← Тараджим

Тараджим · id 1520

طبقات الحنابلة - لابن أبي يعلى - ت العثيمين

أبو الحسين ابن أبي يعلى

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

يقولُ: دَخَلَ شَرِيْكٌ على (١) المَهْدِيِّ، قَالَ: فقَالَ لَهُ: إِنَّ في قَلْبِي على عُثْمان شَيْئًا. فَقَالَ شَرِيْكٌ: إِنْ كَانَ في قَلْبِكَ فِإِنَّكَ من أَهْلِ النَّارِ، فاستَوَى قَاعِدًا غَضْبَانَ، وقالَ: لَتَخْرُجَنَّ مِمَّا قُلْتَ، قَالَ شَرِيْكٌ: أَنَا أُوجِدُكَ ذلِكَ في القُرآنِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى (٢): ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ﴾ قال: هو ابنُ عَمِّكَ ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ أَبُو بَكْرٍ ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ عُمَرُ ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ عُثمان ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ عليٌّ، قال: فَتَجلَّى الغَضَبُ، أوْ قَالَ: سَكَنَ عَنْهُ. وقالَ: قَدْ سَكَنَ مَا بِقَلْبي (٣). وقَالَ المَرُّوْذِيُّ: سَمِعْتُ أَبا عَبدِ الله يَقُوْلُ، وقَدْ سُئِلَ عن الحُبِّ في اللهِ؟ فقَالَ: هو أنْ لا تُحِبَّه لِطَمَعِ دُنْيًا (٤). قال المَرُّوْذِيُّ: (٥) سَمِعْتُ أَبَا عَبدِ الله يقول: (٥) أنشَدَنِي رَجُلٌ من أَهْلِ الشَّاشِ (٦):

стр. 247

وَكُلُّ صَدِيْقٍ لَيْسَ فِيْ اللهِ وُدُّهُ … فِإِنِّي بِهِ فِي وُدِّهِ غَيْرُ وَاثِقِ وبِهِ قَالَ المَرُّوذِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله يَقُوْلُ: مَا أهْوَنَ الدُّنيا عَلَى أَوليائِهِ. وبِهِ قَالَ المَرُّوْذِيُّ: سَمِعْتُ رَجلًا يقولُ لأبي عبدِ الله -وَذَكَرَ لَه الصِّدْقَ والإخْلَاصَ - وكان أَبو عبدِ الله يُشَبِّهُه بالأَبْدَالِ- فقال أبو عبدِ الله: بهذَا ارتَفَعَ القَوْمُ. وقال المَرُّوْذِيُّ: رَأَيْتُ رَبِّي في المَنَامِ، وكأنَّ القِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ ورأيتُ الخَلَائِقَ والمَلَائِكَةَ حَوْلَ بَنِي آدَمَ، فسَمِعْتُ المَلَائِكَةَ تَقُولُ: قَدْ أَفْلَحَ الزَّاهِدُوْنَ اليَوْمَ في الدُّنْيَا، قال: ورأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وسَمِعْتُهُ يقولُ: يَا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، هَلُمَّ إِلى العَرْضِ على اللهِ ، فرأيتُ أحمدَ بنَ حَنْبلٍ والمَرُّوْذِيُّ خَلْفَهُ، وَلمَّا قَدِمَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ من سَامَرَّا جَعَلَ يَقُوْلُ: جَزَى اللهُ أَبا بَكرٍ المَرُّوذِيُّ عَنِّي خَيْرًا. وقال أبو مُحَمَّدٍ دُوست الشَّيخُ الصَّالِحُ: رَأَيْتُ أحمدَ بنَ حَنْبَلٍ في النَّوْمِ (١) على بابِ بَيْتٍ، وعندَهُ جَمَاعَةٌ، وليس عليه رِدَاءٌ، فقلتُ: يا أَبا عبدِ الله، أينَ رِدَاؤُكَ؟ فقَالَ: عِندَ المَرُّوْذِيِّ. وقال المَرُّوْذِيِّ -يَوْمَ جَنَازَةِ فَتْحِ بْنِ شُخْرُفٍ (٢) -: لو (٣) أَنَّ الخَلِيْقَةَ

стр. 248

انْحَازَتْ عنْ قَولِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ ما تَحَاشَيْتُ أَنْ أجْفُوَهَا. ومَاتَ المَرُّوْذِيُّ في جُمَادى الأولَى سنةَ خمسٍ وسَبعين ومائتين، ودُفن عندَ رِجْلِ قَبْرِ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ. وأَنبأَنَا القَاضِي أَبُو (١) الحُسَيْن بنُ المُهْتدِيْ باللهِ، عن عُمر بن شاهين، قال: حدَّثَنَا أحمدُ بنُ إبراهيم بن يَحْيَى بن إبراهيم الرَّوَّاسُ، قالَ: سَمِعْتُ أَبا بكرٍ المَرُّوْذِيَّ يقولُ: سمعتُ أحمدَ بن حَنْبَلٍ يقولُ: رحم اللهُ (٢) يزيدَ بنَ زُرَيعٍ (٣)، ماتَ أَبُوهُ وخَلَّفَ لَهُ أَربَعِيْنَ بَدْرَةً (٤)، فَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهَا شَيْئًا، وتَوَرَّعَ عَنْهَا. وقَالَ أَحْمَدُ -في رِوَايةِ المَرُّوْذِيِّ-: وَإِذَا أَحْرَمْتَ فاقطعِ المِحْمَلَ الَّذي عَلَى النَّعْلِ والعَقِبِ الَّذي يُجْعَلُ للنَّعْلِ، وقَدْ كَانَ عَطَاءٌ يقولُ: فِيهِ دَمٌ وقَالَ أَحْمَدُ -في رِوَايَةِ المَرُّوْذِيِّ (٥) -: أَوَّلُ شَيْءٍ نزَلَ مِنَ القُرْآن:

стр. 249

﴿اقْرَأْ﴾ (١) وآخرُ شَيْءٍ نزَلَ مِنَ القُرآن: (المائدةُ). قال المُصَنِّفُ ﵀ (٢): وقد رُوِيَ عن عائشةَ أمِّ المُؤْمنين، وأَبِي صَالِحٍ، وَقَتَادَةَ، ومُجَاهِدِ ذلِكَ، ولَفْظُ مُجَاهدٍ: أَوَّلُ سُورَةٍ أُنزِلَتْ على محمَّدٍ رَسُوْلِ الله ﷺ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (٣) ثُمَّ (نُون). وقَالَ أحمدُ -في رِوَايَةِ المَرُّوْذِيِّ-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالمَدينةِ. و ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ بِمَكَّةَ نزَلَت، وقَالَ: أربعُ سُوَرِ نزَلَتْ بالمدينةِ؛ (البَقَرَةُ) و (آل عِمْرَان) و (النِّسَاءُ)، و (المَائِدَةُ) وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ﴾ أربعُ آياتٍ آخرها ﴿تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥)﴾ (٣) هذِهِ نزَلَتْ بمَكَّةَ، والبَاقِي بالمَدِيْنَةِ. وَقَالَ المَرُّوذِيُّ: قَالَ لَنَا أَبُو عبدِ الله: عَذَابُ القَبْرِ حَقٌّ، ما يُنْكِرُهُ إِلَّا ضَالٌّ مُضِلٌّ. وقَالَ المَرُّوْذِيُّ: سَمِعْتُ أَبا عبدِ الله يقولُ: مَنْ تَعَاطَى الكَلَامَ لا يُفْلِحُ، ومَنْ تَعَاطَى الكَلَامَ لا يَخْلُو مِنْ بِدْعَةٍ. قال المَرُّوْذِيُّ: قُلْتُ لأَبِيْ عَبْدِ الله: إِنَّ الكَرَابِيْسِيَّ (٤) يَقُوْلُ: مَنْ لَمْ يَقُلْ لَفْظُهُ بالقُرآنِ مَخْلُوقٌ فهو كافِرٌ، فقَالَ: بلْ هُوَ الكَافِرُ.

стр. 250

وقَالَ: ثَارَ بِشْرٌ المَرِيْسِيُّ (١) وخَلَفَهُ حُسين الكَرَابِيْسيُّ، وقالَ لي: هذَا قَدْ تَجَهَّمَ وأَظْهَرَ الجَهْمِيَّةَ، يَنْبَغِي أَن يُحْذَّرَ عَنْهُ، وعن كلِّ مَنْ اتَّبَعَهُ. وَقَالَ الخَلَّالُ: أَخْبَرَنَا المَرُّوْذِيُّ: أَنَّ أَبا عبدِ الله ذَكَرَ حَارِثًا المُحَاسِبِيَّ (٢) فقَالَ: حارِثٌ أَصْلُ البَلِيَّةِ، يعني حَوَادِثَ كَلَام جَهْمٍ، مَا الآفةُ إلَّا حَارِثٌ، عامَّة مَنْ صحِبَهُ انْبَتكَ، إلَّا ابنَ العَلَّافِ (٣). فإِنَّه ماتَ مَسْتُوْرًا، حَذِّرُوا عن حَارثٍ أَشَدَّ التَّحْذِيْرِ، قلتُ: إِنَّ قومًا يختَلِفُون إِليه؟ قَالَ: نَتَقَدَّمُ إِليهم لَعَلَّهُمْ لا يَعْرِفُونَ بِدْعَتَهُ. فإِنْ قَبِلُوا وإلَّا هُجِرُوا، ليس للحَارِثِ تَوْبَةٌ، يُشْهَدُ عليه ويَجْحَدُ، إِنَّما التَّوْبَةُ لِمَنِ اعتَرَفَ. وَأَنْبَأَنَا أَبُو الحُسين بنُ المُهْتَدِي باللهِ، عن أبي الحُسَين ابن أخِي مِيْمِي (٤)، قَالَ: أَخْبَرَنَا عليُّ بنُ محمَّدٍ الموْصِلِيُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بنُ محمَّدٍ

стр. 251

الغَسَّانِيُّ، حَدَّثَنَا المَرُّوْذِيُّ، حدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، وأحمدُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ، قالا: مَكَثَ مَالِكُ بنُ أَنَسٍ ستِّين سَنَةً يَصُوْمُ يومًا ويُفْطِرُ يومًا، وكانَ يُصَلِّي في كلِّ يومٍ ثَمَانِمَائَة رَكْعَةٍ (١)، وكانَ يَرَى صَوْمَ النَّذْرِ مُتَتَابِعًا، ولا يُقْطَعُ. وبِهِ قال المَرُّوْذِيُّ: سَمِعْتُ سَلَمَةَ بنَ شَبِيْبٍ (٢) يقولُ: كُنْتُ عندَ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، فَجَاءَه رجلٌ فقَالَ: قَدْ ضَرَبْتُ بَرَّها -أَو قَالَ بَحْرَهَا- وقَدْ قَصَدْتُ إِلَيْكَ، ولولا أَنّي (٣) قيلَ لي في مَنَامِي: أَنْ (٤) آتيْكَ فأُخْبِرُكَ. ما جِئْتُ، فقِيْلَ (٥) لي: قُل له: إِنَّ اللهَ ﵎ قَدْ بَاهَى بِضرْبِكَ (٦) المَلَائِكَةَ. رَوى المَرُّوْذِيُّ: أَنَّ أَبَا عبدِ الله قال لَه: قُدِمَ بِيْ من خُرَاسَان وأَنَا حَمْلٌ، وَوُلِدْتُ ههنَا ولم أرَ جَدِّي ولَا أَبِي، ولا تَزَوَّجْتُ إلَّا بعدَ الأرْبَعِين. ٥١ - أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ (٧) بنِ خَالدِ بنِ شَيْرَزَاذَ، أَبُو بكرٍ المَعْرُوف

стр. 252

بـ"البُوْرَانيُّ"، "قَاضِيْ تِكْرِيْتَ" (١)، حدَّثَ عن أبي عَمَّارٍ المَرُّوْذِيِّ، ومُحمَّدِ ابنُ سُليمان وغَيرِهِمَا (٢)، وكانَ من الأصْحَابِ، رَوَى عنه ابنُ مالكٍ القَطِيْعِيُّ، وسَمَّاه أَحْمَدَ. وروَى عنه مُحَمَّدُ بنُ المُظَفَّرِ، ومُحَمَّدُ بنُ

стр. 253

يَزيدَ ابنِ مَرْوَان وغَيْرُهُمَا، فَسَمَّيَاهُ مُحَمَّدًا. وقَالَ أَبو حَفْصٍ العُكْبَرِيُّ (١): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ يَحْيَى (٢) الثَّقَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوْسُفُ بنُ (٣) يَعْقُوْبَ وابنُ عبدِ الرَّحمن الجَصَّاصُ، قالا: حدَّثَنَا أحمدُ بنُ محمَّدِ بنِ الفَرَج قَالَ: سَمِعْتُ البُوْرَانِيَّ القاضِيَ يَقُوْلُ: لأنْ أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ إِلى الأرْضِ أحَبُّ إِليَّ من أَزُوْلَ عن مَذْهَبِ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ (٤). قَالَ: وسَمِعْتُهُ يقولُ: الحَقُّ مَا كَانَ المَرُّوْذِيُّ عَلَيْهِ. ٥٢ - أحمدُ بنُ محمدِ (٥) بنِ خَالِدِ بن يَزيْدَ بنِ غَزْوَان، أَبُو العبَّاسِ البُرَاثِيُّ.

стр. 254

سَمِعَ عليَّ بنَ الجَعْدِ، وعبدَ اللهِ بنَ عَوْنٍ الخَرَّازَ، وكاملَ بنَ طَلْحَةَ، ويَحْيَى ابنَ الحِمَّانِيِّ، وإِمَامَنَا أَحْمَدَ في آخَرِيْنَ. رَوَى عَنْهُ إِسْمَاعِيلُ الخُطَبِيُّ، وحَبِيْبٌ القَزَّازُ، وغيرُهُما. أَنْبَأنًا يُوْسُفُ الصُّوفِيُّ (١)، قَالَ: أَخْبَرَنَا الحُسَيْنُ بن رِزْقُوْيَهْ، قالَ: قَرأَتُ عَلَى ابنِ القَاسِمِ القَزَّازِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو العبَّاسِ أحمدُ بنُ محمَّدِ بنِ خَالدٍ البُرَاثِيُّ، قَالَ (٢): سَأَلتُ أَبَا عبدِ الله أحمدَ بنَ حَنْبَلٍ، فَقُلْتُ لَهُ: إِذَا فَاتَنِي أوَّلُ صَلَاةِ الإِمَامِ فأدْرَكْتُ مَعَهُ من آخرِ صَلَاتِهِ، فَمَا أَعْتَدُّ أَنَّه أوَّلُ صَلَاتِيْ؟ فَقَال لِي: تَقْرَأُ فِيمَا يُقْضَى، يعني بالحَمْدِ وسُوْرَةٍ، وفي القُعُودِ تَقْعُدُ على ابتدَاءِ صَلَاتِكِ.

стр. 255

وقَالَ أَبُو العبَّاسِ البُرَاثِيُّ (١): لَمَّا مَاتَ أَبي كُنْتُ صَبِيًّا، فَجَاءَ النَّاسُ عَزُّوْني واكَثَرُوا، وجاءَنِي فيمَنْ جَاءَنِي بِشْرُ بنُ الحارِثِ، فقَالَ لي: يا بُنَيَّ، إِنَّ أَبَاكَ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا، وأَرْجُو أَنْ تكُونَ خَلَفًا مِنْهُ، بِرَّ وَالِدَتَكَ ولا تَعُقَّهَا، ولا تُخَالِفْهَا، يا بُنَيَّ، والزَمِ السُّوقَ، فإِنَّها مِنَ العَافِيَةِ، ولا تَصْحَبْ مَنْ لا خَيْرَ فيه، فَلمَّا قَامَ بِشْر قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: يا أَبا نَصْرٍ، أَنَا واللهِ أُحِبُّكَ، فَقَالَ: وَكَيْفَ لا تُحِبُّنِي ولَسْتَ لي بجَارٍ ولا قَرَابَةٍ. واختُلِفَ في وَفَاتِهِ، فقيلَ: سَنَةَ ثَلَاثِمَائَةَ. وقيلَ: سنةَ اثنَتَيْنِ وثَلاثِمَائة (٢). ٥٣ - أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ (٣) بنِ عَبدِ الله بنِ صَدَقَةَ، أَبُو بَكْرٍ، نَقَلَ عن إِمَامِنَا

стр. 256

"مسائلَ" وأَشْيَاءً كَثِيْرَة (١). مِنْهَا: ما أَنْبَأَنَا أَبُو القَاسِمِ المِهْرَوَانِيُّ، قال: أَخْبَرَنَا محمَّدُ بنُ أحمد بن رِزْقُوْيَه، قَالَ: قرأتُ على حَبِيْبٍ القَزَّازُ، قالَ: حَدَّثنا أَبُو بكرِ بنُ صَدَقَةَ قال: سَمِعتُ أَبا عَبْدِ الله أحمدَ بنَ مُحَمَّدِ بن (٢) حَنْبَلٍ سُئِلَ عن السُّرُّةِ؛ من العَوْرَةِ؟ فَقَالَ (٣): أَسْفَلُ السُّرَّةِ إلى الرُّكْبَةِ عَوْرَةٌ. قَالَ: وسُئِلَ عن اتِّخَاذِ الخَلِّ من الخَمْرِ (٤)؟ فَقَالَ: لَا. قَالَ: فإِنْ اتَّخَذَهَا؟ قَالَ: يُهْرِيْقُهَا. قَالَ: وسُئِلَ كيفَ يُعْمَلُ الخَلُّ من العَصِيْرِ (٥)؟ قَالَ: يُصَبُّ على العَصِيْرِ من الخَلِّ حتَّى يَعْلَمَ أَنَّه لا يَغْلِي. قَالَ: وسُئِلَ عن

стр. 257

الأذَانِ بالتَّرْجِيع؟ فَقَالَ (١): هُوَ أَذَانُ أبي مَحْذُوْرَةَ، وأهلُ المدينةِ يؤذِّنُونَ بأَذَانِ بِلَالٍ، ونَحْنُ إِلَيْهِ نَذْهَبُ، وكان آخرُ أذانِهِ مَثْنَى مَثْنَى (٢)، والإقامةُ فَرْدًا، إلَّا "قَدْ قَامَتِ الصَّلاةُ". وَمَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتسْعِيْنَ وَمَائَتينِ فيما نَقَلْتُهُ من "تاريخِ ابنِ المُنَادِيْ". ٥٤ - أحمدُ بنُ محمدِ (٣) بن عبدِ الله بن صَالحْ بن شَيْخِ بنِ عَمِيْرَةَ أَبُو الحَسَنِ الأسدِيُّ. قَرِيْبُ بِشْر بنِ مُوْسَى (٤). حَدَّثَ عنِ العَبَّاسِ بنِ الفَرَجِ الرِّيَّاشِيِّ، ومُحمَّدِ بنِ عُثمان بن أبِي صَفْوَانَ البَصْرِيِّ، ومُحَمَّدِ بنِ عُبَادَةَ الوَاسِطِيِّ، ومُحمَّدِ بنِ سُليمان لُوَيْنٍ،

стр. 258

وعبدِ الرَّحْمَن بنِ يُونُسَ الرَّقِّيِّ في آخرِين. رَوَى عن إِمامِنَا حَدِيثًا واحدًا، رَوَى عنه أبو بَكْرِ بنُ الأنْبَارِيُّ وغيره. قرأتُ في كتابِ ابنِ ثَابتٍ البَغْدادِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو طَالبٍ الدَّسْكَرِيُّ (١)، أخبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ المُقْرِئُ، حدَّثنَا أحمدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عبدِ الله بنِ شَيْخِ بنِ عَمِيْرَةَ، أَبو الحَسَنِ الأسدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثنَا مُحمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عن أَبي سِنَان، عن سَعِيْد بن جُبَيْرٍ في قَوْلهِ تَعَالَى (٢): ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣)﴾ قَالَ: الصَّلاةُ في الجَمَاعَةِ. (٣) قَالَ: وسُئِلَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْهُ؟ فَقَالَ: ثِقَةٌ (٤). ومَاتَ في جُمَادَى الأولَى سنةَ تِسْعٍ وثَلاثمائة (٥).

стр. 259

٥٥ - أحمدُ بن مُحَمَّدِ (١) بن عبدِ الحَمِيْدِ الكُوْفِيُّ، أحدُ أَصْحَابِ إِمَامِنَا. قالَ أَبُو بَكْرٍ الخَلَّالُ: حَدَّثَنِي أَنَّه سَأَلَ أَبَا عَبدِ الله: أَيُّمَا أَعْجَبُ إِلَيْكَ في القَبْرِ: اللَّبِنُ، أو القَصَبُ؟ فَقَالَ: القَصَبُ (٢). ٥٦ - أحْمَدُ بن محَمَّدِ (٣) بنِ عِيْسَى بنِ الأزْهَرِ، أَبُو العبَّاسِ

стр. 260

البِرْتِي (١)، وُلِيَ القَضَاءَ بِبَغْدَادَ بالجَانِبِ الغَرْبِيِّ وبالشَّرْقِيَّةِ، وهو الكَرْخُ، في أَيَّامِ المُعْتَمِدِ عَلَى اللهِ (٢). ثُمَّ نُقِلَ من قَضَاءِ الغَرْبِيِّ ومن الشَّرقِيَّةِ إلى الجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وكان لَمَّا مَاتَ أَبُو هِاشمٍ (٣) سنةَ تسعٍ وأربعين ومائتين أوَّلَ ولايةِ البِرْتِيِّ بِبَغْدَادَ، وكانَ قَدْ صَحِبَ يَحْيَى بنَ أَكْثَمِ (٤). وكان قَبلَ ذلِكَ يَتَقَلَّدُ قَضَاءَ وَاسِطَ، وكان دَيِّنًا عَفِيْفًا.

стр. 261

نَقَلَ عن إِمَامِنَا "مسائلَ" كثيرةً، منها: ما أَنْبَأنَا عليٌّ البُنْدَارُ، عن أَبي عبدِ الله بنِ بَطَّةَ، قَالَ: حدَّثنُا الحُسَيْنُ بنُ صَفْوَان البَرْذَعِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ البِرْتِيُّ القَاضِي، قَالَ (١): سأَلتُ أَبا عبدِ الله أحمدَ بنَ مُحمَّدِ بنِ حَنْبَلٍ عن بَيْعِ المُدَبَّرِ: هل يَجُوزُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فقلتُ لَهُ: ولِمَ جَازَ عَنْدَكَ؟ قَالَ: لحَدِيْثِ جَابرٍ، ولَمْ أَرَ لَهُ دَافِعًا، وعَلَيْهِ نَعْتَمِدُ. قَالَ (٢): وسأَلتُهُ عن شَهَادَةِ القَاذِفِ إذَا تَابَ؟ فقالَ: أُراهَا جَائِزَةً: فَقُلْتُ لهُ: تَعْتَمِدُ على حَدِيْثِ عُمَرَ في قَولهِ لأبي بَكْرَةَ (٣): "إِنْ تُبْتَ قَبِلْتُ شَهَادَتَكَ"؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَقَوْلُ اللهِ أَبْيَنُ (٤): ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾. وماتَ سنةَ ثَمَانِيْنَ وَمَائَتينِ.

стр. 262

٥٧ - أحمدُ بن محمَّدِ (١) بنِ هَانِئٍ، الطَّائِيُّ -ويُقَالُ: الكَلْبِيُّ- الأثْرَمُ الإسْكَافِيُّ، أَبُو بَكْرٍ، جَلِيْلُ القَدْرِ، حافِظ، إِمَامٌ. سَمِعَ حَرَمِيَّ بنَ حَفْصٍ، وعَفَّانَ بنَ مُسْلِمٍ، وأَبَا بَكْرِ بنَ أَبي شَيْبَةَ، وعبدَ اللهِ بنَ مُسْلمٍ القَعْنَبِيَّ، وإِمَامَنَا في آخرين. نَقَلَ عن إِمَامِنَا "مَسَائِلَ" كَثيْرَةً، وصنَّفَها ورَتَّبها أبوابًا. أخبَرَنَا عبدُ الرَّحْمن بنُ أحمدَ (٢) -قراءةً- أخبَرَنَا إبراهيمُ البَرْمِكيُّ، أخبَرَنَا محمَّدُ بنُ بُخَيْتٍ (٣)، حدَّثَنَا عُمَرُ بنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الأثْرَمُ،

стр. 263

حَدَّثنَا مُحمَّدُ بنُ سَيَّارٍ، حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ صَاحِبُ الطَّيَالِسَةِ، حدَّثَنَا شُعْبَةُ عن عَاصِمٍ الأحْوَلِ، عن أَبي حاجبٍ، عن الحَكَمِ، بن (١) عَمْروٍ الغِفَارِيِّ، وهو الأقْرَعُ "أنَّ النَّبَيَّ ﷺ نهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ وَضُوْءِ المَرْأَةِ" (٢). وبِهِ قَالَ: (٣) قُلْتُ لأبِي عَبْدِ اللهِ: فَضْلُ وَضُوْءِ المَرْأَةِ؟ قَالَ: إِذَا خَلَتْ بِهِ فَلَا يُتَوَضَّأُ مِنْهُ، إِنَّمَا رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَوَضَّئآ جَمِيْعًا. وبِهِ قَالَ (٤): سَمِعْتُ أَبَا عبدِ الله سُئِلَ عن مَسْحِ الرَّأْسِ كَيْفَ هُوَ؟ فَقَالَ: هكَذَا وَوَضَعَ يَدَيْهِ كِلْتَيْهِمَا على مُقَدَّمِ رَأْسِهِ، ثُمَّ جَرَّهُمَا إِلى مُؤَخَّرِ رَأْسِهِ، ثُمَّ رَدَّهُمَا جَمِيْعًا إِلى المَكَانِ الَّذِي مِنْهُ بَدَأَ، وذلِكَ كُلُّهُ في مَرَّةٍ، لم

стр. 264

يَرْفَعْهُمَا عن رَأْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: عَلَى حَدِيْثِ عبدِ الله بن زَيْدٍ. وبِهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبا عبدِ الله يُسْأَلُ عن المَسْحِ على العِمَامَةِ، قيلَ لَهُ: تَذْهَبُ إِليه؟ قَالَ: نَعَم. (١) قال أَبُو عبدِ الله من خَمْسَةِ وُجُوهٍ عن النَّبيِّ ﷺ . وبِهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عبدِ اللهِ يُسْأَلُ عن رَجُلٍ نَسِيَ المَضْمَضَةَ والاستِنْشَاقِ في وُضُوئِهِ؟ قَالَ: (٢) يُعيْدُ الصَّلَاةِ، قلتُ لأبي عبدِ الله: يُعِيْدُهُمَا، أَمْ يُعِيْدُ الوَضُوْءَ كُلَّهُ؟ قالَ: لا، بَلْ يُعِيْدُهُمَا ولا يُعِيْدُ الوَضُوْءَ، قُلْتَ لأبِي عبدِ اللهِ: فَنَسِيَ المَضْمَضَةَ وحدَهَا فَقَالَ: الاستنْشَاقُ عِنْدِي أَوْكَدُ. وبِهِ قَالَ: سأَلتُ أَبا عبدِ اللهِ عن الوَضُوْءِ من القَيْءِ؟ فَقَالَ: نَعَم، يَتَوضَّأُ، قُلتُ لَهُ: على إِيجَابِ الوَضُوْءِ؟ قَالَ: نَعَم، واحتَجَّ بحَدِيْثِ ثَوْبَان (٣) "أَنَا صَبَبْتُ لِرَسُوْلِ اللهِ وَضُوْءَهُ". وقَالَ الأثْرَمُ: سَأَلتُ أَبَا عبدِ الله عنِ القَرَاءَةِ بالألْحَانِ (٤)؟ فَقَالَ: كُلُّ شَيْءٌ مُحْدَثٌ فَإِنَّه لا يُعْجِبُنِيْ، إِلَّا أَنْ يَكُوْنَ صَوْتَ الرَّجُلِ لا يَتكلَّفَهُ.

стр. 265

وقال الأثْرَمُ: سَأَلْتُ أَبَا عبدِ اللهِ عن التَّعرِيْفِ في الأمْصَارِ (١)، يَجْتَمِعُوْنَ في المَسَاجِدِ يومَ عَرَفَةَ؟ قَالَ: أَرْجُو أَنْ لا يكونَ بِهِ بَأسٌ، فَعَلَهُ غيرُ واحدٍ، قَالَ أَبو عبدِ الله: الحَسَنُ، وبَكْرٌ، وثابتٌ، ومحمَّدُ بنُ واسِعٍ، كانُوا يَشْهَدُونَ المَسْجِدَ يَوْمَ عَرَفَةَ. وقال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أَحْمَدُ -وذُكِرَ سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ- فَقَالَ: مَا رأَيْنَا نَحنُ مِثْلَهُ وقَالَ عَليُّ بنُ المَدِيْنِيُّ: حَجَّ سُفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ ثِنْتَينِ وسَبْعِين حَجَّةً، مَاتَ عَطَاءٌ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ ومائة، وحَجَّ سُفْيَانُ بعدَ مَوْتهِ بِسَنَةٍ، وهو ابنُ تِسْعِ سِنيْن، فَلَمْ يَزَلْ يَحُجُّ حَتَّى مَاتَ. وقالَ الأثْرَمُ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عن مُقاتلِ بنِ سُليمان (٢)؟ فقَالَ لي: ما أقُولُ؟ ما رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْلَمُ بالتَّفسِيرِ من مُقَاتِلِ بنِ سُليمان. وقَالَ الأثْرَمُ: كُنْتُ عندَ خَلَفٍ البَزَّارُ، (٣) يومَ جُمْعَةٍ، فَلمَّا قُمْنَا مِنَ المَجْلِسِ صِرْتُ إِلَى قَرْنِ الصَّرَاةِ (٤)، فأَرَدْتُ أَنْ أَغْتَسِلَ للجُمُعَةِ فَغَرَقْتُ، فلَم أَجِدْ شَيْئًا أَتَقَرَّبُ بِهِ إِلى الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَكثرَ عِنْدِي مِنْ أَنْ قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنْ تُحْيِنِيْ لأتُوْبَنَّ منْ صُحْبَةِ حَارِثٍ -يَعْنِي المُحَاسِبِيَّ-.

стр. 266

وقالَ الأثرمُ: كانَ حَارِثٌ المُحَاسِبيُّ في عُرْسٍ لِقَوْمٍ، فَجَاءَ يَطَّلِعُ على النَّسَاءِ من فَوْقِ الدَّرابْزِين (١)، ثُمَّ ذَهَبَ يُخْرِجُهُ -يَعْني رأَسَهُ- فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قالَ: أَرَدْتُ أَن أَعتَبِرَ بالحُوْرِ العَيْنِ. قال الأثْرَمُ -في أَثْنَاءِ كِتَابٍ إِلَى الثَّغْرِ-: أَعَاذَنَا اللهُ وإِيَّاكُم من كلِّ مُوبِقَةٍ، وأَنْقَذَنَا وإِيَّاكُمْ من كلِّ مُهْلِكَةٍ، وسَلَّمَنَا وإِيَّاكُمْ مِنْ كُلِّ شُبْهَةٍ، ومَسَّكَنَا وإِيَّاكُمْ بِصَالِحِ مَا مَضَى عليه أَسْلَافُنَا وأَئِمَّتُنَا، كتابِي إِلَيْكُم -ونَحنُ في نِعَمٍ مُتَوَاصِلَةٍ-، نَسْأَلُ اللهَ تَمَامَهَا، نَرْغَبُ إِلَيْهِ في الزِّيادةِ مِنْ فَضْلِهِ، والعَوْنِ على بُلُوغِ رِضَاهُ، إِنَّ في كثيرٍ مِنَ الكلامِ فِتْنَةً، وبحَسْبِ الرَّجُلِ مَا بَلَغَ بِهِ من الكَلَامِ حَاجَتَهُ، ولَقَدْ حُكِيَ لنا أَنَّ فَضْلًا كَانَ يَتَلَاكَنُ في كَلَامِهِ، فإِنَّ في السُكُوتِ لَسَعةً، ورُبَّمَا كانَ من الأمُورِ ما يَطِيْقُ عَنُه السُّكُوتُ، وذلِكَ لِمَا أَوْجَبَ اللهُ مِنَ النَّصِيْحَةِ، ونَدَبَ العُلَمَاءُ مِنَ القِيَامِ بِهَا للخَاصَّةِ والعَامَّةِ؛ ولولَا ذلِكَ كانَ ما دَعَا إِلَيْه من الخُمُوْلِ أَصْوَبُ في دَهْرٍ قَلَّ فيه مَنْ يُستَرَاحُ إِلَيْهِ، ونَشَأَ فِيه مَنْ يُرْغَبُ عَنْهُ، ونَحنُ في موضعِ انقطَاعٍ عن الأمْصَارِ، فرُبمَا انتَهَى إِلَيْنَا الخَبَرُ الَّذي يُزْعِجُنَا، فَنَحْرَصُ على الصَّبْرِ، فَنَخَافُ وُجُوْبَ الحُجَّةِ من العِلْمِ. ولَقَدْ تَبَيَّنَ عندَ أَهْلِ العِلْمِ عِظَمُ المُصِيْبَةِ بِمَا فَقَدْنَا من شَيْخِنَا ﵁، أبي عبدِ اللهِ أَحْمَدَ بنِ محمَّدِ بن حَنْبَلٍ إِمَامِنَا ومُعلِّمِنَا، ومُعلِّمِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا مُنْذُ أَكْثر مِنْ ستِّين سَنَةً، وَمَوْتُ العالِمِ مُصْيَبةٌ لا تُجْبَرُ، وثُلْمَةُ لا تُسَدُّ،

стр. 267

ومَا عَالِمٌ كعَالمٍ، إِنَّهُم يَتَفَاضَلُوْنَ ويَتبَايَنُوْنَ بَوْنًا بَعِيْدًا، فَقَدْ ظَنَنْتُ أَنَّ عَدُوَّ اللهِ وعَدُوَّ المُسلِمِين إِبْليسُ وجُنُوْدُهُ قَدْ أَعَدُّوا مِنَ الفِتَنِ أَسْبَابًا، انتَظَرُوا بِهَا فَقْدَهُ؛ لأنَّه كَانَ يَقْمَعُ باطِلَهُم، ويُزْهِقُ أَحْزَابَهُم، وكَانَت أَوَّلَ بدعةٍ عَلِمْتُهَا فاشيةٍ من الفِتَنِ المُضِلَّةِ، ومن العَمَايَةِ بعدَ الهُدَى، وقدْ رأَيْتُ قَوْمًا في حَيَاةِ أبي عبدِ الله كانُوا لَزِمُوا البَيْتَ على أَسْبَابٍ من النُّسُكِ، وقلَّةٍ من العِلْمِ، فأكرَمَهُمُ النَاسُ بِبَعْضِ مَا ظَهَرَ لَهُم من حُبِّهم للخَيْرِ، فدَخَلَهُم العُجْبُ مَعَ قِلَّةِ العِلْمِ، فَكَانَ لا يَزَالُ أَحَدُهم يَتَكَلَّمُ بالأمْرِ العَجِيْبِ، فيدفَعُ اللهُ ذلِكَ بقولِ الشَّيخِ -جَزَاهُ الله أَفْضَلَ مَا جَزَى مَنْ تَعَلَّمْنَا مِنْهُ-: ولا يَكُوْنُ من أحدٍ مِنْهُم من ذلِكَ شَيءٌ إِلَّا كَانَ سَبَبَ فَضِيْحَتِهِ، وهَتْكَ مَا مَضَى من سِتْرِهِ، فأَنَا حَافِظٌ من ذلِكَ لأشياءٌ كثيرةٌ، وإِنَّما هذَا من مَكَايدِ إِبليسَ مَعَ جُنُودِهِ، يَقُولُ لأحَدِهِم: أَنْتَ أَنْتَ، ومَنْ مِثْلك؟ فَقُلْ، قَدْ قَالَ غيْرُكَ، ثُمَّ يُلْقِيْ في قَلْبِهِ الشَّيْءَ، وليسَ هُنَاكَ سَعَةٌ في عِلْمٍ، فيُزَيِّنُ عندَهُ أَنْ يَبْتَدِئَهُ ليَشْمَتَ بهِ، وإِنَّ كلَّ مُحْدَثةٍ بِدْعَةٌ، وكلَّ بدْعَةٍ ضَلَالةٌ، (١) وكلَّ ضَلَالَةٍ (١) في النَّارِ. وقَدْ ظَنَنْتُ أَنَّ آخَرِيْنَ يَلْتَمِسُونَ الشُّهرَةَ، ويُحِبُّونَ أَن يَذْكُرُوا، وقَدْ ذُكِرَ قَبلَهُمْ قومٌ بأَلْوَانٍ مِنَ البِدَعِ فافتُضِحُوا، ولأَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ تَابِعًا في الخَيْرِ خَيْرٌ مَنْ أَنْ يَكُوْنَ رَأَسًا في الشَّرِّ، وقَدْ قَالَ ابنُ مَسْعُوْدٍ: "اتَّبِعُوا، ولا تَبْتَدِعُوا فَقَدْ كُفِيْتُم، كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ" وقَالَ: (٢) "أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُم

стр. 268

سَتُحْدِثُوْنَ ويُحْدَثُ لَكُمْ، فَإِذَا رَأيْتُمْ مُحْدَثَةً فَعَلَيْكُمْ بالأمْرِ الأوَّلِ" وقال النَّبِيُّ ﷺ : "البرَكَةُ مَعَ أَكَابِرِكُمْ" وقال ابنُ مَسْعُوْدٍ: "لا يزَالُ (١) النَّاسُ بخَيْرٍ مَا أَخَذُوا العَلْمَ عَنْ أَكَابِرِهِمْ" وقال ابنُ عُمَرَ: "كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وإِنْ رآهَا النَّاسُ حَسَنَةً" وقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَلَا هَلَكَ المُتَنَطِّعُوْنَ" (٢) وقَالَ الصِّدِّيقُ ﵁: "أيُّ أَرْضِ تُقِلُّني؟ وأيُّ سَمَاءٍ تُظِلِّنِي؟ إِذَا قُلْتُ في كِتَابِ الله مَا لَا أَعْلَمُ". وقال عَلِيٌّ: "مَا أَبْرَدَها عَلَى الكَبِدِ إِذَا سُئِلَ الرَّجُلُ عَمَّا لا يَعْلَمُ: أَنْ يَقُولَ: لا أَعْلَمُ". وقال أَبُو مُوسَى: "مَنْ عَلَّمَهُ اللهُ عِلْمًا فليُعَلِّمْهُ النَّاسَ، وإِيَّاهُ أَنْ يَقُولَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بهِ، فيَصِيْرَ مِنَ المُتكلِّفِيْنَ، ويَمْرُقَ مِنَ الدِّيْنِ". وقَالَ ابنُ مَسْعُوْدٍ: "إِذَا سُئِلَ أَحَدُكُمْ عَمَّا لا يَعْلَمُ، فَلْيُقِرَّ، ولَا يَسْتَحِيْ". ورَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في أَحَاديثَ أَنَّهُ قَالَ: (٣) "مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ والمَلَائِكَةِ والنَّاسِ أَجْمَعِيْن" وفي بَعضِهَا: "لَا تَجُوْزُ شَهَادَةُ مُحْدِثٍ في الإسْلَامِ" وفي بَعْضهَا: "أَنَّه قيلَ: يَا رَسُوْلَ الله، ومَا الحَدَثُ؟ قَالَ: مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بغَيْرِ نَفْسٍ، ومَنْ امتَثَلَ مُثْلَةً بغَيْرِ

стр. 269

قَوَدٍ، أو ابتَدَعَ بِدْعَةً بِغَيْرِ سُنَّةٍ" فَقَرَنَ ذلِكَ بقَتْلِ النَّفْسِ، ولَعْنَةِ اللهِ والمَلَائِكَةِ وقَالَ الشَّعْبِيُّ: "مَا حَدَّثُوْكَ عَنْ رأَيِهِمْ فأَلْقِهِ في الحُشِّ" (١). وقَالَ عُمَرُ بنُ عبدِ العَزيزِ: "إِيَّاكَ وَمَا أَحْدَثَ المُحْدِثُوْنَ؛ فإِنَّهُ لَمْ تَكُنْ بِدْعَةٌ إلَّا وَقَدْ مَضَى قَبْلَهَا مَا هُوَ دَلِيْلٌ عَلَيْهَا، وعِبْرَةٌ مِنْهَا، فَعَلَيْكَ بلُزُوْمِ السُّنَّةِ؛ فإِنَّها لَكَ -بإِذْنِ الله- عِصْمَةٌ، وإِنَّ السُّنَّةَ، إِنَّمَا سَنَّها مَنْ قَدْ عَلِمَ ما جَاءَ في خِلَافِهَا من الخَطَأِ والزَّلَلِ والحُمْقِ والتَّعَمُّقِ، وارْضَ لنَفْسِكَ بِمَا رَضِيَ به القَوْمُ لأنْفُسِهِمْ؛ فإِنَّهُم عن عِلْمٍ وَقَفُوا وببَصَرٍ نَاقِدٍ كُفُوا، ولَهُم على كَشْفِ الأمُورِ كَانُوا أَقْوَى، وبِفَضْلٍ -لَوْ كَانَ فيها- أَحْرَى، إِنَّهُمْ لَهُمُ السَّابِقُون، فَلَئِنْ كَانَ الهُدَى ما أَنْتُم عَلَيْهِ فَقَدْ سَبَقْتُمُوْهُمْ إِلَيْهِ، وإِنْ قُلْتُمْ: حَدَثَ مَا حَدَثَ بَعْدَهُم، ما أَحْدَثَهُ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيْلِهِمْ، ورَغِبَ بنَفْسِهِ عَنْهُمْ، ولَقَدْ تَكَلَّمُوا مِنْه بِمَا يَكْفِي، وَوَصَفُوا مِنْه ما يَشْفِي، فَمَا دُوْنَهُم مُقَصِّرٌ، ولا فَوْقَهُم مُحَسِّرٌ، لَقَدْ قَصَّرَ دُونَهُم أَقْوَامٌ فَجَفَوْا، وَطَمَحَ آخَرُوْنَ عَنْهُم فَغَلَوْا، وإِنَّهُم مَعَ ذلِكَ لعَلَى هُدى مُسْتَقِيْمٍ". وقَالَ القَاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ (٢): "لأنْ يَعِيشَ الرَّجُلُ جَاهِلًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَقوْلَ

стр. 270

على اللهِ مَا لَا يَعْلَمُ". وقَالَ ابنُ مَسْعُوْدٍ: "إِنَّ من العِلْمِ إِذَا (١) سُئِلَ الرَّجُلُ عَمَّا لا يَعْلَمَ أَنْ يَقُولَ: اللهُ أَعْلَمُ". وقال ابنُ عُمَرَ: "العِلْمُ ثَلَاثٌ؛ آيةٌ مُحْكَمَةٌ، وسُنَّةٌ مَاضِيَةٌ، ولا أَدْرِي". وقال الشَّعْبِيُّ (٢): "لا أَدْرِي نِصْفُ العِلْمِ". وقالَ الرَّبِيْعُ بن خُثَيْمٍ (٣): "إِيَّاكَ أَنْ يَقُوْلَ الرَّجُلُ: حُرِّمَ هَذَا، ونُهِيَ عَن هَذَا، فَيقُولُ اللهُ لَهُ: كَذَبْتَ". وقالَ أَحْمَدُ بنُ عبدِ الرَّحْمَن الحِمْيَرِيُّ: "لأنْ أَرِدَهُ مَغَبَّةً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أنْ أَتَكَلَّفَهُ". وقَالَ الشَّعْبِيُّ: "واللهِ مَا أُبَالِي سُئِلْتُ عَمَّا أَعْلَمُ، أَوْ عَمَّا لَا أَعْلَمُ". يَقُولُ: إِنَّه يَسْهُلُ عَلَيَّ أَنْ أَقولَ: لا أعْلَمُ. وقَالَ

стр. 271

عَبْدُ الله بنِ عُتْبَةَ بنِ مَسْعُوْدٍ (١): "إِنَّكَ لَنْ تُخْطِئَ الطَّرِيْقَ مَا دُمْتُ عَلَى الأثَرِ". وقالَ ابنُ عَبَّاسٍ: "عَلَيْكَ بالاسْتِقَامَةِ، وإِيَّاكَ والبِدَعَ والتَّبَدُّعَ". وقالَ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ: "إِيَّاكُمْ والتَّبَدُّعَ والتَّنطُّعَ، وعَلَيْكُمْ بالعَتِيْقِ". وقالَ ابنُ عَبَّاسٍ: "لا تَضْرُبوا كِتَابَ اللهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، فإِنَّ ذلِكَ يُوقِعُ الشَّكَّ في قُلُوبِكُمْ". وقَالَ إِبراهيمُ (٢): "مَا جَعَلَ اللهُ في هَذِهِ الأهْوَاءِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَمَا هِيَ إِلَّا زِيْنَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَمَا الأمْرُ إِلَّا الأمْرُ الأوَّلُ، وقَدْ جَعَلَ اللهُ عَلَى الحَقِّ نُورًا يُكْشَفُ بِهِ العُلَمَاءُ، ويُصْرَفُ بهِ شُبُهَاتُ الخَطَأِ، وإِنَّ البَاطِلَ لَا يَقُوْمُ لِلْحَقِّ، قَالَ اللهُ (٣): ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨)﴾ فَهذِهِ لِكُلِّ وَاصفٍ كَذَبَ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، وإِنَّ أَعْظَمَ الكَذِبِ أَنْ تَكْذِبَ عَلَى اللهِ". وإِنَّ أَبَا عبدِ الله ﵁ (٤)، وإِنْ كَانَ قِرِيْبًا مَوْتُهُ، فَقَدْ تَقَدَّمَتْ إِمَامَتهُ، ولم يُخَلِّفْ فِيْكُمْ شُبْهَةً، وإِنَّمَا أَبْقَاهُ اللهُ ليَنْفَعَ بِهِ، فَعَاشَ مَا عَاشَ حَمِيْدًا، ومَاتَ بحَمْدِ اللهِ مغْبُوطًا، يَشْهَدُ لَهُ خِيَارُ عِبَادِ الله الَّذِين جَعَلَهُم اللهُ شُهَدَاءَ في أَرْضِهِ،

стр. 272

ويَعْرِفُوْنَ لَهُ وَرَعَهُ وتَقْوَاهُ، واجتِهَادَهُ وزُهْدَهُ، وأَمَانَتَهُ في المُسْلِمين، وفَضْلَ عِلْمِهِ، ولَقَدْ انْتَهَى إِلَيْنَا أَنَّ الأئمَّةَ الَّذينَ لمْ نُدْرِكْهُمْ كَانَ مِنْهُم مَنْ يَنْتَهِي إِلى قَوْلهِ، ويَسأَلُهُ، ومِنْهُم مَنْ يُقَدِّمُهُ ويَصِفُهُ، ولَقدْ أُخْبِرْتُ أَنَّ وَكِيْعَ بنَ الجَرَّاحِ كانَ رُبَّمَا سَأَلَهُ؛ وأَنَّ عبدَ الرَّحْمَن بنَ مَهْدِيْ كانَ يَحْكِيْ عنه، ويَحْتَجُّ بِهِ، ويُقَدِّمُهُ في العِلْمِ ويَصِفُهُ، وذلك نَحْوَ سِتِّين سَنَة، وأُخْبِرْتُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ كانَتْ أكثرُ مَعْرِفَتِهِ بالحَدِيْثِ مِمَّا تَعَلَّمَ مِنْه، ولَقَدْ أُخْبِرْتُ أَنَّ إِسْمَاعِيْلَ بنَ عُلَيَّة كان يَهَابُهُ، وقالَ لي شَيْخٌ مَرَّةً: ضَحِكْنَا مِنْ شَيءٍ، وثَمَّ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، فَجِئْنَا بَعْدُ إِلى إِسْمَاعِيْلَ فَوَجدْنَاهُ غَضْبَانًا، فقَالَ: تَضْحَكُوْنَ وعِنْدِيْ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ؟ وأُخْبِرْتُ أَنَّ يَزِيْدَ بنَ هَرُون (١) ذَكَرَهُ فَبَكَى، وأُخْبِرْتُ أَنَّ يزيدَ عَادَهُ في مَنزلهِ، وأُخبِرْتُ أَنَّ أَبَا عَاصِمٍ (٢) قَالَ: مَا جَاءَنَا مِثْلَهُ، وكَمْ بَلَغَنَا مِثْلَ هَذَا، وذكر تَمَامَ الرِّسَالَةِ بطُولهَا. وقَالَ أَبُو بَكْرٍ الخَلَّالُ -وَذَكَرَ الأثْرَمَ- فَقَالَ: جَلِيْلُ القَدْرِ، حَافِظٌ. وكانَ عَاصِمُ بنُ عَليِّ بن عَاصِمٍ (٣) لما قَدَمَ بَغْدَاد طَلَبَ رَجُلًا يُخرِّجُ لَهُ

стр. 273

فوائدَ يُمليها (١) فلم يَجِدْ (٢) لَهُ في ذلِكَ الوَقْتِ غيرَ أَبي بَكْرٍ الأثْرَمِ، فكأَنَّهُ لَمَّا رَآهُ لم يَقَعْ مِنْهُ بموقعٍ؛ لِحَدَاثَةِ سِنِّهِ، فَقَالَ لَهُ: أَخْرِجْ كُتُبَكَ. فَجَعَلَ يَقُوْلُ لَهُ: هَذَا الحَدِيْثُ خَطَأٌ، وهذَا الحَدِيْثُ كَذَا، وهَذَا غَلَطٌ، وأَشْيَاءٌ نحوَ هَذَا. فَسُرَّ عاصِمٌ بِهِ، وأَمْلَى (٣) قريبًا من خَمْسِين مَجْلِسًا، فعُرِضَتْ على أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ فَقَالَ: هَذِهِ أَحَادِيْثُ صِحَاحٌ، وكانَ يَعْرِفُ الحَدِيْثَ ويَحْفَظُهُ، وَيَعْلَمُ العُلُوْمَ (٤) والأبْوَابَ والمُسْنَدَ. فَلَمَّا صَحِبَ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ تَرَكَ

стр. 274

ذلِكَ، فأَقْبَلَ على مَذْهَبِ أَبي عَبْدِ اللهِ، فَسَمِعْتُ أَبا بَكْرٍ المَرُّوْذِيُّ يَقْولُ: قَالَ الأثْرَمُ: كُنْتُ أَحْفَظُ -يَعْنِي الفِقْهَ والاخْتِلَافَ- فَلمَّا صَحِبْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ تَرَكْتُ ذلِكَ كُلَّهُ (١)، وكَانَ مَعَهُ تَيَقُّظٌ (٢) عَجِيْبٌ [جِدًّا] (٣)، حَتَّى نَسَبَهُ يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ، ويَحْيَى بنُ أَيُّوبَ المَقَابِرِيُّ، فَقَالَ: أَحَدُ أَبَوَيْ الأثْرَمِ جِنِّيٌّ. وَقالَ الخَلَّالُ (٤): وأَخبَرنِي أَبُو بَكْرِ بنُ صَدَقَةَ (٥)، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا القَاسِم بنَ الخُتَّلِيِّ (٦) قال: قَدِمَ رَجُلٌ، فقَالَ: أُريدُ رَجَلًا يكتُبُ لي من كِتَابِ الصَّلاةِ ما ليسَ في كُتُبِ ابن أَبي شَيْبَةَ، قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ -أَو فَقَالُوا- ليسَ لَكَ إلَّا أَبُو بَكْرٍ الأثْرَمُ، قَالَ: فَوَجَّهُوا إِليه وَرَقًا، فكَتَبَ ستَّمَائة وَرَقَةٍ من كِتَابِ الصَّلاةِ، قَالَ: فَنَظَرْنَا فإِذَا ليس في كتابِ ابنِ أبي شَيْبَةَ مِنهُ شَيءٌ. قَالَ: وسَمِعْتُ الحَسَنَ بنَ عَلِيِّ بنِ عُمَرَ الفَقِيهَ (٧) يَقُوْلُ: قَدِمَ شَيْخَان

стр. 275

من خُرَاسَان للحَجِّ، فَحَدَّثَا، فلَمَّا خَرَجَا طَلَبَ قَوْمٌ من أصْحَابِ الحَديثِ أحدُهُما، قال: فخَرَجَ -يَعني إلى الصَّحْرَاءِ- فَقَعَدَ هذَا الشَّيخُ ناحيةً، مَعَهُ خَلْقٌ من أَصْحَابِ الحَديثِ والمُستَمْلِي، وقَعَدَ الآخرُ ناحِيَةً، قالَ: وقَعَدَ الأثْرَمُ بَيْنَهُمَا، فَكَتَبَ مَا أَمْلَاهُ هَذَا وما أَملَاهُ هذَا. قَالَ: وأَخبرَنِي عبدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعْيدَ بنَ عَتَّابٍ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ يَحْيَى بنَ مَعْينٍ يَقُوْلُ: كَانَ أَحَدُ أسَلوَيْ الأثْرَم جِنِّيًّا (١). قالَ: وأَخْبَرَنِي أَبو بَكْرِ بنُ صَدَقَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ إبراهيمَ بنِ الأصْبَهَانِيُّ يَقُوْلُ: أَبُو بَكْرٍ الأثْرَمُ أحفَظُ من أَبي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ وأَتْقَنُ (٢). قَالَ: وسمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بنَ عليٍّ يقولُ: سَمِعْتُ أَبا بكرٍ الأثْرَمُ يقولُ: أَحمدُ بنُ حَنْبَلٍ سِتْرٌ مِنَ اللهِ عَلَى أَصْحَابِهِ، فيَنْبَغِي لأصْحَابِ أحمدَ أَن يَتَّقُوا الله ولا يَعْصُوْهُ، مَخَافَةَ أَنْ يُعَيَّرُوا بأَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ. وقَالَ أَحْمَدُ -في روايةِ الأثْرَمِ (٣) -: والمُحْرِمُ لا يَلْبَسُ نَعْلًا لَهَا قَيْدٌ. وَوَصْفُ القَيْدِ: سَيْرٌ يُجْعَلُ في الزِّمَامِ مُعْتَرِضًا. قالَ: وقَالَ الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبضا عَبْدِ الله مِرَارًا يَقُوْلُ: إِذَا قَامَ من

стр. 276

المَجْلِسِ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، حَتَّى أَرَى شَفَتَيْهِ تَتَحَرَّكَانِ، فلَا أَفْهَمُ بَقِيَّةَ كَلَامِهِ، كَأَنَّهُ يَذْهَبُ إلى ما رُوِيَ عن النَّبِيِّ ﷺ في كَفَّارَةِ المَجْلِسِ (١). رَوَى أَبو بَرْزَةَ وأَبُو هُرَيْرَةَ عن النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَقُولَ: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لَا إلَهَ إلَّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأَتُوْبُ إِلَيْكَ" ولم يَقَعَ لي تَارِيخُ وَفَاتِهِ (٢).

стр. 277

٥٨ - أَحْمَدُ بن محمدٍ (١) المُزَنِيُّ (٢)، أَحَدُ الأصْحَابِ، قَالَ أَبُو بكرٍ الخَلَّالُ: أَخْبَرَنِي أَنَّه سَأَلَ أَبا عبدِ الله عن شَهَادَةِ القَاذِفِ (٣) إِذَا تَابَ؟ فَقَالَ: أُرَهَا جائِزَةً، فَقُلْتُ له تَعْتَمِدُ على حديثِ عُمَرَ في قولِهِ لأَبي بَكْرَةَ "إِنْ تُبْتُ قَبِلْتُ شَهَادَتَكَ"، فَقَالَ (٤): نَعَم، وقَوْلُ اللهِ أَبْيَنُ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ (٥). ٥٩ - أَحْمَدُ بنُ محمَّدٍ، (٦) أبو الحَارِثِ الصَّائِغُ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ الخَلَّالُ، فَقَالَ: كانَ أَبُو عَبدِ الله يأَنَسُ بِهِ، وكانَ يقدِّمُهُ ويُكْرِمُهُ، وكان عندَهُ بموضِعٍ جَليلٍ، ورَوَى عن أبي عبدِ اللهِ "مَسَائِلَ" كَثيْرَةً بِضْعَةَ عَشَرَ جُزْءًا. وجَوَّدَ الرِّوايةَ عن أَبي عبدِ اللهِ.

стр. 278

أَخْبَرَنَا بَرَكَةُ (١)، أخبَرَنَا إبراهيمُ، عن عبدِ العزِيْزِ، قال: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ، حدَّثَنَا محمدُ بنُ جَعْفَرٍ، حدَّثَنَا (٢) أبو الحَارِثِ، قالَ: سَمِعْتُ أَبَا عبدِ الله يَقُوْلُ: الفِطْرَةُ الَّتي فَطَرَ اللهُ العِبَادَ (٣) عليها من الشَّقَاوَةِ والسَّعَادَةِ وقالَ أَبو الحَارِثِ: قلتُ لأبي عبدِ الله: هَؤُلَاءِ المُحَدِّثُون الَّذين يأخُذُون على الحَدِيثِ؟ قالَ: هذه طُغْمَةُ (٤) سُوْءٍ. وقَالَ أبُو الحَارثِ: وسُئِلَ أَبُو عبدِ اللهِ عن قِرَاءَةِ الألْحَانِ؟ فَقَالَ: بِدْعَةٌ (٥). وقَالَ أبو الحارِثِ: ذُكِرَ لأبي عبدِ اللهِ قِرَاءَةُ حَمْزَةَ. فَقالَ: أَنَا أَكْرَهُهَا، قيلَ له: وما تَكْرَههُ منها؟ قَالَ: هَذَا الإدْغَامُ والاضْجَاعُ الشَّديْدُ، مثل جآب وطآبَ وحآقَ. وقال في رِوَايةِ أبي الحَارِثِ: سَمِعْتُ أَبَا عبدِ اللهِ وقد ذُكِرَ لَهُ قُوْلُ أَبي حَنِيْفَةَ وأَصْحَابِهِ في الحِيَلِ (٦)؟ فأَنْكَرَهُ. وقال أَبُو الحَارِث: سَمِعْتُ أَبا عبدِ الله يَقُوْلُ: مَنْ أَحَبَّ الكَلَامَ لم يَخْرُجْ من قَلْبِهِ. قَالَ: وسَمِعْتُهُ وسُئِلَ عن قَوْلِ الحُسَيْنِ الكَرَابِيْسِيِّ (٧)، فقيْلَ لَهُ: إِنَّهُ يَقُوْلُ: لَفْظِي بالقُرآنِ مَخْلُوْقٌ، فقَالَ: هَذَا قولُ جَهْمٍ، قَالَ

стр. 279

اللهُ (١): ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ فَمَنْ لَمْ (٢) يَسْمَعْ كَلَامَ اللهِ؟ أَهْلَكَهُمُ (٣) اللهُ. وقَالَ أَبُو الحَارثِ: سَمِعْتُ أَبَا عبدِ الله يَقُوْلُ: إِنَّمَا العِلْمُ مَوَاهِبُ، يُؤْتيْهِ اللهُ مَنْ أَحَبَّ مِنْ خَلْقِهِ، ولَيْسَ يَنَالُهُ أَحدٌ بالحَسَبِ، ولو كانَ لِعِلَّةِ الحَسَبِ لَكَانَ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ أَهْلُ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ . ٦٠ - أحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ (٤) بنِ عَبْدِ رَبِّه المَرُّوْذِيُّ، أَبُو الحَارِثِ. أَحَدُ مَنْ رَوَى عَن إِمَامِنَا أَشْيَاء؛ مِنْهَا: قَالَ: سَمِعْتُ أبَا عبدِ اللهِ أحمدَ بنَ حَنْبَلٍ يَقُوْلُ (٥): إِذَا عُرِفَ الرَّجُلُ بالكَذِبِ فِيْمَا بَيْنَهُ وبَيْنَ النَّاسِ، ولَا يَتَوَقَّى فِي مَنْطِقِهِ، فكَيْفَ يُؤْتَمَنُ هَذَا على ما اسْتَتَرَ فيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللهِ تَعَالَى؟! مثلُ هذَا لا

стр. 280

يَكُونُ إِمَامًا، ولا يُصَلَّى خَلْفَهُ، قُلْتُ (١): يا أَبَا عبدِ الله، فيُعِيْدُ مَنْ يُصَلِّي خَلْفَهُ؟ قَالَ: لا أَدْرِي، ولَكنْ أُحِبُّ أَن يَعْتَزِلَ الصَّلَاةَ خَلْفَهُ (٢) ٦١ - أحْمَدُ بنُ محمَّد (٣) بنِ مَطَرٍ، أبو العبَّاسِ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ الخَلَّالُ فقَالَ: عندَه عن أَبي عبدِ الله "مَسَائِلُ"، سَمِعْتُها مِنْهُ، وكانَ فيها غَرَائِبَ، سَمِعَ إِمَامَنَا وشُريْحًا (٤)، ويُوْنُسَ، وغَيرَهُما (٥).

стр. 281

٦٢ - أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ (١) بنِ نَصْرٍ اللَّبَّادُ، سَمِعَ من إِمَامِنَا أَحْمَدَ ﵁ فيما ذَكَرَهُ أَبُو عَمْروٍ الحِيْرِيُّ (٢) النَّيْسَابُورِيُّ فِي كتاب "الأرْبَعِيْنِ"، فقالَ: أخبَرَنَا

стр. 282

أَحْمَدُ بنُ محمَّدِ بن سَهْلٍ، حدَّثَنَا أحمدُ بنُ محمَّد بن نَصْرٍ اللَّبَّادُ، حدَّثَنِي أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، حدَّثَنِيْ الوَليدُ بنُ مُسْلمٍ، قَالَ: حدَّثَنَا الأوْزَاعِيُّ، عن عَبْدَةَ بن أبي لُبَابَةَ، عن عبدِ الله بن عُمَرَ ﵄ قَالَ: قالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ (١): "إنَّ للهِ عِبَادًا اختَصَّهُمْ بالنِّعَم لِمَنَافِعِ العِبَادِ مَا بَدَلُوهَا، فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا عَنْهُم، وحَوَّلهَا إلى غَيْرِهِمْ". ٦٣ - أَحْمَدُ بنُ محمَّدِ (٢) بن يَحْيَى الكَحَّالُ نَقَلَ (٣) عن إِمَامِنَا أَشْيَاء؛ منها (٤): قَالَ: سألتُ أَبا عَبْدِ الله عن الأسِيْرِ يَخْرُجُ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ ومَعَهُ

стр. 283

عِلْجٌ؛ فيَقُولُ العِلْجُ: أَنَا خَرَجْتُ بِهِ، وَيُقوْلُ الأسِيْرُ: أَنَا خَرَجْتُ بِهِ؟ قالَ: أَوْلَى أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُ المُسْلِمِ. ٦٤ - أَحْمَدُ بن مُحَمَّدِ (١) بن يَزِيْدَ (٢) الوَرَّاقُ، ويُعْرَفُ بـ"الْإِيتَاخِيِّ"، من أَهْلِ سُرَّ مَنْ رَأَى، قَدِمَ بَغْدَادَ، وروى عن إِمَامِنَا أَحْمَدَ، ويَحْيَى بنِ مَعيْنٍ وغيرِهِمَا (٣)، وذكرَهُ أَبُو بَكْرٍ الخَلَّالُ، فَقَالَ: ثِقَةٌ، كان عِنْدَهُ عن أَحْمَدَ "مَسَائِلُ". منها: قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ يَقُوْلُ: مَا شَبَّهْتُ الشَّبَابَ إلَّا بَشَيْءٍ كَانَ في كُمِّي فَسَقَطَ. ٦٥ - أَحْمَدُ بنُ مَنِيْعِ (٤) بنِ عبدِ الرَّحْمَن البَغَويُّ، حدَّثَ عَنْ إِمَامِنَا

стр. 284

بأَشْيَاء؛ منها: قَالَ: سَمِعْتُ أحمدَ بنَ حَنْبَلٍ، وسُئِلَ عَمَّنْ قَالَ: القُرآنُ مَخْلُوقٌ؟ فَقَالَ: كَفَرَ (١). وفَتَحَ الكَافَ، أَنْبَأَنَا بِهِذِهِ الرِّوايةِ جَدِّي جَابِرٌ، وأَحْمَدُ بنُ النَّقُّورِ (٢)، قالا: أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْصٍ الكَتَّانِيُّ، حدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ

стр. 285

مُحَمَّدٍ، حَدَّثنا إِسْحاقُ بنُ إِبْرَاهِيم البَغَويُّ ابنُ عَمِّ أحمدَ بنِ مَنِيْعٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ -وسُئِلَ عمَّن قَالَ: القُرآنُ مَخْلُوقٌ؟ - فَقَالَ: كَفَرَ (١)، فَتَحَ الكَافَ. وقَالَ أَحْمَدُ بنُ مَنِيْعٍ: عَبَرَ بي أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ -وأَنَا قاعِدٌ على البابِ-، فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ يَا أَبَا عَبْدِ الله؟ قَالَ: مِنَ الكُوْفَةِ، فَقُلْتُ لَهُ: كَمْ يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ؟ قَالَ: هُوَ خَيْرُ يا أَبا جَعْفَرٍ، قُلْتُ لَهُ: كَمْ دَخَلْتَ الكُوْفَةَ؟ قَالَ لي: بِضْعَ (٢) عَشْرَةَ دخلَةً، قُلْتُ: يُجزِئُ الرَّجُلُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَفَقَّهَ بالحَدِيْثِ أَنْ يَكْتُبَ مائةَ أَلْفَ حَدِيْثٍ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فمائتي ألفَ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فثَلَاثَمَائة أَلْفَ؟ قَالَ: لَا، فقُلْتُ: فأرَبَعَمائة ألفَ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَخَمْسُمَائة ألفَ؟ قَالَ بِيَدِهِ هكَذَا، قَلَبَها، قُلْتُ أَنَا: وقَدْ حَدَّثَ البُخَارِيُّ عَن رَجُلٍ عَنْه. ٦٦ - أَحْمَدُ بنُ المسْتَنِيْرُ، (٣) حَدَّثَ عَنْ إِمَامِنَا أَحْمَدَ بأشَياء؛ منها: قَالَ:
следующие страницы →