← Тараджим

Тараджим · id 1522

ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا

الشهاب الخفاجي

Полный текст (456 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

مُشتغِلاَ بالعلمِ مُستغرِقاً ... أوقاتَه فيه وفي سَرْدِهِ قد لزِمَ العُزْلةَ لكنه ... لصَحْبِه باقٍ على عهْدِهِ أقسمَ لا يبرَحُ من بيتِه ... حتى يُوارَى في ثَرى لَحْدِهِ إن مات لم يتْرُك له دِرْهما ... يحوزُه الوارِثُ من بعْدِهِ ولا أثاثاً لا ولا مَلبَساً ... يصلُح للبيْع سِوى بُرْدِهِ وفرْوةٍ جَرْداءَ من عِنْقها ... أضلاعُه تَرعَدُ من بَرْدِهِ وطَيْلسانٍ خَلَقٍ دمعُه ... من عِتْقِه يجْرِي على خَدِّه ولم يكن يترُك شيئاً إذا ... فارَقَه يَأْسَي على فَقْدِهِ غيرَ بقايَا كُتُبٍ رَثَّةٍ ... أكثُرها قد مات في جِلْدِهِ يُباعُ في تجْهيزِه بعضُها ... والبعضُ وَقْفٌ لا على وُلْدِهِ هذا لعَمْري عَرْضُ حالي على ... مَن أجمعَ النَّاسُ على حَمْدِهِ لا برِحتْ أعتابُه قِبلةً ... يَؤُمُّها العارفونَ من وَفْدِهِ ما هَطَلتْ أُنْمُلَةٌ بالنَّدى ... من رَاحةٍ كالبحرِ في مَدِّهِ تكملة في قوله) مستغرقا (إلخ فوائده منها: أن الاسْتِغراق أصل معناه طلبُ الغرَق، ثم استعمله الناس في أخْذِ الشيء وتحْصيله، ومنه قولُ العامة) استغرق في الضَّحك (إذا أطالَه، وهو غلَط، وصوابه

стр. 177

في الضَّحك) استغرَب (، لا) اغتراب (أيضاً كقول البُحْتُرِيّ وضحكْنَ فاغْترَب الأقاحي من نَدًى ... غَضّ وسَلْسالِ الرُّضابِ بَرُودِ قال الآمِديّ في كتاب) الموازنة (قوله) اغترب (يريد الضَّحك، والمستعمل) استغرب (في الضحك، إذا اشتدَّ فيه، و) أغرب (أيضا أخْذاً من غُروب الأسْنان، وهي أطرافُها، وغَرْب كلِّ شيء: حَدُّه، إذ المعنى امتلأ ضحِكاً. انتهى. والسَّرد أصله نَسْج الدِّرع، وتتابُع الكلام وتَعْداد الأشياء، والعامة استعارَتْه لتتابُع نُعاس الجالس، وليس بعربيّ، وهو الذي أراد هنا، وهو كقوله: لداودَ من بَرْشٍ كساءُ سَفاهةٍ ... مُطرَّزةٌ من صُفْرةِ الوجْهِ والخدِّ وما زال دِرعَ الكَيْدِ للصَّحْبِ ناسِجاً ... ولو ناعِساً أمْسَى يُقدَر في السَّرْدِ وقوله:) مات في جلده (استعمال معروف عامِّيّ، وجهُ اسْتعمالِه ركيك،

стр. 178

والبليغ قولُ العرب للمفْلوج:) سُجِن في جِلْدِهِ (، وحسَّن هذا وصفُ الكتابِ به، كما قال ابن نُباتَة المِصْرِيّ: للهِ مجموعٌ له رَوْنَقٌ ... كرَوْنقِ الحَبَّاتِ في عِقْدِهَا كلُّ تصانيفِ الورَى عندَهُ ... تموتُ للخَجْلةِ في جِلْدِهاَ عوداً على بدءِ. ومن شعره أيضاً: مرحباً بالحِمام ساعةَ يطْرَا ... ولو ابْتَزَّ منِّيَ العُمْرَ شِطْرَا حبِّذا الارْتحالُ عن دارٍ سُوءِ ... نحن فيها في قَبْضةِ لأسْرِ أسْرَى وإذا ما ارْتحلْتُ يا صاحِ عنها ... لا سقَى الله بعْدِيَ الأرضَ قطْرَا وهذا كقول الأمير أبي فِراس الحَمْدَانِيّ، من قصيدة له: أراكَ عَصِيَّ الدَّمْع شِيمتُك الصَّبْرُ ... أما للهوى نَهْيٌ عليكَ ولا أمْرُ

стр. 179

الشاهد منها: تعُلَّلنِي بالوَعْدِ والموتُ دَونهَ ... إذا مِتُّ عَطْشاناً فلا نزلَ القَطْرُ ونحوه قولي في مطلع قصيدة: إن لم تُبِّرد لي الصِّبا غُلَّهُ ... فلا شَفَى اللهُ لها عِلَّهْ وله أيضاً: ويُمكِن وصلُ الحَبْلِ من بعد قَطْعِه ... ولكنه يبقَى به أثَرُ الرَّبْطِ وأحسنُ منه قولي في بعض الرَّسائل:) أنت وإن وصَلتَ بعد التقطْع حبلَ المودَّة، ففيما بَقِيَ من أثرِ ذلك في القلبِ عُقْده (. وقلتُ من قصيدة: يا واصِلينَ حِبالاً ... كانتْ تَشدّ المودَّةْ لا تقْطَعوها ببُعْدٍ ... قد غيَّرَ النَّأْيُ عَهْدَهْ فإن تقولوا وَصَلْنا ... من بعدِ ذا القطْع شَدَّهْ يبْقَى وحَقِّك فيها ... مِن ذلك القطْعِ عُقْدَهْ وهذه الاستعارة معروفة قديماً، وفي حديث العقَبة أن الأنصار قالوا:) إن بيْنَنا وبين القوم حِبالا، أتُراهم قاطِعيها (وقد حقَّقه في) الروض الأُنُف (. وكتب للقاضي مَعروف، وقد أهدى له حُلَّة:

стр. 180

مخدومنُاً قاضي قُضاةِ مدينتِي ... صَفَدٍ أحقٌّ الناسِ بالتَّفْضيلِ العالمُ الحَبْرُ الذي معروفُهُ ... تُزْرِي ببحْرِ النَّيلِ أهْدي لنحوِي من مَخيط ثيابِه ... جُمَلاً فأغْنانيِ عن التَّفصيلِ والتفَّصيل في لسان العامة بمعنى قطْع الثِّياب الجديدة، ففيه تَوْرِية، كقول ابن نُبَاتَة المِصْرِيّ: كم جُملةٍ وَصَلتْ لي من نَداك وكَمْ ... تَفْصِيلةٍ ألْبسَتْني أجْمَلَ الحُلَلِ حتى لقد غدَتِ المُدَّاحُ حائِرةً ... بين التَّفاصيلِ من نُعْماكَ والجُمَلِ وقوله أيضاً: قد نكسَ الرَّأْس أهلُ الكِيِمياَ خجَلاً ... وقطَّروا أدْمُعاً من بعد ما سَهِرُوا إن طالعُوا كُتُباً للدَّرسِ بينهمُ ... صاروا ملوكاً هم جَرَّبُّوا اْفتقرُوا تعلَّقوا بحبال الشَّمس من طَمَع ... وكم فَتًى منهمُ قد غرَّه القَمَرُ وقوله في أحْدَب:) كان أُتْرُجَّةَ الظُّرفاء، وكُرَةَ اللَّهو بمَيْدان النُّدماء اللُّطَفاء (وكان أبو الفتْح يكرهه، ولم يعمل فيه بقول البَاخَرْزِيّ: وصانعِ الدهرَ فكم دولةٍ ... صاغَتْ من السَّلْحةِ أتْرُجَّهْ فقال فيه: إذا غفرَ اللهَ ذَنْبَ امرئٍ ... فلا غُفِرتْ زَلَّةُ الأحْدَبِ

стр. 181

شديدُ النِّكايةِ مَعْ ضَعْفِهِ ... قِياساً على إبْرةِ العَقْربِ ومن ظُرفاء الحُدْبان القاضي الفاضل، وفيه يقول القائل: لِلَّهِ بل للحُسْن أُتْرُجَّةٌ ... تُذكِّر الناسَ بعهْدِ النَّعيمِ كأنها قد جَّمعتْ نفسَها ... من هَيْبِة الفاضلِ عبد الرَّحيمِ وعلى نمطِه، وإن لم يكن من بابه قولُ ابن جلنِك لما امتدح القاضي الزَّمَلْكَانَّيَ فأجازه بخُبْزٍ، فكتب على حائطِ بُستانهِ: لِلَّه بُستانٌ حلَلْنا دَوْحَهُ ... في روضةٍ قد فَتَّحَتْ أبوابَهَا والبانُ تحسَبُه سَنانيراً رأتْ ... قاضِي القُضاةِ فنفَشَّتْ أذْنابَها وهذا نمط عجيب، وقد بلَغنا أن بدرَ الدين بن مالك صنَّف) كراسة (في لطائِف هذه المقطوعة، ووُجوه بلاغتِها، ولم أرَها، وهو جَدِير بذلك. ووَجهُ حُسْنِها أنه قصَد به تَشْبيَه زَهْر البان، وأدمَج فيه هَجْو القاضي؛ لأن السَّنانير إنما تنفُش أذْنابها إذا فَزِعت من الكلاب، فكأنه قال: إنها ظَنَّتْه كلباً، ونحوه ما مرَّ في القاضي الفاضل، والإيماء لحُدْبتِه.

стр. 182

وهذا النَّوع يُشبِه المدحَ بما يُشبِه الذَّمّ، وعكسَه، ففي صريحِه تشْبيه لطيفٌ، كنَى به عن هَجْوٍ قبيحٍ، وليست بلاغتُه من جَعْل التَّشبيه كنايةً عن معنى آخر؛ فإنه صرِيح، كما حقَّقه السَّيِّد في فن البيان، بل لأمور قصدَها، وليس هذا محلُّ تفصيلها، فإن أردْتَها فانظر كتابَنا) حديقة السحر (. وله أيضاً يُذكِّر مَن وعَده بتَاسُومة، وهي نعل معروف كالمَدَاس: رُبَّ تاَسُومةٍ بها قدْ وُعِدْنا ... فإذا قُربُها من النَّجمِ أبْعَدْ رَبِّ يَسِّرْ حصولَها لمحِبٍّ ... عَلَّهُ للِكمال يَرقَى ويصْعَدْ عملاً في الورَى بقوْلِ حكيمٍ ... ضَع مكانَ السَّعيِدِ رِجْلَك تَسْعَدْ وهذا مثل مشهور، بمعنى قول عليٍّ رضي الله تعالى عنه:) صاحِبْ مَن أقبلَ جَدُّه تَسْعدْ (. وقد قلتُ في مثالِ نعْلِه ﷺ : لمِثالِ النَّعْلِ الشَريفِ لِطه ... شَرفٌ قدرُه من النَّجم أبْعَدْ وسمِعنا الأمثالَ قالتْ قديماً ... ضَع مكانَ السَّعيِد رجْلَك تَسْعَدْ وسعيدٌ مِن كان من قَبْل هذا ... أو عليهِْ قد مرَّغ الوَجْهَ والَخْدّ وما أحق هذا أن يُنشَد له قولُ أبي العَتَاهِيَة: نَعْلٌ بعَثْتُ بها لتَلْبَسَها ... قدَمٌ بها تَسْعَى إلى المجْدِ لو كان يصلُح أن أُشَرِّكَها ... خَدِّي جعلتُ شِراكَها خَدِّي

стр. 183

ولابن هَانِئ الأنْدَلُسِيّ في قَبْقاب وهو نعل يُصنَع من الخشب، وهو مُحْدَث بعد العصر الأول، ولفظهُ مولَّد أيضاً، لم يُسْمَع من العرب ما قاله الأزهَرِيّ: كنتُ غُصْناً بين الرياض رطِيباً ... مائسَ العِطْفِ من غِناءِ الحَمامِ صِرْتُ أحْكي عِداكَ في الذُّلِّ إذ صِرْ ... تُ بَرغْمِي أُداسُ بالأقْدامِ وله يذكُر معاهِد نِيطَتْ بها تمائِمهُ، وغَرَّدت على أغصانِ شبابه حمَائمُهُ، يندُب إخوانَه، وينْعَى أوْطارَه وأوْطانه: سَلُوا البَارِقَ النَّجْدِيّ عن سُحْبِ أجْفانيِ ... وعمَّا بقلْبي من لَواعِج نِيِراني ولا تسألُوا غيَر الصَّبا عن صّبابتي ... وِشِدَّةِ إليكمْ وأشْجانِي فما لي سِواهاَ مِن رسولٍ إليكمْ ... سريعِ السُّرَي في سَيْرِه ليس بالوَانيِ فيَا طالَ بالأسْحارِ ما قد تكلَّفَتْ ... بإنْعاشِ محزونٍ وإيقاظِ وَسْنانِ وتنْفيسِ كَرْبٍ عن كَئِيبٍ مُتَيَّمٍ ... يحِنُّ إلى أهلٍ ويصْبُو لأوْطانِ وتنْفيسِ كَرْبِ شَذَا نَسْمةِ الصَّبا ... صباحاً إذا مرت على الرَّنْدِ والْبَانِ فكم نحوكُمْ حمَّلْتُها من رسالةٍ ... مُدوَّنٍة في شرحِ حالي ووِجْدانيِ وناشَدْتُها باللهِ إلا تفضَّلتْ ... لتبْليغِ أحْبابي السَّلامَ وجِيرانِي وقد نَحَا نَحْو قول ابن مَلِيك الْحَمَويّ في قصيدةٍ له: سَلُو فاترَ الأجفانِ عن كبدِي الحَرَّي ... وعن دُرِّ أجْفاني سَلوا العِقْد والنَّحْرَا مَليحٌ إذا ما رُمْتُ عنه تصبُّراً ... يقول الهوى لن تسْتطِيعَ مَعَي صَبْرَا

стр. 184

وهذا الشاعر، وإن لم يكن من أهل العصر، فإنه قريب العهد، فينْبغي ذكرُه هنا، فنقول هو: علاء الدِّين بن مَلِيك الْحَمويّ هذا شاعر حَماة، ومن كَلأَ سَرْحَ الأدب بها وحَماه. رآه أبو الفتح المالِكي، وقد رَقي شرفَ عِلْمِه وسَمَا، وهو بحانوتٍ له يبيعُ الأقْسما، وأقلامُه قُضُب على جَداوِل الطُّروس ميَّالة، أسبلَ على وجْهِ دَوْحِها الزَّاهِي ظِلالَه، بل لواءٌ على مَلِك الكلام، أو عمودٌ نُصِب عليه من السِّحر خِيام، وهو يخْلِب الأسْماعَ بسِحْره، ويُريق حلوَ مائِه على صِناعة شَعْرِه. ثم رفعَتْه حِرفةُ الأدب عن حَضِيض دُكَّانِه، إلى أن صار ملك الأدب بديوانِه، فنادى لسانُ قَرِيضِه النَّظيم: ما هذا مَلِيك بل مَلَك كريم

стр. 185

وقد وقفتُ على) ديوانه (فجَنَيْتُ من ثَمراتِ حُسْنِه وإحْسانه، قولَه من قصيدةٍ له: ذُكِر الغَضَا فَحَنَتْ عليه أضْلُعِي ... وبكَى العَقِيقُ فساقَطتْه أدْمُعِي لِلَّه دَرُّ دُموعِ عيْني إنها ... وقعَتْ مِن الأجْفانِ أحْسنَ مَوْقِعِ مَن لي بقَلْبي يومِ كَاضِمةٍ وقد ... ودَّعْتُهم لو خَلَّفوا قلبي مَعي رحَلوا فكان القلبُ أوَّلَ راحلٍ ... والصَّبرُ آخِرَ ظاعنٍ ومُودِّعِ وقوله من أخرى: طِرازُ ذاك العِذارِ من رَقَمَهْ ... ودُرُّ دَمْعِي بفِيهِ من نَظَمَهْ وخالُه فوق كَنْزِ مَبْسَمِهِ ... بالمِسْكِ قُفْلاً عليه من خَتَمَهْ مَن لي به ظالَم الجفُونِ سَطَا ... ظُلْماً على صَبِّهِ وما رَحِمَهْ وقوله من أخرى: يا بريقاً بالحِمَى قد لَمَعَا ... حَيِّ عنِّي البانَ والأَثْلَ معَا فبذاك الحَيِّ لي غُصْنُ نَقاً ... طائرُ القلبِ عليه وَقَعَا يا لَه من غُصنِ بَانٍ يانِعٍ ... صادِحُ الحَلْيِ عليه سَجَعَا وقوله من أخرى: أحْيَا الرَّبيعُ الأرضَ بعد مماتِهَا ... وحَلاَ بسَكْبِ القطرِ عُودُ نباتِهَا

стр. 186

والزَّهرُ قد ألقَى النَّثار كأنَّما ... أدَّتْ كنوزُ الأَرضِ بعضَ زَكاتِهَا وحكَتْ جداوِلُها خَلا خِيلاً وقد ... أضْحى خَرِيرُ الماء من رَنَّاتِهَا وقوله من أخرى: سُقْياً لأرضٍ بعد كَوْثَرِ مائِها ... ما اشْتاقَ قلبي للموارِد مَنْهَلا لولا بقايَاهُ وحَقِّك في فمِي ... ما قلتْ شِعراً في المسامِع قد حَلاَ وهذا من قول بلدِّية ابن حِجَّة من قصيدة: ولولا بقاياَ طَعْمِهم في مذَاقَتِي ... لما ظَهَرتْ هذِي الحَلاوةُ في شِعْرِي ومن نُتَف له: مدَحتُكُم طمَعاً فيما أُؤَملُه ... فلم أنَلْ غيرَ حْمل الإثْمِ والنَّصَبِ إن لم تكنْ صِلَةٌ منكُمْ لذِي أدَبٍ ... فأجْرَةُ الخطِّ أو كَفَّارةُ الكَذِبِ وقوله أيضاً:

стр. 187

يكادُ لرِقَّةِ أعْطافه ... من الِّينِ يُعْقَد لْولاَ الكَفَلْ فإن قيل بدرٌ فقُلْ عبْدُه ... وإن قيل شمسُ الضَّحَى قل أجَلْ ونحوه قول ابن حَجَر: حبيبيَ لا تحتَفِلْ بالعَذَلْ ... وصِلْ مُغرماً للضَّناَ قد وَصلْ وحَقَّك إن العَذلَ الأقَلّ ... وأنْتَ الحياةُ وأنتَ الأجَلْ ومن قصيدة له: وفوقَ ظُهورِ الخْيلِ ماتُوا فأصْبَحوا ... وفي كلِّ سَرْجٍ فوقَها لهُمُ قَبْرُ وقد تواردَ في هذا المعنى مع ابن حِجَّة، في قوله من قصيدةٍ، وكنت لما طالعتُ في) ديوانه (لم أرَ له معنى ابتكَره غيره، وهو: ماتُوا على تِلك السُّروجِ مخافةً ... فكأنَّ هاتِيِكَ السُّروجَ مَقابِرُ وهو تشبيهٌ لطيف؛ لأن هيئةَ دَفَّتَيِ السَّرج، كهيئةِ جانِبَيِ القبر المصنوع من الحِجارة في هذا الزمان. وقد سبَق إليه ابن نُبَاتَة، في مَرثِيَّة له: وما الناسُ إلا راحلٌ بعد راحلٍ ... إذا ما انْقَضَى عصرٌ مضى بعدهَ عَصْرُ تَبدَّت لدَى البَيْدا مطاياَ قُبورِهمْ ... ليعلم أَهلُ العقلِ أنَّهمُ سَفْرُ ثم رأيتهُ في أشعار المتقدِّمين، لكن هذَّبه، فإن أبا نُواس قال في قصيدته، التي أولها:

стр. 188

أجارةَ بيْتَيْنا أبوكِ غَيورُ ... وميْسورُ ما يُرْجى لدَيْكِ عَسِيرُ ومنها: إليك أتَتْ بالقوْم هُوجٌ كأنَّمَا ... جَماجِمُها تحت الرِّحالِ قُبورُ قال الصُّولِيّ: أي إبلٌ كأن بها هُوجاً لنشاطٍ في سيْرِها، وهذا التَّشبيه بالقبر حسَن، لكنه أخذَه من قول الوليد: كأنَّ هاماتِها قبْرٌ على شَرَفٍ ... يْمدُّ للسَّيْرِ أوْصالاً وأصْلابَا انتهى. وها هنا أمرٌ نفيس، ينبغي الإصغاء له، لأن الجماجِم الرؤُس، ولو شَبَّه أسْنِمتَها أو الرِّحال التي عليها بالقبور، لكَان مِن المعاني التي لا نَظِير لها. فاسْتِحْسان الصُّوِلِي ليس بحسن، وكان المتأخِّرين إذ كانوا رأَوْه تنبَّهوا لهذا، وهذا من حُسْن الظَّن بالسَّلف، وإلا فللْمقال مجَال. فإذا فطِنْتَ لما قُلناه، وفهِمتَه علمتَ أن هذا كلَّه لا يصل في الحُسن إلى درجةٍ من درجات قوِلي، من قصيدةٍ لي: إذا جئتُ داراً قبل لُقيايَ أهلِها ... أُلاقِي قُبوراً للكرامِ أولي المجدِ عليهْا لقد حطُّوا رِحلاً بمنْزلٍ ... وكم هَوْدجٍ من بينهما مُر تَخِي الشَّدِّ لينْتَظِروا مَن خَلفَّوه بدُورِهم ... ليلْحقَهم قبلَ القِيامِ بلا جَهْدِ يقولون جِدُّوا في الرَّحيلِ فإن مَن ... تَبَقَّى أُناسٌ أُرضِعُوا اللُّؤمَ في المْهَدِ

стр. 189

وقولي:) قبل لقياي (إلخ، إشارة إلى أن قبور كلِّ بلدة خارجُها، فكل قادم لا بد أن يُلاقيها أولاً. والى هذا المعنى أشار القاضي الفاضلُ في قوله: المُدْنُ إن رجَع المُسا ... فرِ أو إذا خرجَ المُسافِرْ ما استَقْبَلَتْه ووَدَّعته ... هْهُ بغيرِ هاتِيكَ المقابِرْ

стр. 190

القاضي مُحِبُّ الدين بن تَقّيِ الدين الْحَموِيّ نزيل الشام، وشَامةُ مَن بها من الوجوه والأعلام، ذو كمالٍ وأدب، ومجدٍ تَناولَه عن كَثَب، فكان غَرَّة مَن نظَم ونثَر، وكتَب وشعَر، إذا حلَّ بنَادٍ تهلَّل صَدرُه وانْشَرح، وتزيَّنَتْ بدُرَرِ كلماتِه عُقودُ المُلَح، وترنَّمتْ أطيارُها، وتفتَّحت بنسيم خُلُقِه أنْوارُها، بمُحاورات له تحْمَرُّ خدودُ الكاساتِ منها خَجَلاَ، وتفْتح أزهارُ الخمائلِ لها آذاناً ومُقَلاً. إلا أنَّه وافَي رياضَها عشِيَّة، فحيَّتْه من أنفاسِها بألطفِ تحيَّة، فحَمدها وشكَر، بما طار بين سَمْعِ الأرض والبَصَر. ومن شعره قولُه في الشام: أتَيْنَا فسلَّمْنا عليها عَشِيَّةً ... فغنَّى لنا فيها الحَمامُ وحَيَّانَا وأبْدَى ثَغْرُ الأقاحِي تبسُّماً ... وأحْسنَ مَلْقانَا وأكرَم مثْوانَا وما هِيِ إلا جَنَّةٌ قد تزَخْرفَتْ ... ألم تَرَ فيها العينَ حُوراً ووِلْدانَا ومن تحتِها الأنْهارُ تجرِي وكلُّها ... عيونٌ إلى الرَّوضاتِ تُرسِلُ غُدْرانَا

стр. 191

ومن فضل له:) يقبِّل الأرضَ بعد دُعاءٍ تُرَصَّع في تِيجانِ الإجابة دُرَرُه، وتَضَرُّعٍ تَقِف في ديوان الإخلاص فِقَرُه (. ومما وقفتُ عليه من آثارِه) شرح شواهد التفسير (وهو كتاب حسَن، لكنه لم يُشْبِع فيه الكلام.

стр. 192

شهاب الدين الكَنْعَانِيُّ الشَّامِيّ شاعرٌ عَصْرِيّ، لم أقِف له على ما أنشدَه شيخُنا العِنَايَاتِيّ، من قوله: يحسَبُ كلَّ النَّاسِ أمْثالهَ ... مَن باتَ في مَهْدٍ نَعيِمٍ وَطِي أما تَرى الشَّبعانَ يا سيِّدِي ... يَفُتُّ للجيعانَ فَتَّا بَطِى وهذا مثَل عامِّيّ، من أمثال العوام، تضْرِبه للمُتَرفِّة الذي لا يعرِف حال مَن كل في بُؤْس وشِدة، فيَظنُّه مثلَه. ولفظ) الجيعان (أنكره أهل اللغة وقالوا: المسموع فيه جائِع وجَوْعان؛ لكن الأمثال لا تُغَيَّر.

стр. 193

معروف الشَّامِيّ هو ممَّن اتسم بالأدب في الحديث والقديم، وسَرَى ذكرهُ كما سرى من الرياض النَّسيم، فسَمَتْ مقاصِدُه، وعَذُبتْ مصادِرُه وموارِدُه فليس للرَّبيع نَضارةُ تلك الشِّيَم، ولا للغْيثِ شِيَمُ ذلك الكرَم، فرَوْضَةُ مآثرِه يانعة الزَّهْر، ونُسخةُ محاسنِه مُخلَّدةُ في صحائفِ الدَّهْر. لا زال جَدَثُه روضةً من رياض الجِنان، ومَنزِلاً تحُلُّ فيه قوافلُ الغُفْران، ما بكَى المطَرُ لِفراق الغَمام، فضحِك النَّوْرُ على بُكائِه في الأكْمام. فمما أنشدتُ له قوله: يا مُفرَداً أضْحَتْ ظواهرُ شأْنِهِ ... ما فوقَها في الحُسْنِ غيْر المَخْبَرِ يا سالباً فلبي الشَّجِيْ وما اشْتَكى ... منه الجفاءَ إلى السَّميع المُبصِرِ مِنِّي إليكَ مع النسَّيمِ تحيَّةً ... فتَقتْ نوافِجُها بمِسْكٍ أَذفَرِ مِن مَنْطقٍ يزهُو بحسنِ بَرَاعةٍ ... تُزْرِي حلاوتهُ بطَعْم السُّكَّرِ فكأنَّها وكأنَّه وكأنَّها ... من جَوْهرٍ في جَوْهرِ جَوْهرٍ يُبدِي التَّداخلَ في الجواهرِ عَنْوةً ... لبَصيرةِ المِقْدامِ لا المُتَحَيِّرِ فكأنَّما قِرْطاسُها أسرارناُ ... والبَيْنُ بينهما سَوادُ الأسْطُرِ

стр. 194

أرجُو على قُرْبِ المَزَارِ يُقرَّب الْ ... بارِي تعالى مَوْرِدي من مَصْدَرِي في ذلك الشَّرفِ المُعَلّى المُنّتهى ... طَربُ المشُوقِ وجَنّة المُتّذَكِّرَ ) ونقلِ لي عنه فصلٌ في كَحَّال، صورته (فلان انْتَهى إلى فوق ما يُضرَب به المثَل، إن قيل يَسْرِق الكُحْلَ من العَيْن، فهذا يسرِق العيْنَ من الكُحْل، فقد أوْدَع كُحلَه حُزْنَ يعقوب، فمن كُحِل منه ابْيَضَتَّ عيْناه، وجحَد مُعجزةَ القميص اليُوسُفِيّ، فلو مَرُّوا به على ناظرِ تقرَّح جَفْناه، وهو من الذين إذا رَفَعوا أمْيالَهم فإنما هي لعَيْن الشمسِ، ولشَمْس العين مِزْوَلة، وإذا أوْلَج أحدُهم المِيلَ في المُكْحُلَة، فهو أولى بالرَّجم ممَّن أوْلَج المِيل في المُكْحُلة انتهى. وأنا أظنُّ أن هذا من كلام القاضي الفاضل. ومن هذا قولُ مِهْيار، في طبيب كَحَّال: أفْنَى وأعْمَى ذا الطبيبُ بطِبِّه ... وبكُحْلِه الأحْياءَ والبُصَراءَ فإذا نظَرتَ رأيتَ من عُمْيانِه ... أمماً على أمْواتِه قُرَّاءَ ومنه أخذ الزغاري قوله: أعْمَى الورَى بكِحالهِ ... والموتُ من وَصفاتِهِ

стр. 195

فكثيُر من عُمْيانِهِ ... يقرَا على أمْواتِهِ وإنما خصُّوا العُميان بالقراءة؛ لأنهم معروفون بكثرة الحِفظ، وقد قيل: إنه ما أخذَ اللهُ من عبدِه حاسَّة إلا نقَل قُوَّتَها لغيرِها. ولابن عُنَين: لو أنَّ طُلاَّبَ المطالبِ عندهُمْ ... عِلْمٌ بأنَّك للعُيونِ تُغَوِّرُ لأتَوْا إليكَ بكلِّ ما أمَّلْتَه ... منهُم وكان لك الجزاءُ الأوْفرُ ودعَوْك بالصَّبَّاغ لمَّا أن رأَوْا ... يغشَى لدَيْك ماءٌ أصْفَرُ وبِكفَّكَ المِيلُ الذي يَحْكِي عَصَا ... مُوسَى فكم عينٍ به تَتَفَجَّرُ ولمحمد بن الأكْفَانيّ: ولقد عجِبْتُ لِمَن أتَى بالكِيِميَا ... في كُحْلِه إذ جاءَ بالشَّنْعاءِ يُلْقِي على العينِ النُّحاسَ يُحيِلُها ... في لَمْحةٍ كالفِضَّةِ البَيْضاءِ وأحسن منه قولي: كُحْلُ كَحَّالِنا غدَا إكْسِيرَا ... منه قد عَلَّم الورَى الكِيميَاءَ فحَديدُ الأبصار يُلْقَى عليه ... عادَ في الحالِ فِضَّةْ بَيْضاءَ

стр. 196

نجم الدين بن معروف أديب إذا نظَم حرَّك الهوى، وقال الشِّعر:) وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى. مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (، فقد سلَك سبيلَ الرَّغائب، واهْتدَى بأعْلام المناقِب، فهو نَجْم بزَغ من سماءِ الكرَم، شمس اهتدت بأنواره سراة الأمم. تقلد سيف الإمارة، فلاحَتْ عليه من السَّعادةِ كلُّ أَمَارة، فلِّلهِ نجمُه الثَّاقب برِفْعتِه لدُرِّيِّ الكواكب. فمن أنوارِه السَّاطعة من مَشْرِقَ فِيهِ، ما كتَبه للقاضي أبي الفتْح يسْتَدعِيه: يا أيُّها المولَي الذي فُتِحَتْ له ... فَيْضاً إذ هُوَ ربُّ فضْلٍ مُطلَقِ وإذا أتاهُ الفاضلون بجُملة ... من فضْلِهم لا فاهُم في فَيْلقِ العبدُ يرغَبُ أن تُشَرِّفَ بيتَه ... ليصيَر أفضلَ بُقْعةٍ في جِلِّقِ لازلْتَ يا زَيْنَ الوجودِ مُمتَّعاً ... بعوارِفٍ منها المعارفُ تَسْتَقِى فأجابه: يا ماجداً نحوَ العُلا لم يُسْبَقِ ... ومُهذَّباً حازَ الكمالَ بجِلِّقِ

стр. 197

لبَّيْكَ من مولّى بفضْلٍ داعياً ... لِمحبَّة بل عْبدِه المُتملَّقِ وافَتْ بدائعُ نظمِه تحْكِي عُقو ... دِ الدُّرِّ في سِلْكِ البيانِ المُونِقِ تدعو لحضْرتِه البديعُ صفاتُها ... ببلاغةٍ فاقَتْ بأفصح مَنْطِقِ سَعْياً على الأحْداقِ نحوَ كمالهِ ... وجمالهِ المُتَوّقدِ المتألّقِ نحوَ الفضائلِ والفَواضلِ والثَّنا ... نحوَ المكارمِ والنَّدى المُتدَفَّقِ لا زِلْتَ محَرُوسَ الجَنابِ مُمتِّعاً ... بلقائِك الفضلاءَ دُون تَقَرُّقِ ما لاحَ نَجْمٌ في الدُّجُنُّةِ ثاقِبٌ ... أو فاحَتِ الرَّوْضاتُ للْمُسْتَنْشِقِ

стр. 198

محمد بن محمد الحكيم المعروف بابن المشْنُوق شاعر رأيتُه، وله شِعر لم يُثابِر على تهْذيبِه، فهو وَساوِس لفِكْرةِ تَهذِي به. وقد أنشد قصيدةً سماها لامِيَّة الروم، منها: حتى مَ أنظِمُ من دَمْعي ومن غَزَليِ ... أدِلَّةً وحبيبُ القلبِ مُعْتَزِليِ يرىَ خلودِيَ في نارِ الصُّدودِ فهَلْ ... فسَقْتُ حين جعَلْتُ العِشْقَ من عَمَليِ

стр. 199

فتح الله بن بدر الدين محمود البيلونيّ الحلبيّ أديب فاضل، له طُرف ومُلَح وشِعر، سمَح طبعُه منه بما سنَح، وله مجلِس من مجالس القُصَّاص والنُّصَّاح، ينادِي به كلَّ طالبٍ حيَّ على الفلاح. رأيتُه وقد قدِم الروم بصحبه الوزير نَصُوح، وشمسُ فضلِه من أُفُق معاليه تَلُوح، فانقطع عن الاخْتِلاط، وربَّما حرك السُّكون رَدِيءَ الأخْلاط. وله شِعر وشُعور، هما من خيرِ الأمور، كقوله: يقولون ناَفِقْ أو فَوافِقْ مُرافقاً ... على مثلِ ذا العصْرِ كلُّ لقد دَرَجْ فقلتُ وأمرٌ ثالثٌ وهْوَ قولُ أو ... ففارِقْ وهذا الأمرُ أسلَمُ للحَرَجْ

стр. 200

وقوله في بعض منازِل الحج، المسمى بأكْرَه، ويقال لها أكرى بالقصر أيضاً: تعفَّفْت عن زَادِ الرَّفيقِ ومائِهِ ... وسِرْتُ لبيْتِ اللهِ أُهْدِي له شُكْرَهْ ووَفَّرتُ ما عندي احتِرازاً وإنَّني ... لَصَوْنَيِ ماءَ الوجْهِ لم أرَ ما أكْرَهْ ومن أمثاله المُرْسلَة) رُبَّ داءِ أضرُّ منه الدُّواءُ (ومنه: إذا ابتُليتَ بُسُلطانٍ يرَى حسَناً ... عبادَةَ العِجْلِ قدِّمْ نحوَه العَلَفاَ وقوله: أنتَ كالمُنْخُل الذي صار يُلْقي الصَّ ... فْوَ للناَّسِ مُمْسِكأ للنُّخالَهْ وهذا مما وقع معناه في بعض الكتب الإلهية، كما نقله الإمام الرَّازِيّ. وقد كنتُ قلتُ فيه: الدَّهرُ كالغِرْبالِ في ... خَفْضٍ ورَفْعٍ لا مَحاَلَهْ إن حَطَّ لُبَّ لُبابِهِ ... رفَع الحُثالَةً والنُّخالَةْ والبَيْلُونِيّ، لقبُ جّدٍ له، وهو نسبة للبَيْلون، وهو طين أصفر، تسمِّيه أهلُ مِصْر طَفْلاً. انتهى.

стр. 201

القاضي ظهِير الدين الحَلبيّ أديبٌ وِرْدُه مَعِين، وإثْمدِ مِدادِه مما تَكْتَحِل بهِ عُيونُ اليقِين. صَحِبْتُه بالروم، فكان لي منه ظَهِير ومُعِين، فاقتطفُ سمْعي جَنَى أزْهارِه، لمَّا جَلاَ علىَّ نتائجَ أفكارِه، فرأيتُ كُبْراها وصُغْراها في الحدِّ الأوْسَط، ومنها ما هو عن رُتْبة الإنتاجِ مُنْحَطّ. فمن غَضِّ ثَمَراتِه، ويانِع زهراتِه، قولُه من قصيدةٍ نَبويِّة: نسيمُ الصَّبا من حاجِرٍ ونواحِيهِ ... سرَتْ فأزالَتْ صَبْرنا عن صَياصِيهِ ومِن بارقٍ شَامَ المُتَيَّمُ بارِقاً ... بدَا فتدَاعى شوقُه مِن أقاصِيِه ومِن ذِكْر أيامِ العُذَيْبِ تكدَّرَتْ ... مشاربُ صَبٍّ ضلَّ عنه مُناجِيهِ إذا قفَلَ الحُجَّاجُ زادَ وُلُوعُهُ ... وأرسل دَمْعاً قانِياً من أمَاقِيهِ وبي مَن غَدَا يخْتالُ عُجْباً بقدِّه ... وطَلْعِتِه سَكْرانَ مِن خَمْرةِ التِّيهِ

стр. 202

وفيِ القُربِ أخْشاهُ وفي البُعْدِ قاتِلي ... فواحَرَباً من بعِدِ وتَدَانِيهِ يُفوِّق مِن جَفْنَيْهِ للقلبِ أسْهُماً ... بأوْهِنا بَرْمِي الكَمِيَّ فيُصْمِيه بذلتُ له رُوحِي فأعرضَ مُعجَباً ... وقال أمِلْكِي عادَ مِلْكَك تُهْدِيهَ وبالشِّعب من وَادِي النَّقا خيرُ جِيرَةٍ ... غدَت بُغَيِتِي واللهِ من غَيْرِ تَمْوِيهِ إذا ذُكِرُوا يرتاحُ قلبي كأنَّما ... أتَتْ نحوه تنقْادُ قَشْراً أمَانِيهِ

стр. 203

بهاء الدين) محمد (بن الحسين العَامليّ الْحَارثيّ الشَّامِيّ أصلا ومَحْتِدا، الفَارِسيّ مَنشَأَ ومَولِداً. فاضل لَمَعَتْ من أُفْقِ الفضلِ بوارِقُه، وسقاه من مُورِده النَّمِير عَذْبُه ورائِقُه، لا يُدرِك بحرَ وَصْفِهِ الإغْراق، ولا تلْحَقُه حركاتُ الأفْكار ولو كان في مِضْمار الدَّهر لها السِّباق. زَيَّن بمآثِرِه العلومَ النَّقْليَّة والعقليّة، وملك بنَقْد ذهنِه جواهرَها السَّنِيَّة، لا سِيَّما الرياضيات، فإنه رَاضَها، وغرَس في حدائق الألْبابِ رِياضَهَا. وهو في مَيْدان الفصاحةِ فارسٌ أيّ فارِس، وإن كان غُصنُه أيْنَع وربا برَبْوة فارِس، فإن شجَرتَه نبتَتْ عروقُها بنواحِي الشَّام الزَّاهِية المغارِس، والعِرْقُ نزَّاع وإن أثَّر الجِوار في الطِّباع.

стр. 204

ولما تدفَّق ماء كرمه خرج منها سائحاً، بعدما ألْقَى دَلوَه في الدِّلاء ماتحاً، لابساً خِلَع الوقار، قاطِعاً من رياض الكَوْن ثَمرات الاعْتبار، فجاب البلاد، وأتى إرَمَ مصر ذاتِ العماد، فنَمَّى متاعَ فضلٍ به اتّجَر، والمعالي في كَفَالات السَّفر، فاجْتَنى نَوْرًا انْفتحت كَمائمهُ، وَسَرى سُرًى قلبُ الوجود كاتمُه. وسُرَّ دَهْرٌ هو صَدْرٌ له ... بعالمٍ ذي نَجْدةٍ عامِل وفي أثناء ذلك نظَم عقود أشْعارٍ حِقَاقُها العُقُول، وجمع مِن أزْواد فضله مجموعة سماها) الكَشْكول (، طالعْتُها فرأيتُ فيها ما تنْشرح له الصُّدور، وتَحُلُّ عُقَدَ الإشْكال عن كل مَصْدُور. وكان رئيس العلماء عند عبَّاس شاه، سلطان العجم، لا يَصْدُر إلا عن رأيه إذا عقَد ألْوِية الهِمَم، إلا أنه لم يكن على مذْهبه في زَنْدقته وإلْحادِه لانْتِشار صِيتِه في سَدادِ دِينه ورَشادِه، إلا أنه عَلَوِيُّ بلا مَيْن، وهو عند العقلاء أهْوَنُ الشَّرَّيْن، فإنه أظهر غُلُوَّه في حبِّ آل البيْت، وجارَى في حَلْبة الوَلاءِ الكُمَيت، وأنشد لسانُ حالهِ لكلٍّ حيٍّ ومَيْت: إن كان رَفْضًا حُبُّ آل محمدٍ ... فلْيَشْهدِ الثَّقلان أنِّي رَافضِي وشِعرُه باللِّسانَيْن مُهذَّب مُحرَّر، وبالفارسيَّة أحسنُ وأكثر. ولما ساحَ في البُلدان، وأجتمع بمن فيها من الأعيان، عاد بدْرُ ذاتِه لفلَك أقطارِه، فعانق في أوْطانِه عقائلَ أوْطاره.

стр. 205

وهو الآن قُرَّة عيْنِ مجدِها، وغُرَّةُ جَبِين سَعْدِها، تطوف بحَرَمِه وُفُود الأفاضل، وتتَوجَّه شِطْرَه وُجُوهُ الآمالِ من كلِّ فاضل، بنعيمٍ مُقيمٍ تتحدَّثُ عنه طُروس الأسْفار، وتَكْتَحِل بإثْمِد مِدادِه عُيون الطُّروس والأسْفار. فمن أنوارِ كلامِه، التي أطْلَعَتْها غُصون أقْلامِه، قولُه من قصيدة: يا ندِيمِي بمُهْجَتي أفْدِيكْ ... قُمْ وهاتِ الكئُوسَ مِن هاتيكْ هاتِها هاتِها مُشعْشَعةً ... أفْسَدتْ عقلَ ذَي التُّقَى النَّسِّيكْ خَمرةً إن ضَلِلْتَ ساحتَها ... فسنَا نُورِ كأْسِها يَهدْيكْ يا كليمَ الفؤادِ دَاوِ بهَا ... قلبَك المُبْتلَى لكْي تشْفِيكْ هي نارُ الكليمِ فاجْتَلها ... واخلعِ النَّعْلَ واترُكِ التَّشْكِيكْ صاح ناهِيكَ بالمُدامِ فدُمْ ... في احْتِساهَا مخالِفاً نَاهِيكْ عَمْرَك اللهَ قُل لنا كَرماً ... يا حَمامَ الأراكِ ما يُبْكِيكْ أتُرَى غاب عنك أهلُ مِنّي ... بعدَ ما قد توهَّنُوا نادِيكْ إن لي بين ربْعهِمْ رَشَأَ ... طَرْفُه إن تَمُتْ أسًى يُحييكْ ذُو قَوامٍ كأنه غُصُنٌ ... ماسَ لمَّا بدَا به التَّحْرِيكْ

стр. 206

لستْ أنْساهُ إذْ أتى سَحَراً ... وحْدَهُ وحْدَه بغير شَريكْ طرقَ البابَ خائفاً وَجِلا ... قلتُ مَن قال كلُّ ما يُرضِيكْ قلتُ صْرِّحْ فقال تجهلُ مَن ... سيْفُ ألحاظِه تَحكَّم فِيكْ قمتُ من فَرْحتِي فتحتُ له ... واعتَنقْنا فقال لي يَهْنيكْ بات يَسْقِي وبِتُّ أشْربُها ... خَمرةً تترُك المُقِلَّ مَلِيكْ ثم جاذبْتُه الرِّداءَ وقد ... خامرَ الخمرُ طرفهَ الفَتِّيكْ قال ليِ ما تُريد قلتُ له ... يا مُنَى القلبِ قُبْلَةً من فِيكْ قمتُ من فَرْحتِي فتحتُ له ... واعتَنقْنا فقال لي يَهْنِيكْ بات يَسْقِي وبِتُّ أشْربُها ... خَمرةً تترُك المُقِلَّ مَلِيكْ ثم جاذبْتُه الرِّداءَ وقد ... خامرَ الخمرُ طرفَه الفَتِّيكْ قال ليِ ما تُريد قلتُ له ... يا مُنى القلبِ قُبْلَةً من فِيكْ قال خُذها فُمذْ ظِرتُ بها ... قلتُ زِدْني فقال لاَ وأَبِيكْ ثم وَسَّدْتُه اليمينَ إلى ... أن دنَا الصُّبحُ قال لِي يَكْفِيكْ قلتُ مهْلاً فقال قُمْ فلَقَد ... فاحَ نَشْرُ الصَّبا وصاحَ الدِّيكْ وله من أخرى، مدح بها الأستاذ البَكْرِيّ، وقد اجتمع به، وهو مما يدلٌّ على سلامةِ عقيدتِه، قولُه: يا مِصرُ سُقْياً لكِ من جنَّةٍ ... قطوفُها يانِعَةٌ دانِيهْ ترابُها كالتِّبْرِ في لُطفِه ... وماؤُها كالفِضَّة الصَّافيهْ قد أخجلَ المِسْكَ نسيمٌ لها ... وزَهْرُها قد أرْخَص الغالِيةْ

стр. 207

دَقيقةٌ أصنافُ أوْصافِها ... ومالَها في حُسنِها ثانِيهْ مُنذ أنخْتُ الرَّكبَ في أرْضِها ... أُنْسِيتُ أصْحابي وأحْبابِيَهْ فيا حَماها اللهُ من رَوضةٍ ... بهْجتُها كافِيةٌ شافِيهْ فيهاَ شِفا القلبِ وأطْيارُها ... بنغمةِ القانونِ كالزَّارِيهْ ومنها: مَن شاءَ أن يحْيا سعيداً بها ... مُنعَّماً في عِيشَةٍ راضِيَهْ فلْيدَعِ العلمَ وأصْحابَه ... وليجْعلِ الجهلَ له غاشِيَهْ والطَّبَّ والمنطقَ في جانبٍ ... والنحوَ والتفسيرَ في زاوِيهْ وليترُكِ الدَّرسَ وتدْريسَه ... والمْتنَ والشَّرحَ مع الحاشِيهْ إلى مَ يا دهرُ وحتىَّ متى ... تَشْقَى بأيّامِك أيَّامِيَه تُحقِّقُ الآمالَ مُستعطِفاً ... وتُوقِع النَّقْصَ بأمَالِيَهْ وهكذا تفعلُ في كلِّ ذِي ... فضيلةٍ أو هَّمِةٍ عاليَهْ فإن تكنْ تحسَبُني منهمُ ... فهْيَ لعَمْرِي ظِنَّةٌ وَاهِيَةْ دَعْ عنكَ تعذِيبي وإلا فأشكُو ... كَ إلى ذَي الحضْرةِ السَّامِيهْ وله رباعيَّات لطيفة، منها: أغْتَصُّ برِيقَتِي كحَسْيِ الحاسِي ... إذ أذكُرُهُ وهْو لعْهدِي ناسِي

стр. 208

إن مِتُّ وجَمرةُ الهوى في كبدِي ... فالويْلُ إذاً لساكِنيِ الأرْماسِ وله: كم بِتُّ من المَسَا إلى الإشْراقِ ... من فُرقَتِكْم ومُطرِبي أشْواقِي والهمُّ مُنادِمي ونَقْلِي نَدَمِي ... والدَّمعُ مُدامِتي وجَفْني السَّاقِي ومنها لا تَبْكِ مُعاشِراً نأَي أو إلْفاَ ... القومُ مَضَوْا ونحنُ نأتي خَلْقَا بالمُهلةِ أو تَعاقُبٍ نَتْبَعُهمْ ... كالعطْفِ بثُمَّ أو كعطْفٍ بِألْفَا ومنها: من أربعةٍ وعشرةٍ أمْدادِي ... في ستَّ بِقاعٍ سكنُوا يا حادِي في طَيْبَةَ الغرَّاء مع سامَرَّا ... في طُوسَ وكَرْبَلا وفي بَغْدادِ ومنها: للشَّوقِ إلى طَيْبَةَ جَفْني بَاكِي ... لو صار مُقامِي فلَكَ الأفْلاكِ أستنْكِفُ إنْ مَشيتُ في روْضتِها ... فالمْشْيُ على أجْنحِة الأمْلاكِ ومنها: هذا النَّبَأُ العظيُم ما فيه كلامْ ... هذا لِمَلائِكِ السَّموات إمامْ مَن يَمَّم بابهَ ينَل مطْلَبَه ... مَن طاف به فهْو على النَّارِ حرامْ

стр. 209

ومنها: هذا حَرَمٌ بفضْلهِ العقلُ أَقَرّ ... فيه لملائِكِ السَّموات مَقَرّ كلُّ منهم يقول يا زائَرِهُ ... قبِّلْ عنِّي تُرابَ تلك الأعْتابْ إن هُم سألُوا عن البَهاءِ فقُلْ ... قد ذابَ من الشَّوقِ إليكم قد ذَابْ ومنها: يا ريحُ أقُصُّ قِصَّةَ الشَّوقِ إليكْ ... إن جِئْتَ إلى طُوس فباالله عَليْكْ قبِّلْ عنِّي ضريحَ مولايَ وقُلْ ... قد مات بهاؤُكَ من الشَّوقِ إلَيْكْ ومنها: أَهْوَى رَشاً عرَّضنِي للبَلْوَى ... ما عنه لقَلْبِ المُعَنَّى سَلْوَى كم جئتُ لاشْتكِي فمُذْ أبصَرنِي ... مِن لَذَّةِ قُربِه نسِيتُ الشَّكْوَى ومثلُه قولي: لو تُسْمَعُ لَذَّ للمُعنّى الشَّكوَى ... لا مَنَّ بذا وليس عنه سَلْوَى كلٌّ بهَواه مُبْتَلًى ذو دَنَفٍ ... قالُوا وتَطيبُ إذ تَعُمُّ البَلْوَى

стр. 210

ومنها: يا غائبُ عن عيْني لا عَن بالِي ... القُرْبُ إليكَ مُنْتَهى آمالِي أيامُ نَواكَ لا تَسَلْ كيف مضَتْ ... واللهِ مضَتْ بأسْوأِ الأحْوالِ وفي معناه وَوَزْنِه قول الأرَّجانِيّ: لا بأسَ وإن أذَبْتَ قلبي بهوَاكْ ... القلبُ ومَن سلَبْتَه القلْبَ فِدَاكْ وَلَّيْتَ وقُلتَ أنْعَم اللهُ مَساكْ ... مَوْلايَ وهل يَنَعْمَمُ مَن ليس يَراكْ

стр. 211

خِضْر المَوْصلِّي كعبة فضلٍ مُرتفِعة المقام، تضمَّنتْ أَلْسَنةُ الرُّواة الْتِزامَ مدْحِه فللِّهِ ذلك التَّضّمُّن والالْتِزام. رأيتُه في عُنْفُوان العمر والدنيا كلُّها رِياض، والأيَّام كلُّها أعْياد وأعْراس، والأوقاتُ كلُّها سَحَر، والأشْهَر كلُّها نَيْسَان. فلَوْ بِعْتُ يوماً منه بالدَّهرِ كلِّه ... لفكَّرْتُ ثانياً في إرْتِجاعِهِ وهو حسَنةٌ في صحائِف الأيَّام واللَّيالِي، وروضةٌ تُنْبِت الشُّكرَ في رِياض المعالِي، والعيشُ كلُّه نَضِر، وقد قيل لكلِّ زمان خَضِرٍ. إذا ما ذكَرْنَا جُودَه كان حاضرا ... نأَى أو دَنَى يسْعَى على قَدَم الخِضْرِ وأقام بمكة مع بني حسَن مُخْضَرّ الأكْناف، وصنَّف باسم السيد حسن كتابه) شرح شواهد الكشَّاف (، شرحاً تشبَّثَ بأهدابِه السِّحْر، وناطَ به تمِيمَةً مُعلَّقةً بجِيد الدَّهْر، وقد ملكْتُه وطالعتُه، فرأيت فيه ما يدل على سَعَةِ إطِّلاعِه، وطول طَوْلِه وبَاعِه.

стр. 212

وهو تلميذ والدي، وكان يسلُك معه طريقَ الأدب، ويجْثُو بين يدَيْه على الرُّكَب. وأنشدني له قولَه مُضمِّناً: تبدَّلْ عن البَرْش المُبلِّد بالطِّلا ... فعالمِ أهْل البَرْش غِمْرٌ وجَاهِلُ فما البَرْش إن فتَّشْتَ عن كُنْهِهِ سِوَى ... دُوَيْهِيَةٌ تَصْفَرُّ منها الأنامِلُ وللأسْعد بن مَمَّاتي، مما أنشده في كتابه) سلافة الزرجون (: ندِبميَ لا تَهْزَأْ بمشْمُولةٍ فإن ... بدَا لك منها بَهْجَةٌ وشَمائِلُ وراقَك منها رِقَّةٌ في قَوامِها ... ولاحَتْ كشمسٍ أضْعَفتْها الأصائِلُ فلا تغْتَرِرْ منها بِلينٍ فإنها ... دُوَيْهِيَة تصْفَرُّ منها الأنامِلُ وهذا من قصيدة لَبِيد، التي أولها: ألا كلُّ شئٍ ما خلاَ اللهَ باطلُ ... وكلُّ نعيمٍ لا محالَة زائِلُ وكلُّ أُناسٍ سوْفَ تدخلُ بْينَهم ... دُوَيْهِيَةٌ تَصْفَرُّ منها الأنامِلُ وقد ضمَّن زكيّ الدين بن قريع منها أيضاً في قولهِ: تأمَّلْ صُحَيْفاتِ الوجودِ فإنَّها ... من الجانب السَّامِي إليكَ رسائْلُ وقد خُطَّ فيها إن تأمَّلْتَ خطَّها ... ألاَ كلُّ شيء ما خَلا اللهَ باطِلُ وفي معناه قول العلاَّمة الشيخ حسن البُورِينِيّ: وُرْقُ الرِّياضِ إذا نظَرْتَ دفاتِرٌ ... مَشْحونَةٌ بأدِلَّةِ التَّوْحيدِ

стр. 213

وهو في معنى شِعر أبي نُؤاس المشهور. ومما مدَحتُ به حضرة مولانا خِضْر المذكور: وصَباً من كُئُوسِ ذِكْرِكَ سَكْرَى ... لكَ حمَّلْتُها ثَناءً وشُكْرَا ولِوَجْدِي رَقَّتْ كطْبِعكَ لُطْفاً ... واسْتعارَتْ من طِيبِ ذِكْرِكَ نَشْرَا معك القلبُ حيثُما سِرْتَ يسْرِي ... فاسْألَنْه عنِّى فذلكَ أدْرَى مِن أُوليِ العَزْم لِي فُؤادٌ كَلِيِمٌ ... في النَّوَى لا يزالُ يتْبَعُ خِضْرَا فصل فيمن لقيتُه بالشام في رحلتي لمصر راجعاً من الروم لما مُنِيتُ بغربِةٍ قارِظِيَّة، ودعاني الشوقُ إلى العَوْد إلى القاهرة المُعِزِّيَّة، وعِنان مطايَا العزْم بينت ثانٍ وحَادِي، وطوارقُ الوساوِس بين رائحٍ وغادِي. بَدا لي بها وجْهُ جوٍّ قاطِب، وسامرتُ بها ليالي عُمْرَ الكواكب، يتعثَّرُ بالعَوَّاء، وتَضْرِبُه بعَصَا الجوْزاء، ونهارٌ صَباه سَمُوم، كأنه قلبُ صَبٍّ مغمُوم، أو نفسُ فقيرٍ مظْلوم، نفَضْت بها الآمالُ بِسَاطَ القَرار، واستَرجَعتْ نُزَّاعَها

стр. 214

الأمْصار، إذ لم تجِدْ حُرَّا ترْتَجِيه، ولا أخَا وَجْدٍ تُطارِحُه هوَى نجْدِ وتجارِبه، كما قلت: يا وَيْحَ مِصرَ ترحَّلَتْ سُكَّانُها ... وتعطَّلتْ تلكَ المجالسُ والمدارسْ ظَعَنُوا ومِن بركاتِها وجَمالِها ... كُنِسَتْ وهاتِيكَ النخيلُ بها مكانِسْ فكأن الكرامَ أوراقُ خريفٍ لوَتْه الأعاصِير، وبدّده الشَّتات، ورُسومُها خَطَّ بها البَلاءُ آياتِ الموارِيث وصُحفَ الفرائِض فلا يُذْكَر فيها غيرُ الأمْوات، فإذا رجع أو خرج منها المسافِر، ما وَدَّعه واستَقْبَله غيرُ المقابِر. عليها لقد حَطُّوا رِحلا بمنْزلٍ ... وكم هَوْدَجٍ من بْينها مُرتخِي الشَّدِّ وقد كنتُ أدْأَبُ في التَّرحال، لأحُطَّ برَبْعِها المُخْصِب رِحالَ الآمال، رجاءُ لقاءِ أشْياخي وأخْداني، ومغازلةِ مَن بها من خُرَّدِ أوَانِس الأمانِي، ممَّن سافَنْتُه بوادِيها، وساجَلْتُه بدِلاءِ المجُون في بَوادِيها، وقد تنْزِل من حِصْن طَوْدِها الأوابِد، كما قال كُشاجِم في كتاب) المطارد (: إن الوحوشَ قد تلِجْ العُمْران، وتلْجَأُ للآنِس، إذا كَلَب الشِّتاء، وعبَس بالجَدْب وجهُ الزَّمان، فعُدِمت الأقوات، وأخْفَى الْجَمَد والثَّلْج الماءَ والنَّبات، فشاب منه الوليد، كما قال مُسلِم بن الوليد: فإن أَغْشَ قوماً بعدَهم أو أَزُورهم ... فكالوحْشِ يُدْنِيها من الآنسِ الْمَحلُ

стр. 215

يُذكَّرُنِيكَ الخْيرُ والشَرُّ والتُّقَى ... وقولُ الْخَنَا والحِلْمُ والعلمُ والجهْلُ فألْقاكَ في مذْمُومِها مُتنزِّهاً ... وألْقاكَ في محمُودِها ولكَ الفضْلُ فعاد الرَّائد خائباً، والبَشِير ناعِياً ناعِباً، إذ بدَت مُقْفِرةَ الأرْجاء، مُبَرْقِعةً باليأْسِ وجْهَ الرَّجاء، مِن دارٍ أمواتُها أشْراف، وأحياؤُها أجْلاف، بها ضِعاف عقولٍ يزعمون أنهم ألَّفُوا وصنَّفُوا، كأنَّهم بقيَّةٌ من أهلِ الكتاب الذين بَدَّلوا أو حرَّفوا فعُجْتُ زائراً مقابرَ أطْلالِها، وقد خُيِّل لي أنها أوَّلُ منزل سُفْرٍ بسُروجِها ورحالِها، ينتظِر بها السَّابقون اللاَّحِقين، فقلتُ: السلامُ عليكم دارَ قومٍ مؤمنين، فرَدُّوا وصاحُوا بهاوَاها، وأنْشدني بَدِيهةً صَداها: يا راكباً حُثَّ المَطِيَّ ... لأرْضِ مصر تَنْتحِيهاَ جُزْ بالقَرافةِ واقْرأَنْ ... منِّي السلامَ لساكِنيهاَ وقلِ السَّلامُ على الكرِا ... مِ الأكْرمين الفاضِلِيهَا لم أَلْقَ بعدَهُمُ بها ... إلا جَهولاً أو سَفِيهاَ فكأنَّما الدنيَا البخي ... لةُ بالعطاءِ لمُجْتدِيِهَا صَرفَتْ دَنانِيرَ الْبَهَا ... بنُحاسِ نَحْسٍ من بَنِيهَا سادتْ بها فَرِقُ العبي ... دِ فأيُّ حُرٍّ يَرْتضِيهَا فلذا هجَرْتُ مُقامَها ... وطلبْتُ أرضاً أصْطفِيهَا فإذا مرَرْتَ فلا تَسلْ ... عمَّن نأَى مِن قاطِنيهَا وقِفِ الْمَطِيَّ بِجَلَّقٍ ... إن الكرامَ الغُرَّ فِيهَا عُرِفَتْ بعَرْفِ المجدِ ها ... تِيكَ الرُّبوعُ لِساكِنِيهَا
следующие страницы →