← Тараджим

Тараджим · id 1520

طبقات الحنابلة - لابن أبي يعلى - ت العثيمين

أبو الحسين ابن أبي يعلى

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

ابن اللَّبَّانِ"، و"إبْطَالُ التَّأوِيْلات لأخْبَارِ الصِّفَاتِ"، و"مُخَتَصرُ إِبْطَالِ التَّأْويْلاتِ"، و"الانْتِصَارُ لِشَيْخنَا أَبِي بَكْرٍ"، و"الكَلامُ في الاستِوَاءِ"، و"الكَلامُ في حُرُوْفِ المُعْجَمِ"، و"القَطْعُ عَلَى خُلُودِ الكُفَّارِ في النَّارِ"، و"أَرْبَعُ مُقدِّمَاتٍ في أُصُول الدِّيَانَاتِ"، و"إِثْبَاتُ إِمَامَة الخُلَفَاءِ الأرْبَعَةِ"، و"تَبْرِئَةُ مُعَاوِيَةَ"، و "الرِّسَالَةُ إلى إِمَامِ الوَقْتِ"، و"جَوَابُ مَسَائِل وَرَدَتْ من الحَرَمِ"، و"جَوَابَات مَسَائِل وردت من تِنِّيْس"، و"جَوَابَاتُ مَسَائِلَ وَرَدَتْ مِنْ مِيَّافَارِقْينَ"، و"جَوَابَاتُ مَسَائِل وَرَدَتْ مِنْ أَصْبَهَان"، و"العُدَّةُ في أُصُوْلِ الفِقْهِ"، و"مختَصَرُ العُدَّةِ"، و"الكِفَايَةُ في أُصُولِ الفِقْهِ"، و"مُختصرُ الكِفَايَة"، و"الأَحْكام السُّلْطَانيَّة"، وَ"فَضَائِلُ أَحْمَد"، و"مختصرٌ في الصِّيَامِ"، و"إيْجَابُ الصِّيَامِ لَيْلَةَ الإغْمَامِ"، و"مُقدِّمةٌ في الأَدَبِ"، و"كتابُ الطِّبِّ"، و"كِتَاب اللِّباسِ"، و"الأمرُ بالمَعْرُوْفِ"، و"شُرُوْطُ أَهْلِ الذِّمَّةِ"، و"التَّوَكُّلُ"، و"ذَمُّ الغِنَاءِ"، و"الاختِلافُ في الذَّبِيْحِ"، و"تَفْضِيْلُ الفَقْرِ عَلَى الغِنَى"، و"فَضْلُ لَيْلَةِ الجُمُعَةِ على لَيْلَةِ القَدْرِ"، و"تَكْذِيْبُ الخَيَابِرَةِ فِيْمَا يَدَّعُوْنَهُ مِنْ إِسْقَاطِ الحُرِّيِّةِ (١) "، و"إِبْطَالُ الحِيَلِ"، و"الفَرْقُ بينَ الآلِ والأَهْلِ"، و"المُجَرَّدُ في المَذْهَبِ"، و"شَرْحُ الخِرَقِيِّ"، و"كتابُ الرِّوَايَتَيْنِ"، و "قطعةٌ من الجَامِع الكَبِيْرِ"، فيها الطَّهارةُ وبعضُ الصَّلاةِ والنِّكَاحُ، والصِّدَاقُ، والخُلْعُ، والوَلِيْمَةُ، والطَّلاقُ، و "الجَامَعُ الصَّغِيْر"، و"شرْحُ المَذْهَبِ"، و"الخِصَالُ والأقْسَام". وفيه يَقُوْلُ بَعْضُهُم:

стр. 1542

قَدْ نَظَرْنَا مُصَنَّفَاتِ الأنَامِ … وسَبَرْنَا شَرِيْعَةَ الإسْلامِ مَا رَأَيْنَا مُصَنَّفًا يَجْمَع (١) العِلْـ … ـمَ مَعَ الاخْتِصَارِ والإفْهَامِ مِثْلَ مَا صَنَّفَ الإمَامُ أَبُو يَعْـ … ـلَى كِتَابِالخِصَالِ والأقْسَامِ ومن مُصَنَّفَاتِهِ "الخِلافُ الكَبِيْرُ"، ومَنْ نَظَرَ في تَصَانِيْفِهِ حَقِيْقَةَ النَّظَرِ عَلِمَ أَنَّ مَا وَرَاءَهُ مَرَامًا ولا مَقَالًا، إلَّا مَا يَدْخُلُ عَلَى البَشَرِ مِنَ التَّقْصِيْرِ عَنِ الكَمَالِ، ويَخْرُجُ بِهِ العَالِمُ عن مَنَازِلِ الأنْبِيَاءِ، ويَتَمَيَّز بِه المُتَأخِّرُ عَنْ مَرَاتِبِ أَهْلِ التَّقَدُّمِ من (٢) العُلَمَاءِ، فَلَقَدْ حَمَلَ النَّاسُ عَنْهُ عِلْمًا وَاسِعًا من حَدِيثِ رَسُوْلِ الله ﷺ ، ومِنَ الأصُوْلِ والفُرُوْعِ، وهُو مُسْتَغْنٍ باشتِهَارِ فَضْلِهِ عن الإطْنَابِ في وَصْفِهِ؛ لأنَّا رَأَيْنَا البُلَغَاء قَدْ وَصَفُوا فَقَصَّرُوا، والعُلَمَاءَ قَدْ مَدَحُوا فَأَكْثَرُوا، وكلٌّ يَطْلُبُ أَمَدَهُ فَيَعْجَزُوْنَ؛ إِذْ كَانَ اللهُ قَد رَزَقَهُ حِفْظَ القُرْآن، والقِرَاءَةَ بالعَشْرِ، والعِلْمَ بالحَلالِ والحَرَامِ، والأحْكَامِ والفَرَائِضِ، وعَلمَ الأُصُوْلِ والفُرُوْع، وَرَزَقَهُ مِنْ شَرَفِ الأخْلاقِ وكَرَمِ الأعْرَاقِ، والمَجْدِ المُؤَثَّلِ، والرَّأْيِ المُحَصَّلِ، والفَضْلِ والفَهْمِ، والإصَابَةِ والعَزِيْمَةِ الصَّافِيَةِ، والمَعْرِفَةِ الشَّافِيَةِ (٣)، والتَّفرُّدِ بكُلِّ فَضِيْلَةٍ، والسُّمُوِّ إِلَى دَرَجَةٍ رَفِيْعَةٍ، من مَحْمُوْدِ الخِصَالِ، والزُّهْدِ والكَمَالِ، مَا يَطُوْلُ شَرْحُهُ، حَتَّى لَمْ يَكُنْ لَهُ شَبِيْهٌ في وَقْتِهِ، ولا نَظِيْرٌ في فَهْمِهِ، ولا

стр. 1543

يُجَارِي في حُكْمِهِ، ولَمْ تَقَعْ أَبْصَارُ أَهْلِ زَمَانِهِ عَلَى مَثْلِهِ؛ لأنَّ طيْنَتَهُ حُرَّةٌ، وعِرْقُهُ كَرِيْمٌ، وغَرْسُه طَيِّبٌ، ومَنْشَؤُهُ مَحْمُوْدٌ، وكَانَتْ أَفْعَالُهُ كأَخْلاقِهِ، وأَخْلاقُهُ كأَعْرَاقِهِ، وأَوَّلُهُ كآخِرِهِ، لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ المُبْهَمِ الغَامِضِ من الأُمُورِ، ولا يَتَلَجْلَجُ اشتِبَاهُ المُشْكِلِ الصَّعْبِ في الصُّدُورِ، ولا يَعْرِفُ الشَّكَّ ولا العَيَّ، ولا الحَصَرَ عندَ مُنَاظَرَةِ المُخَالِفِيْنَ والمُوَافِقِيْنَ، ومُجَادَلَةِ المُتكلِّمِيْنَ، وسَائِرِ الفُقَهَاءِ المُخْتَلِفِيْنَ. وَلقَد كَانَ يَحْضُرُ مَجْلِس أَبِي جَعْفَرٍ السِّمْنَانِيُّ (١) في مَنْزِلهِ، ويحضُرُهُ شُيُوْخُ الفُقَهَاءِ والمُتَكَلِّمِيْنَ المُتَابَيِنْيِنَ في الأُصُوْلِ والفُرُوْعِ. فَتَحْضُرُ صَلاةُ الظُّهْرِ والعَصْرِ، فَيَتَأْخَّرُ الكُلُّ ويأتمُّون (٢) بِصَلاتِهِ. فَلْنَذْكُرِ الآنَ تَبْيِيْنَ مَنْهَجِ السَّلَفِ، وَمَا أُمِرُوا بِأَدَائِهِ إلى الخَلَفِ، وهو الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ الوَالِدُ السَّعِيْدُ - قَدَّسَ اللهُ رَوْحَهُ وأَرْوَاحَهُمْ - لِبَعْضِهِم بمعونةِ اللهِ، ونَجتنب ما ذُم أَهْلِ البِدَعِ بسبَبِهِ، رَاجِيْنَ بذكرِهِ جَزِيْلَ الثَّوَابِ، مُتَوقِّيْنَ الخُرُوْجَ عن الصَّوَابِ، بَعْدَ تَعْرِيْفِكَ مَا عَسَى أَنْ تَلْقَّاهُ من ذوي

стр. 1544

الخِلافِ والعِنَادِ، من الأذَى إِذَا تَحَقَّقُوا مَعْرِفَتَكَ، لِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الفَسَادِ، والمُحِقُّ، مأْمُورٌ بالصَّبرِ لِيَنَال بِهِ جَزِيْلَ الأجْرِ، وقدمناهُ أَوْلًا في نُكْتَتَيْنِ، من أَتْقَنَهُمَا ولَزِمَهُمَا (١) أَدْرَكَ سَعَادَةَ الدَّارَيْنِ، وما نَذْكُرُهُ بَعْدَهُمَا إِنَّمَا نُرِيْدُ بِهِ شَرْحَهُمَا. إِحْدَاهُمَا: تَرْكُ مَا تَرَاهُ، لِمَا أُمِرْتَ بِهِ، مَعَ تَبْيِيْنِ الأَمْرِ المُتَمَسَّكِ بِمُوْجِبِهِ. والثَّانِيَةُ: قِلَّةُ الاكْتِرَاثِ بكثرِ المُبْطِلين وتَهْجِيْنِهِمْ مَا دَرَجَ عليه الوَالِدُ السَّعِيْدُ، والسَّلَفُ الصَّالِحُ الرَّشِيْدُ، مَعَ سَخَاءِ النَّفْسِ عَمَّا قَالُوْهُ من قَبُوْلٍ عندَ أَمْثَالِهِمْ، وَوُصُوْلٍ إلى بَعْضِ آمَالِهِمْ، فَإِذَا أَلْزَمْتَ نَفْسَكَ الأخْذَ بهَاتَيْنِ النُكْتَتَيْنِ عُوِّضْتَ عَمَّا تَرَكْتَ، سُكْونًا إلى مَا عَرَفْتَ، والثِّقَةُ بنَبِيْلِ مَا بِهِ وُعِدْتَ، وهَابَكَ مُخَالِفُكَ، وإِنْ كُنْتَ وَحِيْدًا، وكُنْتَ عندَ الله ، ثُمَّ عِنْدَ صَالِحْي عَبِيْدِهِ حَمِيْدًا. فَلْنَذْكُرُ الآنَ البَيَانُ عن اعتِقَادِ الوَالِدِ السَّعِيْدِ، ومَنْ قَبْلَهُ من السَّلَفِ الحَمِيْدِ، في أَخْبَارِ الصِّفَاتِ، فاعْلَمْ - زَادَنَا اللهُ وإِيَّاكَ عِلْمًا يَنْفَعُنَا اللهُ بِهِ، وجَعَلَنَا مِمَّنْ آثرَ الآيَاتِ الصَّرِيْحَةَ، والأحَادِيْثَ الصَّحِيْحَةَ على آراءِ المُتَكَلِّمِيْنَ، وأَهْوَاءِ المُتَكَلِّفِيْنَ - أَنَّ الَّذي دَرَجَ عليه صَالحُوا السَّلَفِ، وانتَهَجَهُ بعدَهُمْ خِيَارُ الخَلَفِ هو التَّمسُّكُ بكتَابِ اللهِ ، واتباعُ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، ثُمَّ ما رُوِيَ عَن الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللهُ عَلَيْهِم، ثُمَّ عَن التَّابِعِيْن

стр. 1545

والخَالِفِيْنَ لَهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ المُسْلِمِيْن، والإيْمَانُ والتَّصْدِيْقُ بِمَا وَصَفَ اللهُ تعَالَى بِهِ نَفْسَهُ، أَوْ وَصَفَهُ بِهِ رَسُوْلُهُ، مَعَ تَرْكِ البَحْثِ والتَّنْقِيْر، والتَّسْلِيْم لِذلِكَ، من غيْرِ تَعْطيْلٍ، ولا تَشْبهٍ، ولا تَفْسِيْرٍ، ولا تَأْوِيْلٍ، وهي الفرقَةُ النَّاجِيَةُ، والجَمَاعَةُ العَادِلَةُ، والطَّائفةُ المَنْصُوْرَةُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، فَهُمْ أَصْحَابُ الحَدِيْثِ والأثَرِ - والوَالِدُ السَّعِيْدُ تَابِعُهُم - هُم خُلَفَاءُ الرَّسُوْلِ، وورثة حِكَمِهِ (١)، وسَفَرَتُهُ بينَهُ وبينَ أُمَّتِهِ، بِهم يَلْحَقُ التَّالِي، وإِلَيْهِم يَرْجِعُ العَالِي، وهُمُ الَّذِيْنَ نَبَزَهُمْ أَهْلُ البِدَعِ والضَّلالِ، وقَائِلُوا الزُّوْرِ والمُحَالِ، أنَّهُمْ مُشَبِّهَةٌ جُهَّالٌ، ونَسَبُوْهُمْ إلى الحَشْوِ والطَّغَامِ، وأَسَاءُوا فِيْهِمُ الكَلامُ. فاعتَقَدَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ وسَلَفُهُ - قَدَّسَ اللهُ أَرْوَاحَهُمْ، وجَعَلَ ذِكْرَنَا لَهُمْ بَرَكَةً تَعُوْدُ عَلَيْنَا - في جَمِيْعِ مَا وَصَفَ اللهُ تَعَالَى بِهه نَفْسَهُ، أَوْ وَصَفَهُ بِهِ رَسُوْلُهُ ﷺ أن جَمِيْعَ ذلِكَ صِفَاتُ اللهِ تُمَرُّ كَمَا جَاءَتْ، من غيرِ زِيَادَةٍ ولا نُقْصَانٍ، وأَقرُّوا بالعَجْزِ عن إِدْرَكِ مَعْرِفَةِ حَقِيْقَةِ هَذَا الشَّأن. اعْتَقَدَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ ومَنْ قَبْلَهُ مِمَّن سَلَفَه (٢) من الأَئمَّةِ أَنَّ إِثْبَاتَ صِفَاتِ البَارِي - سُبْحَانَهُ - إِنَّمَا هُوَ إِثْبَاتُ وُجُوْدٍ، لا إِثْبَات تَحْديد وكَيْفِيَّة (٣) لَهَا حَقِيْقَةٌ في عِلْمِهِ، لَمْ يُطْلِعَ البَارِي سُبْحَانَهُ على كُنْهِ مَعْرِفَتِهَا أَحَدًا من إِنْسٍ ولا جَانٍّ.

стр. 1546

واعتَقَدُوا أَنَّ الكَلامَ في الصِّفَاتِ [فَرْعٌ الكلامِ في الذَّاتِ، ويُحْتَذَى حَذْوَهُ ومِثَالَهُ، وكَمَا جَاءَ. وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ القِبْلَةِ أَنَّ إِثْبَاتَ البَارِي - سُبْحَانَهُ - إِنَّمَا هو إِثْبَاتُ وُجُوْدٍ، لا إِثْبَاتُ تَحْدِيْدٍ وكَيْفِيَّةٍ، هكَذَا اعْتَقَدَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ ومَنْ قَبْلَهُ مِمَّنْ سَلَفَهُ من الأئمَّةِ أَنَّ إِثْبَاتَ الصِّفَاتِ للبَارِي سُبْحَانَهُ إِنَّمَا هو إِثْبَاتُ وُجُوْدٍ، لا إِثْبَاتُ تَحْدِيد] (١) وكَيْفِيَّةٍ، وأنَّهَا صِفَاتٌ لا تُشْبِهُ صِفَاتَ البَرِيَّةِ، ولا تُدْرَكُ حَقِيْقَةُ عِلْمِهَا بالفِكْرِ والرَّوِيَّةِ. والأصْلُ الَّذي اعتَمَدُهُ في هذَا البَابِ اتباعُ قَوْلِهِ (٢): ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ (٣) وقَالَ تَعَالَى: (٤) ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾. فاعتَقَدُوا أَنَّ البَارِيءَ فردُ الذَّاتِ، مُتَعَدِّدُ الصِّفَات، لا شَبيْهَ لَهُ في ذَاتِهِ، ولا في صِفَاتِهِ، ولا نَظِيْرَ وِلا ثَانٍ، وسَمِعُوا قَوْلَهُ (٥): ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ فآمنُوا بِمَا وَصَفَ اللهُ بِهِ نَفْسَهُ، وبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُوْلُهُ ﷺ ، تَسْلِيْمًا للقُدْرَةِ، وتَصْدِيْقًا للرُّسُلِ، وإِيْمَانًا بالغَيْبِ. واعتَقَدُوا أَنَّ صِفَاتَ البَارِيءَ - سُبْحَانَهُ - مَعْلُوْمَةٌ مِنْ حَيْثُ

стр. 1547

أَعْلَمَ (١) هُو، غَيْبٌ من حَيْثُ انْفَرَدَ واستَأْثَرَ، كَمَا أَنَّ البَارِئَ - سُبْحَانَهُ - مَعْلُوْمٌ من حيثُ هو، مَجْهُوْلٌ مَا هو. واعتَقَدُوا أَنَّ البَارِئَ - سُبْحَانَهُ - اسْتأْثَرَ بِعِلْمِ حَقَائِقِ صِفَتِهِ ومَعَانِيْهَا عَنِ العَالَمِيْنَ، وفَارَقَ بِها سَائِرَ المَوْصُوْفِيْنَ، فَهُمْ بِهَا مُأمِنُوْنَ، وبحقائقها مُوقِنُونَ، وبمعرفة كَيْفِيَّتِهَا جَاهِلُوْنَ، لَا يَجوْزُ عِنْدَهُمْ رَدُّهَا، كَرَدِّ الجَهْمِيَّةِ، ولا حَمْلِهَا على التَّشْبِيْهِ، كَمَا حَمَلَتْهُ المُشَبِّهَةُ الَّذِيْنَ أَثْبَتُوا الكَيْفِيَّةَ، ولا تَأَوَّلُوْهَا عَلَى اللُّغَاتِ والمَجَازَاتِ، كَمَا تأَوَّلَتْهَا الأشْعَرِيَّةُ. فالحَنْبَلِيَّةُ لا يَقُوْلُوْنَ في أَخْبَارِ الصِّفَاتِ بتَعْطِيْلِ المُعَطِّلِيْنَ، ولا بتَشْبِيْهِ المُشَبِّهِيْنَ، ولا بتَأويلِ (٢) المُتَأَوِّلِيْنَ، مَذْهَبُهُمْ حَقٌّ بينَ بَاطِلَيْنِ، وهُدىً بين ضَلالَتِيْن (٣)، إِثْبَاتُ الأسْمَاءِ والصِّفَاتِ، مَعَ نَفْي التَّشْبِيْهِ والأدَوَاتِ، إِذْ لَا مثلَ للخِالِقِ سُبْحَانَهُ فيُشَبَّهُ (٤)، ولا نَظِيْرَ لَهُ فيُجَنَّسُ مِنْهُ، فَنَقُولُ كَمَا سَمِعْنَا، ونَشْهَدُ بِمَا عَلِمْنَا، مِنْ غَيْرِ تَشْبيْهٍ ولا تَجْنِيْسٍ، عَلَى أَنَّهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (٥). وفي ردِّ أخبارِ الصِّفَاتِ، تَكْذِيْبِ النَّقَلَةِ إِبْطَالُ شَرَائِع الدِّيْنِ، من قِبَلَ أَنَّ النَّاقِلِيْنَ إِلَيْنَا عِلْمَ الصَّلاةِ والزَّكَاةِ والحَجِّ وسائرِ أَحْكَامِ الشَّرِيْعَةِ هُمْ

стр. 1548

نَاقِلُوا هَذِهِ الأخْبَارِ، والعَدْلُ مَقبُولُ القَوْلِ فِيْمَا قَالَهُ، ولو تَطَرَّقَ إِلَيْهِم (١) - والعِيَاذُ باللهِ - التَّخَرُّصَ بِشَيْءٍ مِنْهَا لأدَّى ذلِكَ إلى إِبْطَالِ جَمِيْعَ مَا نَقَلُوه. وَقَدْ حَفِظَ اللهُ - سُبْحَانَهُ - الشَّرْعَ عَنْ مِثْلِ هَذَا. وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ (٢) الحَدِيْثِ - والأشْعَرِيَّةُ مِنْهِم - على قَبُولِ هَذِهِ الأحَادِيْثِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَمرَّهَا (٣) عَلَى مَا جَاءَتْ وهم أَصْحَابُ الحَدِيْثِ، ومِنْهُم مَنْ تَأَوَّلَهَا، وهُم الأشْعَرِيَّةُ، وتَأْوِيْلِهِمْ إِيَّاهَا قَبُوْلٌ مِنْهُم لَهَا، إِذْ لَوْ كَانَتْ عندَهم بَاطِلةً لاطَّرَحُوْهَا، كَمَا اطَّرَحُوا سَائرَ الأخْبَارِ البَاطِلَةِ، وقد رُوِيَ عن النَّبِي ﷺ أَنَّه قَالَ (٤): "أُمَّتِي لَا تَجْتَمعُ عَلَى خَطَأٍ ولَا ضَلالَةٍ". ومَا ذَكَرْنَاه من الإيْمَانِ بأَخْبَارِ الصِّفَاتِ من غَيْرِ تَعْطِيْلٍ، ولا تَشْبيْهٍ ولا تَفْسِيْرٍ وَلا تَأْوِيْلٍ هو قولُ السَّلَفِ بَدْءًا وعَوْدًا، وهو الَّذِي ذَكَرَهُ أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ القَادِرُ - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ - في "الرِّسَالَةِ القَادِرِيَّة" قَالَ فِيْهَا: "وَمَا وَصَفَ اللهُ - سُبْحَانَهُ - بِهِ نَفْسَهُ، أَوَ وَصَفَهُ بِهِ رَسُوْلُ الله ﷺ : فهو صِفَاتُ اللهِ علَى حَقِيْقَتِهِ، لَا عَلَى سَبِيْلِ المَجَازِ". وعَلَى هَذَا الاعتِقَادُ جَمَعَ أَمْيِرُ المُؤْمِنِيْنَ القَائِمُ بَأَمْرِ اللهِ - رِضْوَانُ اللهِ عليه - مَنْ حَضَرَهُ مَعَ الوَالِدِ السَّعِيْدِ من عُلَمَاءِ الوَقْتِ، وزَاهِدُهُمْ أَبُو الحَسَنِ القَزْوِيْنِيُّ سنةَ اثْنَتَيْن

стр. 1549

وثَلَاثِيْنَ وأَرْبَعِمَائَةَ، وأَخَذَ خُطُوْطَهُمْ باعتِقَادِهِ. وَقَدْ قَالَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ ﵁ في أَخْبَارِ الصِّفَاتِ: المَذْهَبُ في ذلِكَ قَبُوْلُ هَذِهِ الأحَادِيْثِ علَى مَا جَاءَتْ بِهِ، من غَيْرِ عُدُوْلٍ عَنْهُ إلى تَأْوِيْلٍ يُخَالِفُ ظَاهِرَهَا، مع الاعتِقَادِ بأَنَّ الله سُبْحَانه بخِلافِ كلِّ شَيْءٍ سِوَاهُ، وكلُّ مَا يَقَعُ في الخَوَاطِرِ من حَدٍّ أَوْ تَشْبِيْهٍ، أَوْ تَكْيِيْفٍ، فاللهُ عَن ذلِكَ، واللهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، ولا يُوصَفُ بِصِفَاتِ المَخْلُوقِيْنَ الدَّالَةِ على حَدَثهم، ولا يَجُوزُ عليه مَا يَجُوْزُ عَلَيْهِم من التَّغَيُّرِ من حالٍ إلى حالٍ، ليس بِجِسْمٍ، ولا جَوْهَرٍ، ولا عَرَضٍ، وأَنَّه لَمْ يَزَلْ، ولا يَزَالُ، وأَنَّه الَّذِي لَمْ يُتَصَوَّرْ (١) في الأَوْهَامِ، وَصِفَاتُهُ لَا تُشْبِهُ صِفَاتِ المَخْلُوْقِيْنَ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (٢). وأَمَّا كِتَابُهُ - قَدَّسَ اللهُ رَوْحَهُ - في "إِبْطَالِ التَّأوِيْلاتِ لأخْبَارِ الصِّفَاتِ" فَمَبْنِيٌ على هَذِهِ المُقَدِّمَاتِ، وأَنَّ إِطْلاقَ مَا وَرَدَ بِهِ السَّمْعُ مِنَ الصِّفَاتِ لَا يَقْتَضِي تَشْبيْهَ البَارِي - سْبْحَانَهُ - بالمَخْلُوْقَاتِ. وذَكَرَ - رَحْمَةُ الله عَلَيْهِ - كَلامًا مَعْنَاه أَنَّ التَّشْبِيْهَ إِنَّمَا يَلْزَمُ الحَنْبَلِيَّةَ أَنْ لَوْ وُجِدَ مِنْهُمْ أَحَدُ أَمْرَيْنِ؛ إِمَّا أَنْ يكُونُوا هُم الَّذِيْن ابتَدَأُوا الصِّفَةِ للهِ واختَرَعُوهَا، أَوْ يَكُوْنُوا قَدْ صَرَّحُوا باعتِقَادِ التَّشْبِيْهِ في الأحَادِيْثِ الَّتِي هُمْ نَاقِلُوْهَا، فَأَمَّا أَنْ يكونَ صَاحِبُ الشَّرِيْعَةِ ﷺ هو المُبْتَدِئُ بِهَذِهِ الأحَادِيْثِ، وقَوْلُهُ ﷺ

стр. 1550

حُجَّةٌ يَسْقُطُ بِهَا مَا يُعَارِضُهَا، وهم تَبَعٌ لَهُ، ثُم يَكُون الحَنْبَلِيَّةُ قَدْ صَرَّحُوا بأَنَّهُم يَعتَقِدُوْنَ إِثْبَاتَ الصِّفَات، ونَفْيَ التَّشْبيْهِ، فَكَيْفَ يَجُوْزُ أَنْ يُضَافَ إِلَيْهِمْ مَا يَعتَقِدُون نَفْيَهُ؟. وعَلَى أَنَّه قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الحَنْبَلِيَّةِ إِنَّمَا يَعْتَمِدُوْنَ في أَصْولِ الدِّين على كِتَاب اللهِ ، وسنَّةَ نَبِيِّه ﷺ ، ونَحْنُ نَجِدُ في الكِتَابِ والسُّنَّة (١) ذِكْرُ الصِّفَاتِ، ولا نَجِدُ فِيْهِمَا ذِكْرُ التَّشْبِيْهِ، فَكَيْفَ يَجُوْزُ أَنْ يُضَافَ إِلَيْهِم مَا يَعْتَقِدُوْنَ نَفْيَهُ؟ ومِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَسْلِيْمَ الحَنْبَلِيَّةِ لأخْبَارِ الصِّفَاتِ، من غَيْرِ تَأْوِيْلٍ، ولا حَمْلٍ على مَا يَقْتَضِيْهِ الشَّاهِدُ أَنَّه (٢) لَا يَلزمُهُم في ذلِكَ التَّشْبِيْه إِجْمَاعُ الطَّوائِفِ - مِنْ بَينِ مُوَافِقٍ لِلسُّنَّةِ ومُخَالِفٍ - أَنَّ البَارِئَ سُبْحَانَهُ ذَاتٌ وشَيْءٌ ومَوْجُوْدٌ، ثُمَّ لم يُلزِمنا وإِيَّاهم إِثْبَاتَ جِسْمٍ، ولا جَوْهَرٍ، ولا عَرَضٍ، وإِنْ كَانَ الذَّاتُ في الشَّاهدِ لَا تَنْفَكُّ عن هَذِهِ السِّمَاتِ، وهَكَذَا يَلْزَمُ الحَنْبَلِيَّةُ مَا يَقْتَضِيْهُ العُرْفُ في الشَّاهِدِ في أَخْبَارِ الصِّفَاتِ. يُبَيِّنُ صِحَّةُ هَذَا أَنَّ البَارِئُ - سُبْحَانَهُ - مَوْصُوْفٌ بأنَّه حَيٌّ، عَالِمٌ، قَادِرٌ، مُرِيْدٌ، والخَلْقُ مَوصُوْفُوْنَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ، ولم يَدلَّ الاتفَاق في هَذِهِ التَّسْمية على اتفَاقِ في حَقَائِقَها ومَعَانِيْهَا، هَكَذَا القَوْلُ في أَخْبَارِ الصِّفَاتِ، ولا يَلْزَمُ عِنْدَ تَسْلِيْمِهَا - من غَيْرِ تَأْويْلٍ - إِثْبَات مَا يَقْتَضِيْه الحَدُّ والشَّاهِدُ في مَعَانِيْهَا. وبِهَذَا وَنَظِيْرِهِ اسْتَدَلَّ الوَالِدُ السَّعِيْدُ - رَحْمَةُ الله

стр. 1551

عَلَيْهِ - في كِتَابِهِ "إِبْطَالُ التَّأْوِيْلاتِ لأخْبَارِ الصِّفَاتِ". فَأَمَّا الرَدُّ على المُجَسِّمَةِ لله فيردُّه الوَالِدُ السَّعِيْدُ بكِتَابِ، وذَكَرَهُ أَيْضًا في أَثْنَاء كُتُبِهِ فَقَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى اللهُ جِسْمًا. قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُوْصَفُ اللهُ تَعَالَى بأَكْثَرَ مِمَّا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ. قَالَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ: فَمَن اعتَقَدَ أَنَّ اللهُ سُبْحَانَهُ جِسْمٌ مِنَ الأجْسَامِ، وأَعْطَاهُ حَقِيْقَةِ الجِسْمِ، مِنَ التَّأْلِيْفِ والانتِقَالِ فهوَ كَافِرٌ؛ لأنَّه غيرُ عَارِفٍ باللهِ . لأنَّ الله - سُبْحانه - يَسْتَحِيْلُ وَصْفُهُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ، وإِذَا لمْ يَعْرِفِ الله - سُبْحَانَهُ - وَجَبَ أَنْ يَكونَ كَافِرًا، وهَذَا الكِتَابُ عِدَّةُ أَوْرَاقٍ. واعْلَمْ أَنَّ الله - سُبْحَانَهُ - اصْطَفَى رُسُلًا مِنْ خَلْقِهِ، فَبَعَثَهُم بالدُّعَاءِ إِلَيْهِ، والصَّبْرِ على مَا نَابَهُمْ (١) من جَهَلَةِ خَلْقِهِ، وامتَحَنَهُمْ من المِحَنِ بصُنُوْفٍ من البَلَاءِ، وضُرُوْبٍ من المِحَنِ والَّلأوَاءِ. وكلُّ ذلِكَ تَكْرِيْمًا لَهِمْ غَيْرَ تَذْلِيْلٍ، وتَشْرِيْفًا غَيْرِ تَخْسِيْرٍ ولَا تَقْلِيْلٍ. وَكَانَ من أَرْفَع رُسُلِهِ عِنْدَهُ منزلةً أَشدِّهِم اجتِهَادًا، وأَخذًا في إِمْضَاءِ أَمْرِهِ، مَعَ البَلِيَّةِ بأَهْلِ دَهْرِهِ. قَالَ اللهُ لِنَبيِّهِ ﷺ : (٢) ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٣) وَقَالَ تَعَالَى (٤): ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ

стр. 1552

عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ وقَالَ لَهُ ولأتْبَاعِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ (١): ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ (٢) خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ (٣) وقَالَ : (٤) ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾. فَلَمُ يُخْلِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - أَحَدًا من مُكَرَّمِي رُسُلِهِ وأَنْبِيَائِهِ، ومُقَرَّبِيْ أَصْفِيَائِهِ وأَوْلِيَائِهِ، مِن مِحْنَةٍ في عَاجِلَتِهِ دُوْنَ آجِلَتِهِ، يَسْتَوجِبُ بِصَبْرِهِ عَلَيْهَا مَا أَعَدَّ لَهُ مِنَ الدَّرَجَاتِ الَّتِي قَسَمَ مَصِيرَهُ إِلَيْهَا، وجَعَلَ - سُبْحَانَهُ - عُلَمَاءَ الأُمَمِ المَاضِيْنَ خُلَفَاءَ أَنْبِيَائِهِمْ المُرْسَلِيْنِ، والقُوَّامَ بِمَا جَاءُوا بِهِ مِنَ الدِّين، يُوضِحُوْن (٥) عن أَحْكَامِهِ، ويُحَامُوْنَ عن حُدُوْدِهِ وأَعْلَامِهِ، يَدْفَعُوْنَ عَنْهُ كَيْدَ الشَّيْطَان، ويحرسُونَهُ من التَّرْكِ والنِّسْيَانِ، لا يَصُدُّهُمْ عن التَّمَسُّكِ بالحَقِّ، ولَا يَثْنِيْهِمْ عن التَّعَطُّفِ على الخَلْقِ، سُوءُ مَا بِهِ يُنَالون، تَوَخِّيًا لِثَوَابِ اللهِ سُبْحَانَه (٦) الَّذي يَطْلُبُوْنَ،

стр. 1553

وفيه يَرْغَبُوْنَ. ثُمَّ جَعَلَ سُبْحَانَهُ عُلَمَاءَ هَذِهِ الأمَّةِ أَفْضَلَ عُلَمَاءِ الأمَمِ قَسْمًا، وأَوْفَرَهُمْ مِنَ الخَيْرَاتِ حَظًّا، أَعَدَّ لَهُمُ الكَرَامَاتِ، وقَسَمَ لَهُمُ المَنَازِلَ والدَّرَجَاتِ، مَعَ ابتلائِهِ سُبْحَانه لِمُؤمِنِيْهِم بالمُنَافِقِيْنَ، ولِصَادِقِيْهِمْ بالمُكَذِّبِيْنَ، ولِخِيَارِهِمْ بالأشْرَارِ، ولِصَالِحِيْهِمْ بالفُجَّارِ، وللأمَاثِلِ الرُّفَعَاءِ بِأَوْضَعِ السُّفَهَاءِ، فَلَمْ يَكُنْ يُثْنِيْ العُلَمَاءُ مَا يَلْقَوْنَهُ مِنَ الأذَى عن القِيَامِ بِحُقُوقِ اللهِ تَعَالَى في عِبَادِهِ، وإِظْهَارِ الحَقِّ في بِلادِهِ. وَلَقَدْ كَانَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ - نَضَّرَ اللهُ وَجْهَهُ - مِمَّنْ سُلِكَ بهِ هَذِهِ الطَّرِيْقُ، عندَ مَا ابتُلِيَ بِهِ من أَذِيَّةِ هَذَا الفَرِيْقِ، وقَدْ قَالَ (١) ﷺ : (٢) "طُوْبَى للغُرَبَاءِ، طُوْبَى للغُرَبَاءِ، قِيْلَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، مَنِ الغُرَبَاءُ؟ قَالَ: ناسٌ صَالِحُوْنَ قَلِيْلٌ، بينَ نَاسٍ سُوْءٍ كَثِيْرٍ، مَنْ يُبْغِضُهُم أَكْثَرُ مِمَّن يُطِيْعُهُمْ" رواهُ عبدُ اللهِ بن عُمَرَو (٣). وَمَنْ تَظَاهَرَ بِإِنْكَارِ البِدَعِ فَسَبِيْلُهُ أَنْ يَصْبِرَ على أَذِيَّةِ المُخَالِفِيْنَ، مُحْتَسِبًا عِنْدَ اللهِ ، وقَد رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ (٤) قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ : "المُؤْمنُ مُوَكَّلٌ بِهِ أرْبَعَةٌ؛ مُؤمِنٌ يَحْسُدُهُ، وفَاسِقٌ يُبْغِضُهُ، وكَافِرٌ يُقَاتِلُهُ، وشَيْطَانٌ يَكِيْدُهُ". وَقَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: "مَا كَانَ مُؤْمِنٌ قَطُّ

стр. 1554

فِيْمَا مَضَى، ولَا يَكُوْنُ مُؤْمِنٌ فِيْمَا بَقِيَ، إلَّا إِلَى جَنْبِهِ مُنَافِقٌ يُؤْذِيْهِ". ورَوَى خَبَّابُ بنُ الأرَتِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (١): "أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا الله، فوَاللهِ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِنَ المؤْمِنِيْنَ من قَبْلِكُم ليُوْضَعُ المِنْشَارُ عَلَى رَأْسِهِ، فيُشَقُّ بِنِصْفَيْنِ، وَمَا يَرُدُّهُ عَنْ دِيْنِهِ، فاتَّقُوا الله، فَإن الله فَاتحٌ عَلَيْكُم، وصَانِعٌ لَكُمْ". ورَوَى أَبُو مُوْسَى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنّهُ قَالَ (٢): "لَيْسَ أَحَدٌ أَصْبَرَ على أَذَى يَسْمَعُهُ مِنَ اللهِ، يَدْعُوْنَ لَهُ وَلَدًا، ويَجْعَلُوْنَ لَهُ صَاحِبَةً، وهو يَرْزُقُهُمْ، ويُعَافِيْهِمْ" أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. وإِذَا كَانَ (٣) البَارِي (٤) يَصْبِرُ عَلَى مَا يَقُوْلُ (٥) الجَاحِدُوْنَ والمُشْرِكُوْن، مَعَ قُدْرَتِهِ على إِهْلَاكِهِمْ وإِفْنَائِهِم، ومَنْعِهِمْ مِمَّا يَتَفَوَّهُوْنَ بِهِ، لِمَا سَبَقَ في عَلْمِهِ مِنَ الإمْلاءِ لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا، والأنْبِيَاءُ ﵉ قَدْ صَبَرُوا عَلَى ما أُوْذُوا (٦) بِهِ، والصَّالِحُوْنَ قَد تَأَسَّوا بِهِم في ذلِك، فَالوَاحِدُ مِنَّا - مَعَ عِلْمِهِ بتَقْصِيْرِهِ في كلِّ مَعْنًى - لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْلَقَ لِكَلَمِةٍ تَسُوْءُهُ، وإِذَا كَانَ القِيَامُ بالذَّبِّ عَنْ أَهْلِ الحَقِّ دِيْنًا واحْتِسَابًا، فالصَّبْرُ على مَا يُصِيْبُهُ هو مِنْ تَمَامِ الاحْتِسَابِ، وقَدْ جَاءَ في

стр. 1555

الحَدِيْثِ (١): "إِنَّ الرَّجُلَ لَيُعْطَى كِتَابَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْشُوْرًا، فَيَنْظُرَ فيْهِ حَسَنَاتٌ لَمْ يَعْمَلْهَا، فَيَقُوْلُ: يَا رَبِّ، أَيُّ شَيْءٍ هَذَا؟ فَيَقُول اللهُ : هَذَا بِمَا اغْتَابَكَ النَّاسُ وأَنْتَ لَا تَشْعُرُ". ويُرْوَى عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن مَهْدِيّ أَنَّه قَالَ: "لَوْلا أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ يُعْصَى الله لسَرَّنِي أَنْ لا يَبْقَى في المِصْرِ أَحَدٌ إلَّا اغْتَابَنِي، وأَيُّ شَيْءٍ أَشْهَى مِنْ حَسَنَةٍ يَجدُهَا المَرْءُ في صَحِيْفَتِهِ لَمْ يَعْمَلْهَا". وذُكِرَ (٢) أَنَّ شَقَيْقًا البَلْخِيَّ فَاتَهُ وِرْدٌ (٣) في السَّحَرِ، فَقَالَ لَهُ أَهْلُهُ: فَاتَكَ قِيَامُ اللَّيْلَةِ، فَقَالَ: إِنْ فَاتَ ذلِكَ، فَقَدْ صَلَّى لِي من أَهْلِ بَلْخٍ أَكْثرُ من أَلْفِ نَفْسٍ، قَالَتْ: كَيْفَ؟ قَالَ: بَاتُوا يُصَلُّوْنَ، فَإِذَا أَصْبَحُوا اغتَابُوِنِي. وَعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّه قَالَ: إِنَّكَ إِذَا لَمْ يَنْكَ عَدُوُّكَ إلَّا بِمَا يَثْلُمُ بِهِ دِيْنَكَ فَبِنَفْسِكَ بَدَأَتَ (٤). وقَالَ بِشْرُ بنُ الحَارِثِ: لَا تَعْبَأْ بِكَلامِ مَنْ تَكَلَّمَ فِيْكَ إلَّا أَنْ يَكُوْنَ تَقِيًّا، والتَّقِيُّ لَا يَقُوْلُ مَا (٥) يَعْرِف، فكَيْفَ مَا لَا يَعْرِفُ؛ وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءِ بن أبِي مَيْمُوْنَة (٦) أَنَّه اجتَازَ بخَشَبَةِ سَعِيْدِ بن جُبَيْرٍ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ

стр. 1556

إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: يَا رَبِّ حِلْمُكَ عن الظَّالِمِيْنَ فَتَّتَ قُلُوْبَ المُظْلُوْمِيْنَ. قَالَ: فَغَشِيَهُ الكَرَى، فَرَى كَأَنَّ سَعِيْدَ بنَ جُبَيْرٍ في الجَنَّةِ، والحُوْرُ حَوْلَهُ، وكَأَنَّ قَائِلًا يَقُوْلُ لَهُ: يَا عَطَاءُ، حَلِمْنَا عَنِ الظَّالِمِيْنَ أَوْرَثَ المَظْلُوْمِيْنَ هَذَا المُقَامَ، أَوْ كَمَا قَالَ. ومَا ذَكَرْتُهُ مِنْ أَوْصَافِ الوَالِدِ السَّعِيْدِ فهو كالإشَارَةِ إلى مَا وَرَاءَهُ، وأَرْجُو أَنْ لَا يَكُوْنَ ذلِكَ على سَبيْلِ التَّمَادُحِ، لكِنَّه على سَبِيْلِ الأمْرِ بالمَعْرُوْفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، والردِّ عن أَعْرَاضِ عُلَمَاء المُسْلِمِيْنَ، وحِمَايَةِ المُؤْمِنِيْنَ مِنَ المُنَافِقِيْن، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ : "مَنْ اغْتِيْبَ عِنْدَهُ أخُوْهُ المُسْلِمُ فَلَمْ يَنْصُرْهُ - وَهْوَ يَسْتَطِيْعُ نَصْرَهُ - أَذَّلَهُ اللهِ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ" (١). ورَوَى أَنَسُ بنُ مَالِكٍ (٢)، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ : (٣) "مَنْ حَمَى عِرْضَ أخِيْهِ في الدُّنْيَا بَعَثَ اللهُ مَلَكًا يَحْمِي لَحْمَهُ عَنِ النَّارِ". وَقَالَ ﵊: (٤) "مَا مِنْ مُسْلِمٍ - يَعْنِي - يَخْذُلُ امرءًا

стр. 1557

مُسْلِمًا في مَوْطِنٍ يُنْتَهَكُ فيه عِرْضُهُ إلَّا خَذَلَهُ اللهُ في مَوْطِنٍ يُحِبُّ نُصْرَتَهُ، ومَا مِنْ مُسْلِمٍ يَنْصُرُ امرءًا مُسْلِمًا في مَوْطِنٍ يُنْتَقَصُ فيه عِرْضُهُ وتُنْتَهَكَ فيه من (١) حُرْمَتِهِ إلَّا نَصَرَهُ اللهُ في مَوْطِنٍ يُحِبُّ فيه نُصْرَتَهُ". وقَالَ ﵇ (٢): "لَمَقَامُ أَحَدِكُمْ في الدُّنْيَا يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةِ حَقٍّ يَرُدُّ بِهَا بَاطِلًا، أَو يُحِقُّ بِهَا حَقًّا أفْضَلُ من هِجْرَةٍ مَعِي". وقَالَ ﵇ (٣): "لأنْ يَهْدِيَ اللهُ بِهُدَاكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ". وَقَالَ المَرُّوْذِيُّ: قُلْتُ لأبِي عَبْدِ الله - يَعْنِي إِمَامِنَا أَحْمَدَ - تَرَى للرَّجُلِ أَنْ يَشْتَغِلَ بالصَّوْمِ والصَّلاةِ، ويَسْكُتُ عَنِ الكَلامِ في أَهْلِ البِدَعِ؟ فَكَلَحَ وَجْهُهُ، وقَالَ: إِذَا هُوَ صَامَ وَصَلَّى واعتَزَلَ النَّاسَ، أَلَيْسَ إِنَّمَا هُوَ لِنَفْسِهِ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَإِذَا تَكَلَّمَ كَانَ لَهُ ولِغَيْرِهِ، يَتَكَلَّمُ أَفْضَلُ. فَلْنَذْكُرُ الآنَ وَفَاةَ الوَالِدِ السَّعِيْدِ: تُوفِّيَ لَيْلَةَ الاثْنَيْنِ، بينَ العِشَاءَيْنِ تَاسِعَةَ عَشَرَ رَمَضَانَ من سَنَةَ ثَمَانٍ وخَمْسِيْنَ وأَرْبَعَمَائَةَ. وصَلَّى عَلَيْهِ أَخِي أَبُو القَاسِمِ يَومَ الاثْنَيْنِ بِجَامِعَ المَنْصُوْرِ. وَقِيْلَ: إِنَّه لَم يُرَ في جَنَازَةٍ - بَعْدَ جَنَازَةِ أَبِي الحَسَنِ القَزْوِيْنيُّ الزَّاهِدُ - الجَمْعَ الَّذي حَضَرَ جَنَازَتَهُ. فَلَمَّا أَصْحَرَ المُشَيِّعُوْنَ لِجَنَازَتِهِ إِلَى حُفْرَتِهِ بِمَقْبَرَةِ إِمَامِنَا أَحْمَدَ، لَحِقَهُمْ الحَرُّ

стр. 1558

الشَّدِيْدُ، فَأَفْطَرَ جَمَاعَةٌ لَمْ يَسْمَحُوا بالرُّجُوْعِ، وَكَانَ قَد حَضَرَهُ عَالَمٌ كَثِيْرٌ جِدًا يَفُوْتُ الإحْصَاءَ. وَقَدْ رَوَى أَنَسٌ (١) قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ : (٢) "مَا مِنْ رَجُلٍ يَمُوْتُ، فَتُصَلِّي عليه أمةٌ مِنَ النَّاسِ يَبْلُغُوْنَ المَائَةَ فَيَشْفَعُوْنَ فِيْهِ إلَّا شُفِّعُوا". ورَوَى أَبُو أُمَامَةَ (٣) قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ (٤): "المِقَةُ مِنَ اللهِ ، والصِّيْتُ في السَّمَاءِ، فَإِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدًا قَالَ: يَا جِبْرِيْلُ، إنَّ رَبَّكَ يُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبَّهُ، فَيُنَادِي جِبْرِيْلُ ﵇ (٥)، فَيَنْزِلُ لَهُ المِقَةُ عَلَى الأرْضِ". فَلَقَدْ انتَقَضَ السُّؤْدَدُ بِمُصَابِهِ، انثَلَمَ المَذْهَبُ بِذَهَابِهِ، فهو كَمَا قِيْلَ: اليَوْمَ مَاتَ نِظَامُ الفَهْمِ واللَّسَنِ … وَمَاتَ مَنْ كَانَ يُعْدِيْنِي عَلَى الزَّمَنِ وَأَظْلَمَتْ سُبُلُ الآدَابِ إِذْ حُجِبَتْ … شَمْسُ المَكَارِم في غَيْمٍ مِنَ الكَفَنِ وَكَمَا قِيْلَ: وَلَيْسَ نَسِيْمَ المِسْكِ رَشْحُ حَنُوْطِهِ … ولَكِنَّهُ ذَاكَ الثَّنَاءُ المُخَلَّفُ ولَيْسَ صَرِيْرَ النَّعْشِ مَا تَسْمَعُوْنَهُ … ولكِنَّهَا أَصْلابُ قَوْمٍ تَقَصَّفُ وَكَمَا قِيْلَ: لَا أُمَّ لِلْمَوْتِ (٦) كَمْ يُبْلِي بِجِدَّتِهِ … في كُلِّ يَوْمٍ حَكِيْمًا مَالَهُ خَلَفُ

стр. 1559

أَصَابَ قَصْدًا هِلَالًا في تَكَامُلِهِ … وبَحْرَ مَنْطِقِهِ مَا لَيْسَ يُغْتَرَفُ لَمْ يَبْلِهِ الدَّهْرُ، مَا دَامَتْ بَدَائِعُهُ … تُطْوى عَلَى جَمْعِهَا الأحْشَاءُ والصُّحُفُ ومَنَحَ نَظَرَ في تَصْنِيْفِهِ - قَدَّسَ اللهُ رَوْحَهُ - مِمَّن لَهُ فَهْمٌ وتَيَقُّنٍ، وعِلْمٍ وتَدَيُّنٍ: عَلِمَ أَنَّه يَعْجَزُ عَنْهُ مَنْ يَرُوْمُ تَصْنِيْفَ مِثْلِهِ، ويُفْضَحُ فيه مَنْ يَتَعَاطَى حَذوَ قَوْلِهِ، إِذْ كَلَامُهُ السِّحْرُ الحَلالُ، والعذْبُ الزُّلالُ، والسَّهْلُ المُمْتَنِعُ، والقَرِيْبُ المُسْتَصْعَبُ؛ إِذْ هُوَ نَسِيْجُ وَحْدِهِ زُهْدًا وأَدَبًا، ورِوَايَةً وأَرَبًا، وفَرِيْدُ عَصْرِهِ سُؤْدَدًا ونُبْلًا، وفِقْهًا وجَدَلًا، فهوَ كَمَا قِيْلَ: مَاتَ البَدِيْعُ، وغَارَتْ دُرَّةُ الفَطِنِ … واسْتَدْرَجَ المَوْتُ بَحْرَ الفَضْلِ في كَفَنِ لِلَّهِ دُرُّ المَنَايَا مَا صَنَعْنَ بِهِ … ومَا تَضَمَّنَتِ الأكْفَانُ مِنْ بَدَنِ وَكَمَا قِيْلَ: تَقَضَّتْ بَشَاشَاتُ المَجَالِسِ بَعْدَهُ … وَوَدَّعَنَا إِذْ وَدَّعَ الأُنْسُ والعِلْمُ وَقَدْ كَانَ نَجْمَ العِلْمِ فِيْنَا حَيَاتَهُ … فَلَمَّا انْقَضَتْ أَيَّامُهُ أَفَلَ النَّجْمُ وَكَمَا قِيْلَ: عِشْ مَا بَدَا لَكَ في الدُّنْيَا فَلَسْتَ تَرَى … في النَّاسِ مِنْهُ ولَا مِنْ عِلْمِهِ خَلَفَا وقَالَ تَلْمِيْذُهُ عليُّ بنُ أَخِي نَصْرٍ (١)، يَرْثِيْهِ: أَسَفٌ دَائِمٌ وحُزْنٌ مُقِيْمُ … لِمُصَابٍ به الهُدَى مَهْدُوْمُ مَاتَ نَجْلُ الفَرَّاءِ أَمْ رُجَّتِ الأرْ … ضُ أَمْ البَدْرُ كَاسِفُ والنُّجُوْمُ لَهْفَ نَفْسِي عَلَى إِمَامٍ حَوَى الفَضْـ … ـلَ هْوَ بالمُشْكِلاتِ عَلِيْمُ

стр. 1560

خُلُقٌ طَاهِرٌ وَوَجْهٌ مُنِيْرٌ … وَطَرِيْقٌ إِلَى الهُدَى مُسْتَقِيْمُ كَانَ لِلدِّيْنِ عُدَّةً وَلأَهْلِ الدِّيـ … ـنِ (١) في النَّائِبَاتِ خِلٌّ حَمِيْمُ مَنْ يَكُنْ لِلدُّرُوْسِ (٢) بَعْدَكَ أَمْ مَنْ … لِجِدَالِ المُخَالِفِيْنَ يَقُوْمُ مَنْ لِفِهْمِ الحَدِيْثِ والطُرْقِ يَسْـ … ـتَوْضِحُ مِنْهُ صحِيْحُهُ والسَّقِيْمُ مَنْ لِفَصْلِ القَضَاءِ إِنْ أَشْكَلَ الحُكْـ … ـمُ وضجَّتْ بالنَّازِلاتِ الخُصُوْمُ دَرَسَتْ بَعْدَكَ المَدَارِسُ فَالعِلْـ … ـمُ طَرِيْدٌ وَحَبْلُهُ مَصْرُوْمُ هَكَذَا يَذْهَبُ الزَّمَانُ ويَفْنَى الْـ … ـعِلْمُ فِيْهِ ويُجْهَلُ المَعْلُوْمُ إِنَّ قَبْرًا حَوَاكَ يَا أَيُّهَا الطَّوْ … دُ عَجِيْبٌ رَحْبُ الفَنَاءِ عَظِيْمُ إِنْ يَكُنْ شَخْصُهُ مَحَتْهُ يَدُ الدَّهـ … ـرِ فَذِكْرَاهُ في الدُّهُوْرِ مُقِيْمُ فَنُحَيَّا بِذِكْرِهِ كَلَّ وَقْتٍ … وَمَحَيَّاهُ فِي التُّرَابِ رَمِيْمُ آمِرِى بالسُّلُوِّ، مَهْلًا، فَفِي القَلْـ … ـبِ غَرَامٌ مُبَرَّحٌ مَا يَرِيْمُ كُلَّمَا رُمْتُ سَلَوْةً هَيَّجَ الحُزْ … نَ صَنِيْعٌ لَهُ وفِعْلٌ كَرِيْمُ غَيْرَ أَنَّ القَضَاءَ جَارٍ عَلَى الخَلْـ … ـقِ قَضَاءً مِنْ رَبِّهِمْ مَحْتُوْمُ فَعَلَى الشَّامِتِيْنَ خِزْيٌ مُقِيْمٌ … وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ والتَّسْلِيْمُ فَلْنَذْكُرُ الآنَ مَا رَآهُ (٣) الصَّالِحُوْنَ في المَنَامِ للوَالِد السَّعِيْدِ من الحِبَاءِ

стр. 1561

والإكْرَامِ، قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ (١): "ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ فَلَا نُبُوَّةَ بَعْدِي، وَبقَيَتِ المُبَشِّرَاتُ. [قَالُوا: وَمَا المُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ] (٢): رُؤْيَا المُسْلِمِ الحَسَنَةُ، يَرَاهَا المُسْلِمُ، أَوْ تُرَى لَهُ" رَوَاهُ حُذَيْفَةُ، وسَأَلَ عُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ ﵁ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى (٣): ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ قَالَ: "هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا المُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ". ورَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُوْلَ الله ﷺ قَالَ: (٤) "مَنْ رَآنِي في المَنَامِ فَقَدْ رَآنِي في اليَقَظَةِ، إِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي". سَمِعْتُ سُعُوْدًا الحَبَشِيَّ الصُّوْفِيَّ (٥) يَقُوْلُ: لَمْ أُدْرِكِ الصَّلَاةَ على القَاضِي الإمَام أَبِي يَعْلَى بن الفَرَّاءِ ﵀ (٦) فَبَقِيْتُ ضَيِّقَ الصَّدْرِ، فَلَمَّا كَانَ أَوَّلُ جُمْعَةٍ أَتَتْ عَلَى مَوْتِهِ وأَنَا مُصْعِدٌ في الدِّجْلَةِ، قُرْبَ الزَّاهِرِ، إِذَا رَجُلٌ (٧) شَيْخٌ هُنَاكَ عليه آثارُ النُّسكِ، فَقَالَ لِي: السَّلامُ عَلَيْكَ، ثُمَّ قَالَ: أَنْتَ سُعُوْدٌ مَوْلَى ابن يُوْسُفَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: إِنْ أُلْقِيَ إِلَيْكَ شَيْءٌ تُلْقِيَه

стр. 1562

إلى صَاحِبِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: رَأَيْتَ البَارِحَةَ - وَهِيَ لَيْلَةُ الجُمُعَةِ - كَأَنِّي بائِتٌ في رِبَاط الزَّوْزَنِيِّ (١)، مُقَابِلُ جَامَعِ المَنْصُوْرِ. وقَدْ أَقْبَلَ عَشَرَةُ أَنْفُسٍ

стр. 1563

من نَحْوِ بَابِ الشَّامِ، يَقْدُمِهم شَخْصٌ لَمْ أَرَ كَهَيْئَتِهِ، ونُورِهِ. فَقُلْتُ: مَا الَّذِي جَاءَ بِهِ ﷺ وبِكُمْ؟ فَقَالَ: سَلْ نَبِيُّكَ. فَقُلْتُ لأحدهم: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: هَذَا النَّبِيُّ ﷺ ونحن العَشَرَةُ، فقلتُ: يَا رَسُوْلَ الله، أَنْتَ بالمَدِينَةِ، فَمَا الَّذِي جَاءَ بِكَ؟ فَقَالَ: جِئَتُ وأَصْحَابِي صَلَّيْتُ عَلَى أَبِي يَعْلَى بن الفَرَّاءِ. فَقُلْتُ لَهُ: مَنْ أَقُوْلُ لِصَاحِبِي الَّذي رَأَى هَذِهِ الرُّؤْيَا؟ فَقَالَ: مَا عَلَيْكَ، هَذَا لَفْظُهُ، أَوْ كَمَا قَالَ (١). وسَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ العُلَبِيِّ (٢) الزَّاهِدَ يَقُوْلُ: رَأَيْتُ القَاضِيَ أَبَا يَعْلَى ﵀ (٣) بَعْدَ وَفَاتِهِ، في الشَّهْرِ الَّذي تُوفِّيَ فِيْه، في إِحْدَى لَيَالي القَدْرِ،

стр. 1564

وقَد ازْدَادَ حُسْنًا إلى حُسْنِهِ ونُورًا إلى نُوْرِهِ، وكَأَنَّه مَيْتٌ، وهو مُلْقًى علي ظَهْرِهِ، فَقُلْتُ: مَا أَحْسَنَ مَا قَدْ صَارَ القِاضِي وَقَدْ جَاءُوْهُ بِمَاءِ، أَوْ مَاءِ وَرْدٍ، فَأَخَذَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ، فَأَمَرَّهَا عليَّ الجَانِبِ الآخرِ، وأَخَذَ بيدِهِ الأخْرَى فَأَمَرَّهَا علي الجانِبِ الآخرِ، فَعَجِبْتُ مِنْ ذلِكَ، ثُمَّ جَاؤُوهُ بكَفَنٍ من حَرِيْرٍ، لَمْ أَرَ (١) مثلَ حُسْنِهِ، فأُدْرِجَ فيه، وحُفِرَ لَهُ بِرْكَةٌ عَرْضُهَا شِبْهُ عَرْضِ بَارِيَتَيْنِ (٢)، ودُفِنَ في تِلِكَ البِرْكَةِ، وخَلْقٌ عَظِيْمٌ علي رَأَسْ تِلْكَ البِرْكَةِ، فَنَظَرْتُ إِذَا بالقُرْبِ من تِلْكَ البِرْكَةِ سَبَائِكُ، وَعَلَيْهِ نَعْشٌ، وعلى النَّعْشِ مَيِّتٌ مُكَفَّنٌ بكَفَنٍ أَبْيَضَ لم أَرَ مِثْلَ (٣) بَيَاضِه. فَعَرَفْتُ من ذلِكَ الخَلْق صَاحِبًا للقَاضِي أَبِي يَعْلَى أَعْجَمِيًّا، يُدْعَى بأَبِي حَكِيْمٍ، فَقُلْتُ لَهُ: مَنْ هَذَا الَّذِي علي النَّعْشِ علي السَّبَائِكِ؛ فَقَالَ: القَاضِي أَبُو يَعْلَى. فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا حَكِيْمٍ، أَلَيْسَ قَدْ دُفِنَ القَاضِي في هَذِهِ البَرْكَةِ؟ فَقَالَ: ذَاكَ المَدْفُوْنُ في البِرْكَة يَزُوْرُهُ الخَلْقُ، وهَذَا رَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا، أَوْ كَمَا قَالَ. وسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ موَاهِبٍ (٤) يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الحَسَنِ بنَ جَدَّا (٥) يَقُوْلُ: كُنْتُ نَائِمًا في دَارِي لَيْلَةَ مَاتَ القَاضِي أَبُو يَعْلَى. فَهَتَفَ بي هَاتِفٌ، وَقَالَ (٦):

стр. 1565

مَا العَيْشُ بَعْدَكَ مُسْتَطَابُ … هَيْهَاتَ أَنْ يُغْشَى لِمِثْلِكَ بَابُ فانْتَبَهْتُ، فَلَمَّا أَسْفَرَ الفَجْرُ سَمِعْتُ مُنَادِيًا يُنَادِي: مَنْ أَرَادَ الصَّلَاةَ على القَاضِي الإمَامِ أَبِي يَعْلَى، فَعَلَمْتُ أَنَّ الهَاتِفَ والبَيْتَ الشِّعْرَ لأجْلِهِ. قَالَ ابنُ جَدَّا: سَأَلْتُ الله تَعَالَى بَعْدَ مَوْتِ القَاضِي الإمَامِ أَبِي يَعْلَى أَنْ أَرَاهُ في النَّوْم، فَرَأَيْتُهُ، فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ اللهُ بِكَ؟ فَقَالَ لِي: يَا أَبَا الحَسَن (١)، وحَقِّكَ (٢) لَقَدْ هُدِيْنَا لأمْرٍ عَظِيْمٍ. قَالَ ابنُ جَدَّا: وَسَأَلْتُ اللهُ تَعَالَى أَنْ أَرَى القَاضِي أَبَا يَعْلَى في النَّوْمِ دفعةً أُخْرَى، فَرَأيْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي، كيفَ المَذْهَبُ ثَمَّ؟ فَقَالَ لِي: يَا أَبَا الحَسَنِ، المَذْهَبُ بَيْنَنَا وبَيْنَ جهَنَّم سَدٌّ من حَدِيْدٍ. قُلْتُ أَنَا: وَقَالَ ابنُ سِيْرِيْنَ: "مَا حَدَّثَكَ المَيِّتُ بِشَيْءٍ في النَّوْمِ، فهو حَقٌّ؛ لأنَّه في دَارِ حَقٍّ". وسَمِعْتُ بَعْضَ أَصْحَابِنَا يَقُوْلُ: رَأَيْتُ ابنَ بُكَيْرٍ العُكْبَرِيَّ (٣) في النَّوْمِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَقُلْتُ لَهُ: مَا فَعَلَ اللهُ بِكَ؟ فَقَالَ: أَنَا عندَ القَاضِي أَبِي يَعْلَى. فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ عِلِمْتُ أَنَّك قَرِيْبٌ من تُرْبَتِهِ، فَقَالَ: أَنَا عِندَهُ في الجَنَّةِ، أَوْ كَمَا قَالِ.

стр. 1566

وسَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ عَلِيٍّ الحَنْبَلِيَّ (١) يَقُولُ: حَكَى لِي سَعِيْدُ بنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ بَعْضِ شُيُوْخِي، فَدَخَلَ بعضُ أَصْحَابِي فَقَالَ: رَأَيْتُ كَأَنِّي في جَامِعِ بَاكِرما، وهي قريةٌ على نَهْرِ ملك (٢)، وجَمْعٌ مُجْتَمِعٌ، فَدَخَلْتُ إلى الجَامِعِ، فَرَأَيْتُ ثَلاثَةَ أَشْخُاصٍ على المِنْبَرِ، فَقُلْتُ لبَعضِ مَنْ كَانَ بقُربي: مَنْ هَؤلاءِ؛ فَقَالَ لِي: هَذَا النَّبِيُّ ﷺ وأَبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُوْلَ الله، بِمَنْ الاقتِدَاءُ؟ فَأَوْمَأَ إلى شَيْخٍ قَاعِدٍ على المِرْقَاةِ التَّحْتَانِيَّةِ من المِنْبَرِ، فَقُلْتُ لِمَنْ كَانَ بقُرْبِي: مَنْ هَذَا الشَّيْخُ؟ فَقَالَ لِي: هَذَا أَبُو يَعْلَى بنُ الفَرَّاءِ، أَوْ كَمَا قَالَ. قَالَ: وقَرَأْتُ بخطِّ شَيْخِنَا الشَّرِيْفِ أَبِي جَعْفْرٍ (٣) قَالَ: رَأَيْتُ شَيْخَنَا - يَعْنِي الوَالِدَ السَّعِيْدَ - في المَنَامِ، وهو في أَحْسَنِ صُوْرَةٍ رَأَيْتُهُ في دَارِ الدُّنْيَا وكَأَنَّه شَابٌّ في لِحْيَتِهِ طَاقَاتُ بَيَاضٍ يَسِيْرَة جَدًّا، وهو بمَسْجدِهِ بِبابِ الشَّعِيْرِ، فَتَقَدَّمْتُ لأُسَلِّمَ عَلَيْهِ. فَقَالَ (٤): ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾.

стр. 1567

وَكَتَبَ إِلِيَّ عَلِيُّ بنُ محمَّد بن المُسَبِّحِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: أُرِيْتُ في مَنَامِي كأَنَّ قَائِلًا يقولُ لِي: مَاتَ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ أَحْمَدُ بنْ حَنْبَلٍ فَارِثِهِ، فانَتَبَهْتُ مَرْعُوْبًا، وقُلْتُ: لَعَلَّهُ بِدْعَةٌ تَظْهَرُ، وسُنَّةٌ تَمُوْتُ، فَوَاللهِ مَا كَانَ إلَّا أَيَّامٌ قَلائِلُ، فَوَصَلَتْنِي مُكَاتَبَةُ القَاضِي أَبِي عَلِيٍّ يَعْقُوْبَ ﵀ (١) بوفَاةِ الإمَامِ أَبِي يَعْلَى ﵁ (٢) في اللَّيْلَةِ التي رَأَيْتُ فِيْهَا المَنَامَ، قَالَ: وَذَكَرْتُ قَوْلَ القَائِلِ "إرثِهِ" فَقُلْتُ مَا لَمْ أَرْضَهُ. ومَازَلْتُ. حتَّى قُلْتُ هَذِهِ الأبْيَاتِ: مَاتَ السَّدَى والنَّدَىَ والمَجْدُ والكَرَمُ … والعَالِمُ اليَقِظُ المُسْتَبِصِرُ العَلَمُ مَاتَ الإمَامُ أَبُو يَعْلَى الَّذِي نُدِبَتْ … لِفَقْدِهِ الكَعْبَةُ الغَرَّاءُ والحَرَمُ يَا أَيُّهَا العَالِمُ الحَبْرُ الَّذِيْ كَسَفَتْ … شَمْسُ الهُدَى بَعْدَهُ بَلْ عَادَهَا الظُّلَمُ لَوْلاكَ مَا كَانَ لِلدُّنْيَا وَسَاكِنِهَا … مَعْنًى ولا عَرَفَتْ طُرْقَ الهُدَى الأُمَمُ (٣) وَلا رُوِي عَنْ رَسُولِ اللهِ مَأْثَرَةٌ … ولَا قَضَي بِصَحِيْحٍ غَيْرَ فِيْكَ فَمُ لَمْ يَبْلُغِ الحَنْبَلِيُّ الحَبْرُ مَرْتَبَةً … إلَّا عَلَى رَأْسِهَا مِنْ جِسْمِكَ القَدَمُ أَوْضحْتَ سُبْلَ الهُدَى مِنْ بَعْدَمَا دَرَسَتْ … عَنِ الوَرَى فَفَدَتْكَ (٤) العُرَبُ والعَجَمُ مَادَتْ بِنَا الأرْضُ وارْتُجَّتْ بِسَاكِنِهَا … لَمَّا قُبِرْتَ وَكَادَ الدِّيْنُ يَنْهَدِمُ فَلْنَذكر الآن شَذْرَةً من آدَابِهِ وَوَرَعِهِ. سَمِعْتُ أَبَا الحَسَنِ النَّهْرِيَّ (٥) قَالَ:

стр. 1568

كُنْتُ في بعضِ الأيَّامِ أَمْشِي مَعَ القَاضِي وَالِدُكَ فالتَفَتُّ، فَقَالَ لِي: لَا تَلْتَفِتُ (١) إِذَا مَشَيْتَ. فَإِنَّه يُنْسَبُ فَاعِلُ ذلِكَ إلى الحُمْقِ. قَالَ النَّهْرِيُّ: وقَالَ لِي وَالِدُكَ يَوْمًا آخرَ، وأَنَا أَمْشِي مَعَهُ: إِذَا مَشَيْتَ مَعَ مَن تُعَظِّمُهُ، أَيْنَ تَمْشِي مِنْهُ؟ فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي، فَقَالَ: عن يَمِيْنِهِ، تُقِيْمُهُ مَقَامَ الإمَامِ في الصَّلَاةِ، وتُخَلِّي له الجَانِبُ الأيْسَرُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَنْثِرَ أَوْ يُزِيْلُ أَذىً جَعَلَهُ في الجَانِبِ الأيْسَرِ. وقَالَ النَّهْرِيُّ أَيْضًا: لمَّا قَدِمَ الوَزِيْرُ ابنُ دَارسْتَ عَبَرْتُ أُبْصِرُهُ، فَفَاتَنِي دَرْسُ ذلِكَ اليَوْمِ، فَلَمَّا حَضَرْتُ قُلْتُ: يَا سَيِّدِنَا تَتفَضَّلُ وتُعِيْدُ لِي الدَّرْسَ؟ فَقَالَ: أَيْنَ كُنْتَ في أَمْسِنَا؟ فَقُلْتُ: مَضَيْتُ أَبْصَرْتُ ابنَ دَارَسْتِ. فأَنْكَرَ عَليَّ ذلِكَ إِنْكَارًا شَدِيْدًا، وقَالَ: وَيْحَكَ، تَمْضِي وتَنْظُرُ إلى الظُّلْمَةِ؟ وعَنَّفَنِي عَلَى ذلِكِ، ورَوَى عَن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قَالَ: "النَّظَرُ إلَى الظَّالِمِيْنَ يُطْفِئُ نُوْرَ الإيْمَانِ" أَوْ كَمَا قَالَ، قَالَ: وَكَانَ يَنْهَانَا دَائِمًا عن مُخَالَطَةِ أَبْنَاءِ الدُّنْيِا والنَّظَرِ إِلَيْهِم، والاجتماعِ بِهُمْ، ويَأُمُرُنَا بالاشتِغَالِ بالعِلْمِ، ومُخَالَطَةِ الصَّالِحِيْنِ. وسَمِعْتُ خَالِي عَبْدَ اللهِ ﵀ (٢) يَقُولُ: حَضَرْتُ مَعَ القَاضِي الإمَامِ وَالِدِكَ في دَارِ رَئِيْسِ الرُّؤسَاءِ (٣)، بعدَ مَجِيء طُغْرُلبك، وقَدْ أَنْفَذَ إِلَيْهِ غَير

стр. 1569

مَرَّةٍ ليَحْضُرَ، فَلَمَّا حَضَرَ رَئِيْسُ الرُّؤسَاءِ، وزَادَ في إِكْرَامِهِ وإِعْظَامِهِ، وأَجْلَسَهُ حَتَّى مَسَّ بَعْضُهُ بَعْضَهُ (١)، بجَنْبِ المخَدَّة وقَالَ لَهُ: مَا سَمِعَهُ أَهْلِ المَجْلِسِ، لَمْ يَزَل بيتُ "المُسْلِمَةِ" (٢) وبيتُ "الفَرَّاءِ" مُمْتَزِجَيْن مُخْتَلطين، فَمَا هذَا الانْقِطَاع؟ فَقَالَ لَهُ القَاضِي الإمامُ: يُروى عن شَيْخِنَا إِبْراهِيْم الحَرْبِيّ: أَنَّه اسْتَزَارَهُ المُعْتَضِدُ، وقَرَّبَهُ وأَجَازَهُ، فردَّ جائِزَتَهُ، فَقَالَ لَهُ: اكتُمْ مَجْلِسَنَا، ولا تُخَبِّرْ بِمَا فَعَلْنَا بِكَ، وبهمَا قَابَلْتَنَا بِهِ، فَقَالَ لَهُ الحَرْبِيُّ: لِي إِخْوَانٌ لَوْ عَلِمُوا باجْتِمَاعِي مَعَكَ هَجَرُوْنِي، فَقَالَ لَهُ رَئِيْسُ الرُّؤَسَاءِ كَلامًا أَسَرُّهُ إِلَيْهِ، ومَدَّ كُمَّهُ إِلَيْهِ، فَتَأَخَّر القَاضِي الإمَامُ عَنْهُ، وسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: أَنَا في كِفَايَةٍ وَدَعَةٍ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا سيِّدنا مَا قَالَ لَكَ؟ قَالَ: قَالَ لِيْ: مَعِي شَيْءٌ من بقيَّةِ ذلِكَ الإرْثِ المُسْتَطَابِ، ولَيْسَ مِمَّا قَدْ تَلَوَّثْنَا بهِ مِنَ الدُّنْيَا، فَأُحِبُّ أَنْ تَأْخُذَهُ، وتَصْرِفَهُ في بَعْضِ حَوَائِجِكَ، فَقُلْتُ لَهُ: أَنَا في كِفَايَةٍ ودَعَةٍ، أَوْ كَمَا قَالَ. وسَمِعْتُ بعضَ أَصْحَابِنَا يَحْكِي أَنَّه لما حَصَّبَ الإمَامُ القائِمُ بالله - رِصوَانُ اللهِ عَلَيْهِ - وعُوْفِيَ: حَضَرَ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُوْرِ بن يُوْسُفَ (٣) عندَ الوَالِدِ السَّعِيْدِ، وقَالَ لَهُ: لَوْ سَهُلَ عَلَيْكَ أنْ تَمْضِيَ إلى بَابِ الغُرْبَةِ (٤) لتُهَنِّيءَ الإمَامَ بالعَافِيَةِ؟ فَمَضَى إِلَى هُنَاكَ فَخَرَجَ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ الوَكِيْلُ، ومَعَهُ

стр. 1570

جَائِزةٌ سنيةٌ، وعَرَّفَهُ شُكرَ الإمَام لِسَعْيِهِ، وتَبَرُّكِهِ بأَدْعِيَتِهِ، ويَسْألهُ قَبُوْلَ ذلِكَ، قَالَ: فوالله مَا مَسَّهَا، ولا قَبِلَهَا، فَرُوْجِعِ فِي ذلِكَ، فَأبَى، أَوْ كَمَا قَالِ. وسَمِعْتُ جَمَاعَةً من أَهْلِي يَحْكُوْنَ أَنَّ في سَنَةِ إِحْدَى وخَمْسِيْن وأَرْبَعِمَائة - لَمَّا وَقَعَ النَّهْبُ بِبَغْدَادَ بالجَانِبِ الغَرْبِيِّ مِنْهَا، وانْتَقَلَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ من دَرْبِ الدَّيزَجِ (١) إلى بَابِ البَصْرَةِ، وكَانَ في دَارِهِ بِدَرْبِ الدَّيزَج خُبْزٌ يَابِسٌ، فَنَقَلَهُ مَعَهُ، وتَرَكَ نَقْلَ رَحْلِهِ لَتَعَذَّرِ مَنْ يَحْمِلُهُ، واختَارَ حَمْلَ الخُبْزِ اليَابِسِ على الرَّحْلِ النَّفِيْسِ، وكَانَ يَقْتَاتُ مِنْهُ ويَبُلُّهُ بالمَاءِ، وقَالَ: هَذِهِ الأطْعِمَةُ اليَوْمَ نُهُوْبٌ وغُصُوبٌ (٢)، ولَا أَطْعم من ذلِكَ شَيْئًا، فَبَقِيَ مَا شَاءَ الله يتَقَوَّتُ من ذلِكَ الخُبْزِ اليَابِس المَبْلُولِ (٣)، ويَتَقلَّلُ من طَعْمِهِ إلى أَنْ نَفِدَ، ولحِقَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ من ذلِكَ الخُبْزِ اليَابِسِ المَبْلُوْلِ مَرَضًا (٤). وَكَانَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ في كلِّ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ يَخْتِم الخَتْمَة في المَسْجِدِ بعدَ صَلَاةِ عِشَاءِ الآخرَةِ، ويَدْعو ويؤمِّنُ الحَاضِرُوْنَ على دُعَائِهِ، مَا أَخَلَّ بِهَذَا سِنينَ عَدِيْدَةٍ إِلَّا لِمَرَضٍ أَوْ لِعُذْرِ مُسْتَفِيْضٍ، سَوَى مَا كَانَ يَخْتِمُه في غَيْرِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ (٥).

стр. 1571

فَهَذَا القَدْر الَّذِي ذَكَرْتُهُ إِشَارَةٌ إِلَى بَعْضِ مَنَاقِبِ الوَالِدِ السَّعِيْدِ. وَلَقَدْ أَجْمَعَ الفُقَهَاءُ، والعُلَمَاءُ، وأَصْحَابُ الحَدِيْثِ والقُرَّاءُ، والأُدَبَاءُ والفُصَحَاءُ، وسَائِرُ النَّاسِ - عَلَى اخْتِلافِهِمْ - على صِحَّةِ رَأَيِهِ، وَوُفُوْرِ عَقْلِهِ وحُسْنِ مُعْتَقَدِهِ، وجَمِيْلِ طَرِيْقَتِهِ، ولُطْفِ نَفْسِهِ، وعُلُوِّ هِمَّتِهِ، وزُهْدِهِ (١)، وَوَرَعِهِ، وتَقَشُّفِهِ، ونَزَاهَتِهِ، وعِفَّتِهِ، وَكَانَ مِمَّنْ جُمِعَتْ لَهُ القُلُوْب، فَإِنَّه رُوِيَ عن محمَّد بن وَاسِعٍ: أِنَّه قَالَ: "إِذَا أَقْبَلَ العَبْدُ بِقَلْبِهِ إلى اللهِ تَعَالَى، أَقْبَلَ إِلَيْهِ بِقُلُوْبِ المُؤْمِنِيْنَ". فَلْنَخْتِم الآن أَخْبَارَ الوَالِدِ السَّعِيْدِ، الَّذِي مَنَّ اللهُ الكَرِيْمُ عَلَيْهِ بعلْمِ الفِقْهِ، وتَعْلِيْمِهِ، وتَدْرِيْسِهِ، وتَصْنِيْفِهِ أَفْضَلِ العُلُوْمِ، وأَجْزَلِهَا للثَّوَابِ المَقْسُوْمِ، وأَوْلاهَا بصرفِ الفَكْرِ إِلَيْهِ، وَوَقْفِ الرَّأْي الصَّائِبِ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّه العُرْوَةُ الوَثْقَى، والمَحَجَّة (٢) المُثْلَى، الدَّالَةُ على طَاعَةِ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ، وأَدَاءِ مُفْتَرَضَاتِهِ، والتَّمْييزُ بِهِ بينَ مُحَرَّمَاتِهِ ومُحَلَّلاتِهِ، والوُقُوْفُ على حُدُوْدِهِ ومَعَالِمِهِ، وشُرُوْطِهِ ومَرَاسِمِهِ. وإِنَّ ربحَهُ الجَنَّةُ، وخُسْرَانَهُ النَّار. رَوَى أَنَسُ بنُ مَالِكٍ (٣) قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ : "العُلَمَاءُ أُمَنَاءُ الرُّسُلِ عَلَى عِبَادِهِ مَا لَمْ يُخَالِطُوا السُّلْطَانَ، ويَدْخُلُوا في الدُّنْيَا، فَإِذَا خَالَطُوا السُّلْطَانَ،

стр. 1572

ودَخَلُوا في الدُّنْيَا فَقَدْ خَانُوا الرُّسُلَ، فاعتَزَلُوْهُم، واحْذَرُوْهُم". ورَوَى ابنُ عَبَّاسٍ (١)، عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّه قَالَ: "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّيْنِ". ورَوَى عَبْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ (٢)، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّه قَالَ: "أَفْضَلُ العِبَادَةِ الفِقْهُ، قَليلَ الفِقْهُ خَيْرٌ من كَثيْرِ العِبَادَةِ". ورَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَن النَّبيِّ ﷺ أَنَّه قَالَ: "مَا عُبِدَ اللهُ بِشَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ فِقْهٍ في دِيْنٍ، ولِفَقِيْهٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ من أَلْفِ عَابِدٍ، ولِكُلِّ شَيْءٍ عِمَادٌ، وعِمَادُ هَذَا الدِّيْنِ الفِقْهُ". وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: "لأنْ أَجْلِسَ سَاعَةً فَأَتَفَقَّهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ [أن] أُحْيِيَ لَيْلَة إلى الغَدَاةِ". ورَوَى عَلِيُّ ﵁ (٣): قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ : "الأنْبِيَاءُ قَادَةٌ، والعُلَمَاءُ سَادَةٌ، ومُجَالَسَتُهُمْ عِبَادَةٌ" (٤). وسُئِلَ عَبْدُ الله بنُ عَبَّاسٍ عَنِ الجِهَادِ؟ فَقَالَ للسَّائِلِ: "أَلا أَدُلُّكَ عَلَى أَفْضَلِ من (٥) الجِهَادِ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: تَبْنِي مَسْجِدًا، وتُعَلِّمُ فِيْهِ القُرْآنَ والفِقْهِ والسُّنَّةَ". قُلْتُ أَنَا: ولِفَضِيْلَةُ الفِقْهِ: دَعَا رَسُوْلُ الله ﷺ لِعَبْدِ الله بن عَبَّاسٍ بالفِقْهِ في الدِّيْنِ، فَقَالَ (٦): "اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ في الدِّيْنِ، وعَلِّمْهُ التَّأْوِيْلِ" فَأَجَابَ اللهُ دُعَاءَ نَبِيِّهِ ﷺ ، فَوَفَّرَ

стр. 1573

فِقْهَهُ وزَكَّاهُ، وثَمَّرَهُ ونَمَّاهُ، وجَعَلَهُ نُوْرًا يُسْتَضَاءُ بِهِ، وحُجَّةً بَاقِيَةً في عَقِبِهِ. فالحَمْدُ للهِ الَّذي أَنْعَمَ عَلَيْنَا بَأَنْ وَفَّقَنَا لاتِبَاعِ الوَالِدِ السَّعِيْدِ (١) في أُصُوْلِهِ وفُرُوْعَهِ، وجَنِّبْنَا مُخَالَفَتَهُ، وجَعَلَنَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ وأَهْلِ مَحَبَّتِهِ، وشَغَلَنَا بعُلُوْمِهِ، ومَا أَتْعَبَ نَفْسَهُ في جَمْعِهِ في لَيْلِهِ ونَهَارِهِ وسَفَرِهِ، وحَضَرَهِ، وشَبَابِهِ وكِبَرِهِ، مِنْ أَتْبَاعِهِ السُّنَنَ الشَّرْعَيَّةَ، والشَّعَائِرِ الدِّيْنِيَّةَ، الفَارِقَة بينَ الأبْرَارِ والفُجَّارِ، والحَاجِزَة بينَ الجَنَّة والنَّارِ، أَنْشَدَني بعضُ أَصْحَابِهِ وتَلامذَتِهِ: مَنْ اقْتَنَى وَسِيْلَةً وذُخْرًا … يَرْجُو بِهَا مَثُوْبَةً وأَجْرَا فَحُجَّتي يَوْمَ أُوَفِي الحَشْرَا … مُعْتَقَدِي لِمَذْهَبِ ابن الفَرَّا قُلْتُ أَنَا: ومُعْتَقَدُنَا ومُعْتَقَدُ الوَالِدُ السَّعِيْدُ، ومَنْ تَقَدَّمَهُ من أَئِمَّتِنَا: مَبْنِيٌّ عَلَى حَرْفَيْنِ: السُّكْوْتُ عَن "لِمَ؟ " في أَفْعَالِهِ ، وعَنْ "كَيْفَ؟ " في أَوْصَافِهِ ﵎. نَسْأَلُ الله الكَرِيْمَ أَنْ يُزَهِّدَنَا فِيْمَا زَهَّدَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ فِيْهِ، فَإِنَّه كَانَ يَذُمُّ الدُّنْيَا، ويَأْمُرُ بالتَّقَلُّلِ مِنْهَا. أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ (٢) بنُ عَلِيٍّ الخَطِيْبُ، حَدَّثَنَا عَبْد الواحد (٣) بن المُهْتَدِي

стр. 1574

بالله، حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بن أَبِي مَعْشَرٍ، أَخْبَرَنَا وَكِيْعٌ، عَنِ المَسْعُوْدِيِّ، عَنْ عَمْرو بنُ مُرَّةَ، عَن إِبْرَاهِيْمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الله (١): أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ (٢): "مَا لِي وللدُّنْيَا؛ إِنَّمَا مَثَلِي ومَثَلُ الدُّنْيَا كَرَاكِبٍ قَالَ في ظِلِّ سَمُرَةٍ (٣) في يَوْمٍ صَائِفٍ، ثُمَّ رَاحَ وتَرَكَهَا". وَرَوَى أَبُو ذَرٍّ (٤) قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ : "مَنْ زَهِدَ في الدُّنْيَا أدْخَلَ اللهُ الحِكْمَةَ قَلْبَهُ، وأَنْطَقَ بِهَا لِسَانَهُ، وبَصَّرَهُ دَاءَ الدُّنْيَا ودَوَاءَهَا، وأخْرَجَهُ مِنْهَا سلِيْمًا إلَى دَارِ السَّلَامِ". ورَوَى أبو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ (٥): "الزُّهْدُ في الدُّنْيَا يُرِيْحُ القَلْبَ والجَسَدَ". ورَوَى أَنَسُ بنُ مَالِكٍ ﵁، أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ (٦): "مَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ طَلَبَ الآخِرَةِ جَعَلَ الله غِنَاهُ في قَلْبِهِ، وجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وأَتَتْهُ الدُّنْيَا وهِيَ رَاغِمَةٌ، ومَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ طَلَبَ الدُّنْيَا، جَعَلَ اللهُ الفَقْرَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وشَتَّتَ عَلَيْهِ أمْرَهُ، ولَا يَأْتِيِهِ مِنْهَا إلَّا مَا كُتِبَ لَهُ".

стр. 1575

ورَوَى أَبُو مُوْسَى (١)، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، الرَّجُلُ يُحِبُّ القَوْمَ، ولَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ؟ قَالَ: "المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ". وَكَانَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ - نَوَّر الله ضرِيْحَهُ - قَدْ اجْتَمَعَ فيه مَا رَوَاهُ ابنُ عَبَّاسٍ. قَالَ (٢): "قِيْلَ: يَا رَسُوْلَ الله، أَيُّ مَجْلِسِنَا خَيْرٌ؟ قَالَ: مَنْ ذَكَّرَكُمْ باللهِ رُؤَيَتَهُ، وزَادَ في عَمَلِكُم مَنْطِقُهُ، وذَكَّرَكُمْ الآخِرَةَ بِعِلْمِهِ". وهَذَا بَعْضُ مَنَاقِبِه وفَضَائِلِهِ، وَمَا هُوَ شَائِعٌ لَهُ بينَ النَّاسِ مِنْ زُهْدِهِ وعِلْمِهِ أَكْثَرُ، فَأَغْنَانَا عَنْ أَنْ نُسَطِّرَهُ، وَلَوْلا أَنَّ أَكْثَرَ مَنْ رَآهُ وعَاصَرَهُ، وحَضَرَ مَجْلِسَهُ وَنَاظَرَهُ، قَدْ دَرَجَ وانْقَرَضَ، لَمَا ذَكَرْنَا هَذِهِ الشَّذَرَاتِ مِنْ مَنَاقِبِهِ، إِذْ كَانَتْ تَتَضَمَّنُ مَدْحَنَا، والإنْسَانُ لَا يَمْدَحُ نَفْسَهُ. ولَعَلَّ نَاظِرًا في هَذَا الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ وسَطَّرْنَاهُ، يَقُوْلُ: كَيْفَ استَجَازَ (٣) مَدْحَ وَالِدِهِ عَلَى لِسَانِهِ، وهو الأصْلُ، ومَدْحُ الأصْلِ مَدْحٌ للفَرْعِ؟ فَنَقُوْلُ (٤): إِنَّمَا حَمَلَنَا عَلَى ذلِكَ كَثْرَةُ قَوْلِ المُخَالِفَيْنَ، ومَا يُلْقَوْنَ إِلَى تَابِعِيْهِمْ مِنْ الزُّوْرِ والبُهْتَانِ، ويَتَخَرَّصُوْنَ عَلَى هَذَا الإمَامِ من التَّحْرِيْفِ والعُدْوَانِ، وكَانَ لَنَا في ذلِكَ رُخْصَةٌ، قَدْ سَبَقَ إِلَيْهَا الأنْبِيَاءُ والأوْلِيَاءُ رِضْوَانُ اللهُ عَلَيْهِم وسَلامُهُ.

стр. 1576

فَقَدْ قِيْلَ: إِذا اضْطُرَّ الإنْسَانُ إِلَى مَدْح نَفْسِهِ فَلَا بَأْسَ بِذلِكَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى (١) في قِصَّة يُوْسُفَ الكَرِيْمِ ابن الكَرِيْمِ ابن الكَرِيْمِ ابن الخَلِيْلِ ﵈: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾ وقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ ﵈ (٢) ولَا فَخْرَ، ولِوَاءُ الحَمْدِ بِيَدْي يَوْمَ القِيَامَةِ ولَا فَخْرَ" [قِيْلَ: في مَعْنَاهُ قَوْلَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: يَعْنِي وَلا فَخْرَ] (٣) أَعْظَمُ مِنْ هَذَا. [وقَالَ ﵇] (٤): "أَنَا أَعْلَمُكُم باللهِ وأَخْشَاكُمْ لَهُ". رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ نَحْوَ هَذَا الكَلامِ مِنَ المَدْحِ للنَّفْسِ في بَعْضِ المَوَاضِعِ الَّتِي احتَاجَ فِيْهَا إِلَى ذلِكَ، فَرُوِيَ أَنَّ أَميرَ المُؤْمِنِيْنَ عُثْمَان بنُ عَفَّانِ ﵁ قَالَ لَهُمْ (٥) - حينَ ادَّعَوا عَلَيْه مَا هُو بَرِيءٌ مِنْهُ - فَقَالَ لَهُمْ عُثْمَانَ: "لَوْلا أَنَّكُمْ قُلْتُمْ لَمَا قُلْتُ، إِنِّي رَابعُ أَرْبَعَةٍ في الإسْلامِ، وزَوَّجَنِي رَسُوْلُ اللهِ ﷺ ابْنَتَيْهِ، وحَفَرْتُ بئرَ رُوْمَةَ (٦)، وجَهَّزْتُ جَيْشَ العُسْرَةِ، وزَدْتُ في المَسْجِدِ، ومَا

стр. 1577

بَغَيْتُ ولَا تَمَنَّيْتُ، ولَا مَسَسْتُ فَرْجِي بِيَمِيْنِي مُنْذُ بَايَعْتُ رَسُوْلَ الله ﷺ ، ولَا زَنَيْتُ في جَاهِلِيَّةٍ ولَا إِسْلَامٍ، ولَا مَرَّتْ بي جُمْعَةٌ إِلَّا وَأَنَا أُعْتِقُ فِيْهَا نَسَمَةٌ، إلَّا أنْ لَا أَجِدَ في تِلْكَ الجُمُعَةِ نَسَمَةً فَأُعْتِقُ في الجُمُعَةِ الأُخْرَى نَسَمَتْيِنِ". وأَخْبَرَنَا الوَالِدُ السَّعِيْدُ - قِرَاءَةً - قَالَ: أَخْبَرَنَا عَليُّ بنُ عُمَرَ الحَرْبِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَامِدُ بنُ بِلَالٍ البُخَارِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ اللهِ البُخَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَحِيْرُ (١) بن النَّضِرِ، حَدَّبرشا غُنْجَار، عن قَيْسِ بن الرَّبِيعْ، عن عَمْرِو بن عُبَيْدِ اللهِ - يَعْنِي أَبَا إِسْحَقَ السَّبِيْعِيّ - عن عَاصِم بن ضَمُرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ الحَسَنَ بنَ عَلِيِّ ﵄ يَقُوْلُ عَلَى هَذَا المِنْبَرِ: "إِنَّ عَلِيًّا لَمْ يَسْبِقْهُ الأوَّلُوْنَ، ولَمْ يُدْرِكْهُ الآخِرُوْنَ، واللهِ مَا تَرَكَ صَفْرَاءَ وَلا بَيْضَاءَ إلَّا سَبْعَمَائِةِ دِرْهَمٍ فَضُلَتْ مِنْ عَطَائِهِ، لِيَبْتَاعَ بِهَا خَادِمًا، واللهِ إِنْ كَانَ رَسُوْلُ الله ﷺ ليَدْفَعَ إِلَيْهِ الرَّايَةَ، فَيُقَاتِلُ عَنْ يَمِيْنِهِ جِبْرِيْلُ، وعَنْ يَسَارِهِ مَيْكَائِيْلُ، فَمَا يَرْجِعُ حَتَّى يُفْتَحَ عَلَيْهِ".

стр. 1578

وأَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ محمَّدُ بنُ أَحْمَدَ المُعَدَّلُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ المُخَلِّصُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الله الطُّوْسِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الزُّبَيْرُ بنُ بَكَّارٍ الزُّبَيْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَن بن مُوْسَى بن عَبْدِ الله، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بنُ القَاسِمِ - مَوْلَى بَنِي هَاشِم - قَالَ (١): "بَلَغَ عَائِشَةُ ﵂: أَنَّ نَاسًا يَتَنَاوَلُوْنَ أَبَا بَكْرٍ (٢) رِضْوَانُ اللهُ عَلَيْه (٤) فَبَعَثْتْ إِلى أَزْفَلَةٍ (٣) مِنْهُمْ. فَلَمَّا حَضَرُوا أَسْدَلَتْ أَسْتَارَهَا، فَحَمَدَتِ اللهِ، وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ، وصَلَّتْ عَلَى نَبِيِّهَا ﷺ ، وعَذَلَتْ وقَرَّعَتْ، ثُمَّ قَالَتْ: أَبِي (٤)، وما أَبِيَهْ؟ أَبِي واللهِ لا تَعْطُوْه الأيْدي (٥)، ذَاكَ طَوْدٌ مُنِيْفٌ، وفَرْعٌ مَدِيْدٌ، هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ كَذَبَتِ الظُّنُوْنُ، أَنْجَحَ واللهِ إِذْ كَذَّبْتُمْ، وسَبَقَ إِذْ وَنَيْتُمْ (سَبْقَ الجَوَادِ إِذَا اسْتَوْلَى على الأَمَدِ) (٦) فَتَى قُرَيْشَ نَاشِئًا، وكَهْفُهَا كَهْلًا، يَفُكُّ عَانِيَهَا، ويَرِيْشُ

стр. 1579

مُمْلِقَهَا (١)، ويَرَأَبُ شَعْبَهَا (٢)، حَتَّى حَلَّتْهُ قُلُوْبَهَا، ثُمَّ استَشْرَى (٣) في دِيْنِهِ، فَمَا بَرِحَتْ شَكِيْمَتُهُ (٤) في ذَاتِ اللهِ حَتَّى اتَّخَذَ بِفِنَائِهِ مَسْجِدًا يُحْيِيْ فِيْهِ مَا أَمَاتَ المُبْطِلُوْنَ، وَكَانَ - رَحْمَة الله عَلَيْهِ - (٥) غَزِيْرَ الدَّمْعَةِ، وقَيْذَ الجَوَانِحِ (٦)، شَجِيَّ النَّشِيْجِ (٧)، فَانْقَصَفَتْ (٨) إِلَيْهِ نِسْوَانُ مَكَّةَ وَوِلْدَانُهَا يَسْخَرُوْنَ مِنْهُ، يَسْتَهْزِئُوْنَ بِهِ ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾ (٩) فَأْكَبَرَتْ ذلِكَ رِجَالاتُ قُرَيْشٍ، فحَنَتْ لَهُ قِسِيَّهَا، وفَوَّقَتْ (١٠) لَهُ سِهَامَهَا، وامتثلُوْهُ (١١) غَرَضًا، فَمَا فَلُّوا لَهُ صَفَاةً، ولَا قَصَفُوا لَهُ قَنَاةً، ومَرَّ عَلَى سِيْسَائِهِ (١٢) حَتَّى ضَرَبَ الدِّيْنُ بِجِرَانِهِ (١٣)،

стр. 1580

وأَلْقَى بِرُكْنِهِ (١) وأَرْسَتْ أَوْتَادَهُ، ودَخَلَ النَّاسُ فيه أَفْوَاجًا، ومِنْ كلِّ فِرْقَةٍ أَشْتَاتًا وأَرْسَالًا، اختَارَ اللهُ لِنَبِيِّه ﷺ ما عِنْدَهُ، فَلَمَّا قَبَضَ اللهُ نَبِيَّهُ نَصَبَ الشَّيْطَانُ رُوَاقَهُ، ومَدَّ طُنُبَهُ، ونَصَبَ حَبَائِلَهُ، وأَجْلَبَ بِخَيْلِهِ ورَجِلِهِ، فَظَنَّتْ رِجَالٌ بأَنْ قَدْ تَحَقَّقَتْ أَطْمَاعُهُمْ - ولاتَ حِيْنَ الَّذِي يَرْجُوْنَ - وأَنَّى والصِّدِّيْقُ بينَ أَظْهُرِهِمْ؟ فَقَامَ حَاسِرًا مُشَمِّرًا، فَجَمَعَ حَاشِيَتَهُ وَرَفَعَ قُطْرَيْهِ (٢)، فَرَدَّ نَشْرَ الإسْلامِ عَلَى غِرَّة (٣)، ولَمَّ شَعْثَهُ بِطَيِّهِ، وأَقَامَ أَؤدَهِ بِثَقَافِهِ (٤)، فامْذَقَرَّ النِّفَاقُ (٥) بِوَطْأَتِهِ، وانتَاشَ (٦) الدِّيْنُ فَنَعَشَهُ، فَلَمَّا أرَاحَ الحَقّ على أَهْلِهِ، وقَرَّرَ الرُّءُوْسَ عَلَى كَوَاهِلِهَا (٧)، وحَقَنَ الدِّمَاءَ في أُهُبِهَا (٨)، أَتَتْهُ مَنِيَّتَهُ، فَسَدَّ ثَلْمَتَهُ بِنَظِيْرِهِ في المَرْحَمَةِ، وشَقِيْقِهِ في السِّيْرَةِ
следующие страницы →