← Тараджим

Тараджим · id 1522

ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا

الشهاب الخفاجي

Полный текст (456 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

سُرور بن سنين الْحَلَبِيّ شاعرٌ سَمْحُ السَّجِيّة، له أنفاس نَدِية ندِيَّة، كانت نَسَمات المسامرَة تهُبُّ بنفحاتِه وأفْواهُ الأسماع تَحْتَسِي في نادي الأدب سُلافَةَ أبياتِه، ونَوْرُ روضِه يتَبسَّم في الأكْمام، فترى منه ما هو ألذُّ من نظر المعشوق وفي وجه عاشقٍ بابْتِسام، فتُسْتَعذَب في مَذاق الأدب، وتُتَلقَّى بضائعُها من الرُّكبان القادمة من حلَب. ثم رأيتُه لمَّا ورَد الروم، إلا أنه لم يُطِل مُكْثَه بها لفَقْد ما يَرُوم. وآفَةُ التِّبْرِ ضَعْفُ مُنتقِدِه فرجع قائلاً لكلِّ يومٍ غد، ولكل سَبْت أحَد، فلم تر عينُ أمله سُروراً، ولم يُذق كأساً كان مزاجُها كافورَا، ولم يلبِس بُرْدَ العُمْرِ قَشيباً، حتى احتُضِر غُصْناً رَطِيبا:

стр. 107

فمما أنشدني من شعره، قولُه من قصيدة: وليلٍ هدَتْنا فيه غُرُّ الفَراقِدِ ... لحاجاتِ نَفْسٍ هُنَّ أسْنَى المقاصدِ وقد صُرِفَتْ زُهْرُ الدَّرارِي دَراهِماً ... تمُدُّ الثُّريَّا نحوَها كَفَّ ناقِدِ وباتتْ تناجِيني ضمائرُ خاطرِي ... تُقرِّب نَيْلَ المَطْلَبِ المُتباعِدِ لَحَى اللهُ طَرْفِي مالَه الدهرَ ساهراً ... لمُكْتحِل الأجْفان بالنَّومِ راقِدِ حبيبٌ كأن البُعْدَ يَهْوَى وِصالَه ... معي فهْو لا يْنفَكُّ فيه مُعانِدِي أخذتُ الهوى من لَحْظه وابْتسامِه ... بما قالَه الضَّحَّاكُ لي عن مُجاهِدِ وقول) حبيب (إلخ، كقول أبي الطَّيِّب: كأنَّ الحُزْنَ مشْغوفٌ بقَلْبِي ... فساعةَ هجْرِها يجِدُ الوِصالاَ وقول الْمَعَرِّيّ: لئِن عشقَتْ صَوارِمُهُ الهوَادِي ... فلا تَعدمْ بما تَهْوَى اتِّصالاَ وفي معناه ما قلتُه: لك اللهُ مِن دمعٍ كشَمْلٍ مُبدَّدٍ ... وطَرْفٍ بِنَعْسانِ الجفونِ مُسهَّدِ لئن عشَق التَّسْهيدُ أجْفانَ مُقْلَتِي ... لِهَجْرِك فْليَنْعَمْ بوَصْلٍ مُخلَّدِ ومن تَقْريظٍ له على شعر ابن عِمْران: حَملْتَ إلينا يا ابن عِمْرانِ روْضةً ... من النَّظم يسْقيها الحِجَى صَوْبَ وَكْفِهِ

стр. 108

خِميلةَ شِعْرٍ يزْدرِي البدْرَ نَوْرُها ... وينْأَى عن الشِّعْرَى العَبورِ بعِطْفِهِ كأنَّ غُصوناً أُودِعتْ في سُطورِها ... لها ثمرٌ يلْتَذُّ سمعي بقَطْفِهِ إذا ما مشَى ليلُ المِداد بطِرْسِهاَ ... نهاراً زهَتْ فيه كواكبُ وَصْفِهِ فكانتْ كما زارَتْ مُعطَّرةَ اللَّمَى ... مُبِّردةً من حرِّ قلبي وَلَهْفِهِ ووَافَى إلى الصَّبِّ الكَئِيب شُوَيْدِنٌ ... لوَجْرةَ أحْوى فاحمُ الشَّعْرِ وَحْفِهِ فأحْبِبْ به عَبْلَ الرَّوادِف خَضْرُه ... يجوعُ إذا غَصّ الإزارُ برِدْفِه

стр. 109

حُسَين بن أحمد الْجَزَرَيّ الْحَلبِيّ أديبٌ له أوصافٌ حُسْنَى، ومناقبُ هُنَّ الوَشْيُ بهجةً وحُسْناً، إذا أصغت له أذنُ أديب، حلَّت منه بوادٍ خَصِيب. سِحْرٌ من اللفظِ لو دارَتْ سُلافَتُه ... على الزَّمانِ تمشَّى مِشْيَةَ الثَّمِل رأيتُه بالروم، وهو شاب يجرُّ رداءَى شبابٍ وآداب، وهِلالُه مُشرِق في أُفُق نَمائِه، وغُرَّة صُبْحِه تُؤذِن بوجْهِ ذُكاءِ ذَكائِه، وقد سلك إلى المجد طريقا غير مَطرُوقة، بهمَّةٍ غيرِ هِمَّة، وخَليقةٍ، وللدهر فيه عِداتٌ يُرْجَى إنْجازُها، وحُلَل منشورة سيلوح طِرازُها، فلم ينْبسِط بُرْدُها حتى انْطوَى، ولم يُورِق قضِيبُه الرَّطيبُ حتى ذوَى، والدهر يقول، والنَّجمُ في مَطلَع العُمْرِ هوَى: أبْكِي إِناءَ شَبيبَةٍ ... في وقتِ ما امْتَلأَ انْكَفَا

стр. 110

فمما أنشدني في صديقِه سرور، السَّابق ذِكْرُه: وحقِّك ما تركتُكَ عن مَلالٍ ... وبُغْضٍ أيها المولى الأميرُ ولكِن مُذ ألِفْتُ الحُزْنَ قِدْماً ... أنِفْتُ مَواضِعاً فيها سُرورُ وهذا من قول المُتَنَبيّ: خُلِقْتُ ألوفاً لو يُعاوِدْني الصِّبا ... لفارَقْتُ شَيْبي مُوجَعَ القلْبِ باكياَ ومنه أخذ البَهاء زُهير قولَه: وأَلوفاً فلو أفارِقُ بُؤسَي ... لتَوالَتْ لفَقْدِها حَسَراتِي وقد أجاد القائل في مُتابَعتِه: ألِفتُ الضَّنى من بَعْدكم فلو أنَّهُ ... يزولُ إذا عُدْتُمْ حَنَنْتُ إليهِ وصار البُكا لي عادةً فلَوَ أنَّهُ ... تغيَّبَ عن عْينِي بكَيْتُ عليهِ ومما قلتُ في المعنى: مْذ هجَرْتُم هجَر الطَّيْفُ وَلِي ... ناظِرٌ لم يَدْرِ ما طَعْمُ الوَسَنْ في هواكُمْ ألِفَ الحُزْنَ فلَو ... لم يجِدْهُ مات من فَرْطِ الحَزَنْ وله) ديوان (بليغ، طالعتُه فاخترتُ منه قولَه، من قصيدة: أعْطى سَرائِرَك النُّحولُ اللُّوَّمَا ... والحُبُّ ليس بمُمْكِنٍ أن يُكتَمَا

стр. 111

ووَشَى ونَمَّ عليكَ دمعُك عندما ... وَشَّى بعنْدَمِه الخُدودَ ونَمْنَمَا أفَرُمْتَ تُبْهِم واضحاً من سِرِّه ... والدمَّعُ مُتَّضِحٌ به ما أبْهمَا أم خِلْتَ أنَّ أساَكَ تَمْحوهُ الأسَى ... كلاّ ورُبَّ جراحةٍ لن تُحْسَمَا إنَّ المحبَّةَ مْحِنَةٌ لا مِنْحَةٌ ... ومِن الغرام يَرى المُحِبُّ المَغْرَمَا وشَكِيَّتِي شَاكِي السِّلاح جُفونُه ... مُرُّ العَذابِ لِشِقْوتِي عَذْبُ اللَّمَى ظَبْيٌ ظُبَا لحظاتِه بمَضائِها ... أنا مُوقِنٌ لا شكَّ تُرْدِى الضَّيْغَمَا أخْشَى الهلاكَ تَوهُّماً من بأسِهِ ولرُبَّما هلك المُحِبُّ تَوَهُّمَا وأظَلُّ صادِي القلبِ خِيفةَ صَدَّه ... ولوَ أنَّه بنعيم وَصْلٍ أنعَمَا وإذا مُنِعْتَ الماءَ أوَّلَ مرَّةٍ ... ووَرَدْتَه أخرى تَذكَّرْتَ الظَّمَا بأبي وإن كان الأبيَّ وبِي رَشاً ... قَدَّ الغُصونَ رشاقَةً وتقدّمَا كالصُّبْحِ فِرْقاً والغزالةِ طَلْعةً ... والبدْرِ وجهاً والثُّرَيَّا مَبْسَمَا يزْدادُ وَرْد خُدودِه وجوانحِي ... من نارِهنَّ تضرُّجاً وتضَرُّمَا صافِي الأديمِ تَرى تَرافَةَ جِسْمِه ... ماءَ ويأْتَى الماءُ أن يتجَسَّمَا صنمٌ لبستُ الغِيَّ فيه غلائلاً ... والمرءُ يسْلُبُ رُشدَه حُبُّ الدُّمى كيف الهِدايَةُ لي وفاحِمُ فَرْعِه ... قد ظلَّ يَجْهَد أن يضِلَّ ويفحُمَا كالأُفْعُوانِ على قضيبِ كَثِيبةٍ ... لا يُرْتَجَي لسَلِيمهِ أن يَسْلَمَا أنا مَن أباح يدَ الغرامِ زِمامَهُ ... فمشى به أنَّى يشاءُ ويمَّمَا فعسى الحبائبُ أن تُخفِّفَ عُتْبَها ... فلقد حَملتُ من النَّوائبِ أعظَمَا في كل يومٍ رَوْعةٌ أو لَوعةٌ ... والفَذُّ تُقْعِدُه الحوادثُ تَوْأَماَ

стр. 112

شيْآنِ لستَ بآمنٍ عُقْباهُما ... أن تصْحَب الدُّنيا وتُدْنِى الأرْقَمَا فَلأبْلُغَنَّ نِهَايةً في قَدْحِها ... إن لم تُبَلَّغْني الأبَرَّ الأكْرمَا ومنها: وَلَو أنَّ إدراكَ المُنَى بَيدِ النُّهَى ... وطِئَت نَعامَةُ أَخَمصَىَّ الأنْجُمَا ومتى يصِحُّ سقيمُ جَدِّ أخي الحِجَى ... يوماً إذا كان الزَّمانُ المُسْقِمَا فالحُمْقُ ألْيَقُ والخِداعُ مُوافِقٌ ... والمكرُ أرْفَقُ ما تْرَافِقُ منْهُمَا أبناءُ دهرِك بالنِّفاق نفَاقُهمْ ... أفَيرْ نَضُونَك بالهُدى مُتكَلَّمَا ما لم تُنافِقْ فاتَّخِذْ نَفقاً به ... ترجُو السَّلامةَ منهُم أو سُلَّمَا لا يفقُهون وشرُّ مَن صاحبْتَه ... أن تصْحَبَ الأعمى الأصَمَّ الأبْكمَا ولقد مُلِئتُ تَحارُباً وتَجارِباً ... لم تَلْقَنِي إلاَّ إنَاءَ مُفْعَمَا ومن قصيدة: لا تَلْحَنُ الأقْدارُ في إعْرابها ... قد تُرفَع الأَسماءُ بالتَّقديرِ مكسورةٌ قد حاولَتْ إكْسِيرَها ... من جابرٍ والجبْرُ للمكْسُورِ وله من أخرى: وليلٍ كأنَّ الصبحَ فيه مآرِبٌ ... نُؤمِّل أن تُقْضَى وِخلٌّ نُصادِقُهْ وله من أخرى: ولم أنسَ ليلاً ما تبلَّجَ صُبْحُه ... ولا لاحَ في يافُوخِه وَخْطُ شائِبِ عدِمْتُ ابِتسامَ الفجرِ فيه كأنهَّ ... سُلُوُّ فؤادِي أو وفاءُ حَبائِبي

стр. 113

وله من أخرى: فاسْلَمْ بدهرٍ عُصِمْتَ منهُ بهِ ... وعِشْ بعَلْيَاك عُمْرَ أَعْصُمِهِ تأسُو برُؤْياكَ من إساءَتهِ ... لا يُصلِحُ القَرْحَ غيرُ مَرْهَمِهِ فإنَّ هذا الزمانَ مُحسِنُه ... كفَّارةٌ من ذُنوبِ مُجْرِمِهِ وله من أخرى: وبي مَضاضَةُ عيْش مسَّنيِ لَغَبٌ ... مِنْها وساوِرنيِ في كَرِّها سَغَبُ حتى تصوَّر لي منها على ظَمأٍ ... أن المنِيَّة في ثَغْرِ المُنَى شَنَبُ ومن أخرى: بنا أظْلمتْ أيَّامُنا وتظلَّمتْ ... بَنُونا وأهلونا من الطَّالِعِ النَّحْسِ عسى شمسُ هذا الدهرِ تأْتي بوَفْقَ ما ... نُرجِّى وشمسُ الوَفْق في شَرَفِ الشَّمسِ وله يطلب فرساً: أبُثُّكَ أن لا طِرْفَ لي أقْتَضِي به ... دُيونِي وأعْيانيِ الغريمُ بَمطْلِهِ فجُدْ لي بما أرْجُوه إن شئتَ مُلْجَماً ... وإن رُمْتَ تعْجِيلَ العَطاَ فبِجُلِّهِ

стр. 114

وله من أخرى: ورُبَّ غَبّيٍ كنتُ أُحسِن وُدَّهُ ... وتقبُح لي أقوالُه والفعائِلُ تغافلتُ عن أشْياءَ منه ورُبَّما ... يسرُّك في بعضِ الأمورِ التَّغافُلُ وهذا كقول بعض الحكماء: الكرمُ مِكْيالٌ ثُلُثاه التَّغابي. ولأبي فِرَاس: ليس الكريمُ بسَيِّدٍ في قومِهِ ... لكنَّ سيِّدَ قومِه المُتغابِي ومما قلتُه أنا في نحوه: كم قد سعَيْتُ للمعالي جاهداً ... فزاد في سعْيِي إليها لَغَبِي ولستُ في فهْمي غبِيَّا أبداً ... وإنَّني إن عَنّ سُوءُ لَغَبِي وله من أخرى: لا عَيْبَ فيهمْ غيرَ أنَّ صِلاتِهمْ ... تُغَرِّقُ آمالَ العُفاةَ بحُورُهَا أنَّ سُيوفَ الهِنْد في كُلِّ مَعْرَكٍ ... بأيمْانِهمْ حاضَتْ دِماءً ذُكورُهَا وله من أخرى: يَلَبِّيكَ من قبلِ السُّؤالِ نوالُهُ ... ويأْتِيكَ دون الانْتِظارِ نُضارُهُ وله في أخرى: وقبْلَك صاحَبْتُ الزَّمانَ وأهلَهُ ... فما شاقَنِي خِلٌّ ولا رَاقَ مَوضِعُ يُقدِّمني عَزْمي وحظِّي مُؤخِّرِي ... ويُوصِلُنِي حَزمْي ودَهرِي يُقطِّعُ

стр. 115

ولا ذَنْبَ لي إلا الفضيلةَ إنها ... من الجهلِ في الأيام أشْنَى وأشْنَعُ وهَمِّي من الدنيا المعالِي ونَيْلُها ... وما هَمُّ قلبي الرَّقْمَتَانِ ولَعْلَعُ ولا نَسْمةٌ سَحَرِيَّةٌ شِحْرِيَّةٌ ... ولا بَارِقٌ من بَارِقٍ وهْوَ يَلْمَع ولا عَذْبُ ماءٍ للعُذَيْبِ على ظَمَا ... مُمِضّ بجَرْعاءِ الحِمَى يُتَجرَّعُ ولا رَشَأٌ أحْوَى ولا صَوْتُ قَيْنَةٍ ... ولا قَدَحٌ فيه الرَّحِيقُ المُشَعْشَعُ ولكنَّه لَدْنٌ وأجْرَدُ سابِحٌ ... ومَسْرُودَةٌ زَغْفَا وأبْيَضُ يَسْطَعُ وإتْلافُ ما أحْوِى على طلبِ العُلا ... وهذا طريقٌ للمكارم مَهْيَعُ وإنِّيَ مِن خِلِّى بأيْسرِ وُدِّه ... أُسَرُّ وأسْرِى ما دعادني وأَسْرِعُ قليلُ مودَّاتِ الرِّجالِ كثيرةٌ ... وأيسرُها عند النَّوائبِ تُقْنِعُ أبَرَّكَ مَن يْلقاكَ بالبِشْر وجهُهُ ... ووَاساكَ في الضَّرَّاءِ مَن يتَوجَّعُ ولكنَّني أن أُلْفِ غيرَكَ وافياً ... وأكثَرُ مَن تْلقَى يخونُ ويخدَعُ فحاوَلْتُ أن ألْقَى المنايا أو المُنَى ... لدَيْكَ وعِرْنِينُ العِدى بِكَ أجْدَعُ تملَّكْتَ منِّي جانباً لا أُضِيعُه ... لغيِرك في الدنيا وغيرِي المُضِّيعُ لساناً طرِياَّ بالمديح وأُنْمُلاً ... سحائبُها من نفْثِها لا تَقَشَّعُ وقلباً على حِفَظِ المودَّةِ عامراً ... ولكنه إن سُمْتَه الضَّيْمَ بَلْقَعُ

стр. 116

وصيَّرْتني عبداً لأمْرِك طائعاً ... وإنِّيَ إلاَّكَ الأنامَ أُضَيِّعُ ولي رُتْبةٌ فوق الثُّرَيَّا مَحَلُّها ... ودون ثَرًى فيه نِعالُك تُوضَعُ وسَلْسَالُ لفظٍ سائغُ الوِرْدِ عذْبهُ ... له مَشرَبٌ صافٍ نَمِيِرٌ ومَشَرعُ وما قصَدَت إلاَّكَ قبلُ قصائِدِي ... ولم يَرَها قومٌ سِواكَ ويَسْمَعُوا مُنَمَّقَةً تزْهُو على زَهَرِ الرُّبَى ... وتُشْرِقُ كالزهْرِ السَّوارِي وتطلُعُ لو اعْتَبر الرَّائِي مواقعَ لفظِها ... تَيقَّن أن السِّحْرَ في الشِّعرِ يُجمَعُ وغيِرِي طُفَيْلِيُّ القوافيِ وأشَعبُ الْ ... معانِي له في كلِّ ما عَنَّ مَطْمَعُ وله من أخرى: إن خَصَّنيِ بالبُؤسِ دهرِي دائماً ... دون الوَرى فأنا بذلك أَفضَلُ هذِي عقاقيرُ العِطارةِ كُلُّها ... لم يحْترِقْ منْهُنَّ ألا المْنْدَلُ وله من أخرى: أرِى اليأْسَ عِزَّا والرَّجا ذِلَّة الفتَى ... وطُولَ المُنَى عجْزاً وحُبَّ الغِنَى فَقْرَا فلا تضْجَرَنْ من حالةٍ مُستحيلةٍ ... كما نِلْتَها عُسْراً ستَتْرُكَها يُسْرَا وإن الفتى كالغُصْنِ ما دام نابِتاً ... فآوِنَةً يُكْسَى وآوِنَةً يَعْرَى وله من أخرى: إذا ما كنْتَ مْصطِنعاً جميلاً ... فحاوِلْ مَن يروقُكَ بالصَّنِيعِ ولا تُكرِمْ به إلا كريماً ... رَماهُ الدهرُ عن مَجْدٍ رَفيعِ ولم أر نِعْمةً تُسْدَى فتُزْرِي ... بمُسْدِيها سِوى رَفعِ الوضيعِ

стр. 117

وقوله: غَيْرُ بِدْعٍ إذا ظُلِمتَ بدهْرٍ ... رزِق الغِمْرُ فيه حَظَّا عظيمَا فالهواءُ الصَّحيحُ يُدْعَي عليلاً ... واللَّديغُ المُصابُ يُدْعىَ سَلِيِمَا وقوله: ما سِئمْتُ الزَّمان إلا لِحِرْما ... نِ كريمٍ فيه وحَظِّ لئيمِ وثَراهُ اللَّئيم أقْبحُ في العيْ ... نْين مَرْأى مِن افتقار الكريمِ وله: ومُستَخْبِرٍ عنِّي بغيرِ جَهالةٍ ... يَراني وفي عَيْنَيْه عن حالتِي عَمَي تنكَّرَ مُرتاباً ولم يَدْرِ أنَّنِي ... شهِدْتُ مَذاقَ العيْشِ شُهْداً وعَلْقَمَاً إذا ما اسْتَردَّ الدهرُ منِّي هِباتِهِ ... فسِياَّن أن أُعْطى كثيراً وأحْرَمَا وله: لا يضرُّ الكريمَ قِلَّةُ مالٍ ... لا ولا بالَّئيم يُجْدِي الثَّراءُ فشَبَا مُرْهَف الجَبانِ كلِيلٌ ... وبصِنْدِيها تَقُدُّ العصَاءُ وله: لا تحسَبِ الأرزاقَ تُقْسَمُ باطلاً ... كلاَّ لقد ساوَى المُهَيْمنُ بْيْنَها فإذا رُزِقْتَ الجهلَ أدْرَكْتَ المُنَى ... وإذا حُرِمْتَ الجَدَّ أُعْطِيتَ النُّهَى

стр. 118

وله: حاذِرْ عِداكَ الأقْربين من الورَى ... فأضرُّها القُرَباءُ والقُرَناءُ وَتَوقَّ من كَيْدِ الحَقُودِ ولِينِ مَا ... يُبْدِي فقد يُصْدِي الحُسامَ الماءُ وله: أبعَدُ ما يَطُلبُ إداركَهُ ... نَيْلُ المُنَى بالفضل إنسانُ وكلُّ شيءٍ وله غايَةٌ ... وغايةُ العِرْفانِ حِرمانُ وله: رُوَيْدَكَ إن بعدَ الضِّيقِ مَخْرَجْ ... وصَبْرُك عندَه أبْهَى وأبْهَجْ وكم مِن كُربةٍ عَظُمَتْ وجَلَّتْ ... وعند حْلولِها الرحمنُ فَرَّجْ وله: كفى حزَناً أنِّي أراكِ قريبَةً ... ويُقْصِيكِ عنِّى يا بُثَيْنُ أمورُ أراكِ ولكن لا سبيلَ إلى اللِّقا ... وكلُّ يسيرٍ لا يُنالُ عَسِيرُ وقوله: اسْقِني قهوةَ بُنّ ... وامزُجِ القهوةَ عُودَا فهْيَ للصَّفْراءِ والبَلْ ... غَمِ تمحُو وهْيَ سودَا وقوله: وأغْيَدَ أورثَني بُعدُه ... ثَوْبَ الضَّنَا فيه وفَرْطَ السِّقامْ رثَى ليَ العاذلُ في حبِّه ... حتى إذا خَطَّ عِذارَيهْ لامْ

стр. 119

وله: مُذْ خطَّ آياتِ عِذارٍ له ... نقَّطَها من مِسْكِ شاماتِهِ ولاحَ في أصْداغِه وجهُه ... كأنَّه البدرُ بهالاتِهِ وأرسلَ اللَّحْظَ نذيراً وقدْ ... كلَّم قلبي بُمناجاتِهِ ولم أستطِعْ كُفرانَها إنَّني ... آمنتُ باللهِ وآياتِهِ وله في الصَّيْف: قد هجم الصَّيْفُ وولى الشِّتَا ... مُنهزِماً تابِعَ آثارِهِ مُبتدِعاً يسلُبُ أثْوَابنا ... ويُخرِجُ المالكَ من دارِهِ وله: أراكَ بِسِرِّ مُسْتَوعِيكَ سِرًّا ... مخافةَ أن تُسِرَّ إلى مُريِبِ أنَمَّ من السُّؤالِ على عَديمٍ ... ومن دَرَن السِّفارِ على غَريبِ وله: لا أشْتكي الحبَّ تُصْمِيني مصائُبهُ ... ولى عن اللَّومِ فيه أذْنُ أُطرُوشِ فلستُ أوَّلَ مَن ألقاهُ ناظرُه ... في صَبْوةٍ شوَّشَتْهُ أيَّ تَشْوِيِشِ كالنًّسْر أرْداه سهْمٌ فاستعَدَّ له ... عُذْراً وقال رمَى قلبي به رِيِشِي وله أيضاً: برُوحِيَ من أبصرْتُ صْفحةَ خدِّهِ ... وأبصرتُ وجهَ الشَّمسِ أغْبرَ أسودَا

стр. 120

كأنِّي أراها دُونَه مثْلمَا يُرَى ... سِواها إذا ماشامَها الطَّرْفُ أرْبَدا وله من أخرى: مُنِيرُ المُحَيَّا كلَّما شِمْتَ وجهَه ... أعاد إليك الطَّرْفَ جِدَّ كَليلِ كذا الشمسُ مهْما شامَها المرءُ لم يعُدْ ... وإن صحَّ منه الطَّرفُ غيرَ عليلِ وله من قصيدة: قد كان ليلُ ذَوائبي لي شافِعاً ... واليومَ صُبْحُ الشَّيْبِ من رُقَبائِي ولَمُلْتَقى بِيضِ الصِّفاِح أحبُّ للْ ... بَيْضاءِ من ذي لُمَّةٍ بَيْضاءِ ومنها: ولئن خَبَرْتَ بني الزمانِ وخِسَّةُ ال ... آباءِ تُنْتِج خِسَّةَ الأبنْاءِ إيَّاك تركنُ منهمُ لمُمَاذقٍ ... يُبْدِي الوفاءَ ولاتَ حينَ وفاءِ وتجنَّبَنْ مِن لِينِ مَلْمَسِ عِطْفِهِ ... فالعَضْبُ يصْدَأُ مَتْنُه بالماءِ ولطالَما أضْفَيتُ قبلَك خُلَّتِي ... مَن لا أراهُ موافقاً لإخائيِ وبلوْتُ منه وُدَّه فرأيتُه ... مُتلوِّناً كتَلوُّنِ الحِرْباءِ فغدوتُ أحترِزُ الأنامَ وغَدْرَهُم ... إن الطَّبيبَ يخافُ مَسَّ الداءِ وقطعتُ باليأْسِ الرجاءَ لديهمُ ... واليأسُ يُجدَعُ أنْفَ كلِّ رجاءِ وله من أخرى: أَوَّاهُ كم لوعةٍ بقلْبي ... تغدُو وكم رَوْعةٍ تروحُ

стр. 121

إن الهوَى داءهُ عَياءٌ ... يعجِزُ عن بُرْئِه المسيحُ وله من أخرى، يصف قصيدتَه: وكأنَّها في كلِّ بيْتٍ شِمْتَه ... منها تضُمُّ القريض مُهَنْدِساَ والشِّعرُ ما شاقَتْكَ منه حِكْمةٌ ... لا ما يُشَوِّقُكَ الكئِيبَ الأوْعَسَا

стр. 122

أبو بكر تقِيُّ الدين التاجر المعروف بابن الجَوْهَرِيّ من زَهَتْ زهرةُ حياتِه بالشام، فنظَر من مطالِع آفاقِها بوارِقَ الفصاحة وشَام، وأسعدَتْه الجُدود فبدَتْ عرائسُ أفكارِه متورِّدة الخُدود، ودارَتْ من شمائِلِه الشَّمول، فسُرَّتْ بها قلوبُ القَبولِ، وعيون العُقول، كما أرْفَضَّ عِرقُ الطَّلِّ الهَتَّان، على رُءوس القُضُب وطُرَر الرَّيْحان. وله في الأدب والشِّعر تجارة لن تَبُور، إلا أن طبْعَه كأمِّ الصَّقر مِقْلاتٌ نَزُور. فمن عُقودِه وجواهر نقوده، قوله: هذِي المنازلُ قبلَنا ... كم ذا تداوَلها أنَاسِي كم صدَّعتْ ملْكا وكم ... مِن مُدَّعٍ وَضْعَ الأساسِ غرَسُوا وغيرَهُمُ اجْتَنَى ... مِن بعدِهم ثمرَ الغِراسَ دُوَلٌ تَمرُّ كأنّها ... أضْغاثُ حُلْمٍ في نُعاسِ

стр. 123

وهو من قول أبي تمام: أعوامَ وَصْلٍ كاد يُنْسِي طِيَبها ... ذِكْرُ النَّوَى فكأنَّها أيَّامُ ثم انْبَرَتْ أيَّامُ هَجْرٍ أعقبتْ ... نحْوِي أسًى فكأنَّها أعْوامُ ثم انقضَتْ تلك السِّنونُ وأهلُها ... فكأنَّها وكأنَّهمْ أحلامُ وكانت نزلَتْ بي شِدَّة، ليس لها غيرُ لُطْفِ اللهِ عُدَّة، فكان في كل يومٍ يُسلِّيني الأحبابُ بذكر مُبشِّراتٍ بحصول الفرَج، فقلت، وقد كَثُر ذلك: وَيْلاهُ مِن زمنِ كأن نهارَهُ ... نفضَتْ دُجاهُ عنه صِبْغُ ظَلامِ من بعدِ ما كانتْ ليالينا لها ... نُورٌ يْرُينا صَفْوةْ الأيَّامِ زمَنٌ كأحْلامٍ تقَضَّى بعدَه زَمَنٌ نُعَلَّلُ فيه بالأحْلامِ

стр. 124

شمس الدِّين محمد المعروف بابن المِنْقَار جواد في حَلْبَة المكارم سابق، مُخَلِّط مُزِيل، فاتِق راتِق، وقد كانت تتجاذبُ الأخبارُ شمائلَ فضائِله، وتهتزُّ الأغصانُ إذا هَبَّتْ نسماتُ شَمائِلِه، ومَن طاب عِرقهُ طاب من عَرْفِه الشَّمِيم، ومَن كان غُصناً في رياض المعالي هزَّةُ مرورُ النَّسِيم. إلا أن شِعرَه شعرُ العلماء، وأدبَه أدبُ الفقهاء، وما كل قصرٍ خَوَرْنَق وسَدِير، وما كل وادٍ فيه رَوْضة وغَدِير. على أنه كانت تَتِيه به على سائر البقاعِ بقاعُ الشَّام، ويفتخِرُ به عصرُه على جميع الليالي والأيَّام، فلا تزال تصْدَح وُرْقُ الفَصاحةِ في نادِيها، وتسير الرُّكبانُ بما فيه من المحاسن رائِحُها وغادِيها، وأقلامُ الفتْوَى مُثمِرةٌ من شمس إفادةٍ له ارْتفعَتْ،

стр. 125

فيالها من قُضُبٍ أثْمَرتْ بعدما قُطِعَتْ، ونُورُ فضلِه بادِي، وموائدهُ ممدودةٌ لكل حاضرٍ وبادِي. كالشَّمسٍ في كبدِ السماءِ ونورُها ... يغْشَى البلادَ مشارقهاً ومغارباً ولم يبْرح ثاوِياً في فَلَكِ السعادَة، حتى كُسِفتْ شمسُ حياتِه، فلبس الدُّجى عليه حِدادَه. فمن نفحاتِ أسرارِه، ولَمَعاتِ أنْوارِه قولُه للقاضي مُحبِّ الدين، وهو بمصر: مِن يومِ بَيْنِكَ كلُّ طَرْفٍ دامِي ... لم تكْتحِلْ أجفانهُ بمَنامِ لمَّا رحَلْتَ مُمتَّعاً بسلامةٍ ... ومصاحِباً للسَّعْدِ والإكْرامِ خلَّفْتَ بعدَكَ كلَّ خِلٍ هائماً ... يُجْرِي الدُّموعَ حَليفَ فَرْطِ غرامِ سكرانَ من كأسِ الفِراقِ مُعذَّباً ... يا صاحِ بالهِجْرانِ والآلامِ يشدُو بذكْرِك مِن نَواكَ إذا رأى الْ ... عشاقَ في رَكْبٍ لكلِّ مقامِ مولايَ بعدكَ قد تفرَّق شملُنا ... وضياءُ نادِينا انْمَحَى بظلامِ قد كنتَ واسِطةً لِعِقْدِ نِظامِنا ... حتى انفردْتَ فحُلَّ عِقدُ نِظامي وضِياءُ وجهِكَ في النهار إذا بدا ... فالشمسُ تستُتُر وجهَها بغَمامِ هذا وعبدُك ضاعَ بعدك برُه ... فاسْلَمْ ودُمْ السَّعدِ والإنْعامِ

стр. 126

وعلى حِماكَ من المحبِّ تحيةٌ ... لا تْنتهي وعليكَ ألفُ سلامِ وسقى الإله ديارَ مِصْرَ وأهلَها ... أنْواءَ سُحْبٍ من يديكَ عِظامِ لمّا حلَلْتَ بها تضاحَكَ نَوْرُها ... فَرَحاً وبُدَّلَ نقْصُها بتمامِ لا زِلْتَ تَرْفُل في ثيابِ سيادةٍ ... وتجرُّ وبُدِّلَ لعِزِّ فوقَ الْهاَمِ ما نمَّق المُشتاقُ طِرْسَ رسالةٍ ... بحديثِ أشْواقٍ وَبثِّ غرامِ

стр. 127

ابنه عبد اللطيف ولما ارتحلتُ عن مصر، فارقتُ أترابي ولِداتي، ومن بها من ذخائر آمالي وكنز حياتي. وظِئْرُ بلادٍ أرضعَتْني بمائِها ... وأنْفاسُ نَسْماتيِ ومَهْدُ دِيارِي مَررْتُ على دمشق الشَّام، فرأيتُ مَن بها من الكرام، كان ممَّن نعِمْتُ بلُقياه، ووقفتُ على هَضَباتِ عُلاه، هذا الأديب الحسيب، والروضُ الأرِيض، والمَرْبَع الخَصِيب، فحيَّاني بأنْفاسٍ من أنفاس الخُزَامَى أنْدَى، وهبَّت منه نفحاتُ أُنْسٍ كنَفْحة روضٍ من قُبَيل الصبح بلَّتْها الأنْدَا، فعطَّر بفضائِله المجامِع، وفَكَّه بثَمراتِ آدابِه المسامِع، وأهْدَى إلىَّ مشرفة قصيدةً، حيَّاني بها، وهي: بأُفْقِ دِمَشْقَ قد طلَع الشِّهابُ ... أضاءتْ مِنه هاتِيكَ الرِّحابُ هُمَامٌ جَدَّ في طلَبِ المعالي ... فأحْرزَ شَأْوَها منه الطِّلابُ

стр. 128

ومَوْلى شأنُه تحْريرُ عِلْمٍ ... وتقريرُ المباحثِ والخِطابُ حواشِيِهِ مُنقَّحةُ المعاني ... ومِن فنِّ البيانِ بها اللُّبابُ فبَدرُ عُلاهُ مُكتمِلُ مُنيرٌ ... يفِيض بدُرِّها منه العُبابُ ففي التَّفسير مجتهدٌ وفيما ... نَحاهُ رأيُه أبداً صَوابُ فلا يُلْتقَي له فيه نَظِيرٌ ... وليس له سِوى التَّحرير دَابُ أتى من مِصرَ مجتازاً فطابتْ ... بَمقْدَمه معالمُها الرِّحابُ وعاد إلى دِمَشْقٍ وهْو ثاَنٍ ... عِنانَ العزْمِ واقْتَبلَ الإيابُ فقلَّد جِيدَها بُعقودِ فضْلٍ ... ووَشَّى روضَها ذاك الجَنابُ وجاد رُبَى دِمَشْقَ وساكنِيها ... بصَيْبٍ سَيْبُهُ إلْهَامِي سَحابُ فقرَّتْ أعيُناً وسَمتْ مقاماً ... وقد راقَتْ مشاربُهَا العذِابُ وغنَّتْ غادَةُ الرَّوْضاتِ زَهْواً ... فأُلْقِيَ عن مُحَيَّاها النِّقابُ وقد بسَمتْ ثغورُ النَّورِ فيها ... وأسْكَر من ثَناياها الرُّضابُ وكأسُ الوَرْدِ في راحِ الرَّوابي ... طفَا فيه من ألانْدَا حَبابُ فنِعم الوقتُ وقتٌ جاء فيه ... وخيُر الدهرِ وقتٌ مُستَطابُ فدَام مُمتَّعاً في ظلِّ عيْشٍ ... لطيفٍ لا يُكدِّرُه الذَّهابُ وعُمْرُ بنيِه في الدنيا طويلٌ ... يتِيهُ بعَدِّه فيه الحسابُ له منِّي ثناءٌ كلَّ وقتٍ ... جزيلٌ أو دعاءُ مُستَجابُ

стр. 129

شيخ الإسلام عماد الدِّين الْحَنَفِي الشَّامِيّ ماجد طويل النِّجاد، له بيت كرمٍ رفيعُ العِماد، من غير قَدْحٍ فيه وارِى الزِّناد، ممن رُفِع فوقَ هامة السِّماك مِهادُه، إذا شُيِّد بيتُ الشِّعر وعُمِّر رَبْعُ الأدب فهْو عمادُه، وإذا بدَى ربيعُ طَبْعه نشَر على البقاع وشَائِع، يُحْيي دارسَ الفضلِ فيُصبِح وهو مشهورٌ بها وَشائِع، وجواد قَرِيحتِه مَلآْن العِنان، سبَّاق إلى مغارِس قُصُب الرِّهان، بعَذْب مشرَب كأنه جَنَى النَّحل ممزوجاً بماء الوقائِع، فما رِيح الشَّمال وما الرَّاح الشَّمول، وما وَجَنات الورْدِ خَمَشَتْها راحةُ القبول. له لُطْفُ خُلُقٍ يسْعَى اللطفُ لينظُر إليه، ورقيقُ محاسن يقِف الكمالُ متحيِّراً لدَيْه، ألذُّ من إغْفاءِة الصَّباح، وأحْلَى من مذاقِ الظَّفَر من ثَمرات النَّجاح. وأنا وإن لن تقَعْ لي عليه عَيْن، فسماع الأخبار إحدى الرُّؤيتَيْن، على أنِّي إن لم أرَ الأسدَ فقد رأيتُ شِبْلَه، وسيأتي ما بْيني وبينه من المحبَّة والخلَّة، لمَّا قِلْتُ بظلِّ الشَّام، في روضة أطلَّت على نَهَر تَفْتَرٌّ مباسِم النَّوْر فيها عن لآلئِ المطر.

стр. 130

وكان صَدْراً لكلِّ نَاد، حتى قرَض الدهرُ منه رفيعَ العِماد: وزهْرةُ الدنيا وإن أيْنعَتْ ... فإنَّها تُسْقَى بماء الزَّوال وللطَّالُوِيّ فيه مدائح وبينهما محاورات، منها قوله: عهدَ السرورِ ورَيْعانَ الهوى ... النَّضِرِ سقاكَ عهدُ الحَيَا رَقْراقَ مُنحِدرِ وجاد رَبْعَك وَسْمِيٌّ تُكرِّرُه ... رِيحُ الصَّبا بين مُنْهَلٍّ ومُنهمِرِ وغرَّدتْ برُباكَ الوُرْقُ وابتكَرتْ ... بلَحْن مَعْبَد تتلُو طَيِّبَ الخَبرِ ولا برحتَ مغان للحِسان ولا ... رمَتْك أيدِي النَّوى بالحادثِ الغَدِرِ ولا أغَبَّتْكَ أرواحُ النَّسيم ولا ... عَدَتْ مغانِيكَ أخْلافٌ من المطرِ كم لي بها وشَبابي الغَضُّ مُقتبِلٌ ... من منْزلٍ آهل بالشوقِ والذّكرِ كم اجْتلَيْتُ بدوراً من مطالِعها ... قد لُحْنَ تحت سناءٍ من سنَا قمرِ من كلِّ رُعْبُوبٍةَ تهْفُو بمُصْطَبَرِي ... قد زانَها الحسنُ بين الدَّلِّ والخَفَرِ وَودٌ كسَتْها يدُ الأيَّام ثوبَ صِباً ... وصيَّرتْها الليالي فِتنَةَ البشرِ هيْفاءُ صَبَّ الصِّبا ماءَ الشبابِ على ... أعْطافِها وكساها حُلَّةَ الخفَرِ قامت تُعانِقُني عند الوِداع وقد ... قلَّدْتُها من دموعي رائِقَ الدُرَرِ

стр. 131

تقول والبَيْن تغْشاها ركائبُه ... بمَدْمَعٍ فوق روضِ الخدِّ مُنْحدِرِ لا تعتِبِ الدهرَ إن حالَتْ خلائقُه ... فصَفْوُ رَوْنَقِه لم يخْلُ من كَدَرِ وإن تَرُمْ تتَّقى من صَرْفِه نُوَباً ... فالْجأْ لظلِّ عماد الدِّين تسْتتِرِ مولَى غدَا رَبْعُه أمْنَ المَرُوعِ كذا ... جنابُه ظلَّ مأوَى الخائفِ الْحَذِرِ لا زال يسمُو إلى العَلْياء مُرتقِياً ... بسُؤُدَدٍ مجدُه عالٍ على الزُّهرِ حتى امْتطَى صَهَواتِ المجدِ ساميةً ... يخْتالُ في حُلَلِ الأوْضاحِ والغُرَرِ بهِمَّةٍ تُجْتَلَى كالليثِ ذا أشَرٍ ... وعَزْمْهٍ كمضاءِ الصَّارمِ الذَّكرِ ما فاضلٌ قطُّ جارَاه إلى أمدٍ ... في البحْثِ ألا انْثَنى بالعِيِّ والحصَرِ أقْلامُه السُّمْرُ في بِيض الطُّروسِ إذا ... سمَتْ أرَتْكَ فِعالَ البِيضِ والسُّمرِ له سجاياَ كزَهْرِ الروضِ غِبَّ نَدًى ... وقد تَوشَّحَ بالأبهارِ والغُدَرِ يْلقاكَ طَلْقَ المُحَيَّا وهْو مُبتسِمٌ ... بمَنِطقٍ وِرْدُه أحْلَى من الصَّدَرِ ما الروضُ جادَتْ له الأنْواءُ بالبُكَرِ ... فكلّلَتْ دَوْحَهُ الْمُخْضَلَّ بالزَّهَرِ جادَ الغَمامُ له سَحَّا بوابِلِه ... وقد كسَتْه الصَّبا من رِقَّةِ السَّحَرِ تخالُ زَهْرَ الأقاحِي في خمائِلِه ... زُهْرَ الْمَجَرَّة صِينَتْ عن يَدِ الغِيَرِ يَشدو الْحَمامُ على أغْصانِهِ سحَراً ... فيَبعثُ الشَّوقَ في أحْشاءِ مُستعِر يا فاضلاً قد جلَت أبكارُ فِكْرَتِه ... غُرَّ المعاني بها في أحْسنِ الصُّوَرِ يا ابنَ الكرامِ ومَن شادُوا بعزْمِهمُ ... ركنَ العُلا سامياً في سالِفِ العُصُرِ

стр. 132

يا عِماداً لِبَيْت الفضلِ يرفُعه ... وكان من ضَعْفِه يُلْقَى على خَطَرِ إلى ذُراك انْتَمَتْ فاقْبَلْ على دَخلٍ ... نسِيجَها يا رئيسَ البدْوِ والحَضَرِ لا زالتَ في نِعمةٍ تسمُو بسُؤُدَدِها ... هامَ السِّماكيْن حيث النَّسْرُ لم يطِرِ ما ناح بالأيْك قُمْرِيٌّ وما سجَعتْ ... وُرْقُ الحمائم بالآصالِ والبُكُرِ فأجاب رحمة الله وأجاد بقوله: أحَلْىُ حَوْراءَ أم عِقدٌ من الدُّرَرِ ... أم زَاهِرُ الزُّهْر أم زَاهٍ من الزَّهَرِ أم الحُبابُ على راحٍ مُروَّقةٍ ... أم نَفْثةُ السِّحرِ ذِي أم نَسْمةُ السَّحَرِ أم نظمُ دُرٍّ زَهَتْ آياتُ منْطقِة ... فأعْجَزتْ كلَّ ذِي نظْمٍ ومُنتثِرِ يا نافثَ السِّحرِ مِن فِيه بمُعجِزَةٍ ... عقَدْتَ ألسُنَ أهل البدوِ والحضَرِ ويا مُديراً سُلافاً من بلاغِته ... هلاَّ ترفَّقْتَ بالألبابِ والفِكَرِ ويا أبنَ طَالُو وإن طال الزَّمانُ فما ... لنا بلوغٌ إلى عَلْياك فاقْتصِرِ أخذْتَ فَصَّ المعاني من معادنِه ... وغُصْتَ في أبْحُرِ الآدابِ الدُّرُرِ وحُزْتَ جَمْعَ المزايَا وانْفرَدتَ بها ... ولم تدَعْ للسِّوَى شيئاً ولم تذَرِ وجئتَ من كلِّ معنًى رائقٍ حسَنٍ ... بكلِّ ما قد خلاَ في الذَّوْقِ والنَّظَرِ كأنه ضرْب قدٍّ شَابَهُ شَنَبٌ ... بكلّ ما قد خلاَ في الذَّوْقٍ والنَّظَرِ وقد شهِدْنَا بما أُوتيتَ مُعجِزةً ... جَمْعَ الفضائلِ في فَرْدٍ من البشرِ أهْدَيْتَ لي غادةً جلَّتْ محاسنُها ... وقد تجلَّتْ لنا في أحْسَنِ الصُّوَرِ رعْبُوبةً من بَناتِ البدوِ مذ خطَرتْ ... لبي بها صار مِن وَجْدي على خَطَرِ حيَّتْ فأحْيَتْ بألفاظٍ مُنَّمقةٍ ... وغازَلتنا بلُطفِ الدَّلِّ والخَفَرِ

стр. 133

وأسفَرتْ عن سنَا بَرْقٍ وعن شَفَقٍ ... وعن ضِياءِ وعن شمسٍ وعن قمرِ زارَتْ على حينِ إشْرَاقٍ لبَهْجَتِها ... ومتَّعتْنا بذاكَ المنظرِ النَّضِرِ وضَاعَ عَرْفُ شَذاها عندما برَزتْ ... مِسْكاً وعطَّرتِ الآفاقَ بالقُطُرِ سألْتُها قُبلَةً أَطْفِي بها حُرَقاً ... شبَّتْ بقلبٍ شديدِ الوَجْدِ مُستعِرِ فأوْمأت لِشتِيتٍ زانه شَنَبٌ ... وأنعَمت بلذيذِ الوِرْدِ والصَّدَرِ ونادَمتْني بليلٍ قد سُرِرتُ به ... لكنِّه ساءَني واللهِ بالقِصَرِ وبتُّ أُنْشِد مَدْحاً في محاسنِها ... ما قالهَ شاعرٌ في سالِف العُصُرِ ياَ نُزْهَةَ النَّفسِ يا مَن زانَ مَنطِقَها ... قُسُّ بنُ ساعِدَةَ المشهورُ في السِّيَرِ خُذْها إليْكَ وإن كانتْ مُقصِّرةً ... فشأْنُ مثلِك سَتْرُ العَيْبِ بالسُّتُرِ وإن تكُنْ أوْجَزت في المدحِ مُقصِّرةً ... فالعَذْبُ يُهجَرِ للإفْراطِ في الْخَصَرِ وإن تكُنْ من بديعِ القولِ عاطِلةً ... فقد تحلَّتْ بِعقْدٍ من مديحِ سَرِي فاعذُرْ فإني تركْتُ الشِّعرَ مِن زمنٍ ... لشاغلٍ عنه غَشَّي مُقلَةَ الفِكَرِ لا زِلتَ تسمُو على الأقرانِ مُرتدِياً ... ثوبَ البلاغةِ في أمْنٍ من الحَصَرِ ما طرّز الطّرْسَ تّنمِيقْ اليراع بما ... يزْهو على الرّوضِ أو يعلْو على الزّهَرِ أو شبَّبَ المادحُ المُطْرِي بَمدْحِكَ في ... بيْتٍ من الشِّعرِ في رَوْضٍ على نَهَرِ

стр. 134

بدر الدِّين بن رَضِيّ الدِّين الغَزِّيّ العَامِرِيّ الشامِيّ فريدُ الدهر وأوانِه، وابنُ عبَّاسٍ في زمانِه، وسَلْمان آل بيتِه، وحسَّان قصيدتِه وبيْتِه، صاحب الفنون، وغَيْثُ الإفادة الهَتُون، جمالُ الكُتُب والسِّيَر، سيِّد أهل الحديث وعَيْن ذوِى الأثَر، ممَّن حازتْ به أقطارُ غَزَّة، شرفاً باذخاً وعِزّة. وابنُه شِبْل الأسد، ذُو الرَّأْيِ الصَّائب الأسَدّ، وفِرِنْد نَصْله المصقُول الحَدّ، وهما كَرُكْبَتَيِ البعير في كل معنًى صارِم، أو كالحلقة المفرَغة أو كغِرَارَي صارِم، وبدر طلع من أفق كمالِ والدِه، وكرَع من بحر فضْلِه البَرّ مِاءَ الحياةِ قبل أنت يبدوَ نَباتُ عارضِه خَضِرَا، وتُحِيط بمَشْرق أنوارِه، في إبَّان طلوعه هالَةُ

стр. 135

عِذارِه، حتى أمدَّ شمسَ الفضل بما يُحْيِي النفوسَ، فهل سمعتَ ببدرٍ تسْتمِدُّ من أنواره الشُّموس، فتكلَّفَ البدرُ إذْ حَكاه، وضاهَى سَناءَه وسَناه. ولا عَجَبٌ للبدْرِ أن يتكلَّفا وله من شِعر العُلماء ما صدَحتْ من أقْفاص سُطورِه الحَمائِم، وتحمَّلتْ الصَّبا نَشْرَه فتلقَّتْه الزُّهور بثَغْرٍ باسِم. ولم يَزَلْ مُشرِقاً في منازِلِه البدْرِيَّة، حتى ألَمَّ بسَنا عُمرِه سِرار المنِيَّة، لا زال ثاوياً في قصورِ الجِنان، وضَرِيحُه مطافَ وفود الرَّحمةِ والغُفْران. فممَّا لَمَع من نُورِ كماله، وسطَع من نجومِ أقواله، قولُه: إذا كان حَمْدُ العْبدِ مولاه إنِّما ... يكونُ بإلْهامٍ مِن اللهِ للَعْبدِ وذلك مما يُوجب الحْمدَ دائماً ... فلا حَمْدَ حقَّا من سِوَى مُلْهِم الحَمْدِ وقوله: لنا أميرٌ فريدٌ في خلائِقهِ ... كم مِن كرائم أمْوالِ لدَيْه حَوَى له الْتِفاتٌ لرِزْقِ النَّاسِ مُعتنِياً ... يرى الفقيرَ لَدَيْه والغَنِيَّ سَوَا وقوله: مَن رام أن يبلُغَ أقْصى المُنَى ... في الحشْرِ مع تقْصِيِرِه في القُرَبْ فليُخْلِص الحبَّ لمولى الورَى ... والمصطفَى فالمرءُ مَع مَن أحَبّ وقوله: بالحظِّ والجاهِ لا يفضْلٍ ... في عصرِنا المالُ يُستَفادُ

стр. 136

فكم جوادٍ بلا حمارٍ ... وكَم حمارٍ له جوادُ وقوله: يُقبِّل الأرْضَ حِماها الذي ... ألْثَمها أفْواهَ أهلِ العُلاَ عبدٌ إذا كاتَبْتْهَ ثانياً ... يزدادُ رِقًّا لَكمُ أو وَلاَ وكتب إليه الفاضل النِّحرير عبد الرحيم العبَّاسِيّ مُلغِزاً، بقوله: يا إماماً له الفضائلُ تُعْزَى ... وهُماماً أضْحى لراجِيه كَنْزَا ما بسِيطٌ حروفهُ ليس تُحْصَى ... وهْوَ حرْفانِ لا سِوَى إن تَجَزَّا كلُّ جُزْءٍ منه اسْتَوى القلبُ فيه ... جاءَ معنًى أو جاء لِلَّفظِ يُعْزَى نصفُه رُبْعهُ ولا رُبْعَ فيه ... وسِوَى الخُمْسِ منه ما تَمَّ أجْزَا وإذا ما تصحِّفْ البَدْءُ منه ... فهْوَ وَصْفٌ لكاملٍ نال عِزَّا أضْمَر القلبُ غادَةً إن تُصحِّفْ ... آخِراً فْهْو قولُها حين تَهْزَا وعلى حَمْلِ صَخْرةٍ ذُو اقتدارٍ ... ثُمَّ عن حَمْلِ إبْرةٍ نال عَجْزَا هاكَهُ واضحاً بدون خَفاءٍ ... لُغزُه ظاهرٌ وإن كان رَمْزا دُمْتَ في رِفعةٍ وحفْظُ إلهي ... لك دَوْماً حِصْناً حصِيناً وحِرْزَا فأجابه البدر: زادَكَ اللهُ بالدِّرايةِ عِزَّا ... فلقد قُمْت للِهدايةِ كَنْزَا يا بديعَ الألفاظِ عذْبَ المعاني ... صارَ منك البيانُ للدهرِ طَرْزَا مِن يُجارِيكَ في العلوم يُجاري الْ ... يَمَّ والمجدُ من تَجرِّيه يَهْزَا

стр. 137

إنَّ لُغْزاً أرسَلْتَه فاقِ برَ التِّ ... مِّ حسناً وأوْرثَ الفِكْرَ عجْزَا مَن يُفتِّشْ فليس يُلْقي له ... ثَمَّ نَظيراً فقد تفرَّد رمزَا ثم مَن يبتغِي مُضاهاتهِ لا ... تسمعُ الأُذْنُ منه في ذاك رِكْزَا وتراهُ وقَدْ تحيَّر ممَّا ... نَابَهُ للفِرارِ يجْمِزُ جَمْزَا من يُطِقُ يَلْمَسِ السماءَ ويأْتي ... بالدَّرارِي حتى يُحاكيه لُغْزَا قلتُ لمَّا أجبْتُ عنه إذا ما ... إبلٌ لم تكن لدَى فمِعْزَى غيرَ أنِّي بالسَّتْرِ منه وَثِيقٌ ... فإليه كلُّ الفضائلِ تُعْزَى دام في نِعْمةٍ وظلِّ سُعُودٍ ... ما مالَ النَّسِيمُ غُصْناً وهَزَّا وقوله: إنَّ ألْطافَ إلهي ... لِيَ قالتْ خَلِّ عَنْكَا لا تُدَبِّر لك أمْراً ... أنا أوْلَى بك مِنْكَا وقوله: مَن أطْلعَ الأحْمقَ فوق السُّهاَ ... يُنْزِله للمنْزِل السَّافلِ وغيُر بِدْعٍ فعلهُ حيثماُ ... يُقابلُ الباطلُ بالباطلِ وأنشد له بعضهم: ما في زمانِك واحدٌ ... لو قد تأمَّلْتَ الشَّواهِدْ

стр. 138

فاشْهَد بصِدْقِ ... مقالتِي أوْ لا فكَذِّبْني بوَاحِدْ قلت: ليس له، وهو من شعر أبي عامر الجرْجَانِيّ، أحد شعراء) اليتيمة (وفي معناه قول ابن حَيُّوس: قد مات في دَهْرنا الكرامُ ومَن ... يعرِفُ قَدْرَ الثَّناء والمدْحِ فإن شكَكْتُم فيما أقول لكمْ ... فكَذِّبوني بواحدٍ سَمْحِ ومما أنشده الخُوَارَزْمِيّ مما يُشبه هذا، وإن لم يكن من جميع الوجوه: أمْسَى بلا عِظَمٍ لدَيْه تَعاظُمٌ ... فكأنَّه أبْرُ الحِمارِ القائمُ ويقولُ إن الناسَ كلُّهمُ أنا ... والناسُ كلُّهمُ لدَيْه بهائمُ ولأبن تَميم: أيا مَعْشَرَ الأصحابِ مالي أراكُمُ ... وذَمُّ جميعِ الناسِ جُلُّ منُاكُمُ لئن كان ذمُّ الناسِ أضْحى شِعارَكُمْ ... فما الناسُ إلا أنتمُ لا سِواكُمُ ومما قلتُه في معناه: تفرَّدْتَ في ذا العصرِ بالفضْلِ والنُّهَى ... بزَعْمِك يا مَن زادَه عِلْمهُ جَهْلاَ فأبْقِ لنا في الدَّهرِ غيرك عالِماً ... يُصدِّقِ ذي الدَّعْوَى ويعرِفُ ذَا الفَضْلاَ ومن شعر والده: إنَّ خِلاَّ مَلَّ مِنَّا ... خَلِّناَ باللهِ منْهُ

стр. 139

هو لا يَسألُ عنَّا ... مالناَ نسألُ عنْهُ وللتَّقِيّ السُّبْكِيّ رباعيَّةٌ في هذا المعنى، وهي: يا قلبُ مِن الغرام قد زِدْت وَلَهْ ... مَن خانَك خُنْهُ أو تُعوَّضْ بَدَلَهْ فالنفسُ عزيزةٌ على مَن هِي لَهْ ... لا يصلُحُ لي مَن كنتُ لا أصلُح لَهْ ولأبن الوَرْدِيّ: إذا كرِهْتَ منزلاَ ... فدُونَك التَّحَوُّلاَ وإن جَفاكَ صاحبٌ ... فكُن به مُستَبْدِلاَ لا تحْمِلَنْ إهانةً ... مِن صاحبٍ وإن عَلاَ فمَنْ أتى فمَرْحباً ... ومَن تَولْى فإلَى ومما أنشدْتُه له: إن تسَلْ عن حالِ الذين اجتباهُمْ ... ربُّهمْ عاجزاً وتطلُب قُرْبَا أحْبِبِ اللهَ والذين اصْطفاهُمْ ... تبْقَ معْهُم فالمرءُ مَعَ مَن أحَبَّا وللحافظ ابن حَجَر العَسْقَلانِيّ في معناه: وقائلٍ هل عَملٌ صالحٌ ... أعْدَدْتَه ينقعُ عند الكُرَبْ فقلتُ حسِبي خِدْمَةُ المصطفَى ... وحُبُّه فالمرءُ مَعَ مَن أحَبّ وكنتُ قلتُ قبل أن أسمع هذا: وحقِّ المصطَفَى لي فيه حُبٌّ ... إذا مرضَ الرَّجاءُ يكون طِبَّا ولا أرضَى سِوى الفِرْدَوسِ مَأْوًى ... إذا كان الفتى مَعَ مَن أحَبَّا وأعلم أنه وقع في حديث صحيح، عن عائشة رضى الله عنها أن رجلاً أتى النبيَّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أنت أحبُّ إليَّ مِن نفسِي وأهْلي ومالي،

стр. 140

وإني إذا ذهبْتُ لِدَاري لا تطيبُ نفسِي حتى آتِيَك وأرَاكَ، فإذا مِتَّ أنْتَ كنتَ في أعْلى مقامٍ، فأخْشى ألاَّ أراك. فلم يُجِبْه الرَّسولُ ﷺ ، فنزل جبريلُ ﵇، بقوله :) وَمَنْ يَطِعِ اللهَ والرَّسُولَ فَأُولئكَ مَعَ الذَّيِنَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ الآية. فقال رسولُ الله ﷺ :) الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أحَبَّ (. وقلتُ في معناه رُباعيَّة: حُبِّي لمحمدٍ حبيبِ البارِي ... في طِينةِ خِلْقَتي ورُوحِي سَارِ والمرءُ ومَن أحَبَّ في الخُلْدِ معاً ... طُوبَي لِي إن غدَوْتُ عبْدَ الدَّارِ

стр. 141

أبو الصَّفاء مصطفى بن العَجَميّ الْحَلبِي روضٌ وَرِيقُ أغْصان المُرُوَّة، رَيَّان من ماء المكارم والفُتَّوة، فارسُ الشَّهباء نُبْلاً وأدباً، طبعُه أخو ابْنَةِ العنب صفاءَ وطرَباً، أرْدانُ شبابه باللُّطفِ مُذهَّبَة، وكئوس آدابه المجْلُوَّة للقلوب مُحبَّبة، إِذا ابتسمَتْ عُقود ألْفاظِه كسَد نظِيمُ الجَوْهَر، وخُيِّل أنها لِرقَّتها من خدود الغِيد تُعْصَر، أقبلَتْ على شِعره الفصاحةُ بوجهٍ جميل، وقصَّر عن إدراكِ لطفِه النَّسيمُ وهو عَلِيل، مع صَباحةِ مُحيَّا يَهْزَأ بالرَّوضِ الوَسِيم، إذا عطَّرتْ مَجامِرُ نفَحاتِه أذيالَ النَّسيم، نفحَتْ في بُرودِ الزَّهْرِ نَشْراً، وعبَثتْ بمباسِم النَّوْر الضَّاحِكةِ بشْراً. ثَمِلٌ من سُلافَةِ الطَّلِّ في الزَّه ... رِ وناهِيكَ طِيبُها مِن كاسِ ولم تزل كئوسُ أدبهِ على النَّدامَى مَجلُوَّة؛ حتى ورَد موارِد الموت فبُدِّلتْ بالكَدرِ صُفُوَّة. وأيُّ صَفاءٍ لا يُكدِّرُه الدهرُ فقطَفتْ زهرةَ شبابهِ، وقد سقتْها دموعُ أحبابِه. فمن شِعره، ما أنشدني له الطالُوِيّ، من قصيدةٍ اخترتُ منها قوله:

стр. 142

ما اجْتازَ بارقُ ذاكَ الثَّغرِ مُبتسِماً ... ولا النَّسيمُ بأخْبارِ الحِمَى نَسَمَا إذْ وعاوَدَه من وَجْدِهُ طَرَبٌ ... حتى كأنَّ به ما يُشْبِه اللَّمَمَا مُقيَّمٌ لعبتْ أيدي الغرامِ به ... فغادَرتْه كأنفاسِ الصَّبا سَقَمَا تسِيتُ منه على الأحْشاءِ كفُّ شَجٍ ... تضمُّ صدراً خَفوقَ القلبِ مُضْطرِمَا أبا خليليَّ لا زالَتْ مُجلَّلةٌ ... من البوارِقِ تهْمِي في عِراصِكُمَا حتى تظَلَّ لها الأرجاءُ باسِمةً ... تبُثُّ مِن سِرِّها ما كان مُكتَتمَا أماَ ومبسْمِهِ الزَّاهيِ بمُنتَسِقٍ ... يُزْرِي مُفَلَّجُهُ بالدُّرِّ مُنتِظمَا ولَفْتةٍ تذَرُ الألبابَ شارِدةً ... أيْدِي سَبَا وترُدُّ الفكرَ مُنقسِمَا لا حُلْتُ عن حُبِّه الأشْهَى إلى كبدِي ... من الزّلالِ وقد كادَتْ ظمَا ولا تبَدَّلتُ إنساناَ سِواهُ ولَو ... أضْحَى وجُودِي كصَبْري في الهوَى عَدَمَا ومنها: لِلهِ ما أنتَ في الأفاقِ تنْثُرُهُ ... وهْيَ الَّلآلئُ ظنَّتْها الورَى كَلِمَا ومنها: مِن كلِّ زَاهيةِ الألْفاظِ زاهِرةٍ ... لا ترْتضِي الشِّعرَ أن يُعْزَى لها شَمَمَا وله من قصيدة رَثى بها العِماد: عظيمُ مُصابٍ مُقْعِدٌ ومُقيمُ ... له كَمَدٌ بين الضُّلوعِ مُقيمُ وفادح خَطْبٍ حارَب الصَّبَر والكَرَى ... فأصبحَ كلٌّ وهْو عنه هَزِيُمُ

стр. 143

وحُكْمٌ أذلَّ الفضلَ عنْد اعتزازِهِ ... وأوْهَى عمادَ الدِّين وهْو قويمُ ألا إنَّما عينُ المعالي غَضِيضةٌ ... وإن فؤادَ المَكْرُماتِ كَلِيمُ ومنها: أقامَتْ على قَبْرٍ عاطرِ الثَّرى ... سحائبُ رِضْوانٍ فليس تَرِيمُ إلى أن يعودَ القبرُ أنْضَر روْضةٍ ... بها النَّبْتُ شتَّى يانِعٌ وهشِيمُ وكان له بِجِلَّق أصدقاء تَسكَر بشمول شمائِلهم الرَّاح، وتهتَزُّ طرباً لذكرِهم معاطفُ الأرْيَحِيَّة والسَّماح، فتخفُق على هاماتِ مجدِهم ألْويةُ الحمد، وتُضِئُ في سماءِ معاليهم كواكبُ المجد، من كل مُصطَبِح بكاساتِ المَسرَّة مُغْتبِق، ولولا نَدَاهُ كاد من نارِ الذَّكاء يحْترِق. فلما ارتحلَ إلى الشَّهباء غلبَه الشَّجَن، ونافسَتْه الشُّجون، وفي ذلك فلْيَتنافس المتنافِسون، فكتب إليهم: يُقبِّل الأرضَ صَبٌّ مُغرَمٌ علَقاً ... بكُم وذلك مِن تكْوينهِ عَلَقَا حِلْفُ الصَّبابةِ أمَّا قلبهُ فشَجٍ ... من الفِراقِ وأما جِسْمُه فَلَقَا يشْتاقكُمْ كلَّما هبَّتْ يمانِيَةٌ ... ولا مَحالةَ أن يَشْتاقَ مَن عشِقَا بهِ من البيْنِ ما لو حلَّ أيْسرُهُ ... يوماً بأركان رَضْوَي هُدَّ أوْ طَفِقَا يا هل تعودُ أوَيْقافٌ بكم لفتىً ... دموعُه خَدَّدتْ في خَدِّه طُرُقَا اللهُ يعلمُ ما إن عَنَّ ذكرُكمُ ... إلا تناَثَر دُرُّ الدَّمعِ واسْتَبقَا

стр. 144

ولا تغنَّتْ على غُصْنٍ مُطوَّقَةٌ ... ألاَّ أهاجَتْ لِيَ الأشْجَانَ والأرَقَا يا ليتَ شِعْرِيَ والأيامُ مُطمِعةٌ ... والدهرُ في عكسِ ما يهْوَى الفتَى خُلِقَا هل لي إلى عَوْدِ أوقاتٍ بكمْ سلفَتْ ... رَجاً فأظْفرُ أحياناً بما افتَرقَا للهِ أيامُنا والشَّمْلُ مُجتمِعٌ ... أيامَ لا فُرقَةً أخْشَى ولا فَرَقَا وإذْ بكُمْ كان عَيْشي أخْضراً نَضِراً ... وأسْودُ الليل منكُمْ أبْيَضاً يَقَقَا يا صاحِبَيَّ فلا رُوِّعْتمُا بنَوًى ... وعنكُما ظلَّ جَفْنُ الدَّهْرِ مُنطبِقَا إن جئتُمَا الجامعَ الزَّاهِي برَوْنقِهِ ... سقَاهُ من غادِياتِ السُّحْب ما غَدَقَا مُيَمَّمَيْن له عُوجا كذا كرماً ... لنَحْو قُبَّتِه الشَّمَّاءِ وانْطلِقَا فبلَّغا لِي سلاماً مَن مَحبَّتُه ... لم تُبْقِ لي منذُ حلَّتْ مُهجَتي رَمَقَا وخَبِّراهُ بما ألْقى بعيْشِكما ... من فَرْطِ لاعِجِ أشواقٍ أتَتْ نَسَقَا إنِّي إلى ذلك المغْنَى المشُوقُ كما ... أشْتاقُ صحْبيَ إخوانَ الصَّفا خُلُقَا لا سيَّما الأروعَ المحمودَ سيِّدنا ... المُسْكِتَ اللَّسِنَ المُطْرَي إذا نطَقَا طَوْراً تراه بكأسِ الحمدِ مُصْطبِحاً ... وتارةً من سُلافِ المجدِ مُغتبِقَا يا غائبين فما وُدِّي بمُنتقِضٍ ... منكُم ولا حبْلُ عهدِي واهِناً خَلَقَا تَحْدُوه رِيحُ الصَّبا وَهْناً لأرْضِكُم ... يُزْرِي شَذَاها بِرَيَّا مِسْكِه عَبِقَا فأجابه أبو المعالي الطَّالُوِيّ، بقصيدةٍ، أنشدَنِيها، وهي: وافَتْ فأرّجتِ الأرجاءُ والأفُقَا ... أُمْنِيَّةٌ من شَذاها قُطرُنا عَبِقَا رَاحٌ كأنَّ الصَّبا باتَتْ تُعلِّلُها ... بالسَّحْرِ بين رِياضٍ طَلْعُها بَسَقَا أم نَفْحَةٌ مِن رُبَى دَارِينَ عاطِرةٌ ... أهْدَتْ لنا أرَجاً جُنْحَ الدُّجَى عَبقَا

стр. 145

هَيفاءُ تزهُو بقَدٍ زانَهُ هَيَفٌ ... كخُوطِ باَنٍ غَضِيضٍ مُثِمرٍ بِسَقَا تَرنُو إلىَّ بطَرْفٍ كلُّهُ حَوَرٌ ... مهْماَ انْبَرتْ بفؤادٍ هامَ أو عَشِقَا لو شاهدَ ابنُ عُنَيْنٍ حُسْنَ طلْعتِها ... لا ذْكرَتهْ زماناً يبعُثُ الَحرقَا أو انْبرَتْ لحَبيبٍ وهْو ذُو لَسَنٍ ... أزْرَتْ به كذا سَحْبانُ إن نَطَقَا يا حُسنَها حينَ زارتْنا مُحبَّرةً ... قد نُظِّمَ الدُّرُّ في لَبَّاتِها نَسَقَا أهْدَتْ تحيَّةَ وُدٍّ من أخِي ثِقَةٍ ... يُزْري شَذاهَا برَيَّا المِسْك إن عَبِقَا لا غَرْو أنِّي مَشُوقٌ في الأنامِ له ... فالحُرُّ يشْتاقُ إِخوان الصَّفا خُلُقَا أشْتاقُ رؤْيَتَه الغرَّاءَ ما طلَعتْ ... شمسُ النَّهارِ وأبْدَى صُبْحُه شَفَقَا وكلَّما سَحَرًا هبَّتْ شآمِيَةٌ ... بسَفْح جِلِّقَ أو بَرْقُ الحِمى بَرَقَا أحْبابَنا والذي أرجوهُ مُبتَهلا ... بأن يُمَنَّ على مُضْناكمُ بلِقَا ما أن تذكَّرْتُ معنًى راقَ لي بكمُ ... إلاَّ ورُحْتُ بدَمْعي جازعاً شَرِقَا ولا شدَتْ بِغِياضِ الغُوطَتيْن ضُحًى ... وَرْقاءُ تنْدُب إلفاً نازِحاً شفقَا إلاَّ وغاض اصْطِبارِي أو وَهَي جَلَدِي ... ففاض من مُقْلَتَيَّ الدَّمعُ وانْطلقَا إذ جانبُ العيشِ طَلْقٌ رائِقٌ بَهِجٌ ... والدهرُ قد غَضَّ عنا الجَفْنَ فانْطَبقَا تلْهُو بكلِّ كَحِيلِ الطَّرْفِ ساحرِه ... يُزْرِي بِغزْلانِ عُسْفانٍ إذا رَمَقَا
следующие страницы →