Полный текст (456 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
أبو الصَّفاء مصطفى بن العَجَميّ الْحَلبِي
روضٌ وَرِيقُ أغْصان المُرُوَّة، رَيَّان من ماء المكارم والفُتَّوة، فارسُ الشَّهباء نُبْلاً وأدباً، طبعُه أخو ابْنَةِ العنب صفاءَ وطرَباً، أرْدانُ شبابه باللُّطفِ مُذهَّبَة، وكئوس آدابه المجْلُوَّة للقلوب مُحبَّبة، إِذا ابتسمَتْ عُقود ألْفاظِه كسَد نظِيمُ الجَوْهَر، وخُيِّل أنها لِرقَّتها من خدود الغِيد تُعْصَر، أقبلَتْ على شِعره الفصاحةُ بوجهٍ جميل، وقصَّر عن إدراكِ لطفِه النَّسيمُ وهو عَلِيل، مع صَباحةِ مُحيَّا يَهْزَأ بالرَّوضِ الوَسِيم، إذا عطَّرتْ مَجامِرُ نفَحاتِه أذيالَ النَّسيم، نفحَتْ في بُرودِ الزَّهْرِ نَشْراً، وعبَثتْ بمباسِم النَّوْر الضَّاحِكةِ بشْراً.
ثَمِلٌ من سُلافَةِ الطَّلِّ في الزَّه ... رِ وناهِيكَ طِيبُها مِن كاسِ
ولم تزل كئوسُ أدبهِ على النَّدامَى مَجلُوَّة؛ حتى ورَد موارِد الموت فبُدِّلتْ بالكَدرِ صُفُوَّة.
وأيُّ صَفاءٍ لا يُكدِّرُه الدهرُ فقطَفتْ زهرةَ شبابهِ، وقد سقتْها دموعُ أحبابِه.
فمن شِعره، ما أنشدني له الطالُوِيّ، من قصيدةٍ اخترتُ منها قوله:
стр. 142
ما اجْتازَ بارقُ ذاكَ الثَّغرِ مُبتسِماً ... ولا النَّسيمُ بأخْبارِ الحِمَى نَسَمَا
إذْ وعاوَدَه من وَجْدِهُ طَرَبٌ ... حتى كأنَّ به ما يُشْبِه اللَّمَمَا
مُقيَّمٌ لعبتْ أيدي الغرامِ به ... فغادَرتْه كأنفاسِ الصَّبا سَقَمَا
تسِيتُ منه على الأحْشاءِ كفُّ شَجٍ ... تضمُّ صدراً خَفوقَ القلبِ مُضْطرِمَا
أبا خليليَّ لا زالَتْ مُجلَّلةٌ ... من البوارِقِ تهْمِي في عِراصِكُمَا
حتى تظَلَّ لها الأرجاءُ باسِمةً ... تبُثُّ مِن سِرِّها ما كان مُكتَتمَا
أماَ ومبسْمِهِ الزَّاهيِ بمُنتَسِقٍ ... يُزْرِي مُفَلَّجُهُ بالدُّرِّ مُنتِظمَا
ولَفْتةٍ تذَرُ الألبابَ شارِدةً ... أيْدِي سَبَا وترُدُّ الفكرَ مُنقسِمَا
لا حُلْتُ عن حُبِّه الأشْهَى إلى كبدِي ... من الزّلالِ وقد كادَتْ ظمَا
ولا تبَدَّلتُ إنساناَ سِواهُ ولَو ... أضْحَى وجُودِي كصَبْري في الهوَى عَدَمَا
ومنها:
لِلهِ ما أنتَ في الأفاقِ تنْثُرُهُ ... وهْيَ الَّلآلئُ ظنَّتْها الورَى كَلِمَا
ومنها:
مِن كلِّ زَاهيةِ الألْفاظِ زاهِرةٍ ... لا ترْتضِي الشِّعرَ أن يُعْزَى لها شَمَمَا
وله من قصيدة رَثى بها العِماد:
عظيمُ مُصابٍ مُقْعِدٌ ومُقيمُ ... له كَمَدٌ بين الضُّلوعِ مُقيمُ
وفادح خَطْبٍ حارَب الصَّبَر والكَرَى ... فأصبحَ كلٌّ وهْو عنه هَزِيُمُ
стр. 143
وحُكْمٌ أذلَّ الفضلَ عنْد اعتزازِهِ ... وأوْهَى عمادَ الدِّين وهْو قويمُ
ألا إنَّما عينُ المعالي غَضِيضةٌ ... وإن فؤادَ المَكْرُماتِ كَلِيمُ
ومنها:
أقامَتْ على قَبْرٍ عاطرِ الثَّرى ... سحائبُ رِضْوانٍ فليس تَرِيمُ
إلى أن يعودَ القبرُ أنْضَر روْضةٍ ... بها النَّبْتُ شتَّى يانِعٌ وهشِيمُ
وكان له بِجِلَّق أصدقاء تَسكَر بشمول شمائِلهم الرَّاح، وتهتَزُّ طرباً لذكرِهم معاطفُ الأرْيَحِيَّة والسَّماح، فتخفُق على هاماتِ مجدِهم ألْويةُ الحمد، وتُضِئُ في سماءِ معاليهم كواكبُ المجد، من كل مُصطَبِح بكاساتِ المَسرَّة مُغْتبِق، ولولا نَدَاهُ كاد من نارِ الذَّكاء يحْترِق.
فلما ارتحلَ إلى الشَّهباء غلبَه الشَّجَن، ونافسَتْه الشُّجون، وفي ذلك فلْيَتنافس المتنافِسون، فكتب إليهم:
يُقبِّل الأرضَ صَبٌّ مُغرَمٌ علَقاً ... بكُم وذلك مِن تكْوينهِ عَلَقَا
حِلْفُ الصَّبابةِ أمَّا قلبهُ فشَجٍ ... من الفِراقِ وأما جِسْمُه فَلَقَا
يشْتاقكُمْ كلَّما هبَّتْ يمانِيَةٌ ... ولا مَحالةَ أن يَشْتاقَ مَن عشِقَا
بهِ من البيْنِ ما لو حلَّ أيْسرُهُ ... يوماً بأركان رَضْوَي هُدَّ أوْ طَفِقَا
يا هل تعودُ أوَيْقافٌ بكم لفتىً ... دموعُه خَدَّدتْ في خَدِّه طُرُقَا
اللهُ يعلمُ ما إن عَنَّ ذكرُكمُ ... إلا تناَثَر دُرُّ الدَّمعِ واسْتَبقَا
стр. 144
ولا تغنَّتْ على غُصْنٍ مُطوَّقَةٌ ... ألاَّ أهاجَتْ لِيَ الأشْجَانَ والأرَقَا
يا ليتَ شِعْرِيَ والأيامُ مُطمِعةٌ ... والدهرُ في عكسِ ما يهْوَى الفتَى خُلِقَا
هل لي إلى عَوْدِ أوقاتٍ بكمْ سلفَتْ ... رَجاً فأظْفرُ أحياناً بما افتَرقَا
للهِ أيامُنا والشَّمْلُ مُجتمِعٌ ... أيامَ لا فُرقَةً أخْشَى ولا فَرَقَا
وإذْ بكُمْ كان عَيْشي أخْضراً نَضِراً ... وأسْودُ الليل منكُمْ أبْيَضاً يَقَقَا
يا صاحِبَيَّ فلا رُوِّعْتمُا بنَوًى ... وعنكُما ظلَّ جَفْنُ الدَّهْرِ مُنطبِقَا
إن جئتُمَا الجامعَ الزَّاهِي برَوْنقِهِ ... سقَاهُ من غادِياتِ السُّحْب ما غَدَقَا
مُيَمَّمَيْن له عُوجا كذا كرماً ... لنَحْو قُبَّتِه الشَّمَّاءِ وانْطلِقَا
فبلَّغا لِي سلاماً مَن مَحبَّتُه ... لم تُبْقِ لي منذُ حلَّتْ مُهجَتي رَمَقَا
وخَبِّراهُ بما ألْقى بعيْشِكما ... من فَرْطِ لاعِجِ أشواقٍ أتَتْ نَسَقَا
إنِّي إلى ذلك المغْنَى المشُوقُ كما ... أشْتاقُ صحْبيَ إخوانَ الصَّفا خُلُقَا
لا سيَّما الأروعَ المحمودَ سيِّدنا ... المُسْكِتَ اللَّسِنَ المُطْرَي إذا نطَقَا
طَوْراً تراه بكأسِ الحمدِ مُصْطبِحاً ... وتارةً من سُلافِ المجدِ مُغتبِقَا
يا غائبين فما وُدِّي بمُنتقِضٍ ... منكُم ولا حبْلُ عهدِي واهِناً خَلَقَا
تَحْدُوه رِيحُ الصَّبا وَهْناً لأرْضِكُم ... يُزْرِي شَذَاها بِرَيَّا مِسْكِه عَبِقَا
فأجابه أبو المعالي الطَّالُوِيّ، بقصيدةٍ، أنشدَنِيها، وهي:
وافَتْ فأرّجتِ الأرجاءُ والأفُقَا ... أُمْنِيَّةٌ من شَذاها قُطرُنا عَبِقَا
رَاحٌ كأنَّ الصَّبا باتَتْ تُعلِّلُها ... بالسَّحْرِ بين رِياضٍ طَلْعُها بَسَقَا
أم نَفْحَةٌ مِن رُبَى دَارِينَ عاطِرةٌ ... أهْدَتْ لنا أرَجاً جُنْحَ الدُّجَى عَبقَا
стр. 145
هَيفاءُ تزهُو بقَدٍ زانَهُ هَيَفٌ ... كخُوطِ باَنٍ غَضِيضٍ مُثِمرٍ بِسَقَا
تَرنُو إلىَّ بطَرْفٍ كلُّهُ حَوَرٌ ... مهْماَ انْبَرتْ بفؤادٍ هامَ أو عَشِقَا
لو شاهدَ ابنُ عُنَيْنٍ حُسْنَ طلْعتِها ... لا ذْكرَتهْ زماناً يبعُثُ الَحرقَا
أو انْبرَتْ لحَبيبٍ وهْو ذُو لَسَنٍ ... أزْرَتْ به كذا سَحْبانُ إن نَطَقَا
يا حُسنَها حينَ زارتْنا مُحبَّرةً ... قد نُظِّمَ الدُّرُّ في لَبَّاتِها نَسَقَا
أهْدَتْ تحيَّةَ وُدٍّ من أخِي ثِقَةٍ ... يُزْري شَذاهَا برَيَّا المِسْك إن عَبِقَا
لا غَرْو أنِّي مَشُوقٌ في الأنامِ له ... فالحُرُّ يشْتاقُ إِخوان الصَّفا خُلُقَا
أشْتاقُ رؤْيَتَه الغرَّاءَ ما طلَعتْ ... شمسُ النَّهارِ وأبْدَى صُبْحُه شَفَقَا
وكلَّما سَحَرًا هبَّتْ شآمِيَةٌ ... بسَفْح جِلِّقَ أو بَرْقُ الحِمى بَرَقَا
أحْبابَنا والذي أرجوهُ مُبتَهلا ... بأن يُمَنَّ على مُضْناكمُ بلِقَا
ما أن تذكَّرْتُ معنًى راقَ لي بكمُ ... إلاَّ ورُحْتُ بدَمْعي جازعاً شَرِقَا
ولا شدَتْ بِغِياضِ الغُوطَتيْن ضُحًى ... وَرْقاءُ تنْدُب إلفاً نازِحاً شفقَا
إلاَّ وغاض اصْطِبارِي أو وَهَي جَلَدِي ... ففاض من مُقْلَتَيَّ الدَّمعُ وانْطلقَا
إذ جانبُ العيشِ طَلْقٌ رائِقٌ بَهِجٌ ... والدهرُ قد غَضَّ عنا الجَفْنَ فانْطَبقَا
تلْهُو بكلِّ كَحِيلِ الطَّرْفِ ساحرِه ... يُزْرِي بِغزْلانِ عُسْفانٍ إذا رَمَقَا
стр. 146
لا سِيِّما إن غدا بالكأسِ مُصطبِحاً ... أوْ راحَ مِن وَلهٍ بالطاسِ مُغتبِقَا
ليتَ الزَّمانَ الذي فينا الغدَاةَ قضَى ... بشَتّ ملْمومِنا والدهرَ ما خُلِقَا
هَلْ أُوَيْقاتُنا الَّلاتي بكُمْ سلفَتْ ... تعودُ يوماً فأحظَى منكُم بِلِقَا
عليكَ منِّي سلامُ اللهِ ما بقِيَتْ ... صباَبةٌُ تبْعَتُ الأشْجانَ والأرقَا
تهْدِيه ريحُ النُّعَامَي نحو أرْضِكمُ ... كمِسْكِ دَارِين يزْكُو كُلما نُشِقَا
стр. 147
تقيُّ الدِّين بن معروف
سماءُ فضلٍ بإطْلاع نجوم الكمال معروف، وشموسُ معارفِه لا يعْتريها كُسوف، ورياضُ عِلْمه أنِيقة، ودَوْحَة مجدِه وَرِيفَة الظلوَرِيقَة.
إذا مسَّ الأقْلامَ سجدَتْ في محاريب الطُّروس شكراً، ومادت من مُدام مِدادِه هائمةً سُكْرا، فكم لِلَيْل حِبْرِه المِسْكِيّ الأنفاس يدٍ بَيَّض اللهُ بها مُحيَّا القِرْطاس.
تُخبِّر أنَّ المانَوِيَّة تَكْذِبُ وله في علم الفلَك أنْظار تَنُم بأسرار كواكِبه، وإن كتم قلْبَه على لِسانِ أسرار صاحِبه، بَوَّأه اللهُ منه مكاناً علِياً، فتَلا لمن رَامَه سِواه:) أَعُوذُ بالرَّحمنِ مِنْكَ إنْ كُنْتَ تَقِيَّا (فكم صعد له بخَطواتِ فكره وسَما، واتَّخذ خُطوطَ جدَاوِلِه للعُروج إليه سُلَّما، فكلَّما طارت حمائمُ النجوم من بروجِ أقْطارِها، جعلها بِطاقةً تَطِير في الآفاقِ لتْبليغ أخْبارِها، فلو كان لعُطارِد الخِيار كان بدَنانير الدَّرارِي له مُشْترِي، ولو أراد مَدْحَه أطْراه بقَول ابن الروميّ غيرَ مُفْترِي:
стр. 148
أعلاكُمُ في السَّماءِ مجدُكمُ ... فلستُمُ تجهلون ما جَهِلاَ
شافَهْتُمُ البدرَ بالسُّؤالِ عن الْ ... أمرِ إلى أن بلغتُمُ زُحَلاَ
لم تُدْرِكوا قطُّ بالحسابِ بَل الْ ... أحسابِ علماً لكمْ ولا عَملاَ
ولم يزل مُتقلِّداً بصارم القَضا، قانعاً من معشوقتِه الدنيا بحالَتي الصَّدِّ والرِّضا، حتى أراد أن يجدِّد لأسْتاذِنا رصَداً:) وَإنَّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ في الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدا (غافلا عن حَركات الفَلَك، حتى قال له: نبَّهَك اللهُ ما أغْفَلَك، فدارت دوائرُه على مدارِها، وصارت زاويةُ قبْرِه حادَةً بعد ما كانت مُنْفَرجة في أقْطارِها، وشكْلُ العَرُوس من زُخْرُف الحياةِ له أطْماع، وهو لمن تأمَّلَه شكل قطاع.
والموتُ للإنْسانِ بالمِرْصادِ وقد طالعتُ له رسائل فلَكيَّة، وبعض تحريراتٍ هنْدسِيَّة؛ تدلُّ على عُلُوِّ كَعْبِه فيها، وُرقِيَّة من حَضِيض الخمول إلى سماء معالِيها.
وله شعر وَسَط، ونثرٌ غرِيبُ النَّمَط، كقوله في مدح العَّلامة أبي الفتح المَالِكيّ:
يا كَعْبةً يؤُمُّها أُولو النُّهْىَ ... وسِدْرةَ الفضْلِ إليْها المُنتهَىَ
لأنتَ في العالَمِ فردٌ علَمٌ ... بل كلُّ الخلقِ عِلْماً وهُدَى
والفضلُ لمَّا قال إن مَالِكِي ... بالشَّامِ كُلُّ قد أقَرَّ بالولاَ
رَفَعْتَ قَدْراً وعَلَوْتَ رُتْبةً ... وفُزْتَ بالتَّقْديمِ حالَ الابْتِدَا
وفُقْتَ أهلَ الأرضِ بالعلمِ الذي ... أُتيتَه مولايَ من ربِّ السَّمَا
يَصْرِفُ لُبَّ المرءِ نحو لفْظِه ... إذ يُعْرِب الفضلُ على هذا البِنَا
стр. 149
وقوله من قصيدةٍ في مدح أستاذي سعد الدين الشاعر:
صَباحُ الأمانِي في صَباح مكارم ... تجلّتْ على عَرْشِ الجلالةِ والحمْدِ
مطالعُ ما زالَتْ طَوالِعُ بالَسَّنَا ... تُعِّممُ آفاقَ المكارمِ بالسَّعْدِ
)
فائدة مهمة (
سُئِلتُ عنها في حال تحْريري هذه) الريحانة (، وهي أنه منَع بعضُ علماء المالكيَّة من الألْقاب المضافة للدِّين، كسعد الدين، وعز الدين.
فقلتُ: قال العارفُ بالله ابن الحاج في كتابه المسمى ب) المدخل (الذي استقْصى فيه أنواع البدع، ما نصُّه: فصلٌ، من ارْتكب بدعه ينْبغي له إخفاؤُها؛ لقوله ﷺ :) مَنِ ابتُلِىَ مِنْكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ هذِهِ الْقَاذُورَات فَلْيَسْتَتِرْ (والعالِم يجب عليه التَّستُّر أكثر من غيره؛ لأنه ربما يُقال: عنده عِلْم بجواز ما ارْتكبَه، فيَقْتدي به غيرُه، كما قال أبو منصور الدِّمْياطِيّ، في قصيدةٍ له:
أيها العالمُ إيَّاك الزَّلَلْ ... وأحذَرِ الهَفْوةَ فالخَطْبُ جَلَلْ
هَفْوةُ العالِم مُستَعظَمةٌ ... إن هَفَا أصبح في الخَلْقِ مَثَلْ
стр. 150
وعلى هَفْوتِه عُمدَتُهمْ ... وبه يَحْتَجُّ من أخْطَا وزَلْ
فهو مِلْحُ الأرضِ ما يُصْلِحُه ... إن بدَا فيه فَسادٌ أو خَلَلْ
فمَمَّا ينْبغي التَّحفُّظ عنه من البدع الأعلامُ المخالفة للشَّرع، المُضافَة للدِّين؛ لما فيها من تزْكيه النَّفس، المَنْهِيِّ عنها، كما صرَّح به القُرْطُبيّ في) شرح الأسماء الحسنى (.
وللفَضْل بن سَهْل قصيدةٌ في ذمِّها، فمنها قولُه فيمَن لُقِّب بعز الدين وفخر الدين:
أرَى الدِّين يَسْتَحِي من اللهِ أن يُرَى ... وهذا له فَخْرٌ وذاك نَصِيرُ
فقد كثُرَتْ في الدِّين ألقابُ عُصْبةٍ ... هُمُ في مَراعِي المُنْكَرات حَمِيرُ
وإنِّي أُجِلُّ الدِّين عن عِزِّهِ بهِمْ ... وأعلمُ أن الذَّنْبَ فيه كَبِيرُ
فمن نادَى بهذا الاسم، أو أجاب به، فقد ارتكب ما لا ينْبغي؛ لأنه كذَب؛ وفي الحديث:) عَلَيْكُمْ بالصِّدْقِ فإنَّهُ يَهْدِي إلَى الْبِّر والْبِّرُّ يَهْدِي إلى الجَنَّةِ، والْكَذِبُ فُجُورٌ والْفُجورُ يَهْدي إلى النَّار (الحديث.
стр. 151
فإذا قال أحدٌ) مُحْي الدين (يُقال أهذا الذي أحْيى الدِّين؟ فإذا أخذ صحيفتَه وجدها مَشْحونةً بالكذِب.
ولما دخل رسولُ الله ﷺ على أمِّ المؤمنين زينب، قال لها:) مَا أسْمُكِ؟ (قالت: بَرّة. فكرِه ﷺ ذلك، وقال:) لا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ (وسمَّاها زَينب.
ولا يُقال: إنها خرجَت عن أصْلِها بالنَّقْل للعَلَميّة؛ لأنه لو كان كذلك ما كرهوا ترْكَها مع ما فيها من التَّشبُّه بالعَجم المنْهَيّ عنه.
وهذه التَّسْمِية أوَّلَ ما ظهرتْ من مُتغلِّبة التُّرْك مضافةً للدَّولة، وكانوا لا يُلقِّبون أحداً إلا بإذن السلطان، وكانوا يبذُلون عليه المال، ثم عَدَلوا عنه بالإضافة إلى الدِّين.
ونقل عن النَّوَوِيّ رحمة الله أنه كان يكره من يُلقِّبه بمُحْي الدِّين، ويقول: لا أجعل مَن دعاني في حِلٍّ.
ولذا تحاشَى عنه بعض العلماء، وهذه نَزْغَة شيطانيَّة من أهل المشرق، ولما كان في أهل المغرب من التَّواضُع كانوا يغيَّرون الأسماء، لما هو مَنْهِيٌّ عنه أيضاً، فيقول لمحمد:) حمو (، ولأحمد) حموس (، وليوسف) يسو (ولعبد الرحمن)
стр. 152
رحمو (ونحوه. انتهى.
أقول: أمَّا كونُ هذه بدعة حدثَتْ بعد العصر الأول فلا شُبْهة فيه.
وأما كونُها ممنوعة شرعاً، أو مكروهةً فلا وجهَ له، وما تشبَّثَ به أوْهى من بيْتِ العنْكبوت، وما نقله عن النَّووِيّ وغيرِه من السَّلف لا أصْلَ له، وكذا ما نُقِلَ عن شيخ والذي ناصر الدين اللَّقَانِيّ، أنه كان يكتب في الفَتاوَى) ناصر (لهذا.
وقد غرَّني ذلك مُدَّةً، ثم رجعتُ عنه؛ لعدم ثُبوتِه.
وكونُه كذباً يُكتَب في صفحة مجازَفةٌ لا ينْبغي أن يُقال مثلُه بالرَّأْي، وهذا لم يضَعْه الإنسان لنفْسِه، وإنمَّا سماه به أبَوَاه في صِغَره، وعدمِ تكْليفه.
وكونُه تزكيةً لنفْسِه أيضاً غيرُ صحيح؛ لأن الإضافة تكون لأدْنى ملابَسةٍ، فهو مُضاف للسَّبب تفاؤُلاً، فعِزُّ الدين بمعنى يُعِزُّه الله بالدِّين، وكذا مُحي الدين، بمعنى مُحي نفسِه بالدِّين، فقياسُه على) بَرَّة (قياسٌ فاسد، مع الفارق، ولو صح هذا مُنِع أحمد، ومحمد، وحسن، وهو محمود.
وقد قال المُحَدِّثون: إذا اشْتهر اللَّقب جازَ، وإن كان ذَمَّاً، كأعرج، وأعمش، فما ذكر تضْييق وحَرَج في الدِّين.
وفي هذا الكتاب كثيرٌ من هذا النَّمَط، فإيَّاك والاغْترارَ به.
والأعلام إنما تدلُّ وضْعاً على الذَّات، والتَّفاؤُل بالأمور المُسْتَحسَنة مُستَحب؛ لقوله في الحديث: كان يُحِبُّ الفَأْل، ويكْرَه الطِّيَرَة. ويحمدهقائلة لا يعتقد ثبوت ما يقال به، وإنما سُمِّيَ به، فلا كَذِب.
стр. 153
والأعلام لا حَجْر فيها، والتَّشبُّة بالعَجم فيما لا يُزاحِم الشَّرْع غير منْهىٍّ عنه، إلا للعصَبِيَّة المذمومة، بدليل حديث الخَنْدق.
ويدل على ما ذكرناه حديثُ تسْمِية النبيِّ ﷺ بمحمد.
وأما حديث) بَرَّة (إن صحَّ، فإنما فعلَه ﷺ لكوْنِه من أعْلام الجاهِليَّة، أو لمعنًى آخر، بدليل أنها كانت بَرَّةً في نفسِها. اه.
стр. 154
محمد بن الرُّومِيّ
المعروف بمَامَاي ابن أخت الخَيَّاليّ، نزيل دِمَشق الشام
شاعر توقَّدت جَمَراتُ أفكاره، وتورَّدَتْ في رياض الشام وَجَناتُ أزْهارِه، وابتسَمتْ في ناديه ثُغورُ أنْوارِه، لكنها، خُدودٌ لم يتَرقْرَق عليها دَمْعُ القِطار، ومباسِم لم تَرْشِف الشمسُ منها رِيقَ الأمْطار، فللهِ دَرَّه من فصيحٍ لم يُعلَّل بمياه عُروقِ القَيْصُوم والشِّيح، ولم يُغْذَ بلِبَان العربيَّة، ولم يتَفَكَّه بثمار العلوم الجَنِيَّة؛ لأنه من بَنِي الأصْفر، وممَّن قاسَى الفقرَ الأسود وهو الموْتُ الأحْمر، إلا أن للبِقاع تأثيراً في الطِّباع، فلما تغَذَّى طفلُ جِبِلِّتِه ماءَ الشام ونَسِيمَه، وبزَغ هِلالُه فيه بعدما أُمِيطَتْ عنه هالَةُ التَّمِيمَة، انْصَقَل طَبْعُه المُرْهَف، فانْبَرتْ شمائلُه أرَقَّ من الشَّمالوألْطف، لا سِيَّما وأبو الفَتْح ماشِطَةُ عرائسِ فكرِه، ومُلِمُّ شَعَثِ لُمَّةِ
стр. 155
نظْمِه ونثْرِه، إذا آنس طبْعُه لَحْنَة، أو طرَق طَرف ذِهْنِه طيفُ هُجْنَة.
وقد طالعتُ ديوانَه، فرأيتُه يعْترِيه عِلَل وفُتُور، ويدخُلُ في مغانِي مَعانيه وبُيُوتِه القُصور.
فمن شعرِه الذي اخترْتُه قوله:
سمعتُ لسانَ الحالِ من قَهْوةِ الطِّلا ... يقولُ هَلُمُّوا نَصَّ أخْبارِي
فباسْمِي تسمَّتْ قهوةُ البُنِّ في الملاَ ... ولكنَّها لم تَحْكِ أصْداغَ خَمَّارِي
فمِن كِذْبِها قد سوَّد اللهُ وجْهَها ... وعذَّبَها بْعد الإهانِة بالنَّارِ
ومنه قوله مُضمِّناً:
قد قالتِ القْهوةُ الحمْراءُ وافتَخرَتْ ... كم قد ملكْتُ مُلوكُ الأعْصُرِ الأُوَلِ
وقهْوةُ القِدْرِ إنْ قَدْراً عَلىَّ علَتْ ... ليِ أُسْوةٌ بانْحِطاطِ الشَّمْسِ عن زُحَلِ
ومنه قوله:
جُلِيَتْ عَرُوساً في عُقودِ حُبابِهَا ... وفَدَيْتُ ظَبْياً بالسُّرور حَبَا بِهَا
طلَعتْ عروساً تنْجَلي في كأُسِها ... وكَسَا كُفوفَ الغِيد نَقْشُ خِضابِهَا
بِكْرٌ إذا باكَرْتها لَك ولَّدَتْ ... سِرَّ السُّرورِ لدَى حُضورِ جَنابِها
أخذَتْ من العقْلِ النَّفيسِ جواهِراً ... مَهْراً لها والنفَّفسُ من خُطَّابهَا
رَاحٌ حَلالِي شُرْبُها في جَنَّةٍ ... والنَّصُّ في الجَنَّاتِ حِلُّ شَرابِهَا
стр. 156
وهو مأخوذ من قول الأرَّجَانِيّ:
كأسٌ مِن السِّحرِ الحَلا ... لِ بشُرْبِها للْقَوْم سُكْرُ
في مجلسِ هُوَ جَنَّةٌ ... ولذاكَ فيه تَحِلُّ خمْرُ
وقوله:
يقول حبيبي مَا لِطَرْفِكِ أحْمراً ... كأنَّك ياحَيْرانُ في نَشْوةِ التِّيهِ
فقلتُ له إشْراقُ خَدِّك قد بَدَا ... وقابلَه طَرفْي فحيَّلُهُ فِيهِ
وأحسنُ منه قول الأمير مُجِير الدَّين بن تَمِيم:
أقول للصَّحْبِ لا أنْكرُوا أثَراً ... مِن احْمِرارٍ بدَا في باطن المُقَلِ
عاتَبْتُ ألْحاظَ عيْنِي عندما نظَرتْ ... إلى سِوَى الحِبِّ فاحَمرَّتْ من الخَجَلِ
وقوله:
ولمَّا انْقْضى شهرُ الصِّيام بفضْلِهِ ... تجلَّى هلالُ العِيد من جانِب الغَرْبِ
كحاجبِ شيْخٍ شابَ من طُولِ عُمْرِه ... يُشِيرُ لنا بالرَّمْزِ للأكْلِ والشُّرْبِ
وهو مأخوذ من قول العَقِيلِيّ:
قُمْ هاتِها وَرْدِيَّةً ذَهبِيِّة ... تبدُو فتَحسَبها عَقِيقاً ذابَا
стр. 157
أو مَا ترى حُسْنَ الهلالِ كأنَّهُ ... لما تَبدَّى حاجِبٌ قد شاَبَا
ألا قوله) من طول عمره (تكميل حسن.
ومما قلته في بعض الرسائل: شابَ حاجبُ الهلال وما دَانَاه كمالاً، واشتعل رأسُ الشمسِ شَيْباً ولم تَرَ له مِثالاً.
ومما يُضاهَي هذا ما قلتُه لمَّا رأيتُ قول الثَّعالبيّ، في مدح قصْرٍ بناهُ الصَّاحِبُ ابن عبَّاد:
لِلهِ قَصْرٌ ترَى كلَّ الجمالِ بهِ ... وأسْعُدُ الدهرِ تبْدو من جوانِبِهِ
كأنَّما جَنةُ الفِرْدَوْسِ قد نزلَتْ ... إلى خُوَارَزْم تَعجيلاً لصاحِبِه
ورأيت ما فيه من الغَفْلة؛ فإن تعْجيلَه بالدخول لها إنما يكون بالموت، ففيه إيهام لا يَلِيق بمثلِه، فقلتُ في هذا المعنى، وأتيْتُ فيه بنوعٍ من الاحْتِراس، سمَّيْتُه التهذيب:
بنَى داراً يحارُ الوصفُ فيها ... وتَهْواها المحاسنُ والمَسَرَّةْ
كأنَّ الجنَّةَ اشْتاقَتْةُ حتَّى ... له نزلَتْ أطالَ اللهُ عُمْرَهْ
стр. 158
وقد يقال: في قوله) نزلت (احتراس مَّا، لكَّنه خَفِيَّ، والمقام يأبَاه.
ومن ديوانه قولُه أيضاً:
كيف السَّبيلُ إلى كَتْمِ الغرام إذا ... كاتبْتُكم وأردْتُ السِّرَّ ينْكَتِمُ
وقد غداَ الطِّرْسُ بالوجْهَيْنِ مُشتَهِراً ... وباللِّسانَيْن أمسْى يُعْرَفُ القَلمُ
وقوله:
لقد مرضَ الجَهُولُ له فعُدْنَا ... ونحنُ إذاً أُناسٌ رَاحُمونَا
فظنَّ بأنَّنا عُدْناهُ خوفاً ... فإن عُدْنَا فإنَّا ظَالِمُونَا
وقوله أيضاً:
إذا دُفِن الإنسانُ في الرَّمْسِ بُرْهةً ... وعاوَدْتَه تلْقاهُ بادٍ ثانَيَاهُ
وما ذاك إلا أنَّه مُتِّسمٌ ... على كلِّ مغْرورٍ بأحْوالِ دُنْياهُ
ومما يُضاهي هذا، أن المولود يُولد باكياً، مقبُوضَ الكفِّ، فإذا مات فتَحها، فقال لحكماء: إنه إشارة لحرْصِه حيَّا، وأنه خرج منها بغير شئٍ، كما قيل:
وفي قَبْضِ كفِّ الطفلِ عندَ وِلاَدِهِ ... دليلٌ على الحِرْصِ المُركَّبِ في الحَيِّ
وفي بَسْطِها عند الممَاتِ إشارَةٌ ... ألا فانْظُرونِي قد خرَجْتُ بلا شَئِّ
وكم في الكَوْن من إشارات، فهو جميعُه ناطقٌ بالعِظات، ولكن مَن يسمع ويبصر!
стр. 159
وأنشدني له بعضُ أدباء الشام:
رأيتُ الكائناتِ خَيالَ ظِلٍّ ... مُحرِّكُها هو الرَّبُّ الغَفورُِ
فصُنْدوقُ اليَمينِ بُطونُ حَوَّا ... وصُندوقُ الشِّمال هو القُبورُ
وليس له، فإني رأيتُه منسوباً للشيخ ابن عَرَبيّ، وهو معنىً مشهور، ولكنه تصرَّف فيه فاستعار عَباءَةً، ورد دِيباجَةً.
وأصلُه من قول الآخر:
رأيتُ خيالَ الظِّلِّ أكْبرَ عِبْرَةٍ ... لمن هو في عِلْمِ الحقيقة رَاقِي
شُخوصٌ وأشكالٌ تَمُرُّ وتنقض ... وتَفْنَى سَرِيعاً والمُحرِّكُ بَاقيِ
ومنه وَلَّد ابن الوَرْدِيّ في الحَمَّام قوله:
وما أَشْبَه الحَمَّامَ بالموْتِ لامْرئ ... تبصَّرَ لكن أيْنَ مِن يتَبصَّرُ
يُجرَّدُ من أموالهِ ولِباسِه ... ويبْقَى مِن كلِّ ذلك مِئْزَرُ
стр. 160
ومما قلتُه فيه:
إن يكُنْ يَحْكِي خيالَ الظِّلِّ في ... فِعْلهِ دهرٌ لنا يُبْدِي العِبَرْ
فعسَاهُ عن قريبٍ مُظهِراً ... صوراً أحْسن مِن هذِي الصُّوَرْ
وقلت أيضاً:
هي الُّدنيا خَيالَ الظِّلِّ تَحكي ... يُحرَّكُها القضاءُ كما يقُدِّرْ
ولولا السِّتْرُ ممْدودٌ عليْهِ ... من الغَفَلاَتِ ما ألْهَى وما سَرّ
стр. 161
زَيْن الدِّين الإِشْعَافِي
فاضل ليِّن العود ماجِد الأعْراقِ، حُلْو الشَّمائل عَذْب الأخلاق، له آثارٌ على أكُفَّ القبول مرفوعة، وكلماتٌ كثمراتِ الجِنان غير مقطوعةٌ ولا ممنُوعَة.
صحبَني وهو يقطِف نَوْرَ التَّحصيل، وللفضل إلى معالِيه انتظار وتَأْمِيل، فتجاذَبْنا أهْدابَ المذاكرة، وجرَرْنا ذُيول المُناشدة والمحاورة.
فمما أنشَدِنيهِ من شعرِه قولُه:
كتبتُ وأفكارِي وحقِّك مُزَّقتْ ... كما قد بدَتْ في الحُبِّ كُلَّ مُمَزَّقِ
ولو حُمَّ لي التَّوفيقُ كنتُ تركْتُه ... ولكنَّني أصبَحْتُ عيرَ مُوفَّقِ
إذا قيلَ أشْقَى مِن بات ذا هَوًى ... فلا تُنْكِرَنْ هذا المقلَ وصَدّقِ
стр. 162
وهذا كقول الآخر:
سألْتُها عن فؤادِي أيْنَ مْسكَنُه ... فإنَّه ضَلَّ عنِّي عند مَسْراهَا
قالتْ لَديَّ قلوبٌ جَمَّةٌ جُمِعتْ ... فأْيُّها أنتَ تْعْنِي قلتُ أشْقاَهَا
стр. 163
أبو بكر الْجَوْهَرِيّ الشَّامِيّ
شاعر عذْبُ الكلمات، حسَن الذَّات والسِّمات، عرائسُ أفكارِه صِباح، وجَوْهَرِيّ نفثاتِهِ صِحاح.
ورَد إلى مِصر مُرتدِياً حُلَلَ الشباب، مُطرَّزَةً بطِراز أخْلاقِه العِذاب، مُتعاطِياً للتِّجارة، صارفاً لها نَقْد عُمْرِه.
إذا كان رأسُ المالِ عُمْرَك فاحْترِسْ ... عليهْ من الإنْفاقِ في غيرِ واجبِ
فمن جواهِر كلماتِه الصِّحاح، التي هي أرَقُّ من نَفَس الصَّبا في الصَّباح، وقولُه في مليحٍ اسمه داود، ورَقيبٍ اسمُه عمرو:
أفَدِّي غزالاً بوَجْنتِه ... مع عارضِ شِبهْ واوِ العطْفِ ممْدُودِ
كأنَّما الخَالُ فوق الخَدِّ يحرسُهُ ... حِذارَ سِرْقةِ عَمْرٍو وَاوَ دَاوُدِ
стр. 164
ولابن لُوْلؤ فيمن اسمه داود:
قد كنتُ جَلْداً في الخُطوبِ إذا عَرَتْ ... لا تَزْدَهِيني الغانياتُ الغِيدُ
وعهِدْتُ قلبي من حديدٍ في الحَشا ... فألاَنَه بجفُونهِ دَاوُدُ
وللملك النَّاصر في داود:
مُنِّى بَطْيفِكِ بعد ما مَنَع الكَرَى ... عن ناظِرَيَّ البُعدُ والتّسْهِدُ
ومن العجائبِ أن قلْبَكِ لم يلِنْ ... لِي والحديدُ ألانَهُ دَاوُدُ
ومما قلتُه فيما قالَه:
وحاسدٌ يرسِمُ في صُحْفهِ ... فضْلى ويُخْفى الذِّكرِ إذْ يَطْرَأْ
فأسْمِى لديْهِ وَاوُ عَمْرٍو لِذَا ... يُكْتَبُ في الخطِّ ولا يُقْرَا
وأصله قولُ أبي نُوَاس:
أيُّها المُدَّعِي سُلَيْماً سِفاهاً ... لسْتَ منها ولا قُلاَمَةَ ظُفْرِ
إنَّما أنتَ مِن سُلَيْمٍ كواوٍ ... أُلْحِقَتْ في الهجاءِ ظُلْماً بَعمْرِو
стр. 165
شمس الديِّن محمد بن إبراهيم الْحَلَبِيّ
المعروف بابن الْحَنبَليّ
والسماءِ والطَّارق، وما أدراك ما الطَّارق، هو في ميدانِ الفضلِ وحَلْبة الشّهْباء سابِق، وأيُّ سابق، وعصرُه كان مِسْكَ خِتامِها، وسَحَرَ ليالِيها وأصِيلَ أيّامِها، نوّرتْ حدائقُها بغَوادي شمائِله، وتحلَّى مِعْصَمُ مجدِها بسِوار فضائِله.
حيثُ الْتقَى نَفَسُ الأقاحِي والصَّبا ... وترنُّمُ الحسْناءِ والورْقاءِ
وجرى النَّسيمُ يجرُّ فضلَ ردائِهِ ... مُتبخْتراً يجْلي من الخُيَلاءِ
نشوانَ يَعثُرُ بالغصونِ لطافةً ... منه فيسقُطُ في غديرِ الماءِ
стр. 166
درَّس فيها، وأفْتَى، وطَمَى بحرُ فضائِله فترك الحُسَّاد يضربون حتَى.
وله نَظمٌ كما انتظَمتْ دَرارِيُّ الزُّهْر، ونَثْر كما نثَرتْ الشَّمال على وَجَناتِ الرياض لآلِئَ القَطْر.
وله تصانيف جَمَّة تزيًّنَتْ بها البلاد، وأمستْ تمائِمُها مَنُوطةً بأجْياد الأجْواد، فهو نسِيج وَحْدِه، آثارُه في حُلَل الفضل طِرازٌ مُذْهَب، وأسدٌ في مجادلةِ العلماء لا يُذْكَر عنده ثَعْلب.
وله مُحاضَرات لو ذُكِرت للرَّاغب لسعَي لها راغباً، أو لسَحْبان ظَلَّ لذيل الخَجْلةعلى وَجْهِ البسيطةِ ساحباً.
فمما هبَّتْ به صَبا الأسْحار، وغرَّدتْ به على كرسِيِّ الرُّبَى حَمَائمُ الأخبار، قولُه:
يلومُونَنِي في تَرْكِ ضَمِّ قَوامِه ... ولا إذْنَ للنُّسَّاكِ في الضَّمِّ واللَّثْمِ
نعم بيننا جِنْسِيَّةُ الوُدِّ والصَّفا ... ولكنَّني لم أُلْفِها عِلَّة الضَّمِّ
وقوله:
يقولون لي والشَّيْبُ عاَثَ بلحْيَتي ... عِناقُك عذْراءِ الحِمَى غيُر جائزِ
стр. 167
أعَن نارِ خَدَّيْها التي هي مُنْيَتي ... أَمِيلُ وأسْتغْني ببَرْدِ العجائزِ
وله:
قوامُكَ يا بدرَ النُّجاة كأنَّهُ ... قَناً أو قَوامُ السَّروِ أو ألفْ الوَصْلِ
وعينُكَ فاقتْ كلَّ عْينٍ بكُحْلِها ... فما أنْتَ إلا زَيْدُ مسألةِ الكُحْلِ
وقوله:
لكم هِمَمٌ نِلْتمُ برَمْي شِباكِها ... مَرامَكُمُ لما قَطعتُمْ بها البَيْدَا
وعُدتُم إلى المَغْنَى بما نِلْتمُ وقد ... تولَّيْتُمُ صَيْداً فكان لكم صَيْدا
وقوله:
كنا سمِعنا بأوصافٍ كمُلْتَ بها ... فسَرَّنا ما سمعِناه وأحْيَانَا
مِن قبل رؤيِتكْم نلْنَا محبَّتَكُم ... والأذْنُ تعشَقُ قبل العْينِ أحْيانَا
وهو لبشّار، وأوله:
يا قومُ أُذْنِي لبَعْضِ الحيِّ عاشِقَةٌ ... إلخ.
стр. 168
وفي معناه قولُ الحِلِّيّ:
وهوِ يتكُمْ قبلَ اللِّقاءِ كما ... تُهْوَى الجِنانُ بِطَيِّبِ الأخْبارِ
ولصاحب التَّرجمة أيضاً رُباعيّة، وهي:
طَرْفاكَ كلاهُما ضعيفٌ وعليلْ ... مِثْلي وأنا العليلُ من أجلِ عَليلْ
مِن ضَعْفِي قد صرَفتُ مَيْلي لهما ... والجِنسُ إلى الجنسِ كما قيل يميلْ
قوله:) والجنس (إلخ، من أمثالِ مُولَّدي العجمْ، ومثله قولهم: الجنْسِيَّة عِلَّة الضَّم، وهو كما قيل: إن الطُّيورَ على أجْناسِهاَ تَقَع وشِبْهُ الشَّيءِ مُنْجذِبٌ إليْهِ وله من ابيات المعاني، في مليحٍ من بني تَمِيم:
ومُهَفْهَفِ الأعْطافِ قلتُ له انْتسِبْ ... فأجابَ ما قَتْلُ المحِبِّ حَرامُ
وله مضمناً:
حَمى ثَغْرَه الضَّحَّاكَ صَمْصَامُ جَفْنِه ... كما صِينَ بالتَّعذيرِ خَدٌّ مُوَرَّدُ
أخَدَّ حبيبي لا تزِدْ زردية ... فحسبُك والضَّحاكَ سيْفٌ مُهَنَّدٌ
стр. 169
والضَّحاك اسم مَلِك العرَب، لكنه وافقَ صيغةَ المبالغة من الضِّحك.
ومثلُه من نوادر العربيَّة.
ومن فصوله القصار: إنما تُلْقَى المخاصِر إلى كريم العناصر: لا تجعلِ الدنيا للآخِرة ضَرَّة، ومن يَنْكحُ أمَة على حُرَّة.
ما أخَسَّ الكلبَ العَوَّا، وإن صَعَد إلى السِّماك والعَوَّا.
الصِّحَّة رأسُ المال، ورِبحُها حَسَنْ الأعْمال.
تذْكيرُ المواعظ صَابون، لمن هُمْ عن دَنَسِ الأخلاق صَابُون.
إذا كان النَّدَى مات، فالسُّؤال أعْظمُ النَّدامات.
стр. 170
أبو الفتْح بن عبد السلام الِمالكيّ المغْرِبِيّ، نزيل الشام
نادِرة الفلَك، وهدية الزمان، ونُكتَةُ عُطارِد المُدوَّنة في صُحف الإمْكان، وبُرهان مَن قال من الحكماء بتعَدُّد نوع الإنسان.
وليس الغريبُ مَن تناءَتْ دارُه، بل مَن فُقِد من الكرامِ نُظراؤُه وأنصاره، وهو غريبٌ في فضْله ومجدِه، وإن ملَك من الأدبِ مُلْكاً لا ينْبغي لأحدٍ من بعدِه.
ولما أشرقَتْ بالمغْرِب شموسُ علمِه وآدابه، وزها نورها إذ جَرى في عودِه ماءُ شبابه، أسفَر وجْه صباحِه، وجَلاَلَهُ الظَّفَرُ غُرَّة نجاحِه، فحلَّ عَقْد عزيمَتِه بالشام، كما حَلَّ الربيعُ نِقَابَه عن منْظرٍ بَسَّام:
والرِّيحُ تجْذِبُ أطْرافَ الغصونِ كما ... أفْضَى الشَّقيقُ إلى تَنْبِيِه وَسْنانِ
فألقى بها عصَا تَسْيارِه، ونفَض عن بُرْدهِمَّتِه غُبارَ أسْفارِه، وبنَى أمرَه على السْكون وماضِيَ حالِه على الفتْح، وقد شدَتْ وُرْقُ فصاحتِه بها بأطْربِ تَرنُّمٍ
стр. 171
وصَدْح، فمضَى زمنٌ ونَوْرَ الأدب لا يُجْتنَى إلا من رِياض كلامِه، وسُورَة الفتْح بمُحَارِبِيها لا تُتْلَى بغيْرِ ألْسنةِ أقْلامهِ، وإثْمِد مَراوِدِها كُحْلُ البصائرِ، وتُحَف آثارِه يتلَقَّى رُكْبانها كلّ بادٍ وحاضر، حتى في نادي القضاء تربَّع واحْتَبى، وأصبح طِرازُ مذهبِ مالكٍ به مُذْهَباً.
وصار فيهم غريبَ الفضْلِ مُنفرِداً ... كبيْتِ حسَّانَ في ديوانِ سَحْنُونِ
فأنار ليلَه الحالِك، وتصرَّف فيه تصرُّف مَالِك، بأخلاقٍ تُعْصَر منها شَمول الشَّمائل، وفضائلَ جَمَّةِ المآثرَ سَحْبانُ عندها بأقِل.
إلا أنه مع تملُّكِ جواهرِ العلوم، وتقَلُّد جِيد كمالِه بعُقود المنْثور والمْنظوم، عادَاه دهرُه، وصافاه فقْرُه، فظل يَمْترِي صُبَابة عيشٍ لو أنها نَوْمٌ ما شُعرتْ بها الاحْداق، ويتحمَّل من أثْقالِها ما يُوهِن القُوَى والأعْناق.
ولم يزل كذلك حتى غارَ ماءُ حياتِه، وانْغَلق على الفتْح بابُ قبرِه عند مماتِه، فانفتَحتْ له أبوابُ الجِنان، فسقاهُ اللهُ رَحِيقَ غُفرانِه بين رَوْحٍ ورَيْحان، ونزَّه عيونَ رجائِه، وأمَّلَه في رياضِ الجِنان، بين الحُورِ الحِسان.
فمن نظْمه الذي حشَا الأسْماع سِحْراً، وملأَ أفْواهَ الرُّواةِ دُرَّاً، قولُه:
بأبِي ألْعَسَ المراشِفِ ألْمَى ... مائِسَ القَدِّ ناعِسَ الأجْفانِ
سرَق الجِيدَ واللِّحاظَ من الظَّ ... بْيِ ولِينَ القَوام مِن غُصْنِ بَانِ
عطَفتْهُ الصِّبا إليَّ ومالي ... بالصِّبا بعدَ ما تراهُ يدَانِ
فتحاشَيْتُ لَثْمه خِيفَة الْ ... إثْمِ وأطْلَقتُ مُقلتِي ولِسانِي
آهِ لولا التُّقَى ومُعتَرَكَ الشَّ ... يْبِ لطاوَعْتُ في الهوَى شيْطانِي
стр. 172
وله من قصيدة:
حاز الجمالَ بأسْرِه فُمحِبُّه ... في أسْرِه لم يَرْضَ حَلَّ وَثاقِهِ
قسَماً بصُبحِ جَبينِه لو زارنِي ... جُنْحَ الدُّجَى وسعَى إلى مُشْتاقِهِ
لفرَشْتُ خَدِّي في الطَّريق مُقبِّلاً ... بفَمِ الجُفونِ مَواطئَ اسْتِطْراقِهِ
وصفَحْتُ عن زَلاَّتِ دَهْري كُلِّها ... وعَنادِه فيما مضَى وشِقاقِهِ
وقول) بفم الجفون (إلخ، كقوله أيضاً في أرجوزتهِ المشهورة:
تكادُ من عُذوبةِ الألفاظِ ... تشْربُها مسامِعُ الحُفَّاظِ
وهذا نوعٌ من البديع غريب، بيناه في) حديقة السحر (.
وله نظائرُ كثيرة، وهو على نَهجْ قوله تعالى:) وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ (كما أشار إليه في) الكشاف (.
وقد أوضحه الغَزِّي بقوله في بعض قصائده:
إن لم أمُتْ بالسَّيفِ قال العُذَّلُ ... ما قيمةُ السَّيفِ الذي لا يَقْتُلُ
وتُغيُّيرُ المُعتادِ يحسنُ بعضُه ... للوَردْ خَدُّ بالأنوفِ يُقَبَّلُ
ومنه ما أنشدَه لنا صديقنا الطالُوِيّ لنفسِه:
أَرُودُ بلَحِظي وَرْدَ خَدَّيْه والذي ... جنَى وَرْدَ الخُدودِ فما أخْطَا
стр. 173
وأرشِفُ بالألْحاظِ خَمْرَةَ رِيقهِ ... لأنِّي امرُؤ آلَيْتُ لا ذُقتُ إسْفَنِطَا
وهذه الخمرة لا يليق بها غير نقل البُحْتُرِيّ في قوله:
تُفَّاحُ خَدٍّ إذا احْمرَّتْ محاسِنُه ... مُقَبِّلٌ اللَّحْظِ مَعْضوضُ
وقوله) معْضوض (بدل من قوله) مقبل (، وهو غيرُه وليس بدل غلَط. وأنظره؛ فإنه من سِحر البلاغة.
ومما نحن فيه قول ابن الرُّومِيّ:
بَدرٌ كأن البدرَ مقْ ... رونٌ عليه كَواكبُ
عَذُبتْ خَلائِقهُ فكا ... د من العُذوبةِ يُشْرَبُ
ولابن هِنْد في عُود البَخور:
رأيتُ العُودَ مُشتَقَّا ... من العُودِ بإيقانِ
فهذا طِيبُ آنافٍ ... وهذا طِيبُ آذانِ
ولابن المُعْتَزّ في فرس:
يكاد لولا اسْمُ الإله يصحَبُه ... تأكلُه عوننا وتشرَبُه
وللشَّريف الرَضِيّ:
فأتَني أن أرَى الدِّيارَ بَطرْفيِ ... فلعَلِّي أرى الدِّيارَ بسَمْعيِ
ومنه أخذ القاضي الفاضِل قولَه:
مَثْلَتْهُ الذِّكْرَى لِسَمعي كأنِّي ... أتمشَّى هناك بالأحْداقِ
стр. 174
وأجاد أيضاً، حيث قال:
الجودُ أمْدَح ممَّن قام يمدَحُهُ ... فالنَّاسُ ما نَطَقُو إلاَّ مِن النَّظَرِ
وقوله ابن خَفاجة المغْربيّ الأندَلُسِيّ، وهو مَن رَماهُ الْحَدَق:
وأهْيَفٍ قام يسْعَى ... والسُّكرُ يعطِفُ قَدَّه
وقد ترنَّح غُصنْاً ... واحْمرَّتِ الكأسُ وَرْدَهْ
وألهبَ السُّكرُ خَدِّا ... أوْرَى به الوَجْدُ زَنْدَهْ
فكاد يشرَبُ نفْسِي ... وكِدتُ أشربُ خَدَّهْ
ولناصح الدين الأرَّجَانِيّ:
ورشَفْنا مُدامَ نظمٍ ونثره ... مِن كئوسٍ تُذاقُ بالآذانِ
وقلتُ أنا:
نَرجِسُ الروض قد زَها لِعُيونِ ... لا أرَى المشْيَ فيه للطُّرَّاقِ
قلتُ لمَّا أتيْتُه لخليلي ... امْشِ يا صاحٍ فيه بالأحْداقِ
والشيءُ بالشيءِ يذكر، هذا في معنى قولي قديماً مُضمِّناً:
يا صاحِ إن وافَيْتَ روضةَ نَرْجسٍ ... إيَّاك فيها المشْيَ فْهو مُحَّرَّمُ
حاكَت عُيونَ مُعذِّبِي بذُبولِها ... ولأجْل عينِ ألفُ عينٍ تُكرَمُ
ولصاحب الترجمة من قصيدةٍ، مدح بها العلامة عَلِياَّ الحنَّائيّ، وعاتَبه على قطعِ مرتَّب له:
أن قطعَ السَّيِّدُ عن عبْدِه ... ما كان قد رَتَّب من رِفْدِهِ
стр. 175
فالعبدُ لم يقطَعْ دُعاءَ له ... رتَّبه كالجُزءِ من وِرْدِهِ
ولا ثناءَ حسَناً نَشْرُه ... كالمِسْكِ والعنْبرِ في نَدِّهِ
أو كرياضٍ رَاضَها وَابِلٌ ... فابْتسمَ اليانِعُ من وَرْدِهِ
وانتظَمتْ من نَشْرُ أزهَارِها ... جواهرُ الأنْداءِ في عِقْدِهِ
وهْوَ غنيٌّ عن ثَناءِ إمْرئٍ ... ظلَّ كَلِيلَ الذِّهنِ من فَقْدِهِ
إذ مهَّد الحقُّ له رُتْبةً ... عظيمةً مُذْ كان في مَهْدِهِ
ونال ما شاءَ من المجدِ لا ... بسَعْيِ إنْسانٍ ولا كَدِّهِ
فهْو عَلِيٌّ لا بمَدْح الوَرَى ... له ولكن بسَناَ سَعْدِهِ
وإنما أَوْجبَ مدْحِي له ... تتابُعُ النَّعماءِ من عِنْدِهِ
وما حَباهُ الحقُّ سبحانَه ... من العُلا الزائدِ عن حَدِّهِ
والعلمُ والتَّحقيقُ والفهمُ والت ... وفيقُ والتَّدقيقُ من قصْدِهِ
والشُّكرُ للمنعِم فرضٌ به ... يأمَنُ ذُو الإيمانِ من طَرْدِهِ
وفيه لا شكَّ مَزِيدٌ لمن ... لازَمَه والكلُّ من عنْدِهِ
هذا وإن العبدَ يْبغِي الرِّضا ... في قُرْبِه الأقْرَبِ أو بُعْدِهِ
ومالَه في غيرِه رَغْبَةٌ ... والعبدُ مَحْمُولٌ على قَصدِهِ
وليس ذَا حُزْنِ لما فاتَ مِن ... دُنْياهُ مُذ سِيق إلى رُشْدِهِ
سِيَّانِ فَقْرٌ وِغِنًي عندَه ... لما هُو المعهودُ من زُهْدِهِ
وما تصَدَّى لصَدَى آلةٍ ... قبيحةٍ تُقْضِي إلى صَدَّهِ
سوِى لزُومِ البيْتِ مُستوحشاً ... من الورَى حتى ذَوِى وُدِّهِ
стр. 176
مُشتغِلاَ بالعلمِ مُستغرِقاً ... أوقاتَه فيه وفي سَرْدِهِ
قد لزِمَ العُزْلةَ لكنه ... لصَحْبِه باقٍ على عهْدِهِ
أقسمَ لا يبرَحُ من بيتِه ... حتى يُوارَى في ثَرى لَحْدِهِ
إن مات لم يتْرُك له دِرْهما ... يحوزُه الوارِثُ من بعْدِهِ
ولا أثاثاً لا ولا مَلبَساً ... يصلُح للبيْع سِوى بُرْدِهِ
وفرْوةٍ جَرْداءَ من عِنْقها ... أضلاعُه تَرعَدُ من بَرْدِهِ
وطَيْلسانٍ خَلَقٍ دمعُه ... من عِتْقِه يجْرِي على خَدِّه
ولم يكن يترُك شيئاً إذا ... فارَقَه يَأْسَي على فَقْدِهِ
غيرَ بقايَا كُتُبٍ رَثَّةٍ ... أكثُرها قد مات في جِلْدِهِ
يُباعُ في تجْهيزِه بعضُها ... والبعضُ وَقْفٌ لا على وُلْدِهِ
هذا لعَمْري عَرْضُ حالي على ... مَن أجمعَ النَّاسُ على حَمْدِهِ
لا برِحتْ أعتابُه قِبلةً ... يَؤُمُّها العارفونَ من وَفْدِهِ
ما هَطَلتْ أُنْمُلَةٌ بالنَّدى ... من رَاحةٍ كالبحرِ في مَدِّهِ
تكملة في قوله) مستغرقا (إلخ فوائده
منها: أن الاسْتِغراق أصل معناه طلبُ الغرَق، ثم استعمله الناس في أخْذِ الشيء وتحْصيله، ومنه قولُ العامة) استغرق في الضَّحك (إذا أطالَه، وهو غلَط، وصوابه
стр. 177
في الضَّحك) استغرَب (، لا) اغتراب (أيضاً كقول البُحْتُرِيّ
وضحكْنَ فاغْترَب الأقاحي من نَدًى ... غَضّ وسَلْسالِ الرُّضابِ بَرُودِ
قال الآمِديّ في كتاب) الموازنة (قوله) اغترب (يريد الضَّحك، والمستعمل) استغرب (في الضحك، إذا اشتدَّ فيه، و) أغرب (أيضا أخْذاً من غُروب الأسْنان، وهي أطرافُها، وغَرْب كلِّ شيء: حَدُّه، إذ المعنى امتلأ ضحِكاً. انتهى.
والسَّرد أصله نَسْج الدِّرع، وتتابُع الكلام وتَعْداد الأشياء، والعامة استعارَتْه لتتابُع نُعاس الجالس، وليس بعربيّ، وهو الذي أراد هنا، وهو كقوله:
لداودَ من بَرْشٍ كساءُ سَفاهةٍ ... مُطرَّزةٌ من صُفْرةِ الوجْهِ والخدِّ
وما زال دِرعَ الكَيْدِ للصَّحْبِ ناسِجاً ... ولو ناعِساً أمْسَى يُقدَر في السَّرْدِ
وقوله:) مات في جلده (استعمال معروف عامِّيّ، وجهُ اسْتعمالِه ركيك،
стр. 178
والبليغ قولُ العرب للمفْلوج:) سُجِن في جِلْدِهِ (، وحسَّن هذا وصفُ الكتابِ به، كما قال ابن نُباتَة المِصْرِيّ:
للهِ مجموعٌ له رَوْنَقٌ ... كرَوْنقِ الحَبَّاتِ في عِقْدِهَا
كلُّ تصانيفِ الورَى عندَهُ ... تموتُ للخَجْلةِ في جِلْدِهاَ
عوداً على بدءِ.
ومن شعره أيضاً:
مرحباً بالحِمام ساعةَ يطْرَا ... ولو ابْتَزَّ منِّيَ العُمْرَ شِطْرَا
حبِّذا الارْتحالُ عن دارٍ سُوءِ ... نحن فيها في قَبْضةِ لأسْرِ أسْرَى
وإذا ما ارْتحلْتُ يا صاحِ عنها ... لا سقَى الله بعْدِيَ الأرضَ قطْرَا
وهذا كقول الأمير أبي فِراس الحَمْدَانِيّ، من قصيدة له:
أراكَ عَصِيَّ الدَّمْع شِيمتُك الصَّبْرُ ... أما للهوى نَهْيٌ عليكَ ولا أمْرُ
стр. 179
الشاهد منها:
تعُلَّلنِي بالوَعْدِ والموتُ دَونهَ ... إذا مِتُّ عَطْشاناً فلا نزلَ القَطْرُ
ونحوه قولي في مطلع قصيدة:
إن لم تُبِّرد لي الصِّبا غُلَّهُ ... فلا شَفَى اللهُ لها عِلَّهْ
وله أيضاً:
ويُمكِن وصلُ الحَبْلِ من بعد قَطْعِه ... ولكنه يبقَى به أثَرُ الرَّبْطِ
وأحسنُ منه قولي في بعض الرَّسائل:) أنت وإن وصَلتَ بعد التقطْع حبلَ المودَّة، ففيما بَقِيَ من أثرِ ذلك في القلبِ عُقْده (.
وقلتُ من قصيدة:
يا واصِلينَ حِبالاً ... كانتْ تَشدّ المودَّةْ
لا تقْطَعوها ببُعْدٍ ... قد غيَّرَ النَّأْيُ عَهْدَهْ
فإن تقولوا وَصَلْنا ... من بعدِ ذا القطْع شَدَّهْ
يبْقَى وحَقِّك فيها ... مِن ذلك القطْعِ عُقْدَهْ
وهذه الاستعارة معروفة قديماً، وفي حديث العقَبة أن الأنصار قالوا:) إن بيْنَنا وبين القوم حِبالا، أتُراهم قاطِعيها (وقد حقَّقه في) الروض الأُنُف (.
وكتب للقاضي مَعروف، وقد أهدى له حُلَّة:
стр. 180
مخدومنُاً قاضي قُضاةِ مدينتِي ... صَفَدٍ أحقٌّ الناسِ بالتَّفْضيلِ
العالمُ الحَبْرُ الذي معروفُهُ ... تُزْرِي ببحْرِ النَّيلِ
أهْدي لنحوِي من مَخيط ثيابِه ... جُمَلاً فأغْنانيِ عن التَّفصيلِ
والتفَّصيل في لسان العامة بمعنى قطْع الثِّياب الجديدة، ففيه تَوْرِية، كقول ابن نُبَاتَة المِصْرِيّ:
كم جُملةٍ وَصَلتْ لي من نَداك وكَمْ ... تَفْصِيلةٍ ألْبسَتْني أجْمَلَ الحُلَلِ
حتى لقد غدَتِ المُدَّاحُ حائِرةً ... بين التَّفاصيلِ من نُعْماكَ والجُمَلِ
وقوله أيضاً:
قد نكسَ الرَّأْس أهلُ الكِيِمياَ خجَلاً ... وقطَّروا أدْمُعاً من بعد ما سَهِرُوا
إن طالعُوا كُتُباً للدَّرسِ بينهمُ ... صاروا ملوكاً هم جَرَّبُّوا اْفتقرُوا
تعلَّقوا بحبال الشَّمس من طَمَع ... وكم فَتًى منهمُ قد غرَّه القَمَرُ
وقوله في أحْدَب:) كان أُتْرُجَّةَ الظُّرفاء، وكُرَةَ اللَّهو بمَيْدان النُّدماء اللُّطَفاء (وكان أبو الفتْح يكرهه، ولم يعمل فيه بقول البَاخَرْزِيّ:
وصانعِ الدهرَ فكم دولةٍ ... صاغَتْ من السَّلْحةِ أتْرُجَّهْ
فقال فيه:
إذا غفرَ اللهَ ذَنْبَ امرئٍ ... فلا غُفِرتْ زَلَّةُ الأحْدَبِ
следующие страницы →