ بينَ يَدَيْهِ بِدُمُوْعِهِ، فَأَمْسَكَ ابنُ سَمْعُوْنَ حِيْنَئِذٍ، ودَفَعَ إِليَّ الطَّائِعُ دَرْجًا فِيْهِ طِيْبٌ وغَيْرِهِ. فَدَفَعْتُهُ إِلَيْهِ، وانْصَرَفَ وَعُدْتُ إِلَى حَضْرَةِ الطَّائِعِ، فقُلْتُ: يَا مَوْلايَ، رَأَيْتُكَ عَلَى صِفَةٍ مِنْ شِدَّةِ الغَضَبِ عَلَى ابن سَمْعُوْنَ، ثُمَّ انْتَقَلْتَ إِلَى تِلْكَ الصِّفَةِ عِنْدَ حُضُوْرِهِ، فَمَا السَّبَبُ؟ فَقَالَ: رُفِعَ إِلِيَّ عَنْهُ أَنَّه يَنْتَقِصُ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَيَقَّنُ ذلِكَ، لأُقَابِلَهُ عَلَيْهِ إِنْ صَحَّ ذلِكَ عنْهُ (١)، فَلَمَّا حَضَرَ بَيْنَ يَدَيَّ افتَتَحَ كَلامَهُ بِذِكْرِ عَلِيِّ بن أَبِي طَالِبٍ والصَّلاةِ عَلَيْهِ، وأَعَادَ وأَبْدَى في ذلِكَ، وَقَدْ كَانَ لَهُ مَنْدُوْحَةٌ في الرِّوَايَةِ عَنْ غَيْرِهِ، وتَرَكُ الابْتِدَاءِ بِهِ، فَعَلِمْتُ أنَّه وُفِّقِ لِمَا تَزُوْلُ بِهِ عَنْهُ الظِّنَّةُ وتَبْرَأُ سَاحَتُهُ،

стр. 1440

ولَعَلَّهُ كُوْشِفَ بِذلِكَ، أَوْ كَما قَالَ. وقَرَأْتُ بِخَطِّ أَخِي أَبِي القَاسِمِ قَالَ: قَالَ شُكْرٌ العَضُدِيُّ: لَمَّا دَخَلَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ إِلَى بَغْدَادَ، وَقَدْ هَلَكَ أَهْلُهَا قَتْلًا، ونَهْبًا وحَرْقًا، وخَوْفًا للفِتَنِ الَّتي اتَصَلَتْ بَيْنَ السُّنَّةِ والشَّيْعَةِ: فَقَالَ: الآفةُ (١) القُصَّاصُ (٢)، فَنَادَى في البَلَدِ: أَن لا يَقُصَّ أَحَدٌ في جَامعٍ ولا طَرِيْقٍ، فرُفِعَ إليه أَنَّ أَبَا الحُسَيْن بن سَمْعُوْن جَلَسَ على كُرْسِيَّهِ في يومِ الجُمُعَةِ بِجَامِعِ المَنْصُوْرِ، وتَكَلَّمَ على النَّاسِ، فَأَمَرَنِي بَأَنْ أُنفْذَ إِلَيْه مَنْ يُحَصِّلُهُ عِنْدِي فَفَعَلْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ لَهُ هَيْبَةٌ، وعَلَى وَجْهِهِ نُوْرٌ، فَلَمْ أَمْلِكُ أَنْ قُمْتُ إِلَيْهِ، وأَجْلَسْتُهُ إِلَى جَانِبي، فَلَمْ يُنْكِرْ ذلِكَ، وجَلَسَ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ، وأَشْفَقْتُ واللهِ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِ مَكْرُوْهٌ عَلَى يَدَيَّ، فَقُلْتُ: أَيُّها الشَّيخُ، إِنَّ هذَا المَلِكَ جَبَّارٌ عَظِيْمٌ، وَمَا كُنْتُ أُوثر (٣) لَكَ مُخَالَفَةَ أَمْرِهِ. والانَ فَأَنَا مُوْصِلُكَ إِلَيْهِ، وَكَمَا تَقَع عَيْنُكَ عَلَيْهِ فَقبِّل التُّرَابَ، وتَلَطَّفْ في الجَوَاب إذَا سَألَكَ، واسْتَعِنْ باللهِ، فَعَسَاهُ أَنْ يُخَلَّصَكَ مِنْهُ، فَقَالَ: الخَلْقُ والأمْرُ (٤) للهِ ، فَمَضَيْتُ بِهِ إِلَى حُجْرَةٍ في آخرِ الدَّارِ، قَدْ جَلَسَ المَلِكُ فِيْهَا مُنْفَرِدًا، خِيْفَةَ أَنْ يَجْرِيَ مِنْ أَبي الحُسَيْن بَادَرَةً بِكَلامٍ فيه غِلَظٌ، فَتَسِيْرَ بِه الرُّكْبَانُ، فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْ بَابِ
следующие страницы →