← Тараджим

Тараджим · id 1520

طبقات الحنابلة - لابن أبي يعلى - ت العثيمين

أبو الحسين ابن أبي يعلى

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

أَنْفَذَهُ وَالِدُهُ أَبُو طَاهِرٍ إِلَى الوَالِدِ السَّعِيْدِ، فَدَرَسَ عَلَيْهِ، وأَنْجَبَ، وأَفْتَى، ونَاظَرَ، وجَلَسَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيْهِ في حَلْقَتِهِ. ومَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وثَلَاثِيْنِ وأَرْبَعِمَائَةَ. ٦٥٨ - أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ الله (١) بنِ سَهْلِ، أَبُو طَالِبٍ، المَعْرُوْفُ بـ "ابن البَقَّالِ" صَاحِبُ الفُتْيَا، والنَّظَرِ، والمَعْرِفَةِ، والبَيَانِ، والإفْصْاحِ واللِّسَانِ.

стр. 1507

وسَمعَ أَبَا العبَّاسِ عَبْدَ اللهِ بنَ مُوْسَى الهَاشِمِيَّ، وأَبَا بَكْرِ بنَ شَاذَانَ في آخَرِيْنَ ودَرَسَ الفِقْهَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ بن حَامِدٍ، وكَانَتْ لَهُ حَلَقَةُ بِجَامِعَ المَنْصُوْرِ، ومَنْزِلُهُ بِبَابِ البَصْرَةِ (١)، ومَسْجِدُهُ بِبَابِ الطَّاقَاتِ، لَهُ المَقَامَاتُ المَشْهُوْدَةِ بِدَارِ الخِلَافَةِ؛ مِنْ ذلِكَ: قَوْلُهُ بالدِّيوان، والوَزِيْرِ ابن حَاجِبِ (٢) النُّعْمَان: الخِلَافَةُ بَيْضَةٌ، والحَنْبَلِيُّوْنَ حُضَّانُهَا، ولَئِنْ انْفَقَشَتْ البَيْضَةُ لَتَنْفَقِشَنَّ عَنْ مُحٍّ (٣) فاسِدٍ، الخِلَافَةُ خَيْمَةٌ، والحَنْبَلِيُّوْنَ أَطْنَابُهَا، ولَئِنْ سَقَطَتِ الطُّنُبُ لَتَهْوِيَنَّ الخَيْمَةُ، وغَيْرُ ذلِكَ. وتُوفِّيَ في شَهْرِ رَبِيْعٍ

стр. 1508

الأوَّلِ سَنَةَ أَرْبَعِيْن وأَرْبَعَمَائَةَ، ودُفِنَ في مَقْبَرَةَ إِمَامِنَا أَحْمَدَ. ٦٥٩ - أَحْمدُ بنُ عُمَرَ (١) بن أَحْمَدَ بن إِبْرَاهِيْمَ بن إِسْمَاعِيْلَ، أَبُو العَبَّاسِ البَرْمَكِيُّ، سَمِعَ أَبَا حَفْصِ بنَ شَاهِيْنَ، وأَبَا القَاسِم بنَ حَبَابَةَ (٢). قَالَ الخَطِيْبُ: كَتبتُ عَنْهُ، وكَانَ صَدُوْقًا، سَأَلْتُهُ عن مَوْلدِهِ فَقَالَ: في ذِيْ الحِجَّةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وسَبْعِيْنَ وثَلَاثَمائَةَ. ومَاتَ في لَيْلَةِ الخَمِيْسِ الثَّالِثِ والعِشْرِيْنَ مِنْ جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ إِحْدَى وأَرْبَعِيْن (٣) وأَرْبَعِمَائَةَ. ودُفِنَ في مَقْبَرَةِ إِمَامِنَا أَحْمَدَ.

стр. 1509

صَحِبَ أَبَاهُ، وقَرَأ عَلى أَبِي عَبْدِ اللهِ بن حَامِدٍ. ٦٦٠ - إِبْرَاهِيْمُ بنُ عُمَرَ (١) بن أَحْمَدَ بن إِبْرَاهِيْمَ بن إِسْمَاعِيْلَ، أَبُو إِسْحاقَ البَرْمَكِيُّ. قِيْلَ: إِنَّ سَلَفَهُ كَانُوا يَسْكُنُوْنَ قَرْيَةً تُسَمَّى (البَرْمَكِيَّةَ)، فنُسِبُوا إِلَيْهَا، وكَانَ نَاسِكًا زَاهِدًا، فَقِيْهًا، مُفْتِيًا، قَيِّمًا بالفَرَائِضِ وغَيْرِهَا.

стр. 1510

حَدَّثَ عن أَبِي بَكْرِ بن بُخَيْتٍ (١)، وابنِ مَالِكٍ القَطِيْعِيِّ، وابنِ مَاسِي في آخرِيْنَ ولَهُ إِجَازَةٌ من أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ العَزِيْزِ. وصَحِبَ ابنَ بَطَّةَ، وابنَ حَامِدٍ، وعَلَّقَ عَنْهُمَا. حَدَّثَنِي عَنْهُ جَمَاعَةٌ؛ مِنْهُم: شَيْخُنَا الشَّرِيْفُ أَبُوَ جَعْفَرٍ القَاضِي (٢)، وأَبُو عَليٍّ يَعْقُوْبُ (٣)، والمُبَارَكِ بن عَبْدِ الجَبَّارِ - واللَّفْظُ لَهُ - قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيْمُ البَرْمَكِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَليُّ بنُ عَبْدِ العَزِيْزِ بن مَرْدَكٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحْمَن بن أَبي حَاتِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بنُ أَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ قَالَ - وذُكِرَ يَوْمًا - يَعْنِي عندَ أَبيْهِ - رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، الفَائِزُ مَنْ فَازَ غَدًا، ولمْ يَكُنْ لأحَدٍ عِنْدَهُ تَبِعَةٌ. وُلِدَ في شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ إِحْدَى وسِتِّيْنَ وثَلَاثِمَائَةَ، وتُوُفِّيَ في ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسٍ وأَرْبَعْيِنَ وأَرْبَعِمَائَةَ، ودُفِنَ في مَقْبَرَةِ إِمَامِنَا.

стр. 1511

وَكَانَتْ لَهُ حَلْقَةٌ بِجَامِعِ المَنْصُوْرِ. ٦٦١ - الحُسَيْنُ بنْ عُثْمَان (١) بنِ الحُسَيْنِ، أَبُو عَبْدِ اللهِ البَرَدَانِيُّ. صَاحِبُ الوَالِدُ السَّعِيْدِ، وكَانَ لَهُ التَّحْقِيْقُ، وأَنْهَى مُعْظَمَ "التَّعْلِيْقِ" ولَهُ المَعْرِفَةُ بالأدَب، وخَرَجَ إِلَى مَيَّا فَارِقين (٢)، وجَلَسَ هُنَاكَ مُدَرِّسًا ومُفْتِيًا. وتُوُفِّيَ في جُمَادى الآخِرَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وأَرْبَعِيْنَ وأَرْبَعِمَائَةَ. ٦٦٢ - عَبْدُ الوَهَّاب بن حَزَوَّرٍ (٣) أَبُو بَكْرٍ الوَرَّاقُ.

стр. 1512

ذَكَرَهُ أَبُو محمَّدٍ عَبْدُ العَزِيْزِ بن أَحْمَدَ الكَتَّانِيُّ الدِّمَشْقِيُّ (١) في تَصْنِيْفِهِ، قَالَ: وَرَدَ نَعْيُ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الوَهَّابِ بن حَزَوَّرٍ الوَرَّاقِ، في شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسِيْنَ وأَرْبَعِمَائَةَ مِنْ تَنِّيْسَ (٢). حَدَّثَ بِشَيْءٍ يَسِيْرٍ عن تَمَّامٍ، وأَبِي يَاسِرٍ. وُجِدَ لَهُ بَلَاغٌ، وكَانَ فيه خَيْرٌ، كَانَ يُعْطِيَ أَصْحَابَ الحَدِيْثِ الوَرَقَ، وكَانَ يَذْهَبُ إِلَى مَذْهَبِ أَبِي عَبْدِ اللهِ أَحْمَدَ بن حَنْبَلِ رِضْوَانُ اللهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِيْنَ. ٦٦٣ - محَمَّدُ بنُ عَلِيِّ (٣) بن الفَتْحِ بن محمَّدِ بن الفَتْحِ، أَبُو طَالِبٍ العُشَارِيُّ.

стр. 1513

حَدَّثَ عن جَمَاعَةٍ، مِنْهُم: أَبُو بَكْرٍ محمَّدُ بنُ يُوْسُفَ العلَّافَ، وأَبُو بَكْرٍ محمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بن محمي اللُّولؤيُّ، وأَبُو بَكْرٍ محمَّد بنُ عُمَرَ بن محمَّدِ بن غَيْلَانَ السِّمْسَارُ، والدَّارَقُطْنِيُّ، والمُخَلِّصُ، وابنُ أَخِي مِيْمِي، في جَمَاعَةٍ سِوَاهُم. حَدَّثَنَا عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنهُم: شَيْخُنَا أَبُو جَعْفَرِ بن أَبِي مُوْسَى، فَقَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَليٍّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ يُوْسُفَ العَلَّافُ، قَالَ: حَدَّثنَا أَبُو القَاسِمِ البَغَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبَانُ بنُ يَزِيْدَ قَالَ: حَدَّثنَا يَحْيَى بنُ أَبِي كَثيْرٍ أَنَّ أَبَا قِلَابَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ ثَابِتَ بن

стр. 1514

الضَّحَّاكِ حَدَّثَهُ أن رَسُوْلَ الله ﷺ قالَ: (١) "مَنْ حَلَفَ عَلَى مِلَّةٍ غَيْرِ مِلَّةِ الإسْلامِ كَاذِبًا، فَهْوَ كَمَا قَالَ، ولَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيْمَا لَا يَمْلِكُ". وَكَانَ العُشَارِيُّ مِنَ الزُّهَّادِ، صَحِبَ أَبَا عَبْدِ اللهِ بنَ بَطَّةَ، وأَبَا حَفْصٍ البَرْمَكِيَّ وأَبَا عَبْدِ اللهِ بن حَامِدٍ. وحَكَى لِي بَعْضُ أَصْحَابِ الحَدِيْثِ قَالَ: قُرِئَ كِتَابُ "الرُّؤْيَا" للدَّارَقُطْنِيِّ على أبِي طَالِب العُشَارِيِّ في جَامِعِ المَنْصُوْرِ في حَلْقَتِهِ، فَلَمَّا بَلَغَ القَارِئُ إِلَى حَدِيْثِ أُمِّ الطُّفَيْلِ وحَدِيْثِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ القَارِئُ - وَذَكَرَ الحَدِيْثَ - فَقَالَ لَهُ ابنُ العُشَارِيُّ: اقْرَأَ الحَدِيْثَ عَلَى وَجْهِهِ، فَلِهَذَيْنِ الحَدِيْثَيْنِ رِجَالٌ مِثْلُ هَذِهِ السَّوَارِي (٢). وحَكَى أَبُو الحُسَيْنِ بنُ الطُّيُوْرِيِّ (٣) قَالَ: قَالَ لي بَعْضُ أَهْلِ البَادِيَةِ: إِذَا قُحِطْنَا (٤) استَسْقَيْنَا بابنِ العُشَارِيِّ، فَنُسْقَى.

стр. 1515

وذَكَرَ لِي أَيْضًا قَالَ: كُنَّا نَمْشِي في قِرَاءَةِ الحَدِيْثِ، فَيَبْقَى مِنَ الجُزْءِ بَقِيَّةٌ فَنَحْرِصُ لِنُتِمَّهُ، فَيَقُوْلُ: أَنَا لَا أَقُوْلُهُ لَكُمْ حَتَّى تُمْسُوا عِنْدِي، عَلِّمُوا عَلَى المَوْضَعِ، [يَتَوَرَّعُ أَنْ يَقُوْلَ] (١) بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي نَفْسِهِ. وقَالَ لِي أيْضًا: لَمَّا قَدِمَ عَسْكَرُ طُغْرُلْبِكْ (٢) لَقِيَ (٣) بَعْضُهُم لابنِ العُشَارِيِّ في يومِ الجُمُعَةِ، فَقَالَ لَهُ: أَيْشٍ مَعَكَ يَا شَيْخُ؟ فَقَالَ: مَا مَعِيَ شَيْءٌ، ونَسِيَ أَنَّ في جَيْبِهِ نَفَقَةً، ثُمَّ ذَكَرَ، فَنَادَى بذلِكَ القَائِلَ لَهُ، وأَخْرَجَ مَا فِي جَيْبِهِ وتَرَكَهُ بِيَدِهِ، وقَالَ: هَذَا مَعِي، فَهَابَهُ ذلِكَ الشَّخْصُ وعَظَّمَهُ ولَمْ يَأْخُذْ، ولَهُ كَرَامَاتٌ كَثيرَةٌ. مَوْلِدُهُ: سَنَةَ سِتٍّ وستينَ وَثَلَاثِمَائَةَ، ومَوْتُهُ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ تَاسِع جُمَادَى الأوْلَى سَنَةَ إِحْدَى وخَمْسِيْنَ وأَرْبَعِمَائَةَ، ودُفِنَ في مَقْبَرَةِ إِمَامِنَا أَحْمَدَ بجَنْبِ أَبِي عَبْدِ الله بن طَاهِرٍ، وكانَ كلُّ واحدٍ مِنْهُمَا زَوْجَ أُخْتِ الآخِر. ٦٦٤ - أَبُو عَلِيِّ الحُسيْن بنُ مُبَشِّرٍ (٤) الكَتَّانِيُّ الدِّمَشْقِيُّ المُقْرِئُ.

стр. 1516

وَذَكَرَ أَبُو محمَّدٍ الكَتَّانيُّ الدِّمَشْقِيُّ (١) تُوفِّيَ أَبُو عَلِيٍّ الحُسَيْنُ بنُ مُبَشِّرٍ الكَتَّانِيُّ المُقْرِئُ الدِّمَشْقِيُّ: عَشِيَّةَ يَوْمِ الأحَدِ الخَامِسَ عَشَرَ مِنْ ذِيْ القَعْدَةِ، ودُفِنَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَقْتَ الظُّهْرِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وخَمْسِيْنَ وأَرْبَعِمَائَةَ (٢). وكَانَ فِي عَشْرِ التِّسْعِيْن، وأَقَامَ خَمْسِيْنَ سَنَةً يُقْرِئُ في الجَامِعِ. وحَدَّثَ بِكِتَاب "المَعَانِي" لابن النَّحاسِ (٣)، وبـ "النَّاسخ والمَنْسُوْخِ" لَهُ أَيْضًا (٤)، وَحَدَّثَ بِهِ عَنِ ابن بشريٍّ العَطَّارِ (٥)، عن ابن أَبي الزِّمْزَام الفَرَائِضِيِّ عَنْهُ. وَحَدَّثَ بَشَيْءٍ يَسِيْرٍ عَنْ أُسْتَاذِهِ الإسْكَافِ المُقْرِئُ (٦) وغَيْرِهِ.

стр. 1517

وكَانَ مِنْ أَهْلِ الدِّيْنِ والسِّتْرِ، ثِقَةً فِيْمَا رَوَى، وَكَانَ يَذْهَبُ مَذْهَبَ أَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ. ٦٦٥ - أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ (١) بنُ عَلِيٍّ الحَدَّادُ الشَّيْخُ الصَّالِحُ. كَانَ يَتَرَدَّدُ إِلَى الوَالِدِ السَّعِيْدِ كَثيْرًا، تُوفِّيَ سَنَةَ سَبعٍ وخَمْسِيْنَ وأَرْبَعِمَائَةَ.

стр. 1518

(الطَّبَقَةُ الخَامِسَةً) تَتَضَمَّنُ طَرَفًا مِنْ أَخْبَارِ الوَالِدِ السَّعِيْدِ، ومَوْلدَهُ وَوَفَاتَهُ، وهو: ٦٦٦ - محمَّد بنُ الحُسَيْنِ بن محمَّدِ بن خَلَفِ (١) بن أَحْمَدَ بن الفَرَّاءِ، أَبُو يَعْلَى

стр. 1519

كَانَ عَالِمَ زَمَانِهِ، وفَرِيْدَ عَصْرِهِ، ونَسِيْجَ وَحْدِهِ، وقَرِيْعَ دَهْرِهِ، وكانَ لَهُ في الأُصُولِ والفُرُوْعِ القَدَمُ العَالِي، وفي شَرَفِ الدِّيْنِ والدُّنْيَا المَحَلُّ السَّامِي، والخَطَرُ الرَّفِيْعُ، عِنْدَ الإمَامَيْنِ: القَادِرِ، والقَائِمِ (١) ﵄، وأَصْحَابُ الإمامِ أَحْمَدَ ﵀ (٢) له يَتَّبِعُوْنَ، ولِتَصَانِيْفِهِ يَدْرُسُوْنَ ويُدَرِّسُوْنَ، وبقَوْلهِ يُفْتُوْن (٣)، وعليه يُعَوِّلُوْنَ، والفُقَهَاءُ على اخْتِلَافِ مَذَاهِبِهِمْ وأُصُوْلهِم كَانُوا عندَهُ يَجْتَمِعُوْنَ، ولِمَقَالِهِ يَسْمَعُوْنَ ويُطِيْعُوْنَ، وبِهِ يَنْتَفِعُوْنَ، والائْتِمَامِ (٤) بِهِ يَقْتَدُوْنَ، وقَدْ شُوْهِدَ لَهُ مِنَ الحَال مَا يُغْنِي عن المَقَالِ، لاسيَّمَا مَذْهَبَ إِمَامِنَا أَبِي عبدِ اللهِ أَحْمَدَ بن مُحَمَّدِ بن حَنْبَلٍ، واختلافِ الرِّواياتِ عَنْهُ، ومِمَّا صَحَّ لديه مِنْهُ، مَعَ معرفتِهِ بالقُرْآنِ وعُلُومِهِ، والحَدِيثِ والفَتَاوَى والجَدَلِ، وغيرِ ذلِكَ مِنَ العُلُوْمِ، مَعَ الزُّهْدِ والوَرَعِ، والعِفَّةِ والقَنَاعَةِ، وانقِطَاعِهِ عن الدُّنْيَا وأَهْلِهَا، واشتِغَالِهِ بِسَطْرِ العِلْمِ وبَثِّهَ،

стр. 1520

وإِذَاعَتِهِ ونَشْرِهِ. وكَانَ وَالِدُهُ أَبُو عَبْدِ الله (١) أَحدَ شُهُوْدِ الحَضْرَةِ بمَدِيْنَةِ السَّلَامِ، حَضَرَ عِنْده في دَارِهِ مُحَمَّدُ بنُ صُبْرٍ (٢)، قَاضِي الإمَامِ الطَّائِعِ للهِ (٣)، فشَهَدَ عِنْدَه في خِلَافَةِ الطَّائعِ للهِ، ولَمْ نَسْمَعَ أَنَّ أَحَدًا قَصَدَهُ مَنْ يَشْهَد بَيْنَ يَدَيْه، فَشَهِدَ عِنْده في دَارِ سِوَاهُ، ولم يكن يَومئذٍ قَاضِي قَضَاةٍ، وكان ابنُ مَعْرُوفٍ (٤) مَعْزُولًا، وقَدْ أُهِّلَ ابنُ صُبْرٍ لِقَضَاء القُضَاةِ، وقَدْ شُوْهِدَ ذلِكَ في دَرْجٍ (٥) بخطِّ ابن حَاجِب النُّعْمَانِ، لَمَّا ذَكَرَ شُهُوْدَ بَابَ الطَّاقِ. وكَانَ جَدِّي أَبُو عَبْدِ اللهِ قَدْ دَرَسَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الوَّازِيِّ (٦) مذهبَ أَبِي

стр. 1521

حَنِيْفَةَ، وغيرُ خَافٍ مَحَلُّ أَبِي بكْرٍ الرَّازِيِّ، وأَنَّ المُطيعَ للهِ (١) ومُعِزَّ الدَّوْلَةِ خَاطَبَاهُ لِيلى قَضَاءَ القُضَاةِ فامتَنَعَ، وكَانَ مَحَلَّ جَدِّي أَبِي عَبْدِ اللهِ مَنْهُ أَنَّه مَرِضَ مائةَ يَوْمٍ، فعَادَهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ خَمْسِيْنَ يَوْمًا، يَعْبُرُ إِلَيْهِ مِنَ الجَانِبِ الغَرْبِيِّ بالكَرْخِ، من دَرْبِ عَبْدَةَ إلى بَابِ الطَّاقِ بالجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، فَلَمَّا عُوْفِيَ وحَضَرَ عندَهُ في مَجْلِسِهِ قَالَ له أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، مَرِضْتَ مَائَةَ يَوْمٍ، فَعُدْنَاكَ خَمْسِيْنَ يَوْمًا، وذَاكَ قَلِيْلٌ في حَقِّكَ. وتُوفِّيَ في سَنَةَ تِسْعِيْنَ وثَلَاثِمَائَة. وكَانَ سِنُّ الوَالِدُ في ذلِكَ الوَقْتِ: عَشْرَ سِنِيْنَ إلَّا أَيَّام. وكانَ وَصِيُّهُ رَجُلٌ يُعْرَفُ بـ "الحَرْبِيِّ" يَسْكُنُ بدَارِ القَزِّ (٢) فَنَقَلَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ من بابِ الطَّاقِ إلى شَارع دَارِ القَزِّ، وفيه مَسْجِدٌ يُصَلِّي فيه شيخٌ صَالِحٌ، يُعْرَفُ بـ "ابن مَقْدَحَةَ" (٣) المُقْرِئُ، يُقْرِئُ

стр. 1522

القُرْآن، ويُلَقِّنُ مَنْ يَقْرَأُ عَلَيْه العِبَارَاتِ من "مُخْتَصرِ الخِرَقِيِّ" فَلَقَّنَ الوَالدَ السَّعِيْدَ مَا جَرَتْ عَادَتُهُ بتَلْقِيْنهِ من العِبَادَاتِ، فَاسْتزادَه الوالدُ السَّعِيْدُ. فَقَالَ لَهُ ذلِكَ الشَّيْخُ: هَذَا القَدْر الَّذي أُحْسِنُهُ (١)، فَإِنْ أَردتَ زيادة عليه فَعَلَيْكَ بالشَّيْخُ أَبي عَبْدِ الله بن حَامِدٍ. فإِنَّه شَيْخُ هَذِهِ الطَّائِفَةِ، ومَسْجِدُهُ ببابِ الشَّعِيْرِ (٢)، فَمَضَى الوَالِدُ إليه وصَحِبَهُ إلَى أَنْ تُوفِّيَ ابنُ حَامِدٍ في سَنَةِ ثَلَاثٍ وأَرْبَعِمَائَة، وتَفَقَّه عليه، وبَرَعَ في ذلِكَ، وكانَ ذلِكَ من لُطْفِ اللهِ تَعَالَى بِهِ، وإِرَادَتِهِ تَعَالَى حِفْظَ هَذَا المَذْهَبِ (٣). وَقَدْ ذَكَرْنَا في أَخْبَارِ ابن حَامِدٍ سُؤَالِ مُحَمَّدِ بن عَلِيٍّ المُقْرئُ (٤) لَهُ عِنْدَ خُرُوْجِهِ إلى الحَجِّ سَنَةَ اثنَتَيْنِ وأَرْبَعِمَائَة، على مَنْ نَدْرُسُ؟ وإِلَى مَنْ نَجْلِسُ؟ فَقَالَ لَهُ: إلى هَذَا الفَتَى، وأَشَارَ إِلَى القَاضِي أَبِي يَعْلَى. وَقَدْ كَانَ لابنِ حَامِدٍ أَصْحَابٌ كَثِيْرٌ (٥). فَتَفَرَّسَ في الوَالِدِ السَّعِيْدِ مَا أَظْهَرَهُ اللهُ ﵎ عَلَيْهِ، رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ (٦): "اتَّقُوا فِرَاسَةَ المُؤْمِنِ، فإنَّه يَنْظُرُ بِنُوْرِ اللهِ ".

стр. 1523

فَأَمَّا مَوْلِدُهُ: فُوِلدَ لِتِسْع وعِشْرِيْنَ، أَوْ ثَمَانٍ وعِشْرِيْنَ لَيْلَةٍ خَلَتْ مِنَ المُحَرَّمِ سَنَةَ ثَمَانِيْنَ وثَلَاثِمَائَةَ. وأَمَّا شُيُوْخُهُ: فَأَوَّلُ سَمَاعِهِ للحَدِيْثِ: سَنَةَ خَمْسٍ وثمَانِيْنَ وثَلَاثِمَائَةَ، وسَمِعَ مِنْ أَبِي الحُسَيْنِ السُّكَّرِيِّ، عنْ أَحْمَدَ بن عَبْدِ الجَبَّارِ الصُّوْفِيِّ، عنْ يَحْيَى بن مَعِيْنٍ وغَيْرهِ. وسَمِعَ أَيْضًا مِنْ جَمَاعَةٍ عَنِ البَغَويِّ، وَقَدْ حَدَّثَ عَنِ البَغَويِّ عَنْ أَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ، وسَمِعَ مِنْ أَبي القَاسِم مُوْسَى بن عِيْسَى السَّرَّاجِ، عَنْ البَغَوِيِّ وغَيْرِهِ. ومِنْ أَبِي الحَسَنِ عَليِّ بن مَعْرُوْفٍ، عن البَغَوِيِّ، وابنِ صَاعِدٍ، وابنِ أَبي دَاوُدَ، وغَيْرِهِم. ومِنْ أَبِي القَاسِمِ بن حَبَابَةَ، عَنِ البَغَوِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بن الجَعْدِ، عَنْ شُعْبَةَ وغَيْرِهِ. ومِنْ أَبِي الطَّيِّبِ بن المُنْتَابِ (١)، عَنْ البَغَوِيِّ، وابنِ صَاعِدٍ وغَيْرِهِمَا. ومن أَبي طَاهِرٍ المُخَلِّصِ عن البَغَوِيِّ، وابن صَاعِد وغَيْرِهِمْ. ومن أَبِي القَاسِم عِيْسَى بن عَلى الوَزِيْرِ، عن البَغَوِيِّ وغَيْرِهِ، ومن أَبي القَاسِمِ بن سُوَيْدٍ، عن ابن مُجَاهِدٍ، وابنِ الأنْبَارِيِّ وغيرهما. ومِنْ أَبِي القَاسِمِ الصَّيْدَلَانِيِّ، عن ابن صَاعِدٍ وغَيْرِهِ. ومِنْ أُمِّ الفَتْحِ بنتِ القَاضِي أَبي بكرٍ أَحْمَدَ بن كَامِلٍ، ومِنْ جَدِّهِ لأُمِّهِ أَبِي القَاسِمِ بن جَنِيْقَا (٢)، ومِنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ، عن أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بن إِسْحَقَ بن عَبْدِ الرَّحيم السُّوْسِيِّ وغيره، ومِنْ أبي مُحَمَّدٍ عبدِ اللهِ بن أَحْمَدَ بن مَالِكٍ البَيِّعِ بانتقاءِ ابن أَبي الفَوَارِسِ، ومِنْ القَاضِي

стр. 1524

أَبِي مُحَمَّدٍ الأكْفَانِيِّ، ومِنْ أَبِي نَصْرِ بن الشَّاه، ومِنْ أَبِي عبدِ اللهِ النَّيْسَابُوْرِيِّ، ومِنْ أَبِي الحَسَنَ الحَمَّامِيِّ، ومن أَبِي الفَتْحِ بن أَبِي الفَوَارِسِ، وسَمِعَ بمكَّةَ ودِمَشْق وحَلَبَ في آخرين. وابْتَدَأَ بالتَّصْنِيْفِ والتَّدْرِيْسِ بَعدَ وَفَاةِ شَيْخِهِ ابن حَامِدٍ، وحَجَّ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وأَرْبَعِمَائَةَ، وعادَ إلى تَدْرِيْسِهِ وتَصْنِيِفهِ في الفُرُوْعِ والأُصُوْلِ والآدَابِ، وانِقِطَاعِهِ عن الدُّنْيَا ومَا يَؤُوْلُ إلى الذَّهَابِ ومَنْ بَحَثَ عَنْ أَخْلَاقِهِ وطَرَائِقِهِ وأَخْبَارِهِ، لَمْ يَخْفَ عليه مَوْضِعُهُ ومَحَلُّهُ، ولو بَالَغْنَا في وَصْفِهِ لَكُنَّا إلى التَّقْصِيْرِ فِيْمَا نَذْكُرُهُ مِنْ ذلِكَ أَقْرَبُ، إِذْ انْتَشَرَ على لِسَانِ الخَطِيْرِ والحَقِيْرِ ذِكْرُ فَضْلِهِ، سَوَى مَا يُضَافُ إِلَى ذلِكَ مِنَ الجَلَالَةِ والصَّبْرِ على المَكَارِهِ، واحتِمَالِهِ لِكُلِّ جَرِيْرَةٍ إِنْ لَحِقَتْهُ من عُدُوٍّ، وزَلَلٍ إِنْ جَرَى مِنْ صَدِيْقٍ، وتَعَطُّفِهِ بالإحْسَانِ على الكَبِيْرِ والصَّغِيْرِ، واصْطِنَاعِ المَعْرُوْفِ إِلَى الدَّانِي والقَاصِي، ومُدَارَتهِ للنَّظِيْرِ والتَّابِعِ، جَارِيًا على سَنَنِ الإمامِ أَحْمَدَ ﵄ حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّةِ. وَلَمْ يَزَلْ عَلَى طُوْلِ الزَّمَانِ يَزْدَادُ جَلَالَةً ونُبْلًا، وعِلْمًا وفَضْلًا، قَصَدَهُ القَاضِي الشَّرِيْفُ أَبُو عَلِيِّ بنُ أَبِي مُوْسَى (١) دَفَعَاتٍ، إِحْدَاهَا (٢) في جُمَادَى الأوْلَى سَنَة إِحْدَى - أَوْ اثْنَتينِ - وعشرين وأَرْبَعِمَائَة، لِيَشْهَدَ عِنْدَ قَاضِي القُضَاةِ أَبِي عَبْدِ الله بن مَاكُوْلَا (٣)، ويَكُوْنَ وَلَدُ القَاضِي أَبِي علي

стр. 1525

أَبُو القَاسِم - المُلَقَّب بـ "زِيْن الدِّين" (١) - لَهُ تَابِعًا ومُتبَرِّكًا بشَهَادَتِهِ. فَأَبَى عليه الوَالِدُ السَّعِيْدُ أَشدَّ الإبَاءِ، فَمَضَى ابنُ أَبِي مُوْسَى إلى أَبِي القَاسِمِ بن بِشْرَانَ (٢)، وسَأَلهُ أَنْ يَشْهَدَ مَعَ وَلَدِهِ، وَقَدْ كَانَ ابنُ بشرَان قَدْ تَرَكَ الشَّهَادَةَ قَبْلَ ذلِكَ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذلِكَ، فَشَهَدَ ابنُ بِشْرَانَ، وَمَعَهُ زَيْنُ الدِّين بدِيْوَان الخِلَافَةِ. وكَانَت وفاةُ القَادِرِ باللهِ في حَادِيْ عَشَرَ من ذِي الحِجَّةِ من هذِهِ السَّنَةِ، ثُمَّ تُوفِّيَ القَاضِي أَبُو عَليٍّ سنةَ ثَمَانٍ وعِشْرِيْنَ. وكَانَ مِنْ قَضَاءِ الله وقَدَرِهِ أَن تَكَرَّرَتْ سُؤَالَات قَاضِي القُضَاءِ أَبِي عَبْدِ اللهِ بن مَاكُوَلَا للشَّيْخَيْنِ أَبِي مَنْصُوْرِ بن يُوْسُفَ (٣)، وأَبِي عليّ بن

стр. 1526

جَرْدَةَ (١)، يَسْأَلَان الوَالِدَ السَّعِيْدَ أَنْ يَشْهَدَ عِنْدَهُ، لِعِلْمِهِ بِمَحبَّتِهِمَا لَهُ، واعتِقَادِهِمَا بمَذْهَبِهِ، وانضَافَ إِلَى ذلِكَ خِطَابُ رَئَيِس الرُّؤسَاءِ (٢) نَوْبَةً بعدَ

стр. 1527

أَخْرَى، فَأَجَابَ إلى ذلِكَ وشَهِدَ عندَهُ، مَعَ كَرَاهَتِهِ للشَّهَادَةِ. وكَانَ ابنُ مَاكُوْلَا مُعَظِّمًا لَهُ (١)، ومُبَجِّلًا ومُكَرِّمًا، مَا لَمْ يَكُنْ يَفْعَلُهُ لِغَيْرِهِ. وَكَانَ قَدْ (٢) حَضَرَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ - قَدَّسَ اللهُ رَوْحَهُ - في سَنَةِ اثنَتَيْنِ وثَلَاثين وأَرْبَعمائة في دَارِ الخِلَافَةِ في أيَّامِ القَائِم بأمرِ اللهِ - رَضْوَانُ اللهِ عَلَيْه - مَعَ الجَمِّ الغَفِيْرِ، والعَدَدِ الكَثِيْرِ من أَهْلِ العِلْمِ، وكانَ صُحْبَتَهُ الشَّيْخُ الزَّاهِدُ أَبُو الحَسَنِ القِزْوِيْنِيُّ (٣)، لِفَسَادِ قَوْلٍ جَرَى مِنَ المُخَالِفِيْنَ لَمَّا شَاعَ قِرَاءَةُ كِتَابِ "إِبْطَالِ التَّأْوِيْلَاتِ" فَخَرَجَ إلى الوَالِدِ السَّعِيْدِ من الإمَامِ القَائِم بأمرِ اللهِ رَضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ الاعتِقَادُ القَادِرِيُّ في ذلِكَ بِمَا يَعْتَقِدُ الوالِدُ السَّعِيْدُ، وَكَانَ قَبْلَ ذلِك قَد اتَمَسَ مِنْهُ حَمَلَ كِتَابِ "إِبْطَالِ التَّأْوِيْلَاتِ" ليُتَأَمَّلَ فأُعِيْدَ إلى الوَالِدِ، وشُكِرَ لَهُ تَصْنِيْفَهُ (٤)، وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِ الوَالِدِ السَّعِيْدِ أَنَّه كَانَ حَاضِرًا في ذلِكَ اليَوْمِ، قَالَ: رَأَيْتُ قَارِئَ التَّوْقِيع الخَارِجِ من القَائِم بأمرِ الله - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ - قَائِمًا على قَدَمَيْهِ والمُوافِقُ والمُخَالِفُ بينَ

стр. 1528

يَدَيْهِ، ثُمَّ أُخِذَتْ في تِلْكَ الصَّحِيْفَةُ خُطُوْطُ الحَاضِرِيْنَ مِنَ أَهْلِ العِلْمِ والفُقَهَاءِ عَلَى اخْتِلَافِ مَذَاهِبِهِمْ، وجُعَلَتْ كالشَّرْطِ المَشْرُوْط، فَأَوَّلُ مَنْ كَتَبَ الشَّيخُ الزَّاهِدُ القَزوينيُّ: هَذَا قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وهْوَ اعتِقَادِيْ، وعَلَيْهِ اعْتِمَادِيْ، ثُمَّ كَتَبَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ بَعْدَهُ، وكَتَبَ القَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ، وأَعْيَانُ الفُقَهَاءِ، مِنْ بَيْنِ مُوَافِقٍ ومُخَالِفٍ، فَبَلَغَني أَنَّ أَبَا القَاسِمِ عَبْدَ القَادِرِ بنَ يُوْسُفَ (١) قَالَ - بَعْدَ خُرُوْجِهِ عَنْ ذلِكَ المَجْلِس - رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أَنَّه قَالَ (٢): "لَا تَزَالُ طِائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الحَقِّ ظَاهِرِيْنَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ" فَلَمَّا أَرَادُوا النُّهُوْضَ مِنْ ذلِكَ المَجْلِسِ التَفَتَ ابنُ القزوِيْنِيِّ الزَّاهِدِ إلى الوَالِدِ السَّعِيْدِ فَقَالَ لَهُ: كَمَا في نَفْسِكَ؟ فَقَالَ لَهُ الوَالِدُ السَّعِيْدُ: الحَمْدُ لله على مَا تَفَضَّلَ بِهِ من إِظْهَارِ الحَقِّ، فَقَالَ لَهُ ابنُ القَزوينيِّ الزَّاهِدُ: لا أَقْنَعُ بِهَذَا، وأَنَا أَحْضُرُ بِجَامِعِ المَنْصُوْرِ، وأُمْلِي أَحَادِيْثَ الصّفَاتِ، فَحَضَرَ القَزوِيْنِيُّ الزَّاهِدُ جُمَعًا مُتَرادِفَاتٍ بِجَامِعِ المَنْصُوْرِ، أَمْلَى أَخْبَارَ الصِّفَاتِ، نَاصِرًا لِمَا سَطَّرَهُ الوَالِدُ السَّعِيْدُ، ثُمَّ تُوفِّيَ ابنُ القزوينيِّ لَيلَةَ الأحَدِ الخامِسِ من شَعْبَانَ سنةَ اثنَتينِ وأَرْبَعِيْنَ وأَرْبَعمَائَة. وصُلِّى عليه بينَ الحَرْبِيَّة والعتَّابيِّين، مما يَلِي الخَنْدَق. وحَضَرَهُ عالمٌ كثيرٌ وجَرَى تَشْغِيْبٌ بينَ أَصْحَابِنَا وبينَ المُخالِفِيْنَ لَنَا في الفُرُوْعِ. فَحَضَرَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ سَنَةَ خَمْسٍ وأَرْبَعِيْنَ في دارِ الخِلَافَةِ مَجْلِسَ

стр. 1529

أَبِي القَاسِم عليِّ بن الحَسَنِ رَئِيْسِ الرُّؤَسَاءِ، ومَعَهُ جَمٌّ غَفِيْرٌ، وعددٌ كثيرٌ من شُيُوْخ الفُقَهَاءِ، وأَمَاثِلِ أَهْلِ الدِّيْنِ والدُّنْيَا، فَقَالَ رَئِيْسُ الرُّؤَسَاءِ - في ذلِكَ اليَوْمِ على رُءُوْسِ الأشْهَادِ -: القُرْآنُ كَلَامُ اللهِ، وأَخْبَارُ الصِّفَاتِ تُمَرُّ كَمَا جَاءَتْ، وأَصْلَحَ بينَ الفَرِيْقَيْنِ، فَفَازَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ بخيرِ الدَّارَيْنِ إِنْ شَاءَ اللهُ، ولَوْ تَتَبَّعْنَا هَذه المَقَامَاتِ لَطَالَتْ الحِكَايَاتُ. وَكَانَ مِنْ قَضَاءِ الله تَعَالَى أَنْ تُوفِّيَ قَاضِي القُضَاةُ ابنُ مَاكُوْلَا (١)، فَتَبيَّنَ للإمَامِ القَائِم بأمرِ الله احتيَاجُ الحَرِيْم إِلَى قَاضٍ عَالِمٍ زَاهدٍ، فَرَاسَلَ رَئْيَسَ الرُّؤسَاء بالشَّيْخِ أَبِي مَنْصُوْرِ بن يُوسُفَ وبغَيْرِهِ إِلَى الوَالِدِ السَّعِيْدِ، وخُوْطِبَ لَيَلِيَ القَضَاءَ بدَارِ الخِلَافَة والحَرِيْم أَجْمَعَ، فامتَنَعَ من ذلِكَ، فكُرِّرَ عليه السُّؤالُ، فَلَمَّا لم يَجِدْ بُدًّا مِنْ ذلِكَ اشْتَرَطَ عليهم شَرَائِطَ، مِنْهَا: أَنَّه لا يَحْضُرُ أَيَّامَ المَوَاكِبِ الشَّرِيْفَةِ، ولا يَخْرُجُ في الاستِقْبَالَاتِ، ولا يَقْصِدُ دَارَ السُّلْطَانِ، وفي كلِّ شَهْرٍ يَقْصِدُ نَهْرَ المُعَلَّى (٢) يَوْمًا، وبَابَ الأزَجِ يَوْمًا، ويَسْتَخْلِفُ مَنْ يُنُوْبُ عَنْهُ في الحَرِيْمِ، فَأُجُيْبَ إِلَى إِلَى ذلِكَ. وقَدْ كَانَ تَرَشَّحَ لِولَايةِ القَضَاءِ بالحَرِيْمِ القَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ

стр. 1530

الطَّبَرِيُّ (١)، فَعُدِلَ عَنْه إلى الوَالِدِ السَّعِيْدِ، وقُلّدَ القَضَاءِ في الدِّمَاءِ والفُرُوْجِ والأمْوَالِ، ثُمَّ أُضِيْفَ إِلَى وِلَايَتِهِ بالحَرِيْمُ: قَضَاءُ حَرَّانَ وحُلْوَانَ (٢). واستَنَابَ فِيْهِمَا، فَأَحْيَاء الله بالوَالِدِ السَّعِيْدِ مِنْ صِنَاعَةِ القَضَاءِ مَا أُمِيْتَ مِنْ رُسُوْمِهَا، ونَشَرَ (٣) مَا طُوِيَ مِنْ أعْلَامِهَا، فَعَادَ الحُكُمُ بمَوْضِعِهِ جَدِيْدًا، والقَضَاءُ بتَدْبِيْرِهِ رَشِيْدًا، وكَانَ كَمَا قَالِ فِيْهِ تِلْمِيْذُهُ عليُّ بنُ نَصْرٍ العُكْبَرِيّ (٤) لَمَّا وُليَ الوالدُ القضَاءَ: رَفَعَ اللهُ رَايَةَ الإسْلَامِ … حِيْنَ رُدَّتْ إِلَى الأَجَلِّ الإمَامِ

стр. 1531

التَّقِيُّ النَّقِيُّ ذِيْ المَنْطِقِ الصَّا … ئِبِ في كُلِّ حُجَّةٍ وكَلَامِ خَائِفٌ مُشْفِقٌ إِذَا حَضَرَ الخَصْمَا … نِ يَخْشَى مِنْ هَوْلِ يَوْمِ الخِصَامِ لَمْ يَزِدْهُ القَضَاءُ فَخْرًا، وَلكِنْ … قَدْ كَسَا الفَخْرَ سَائِرَ الأَحْكَامِ بِكَ يَا ابْنَ الحُسَيْنِ شُدَّتْ عُرَى الدِّ … يْنِ وقَامَتْ دَعَائِمُ الإِسْلَامِ رَحْمَةً مِنْ مُدَبِّر الخَلْقِ للْخَلْـ … ـقِ أَظَلَّتْ إِذْ قُمْتَ في ذَا المَقَامِ تَمَّمَ اللهُ للخَلِيْفَةِ مَا أَعْـ .... ـطَاهُ مِنْ نِعْمَةٍ مَدَى الأيَّامِ فَلَقَدْ قُلِّدَ القَضَاءَ رَفِيع الـ … ـقَدْرِ ذَا رَأْفَةٍ عَلَى الأَيْتَامِ قَدْ حَوَى مِنْ رِعَايَةِ الدِّينِ ما … يَعْصِمُهُ مِنْ مَوَاقِفِ الآثَامِ وصَلَ اللهُ مَا حَبَاهُ مِنَ النَّعْـ … ـمَاءِ بِنَعْمَاهُ فِي جِنَانِ المَقَامٍ فَلَمْ يَزَلْ جَارِيًا على سَدِيْدِ القَضَاءِ، وإنْفَاذِ الحُكْمِ والأَوْصِيَاءِ، إلى أَنْ تُوُفِّيَ. وكَانَ الوالدُ السَّعِيْدُ قَدْ رَدَّ القَضَاءَ ببابِ الأزجَ إلى الجِيْلِيِّ (١)، وجَعَلَ صَاحِبَهُ أَبَا عَلِيٍّ يَعْقُوْب (٢) مُشْرِفًا عَلَيْهِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ من حَالِ الجيْلِيِّ الاخْتِلَالَ عَزَلَهُ، ثُمَّ رَدَّ النَّظَرَ في عَقْدِ الأنْكحَةِ والمُدَايَنَاتِ ببَابِ الأَزَج إلى تِلْمِيْذِهِ أِبي عَلِيٍّ يَعْقُوْبَ، واستَنَابَ أَبَا عَبْدِ اللهِ بنَ البَقَّالِ (٣) في النَّظَرِ في العَقَارِ بِبَابِ الأزَجِ. واستَنَابَ بِدَارِ الخِلَافَةِ ونَهْرِ المُعَلَّى

стр. 1532

أَبَا الحَسَنِ السِّيْبِيَّ (١). ولو ذَهَبْتُ أَشْرَحُ قَضَايَاهُ السَّدِيْدَةَ: لَكَانَتْ كِتَابًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ. ومَعْلُوْمٌ مَا خَصَّصَ (٢) اللهُ سُبْحَانَهُ به هَذَا الوَالدَ السَّعِيْدَ مِنَ النِّعَمِ الدِّيْنِيَّةِ، والرُّتَبِ السَّامِيَةِ العَلِيَّةِ، وكَوْنُهُ إِمَامَ وَقْتِهِ، وفَرِيْدَ دَهْرِهِ، وقَرِيْعَ عَصْرِهِ، لا يُعَرْفُ في شَرْقِ الأرْضِ وغَرْبِهَا شَخْصٌ يَتَقَدَّمُ في عِلْم مَذْهَبِهِ عَلَيْهِ، أَوْ يُضَافُ في ذلِكَ إِلَيْهِ، هَذَا مَعَ تَقَدُّمِهِ في هَذِهِ البَلْدَةِ على فُقَهَاءِ زَمَانِهِ بِقَرَائَتِهِ للقُرْآنِ بالقِرَاءَاتِ العَشْرِ (٣)، وكَثرة سَمَاعِهِ للحَدِيْث، وعلوّ إِسْنَادِهِ في المروِيَاتِ، ولَقَدْ حَضَرَ النَّاسُ مَجْلِسَهُ، وهو يُمْلِي حَدِيْثَ رَسُوْلِ الله ﷺ بعد صَلَاةِ الجُمُعَةِ بِجَامِعِ المَنْصُوْرِ على كُرْسِيِّ عبدِ اللهِ بن إِمَامِنَا أَحْمَدَ ﵀ (٤) وكانَ المُبَلِّغُوْنَ عَنْهُ في حَلْقَتِهِ، والمُسْتَمْلُوْنَ ثَلَاثَةٌ. أحدهم: خَالِي أَبُو محمَّد (٥). والثَّانِي: أَبُو مَنْصُوْرِ بن الأنْبَارِيِّ (٦).

стр. 1533

والثَّالِثُ: أَبُو عَلِيِّ البَرَدَانِيُّ (١). وأَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ مِمَّن شَهِدَ الإمْلَاءَ أَنَّهُمْ سَجَدُوا في حَلْقَة الإمْلَاءِ عَلَى ظُهُوْرِ النَّاسِ؛ لِكَثرةِ الزِّحَامِ في صَلَاةِ الجُمُعَةِ، في حَلْقَةِ الإمْلَاءِ. ومَا رَأَى النَّاسُ في زَمَانِهِمْ مَجْلِسًا للحَدِيْثِ اجْتَمَعَ فيه ذلِكَ الجَمُّ الغَفِيْرُ، والعَدَدُ الكَثيْرُ. وسَمِعْتُ مَنْ يَذْكُرُ أَنَّه حُزِرَ العَدَدَ بالألُوْفِ، وذلِكَ مَعَ نَبَاهَةِ مَنْ حَضَرَ من الأعْيَانِ، وأَمَاثِلِ الزَّمَانِ (٢)، من النُّقَبَاءِ، وقَاضِي القُضَاةِ والشُّهُوْدِ والفُقَهَاءِ. وكانَ يَوْمًا مَشْهُوْدًا، والنَّاسُ إِذْ ذَاكَ يَسْمَعُوْنَ، والكَتبَةُ يَكْتُبُوْنَ، وبالنَّظَرِ إِلَيهِ يَتبَرَّكُوْنَ، وبِفَضْلِهِ يُقِرُّوْنَ ويَشْهَدُوْنَ، وحَضَرْتُ أَنَا أَكْثَرَ أَمَالِيْهِ (٣) بِجَامِعِ المَنْصُوْر، وأَجَازَ لِي إِجَازةً ولأخِي أَبِي خَازِمٍ - حَفِظَهُ اللهُ - سَأَلَهُ الإجَازَةَ لَنَا خَالُنَا أَبُو محمَّدٍ بن جَابِرٍ، فَأَجَازَ لَنَا في مَرَضِهِ لَفْظًا. حَدَّثَنَا الوَالِدُ السَّعِيْدُ - إِمْلَاءً مِنْ لَفْظِهِ وأَصْلِهِ يَوْمَ الجُمُعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، بِجَامِعِ المَنْصُوْرِ، في التَّاسِعِ والعِشْرِيْنَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ سَنَةَ ستٍّ وخَمْسِيْنَ وأَرْبَعِمَائَة (٤)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الحُسَيْنِ بنُ أَخِي مِيْمِي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبدُ اللهِ بن مُحَمَّدِ بن عَبْدِ العَزِيْزِ البَغَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٍ

стр. 1534

محمَّدُ بنُ زِيَادِ بن فَرْوَةَ البَلَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عن إِسْمَاعِيْلَ بن أَبِي خَالِدٍ، عن قَيْسٍ بن أَبِي حَازِمٍ، عن جَرِيْرِ بن عَبْدِ اللهِ (١) قَالَ (٢): "كُنَّا عِنْدَ رَسُوْلِ الله ﷺ فنَظَرَ إلَى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عَيَانًا، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا لَا تُضَامُوْنَ في رُؤيَتِهِ، فَإِنْ استَطَعْتُمْ أنْ لا تُغْلَبُوا علَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوْعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوْبِ، وقَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩)﴾ (٣) ". قَالَ لَنَا الوَالِدُ السَّعِيْدُ: هَذَا الحَدِيْثُ صَحِيْح، أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ عن يُوْسُفَ بن مُوْسَى، عن عَاصِمِ بن يُوسُفَ اليَرْبُوعِيِّ، عن ابن شِهَابٍ، وكأنِّي سَمِعْتُهُ مِنَ البُخَارِيِّ (٤). وَقَدِ امْتَدَحَ بعضُ أَهْلِ العِلْمِ الوَالِد (٥) السَّعيدَ بأبياتٍ، مِنْهَا: الحَنْبَلِيُّوْنَ قَوْمٌ لَا شَبِيْهَ لَهُمْ … في الدِّيْنِ والزُّهْدِ والتَّقْوَى إِذَا ذُكِرُوا أَحْكَامُهُم بِكِتَابِ اللهِ مُذْ خُلِقُوا … وبالحَدِيْثِ ومَا جَاءَتْ بِهِ النُّذُرُ إِنَّ الإمَامَ أَبَا يَعْلَى فَقِيْهَهُمُ … حَبْرٌ عَرُوْفٌ بِمَا يَأْتِي وَمَا يَذَرُ صِلْ فاقتَدِرْ، فَلَكَ المَسْطُوْرُ إِنْ فَخَرُوا … مَا نَائِمٌ مِثْلُ يَقْظَانٍ بِهِ سَهَرُ ومَعْلْومٌ مَا كَانَ عَلَيه شُيُوخُ عَصْرِهِ، وعُلَمَاءُ وَقْتِهِ، منْ بَيْنِ مُوافِقٍ ومُخَالِفٍ من تَوقيرِهِم لَهُ في حَدَاثَةِ سِنِّهِ، وسَالِفِ دَهْرِهِ، وأَنَّه كَانَ إِذْ ذَاكَ مَعْدُوْدًا من

стр. 1535

الأمَاثِلِ والأعْيَانِ، وشُيُوْخِ العُلَمَاءِ وذَوِي الأسْنَانِ، الَّذِيْنَ قَدْ شَحَّ بِهِمُ الزَّمَانُ، وذلِكَ عندَ مَعْرِفَتِهِم بعِلْمِهِ ودِيَانَتِهِ، وتَقَدُّمِهِ في النَّظَرِ والتَّحْقِيْقِ، وتَخَصُّصِهِ بسُلُوكِ أَحْسَنِ طَرِيْقٍ، وإِنَّمَا يَعْرِفُ الفَضْلَ لأهْلِهِ مَنْ كَانَ في نَفْسِهِ فَاضِلًا، ويَشْهَدُ بالعَقْلِ لأهْلِهِ مَنْ كَانَ في نَفْسِهِ عَاقِلًا، وقَدْ قِيْلَ: نُقَّادُ (١) الجَوْهَرِ أَشدُّ عَوَزًا من الجَوْهَرِ. كَانَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ مُتَمَيِّزًا بالزَّهَادَةِ على كافَّةِ (٢) أَهْلِ العَلْمِ قَلَمًا، ونَقَلَ في طَلَبِهِ قَدَمًا، كَمَا قَالَ عُمَرُ لِسَلْمَانَ ﵉ - حِيْنَ دَوَّنَ الدَّوَاوِيْنَ -: "مَعَ مَنْ تُرِيْدُ أَنْ أَكْتُبَكَ" قَالَ: مَعَ الذِيْن ﴿لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ (٣). كَانَ في قَنَاعَتِهِ كَمَا قَالَ أَبُو حَمْزَةَ الصُّوْفِيُّ: كُنْتُ إِذَا أَصَابَتْنِي فَاقَةٌ قلتُ في نَفْسِي: إِلَى مَن أَهْدِي هذه الفَاقة؟ ثُمَّ فَكَّرْتُ، فَلَمْ أَجِدْ أَحَقَّ بِهَا مِنِّي، فَطَويْتُهَا. والأبْيَاتُ مَشْهُوْرَةٌ في المَعْنَى: (٤) إِذَا شِئْتَ أَنْ تَسْتَقْرِضَ المَالَ مُنْفِقًا … عَلَى شَهَوَاتِ النَّفْسِ فِي زَمَنِ العُسْرِ فَسَلْ نَفْسَكَ الإقْرَاضَ مِنْ كِيْسِ صَبْرِهَا … عَلَيْكَ وَإِنْظَارًا إِلَى زَمَنِ اليُسْرِ فَإِنْ فَعَلَتْ كُنْتَ الغَنِيَّ، وإِنْ أَبَتْ … فَكُلُّ مَنُوعٍ عِنْدَهَا وَاسِعُ العُذْرِ

стр. 1536

وقَالَ: كَتَبَ أَبُو نَصْرٍ عُبَيْدُ الله بنُ سَعِيْدِ السِّجْزِيُّ الحَافِظُ (١) من مكَّةَ - حَيَّاهَا اللهُ - كِتَابًا ذَكَرَ فِيْه أَبْيَاتًا جَوَابًا عن كِتَابِهِ، فَقَالَ: كِتَابُكَ سَيِّدِيْ لَمَّا أَتَانِي … سُرِرْتُ بِهِ، وَجَدَّدَ لِيْ ابْتِهَاجَا وَذِكْرُكَ بالجَمِيْلِ لنَا جَمِيْلٌ … يُقَلِّدُنَا وَلَمْ نَمْزِجْ مِزَاجَا جَلَلْتَ عَنِ التَّصَنُّعِ فِي ودَادٍ … فَلَمْ نَرَ فِي تَوَدُّدِكَ اعْوِجَاجَا وَقَدْ كَثُرَ المُدَاجِيْ والمُرَائِي … فَلَا تَحْفَلْ بِمَنْ (٢) رَاءَى وَدَاجَا حَييْتَ مُعَمَّرًا وجُزِيْتَ خَيْرًا … وَعِشْتَ لِدِيْنِ ذِيْ التَّقْوَى سِرَاجَا وَنَاهِيْكَ بأَبي نَصْرٍ السِّجْزِيِّ، مَعَ عَلْمِهِ ودِيْنِهِ وزُهْدِهِ. ولَعَمْرِيْ لَقَدْ حَازَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ مِنَ الفَضْلِ مَا عَسَى أَنْ يَعْجَزَ عَنْهُ كَثيْرٌ مِنَ الأقْرَانِ، وعَدَدٌ من ذَوِي الأسْنَانِ، مِنْ ضَبْطِ العُلُوْمِ بحُسْنِ بَصِيْرَةٍ وإِتْقَانٍ، وتدقِيْقًا في الكَشْفِ عن غَوَامِضِ المَذْهَبِ وخَافِيْهِ، والبَيَانِ عَنْ مَعَانِيْهِ، وهُوَ مَعَ ذلِكَ - إلى حِيْنِ وَفَاتِهِ - مَعَ كِبَرِ السِّنِّ مُجْتَهِدٌ دَائِبٌ، على

стр. 1537

التَّصْنِيْفِ (١) والتَّدْرِيْسِ مُوَاظِبٌ، ثُمَّ إِصْغَاؤُهُ - مَعَ هَذَا - العِلْمِ الكَثِيْرِ، إلى كلمةٍ تُسْتَفَاد من صَغِيْرٍ أَوْ كَبِيْرٍ، ولو قَصَدَ قَاصِدٌ تَعْدَادَ كُتُبِهِ ومُصَنَّفَاتِهِ، وتَأَمُّلَ مَا قَرَّرَهُ من الأدِلَّةِ على غَوَامِضِ مَذْهَبِهِ ومَسَائِلَ مُفْرَدَاتِهِ، لَعَسَى أَنْ تَلْحَقَهُ السَّآمَةُ في حِسَابِهِ، والمَشَقَّةُ في اسْتِيْعَابِهِ، ولو اقْتَصَرَ مَنْ يَقْصُدُ العَدْلَ والإنْصَافَ، على النَّظَرِ في كِتَابِهِ الَّذِي صَنَّفَهُ في مَسَائِلَ الخِلافِ؛ لَدلَّهُ على مَنْزِلَتِهِ مِنَ العَلْمِ دَلِيْلٌ كَافٍّ، ومَعْلُوْمٌ مَا خَصَّهُ اللهُ تَعَالَى بِهِ - مَعَ مَوْهِبَةِ العِلْمِ والدِّيَانَةِ - مِنَ عِزّ (٢) التَّعَفُّفِ والصِّيَانَةِ، والمُرُوْءَةِ الظَّاهِرَةِ، والمَحَاسِنِ الكَثِيْرَةِ الوَافِرَةِ، مَعَ هِجْرَانِهِ أبْوَابِ السَّلاطِيْنِ، وامْتِنَاعِهِ - عَلَى مَمَرِّ السِّنِيْنِ - أَنْ يَقْبَلَ لأحَدٍ مِنْهُمْ صِلَةً وَعطِيَّةً، ولَمْ تَزَلْ دِيَانَتُهُ ومُرُوْءَتُهُ لِمَا هَذَا سَبِيْلُهُ أَبِيَّةً، وكَانَ يَقسِمُ لَيْلَهُ كلَّهُ أَقْسَامًا، فقِسْمٌ للمَنَامِ، وقِسْمٌ للقِيَامِ، وقِسْمٌ لتَصْنِيْفِ الحَلالِ والحَرَامِ. ولَقَدْ نَزَلَ بِهِ مَا نَزَلَ بغَيْرِهِ مِنَ النَّكَبَاتِ الَّتي استَكَانَ لَهَا كَثِيْرٌ مِنْ ذَوِيْ المُرُوْءَاتِ، وخروج (٣) عَن مَأْلُوفَاتِ العَادَاتِ، فَلَم يُحْفَظْ عَلَيْهِ أَنَّه خَرَجَ عن جَمِيْلِ عَادَتِهِ (٤)، ولا طَرَحَ المَأْلُوْفَ مِنْ مُرْوءَتِهِ (٤)، ومَنْ شَاهَدَ مَا كَانَ عليه من السَّكِيْنَةِ والوَقَارِ، ومَا كَسَا اللهُ وَجْهَهُ من الأنْوَارِ، مَعَ السُّكْونِ والسَّمْتِ الصَّالِحِ،

стр. 1538

والعَقْلِ الغَزِيْرِ الرَّاجِحِ، شَهِدَ لَهُ بالدِّيْنِ والفَضْلِ ضَرورةً، واستَدَلَّ بذلِكَ عَلَى مَحَاسِنِهِ الخَفِيَّة المَسْتُوْرَةِ. هَذَا مَعَ الأنَاةِ والحِلْمِ، الَّذي به يُزَانُ العِلْمُ، وحَمْلِهِ الأَذَى (١) في جَنْبِ الإيْمَانِ، والتَّصْدِيْقِ بالأحَادِيْثِ الَّتي هِيَ عن صَاحبِ الشَّرِيْعَة ﷺ مَرْوِيَّةٌ، وكَمْ قَصَدَهُ من أَعْدَاءِ المُرُوْءَةِ والدِّيْنِ مَنْ قَاصِدٍ باغٍ، ومُبْتَدِعٍ طَاغٍ، جَامِعٍ في إِزْعَاجِهِ، ومُنَفِّرٍ عن مِنْهَاجِهِ، فَعَادَ خَاسِئًا ذَليلًا، وبحَسْرَةِ الظَّفَرِ قَتِيْلًا ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)﴾ (٢). وَقَدْ أَنْشَدَ بَعْضُ الشُّعراء في مِثْلِهِ (٣): تِلْكَ المَكَارِمُ لا قُعْبَانَ مِنْ لَبَنٍ … شِيْبًا بِمَاءٍ، فَعَادَا بَعْدُ أَبْوَالا فَأَمَّا عَدَدُ أَصْحَابهِ، الَّذِيْنَ سَمِعُوا مِنْهُ الحَدِيْثَ: فالعَدَدُ الكَثِيْرُ، والجَمُّ الغَفِيْرُ، مِنْهُمْ: أَحْمَدُ بنُ عليّ بن ثَابِتٍ، وعبدُ العَزِيْزِ العَاصِمِيُّ النَّخْشَبِيُّ، وعُمَرُ بنُ أَبِي الحَسَنِ الدِّهِسْتَانِيُّ الخَيَّاطُ، وهَبِةُ اللهِ بن عَبْدِ الوَارِثِ الشَّيْرَازِيُّ، وإِسْحَقُ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ بن مَنْدَهْ الحَافِظُ المُقْرِئُ (٤)،

стр. 1539

ومَكِّيُّ بن بُجَيْرٍ الهَمدانيُّ، وعُمَرُ الأُرْمَوِيُّ، وأَحْمَدُ بنُ الحَسَنِ بنُ خَيْرُوْنَ، وابْنَا خَالِهِ (١)؛ أَبُو طَاهرٍ، وأَبُو غَالبٍ. وأَبُو الحُسَيْنِ بنُ الطُّيُورِيِّ، وأَبُو عَلِيٍّ البَرَدَانِيُّ، وأَبُو الغَنَائِم بنُ النَّرْسِيِّ الكُوْفِيُّ، وأَبُو بَكْرٍ القَطَّانُ المَقْدِسيُّ، وأَبُو مَنْصُوْرٍ الخَيَّاطُ، وأَبُو مَنْصُوْرٍ القِرْمِيْسِيْنِيُّ، وأَبُو مَنْصُوْرِ بن الأنْبَارِيِّ، ومُحَمَّدُ بنُ عُمَارَةَ العُكْبَرِيُّ، ومُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بن أَحْمَدَ بن مردين، وأَبُو العَبَّاسِ المُخَلَّطِيُّ، وأَحْمَدُ بنُ العُلَبِيُّ، وأبُو بَكْرٍ، وأَبُو الحُسَيْن ابنَا ابن يُوْسُفَ، وابنَا عَمِّهِمَا أَبُو محمَّدٍ. وأَبُو الحَسَن بنُ رَضْوَان، وابنَا عَمِّه أَبُو نَصْرٍ، وأَبُو الحُسَيْن، وأَبُو جَعْفَرٍ الأصْبَهَانِيُّ، وأَبُو الكَرَمِ المُبَارَكُ بنُ فَاخِرٍ النَّحْوِيُّ، وأَخُوْهُ أَبُو عَبْدِ الله بنُ الدَّبَّاسِ، وأَبُو طَاهِرٍ، وأَبُو القَاسِمِ ابنَا البَلَدِيِّ، وأَبُو نَصْرِ يَاسِرُ، وأَبُو العزِّ العُكْبَريَّان في آخرَيْنَ (٢). فَأَمَّا الَّذِيْنَ تَفَقَّهُوا وعَقَلُوا، وسَمِعُوا الحَدِيْثَ: فَأَبُو الحَسَنِ (٣) البَغْدَادِيُّ، والشَّرِيْفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وأَبُو الغَنَائِم بنُ الغُبَارِيِّ، وأَبُو الغَنَائِم بنُ زِبِبْبَا، وأَبُو عَلِيِّ بنُ البَنَّاءِ، وأَبُو الوَفَاء بنُ القَوَّاسِ، والقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ البَرْزَبِيْبيُّ (٤)، والقَاضِي أَبو الفَتْحِ بنُ جَلَبَةَ، وعَلِيُّ بن عَمْرٍو الضَّرِيْرُ الحَرَّانِيُّ، وأَبُو يَاسِرِ بنُ

стр. 1540

الحُصْرِيِّ (١)، وأَبُو عَبْدِ اللهِ الأَنْمَاطِيُّ، والحُسَيْنُ البَرَدَانِيّ (٢)، وأَبُو الحَسَنِ النَّهْرِيُّ، وأَبُو البَرَكَاتِ بنُ شبلي (٣)، وأَبُو محمَّدٍ شَافِعٌ، وأَبُو الوَفَاءِ بنُ عَقِيْلٍ، وطَلْحَةُ العَاقُوليُّ، ومَحْفُوْظٌ الكَلْوَذَانِيُّ وأَبُو الحَسَنِ [بنُ جَدَّا (٤) العُكْبَرِيُّ، وأَبُو الفَرَج المَقْدِسِيُّ، وأَبُو الحَسَنِ] (٥) بن زُفَرَ العُكْبَرِيُّ، وأَبُو عَبْدِ الله الرِّذَانِيُّ (٦)، وأَبُو الحَسَنِ بنُ الرِّكَابِ (٧)، وأَبُو عَبْدِ اللهِ البَاجَسْرَائِيُّ، وأَبُو يَعْلَى بنُ الكَيَّالِ، وجَعْفَرٌ الدَّرْزِيْجَانِيُّ (٨)، والأخُ أَبُو القَاسِمِ، وغيرُهُم مِمَّنْ يَشُقُّ إِحْصَاءُ أَسْمَائِهِمْ. فَأَمَّا عَدَدُ مُصَنَّفَاتِهِ فكَثِيْرةٌ، فنُشيرُ إلى ذِكْرِ مَا يَتَيسَّرُ مِنْهَا؛ فَمِنْ ذلِكَ: "أَحْكَامُ القُرْآن"، و"نقلُ القُرآن"، و"إيضاحُ البَيَان"، و"مسائلُ الإيْمَانِ" و"المُعْتَمَدُ"، و"مختَصَرُ المُعْتَمَدِ"، و"المُقتَبَسُ"، و"مُخْتَصَرُ المُقْتَبَسِ"، و"عُيُوْنُ المَسَائِل"، و"الرِّدُّ على الأشْعَرِيَّةِ"، و"الرِّدُّ على الكَرَّاميَّةِ"، و"الرَّدُّ على البَاطِنيَّةِ"، و"الرِّدُّ على المُجَسِّمَةِ"، و"الرَّدُّ على

стр. 1541

ابن اللَّبَّانِ"، و"إبْطَالُ التَّأوِيْلات لأخْبَارِ الصِّفَاتِ"، و"مُخَتَصرُ إِبْطَالِ التَّأْويْلاتِ"، و"الانْتِصَارُ لِشَيْخنَا أَبِي بَكْرٍ"، و"الكَلامُ في الاستِوَاءِ"، و"الكَلامُ في حُرُوْفِ المُعْجَمِ"، و"القَطْعُ عَلَى خُلُودِ الكُفَّارِ في النَّارِ"، و"أَرْبَعُ مُقدِّمَاتٍ في أُصُول الدِّيَانَاتِ"، و"إِثْبَاتُ إِمَامَة الخُلَفَاءِ الأرْبَعَةِ"، و"تَبْرِئَةُ مُعَاوِيَةَ"، و "الرِّسَالَةُ إلى إِمَامِ الوَقْتِ"، و"جَوَابُ مَسَائِل وَرَدَتْ من الحَرَمِ"، و"جَوَابَات مَسَائِل وردت من تِنِّيْس"، و"جَوَابَاتُ مَسَائِلَ وَرَدَتْ مِنْ مِيَّافَارِقْينَ"، و"جَوَابَاتُ مَسَائِل وَرَدَتْ مِنْ أَصْبَهَان"، و"العُدَّةُ في أُصُوْلِ الفِقْهِ"، و"مختَصَرُ العُدَّةِ"، و"الكِفَايَةُ في أُصُولِ الفِقْهِ"، و"مُختصرُ الكِفَايَة"، و"الأَحْكام السُّلْطَانيَّة"، وَ"فَضَائِلُ أَحْمَد"، و"مختصرٌ في الصِّيَامِ"، و"إيْجَابُ الصِّيَامِ لَيْلَةَ الإغْمَامِ"، و"مُقدِّمةٌ في الأَدَبِ"، و"كتابُ الطِّبِّ"، و"كِتَاب اللِّباسِ"، و"الأمرُ بالمَعْرُوْفِ"، و"شُرُوْطُ أَهْلِ الذِّمَّةِ"، و"التَّوَكُّلُ"، و"ذَمُّ الغِنَاءِ"، و"الاختِلافُ في الذَّبِيْحِ"، و"تَفْضِيْلُ الفَقْرِ عَلَى الغِنَى"، و"فَضْلُ لَيْلَةِ الجُمُعَةِ على لَيْلَةِ القَدْرِ"، و"تَكْذِيْبُ الخَيَابِرَةِ فِيْمَا يَدَّعُوْنَهُ مِنْ إِسْقَاطِ الحُرِّيِّةِ (١) "، و"إِبْطَالُ الحِيَلِ"، و"الفَرْقُ بينَ الآلِ والأَهْلِ"، و"المُجَرَّدُ في المَذْهَبِ"، و"شَرْحُ الخِرَقِيِّ"، و"كتابُ الرِّوَايَتَيْنِ"، و "قطعةٌ من الجَامِع الكَبِيْرِ"، فيها الطَّهارةُ وبعضُ الصَّلاةِ والنِّكَاحُ، والصِّدَاقُ، والخُلْعُ، والوَلِيْمَةُ، والطَّلاقُ، و "الجَامَعُ الصَّغِيْر"، و"شرْحُ المَذْهَبِ"، و"الخِصَالُ والأقْسَام". وفيه يَقُوْلُ بَعْضُهُم:

стр. 1542

قَدْ نَظَرْنَا مُصَنَّفَاتِ الأنَامِ … وسَبَرْنَا شَرِيْعَةَ الإسْلامِ مَا رَأَيْنَا مُصَنَّفًا يَجْمَع (١) العِلْـ … ـمَ مَعَ الاخْتِصَارِ والإفْهَامِ مِثْلَ مَا صَنَّفَ الإمَامُ أَبُو يَعْـ … ـلَى كِتَابِالخِصَالِ والأقْسَامِ ومن مُصَنَّفَاتِهِ "الخِلافُ الكَبِيْرُ"، ومَنْ نَظَرَ في تَصَانِيْفِهِ حَقِيْقَةَ النَّظَرِ عَلِمَ أَنَّ مَا وَرَاءَهُ مَرَامًا ولا مَقَالًا، إلَّا مَا يَدْخُلُ عَلَى البَشَرِ مِنَ التَّقْصِيْرِ عَنِ الكَمَالِ، ويَخْرُجُ بِهِ العَالِمُ عن مَنَازِلِ الأنْبِيَاءِ، ويَتَمَيَّز بِه المُتَأخِّرُ عَنْ مَرَاتِبِ أَهْلِ التَّقَدُّمِ من (٢) العُلَمَاءِ، فَلَقَدْ حَمَلَ النَّاسُ عَنْهُ عِلْمًا وَاسِعًا من حَدِيثِ رَسُوْلِ الله ﷺ ، ومِنَ الأصُوْلِ والفُرُوْعِ، وهُو مُسْتَغْنٍ باشتِهَارِ فَضْلِهِ عن الإطْنَابِ في وَصْفِهِ؛ لأنَّا رَأَيْنَا البُلَغَاء قَدْ وَصَفُوا فَقَصَّرُوا، والعُلَمَاءَ قَدْ مَدَحُوا فَأَكْثَرُوا، وكلٌّ يَطْلُبُ أَمَدَهُ فَيَعْجَزُوْنَ؛ إِذْ كَانَ اللهُ قَد رَزَقَهُ حِفْظَ القُرْآن، والقِرَاءَةَ بالعَشْرِ، والعِلْمَ بالحَلالِ والحَرَامِ، والأحْكَامِ والفَرَائِضِ، وعَلمَ الأُصُوْلِ والفُرُوْع، وَرَزَقَهُ مِنْ شَرَفِ الأخْلاقِ وكَرَمِ الأعْرَاقِ، والمَجْدِ المُؤَثَّلِ، والرَّأْيِ المُحَصَّلِ، والفَضْلِ والفَهْمِ، والإصَابَةِ والعَزِيْمَةِ الصَّافِيَةِ، والمَعْرِفَةِ الشَّافِيَةِ (٣)، والتَّفرُّدِ بكُلِّ فَضِيْلَةٍ، والسُّمُوِّ إِلَى دَرَجَةٍ رَفِيْعَةٍ، من مَحْمُوْدِ الخِصَالِ، والزُّهْدِ والكَمَالِ، مَا يَطُوْلُ شَرْحُهُ، حَتَّى لَمْ يَكُنْ لَهُ شَبِيْهٌ في وَقْتِهِ، ولا نَظِيْرٌ في فَهْمِهِ، ولا

стр. 1543

يُجَارِي في حُكْمِهِ، ولَمْ تَقَعْ أَبْصَارُ أَهْلِ زَمَانِهِ عَلَى مَثْلِهِ؛ لأنَّ طيْنَتَهُ حُرَّةٌ، وعِرْقُهُ كَرِيْمٌ، وغَرْسُه طَيِّبٌ، ومَنْشَؤُهُ مَحْمُوْدٌ، وكَانَتْ أَفْعَالُهُ كأَخْلاقِهِ، وأَخْلاقُهُ كأَعْرَاقِهِ، وأَوَّلُهُ كآخِرِهِ، لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ المُبْهَمِ الغَامِضِ من الأُمُورِ، ولا يَتَلَجْلَجُ اشتِبَاهُ المُشْكِلِ الصَّعْبِ في الصُّدُورِ، ولا يَعْرِفُ الشَّكَّ ولا العَيَّ، ولا الحَصَرَ عندَ مُنَاظَرَةِ المُخَالِفِيْنَ والمُوَافِقِيْنَ، ومُجَادَلَةِ المُتكلِّمِيْنَ، وسَائِرِ الفُقَهَاءِ المُخْتَلِفِيْنَ. وَلقَد كَانَ يَحْضُرُ مَجْلِس أَبِي جَعْفَرٍ السِّمْنَانِيُّ (١) في مَنْزِلهِ، ويحضُرُهُ شُيُوْخُ الفُقَهَاءِ والمُتَكَلِّمِيْنَ المُتَابَيِنْيِنَ في الأُصُوْلِ والفُرُوْعِ. فَتَحْضُرُ صَلاةُ الظُّهْرِ والعَصْرِ، فَيَتَأْخَّرُ الكُلُّ ويأتمُّون (٢) بِصَلاتِهِ. فَلْنَذْكُرِ الآنَ تَبْيِيْنَ مَنْهَجِ السَّلَفِ، وَمَا أُمِرُوا بِأَدَائِهِ إلى الخَلَفِ، وهو الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ الوَالِدُ السَّعِيْدُ - قَدَّسَ اللهُ رَوْحَهُ وأَرْوَاحَهُمْ - لِبَعْضِهِم بمعونةِ اللهِ، ونَجتنب ما ذُم أَهْلِ البِدَعِ بسبَبِهِ، رَاجِيْنَ بذكرِهِ جَزِيْلَ الثَّوَابِ، مُتَوقِّيْنَ الخُرُوْجَ عن الصَّوَابِ، بَعْدَ تَعْرِيْفِكَ مَا عَسَى أَنْ تَلْقَّاهُ من ذوي

стр. 1544

الخِلافِ والعِنَادِ، من الأذَى إِذَا تَحَقَّقُوا مَعْرِفَتَكَ، لِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الفَسَادِ، والمُحِقُّ، مأْمُورٌ بالصَّبرِ لِيَنَال بِهِ جَزِيْلَ الأجْرِ، وقدمناهُ أَوْلًا في نُكْتَتَيْنِ، من أَتْقَنَهُمَا ولَزِمَهُمَا (١) أَدْرَكَ سَعَادَةَ الدَّارَيْنِ، وما نَذْكُرُهُ بَعْدَهُمَا إِنَّمَا نُرِيْدُ بِهِ شَرْحَهُمَا. إِحْدَاهُمَا: تَرْكُ مَا تَرَاهُ، لِمَا أُمِرْتَ بِهِ، مَعَ تَبْيِيْنِ الأَمْرِ المُتَمَسَّكِ بِمُوْجِبِهِ. والثَّانِيَةُ: قِلَّةُ الاكْتِرَاثِ بكثرِ المُبْطِلين وتَهْجِيْنِهِمْ مَا دَرَجَ عليه الوَالِدُ السَّعِيْدُ، والسَّلَفُ الصَّالِحُ الرَّشِيْدُ، مَعَ سَخَاءِ النَّفْسِ عَمَّا قَالُوْهُ من قَبُوْلٍ عندَ أَمْثَالِهِمْ، وَوُصُوْلٍ إلى بَعْضِ آمَالِهِمْ، فَإِذَا أَلْزَمْتَ نَفْسَكَ الأخْذَ بهَاتَيْنِ النُكْتَتَيْنِ عُوِّضْتَ عَمَّا تَرَكْتَ، سُكْونًا إلى مَا عَرَفْتَ، والثِّقَةُ بنَبِيْلِ مَا بِهِ وُعِدْتَ، وهَابَكَ مُخَالِفُكَ، وإِنْ كُنْتَ وَحِيْدًا، وكُنْتَ عندَ الله ، ثُمَّ عِنْدَ صَالِحْي عَبِيْدِهِ حَمِيْدًا. فَلْنَذْكُرُ الآنَ البَيَانُ عن اعتِقَادِ الوَالِدِ السَّعِيْدِ، ومَنْ قَبْلَهُ من السَّلَفِ الحَمِيْدِ، في أَخْبَارِ الصِّفَاتِ، فاعْلَمْ - زَادَنَا اللهُ وإِيَّاكَ عِلْمًا يَنْفَعُنَا اللهُ بِهِ، وجَعَلَنَا مِمَّنْ آثرَ الآيَاتِ الصَّرِيْحَةَ، والأحَادِيْثَ الصَّحِيْحَةَ على آراءِ المُتَكَلِّمِيْنَ، وأَهْوَاءِ المُتَكَلِّفِيْنَ - أَنَّ الَّذي دَرَجَ عليه صَالحُوا السَّلَفِ، وانتَهَجَهُ بعدَهُمْ خِيَارُ الخَلَفِ هو التَّمسُّكُ بكتَابِ اللهِ ، واتباعُ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، ثُمَّ ما رُوِيَ عَن الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللهُ عَلَيْهِم، ثُمَّ عَن التَّابِعِيْن

стр. 1545

والخَالِفِيْنَ لَهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ المُسْلِمِيْن، والإيْمَانُ والتَّصْدِيْقُ بِمَا وَصَفَ اللهُ تعَالَى بِهِ نَفْسَهُ، أَوْ وَصَفَهُ بِهِ رَسُوْلُهُ، مَعَ تَرْكِ البَحْثِ والتَّنْقِيْر، والتَّسْلِيْم لِذلِكَ، من غيْرِ تَعْطيْلٍ، ولا تَشْبهٍ، ولا تَفْسِيْرٍ، ولا تَأْوِيْلٍ، وهي الفرقَةُ النَّاجِيَةُ، والجَمَاعَةُ العَادِلَةُ، والطَّائفةُ المَنْصُوْرَةُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، فَهُمْ أَصْحَابُ الحَدِيْثِ والأثَرِ - والوَالِدُ السَّعِيْدُ تَابِعُهُم - هُم خُلَفَاءُ الرَّسُوْلِ، وورثة حِكَمِهِ (١)، وسَفَرَتُهُ بينَهُ وبينَ أُمَّتِهِ، بِهم يَلْحَقُ التَّالِي، وإِلَيْهِم يَرْجِعُ العَالِي، وهُمُ الَّذِيْنَ نَبَزَهُمْ أَهْلُ البِدَعِ والضَّلالِ، وقَائِلُوا الزُّوْرِ والمُحَالِ، أنَّهُمْ مُشَبِّهَةٌ جُهَّالٌ، ونَسَبُوْهُمْ إلى الحَشْوِ والطَّغَامِ، وأَسَاءُوا فِيْهِمُ الكَلامُ. فاعتَقَدَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ وسَلَفُهُ - قَدَّسَ اللهُ أَرْوَاحَهُمْ، وجَعَلَ ذِكْرَنَا لَهُمْ بَرَكَةً تَعُوْدُ عَلَيْنَا - في جَمِيْعِ مَا وَصَفَ اللهُ تَعَالَى بِهه نَفْسَهُ، أَوْ وَصَفَهُ بِهِ رَسُوْلُهُ ﷺ أن جَمِيْعَ ذلِكَ صِفَاتُ اللهِ تُمَرُّ كَمَا جَاءَتْ، من غيرِ زِيَادَةٍ ولا نُقْصَانٍ، وأَقرُّوا بالعَجْزِ عن إِدْرَكِ مَعْرِفَةِ حَقِيْقَةِ هَذَا الشَّأن. اعْتَقَدَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ ومَنْ قَبْلَهُ مِمَّن سَلَفَه (٢) من الأَئمَّةِ أَنَّ إِثْبَاتَ صِفَاتِ البَارِي - سُبْحَانَهُ - إِنَّمَا هُوَ إِثْبَاتُ وُجُوْدٍ، لا إِثْبَات تَحْديد وكَيْفِيَّة (٣) لَهَا حَقِيْقَةٌ في عِلْمِهِ، لَمْ يُطْلِعَ البَارِي سُبْحَانَهُ على كُنْهِ مَعْرِفَتِهَا أَحَدًا من إِنْسٍ ولا جَانٍّ.
следующие страницы →