← Тараджим

Тараджим · id 1520

طبقات الحنابلة - لابن أبي يعلى - ت العثيمين

أبو الحسين ابن أبي يعلى

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

فَقَدْ قِيْلَ: إِذا اضْطُرَّ الإنْسَانُ إِلَى مَدْح نَفْسِهِ فَلَا بَأْسَ بِذلِكَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى (١) في قِصَّة يُوْسُفَ الكَرِيْمِ ابن الكَرِيْمِ ابن الكَرِيْمِ ابن الخَلِيْلِ ﵈: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾ وقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ ﵈ (٢) ولَا فَخْرَ، ولِوَاءُ الحَمْدِ بِيَدْي يَوْمَ القِيَامَةِ ولَا فَخْرَ" [قِيْلَ: في مَعْنَاهُ قَوْلَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: يَعْنِي وَلا فَخْرَ] (٣) أَعْظَمُ مِنْ هَذَا. [وقَالَ ﵇] (٤): "أَنَا أَعْلَمُكُم باللهِ وأَخْشَاكُمْ لَهُ". رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ نَحْوَ هَذَا الكَلامِ مِنَ المَدْحِ للنَّفْسِ في بَعْضِ المَوَاضِعِ الَّتِي احتَاجَ فِيْهَا إِلَى ذلِكَ، فَرُوِيَ أَنَّ أَميرَ المُؤْمِنِيْنَ عُثْمَان بنُ عَفَّانِ ﵁ قَالَ لَهُمْ (٥) - حينَ ادَّعَوا عَلَيْه مَا هُو بَرِيءٌ مِنْهُ - فَقَالَ لَهُمْ عُثْمَانَ: "لَوْلا أَنَّكُمْ قُلْتُمْ لَمَا قُلْتُ، إِنِّي رَابعُ أَرْبَعَةٍ في الإسْلامِ، وزَوَّجَنِي رَسُوْلُ اللهِ ﷺ ابْنَتَيْهِ، وحَفَرْتُ بئرَ رُوْمَةَ (٦)، وجَهَّزْتُ جَيْشَ العُسْرَةِ، وزَدْتُ في المَسْجِدِ، ومَا

стр. 1577

بَغَيْتُ ولَا تَمَنَّيْتُ، ولَا مَسَسْتُ فَرْجِي بِيَمِيْنِي مُنْذُ بَايَعْتُ رَسُوْلَ الله ﷺ ، ولَا زَنَيْتُ في جَاهِلِيَّةٍ ولَا إِسْلَامٍ، ولَا مَرَّتْ بي جُمْعَةٌ إِلَّا وَأَنَا أُعْتِقُ فِيْهَا نَسَمَةٌ، إلَّا أنْ لَا أَجِدَ في تِلْكَ الجُمُعَةِ نَسَمَةً فَأُعْتِقُ في الجُمُعَةِ الأُخْرَى نَسَمَتْيِنِ". وأَخْبَرَنَا الوَالِدُ السَّعِيْدُ - قِرَاءَةً - قَالَ: أَخْبَرَنَا عَليُّ بنُ عُمَرَ الحَرْبِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَامِدُ بنُ بِلَالٍ البُخَارِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ اللهِ البُخَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَحِيْرُ (١) بن النَّضِرِ، حَدَّبرشا غُنْجَار، عن قَيْسِ بن الرَّبِيعْ، عن عَمْرِو بن عُبَيْدِ اللهِ - يَعْنِي أَبَا إِسْحَقَ السَّبِيْعِيّ - عن عَاصِم بن ضَمُرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ الحَسَنَ بنَ عَلِيِّ ﵄ يَقُوْلُ عَلَى هَذَا المِنْبَرِ: "إِنَّ عَلِيًّا لَمْ يَسْبِقْهُ الأوَّلُوْنَ، ولَمْ يُدْرِكْهُ الآخِرُوْنَ، واللهِ مَا تَرَكَ صَفْرَاءَ وَلا بَيْضَاءَ إلَّا سَبْعَمَائِةِ دِرْهَمٍ فَضُلَتْ مِنْ عَطَائِهِ، لِيَبْتَاعَ بِهَا خَادِمًا، واللهِ إِنْ كَانَ رَسُوْلُ الله ﷺ ليَدْفَعَ إِلَيْهِ الرَّايَةَ، فَيُقَاتِلُ عَنْ يَمِيْنِهِ جِبْرِيْلُ، وعَنْ يَسَارِهِ مَيْكَائِيْلُ، فَمَا يَرْجِعُ حَتَّى يُفْتَحَ عَلَيْهِ".

стр. 1578

وأَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ محمَّدُ بنُ أَحْمَدَ المُعَدَّلُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ المُخَلِّصُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الله الطُّوْسِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الزُّبَيْرُ بنُ بَكَّارٍ الزُّبَيْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَن بن مُوْسَى بن عَبْدِ الله، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بنُ القَاسِمِ - مَوْلَى بَنِي هَاشِم - قَالَ (١): "بَلَغَ عَائِشَةُ ﵂: أَنَّ نَاسًا يَتَنَاوَلُوْنَ أَبَا بَكْرٍ (٢) رِضْوَانُ اللهُ عَلَيْه (٤) فَبَعَثْتْ إِلى أَزْفَلَةٍ (٣) مِنْهُمْ. فَلَمَّا حَضَرُوا أَسْدَلَتْ أَسْتَارَهَا، فَحَمَدَتِ اللهِ، وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ، وصَلَّتْ عَلَى نَبِيِّهَا ﷺ ، وعَذَلَتْ وقَرَّعَتْ، ثُمَّ قَالَتْ: أَبِي (٤)، وما أَبِيَهْ؟ أَبِي واللهِ لا تَعْطُوْه الأيْدي (٥)، ذَاكَ طَوْدٌ مُنِيْفٌ، وفَرْعٌ مَدِيْدٌ، هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ كَذَبَتِ الظُّنُوْنُ، أَنْجَحَ واللهِ إِذْ كَذَّبْتُمْ، وسَبَقَ إِذْ وَنَيْتُمْ (سَبْقَ الجَوَادِ إِذَا اسْتَوْلَى على الأَمَدِ) (٦) فَتَى قُرَيْشَ نَاشِئًا، وكَهْفُهَا كَهْلًا، يَفُكُّ عَانِيَهَا، ويَرِيْشُ

стр. 1579

مُمْلِقَهَا (١)، ويَرَأَبُ شَعْبَهَا (٢)، حَتَّى حَلَّتْهُ قُلُوْبَهَا، ثُمَّ استَشْرَى (٣) في دِيْنِهِ، فَمَا بَرِحَتْ شَكِيْمَتُهُ (٤) في ذَاتِ اللهِ حَتَّى اتَّخَذَ بِفِنَائِهِ مَسْجِدًا يُحْيِيْ فِيْهِ مَا أَمَاتَ المُبْطِلُوْنَ، وَكَانَ - رَحْمَة الله عَلَيْهِ - (٥) غَزِيْرَ الدَّمْعَةِ، وقَيْذَ الجَوَانِحِ (٦)، شَجِيَّ النَّشِيْجِ (٧)، فَانْقَصَفَتْ (٨) إِلَيْهِ نِسْوَانُ مَكَّةَ وَوِلْدَانُهَا يَسْخَرُوْنَ مِنْهُ، يَسْتَهْزِئُوْنَ بِهِ ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾ (٩) فَأْكَبَرَتْ ذلِكَ رِجَالاتُ قُرَيْشٍ، فحَنَتْ لَهُ قِسِيَّهَا، وفَوَّقَتْ (١٠) لَهُ سِهَامَهَا، وامتثلُوْهُ (١١) غَرَضًا، فَمَا فَلُّوا لَهُ صَفَاةً، ولَا قَصَفُوا لَهُ قَنَاةً، ومَرَّ عَلَى سِيْسَائِهِ (١٢) حَتَّى ضَرَبَ الدِّيْنُ بِجِرَانِهِ (١٣)،

стр. 1580

وأَلْقَى بِرُكْنِهِ (١) وأَرْسَتْ أَوْتَادَهُ، ودَخَلَ النَّاسُ فيه أَفْوَاجًا، ومِنْ كلِّ فِرْقَةٍ أَشْتَاتًا وأَرْسَالًا، اختَارَ اللهُ لِنَبِيِّه ﷺ ما عِنْدَهُ، فَلَمَّا قَبَضَ اللهُ نَبِيَّهُ نَصَبَ الشَّيْطَانُ رُوَاقَهُ، ومَدَّ طُنُبَهُ، ونَصَبَ حَبَائِلَهُ، وأَجْلَبَ بِخَيْلِهِ ورَجِلِهِ، فَظَنَّتْ رِجَالٌ بأَنْ قَدْ تَحَقَّقَتْ أَطْمَاعُهُمْ - ولاتَ حِيْنَ الَّذِي يَرْجُوْنَ - وأَنَّى والصِّدِّيْقُ بينَ أَظْهُرِهِمْ؟ فَقَامَ حَاسِرًا مُشَمِّرًا، فَجَمَعَ حَاشِيَتَهُ وَرَفَعَ قُطْرَيْهِ (٢)، فَرَدَّ نَشْرَ الإسْلامِ عَلَى غِرَّة (٣)، ولَمَّ شَعْثَهُ بِطَيِّهِ، وأَقَامَ أَؤدَهِ بِثَقَافِهِ (٤)، فامْذَقَرَّ النِّفَاقُ (٥) بِوَطْأَتِهِ، وانتَاشَ (٦) الدِّيْنُ فَنَعَشَهُ، فَلَمَّا أرَاحَ الحَقّ على أَهْلِهِ، وقَرَّرَ الرُّءُوْسَ عَلَى كَوَاهِلِهَا (٧)، وحَقَنَ الدِّمَاءَ في أُهُبِهَا (٨)، أَتَتْهُ مَنِيَّتَهُ، فَسَدَّ ثَلْمَتَهُ بِنَظِيْرِهِ في المَرْحَمَةِ، وشَقِيْقِهِ في السِّيْرَةِ

стр. 1581

والمَعْدَلَة، ذَاكَ ابنُ الخَطَّابِ، لله أَمٌّ حَفَلَتْ لَهُ (١) ودَرَّتْ عَلَيْهِ، لَقَدْ أَوْحَدَتْ (٢) بِهِ، فَفَنَّخ (٣) الكَفَرَةُ ودَنَّخَهَا (٤) وشَرَّدَ الشِّرْكَ شَذَرَ مَذَرَ (٥)، وبَعَجَ الأرْضَ وبَخَعَهَا (٦) فَقَاءَتْ (٧) أَكُلَهَا، ولَفَظَتْ خَبْأَهَا، تَرْأَمُهُ (٨) ويَصْدِفُ عَنْهَا، وتَصَدَّى لَهُ ويَأْبَاهَا، ثُمَّ وَزَعَ فِيْهَا فَيَأَهَا، وودَّعَهَا كَمَا صَحِبَهَا، فَأَرُونِي مَا تَرْبَئُوْنَ (٩). فأَيُّ يَوْمِي أَبِي تَنْقِمُوْنَ؟ أَيَوْمَ إِقَامَتِهِ، إِذْ عَدَلَ فِيْكُمْ؟ أَوْ يَوْمَ ظَعْنِهِ وقَدْ نَظَرَ لَكُمْ؟ وأَسْتَغْفِرُ الله لي ولَكُمْ". وَقَد رُوِي عن إِسْحَقَ بن رَاهُوْيَهْ أَنَّه قَالَ: "سأَلَنِي أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ عن حَدِيْثِ الفَضْلِ بن مُوْسَى - حديث ابن عبَّاس (١٠): أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ

стр. 1582

يَلْحَظَ في صَلاتِهِ، ولا يَلْوِي عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ" - قَالَ: فَحَدَّثْته. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَبَا يَعْقُوب، رَوَاهُ وَكِيْعٌ بِخِلافِ هَذَا. فَقَالَ لَهُ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ: اسكُت، إِذَا حَدَّثَكَ أَبُو يَعْقُوبَ أَمْيِرُ المُؤْمِنِيْنَ فَتَمَسَّكْ بِهِ. قُلْتُ أَنَا: فَهَذَا إِسْحَقُ بنُ رَاهُوْيَهْ يمدَحُ نَفْسَهُ، وهَذَا أَحْمَدُ قَدْ جَعَلَهُ أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ، يَعْنِي في الحَدِيْثِ، فَأَوْلَى لَنَا أَنْ نَذكرَ وَالدَنَا، ونَذْكُرَ طَرَفًا من فَضَائِلِهِ وَمَنَاقِبِهِ، وعُلُومِهِ وَوَرعِهِ. فَهذَا خَاصَّةً في مَدْحِ الإنسانِ نَفْسِهِ إِذا احتَاجَ إلى ذلِكَ. ولَولا أَنَّ الَّذِيْنَ قَدْ جَمَعُوا التَّوَارِيْخَ حَمَلَتْهُم عَصَبَّيتُهُمْ وأَهْوَاؤُهُم عَلَى تَرْكِ فَضَائِلِهِ ونَشْرِ مَنَاقِبِهِ: لما ذَكَرْنَا مَا ذَكَرْنَاهُ (١). فَلَمَّا رَأَيْنَا الذِيْنَ قَدْ رَأَوْهُ وحَفِظُوا مَا سَمِعُوهُ من فضَائِلِهِ من الشُّيوخِ، وشَاهَدُوا بعضَ ذلِكَ يَنْقَرِضُوْنَ، والمُؤَرِّخُوْنَ الَّذين أَرَّخُوا قَصَّرُوا في نَشْرِ فَضَائِلِهِ، لأجْلِ مَنْ يَهْوَى هَوَاهُمْ مِنَ المُخَالِفِيْنَ آثَرْنَا ذكرَ بَعْضِ مَا انْتَهَى إِلَيْنَا من فَضَائِلِهِ، فَلْيعَذُرَنَا مَنْ وَقَفَ عَلَيْهِ، ولَا يَنْسِبَنَا من الِّذِين يَتَشَبُّعُوْنَ بِمَا لَمْ يُعْطَوا، ولْيَسْأَلْ مَنْ يَثِقُ بِهِ من أَهْلِ الثِّقَةِ والمَعْرِفَةِ والخِبْرَةِ بالقَاضِي الإمام ﵀، ولَا يَلْتَفِتُ إلى قَوْلِ مُخَالِفٍ ومُبَايِنٍ بالبِدْعَةِ، فيَعلمَ أن الَّذي سَطَّرنَاهُ ما

стр. 1583

استَعَرْنَا مِنْهُ ذلِكَ؛ إِذْ كَانَ فيه أَضْعَافُ مَا ذُكِرَ مِنَ الفَضْلِ والعِلْمِ والزُّهْدِ. فَنَسْأَلُ الله أَنْ يُحْيْينَا عَلَى الإسْلامِ والسُّنَّةِ، وأَنْ يُمِيْتَنَا عَلَيْهِمَا، ولَا يَجْعَلَ في قُلُوبِنا غِلًّا للَّذِيْنَ آمَنُوا بمَنِّهِ وكَرَمِهِ، إِنَّه سَمِيع الدُّعَاءِ.

стр. 1584

(الطَّبَقَةُ السَّادسَةُ) (١) وهم أصحابُ الوَالِد ﵃ ٦٦٧ - أَبُو الغَنَائِم عليُّ بنُ طالبِ (٢) بن مُحَمَّدٍ المَعْرُوْفُ بـ "ابن زِبِبْيَا" (٣). أَحَدُ أَصْحَابِ الوَالِدِ السَّعِيْدِ، وكانَ يُدَرِّسُ في الحَرِيْم في المَسْجِدِ المُقَابِلِ لِبَابِ بَدْرٍ، ولِلْمَسْجِدِ بَابَانِ، وكانَتْ حَلْقَةٌ بجامعِ المَهْدِيِّ.

стр. 1585

وكانَ أَحَدَ مَنْ قَرَأَ عَلَيْهِ أَبُو تُرَابِ بنُ البَقَّالِ، وأَبُو الحَسَنِ المُقْرِئُ، المَعْرُوْفُ بـ"ابنِ الفَاعُوْسِ" (١) وغَيْرُهُمَا. ونَسَخَ مِنَ "الخِلَافِ" -تَصْنِيفِ الوَالِدِ السَّعِيْدِ- نُسْخَتَيْنِ بِخَطِّهِ، ونَسَخَ غَيْرَهُ مِن مُصَنَّفَاتِ (٢) الوَالِدِ السَّعِيْدِ، من ذلِكَ: "العُدَّةُ"، و"أَحْكَامُ القُرْآنِ"، و"الجَامِعُ الصَّغِيْر"، وغَيْرُ ذلِكَ، وهو أَوَّلُ مَنْ تُوفِّيَ من أَصْحَابِ الوَالِدِ السَّعِيْدِ، بعدَ مَوْتِهِ، وكَانَ بينَ مَوْتِهِ ومَوْتِ الوَالِدِ السَّعِيْدِ أَقلَّ من سَنَةٍ، ودُفِنَ إلى جَنْبِ تُرْبَةِ الوَالِدِ السَّعِيْدِ ﵀ (٣). ٦٦٨ - أَبُو مَنْصُوْرٍ عَليُّ بنُ الحَسَنِ القِرْمِينسِيْنِيُّ (٤) أَحَدُ مَنْ عَلَّقَ عَنِ الوَالِدِ مِنَ الخِلَافِ والمَذْهَبِ، وسَمِعَ مِنْهُ الحَدِيْثَ، وزَوَّجَ ابنَتَهُ لأَبِي عَلِيِّ بنِ البَنَّاءِ، وأَوْلَدَهَا (٥) أَبَا نَصْرٍ. وكَانَتْ وَفَاتُهُ في رَجَبٍ من سَنَةِ ستِّين

стр. 1586

وأَرْبَعِمَائَةِ (١)، ودُفِنَ بمَقْبَرَةِ إِمَامِنَا أَحْمَدَ ﵁. ٦٦٩ - أَبُو طَاهِرٍ، عَبْدُ البَاقِي بنُ مُحَمَّدِ (٢) بنِ عَبْدِ الله البَزَّازُ، المَعْرُوْفُ

стр. 1587

بـ"صِهْرِ هبةِ الله" المُقْرِئُ. وكَانَ يُلَازِمُ حَلْقَةَ الوَالِدِ السَّعِيْدِ إلى حِيْنِ مَوْتِهِ، وسَمِعَ مِنْهُ الحَدِيْثَ، وحَضَرَ تَدْرِيْسَهُ، وَكَانَ شَيْخًا صَالِحًا مُعَدَّلًا. وتُوفي لَيْلَةَ الجُمُعَةِ لِعِشْرِيْنَ مِنْ صَفَرَ سَنَةَ إِحْدَى وستِّيْنَ وأَرْبَعِمَائَةَ، ودُفِنَ في يَوْمِ الجُمُعَةِ في مَقْبَرَةِ إِمَامِنَا أَحْمَدَ. وكانَ مُدَّةُ شَهَادَتِهِ عَشْرَةَ أَشْهُرٍ وكانَ مَوْلِدُهُ: سَنَةَ إِحْدَى وثَمَانِيْنَ وثَلَاثِمَائَةَ. ٦٧٠ - أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ (١) بنِ مُحَمَّدِ بنِ مُوْسَى الخَيَّاطُ المُقْرِئُ، البَغْدَادِيُّ، الشَّيْخُ الصَّالِحُ، أَحَدُ الحَنَابِلَةِ الأخْيَارِ. قَرَأَ القُرْآن على المَشَايخِ. مِنْهُم: أَبُو أَحْمَدَ الفَرَضِيُّ، وبَكْرُ بنُ

стр. 1588

شَاذَان، وأَبُو الحُسَيْن السُّوْسَنْجَرْدِيُّ (١)، وأَبُو الحَسَنِ الحَمَّامِيُّ. وسَمِعَ الحَدِيْثَ من جَمَاعَةٍ، مِنْهُمْ: بكرُ بنُ شَاذَان، فِيْمَا أُخْبِرْنَا عَنْهُ بِقِرَاءَةِ أَخِي أَبِي القَاسِم - قَالَ لَهُ: أَخْبَرَكُمْ بَكْرُ بنُ شَاذَان، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ الأخْبَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بنِ سَعْدَانَ، قُلْتُ لَهُ: حَدَّثَكَ عَبْدُ الوَهَّابِ بنُ عَطَاءٍ، عن سَعِيْدِ بنِ أَبِي عَرُوْبَةَ، عن قَتَادَةَ، عن زُرَارَةَ بن أَوْفَى، عن سَعْدِ بنِ هِشَامٍ، عن عَائِشَةَ ﵄ عن النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ (٢): "المَاهِرُ بالقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ، والَّذِي يَقْرَؤُهُ يُتَعْتِعُ فيه، وَهْوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ فَلَهُ أَجْرَانِ اثْنَانِ". وقَرَأْتُ عَلَيْهِ خَتْمَتَيْنِ لِنَافِعٍ، إِحْدَاهُمَا: من طَرِيق الحُلْوَانِيِّ، وأبِي نَشِيْطٍ، وأَخْبَرَنِي أَنَّه قَرَأَ طَرِيْقَ الحُلْوَانِيِّ عَلَى الحَمَّامِيِّ، وأَخْبَرَهُ الحَمَّامِيَّ أَنَّه قَرَأَ بِهَا عَلَى أَبِي بَكْرٍ النَّقَّاشِ، وقَرَأَ النَّقَّاشُ على الحَسَنِ (٣) بنِ العَبَّاسِ الرَّازِيِّ، وقَرَأَ الرَّازيُّ عَلَى أَحْمَدَ بنِ يَزِيْدَ، وابنِ قَالُوْنَ. وقَرَآ جَمِيْعًا عَلَى قَالونِ، وقَرَأ قَالَوْنُ على نَافِعِ (٤) بن أَبِي نُعَيْمٍ قَارئِ المَدِيْنَةِ.

стр. 1589

وطَرِيْقَ أَبِي نَشِيْطٍ عَلَى أَبِي أَحْمَدَ الفَرَضِيِّ، وأَخْبَرَهُ أَبُو أَحْمَدَ: أَنَّه قَرَأ بِهَا على أَبِي الحُسَيْنِ أَحْمَدَ بنِ عُثْمَان بنِ جَعْفَرٍ المَعْرُوْفِ بـ"ابنِ بُوْيَان" (١)، وأَخْبَرَهُ أَبُو الحُسَيْنِ أَنَّه قَرأ بِهَا على أَبِي حَسَّان أَحْمَد بن مُحَمَّد ابن الأشْعَبِ. وقَرَأَ أَبُو حَسَّان بِهَا على أَبي نَشِيْطٍ مُحَمَّدِ بنِ هَارُوْنَ. وقَرَأَ أَبُو نَشِيطٍ على قَالُوْن عَيْسَى بن مِيْنَا النَّحْوِيِّ الزُّهْرِيِّ. وقَرَأَ قَالُون على نَافِعِ (٢) بن أَبِي نُعَيْمٍ قَارئ المَدِيْنَةِ. وذلِكَ بِجَزْمِ المِيْمِ من "عَلَيْهِمْ" و"لَدَيْهِمْ" و"إِلَيْهِمْ" وإِشْبَاهِه (٣). وكَانَ خَتْمِي عليه في ذِيْ الحِجَّةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وستِّين وأَرْبَعِمَائة، وكانَ شَيْخِي قَرَأَ بِهَا في المُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعِمَائة. والخَتْمَةُ الثَّانِيةُ: مِنْ طَرِيْقِ إِسْمَاعِيْلَ بنِ جَعْفَرٍ: بضَمِّ المِيْمَاتِ في جَمِيْع القُرْآنِ وأَخْبَرَنِي أَنَّه قَرَأَ بِهَا على أَبِي الحُسَين السُّوْسَنْجَرْدِيِّ في سَنَةَ أَرْبَعِمَائَةَ. وقَرَأَ بِهَا (٤) السُّوْسَنْجَرْدِيُّ على أَبِي القَاسِمِ زَيْدِ بنِ أَبي بِلَالٍ. وأَخْبَرَهُ زيدٌ أَنَّه قَرَأَ بِهَا على أَبِي جَعْفَرٍ أَحْمَدَ بنِ فَرَجٍ، وأَخْبَرَهُ ابنُ فَرَجٍ أَنَّه

стр. 1590

قَرَأَ بِهَا على أَبي عَمْرٍو الدُّوْرِيِّ، وأَخْبَرَهُ الدُّوْرِيُّ أَنَّه قَرَأَ بِهَا على إِسْمَاعِيْلَ ابنِ جَعْفَرٍ، وأَخْبَرَهُ إِسْمَاعِيْلُ أَنَّه قَرَأَ بِهَا على نَافِعِ (١) بنِ أَبِي نُعَيْمٍ. وكَانَ فَرَاغِيْ مِنْ هَذِهِ الخَتْمَةُ في المُحَرَّم سَنَةَ خَمْسٍ وَستِّين وأَرْبَعمَائَةَ. وَكَانَ شَيْخًا خَيِّرًا أَدِيْبًا ثِقَةً، وكَانَ يَتَردَّدُ إِلَى الوَالِدِ السَّعِيْدِ الدَّفَعَاتِ الكَثِيْرَةِ، ويَسْمَعُ دَرْسَهُ، ويَحْضُرُ أَمَالِيْهِ بجَامِعَ المَنْصُوْرِ وغَيْرِهِ، وكَانَ هُوَ -أَعْنِي ابنَ الخَيَّاطِ- ثِقَةً دِيِّنًا، يُقْرأُ عليه القُرْآن والحَدِيْثُ في كلِّ يَوْمٍ (٢) في بَيْتِهِ، وفي مَسْجِدِهِ، وفي جَامِعَ المَنْصُوْرِ، ويَكْثُرُ عِنْدَهُ النَّاسُ، وكَانَ مِنْ شِدَّةِ تَحَنْبُلِهِ أَنَّه كَانَ إِذَا كَتَبَ إِجَازَةً أَوْ سَمَاعًا أَوْ قِرَاءَةً كَتَبَ في آخِرِ نَسَبِهِ "الحَنْبَليَّ". وَكَانَ قَدْ شَاهد (٣) ابنَ حَامِدٍ. قَرَأْتُ بخطِّ أَخِي أَبِي القَاسِمِ ﵀ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا بَكْرِ بنَ الخَيَّاطِ عن مَوْلِدِهِ؟ فَقَالَ: في سَنَةِ سِتٍّ وسَبْعِيْنَ وثَلَاثِمَائَةِ، سَنَةَ الحَنْبَلِيَّةِ. وتُوفِّيَ في جُمَادَى الأوْلَى سَنَةَ سَبْعٍ وستِّين وأَرْبَعِمَائَةَ. ودُفِنَ في مَقْبَرَةِ الجَامِعِ يَوْمَ الخَمِيْسِ رَابِعِ جُمَادَى الأوْلَى. ٦٧١ - أَبُو الحَسَنِ عليُّ بنُ مُحَمَّدِ (٤) بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنَ البَغْدَادِيُّ. أَحَدُ الفُقَهَاءِ الفُضَلَاءِ، والمُنَاظِرِيْنَ والأذْكَياءِ. سَمِعَ الحَدِيْثِ مِن جَمَاعَةٍ مِنْهُم: أَبُو القَاسِمِ بنُ بِشْرَانَ، وأَبُو إِسْحَاقَ البَرْمَكِيُّ وأَبُو الحُسَيْنِ بنُ الحَرَّانِيِّ،

стр. 1591

وأَبُو عَلِيِّ بنُ المُذْهِبِ، والوَالِدُ السَّعِيْدُ. ودَرَسَ [الفِقْهَ على الوَالِدِ السَّعِيْدِ] (١)، وأُجْلِسَ في حَلْقةٍ للنَّظَرِ والفَتْوَى بِجَامه المَنْصُوْرِ في الموضِعِ الَّذي كَانَ يَجْلِسُ فيه شَيْخُ الوَالِدِ ابنِ حَامدٍ. ولم يَزَلْ على ذَلِكَ، يَدْرُسُ ويُفْتِي، ويُنَاظِرُ إِلَى أَنْ خَرَجَ مِنْ بَغْدَادَ سَنَةَ خَمْسِين وأَرْبَعِمَائَةِ إلى ثَغْرِ آمِدَ -حَمَاهُ اللهُ- لَمَا جَرَى على الإمَامِ القَائِمِ بأَمْرِ اللهِ -رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ- واستَوْطَنَهَا، ودَرَّسَ بِهَا. وَكَانَ لَهُ الأصْحَابُ بِهَا وبَرَعَ مِنْهُم: أَبُو الحَسَنِ ابنُ الغَازِي (٢). ورَحَلَ إِليه أَخِي أَبُو القَاسِم (٣) إِلَى آمدَ، وعَلَّقَ عَنْهُ مِنَ الخِلَافِ، والمَذْهَبِ. ثُمَّ عَادَ الأخُ (٤) إلى بَغْدَادَ لأجْلِ الوَالِدِ. ومَاتَ بآمدَ سَنَةَ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ وستِّين وأَرْبَعِمَائَةَ، وقَبْرُهُ هُنَاكَ يُقْصَدُ ويُتَبَرَّكُ بِهِ (٥). وكَانَ يُدَرِّسُ في مَقْصُوْرَةٍ بِجامِعِ آمِدَ. ٦٧٢ - أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ الحُسَيْنِ (٦) بنِ أَحْمَدَ بنِ إِبْرَاهِيْمَ العُكْبَرِيُّ،

стр. 1592

المَعْرُوْفَ بـ"ابنِ جَدَّا". سَمِعَ الحَدِيْثَ من أَبِي عَلِيِّ بنِ شِهَابٍ، وأبي القاسم هبة الله الطَّبَرِيِّ وأبي القاسمِ بن بِشْرَانَ، وأبي عليِّ بن شَاذَان، وأَبِي عَلِيِّ بنِ المَذْهَبِ وغَيْرِهِم. وقَرَأَ الفقه على الوَالِدِ السَّعِيْدِ. وله مُصَنَّفٌ في الأصُوْلِ. وَكَانَ شَيْخًا صَالِحًا، دَيِّنًا، كَثِيْرَ الصَّلَاةِ، حَسَنَ التِّلَاوَةِ للقُرْآنِ. وكانَ ذَا لَسَنٍ وفَصَاحَةٍ في المَجَالِسِ والمَحَافِلِ. وتُوفِّي فَجْأَةً في الصَّلاةِ في شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وستِّيْنِ وأَرْبَعِمَائَةَ، وصُلِّيَ عَلَيْهِ بِجَامِعِ المَنْصُوْرِ، ودُفِنَ في مَقَابِر إِمَامِنَا ﵁. ٦٧٣ - أَبُو القَاسِمِ عُبَيْدُ الله بنُ محمَّدِ (١) بنِ الحُسَيْنِ الفَرَّاءُ. أَخِي الأكْبَرُ،

стр. 1593

الشَّابُّ العَالِمُ، الوَرِعُ الصَّالِحُ. وُلِدَ يَوْمَ السَّبْتِ السَّابِعِ من شَعْبَان سَنَةَ ثَلَاثٍ وأَرْبَعِيْنَ وأَرْبَعِمَائَة. هَكَذَا قَرَأْتُ بخطِّ الوَالِدِ السَّعِيْدِ. سَمِعَ الحَدِيْثَ من أَبِي مُحَمَّدٍ الجَوْهَرِيِّ، والوَالِد السَّعِيْدِ، وجَدِّهِ لأمِّهِ جَابِرِ بنِ يَاسِيْنَ، وأَبِي الحُسَيْنِ بنِ المُهْتَدِي، وأَبِي الحُسَيْنِ بنِ الآبَنُوسِيِّ، وأَبِي الحُسَيْنِ بنِ النَّقُّورِ، وأَبِي جَعْفَرِ بنِ المُسْلَمِةِ، وأَبِي الغَنَائم بنِ المَأْمُوْنِ، ومُحَمَّد بنِ وِشَاحٍ، وأحْمَدَ بنِ سَاوِسٍ (١)، وعَلَيٍّ المَلَطِيِّ، وعَبْدِ اللهِ بنِ هَزَارْمَرْدَ (٢) الصَّرِيْفِيْنِيِّ، في خَلْقٍ كَثِيْرٍ. ورَحَلَ في طَلَبِ العِلْمِ والحَدِيْثِ إلى البِلَادِ؛ وَاسِطَ، والبَصْرَةِ، والكُوْفَةِ، وعُكْبَرَا، والمَوْصِلِ، والجَزِيْرَةِ، وآمدَ، وغيرَ ذَلِكَ. وقَرَأَ بآمدَ على تِلْمِيْذِ وَالِدِهِ أَبِي الحَسَنِ البَغْدَادِيِّ قِطْعَةً صَالِحَةً من الخِلَافِ، والمَذْهَبِ. وكَانَ قَدْ عَلَّقَ قَبْلَ سَفْرَتِهِ عن تِلْمِيْذِ وَالِدِهِ الشَّرِيْفِ أَبِي جَعْفَرٍ،

стр. 1594

وكَانَ حَضَرَ قَبْلَ ذلِكَ دَرْسَ وَالِدِهِ السَّعِيْدِ، وعَلَّقَ عَنْهُ. وكَانَ يَحْضُرُ مَجَالِسَ النَّظَرِ في الجُمَعِ وغَيْرِهَا، ويَتَكَلَّمُ في المَسَائِلِ مَعَ شُيُوْخِ عَصْرِهِ. وَكَانَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ يَأْتَمُّ بِهِ في صَلَاةِ التَّرَاوِيْحِ إلى أَنْ تُوُفِّيَ -رَحْمَةُ اللهِ- عَلَيْهِ (١) وَهْوَ الَّذِي تَوَلَّى الصَّلَاةَ عَلَى الوَالِدُ السَّعِيْدُ بجَامِعِ المَنْصُوْرِ. وتَقَدَّمَ عَلَى شُيُوخِ الطَّوَائِفِ، وكانَ ذَا عِفَّةٍ ودِيَانَةٍ وصِيَانَةٍ. وَكَانَ لَهُ مَعْرِفَةٌ بالجَرْحِ والتَّعْدِيْلِ وأَسْمَاءِ الرِّجَالِ والكُنَى، وغَيْرِ ذلِكَ. وقَرَأَ القُرْآنَ بالرِّوَايَاتِ الكَثِيْرَةِ على الشُّيُوخِ الَّذِيْن انْتَهَى الإسْنَادِ إِلَيْهِمْ، مثلِ: ابنِ الخَيَّاطِ، وابنِ البَنَّا، وأَبِي الخَطَّابِ الصُّوْفيُّ، وأَحْمَدَ ابن الحَسَنِ اللِّحْيَانِيِّ. ولَمَّا ظَهَرَتِ البِدَعُ في سَنَةِ تِسْعِ وستِّيْنَ وأَرْبَعَمَائَةَ (٢) هَاجَرَ مِنْ بَلَدِنَا إِلَى حَرَمِ اللهِ. وكَانَتْ وَفَاتُهُ في مُضِيِّهِ إِلَى مَكَّةَ، بمَوْضِعٍ يُعْرَفُ بـ"مَعْدَنِ النَّقِرَةِ" (٣) في أَوَاخِرِ ذِي القَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. فتُوُفِّيَ ولَهُ سِتُّ وعِشْرُوْنَ سَنَةً وثلاثةُ أَشْهُرٍ ونَيِّفٌ وعِشْرُوْنَ يَوْمًا تَقْرِيْبًا.

стр. 1595

وكَانَ ﵀ حَسَنَ التِّلَاوَةِ للقُرْآن، كثيرَ الدَّرْسِ لَهُ، مَعَ مَعْرِفَتِهِ بعُلُوْمِهِ وعُلُومِ حَدِيْثِ رَسُوْلِ الله ﷺ . وَكَانَ حَسَنَ الخَطِّ، صَحِيْحًا، قَيِّمًا بِقِرَاءَةِ (١) الحَدِيْثِ. ﵀ وَبَارَكَ لَهُ فِيْمَا صَارَ إِلَيْهِ، ونَفَعَهُ بِمَا كَتَبَ وقَرَأَ وسَمِعَ وَسَعَى واجْتَهَدَ، وعَوَّضَهُ بشَبَابِهِ الجَنَّةَ. آمِيْنَ. ٦٧٤ - أَبُو الحَسَنِ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ (٢) بنُ مُحَمَّدٍ البَرَدَانِيُّ. صَحِبَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ، وتَرَدَّدَ إِلَى مَجَالِسِهِ في الفِقْهِ، وسَمَاعِ الحَدِيْثِ. وكَانَ رَجُلًا صَالِحًا. وتُوِفِّيَ لَيْلَةِ الجُمُعَةِ الثَّالِثَةِ من ذِيْ الحِجَّةِ سَنَةَ تِسْعٍ وستِّين وأَرْبَعِمَائَةَ. وحُمِلَ إلى جَامِعَ المَنْصُوْرِ، وصَلَّى عَلَيْهِ ابنُهُ أَحْمَدَ (٣). ودُفِنَ في مَقْبَرَةِ إِمَامِنَا أَحْمَدَ إِلَى جَنْبِ أَبِي الحَسَنِ بنِ الذَّهَبِيَّةِ (٤) الزَّاهِدِ. وكَانَ مَوْلِدُهُ:

стр. 1596

سَنَةَ ثَمَانٍ وثَمَانِيْنَ وثَلَاثِمَائَة. ثُمَّ شَيْخُنَا وأُسْتَاذُنَا، الشَّرِيْفُ الزَّاهِدُ الوَرِعُ العَابِدُ. ٦٧٥ - أَبُو جَعْفَرٍ عبدُ الخَالِقِ بنُ عِيْسَى (١) بنِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عِيْسَى بنُ أَحْمَدَ بنِ مُوْسَى بنِ مُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ مَعْبَدِ بنِ العَبَّاسِ بن عَبْدِ المُطَّلِبِ. وُلِدَ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وأَرْبَعِمَائَة. سَمِعَ الحَدِيْثَ من أَبِي القَاسِمِ بنِ بِشْرَانَ، وأَبِي الحُسَين الحَرَّانِيِّ، وأَبِى عَلِيِّ بنِ المُذْهِبِ، وأَبِي إِسْحقَ البَرْمَكِيِّ، وَأَبِي طَالبِ بنِ العُشَارِيِّ، والوَالِدِ السَّعِيْدِ. أَخْبَرَنَا شَيْخُنَا الشَّرِيْفُ أَبُو جَعْفَرٍ -قِرَاءةً- قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو القَاسِم بنُ بِشْرَانَ -إِمْلَاءً يَوْمَ الجُمُعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، لِسَبْعٍ خَلَوْنَ من المُحَرَّم سَنَةَ ثَلَاثِيْنَ وأَرْبَعَمَائَةِ- قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَهْلٍ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الله بنِ زِيَادٍ القَطَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ الفَضْلِ بن جَابِرٍ السَّقْطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ حَفْصٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ سَوَاءٍ، عن هِشَامِ بن حَسَّانَ، عن الجَارُوْدِ، عن عَطِيَّة، عن أَبِي سَعِيْدٍ الخُدْرِيِّ (٢)، قَالَ. قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ (٣): "مَنْ كَسَا مُسْلِمًا عَلَى عُرْيٍّ، كَسَاهُ اللهُ عَزَّ

стр. 1597

وجَلَّ من خُضْرِ الجَنَّةِ، ومَنْ سَقَاهُ على ظَمَأٍ، سَقَاهُ اللهُ من الرَّحِيْقِ المَخْتُوْمِ، ومَنْ أَطْعَمَهُ عَلَى جُوْعٍ، أطْعَمَهُ اللهُ من ثِمَارِ الجَنَّةِ". وبَدَأَ يَدْرِسُ الفِقْهَ عَلَى الوَالِدِ السَّعِيْدِ، مِنْ سَنَةِ ثَمَانٍ وعِشْرِيْنَ وأَرْبَعَمَائَةٍ، إِلَى سَنَةِ إحْدَى وخَمْسِيْنَ، يَقْصُدُ إلى مَجْلِسِ الوَالِدِ السَّعِيْدِ، ويُعَلِّقُ الدَّرْسَ، ويُعِيْدُ في الفُرُوْعِ وأُصُوْلِ الفِقْهِ، وبَرَعَ في المَذْهَبِ، ودَرَّسَ، وأَفْتَى في حَيَاةِ الوَالِدِ السَّعِيْدِ (١). وكَانَ مُخْتَصَرَ الكَلَامِ، مَلِيْحِ التَّدْرِيْسِ، جَيِّدَ الكَلَامِ في المُنَاظَرَةِ، عَالِمًا بالفَرَائِضِ، وأَحْكَامِ القُرْآن، والأصُوْلِ، صَنَّفَ "رُؤُوْسَ المَسَائِلِ" و"شَرَحَ مِنَ المَذْهَبِ": الطَّهَارَةَ، وبَعْضَ الصَّلَاةِ، وسَلَكَ فيه طَرِيْقَةَ الوَالِدِ السَّعِيْدِ في "الجَامِعِ الكَبِيْرِ". وَكَانَ يُدَرِّسُ في مَسجِد بَسِكَّة (٢) الخِرَقِيِّ، وبِجَامِعِ المَنْصُوْرِ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى الجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، يدرس (٣) في المَسْجِدِ المَعْرُوفِ بِهِ، مُقَابِلِ دَارِ الخِلَافَةِ. وبَدَأْتُ أَنَا بالتَّعْلِيْقِ عَنْهُ والدَّرْسِ عَلَيْهِ في أَوَّل سَنَةِ خَمْسٍ وستِّيْنَ وأَرْبَعِمَائَة، وصَحِبْتُهُ إلى أَنْ تُوفِّيَ ﵁. وَكَانَ يَحْضُرُ مَعَنَا مَجْلِسَهُ جَمَاعَةٌ من الأَصْحَابِ. وَكَانَ إِذَا بَلَغَهُ مُنْكَرٌ قد ظَهَرَ عَظُمَ عَلَيْهِ ذلك (٤) جَدًّا، وعُرِفَ فيه

стр. 1598

الكَرَاهَةُ الشَّدِيْدَةُ، وَكَانَ شَدِيْدَ القَوْلِ واللِّسَانِ في أَصْحَابِ البِدَعِ، والقَمْعِ لِبَاطِلِهِمْ، ودَحْضِ كَلِمَتِهِمْ وإِبْطَالِهَا (١)، ولَمْ تَزَلْ كَلِمَتُهُ عَالِيَةً عَلَيْهِمْ، وأَصْحَابُهُ مُتَظَاهِرِيْنَ على أَهْلِ البِدَعِ، لَا يَرُدُّ يَدَهُمْ عَنْهُمْ أَحَدٌ، وكَانَ حَسَنَ الصِّيَانَةَ، عَفِيْفًا نَزِهًا، وكَانَ أَحَدَ الشُّهُوْدِ المَذْكُوْرِيْنَ، شَهِدَ عندَ قَاضِي القُضَاةِ أَبِي عَليٍّ عَبْدِ الله الدَّامِغَانِيِّ في يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ الثَّانِي (٢) منْ شَهْرِ رَبِيْعٍ الأوَّلِ من سَنَةَ ثَلَاثٍ وخَمْسِيْنَ وأَرْبَعِمَائَة، وشَهِدَ بعدَهُ القَاضِي أَبُو عَلِيٍّ يَعْقُوْبَ، وأَبُو الحَسَنِ المُبَارَكُ بنُ عُمَرَ الخِرَقِيّ (٣)، وتَوَلَّى تَزْكِيَتَهُمُ الوَالِدُ السَّعِيْدُ، ولَمْ يَزَلْ يَشْهَدُ سِنْيِنَ كَثَيْرَةً، إلى أَنْ تَرَكَ الشَّهَادَةَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِسِنِيْنَ كَثِيْرَةٍ تَوَرُّعًا. ولَمْ يَزَلْ على الطَّرِيْقَةِ الحَسَنَة المَرْضِيَّةِ، سَالِكًا نَهْجَ الوَالِدِ السَّعِيْدِ، والسَّلَفِ الصَّالِحِ الرَّشِيْدِ. ثُمَّ انْتَقَلَ في سَنَةَ ستٍّ وستِّيْنَ إلى بَاب الطَّاقِ، وسَكَنَ في (٤) دَرْبَ الدِّيْوَانِ من الرَّصَافَةِ؛ لأجْلِ مَا لَحِقَ نَهْرِ المُعَلَّى مِنَ الغَرَقِ، ودَرَّسَ بِجَامِعَ المَهْدِيِّ، وبالمَسْجِدِ الَّذي على بابِ دَرْب الدِّيْوَانِ، وكُنْتُ أَمْضِي إِلَيْهِ في طَلَبِ العِلْمِ إِلَى هُنَاكَ، أَنَا وجَمَاعَةٍ من الأصْحَابِ، فَكَانَ لَهُ مَجْلِسٌ للنَّظَرِ في كلِّ يومِ اثنَيْنِ، ويَقْصُدُهُ جَمَاعَةٌ من الفُقَهَاءِ المُخَالِفِيْنَ، ويَتَكَلَّمُ في

стр. 1599

بَعْضِ الأوْقَاتِ تَارَةً مُذَنِّبًا، وتَارَةً مُسْتَدِلًّا إلىَ سَنَةَ تِسْعٍ وستِّينَ. فَوَصَلَ إلى مَدِيْنَةِ السَّلَامِ، بالجَانِبِ الشَّرْقِيِّ وَلَدُ القُشَيْرِيِّ (١)، وأَظْهَرَ على الكُرْسِيِّ مَقَالَةَ الأشْعَرِيِّ، ولَمْ تَكُنْ ظَهَرَتْ قَبْلَ ذلِكَ عَلَى رُؤُوْسِ الأشْهَادِ، لِمَا كَانَ يَلْحَقُهُمْ من أَيْدِي أَصْحَابِنَا وقَمْعِهِمْ لَهُمْ، فَعَظُمَ ذلِكَ عَلَيْهِ، وأَنْكَرَهُ غَايَةَ الإنْكَارِ، وعَادَ إلَى نَهْرِ المُعَلِّى مُنْكِرًا لِظُهُوْرِ هَذِهِ البِدْعَةِ، وقَمعِ أَهْلِهَا، فاشتَدَّ أَزْرُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وقَوِيَتْ كَلِمَتُهُمْ، وأَوْقَعُوا بأهْلِ هَذِهِ البِدْعَةِ دَفَعَاتٍ، وكَانَتْ الغَلَبَةُ لِطَائِفَتِنَا؛ طَائِفَةِ الحَقِّ. فَلَمَّا أَدْحَضَ اللهُ تَعَالَى مَقَالَتَهُمْ، وكَسَرَ شَوْكَتَهُمْ، عَظُمَ ذلِكَ على رُؤُسَائِهِمْ، وأَجْمَعُوا للهَرَبِ والخُرُوْجِ عن بَلَدِنَا إلى خُرَاسَانَ. فَبَلَغَ ذلِكَ وَزِيْرُ الوَقْتِ (٢) فَقَالَ: مَا الَّذِيْ حَمَلَكُمْ علَى ذلِكَ؟ فَأَظْهَروا الشَّكَايَةَ مِمَّا قَدْ تَمَّ عَلَيْهِمْ، فَوَعَدَهُمْ بأَنْ يَكْفِ عَنْهُمْ ذلِكَ، واجْتَمَعُوا ودَبَّرُوا عَلَى حُضُوْرِ (٣)

стр. 1600

شَيْخِنَا الشَّرِيْفِ عِنْدَهُمْ، فأَنْفَذَ إِلَيْهِ وَزِيْرُ الوَقْتِ، فَقَالَ: قَدْ عَرَضَ أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْ مُشَاوَرَتِكَ فِيْهِ، فَلَمَّا دَخَلَ إلى بَابِ العَامَّةِ عَدَلُوا بِهِ إلى دَارٍ في القُربَةِ (١)، قَدْ أُفْرِدَتْ لَهُ، ومُنِعَ مُعْظَمُ الأصْحَابِ مِنَ الدُّخُوْلِ عَلَيْهِ، وكَانُوا (٢) قَدْ تَخَرَّصُوا علَيْهِ، ورَفَعُوا إِلَى إِمَامِ الوَقْتِ الكَذِبَ والزُّوْرَ والبُهْتَانَ، في أَشْيَاءَ لَا يَحْتَمِلُ كِتَابُنَا ذِكْرَهَا، قَدْ نَزَّهُ الله تَعَالَى مَذْهَبَنَا وَشَيْخَنَا عَنْهَا، ولَمْ يَزَلْ عِنْدَهُمْ مُدَّةَ أَشْهُرٍ، وكَانُوا قَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِ أَشْيَاءَ مِنْ دُنْيَاهُمْ فَلَمْ يَقْبَلَهَا، ولَمْ يَأْكُلْ لَهُمْ طَعَامًا مُدَّةَ مُقَامِهِ عِنْدَهُمْ، ودَاوَمَ الصِّيَامَ في تِلْكَ الأيَّامِ، ودَخَلَتْ عَلَيْهِ ذَاتَ يَوْمٍ من تِلْكَ الأيَّامِ، فَرَأَيْتَهُ يَقْرأُ في المُصْحَفِ، فَقَالَ لِي: قَالَ اللهُ تَعَالَى (٣): ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ تَدْرِي مَا الصَّبْرُ؟ فَقُلْتُ: لَا. فَقَالَ: هُوَ الصَّوْمَ، ولَمْ يُفْطِرْ حَتَّى بَلَغَ مِنْهُ المَرَضُ نِهَايَتَهُ. وَكَانَ يُكْثِرُ الدَّرْسَ للقُرْآنِ، فَلَمَّا ثَقُلَ مَرَضُهُ، وضَجَّ النَّاسُ مِنْ حَبْسِهِ أُخْرِجَ إِلَى الحَرِيْمِ الطَّاهِرِيِّ (٤) بالجَانِبِ الغَرْبِيِّ، فَمَاتَ هُنَاكَ. وكَانَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ -في مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فيه- قَدْ أَوْصَى بَأَنْ يَغْسِلَهُ الشَّرِيْفُ أَبُو جَعْفَرٍ، فَحَضَرَ وتَوَلَّى ذلِكَ بِنَفْسِهِ، وعَرَفَ ذلِكَ (٥) الإمَامُ القَائِمُ بأَمْرِ الله، فَلَمَّا

стр. 1601

حَضَرَتِ الإمام (١) القَائِمَ بأَمْرِ اللهِ الوَفَاةُ قَالَ: يَغْسِلُنِي الَّذِي غَسَلَ ابنَ الفَرَّاءِ: ابنُ أَبِي مُوْسَى، وعَدَلَ عَنْ جَمِيْع أَهْلِ العِلْمِ والقُضَاءِ والأشْرَافِ، فَفَعَلَ، وكَانَ ذلِكَ في يومِ الخَمِيْس ثَالِثَ عَشَرَ شَعْبَان سَنَةَ سَبْعٍ وسِتِّين وأَرْبَعَمائة، فَصعَدَ بَابَ الغُرْفَةِ وأُدْخِلِ مِنْ هُنَاكَ إلى حُجْرَةِ (٢) القَائِمِ بأمرِ اللهِ، وهو مَيِّتٌ مُسَجَّى فِيْهَا، فَغَسَلَهُ وعَاوَنَهُ في غَسْلِهِ -مَنْ صَبِّ مَاءٍ وغَيْرِهِ- عَفِيْفٌ، وصَافِي، وسَلَامَةُ، ومسعود (٣). وتَنَزَّهُ أَنْ يَأْخُذَ مِمَّا هُنَاكَ شَيْئًا، فَقِيْلَ لَهُ: قَدْ وَصَّى (٤) لَكَ أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ بِأَشْيَاء كَثِيْرَةٍ مِنَ المَالِ والثِّيَابِ، هِيَ حَاضِرَةٌ هُنَاكَ، لَهَا قِيْمَةٌ فَأَبَى أَخْذَهَا، فَقِيْلَ لَهُ: فَقَمِيْصُ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ تَتَبَرَّك بِهِ، فَأَخَذَ فُوْطَةَ نَفْسِهِ، فَنَشَّفَ بِهَا الإمَامَ القَائِمَ بَأَمْرِ اللهِ وقَالَ: قَدْ لَحِقَ هَذِهِ الفُوْطَةُ -وَهِيَ مِلْكِي- بَرَكَةُ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ ولَمْ يَأْخُذْ القَمِيْصَ. فَقُلْتُ لَهُ، بَعْدَ اجْتِمَاعِيِ مَعَهُ: أَيْنَ سَهْمُنَا مِمَّا كَانَ هُنَاكَ؟ فَقَالَ: أَحْيَيْتُ جَمَالَ (٥) شَيْخِنَا وَالِدِكَ الإمَامِ أبِي يَعْلَى، يُقَالُ: هَذَا غُلَامُهُ تَنَزَّهَ عَنْ هَذَا القَدْرِ الكَثِيْرِ، فَكَيْفَ لَوْ كَانَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ؟. وَلَوْ ذَهَبَتُ (٦) أَشْرَحُ طَرِيْقَتَهُ، وزُهْدَهُ، وَوَرَعَهُ، لَمَا

стр. 1602

احْتَمَلَهُ هَذَا المَوْضِعُ، وحَالُهُ أَشْهرُ، وأَمْرُهُ أَظْهَرُ مِنْ ذلِكَ، ولَقَدْ بَلَغَ مِنْ قدْرِهِ ومَحَلِّهِ عِنْدَ الإمَامِ المُقْتَدِي بِأَمْرِ الله: أَنَّه لَمَّا فَرَغَ شَيْخُنَا الشَّرِيْفُ مِنْ غَسْلِ الإمَامِ القَائِمِ بِأَمْرِ اللهِ: لَمْ يَأْذَنْ لَهُ بالمَصِيْرِ إِلَى مَنْزِلِهِ، حَتَّى بَايَعَ النَّاسُ الإمَامَ المُقْتَدِي بَأَمْرِ اللهِ على الإجْمَاعِ، واسْتَدْعَاهُ لِبَيْعَتِهِ مُفْرَدًا مخليًا بِهِ، فَبَايَعَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ شَيْخُنَا الشَّرِيْفُ في جُمْلَةِ كَلَامِهِ لَهُ (١): إِذَا سَيِّدٌ مِنَا مَضَى، قَامَ سَيِّدٌ … قَؤُوْلٌ بها قَالَ الكِرَامُ فَعُوْلُ ثُمَّ أَذِنَ لَهُ بالمُضِيِّ إِلَى مَنْزِلِهِ بَعْدَ بَيْعَتِهِ. وانْتَهَى إِليهِ في وَقْتِهِ الرِّحْلَةُ بِطَلَبِ مَذْهَبِ إِمَامِنَا أَحْمَدَ ﵁ (٢) وتُوُفِّيَ ﵀ (٣) يَوْمَ الخَمِيْسِ النِّصْف من صفَرَ سَنَةَ سَبْعِيْنَ

стр. 1603

وأَرْبَعِمَائَةَ، وأُخْرِجَتْ جِنَازَتُهُ في غَدَاةِ يَوْمِ الجُمُعَةِ، وحَضَرَتُ الجِنَازَةَ، وكَانَ يَوْمًا مَشْهُوْدًا بِكَثْرَةِ (١) الخَلْقِ، وعَظُمَ الحُزْنُ والبُكَاءُ، وكَانَ جَمْعًا لَمْ أَرَ مِثْلَهُ لِجِنَازَةٍ بَعْدَ جِنَازَةِ الوَالِدِ السَّعِيْدِ. وتَقَدَّمَ للصَّلَاةِ عليه أخُوْهُ أَبُو الفَضْلِ (٢) بجَامِعِ المَدِيْنَةِ. وحُفِرَ لَهُ بجَنْبِ قَبْرِ إِمَامِنَا أَحْمَدَ، فَدُفِنَ فِيْهِ، وأَخَذَ النَّاسُ من تُرَابِ قَبْرِهِ الشيء (٣) الكَثِيْرَ تَبَرُّكًا بِهِ. ولَزِمَ النَّاسُ قَبْرَهُ لَيْلًا ونَهَارًا مُدَّةً طَوِيْلَةً، ويَقْرَأُوْنَ خَتَمَاتٍ ويُكْثِرُوْنَ الدُّعَاءَ، ولَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّه خُتِمَ عَلَى قَبْرِهِ في مُدَّةِ شُهُوْرٍ أُلُوْفُ خَتَمَاتٍ (٤). وكَثُرَتْ المَنَامَاتُ مِنَ الصَّالِحِيْنَ بالرُّوَى الصَّالِحَةِ لَهُ. فَمِنْ جُمْلَةِ مَا رُئِيَ لَهُ في المَنَامِ بَعْدَ وَفَاتِهِ: أَنَّ الرَّائِيْ لَهُ حَكَى: أَنَّه قَالَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللهُ بِكَ؟ فَقَالَ: لَمَّا وُضِعَتُ في قَبْرِي، رَأَيْتُ قُبَّةً من دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، لَهَا ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ، وقَائِلٌ يَقُوْلُ: هَذِهِ لَكَ، ادْخُل مِنْ أَيِّ أَبْوَابِهَا شِئْتَ. وَرَآهُ

стр. 1604

إِنْسَانٌ آخرُ في المَنَامِ، فَقَالَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللهُ بِكَ؟ فَقَالَ: التَقَيْتُ بأَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، فَقَالَ لِيْ: يَا أَبَا جَعْفَر، لَقَدْ جَاهَدْتَ في اللهِ حَقَّ (١) جِهَادِهِ، وَقَدْ أَعْطَاكَ اللهُ تَعَالَى الرِّضَا. ورَآهُ أَبُو بَكْرٍ المَعْرُوْفِ بـ"ابنِ القَيِّم" في المَنَامِ، فَقَالَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللهُ بِكَ؟ فَقَالَ لَهُ: مَاتَ النَّاسُ، وكنتُ آخِرَهُم، أَوْ كَمَا قَالَ ٦٧٦ - عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مُحَمَّدِ (٢) بنِ إِسْحاقَ بنِ مَنْدَهْ الأصْبَهَانِيُّ، أَبُو القَاسِمِ، رَحَلَ في طَلَبِ العِلْمِ، وكَتَبَ، وصَنَّفَ تَصَانِيْفُ كَثِيْرَةً، وكَانَ قُدْوَةَ أَهْلِ السُّنَّة بِأَصْبَهَانَ، وشَيْخَهُم في وَقْتِهِ، وَكَانَ مُجْتَهِدًا مُتَّبِعًا آثار رَسُوْلِ اللهِ (٣) ﷺ ويُحَرِّضُ النَّاسِ عَلَيْهَا (٤)، وَكَانَ شَدَيْدًا عَلَى أَهْلِ البِدَعِ، مُبَايِنًا لَهُمْ (٥)، وَمَا كَانَ في عَصْرِهِ وَبَلَدِهِ مِثْلَهُ في وَرَعِهِ، وزُهْدِهِ وصِيَانَتِهِ، وحَالُهُ أَظْهَرُ منْ ذلِكَ، وكَانَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ الوَالِدِ السَّعِيْدِ مُكَاتَبَاتٌ.

стр. 1605

مَوْلِدُهُ: سَنَةَ ثَلَاثٍ وثَمَانِيْنَ وثَلَاثِمَائة. وفيها وُلِدَ جَدِّيْ لأُمِّي جَابِرٌ (١) وَمَاتَ ابنُ مَنْدَهْ في شَوَّالٍ سَنَةَ سَبْعِيْنَ وأَرْبَعِمَائَة فِيْمَا بَلَغَنَا، سَمِعَ وَالِدَهُ، وإِبْرَاهِيْمَ بنَ خُرَّشِيْدِ (٢) في آخرِيْنَ كَثِيْريْنَ. ٦٧٧ - أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ (٣) بن أَحْمَدَ الرَّزَّازُ المُقْرِئُ، المَعْرُوْفُ بـ"ابنِ حُمَّدُوْهُ" سَمِعَ الحَدِيْثَ من جَمَاعَةٍ، مِنْهُم أَبُو الحُسَين بن سَمْعُون، ومَنْ بَعْدَه (٤)، وتَفَقَّهَ على الوَالِدِ السَّعِيْدِ في السَّنَةِ الَّتي تَفَقَّهَ فِيْهَا شَيْخُنَا الشَّرِيْفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وكَانَا يَصْطَحِبَانِ إلى مَجْلِسِ الوَالِدِ السَّعِيْدِ. وكَانَ كَثِيْرَ القِرَاءَةِ للقُرْآنِ والإقْرَاءِ لَهُ، وخَتَّم خَلْقًا كَثِيْرًا. وذَكَرَهُ ابنُ ثَابِتٍ (٥)، فَقَالَ: كَتَبْتُ عَنْهُ، وكَانَ صَدُوْقًا، قَالَ: وسَأَلْتُهُ عن مَوْلِدِهِ؟ فَقَالَ: وُلِدْتُ في يَوْمِ

стр. 1606

الأرْبِعَاءِ لِثَمَانِ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ صَفَرَ سَنَةَ إِحْدَى وثَمَانِيْنَ وثَلَاثِمَائَةَ. قُلْتُ أَنَا: وسَمِعْتُ مِنْهُ مَا كَانَ عِنْدَهُ عَنِ ابنِ سَمْعُوْنَ. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ ابنُ حُمَّدُوْه، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الحُسَيْن بنُ سَمْعُوْنَ -إِمْلَاءً-، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الحَسَنِ الكَاتِبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ حَفْص بنُ عَمْرٍو الرَّبَاليُّ (١)، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ مَيْمُوْنَ بنِ عَطَاءٍ القُرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ زَيْدِ بنِ جَدْعَانَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَن أَبِي سَعِيْدٍ (٢) ﵁ قَالَ: "خَطَبَنَا أَبُو بَكْرٍ الصَّدِيْق فَقَالَ: خَطَبَنَا رَسُوْلُ الله ﷺ عامَ أَوَّلِ، في مِثْلِ هَذَا الشَّهْرِ، في مِثْلِ هَذَا اليَوْمِ، في مِثْلِ هَذِهِ السَّاعَةِ، ثُمَّ اسْتَعْبَرَ، ثُمَّ عَادَ فاسْتَعْبَرَ، ثُمَّ عَادَ فاسْتَعْبَرَ، حتَّى فَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -وَكَانَ قَرِيْبًا مِنَ المَنْبَرِ-: مَا شَأَنُكَ يَا خَلَيْفَةَ رَسُوْلِ الله؟ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ في خُطْبَتِهِ: أَيُّهَا النَّاسُ سَلُو الله العَفْوَ والمُعَافَاةَ" (٣). تُوفِّي ابنُ حُمَّدُوْه في لَيْلَةِ السَّبْتِ، ودُفِنَ في يَوْمِ السَّبْتِ الرَّابِع والعِشْرِيْنَ مِنْ ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ سَبْعِيْنَ وأَرْبَعِمَائة في مَقْبَرَةِ إِمَامِنَا أَحْمَدَ ﵀ تَعَالى. ٦٧٨ - أَبُو عَلِيٍّ الحَسَنُ بنُ أَحْمَدَ (٤) بنُ عَبْدِ اللهِ، المَعْرُوْفُ بـ"ابنِ البَنَّاء".

стр. 1607

سَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ هِلَالٍ الحَفَّارِ، وأَبِي القَاسِمِ الغُوْرِيِّ، وأَبِي مُحَمَّدٍ السُّكَّرِيِّ، وأَبِي الحُسَيْنِ، وأَبِي القَاسِمِ ابْنَيْ بِشْرَانِ، وأَبِي الفَتْح بنِ أَبِي الفَوَارِسِ، وأَبِي الحَسَنِ الحَمَّامِيِّ، في آخَرِيْنَ، وقَرَأَ القُرْآنَ على أَبِي الحَسَنَ الحَمَّامِيِّ بالقِرَاءَاتِ، وعَلَى غَيْرِهِ من الشُّيُوخِ. وتَفَقَّه [عَلَى الوَالِدِ السَّعِيْدِ، وعَلَّقَ عَنْه المَذْهَبَ والخِلَاف، ودَرَّسَ في الجَانِبِ الشَّرِقيِّ بدَارِ الخِلَافَةِ] (١) في حَيَاةِ الوَالِدِ السَّعِيْدِ وبَعْدَ وَفَاتِهِ، وصَنَّفَ كُتُبًا في الفِقْهِ والحَدِيْثِ والفَرَائِضِ، وأُصُوْلِ الدِّينِ، وفي عُلُوْمٍ مُخْتَلِفَاتٍ، وَكَانَ مُتْقِنًا في العُلُومِ. وُلِدَ سَنَةَ ستٍّ وتِسْعِيْنَ وثَلَاثِمَائَةَ، وكَانَ لَهُ حِلْقَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا: في جَامِعَ المَنْصُوْرِ، والأخْرَى: في جَامِعَ القَصْرِ للفَتْوَى والوَعْظِ وقِرَاءَةِ الحَدِيْثِ. سَمِعْتُ مِنْهُ الحَدِيْثَ، وكَانَ أَدِيْبًا شَدِيْدًا عَلَى أَهْلِ الأهْوَاءِ. حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ أَحْمَدَ بنِ البَنَّاءِ قَالَ: أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بنُ عَليٍّ المَعْرُوْفُ بـ"البَادِي" قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ البَاقِي بنُ قَانِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جِبْرِيْلُ ابنُ شُجَاعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا محمَّدُ بنُ عَمْرٍو السَّوِيْقِيُّ (٢) البَلْخِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ المَجِيْدِ بنَ عَبْدِ العَزِيْزِ، عن أَبِيْهِ، عَنْ عَطَاءِ بنِ أَبِي رَبَاحٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ : "إِنَّ الجُوْدَ مِنْ جُوْدِ الله، فَجُوْدُوا يَجُدِ اللهُ لَكُمْ، أَلَا إنَّ اللهُ خَلَقَ الجُوْدَ وخَلَقَهُ في صُوْرَةِ رَجُلٍ، وَجَعَلَ أُسَّهُ رَاسِخًا في أَصْلِ شَجَرَةِ طُوْبَى، وشَكَّ (٣) أَغْصَانَهَا

стр. 1608

بِأَغْصَانِ سِدْرَةِ المُنْتَهَى، وتَدَلَّيَ بَعْضُ أَغْصَانِهَا إِلَى الدُّنْيَا، فَمَنْ تَعَلَّقَ بِغُصْنٍ مِنْهَا أَدْخَلَهُ الجَنَّةَ، أَلَا إِنَّ السَّخَاءَ مِنَ الإيْمَانِ، والإيْمَانُ في الجَنَّةِ، وخَلَق البُخْلَ مِنْ مَقتِهِ وجَعَلَ أُسَّهُ في أَصْلِ شَجَرَةِ الزَّقُّوْمِ، وتَدَلَّى بَعْضُ أَغْصَانِهَا إِلَى الدُّنْيَا، فَمَنْ تَعَلَّقَ بُغُصْنٍ مِنْهَا أَدْخَلَهُ النَّارَ، أَلَا إِنَّ البُخْلَ مِنَ الكُفْرِ، والكُفْرُ فِي النَّارِ". وَمَاتَ أَبُو عَلِيِّ بنُ البَنَّاءِ في يَوْمِ السَّبْتِ الخَامِسِ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ إِحْدَى وسبعيْنَ (١) وأَرْبَعَمَائَةَ، وصُلِّيَ عَلَيْهِ بِجَامِعِ القَصْرِ وجَامِعَ المَدِيْنَةِ، ودُفِنَ بمَقْبَرَةِ إِمَامِنَا أَحْمَدَ -رحمة اللهُ عَلَيْه- (٢). ٦٧٩ - أَبُو الوَفَاءِ طَاهِرُ بنُ الحُسَيْن (٣) بنِ أَحْمَدَ، يُعْرَفُ بـ"ابنِ القَوَّاسِ" تَفَقَّهُ عَلَى الوَالِدِ السَّعِيْدِ، وكَانَتْ لَهُ حَلْقَةٌ بِجَامِعَ المَنْصُوْرِ يُفْتي ويَعِظُ. وكَانَ يَقْرَأُ القُرْآنَ، ويُدَرِّسُ الفِقْهَ في مَسْجِدِهِ بِبَابِ البَصْرَةِ، وَكَانَ قَرَأَ القُرْآنَ عَلَى أَبِي الحَسَنِ الحَمَّامِي وغَيْرِهِ، وسَمِعَ الحَدِيْثَ من هِلَالٍ الحَفَّارِ، وأَبِي نَصْرِ بنِ النَّرْسِيِّ، وأَبِي الحُسَيْنِ بنِ بِشْرَانَ وغَيْرِهِمْ. وكَانَ ثِقَةً، صَالِحًا، أَمَّارًا بالمَعْرُوْفِ، مُلَازِمًا لِمَسْجِدِهِ، وَأَقَامَ فِيْهِ خَمْسِيْنَ سَنَةً تَقْرِيْبًا. وُلِدَ سَنَةَ تِسْعِيْنَ وثَلَاثِمَائَة، وتُوفِّيَ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ سَابِعَ عَشَرَ شَعْبَانَ

стр. 1609

سَنَةَ سَتٍّ وسَبْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وصُلِّيَ عَلَيْهِ بجَامِعٍ بالمَدِيْنَةِ (١)، ودُفِنَ في يَوْمِ الجُمُعَةِ بجَنْبِ شَيْخِنَا الشَّرِيْفِ أَبِي جَعْفَرٍ. ٦٨٠ - القَاضِيْ أَبُو الفَتْحِ عَبْدُ الوَهَّابِ (٢) بنُ أَحْمَدَ بنِ عَبْدِ الوَهَّابِ بن جَلَبَةَ الحَرَّانِيُّ. قَدِمَ بَغْدَادَ من ثَغْرِ حَرَّانَ، قَاصِدًا لِمَسْجِدِ الوَالِدِ السَّعِيْدِ، وطَالِبًا لِدَرْسِ الفِقْهِ، فَتَفَقَّهَ عَلَيْهِ، وكَتَبَ كَثِيْرًا من مُصَنَّفَاتِهِ. وكَانَ يَلِي القَضَاءَ بحَرَّانَ مِنْ قِبَلِ الوَالِدِ السَّعِيْدِ، كَتَبَ لَهُ عَهْدًا بِوِلَايَةِ القَضَاءِ بحَرَّانَ، وكَانَ نَاشِرًا لِمَذْهَبِنَا، دَاعِيًا إِلَيْهِ في تِلْكَ الدِّيَارِ، وكَانَ مُفْتِيَهَا، وَوَاعِظَهَا، وخَطِيْبُهَا، ومُدَرِّسَهَا. وسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ أَبِي عَلِيِّ بن شَاذَانَ، ومِنَ البَرْقَانِيِّ، ومِنْ أَبِي عَليِّ بنِ شِهَابٍ، ومِنَ الوَالِدِ السَّعِيْدِ في آخَرِيْنَ. واخْتَارَ اللهُ العَظِيْمُ لَهُ الشَّهَادَةَ عَلَى يَدِي ابنِ قُرَيْشٍ العُقَيْلِيِّ (٣) في

стр. 1610

سَنَةِ سِتٍّ وسَبْعِيْنَ وأَرْبَعَمَائَةَ، عِنْدَ اضْطِرَابِ أَهْلِ حَرَّان على ابنِ قُرَيْشٍ؛ لَمَّا أَظْهَرَ سَبَّ السَّلَفَ بِهَا. ٦٨١ - أَبُو عَبْدِ الله مُحَمَّدُ بنُ عُمَرَ (١) بنِ الوَلِيْدِ البَاجَسْرَائِيُّ الحَنْبَلِيُّ، كَانَتْ لَهُ حَلْقَةٌ بِجَامِعِ المَنْصُوْرِ، وتَرَدَّدَ إلى مَجْلِسِ الوَالِدِ السَّعِيْدِ الزَّمَانَ الطَّوِيْلَ، وسَمَعَ مِنْهُ الحَدِيْثَ والدَّرْسَ. وَمَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وستِّين وأَرْبَعَمَائَةَ، وكانَ قَدْ بَلَغَ من السِّنِّ خَمْسًا وتِسْعِيْنَ سَنَةَ. ٦٨٢ - أَبُو بَكْرِ بن عُمَرَ الحَنْبَليُّ الطَّحَّانُ (٢)، حَضَرَ دَرْسَ الوَالِدِ السَّعِيْدِ، وعَلَّقَ عَنْهُ. ومَاتَ في شَهْرِ رَبِيْعٍ الأوَّلَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وسَبْعِيْنَ وأَرْبَعِمَائَة. ٦٨٣ - القَاضِي أَبُو عَلِيٍّ يَعْقُوْبُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ (٣) بنِ سُطُوْرٍ البَرْزَبِيْنِيُّ (٤) [وبَرْزَبِيْنُ] قَرْيَةٌ منْ قُرَى عُكْبَرَا (٥). دَخَلَ بَغْدَادَ سَنَةَ نَيِّفٍ وثَلَاثِيْنَ، وصحِبَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ، وقَرَأَ عَلَيْه الفِقْهَ، وبَرَعَ فِيْهِ، ودَرَسَ في حَيَاةِ الوَالِدِ السَّعِيْدُ، وبَعْدَ وَفَاتِهِ بالجَانِبِ

стр. 1611

الشَّرْقِيِّ بِبَابِ الأزَجِ، وصَنَّفَ كُتُبًا في الأصُوْلِ وفي الفُرُوْعِ، وكانَ لَهُ غِلْمَانٌ كَثِيْرُوْنَ، وَكَانَ مُبَارَكَ التَّعْلِيْمِ، لَمْ يَدْرِسْ عَلَيْهِ أَحَدٌ إلَّا أَفْلَحَ وصَارَ فَقِيْهًا، وكَانَتْ حَلْقَتُهُ بِجَامِعِ القَصْرِ. وشَهِدَ في اليَوْمِ الَّذِي شَهِدَ فيه شَيْخُنَا الشَّرِيْفَ أَبُو جَعْفَرٍ، زَكَّاهُمَا الوَالِدُ السَّعِيْدُ عِنْدَ قَاضِي القُضَاةِ أَبِي عَبْدِ اللهِ الدَّامِغَانِيُّ. وَوَلِيَ القَضَاءِ بِبَابِ الأزَجِ مِنْ قِبَلَ الوَالِدِ السَّعِيْدِ في مُحَرَّمِ سَنَةِ اثنَتَيْنِ وخَمْسِيْنَ وأَرْبَعِمَائة، ورَفَعَ يَدَهُ عَنِ القَضَاءِ والشَّهَادَةِ في يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ مُسْتَهَلِّ رَبِيْعِ الآخَرِ سَنَةَ اثنَتَيْنِ وسَبْعِيْن وأَرْبَعِمَائِة. ثُمَّ عَادَ إِلَى القَضَاءِ والشَّهَادَةِ في سَنَةِ ثَمَانٍ وسَبْعِيْنَ وأَرْبَعِمَائَةِ (١). وَكَانَ ذَا مَعْرِفَةٍ ثَاقِبَةٍ بِأَحْكَامِ القَضَاءِ، وإِنْفَاذِ السِّجِلَّاتِ، وشَهِدَ عَلَى إِنْفَاذِهِ في دَارِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الشُّهُوْدِ في قَضِيَّةٍ تَتَعَلَّقُ بالوُكَلَاءِ، أَجلهم الله تَعَالَى، وفي قَضِيَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِبَيْتِ ابنِ زُرَيْقٍ (٢)، تُعْرَفُ بقَرْيَةِ إِسْحَاقَ، ثُمَّ

стр. 1612

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1613

سَجَّلَ بِهَا. وكَانَ مُتَشَدِّدًا في السُّنَّةِ، مُتَعَفِّفًا في القَضَاءِ. وسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ جَمَاعَةٍ بعُكْبَرَاء، وبِبَلَدِنَا، مِنْهُمُ: الوَالِدُ السَّعِيْدُ، وتَفَقَّهَ عَلَيْهِ أخِي أَبُو خَازِمٍ، حَفِظَهُ اللهُ، وعَنْهُ عَلَّقَ الفِقْهَ، وقَدْ بَارَكَ اللهُ لَهُ في صُحْبَتِهِ إِيَّاهُ. ومَاتَ وهُوَ عَلَى القَضَاءِ بِبابِ الأزَجِ في شَوَّالٍ من سَنَةِ ستٍّ وثَمَانِيْنَ وأَرْبَعِمَائَةِ، وكَانَ عُمْرُهُ سَبْعًا وسَبْعِيْنَ سَنَةً، وصَلَّى عَلَيْهِ أَكْبَرُ أَوْلَادِهِ بِجَامِعِ القَصْرِ، وحَضَرَ جَنَازَتَهُ خَلْقٌ كَثِيْرٌ من أَرْبَابِ الدِّيْنِ والدُّنْيَا، وأَصْحَابُ المُنَاصِبِ، ونَقِيْبُ العَبَّاسِيِّيْنَ، ونَقِيْبُ الأشْرَافِ الطَّالِبيِّيْنَ، وحُجَّابُ السُّلْطَانِ، وجَمَاعَةٌ مِن الشُّهْودِ وغَيْرُهُم، ودُفِنَ في مَقْبَرَةِ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ العَزِيْزِ بِبَابِ الأزَجِ في يَوْمِ الأرْبَعَاءِ ثَالِثَ عَشْرِيْنَ شَوَّال.

стр. 1614

٦٨٤ - أَبُو مُحَمَّدِ شَافِعُ بنُ صَالِحِ (١) بنِ حَاتِمٍ الحَنْبَلِيّ (٢). وَرَدَ بَغْدَادَ بعْدَ الثَّلَاثِيْنَ وأَرْبَعِمَائَة، وصَحِبَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ، وتَفَقَّهَ عَلَيْهِ، وقَرَأَ عَلَيْهِ الأصُوْلَ والفُرُوْعَ، وسَمِعَ مِنْهُ الحَدِيْثَ الكَثِيْرَ ومِنْ غَيْرِهِ، وكَتَبَ مُعْظَمَ مُصَنَّفَاتِهِ في الأصُوْل والفُرُوْعٍ، وَكَانَ أَخَا دِيْنٍ، وتَعَفُّفٍ، وصَلَاحٍ، وتَقَشُّفٍ، ودَرَّسَ في الجَانِبِ الشَّرْقِيِّ من الحَرِيْمِ (٣) الشَّرِيْفِ بالمَسْجِدِ الَّذِي دَرَسْنَا فِيْهِ الفِقْهَ على شَيْخِنَا الشَّرِيْفِ أَبِي جَعْفَرٍ، مُقَابِلِ دَارِ الخِلَافَةِ، ولم يَزَلْ مُقِيْمًا بِهِ إِلَى أَنْ تُوُفِيِّ سَنَة ثَمَانِيْنَ وأَرْبَعِمَائَةَ، ودُفِنَ في مَقْبَرَةِ إِمَامِنَا أَحْمَد (٤).

стр. 1615

٦٨٥ - أَبُو إِسْمَاعِيْلَ عَبد اللهِ بنُ مُحَمَّدِ (١) بنِ عَلِيٍّ الهَرَوِيُّ الأنْصَارِيُّ. كَانَ يُدْعَى شَيْخَ الإسْلَامِ، وكَانَ إِمَامَ أَهْلِ السُّنَّةِ بِهَرَاةَ، ويُسَمَّى خَطِيْبَ العَجَمِ، لِتَبَحُّر عِلْمِهِ وفَصَاحَتِهِ ونُبْلِهِ. وكَانَ شَدَيْدًا على الأشْعَرِيَّةِ، وكَانَ بَيْنَهُ وبينَ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ مَنْدَه (٢) مكَاتَبَةٌ، سَمِعَ من أَبِي الفَضْلِ الجَارُوْدِيِّ الحَافِظِ الهَرَوِيِّ، وأَخَذَ مِنْه عِلْمَ الحَدِيْثِ، وأَبِي زَكَرِيَّا يَحْيَى بنِ عَمَّارٍ السِّجْزِيّ المُفَسِّر الحَنْبَليِّ (٣)، وأَخَذَ مِنْهُ عِلْمَ التَّفْسِيْرِ.
следующие страницы →