Полный текст (456 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
خِضْر المَوْصلِّي
كعبة فضلٍ مُرتفِعة المقام، تضمَّنتْ أَلْسَنةُ الرُّواة الْتِزامَ مدْحِه فللِّهِ ذلك التَّضّمُّن والالْتِزام.
رأيتُه في عُنْفُوان العمر والدنيا كلُّها رِياض، والأيَّام كلُّها أعْياد وأعْراس، والأوقاتُ كلُّها سَحَر، والأشْهَر كلُّها نَيْسَان.
فلَوْ بِعْتُ يوماً منه بالدَّهرِ كلِّه ... لفكَّرْتُ ثانياً في إرْتِجاعِهِ
وهو حسَنةٌ في صحائِف الأيَّام واللَّيالِي، وروضةٌ تُنْبِت الشُّكرَ في رِياض المعالِي، والعيشُ كلُّه نَضِر، وقد قيل لكلِّ زمان خَضِرٍ.
إذا ما ذكَرْنَا جُودَه كان حاضرا ... نأَى أو دَنَى يسْعَى على قَدَم الخِضْرِ
وأقام بمكة مع بني حسَن مُخْضَرّ الأكْناف، وصنَّف باسم السيد حسن كتابه) شرح شواهد الكشَّاف (، شرحاً تشبَّثَ بأهدابِه السِّحْر، وناطَ به تمِيمَةً مُعلَّقةً بجِيد الدَّهْر، وقد ملكْتُه وطالعتُه، فرأيت فيه ما يدل على سَعَةِ إطِّلاعِه، وطول طَوْلِه وبَاعِه.
стр. 212
وهو تلميذ والدي، وكان يسلُك معه طريقَ الأدب، ويجْثُو بين يدَيْه على الرُّكَب.
وأنشدني له قولَه مُضمِّناً:
تبدَّلْ عن البَرْش المُبلِّد بالطِّلا ... فعالمِ أهْل البَرْش غِمْرٌ وجَاهِلُ
فما البَرْش إن فتَّشْتَ عن كُنْهِهِ سِوَى ... دُوَيْهِيَةٌ تَصْفَرُّ منها الأنامِلُ
وللأسْعد بن مَمَّاتي، مما أنشده في كتابه) سلافة الزرجون (:
ندِبميَ لا تَهْزَأْ بمشْمُولةٍ فإن ... بدَا لك منها بَهْجَةٌ وشَمائِلُ
وراقَك منها رِقَّةٌ في قَوامِها ... ولاحَتْ كشمسٍ أضْعَفتْها الأصائِلُ
فلا تغْتَرِرْ منها بِلينٍ فإنها ... دُوَيْهِيَة تصْفَرُّ منها الأنامِلُ
وهذا من قصيدة لَبِيد، التي أولها:
ألا كلُّ شئٍ ما خلاَ اللهَ باطلُ ... وكلُّ نعيمٍ لا محالَة زائِلُ
وكلُّ أُناسٍ سوْفَ تدخلُ بْينَهم ... دُوَيْهِيَةٌ تَصْفَرُّ منها الأنامِلُ
وقد ضمَّن زكيّ الدين بن قريع منها أيضاً في قولهِ:
تأمَّلْ صُحَيْفاتِ الوجودِ فإنَّها ... من الجانب السَّامِي إليكَ رسائْلُ
وقد خُطَّ فيها إن تأمَّلْتَ خطَّها ... ألاَ كلُّ شيء ما خَلا اللهَ باطِلُ
وفي معناه قول العلاَّمة الشيخ حسن البُورِينِيّ:
وُرْقُ الرِّياضِ إذا نظَرْتَ دفاتِرٌ ... مَشْحونَةٌ بأدِلَّةِ التَّوْحيدِ
стр. 213
وهو في معنى شِعر أبي نُؤاس المشهور.
ومما مدَحتُ به حضرة مولانا خِضْر المذكور:
وصَباً من كُئُوسِ ذِكْرِكَ سَكْرَى ... لكَ حمَّلْتُها ثَناءً وشُكْرَا
ولِوَجْدِي رَقَّتْ كطْبِعكَ لُطْفاً ... واسْتعارَتْ من طِيبِ ذِكْرِكَ نَشْرَا
معك القلبُ حيثُما سِرْتَ يسْرِي ... فاسْألَنْه عنِّى فذلكَ أدْرَى
مِن أُوليِ العَزْم لِي فُؤادٌ كَلِيِمٌ ... في النَّوَى لا يزالُ يتْبَعُ خِضْرَا
فصل
فيمن لقيتُه بالشام في رحلتي لمصر راجعاً من الروم
لما مُنِيتُ بغربِةٍ قارِظِيَّة، ودعاني الشوقُ إلى العَوْد إلى القاهرة المُعِزِّيَّة، وعِنان مطايَا العزْم بينت ثانٍ وحَادِي، وطوارقُ الوساوِس بين رائحٍ وغادِي.
بَدا لي بها وجْهُ جوٍّ قاطِب، وسامرتُ بها ليالي عُمْرَ الكواكب، يتعثَّرُ بالعَوَّاء، وتَضْرِبُه بعَصَا الجوْزاء، ونهارٌ صَباه سَمُوم، كأنه قلبُ صَبٍّ مغمُوم، أو نفسُ فقيرٍ مظْلوم، نفَضْت بها الآمالُ بِسَاطَ القَرار، واستَرجَعتْ نُزَّاعَها
стр. 214
الأمْصار، إذ لم تجِدْ حُرَّا ترْتَجِيه، ولا أخَا وَجْدٍ تُطارِحُه هوَى نجْدِ وتجارِبه، كما قلت:
يا وَيْحَ مِصرَ ترحَّلَتْ سُكَّانُها ... وتعطَّلتْ تلكَ المجالسُ والمدارسْ
ظَعَنُوا ومِن بركاتِها وجَمالِها ... كُنِسَتْ وهاتِيكَ النخيلُ بها مكانِسْ
فكأن الكرامَ أوراقُ خريفٍ لوَتْه الأعاصِير، وبدّده الشَّتات، ورُسومُها خَطَّ بها البَلاءُ آياتِ الموارِيث وصُحفَ الفرائِض فلا يُذْكَر فيها غيرُ الأمْوات، فإذا رجع أو خرج منها المسافِر، ما وَدَّعه واستَقْبَله غيرُ المقابِر.
عليها لقد حَطُّوا رِحلا بمنْزلٍ ... وكم هَوْدَجٍ من بْينها مُرتخِي الشَّدِّ
وقد كنتُ أدْأَبُ في التَّرحال، لأحُطَّ برَبْعِها المُخْصِب رِحالَ الآمال، رجاءُ لقاءِ أشْياخي وأخْداني، ومغازلةِ مَن بها من خُرَّدِ أوَانِس الأمانِي، ممَّن سافَنْتُه بوادِيها، وساجَلْتُه بدِلاءِ المجُون في بَوادِيها، وقد تنْزِل من حِصْن طَوْدِها الأوابِد، كما قال كُشاجِم في كتاب) المطارد (: إن الوحوشَ قد تلِجْ العُمْران، وتلْجَأُ للآنِس، إذا كَلَب الشِّتاء، وعبَس بالجَدْب وجهُ الزَّمان، فعُدِمت الأقوات، وأخْفَى الْجَمَد والثَّلْج الماءَ والنَّبات، فشاب منه الوليد، كما قال مُسلِم بن الوليد:
فإن أَغْشَ قوماً بعدَهم أو أَزُورهم ... فكالوحْشِ يُدْنِيها من الآنسِ الْمَحلُ
стр. 215
يُذكَّرُنِيكَ الخْيرُ والشَرُّ والتُّقَى ... وقولُ الْخَنَا والحِلْمُ والعلمُ والجهْلُ
فألْقاكَ في مذْمُومِها مُتنزِّهاً ... وألْقاكَ في محمُودِها ولكَ الفضْلُ
فعاد الرَّائد خائباً، والبَشِير ناعِياً ناعِباً، إذ بدَت مُقْفِرةَ الأرْجاء، مُبَرْقِعةً باليأْسِ وجْهَ الرَّجاء، مِن دارٍ أمواتُها أشْراف، وأحياؤُها أجْلاف، بها ضِعاف عقولٍ يزعمون أنهم ألَّفُوا وصنَّفُوا، كأنَّهم بقيَّةٌ من أهلِ الكتاب الذين بَدَّلوا أو حرَّفوا فعُجْتُ زائراً مقابرَ أطْلالِها، وقد خُيِّل لي أنها أوَّلُ منزل سُفْرٍ بسُروجِها ورحالِها، ينتظِر بها السَّابقون اللاَّحِقين، فقلتُ: السلامُ عليكم دارَ قومٍ مؤمنين، فرَدُّوا وصاحُوا بهاوَاها، وأنْشدني بَدِيهةً صَداها:
يا راكباً حُثَّ المَطِيَّ ... لأرْضِ مصر تَنْتحِيهاَ
جُزْ بالقَرافةِ واقْرأَنْ ... منِّي السلامَ لساكِنيهاَ
وقلِ السَّلامُ على الكرِا ... مِ الأكْرمين الفاضِلِيهَا
لم أَلْقَ بعدَهُمُ بها ... إلا جَهولاً أو سَفِيهاَ
فكأنَّما الدنيَا البخي ... لةُ بالعطاءِ لمُجْتدِيِهَا
صَرفَتْ دَنانِيرَ الْبَهَا ... بنُحاسِ نَحْسٍ من بَنِيهَا
سادتْ بها فَرِقُ العبي ... دِ فأيُّ حُرٍّ يَرْتضِيهَا
فلذا هجَرْتُ مُقامَها ... وطلبْتُ أرضاً أصْطفِيهَا
فإذا مرَرْتَ فلا تَسلْ ... عمَّن نأَى مِن قاطِنيهَا
وقِفِ الْمَطِيَّ بِجَلَّقٍ ... إن الكرامَ الغُرَّ فِيهَا
عُرِفَتْ بعَرْفِ المجدِ ها ... تِيكَ الرُّبوعُ لِساكِنِيهَا
стр. 216
فرحلتُ إلى الوادِي المقدَّس طُوَى، والعزمُ بأيْدِي المطايَا شَبَّر شُقَةَ البَيْن وطَوَى، حتى نزلْتُ تُربةً عُجنتْ بماءِ الوحْي، على رَغْمِ أنْفِ النَّوَى، ومسَحْتُ بها المُحيَّا، وحَيِيتُ أكْرمَ مَحْيَا، بين الصَّخرةِ والطُّور، والبيتِ المُتلأْلئ فيه سَبَحاتُ النُّور:
قَطعْنَا في مسافتِه عِقاباً ... وما بعد العِقاب سِوَى النَّعِيمِ
ولما رأيتُه طَشْتَ ذهبٍ مملوءاً بالعقارب، غسلْتُ يدَ الأمل فيه من الرَّغائب، وانثنَيْتُ للشَّام شَامةِ وجْهِ البُلدان، وجَنَّةِ الله في أرْضِه المحفُوفةِ بالحُور والوِلْدان، المفروشةِ بسُنْدُس النَّبات والأشْجار، واللاَّبسةِ حُلَل الرِّياض المُزرَّرةِ بالأنْواء، المُسجَّفةِ بزُرْق الأنْهار، فقالت لي: أهلاً وسهْلاً، ومدَّتْ كرماً ونُزْلاً، وتلقَّتْنِي بصَدْرٍ رحِيب، فبِتُّ فيها بين تكريمٍ وترْحيب:
مِن فوقِ أكْمامِ الرَّيا ... ضِ وتحْتِ أذْيالِ النَّسِيمِ
ولقِيتُ بها من فضلائِها الأعْيان، وأُدبائِها النَّقِيَّة الأذْهان والأرْدَان، كلَّ كريمٍ تُحسَد عليه العيون والآذان، هو لعَيْن المجدِ قُرَّة، ولوجْهِ المكارِم غُرَّة، ولقلْبِ الدهرِ فَرْحةٌ ومسَرَّة.
فكان ممَّن اجْتلاهُ ناظرِي، وعكَف عليه في حَرَمِ كَرمِه خاطرِي:
стр. 217
المولى عبد الرحمن بن عِماد الدِّين الشَّامِيّ الْحَنَفيّ
وهو إذ ذاك مُفتِيها، وناشِرُ لواءِ الإفادة بنادِيها، ومُحي من رسومِ المدارس كلَّ دائِرٍ بها ودارِس.
إن جاد فجُودُة تَمِيمةً للعدم، أو وَعَد فوعْدُه للغِنَى سَلَم، مع صِدْق مقالٍ، تُعْقَد منه الأقوالُ بالأفعال.
إذا ذُكِر ما فيه من محاسِن الصِّفات، سجَدتْ له الخناصِر كأنه آياتُ سَجْدات، أو سُرِدَت نُعُوتُه فكلُّ نعتٍ مقطوع، وكلُّ وصفٍ تابِعٌ له، وهْو مَتْبوع.
وقد مُتِّعْتُ منه بما هو ألذُّ من نَيْل الوَطَر، وليس العَيان كالخَبَر، وهَبَّت عليَّ رِيحُ إقْبالِه قَبول وجَنُوب، وأطْربَتْني أنفاسُه والكريمُ طَروب، وصَرْفُ الزَّمان مغلولُ اليديْن، والزمانُ مُنقَادُ لجمْعِ الشَّمل، كأنه عليه دَيْن، فقِلْنا في ظِلِّه الظِّليل،
стр. 218
ولم نَرَ فيه نقْصاً سِوى أنه قليل، وناهِيكَ بطِيب عُنصُر لو رآه النَّظَّام أثْبتَ به الجوْهَر الفَرْد، مع لُطفِ طبعٍ هو شقِيق الروضِ المُخْجِلِ بلُطْفِه خَدَّ الورْد، وحُسنِ تقْريرٍ وتحْريرٍ يهتز طرباً له كلُّ غصنٍ نَضِير.
وبالجملة فهو في كلِّ كمالٍ مُفْرَد، مُستَغْنٍ عن التَّعريف بفضْلٍ له لا يُحَدّ، فإنه أصِيلُ عصْرِه، وعِمادُ دهرِه، كأنما عَناهُ مَن قال:
أرأيتُمْ في النَّاسِ ذاتَ لطيفٍ ... يشرَحُ الصدرَ مثلَ ذاتِ العِمادِ
حَسبُها من لطافةٍ أنها لم ... يخلُقِ الله مثْلَها في البلادِ
وقد دارتْ بيني وبينَه كئوس محاوراتٍ لها ثَغْر الحَبَاب باسِم، تُنْظَم منها في جِيد الآداب عُقودٌ لها بَنانُ البيان ناظِم، ولما قُوِّضَتْ خِيامُ المُقام، وَزُمَّتْ مطايا العزائم، كتبتُ له مُودِّعاً وشاكراً لما أفاضه عليَّ من سوابِغ المكارم قولي:
قسَماً بلُطفٍ مالكٍ لفُؤادِي ... وبرَوضِ أُنْسٍ مُثْمرٍ لِودادِي
وبطَلعةٍ نزلَتْ لدى حرَمِ العُلا ... وبسُدَّةٍ هي قِبْلةُ القُصَّادِ
أنِّى ارْتحَلْتُ وذكُركم أبداً على ... طُولِ المَدى ماءِي النَّمِيرُ وزادِي
يا واحدَ الدُّنيا وبيتَ قصيدِها الزَّ ... اهِي لدَى الإنْشاءِ والإنشادِ
يا ابنَ العِمادِ لأنت عُمْدةُ سادَةٍ ... تُمتْاحُ في الإصْدارِ والإيرادِ
إرَماً غدَتْ أرْضُ الشَّآم لأنها ... ذاتُ العِمادِ بكُمْ وأيّ عِمادِ
بل جَنَّةً فيها الثَّناءُ مُخَلَّدٌ ... أتَرى لها بعد البِعادِ بعادِ
وحديثُ فضلِكمُ المُعَنْعَنُ مَجْدُه ... أضْحى بأصْلِكَ عالِيَ الإسْنادِ
يُثْنى عليه رائحٌ أو غادِي ... أبداً برغْمِ عشِيرةٍ أوْغادِ
стр. 219
واسْلَمْ ودمْ في عِزَّةٍ أيَّامُها ... لِلِقائِه لبِستْ حُلَى الأعْيادِ
وبعد هذا الفصل: مولايَ، هذه نَفْثَةُ مصدُور، وغُلالةُ صُادٍ لولاك لم تُرْوَ بها الصُّدور، وبَدِيهَةُ غرِيبٍ من الأوطان والأحِبَّة مهْجُور، والطَّبع وإن كان في حَلْبتِه جَواد، فقد يكْبُو الجَواد، وقد يبْخل الجوَاد، ولكنَّني أقول كما قال ابن عَبَّاد:
أما لولاكَ ما رأتْنِي القَوافِي ... في وِهادٍ من أرْضِها ونِجَادِ
إن خَيْرُ المُدَّاحٍ مَن مَدحَتْهُ ... شعراءُ البلادِ في كلِّ نادِ
والسلام.
فأجاب:
هذِي درَارٍ نُورُها لِيَ هادِي ... وشِهابُها رُجُمٌ على الأضْدادِ
أم رَوْضةٌ بسَمتْ ثغورُ زهورِها ... أم حُلَّةٌ وْشِيتْ من الأبْرادِ
أم تلك أبياتٌ البِناَ ... رُفِعتْ على عُمْدٍ رَفَعْنَ عِمادِي
بُنِيتْ بأيْدِي فِكْرِ قُسِّ خفَاجةٍ ... تبَّت أيادِي فكرِ قُسِّ إيادِ
مولايَ يا فرْدَ الوجودِ فضائلاً ... وشمائلاً يا أوْحدَ الآحادِ
قد كنتُ أسمعُ عن فضائِلِك التي ... شنَّفْنَنِي من حاضرٍ أو بادَ
ولطالَما قد كنتُ أرجو المُلْتَقَى ... وتُبَعِّد الآمالُ طولَ بِعادِي
стр. 220
حتى شهِدتُ جمالَكم فلِمِحْنتِي ... جذَبتْ محبَّتُكم شِغافَ فُؤادِي
ودَنا الرَّحيلُ مُخِّلفاً قلبي لكمْ ... وَقْفاً على الاتْهامِ والإنْجادِ
سِرْ بالهَنَا أمَّا خَيالُ كمالِكمْ ... فهو السَّمِيرٌ لُمهْجتِي في النَّادي
واسْلَم ولا تَنْسَ العِمادِي إنه ... لَيْعِّللُ الأحْشا بقُرْبِ بِعادِ
ومما أنشدني قولُه:
سأطْمِسُ آثاراً هَوايَ أثارَها ... وأنفُضُ من ذَيْلِ التَّصابي غُبارَهَا
لقد آن صَحْوِي من سُلافِ صَبابةٍ ... لقد طال ما خاَمرْتُ جَهْلاً خُمارَهاَ
هجْرتُ الهوى والزَّهْوَ حتى اشْتياقَه ... وطيبَ لياليِ الَّلهْوِ حتى ادِّكَارَهاَ
وعفَّيْتُ سُبْلَ الهَزل بالجدِّ مُقلِعاً ... وعِفْتُ مَسرَّاتٍ جنَيْتُ ثِمارَهاَ
أَثامٍ كُفِيتُ اليومَ بالتَّزكِ شرَّها ... لعلَّي غداً في الحشرِ أكْفَى شَرارَهاَ
قَطَفْتُ أزاهيرَ الصَّبابةِ في الصِّبا ... وقد صار عاراً أن أَشُمَّ عَرارَهاَ
فلو صائداتُ القلبِ أقْبَلْنَ كالْمَهاَ ... وقبَّلْنَ رأسِي ما قِبلْتُ مَزارَهاَ
وقد كنتُ أوْدَعتُ الحِجاَ فاسْتَردَّهُ ... إلى النَّفسِ شَيْبٌ قد أعاد وَقَارَها
وكان شَبابي شَبَّ نارَ صَبابتي ... فمُذْ لاحَ نُورُ الشَّيْبِ أخمدَ نارَهاَ
تُرَى شيْبَتي ما عُذْرُها لشَبيبتَي ... وقد صَبَغتْ قبل الكمالِ عِذارَهاَ
تبسَّمَ ثَغْرُ الشِّعرِ فيها تعجُّباً ... لها إذْ رَأَى ليلَ السّبَالِ نهارَهاَ
فما زار وكْرَ الشّعر فيها غُرابُه ... ولا دارَ حتى اسْتوطَن البازُ دارَهاَ
стр. 221
عسى الآن عمَّا قد عَثُرْتُ إنابَهٌ ... يُقيلُ بها للنفسِ ربيِّ عِثارَهاَ
عسى رَحْمةٌ أو نَظْرةٌ أو عِنايةٌ ... يَتِمٌ سُعوِدي في صُعودِ مناَرهَا
عسى نَفحةٌ من نُورِ نُورِ معارفٍ ... تَهُبُّ فتَختارُ الفؤادَ قَرارَهاَ
ويشرحُ صدْرِي نورُ علم مُقدَّسٍ ... يُرِينيَ أسرارَ العلومِ جهارَهاَ
وأُمْنح ألْطافاً من الانسِ أبْتَغِي ... خَفاَها ويأَبْى إلا اشْتِهارَهاَ
وتُكْشَف عن عْينِ البصيرةِ حجْبُهاَ ... بأنْوارِ عِرفانِ تُزِيل اسْتِتارَهاَ
فَيظهرُ لي سِرُّ الحقيقةِ مُسرِقاً ... على ظُلَمِ الكون التي قد أنارَها
وأحْظَى بحالاتٍ من القُرْبِ أكْتَسِي ... بدُنيا وأُخْرى فضْلَها وفَخارَهاَ
ولُطْفُ إلهي قُطًبُ دائرِة المُنَى ... فإنَّ عليه في العطاءِ مَدارَهاَ
وقال قُبَيل موتِه، رحمة الله:
قد شابَ فَوْدِيَ حين شابَ فؤادِي ... فكأنما كاناَ على مِيعادِ
حُسْنَ الخواتِم أرتْجي من مُحْسِنٍ ... قد مَنَّ لي قِدْماً بحُسْنِ مَبادِي
وعِمادِيَ التَّوحيدُ فهْوَ وَسِيلتي ... في نَيْلِ ما أرْجُوه عند مَعادِي
إن قيلَ أيُّ سفينةٍ تَجْري بلاَ ... ماءٍ وليس لأهلها مِن زَادِ
قُلْ رَحمْةُ الرحمن مَن أنا عَبْدُهُ ... تَسَعُ العبادَ فَمَن هو ابنُ عِمادِ
وكتب إليَّ وهو مريض، وقد سمع بعَوْدِي لمصر، ولم يلبَثْ بعدَه إلا قليلا، ما صورتُه:
أسْعَد الله تعالى طالِعَ مصر وما حولها من الأبصار، وأنجَد هذا العصرَ وما يلِيه
стр. 222
من الأعصار، وأبَّد عِزَّة العلومِ وأهْلِيها، وأيَّد دولَة الفضائل وطالبِيها، بدَوام سعادِة أيام عيْنِ أهلِ المعارفِ والمعالي، ووَاسِطة عِقْدهم الغالي، ونادِرةِ فلكِهم العالي، الذي هو صدْر العلماء وبَدْرُهم، ومَن يدور عليه أمرُهم، فكأنهم فلَكٌ هو قُطْبُه، أو جسد هو رُوحُه وقلبُه، علاَّمة العلومِ والمعارِف، وروضةُ الأدب الوَرِيقةِ وظِلُّها الوارِف، شمسُ عصْرِه، وعُزِيز مِصْرِه، جامع المزايَا والمناقِب، شهابُ الفضلِ الثاقبِ.
أُهدِي إلى حضرته العليِّة تُحَفَ التَّحِيّة، وطُرَف الأدْعية المرْضِيَّة.
وأُنْهى إليه شِكايةَ نِكايةِ الشَّوق، واسْتِطالةَ سُلطانِه، ومَدَّ مُدَّةِ البَيْن واسْتطالةَ زمانِه.
وأُهنِّيه برُتْبة الرِّياسة العِلْميّة، التي بعضُ صفاتِها ولايةُ مصر المحمية، جُزْءٌ من آلائِها وآلاتِها، حيث أتَتْ تسْعَى إليه، ومدَّ بالأمر الشَّريف رُواقَها عليه، على أن المولى أنْوَهُ قَدْراً، وأنْبهُ شأناً وذكراً، من أن يُهَنَّى بولايةٍ، وإن أمِرَ أمْرُها، وعلا بين أهل العُلا قدرُها.
ومنصِبُ مصر وإن عظُم موقعُه، فالمولى بحمْدِ الله وتعالى يرفعُه والمنصِب لا يرفُعه، وما شَرَفُه المؤثَّل المعلوم، إلا بفُنون الفضائلِ والعلوم.
وحين بلغنا وصولُه بالسَّلامة بتيْسِير المُيَسِّر، عجبْنا كيف رِكب البحرُ البحرَ، وسلك البَرَّ البَرَّ، وقلنا عاد قُسٌّ إلى عُكَاظِه، وقلنا عاد قيْسٌّ بحِفاظِه.
стр. 223
ولقد أحسن مولانا السلطان، إذ أنام الأنامَ في حِرْزِ العدل والأمان، بنَصْب فيْصَلِ حُكْمِه، وحُسام قضائه؛ لحَسْم مادَّة الظلم وانْتِضائِه، فتحَ بذلك باب دَوْلة العرب، ورَواج بضاعة العلم والفضْل والأدب، فخلَّد اللهُ دولةَ سعادتِه مدَى اللَّيالي والأيام، ونظَم أعوامَ مُدَّةِ سَلْطنتِه في سِلْك التَّأبِيد والدَّوام.
ونسأل الله لحضرتِكُم طول البقاءِ، ودَوام العزِّ والارْتقاء.
стр. 224
أحمد بن شاهين الشَّامِيّ
صديقنا الصَّادقُ الوداد، الفاضل المُستَغرِق بمحاسنِه لمراتِب الأعْداد، قَنَّاص سوانح الأفْكار، حائزُ قَصَب السَّبْق في كلِّ مِضْمار.
أديبٌ حديثُه الحسن كقِطَع الروض، ولذة النَّشْوان، يُخيَّل لسامعِه أنه صَبَّ عليه الْجُمان، وجرَى خِلالَه ماءُ البَيان، تتسابق ألفاظُه ومعانيه إلى القلوب والآذان، حتى لا تدْرِي أيُّهما السابقُ في الولوج للسمع والجَنان، فكم هبَّت شَمْأَلُ شمائِله، فأضْحتْ سماءُ فضائِله، فيا عجباً كيف هَمَي منه النَّدَى، وقد انْقَشع به غمام الغَيِّ عن مطالِع الهُدَى، فهو نُكْتَة عُطارِد، الوارثُ من المجدِ كلَّ طَرِيف وتالِد، حتى أدْنَى جُودُ أيادِيه الحِسان، ولم يشُقَّ غُبارَه سوابقُ الاسْتِحْسان.
وله نَظْمٌ ونثر أرَقُّ من دَمْع الصَّبّ، وأعْذَب من زُلال القَطْر غِبَّ الجَدْب:
стр. 225
لو بَقِيَتْ سِلْكاً على الدُّهورِ ... لعطَّلتْ قلائدَ النُّحورِ
وأخْجَلتْ جواهرَ البُحورِ ... وسُمِّيتْ ضَرائِرَ الثُّغورِ
تُهدِْي إلى الأكْبادِ والصُّدورِ ... رَوحاً يُحاكِي نَفْثَةَ االمصْدُورِ
ولما وافَيْتُ في رحلتي إلى الشَّام، نظَمَنِي وإيَّاهُ في عِقْد الصُّحبة سِلْكُ الأيَّام، في أُوَيْقاتٍ كلُّها أصِيِلٌ وسَحَر، ولا عَيْب فيها سِوى ما بها من قِصَر.
) وكذاك أيَّام السُّرورِ قِصار (
فشرَّفنِي بقصيدةٍ أتْحَفنِي بها، وهي قولُه:
أيُّ دهر قد جادَ لي بابتهاجِ ... وصَباَحٍ لاحَ لي بانْبِلاجِ
وزمانٍ قد مَنَّ لي بنعيمٍ ... وقرانٍ وافَي بأسْعدِ تاجِ
وازْدِيارٍ من غْيرِ وَعْدِ حبيبٍ ... كشفاءٍ من غيْرِ سَبْقِ عِلاجِ
واجتماعٍ لنا بغيْرِ اتَّفاقٍ ... كَغنًى جاء طالباً ذا احْتِياجِ
وسَخاءٍ من الزَّمانِ بأهْناَ ... نِعْمةٍ قد أتَتْ لأحْوج رَاجِ
بقُدوم المولَى الإمام المُفَدَّى ... أحمدَ السَّيِّد الشِّهابِ الخَفَاجِي
الشِّهابُ الذي أضاءَ فضَاءَتْ ... شامُنا مِن سِراجِه الوهَّاجِ
زارَنا في دِمَشْقَ غَيْثٌ رَوِىٌّ ... غَيْثُ علمٍ من طبْعهِ الثَّجَّاجِ
حين وَافَى مِن مِصْرَ والسَّعْدُ عَبْدٌ ... خادمٌ عنده بغيْرِ اخْتِلاجٍ
ولو أنِّي وفَّيْتُ حقَّ قُدومٍ ... ساد حظِّي منه وزادَ ابْتهاجي
стр. 226
كنتُ أفْرشْتُه جُفُونَ عيوني ... ورفَعْتُ الغُبارَ فوق الحجاجِ
عالِمٌ يُخْرِجُ الخَفِيَّ المُعَمَّى ... من علوم الأُلى بلا اسْتِخْراجِ
عنده كالصَّباحِ من كلَّ علمٍ ... مُدْلَهمٍّ كالليل أسْودَ دَاجِ
أشْتَكِي غُرْبَتي إلَيْكَ وأنِّي ... بين أهْلي في خِسَّةٍ واندِمَاجِ
غيرَ أنيِّ شَرْوَى غَرِيبٍ لفقْدِي ... أهلَ وُدِّي وعِشْرتي وامْتزاجي
منهُم عُمْدَتِي الذي كان دهراً ... مُفْتِيَ الشامِ مُستَنِيرَ السِّراجِ
العِمادِيُّ ذاك مَن قد تقَضَّى ... عُمُره في دُعاكَ ضِمْنَ الدَّياجِي
كان واللهِ عِطْرَنا النَّدَّ لَمَّا ... ونلْتَقي في ثنَاكَ حين التَّناجي
كان شيْخِي وكان خِلِّي إذا ما ... نابَنيِ حادِثٌ وطُبٌ مِزَاجي
فرمَتْنِي فيه الليالي عِناداً ... والليَالي معروفةٌ باللَّجاجِ
فتخلَّفْتُ في دِمَشْقَ وحيداً ... في اعْتِقالٍ وهِمَّتي في انْفِرَاجِ
أيها السَّيِّدُ الجليلُ المُفدَّى ... عُجْ بحاَجِي عن سَيْرِ حظِّي السَّاجيِ
فابنُ شاهِين ذو جناح مَهيضٍ ... باءَ إن لم تَرُشْه كالدُّراجِ
كنُ لرِاجٍ من فضل جاهِك عَوْناً ... حيثُ يمْضِي بما ترى مُحتاجِ
جارَ دَهْرِي علىَّ فانظَر لأمْرِي ... لا تكِلْني إلى اهْتمامِ احْتياجِ
стр. 227
رقَّ حالي فاجْبُرْه قبل انْصِداعٍ ... فمُحالٌ في الكَسْر جَبْرُ الزُّجاجِ
كسَتْ مُدَّةً بضاعةُ فضْلي ... وبمْولاي جاء وقتُ الرَّواجِ
بيننا حقُّ نِسْبةٍ لكريمٍ ... ذِي بُكورٍ للمجْدِ مَعْ إدْلاجِ
لابن عبدِ الغنِّي ذاك المُصَفَّى ... جَوْهراً عالياً مَحلَّ التَّاجِ
قدَّس الله روُحَه وحَياهُ ... برضَاهُ من غير سَبْقِ انْزِعاجِ
وابْقَ واسْلَمْ ففي معاليك عنهُ ... خَلَفٌ للمُنَى بلا مِعْراجِ
كلُّ وجْهٍ تأتِيه تلْقاهُ طَلْقاً ... سافرَ البِشْرِ وافَرِ الإنْتاجِ
ومحمد بن عبد الغنيّ المذكور كان قاضيَ العساكر بالرٌّوم، وله) حواشٍ على تفسير البَيْضَاوِيّ (وسنذكره إن شاء الله تعالى، آخر هذه) الرَّيْحانة (.
стр. 228
الأمير منجك بن الأمير محمد بن منجك
الجركسي أصلا ومحتداً، الشامي منشأً ومولدا.
أديب أريب، ونجيب ابن نجيب.
أورق عوده بالشام وأثمر، فإذا عدت السجايا عرضاً فسجاياه جوهر.
نشأ بها والدهر ابيض أقمر، ونادم العيش والعيش اخضر.
وللبقاع تأثير في الطباع، والعرق كما قيل لمغرسه نزاع، ومن كان جار الرياض لبس طبعه برد نسيمها الفضفاض، كما لبس النهر الجاري، درع النسيم الساري؟
стр. 229
وقد نسَجتْ كَفُّ النَّسيم مُفاضَةً ... عليه وما غيرُ الحُبابِ لها حَلَقْ
وقد صحبني بجلق، ونسيمه سجسج، وخيوط شبيبته بيد الكهولة لم تنسج، ولا زمني إذ رأى انعطافي عليه، وشبه الشيء منجذب إليه.
ومدحني بمدائح أطال فيها واطاب، وغنم الصحبة ولم يرض من الغنيمة بالإياب.
ومما كتبه إلى من شعره، وقد طلبت منه ما ودعه في الرحلة.
صورة ما مدحت به مطلع نجوم المعالي، وفلك شموس الموالى، المولى عبد الرحمن حين، قلد صارم الأحكام بدمشق الشام، صينت عن حوادث الأيام:
آلَى الزَّمانُ عليه أن يُوالِيكاَ ... يُثْنىِ عليْكَ ولا يأْتيِ بثاَنِيكاَ
إذا سطاَ فبأحْكامٍ تُنفَّذُها ... وإن سخَا بفضلٍ من مساعِيكاَ
لِيَهْنِ ذَا العيدَ حَظٌّ مِنْكَ حينَ غَدَتْ ... عُلاهُ ثم حُلاَهُ من أياَدِيكاَ
هِلالُه نال فوقَ البدْرِ مَنزلةً ... مُقبَّلاً وجهُه أعْتابَ نادِيكاَ
مُجمَّلاً بأياَدٍ منكَ فائِقةٍ ... مُعطَّراً بَغوالٍ من غَوالِيكاَ
стр. 230
وافَى يُهَنَّى بكَ الدنياَ ونحنُ به ... يا بَهْجةَ الدَّينِ والدنيا نُهَنَّيكاَ
مَن ذا يُضاهِيك فيما حُزْتَ من شَرَفٍ ... ومن يُدانِيكَ في حِلْمٍ ويْحكِيكاَ
فالشمسُ مهْماَ ترقَّتْ فهْيَ قاصِرةٌ ... عن بعضِ أيّسرِ شيءٍ من مَراقِيكا
والبدرُ لَمْحةُ نُورٍ منكَ نُبْصرُها ... والبحرُ قطرةُ ماءٍ من غَوادِيكا
وكلُّ طَوْدٍ تَسامَى فْهو مُحتقَرٌ ... إذا بدَتْ وَهْدةٌ من نحوِ وَادِيكاَ
وكلُّ مْجدٍ فمن عَلْياكَ مُكتسَبٌ ... وكلُّ فَخْرٍ نَراهُ في حواشِيكا
وما حكَى السَّلفُ الماضَي وحدَّثنا ... من السَّجايا بهِ إحْدى التي ِفيكا
تعنُو لعِفَّتِك الزُّهَّادُ مُذعِنَةً ... ويحسُد الفَلكُ الأعْلى مَغانِيكاَ
يا ابنَ الُحساِم الذي للدَّينِ نُصْرتُه ... أنتَ الُمفدَّى وكلُّ الناسِ تَفْدِيكاَ
أعيادُنا كلُّها يومٌ نراكَ به ... وليلةُ القدْرِ وَقْتٌ من لَيالِيكا
ومما مدحت به أيضا المولى المذكور، دام في رغد عيش وسرور:
الناسُ كلُّهمُ شِراءُ عَطائِهِ ... والعِيدُ والنُّورُوزُ من آلائِهِ
يخْتالُ ذَا باَلحلْىِ مِن عَلْيائِه ... شرَفاً وذا بالوَشْى مِن نَعْمائِهِ
стр. 231
قرَّتْ به عينُ الغزالةِ واغْتدَتْ ... مكحولةً في أُفْقِها بضِيائِهِ
ما أنبتَ الأدْواحَ بعد ذُبولِها ... إلا سقُوطُ الطَّلَّ من أَنْوائِهِ
سَلْسالُها ونسيمُها من لُطْفِهِ ... وعَبِيرُها من بعضِ طِيبِ ثَنائِهِ
مولًى أقلُّ هِباتِه الدنيا فقلْ ... ما شئتَ في معروفِه وسَخائِهِ
عَدْلٌ له ما زال يُورِقُ عُودُه ... حتى استظَلَّ الأمْنُ في أَفْيائِهِ
غيثٌ أغاثَ به الُمهْيمِنُ خلْقَهُ ... مُتفضَّلاً وقضَى لهم بقَضائِه
نَجْلُ الذي الأفْضالُ من ألْقابِهِ ... وحُسامُ دينِ اللهِ من أسْمائِهِ
السَّعدُ من خُدَّامِه والعِزُّ من ... أتْباعِه والمجدُ من نُدَمائِهِ
تسْعَى المواسمُ كُلُّها لِرِحابِهِ ... إذ لا بَهاءَ لها بغيْرِ بَهائَهَ
ومما مدحت به إمام الأئمة، موضح المشكلات المدلهمة، يوسف ابن أبى الفتح أمام حضرة السلطان، دام منصوراً مظفراً في كل ان ومكان:
قمرٌ إذا فكَّضرتُ فيه تعتَّباَ ... وإذا رآني في المنام تحجَّباَ
صادفْتُه فتناولَتْ لحظاتُه ... عقلى وأعْرضَ نافراً مُتحجَّباَ
مُتورَّد الوجَناتِ خَشْيةَ ناظرٍ ... أضْحى برَيْحانِ العِذارِ مُنقَّباً
ساومْتُه وَصْلاً فأعْجَم لفظُه ... وأظنُّه عن ضِدَّ ذلك أعْرَباَ
أنا مِنْه راضٍ بالصُّدودِ لأنَّنيِ ... أجِد الهوانَ لدى الهوَى مُستعذَبَا
стр. 232
شيئانِ حدَّثْ باللَّطافةِ عنهما ... عَتْبُ الحبِيب وعَهْدُ أيَّامِ الصَّباَ
وثلاثةٌ حدَّثْ بطِيب ثنائِها ... زَهرُ الرياض وخلْقُ يُوسفَ والصَّباَ
علاَّمةُ الآفاقِ من أشْعارُه ... لعلومِه أضْحَتْ طِرازاً مُذهَبَا
مَن لو رآه البحرُ يوماً مُغضَباً ... لرأيتَه من خَشْيةٍ مُتلهَّباَ
مَن لو أصابَ البرَّ أيسرُ قطْرةٍ ... من راحَتَيْهِ لعاد رَوْضاً مُخْصِباَ
مَن لو نظَمْتُ الشُّهبَ فيه مدائحاً ... لظَننْتُ فِكرِي قد أساءَ وأذْنَباَ
ما نسْمَةٌ سَحَرِيَّةٌ شِحْرِيَّةٌ ... باتَتْ تُعَلُّ من الغَمامِ الأعْذباَ
نَشْوانةٌ وافَتْ تجرَّرُ في الرُّبَى ... ذيْلاً بِمسْكِيَّ الرياضِ مُطيَّباَ
يوماً بأحْسنَ من صِفاتِ جَنابِه أنَّى تَداوَلها اللسانُ وأطْيَباَ
مَن ذا يُقاسُ بماجدٍ جُعِلتْ له ... أرْضاً رِقابُ الحاسدين وقدْ أبَى
ومما مدحت به المبرز في العلوم، المالك أزمة المنطوق والمفهوم، والبارع في المنثور والمنظوم، المرحوم عبد الرحمن العمادي، مفتى دمشق الشام:
بانَ الخَلِيطُ ضُحًى عن الجَرْعاءِ ... فمَن المُقِيمُ لِشِدَّةٍ وعَناءِ
اللهُ يعلمُ أن صُبْحِى في الهوَى ... سِيَّان بعد رَحِيلِهم ومَسائِي
تُطْوَى علىَّ النائِباتُ كأنَّني ... سِرُّ الهوَى وكأنها أحْشائي
وأشدُّ ما يشْكو الفؤادُ مُمنَّعٌ ... في لحْظِةِ دائي ومنهُ دَوائي
стр. 233
رَيْحانةُ الحسنِ التي لعِبتْ بها ... رِيحُ الصَّبا لا رَاحةُ الصَّهْباءِ
تجْري مِياهُ الحُسنِ في أعْطافِه ... جَرْىَ الصَّبابةِ منه في أعْضائي
قمرٌ إذا حسَر القِناعَ مُخاطِباً ... شخَصتْ إليه أعْيُنُ الأهْواءِ
ملكَتْ وِلايةَ كلَّ قلبٍ مُولَعٍ ... لَحَظاتهُ من عالمِ الإنْشاء
إن يُخْفِه ليلُ النَّوى فجبِينُه ... صُبْحٌ ينِمُّ عليه بالأضْواءِ
كم بِتُّ مَطْوِىَّ الضُّلوعِ على جَوّى ... أُغْضِى الجُفونَ به على الأقْذاءِ
فإلى مَ فيه تَهُّتكِى وتَنَسُّكِى ... وعَلى مَ فيه تبسُّمِي وبُكائي
عَلَّ الزَّمانَ يُفيدُني حْملَ الُمنَى ... حيثُ الْتجأْتُ لأوْحدِ العُلماءِ
نَجْلُ العِماد ومَن بنَتْ عزماتُهُ ... بيْتاً دعائِمهُ على العَلْياءِ
مجدٌ سماَ بجَنابِه حتى لقد ... بلغَ السَّماءَ وفاتَها بسَماءِ
تَنْدَى أنامِلُه ويُشرِقُ وجُهه ... فيجودُ باْلآلاءِ والَّلأْلاءِ
يقِظٌ بأعْقابِ الأمُورِ كأنَّما ... جُلِيتْ عليه حقائقُ الأشْياءِ
سُبْحانَ من جَمع الفَراسةَ والهُدَى ... لِجَنابه السَّامِي على النُّظَراءِ
ومَهابَةٌ ساد الوُلاةَ وَلاؤُها ... مَحْفُوفَةٌ بجَلالةٍ وبَهاءِ
وشَمائِلٌ رقَّتْ كما خطَرتْ على ... زَهْرِ الرَّبيعِ بَواكِرُ الأنْداءِ
стр. 234
مولايَ بل مَوْلَى البريَّةِ في صَفَا ... صِدْقِ الطَّوِيَّةِ من بَنى حَوَّاءِ
أنت الذي ما زلْتَ تِرْبَ وِلايةٍ ... وأبو الورَى في طِينِة والماءِ
تتْلُو على سْمعِ المحامدِ والثَّنَا ... آياتِ مدْحِك ألسُنُ النُّعْماءِ
للهِ أمٌّ ما غُذِيتَ بثَدْيِها ... إلا لِبانَ العِزَّةِ القَعْساءِ
أطْلَعتَ شمسَ الفخْرِ في فلَك العُلا ... وحفَفْتَها بكَواكِبِ الأبْناءِ
المالِئُونَ قلوبَ أهلِ زمانِهم ... حُبّاً وأكْنافُ الرَّجا بغَناءِ
والضَّارِبونَ خيامَ سُؤددِهمْ على ... هاَمِ السَّماك ومَفْرِقِ الجوْزاءِ
يا مَورِداً حامَتْ عليه غُلَّتي ... مُذ جِئْتُه مُستسقِياً ورَجائِي
وافَتْكَ من صَوْغِ القريضِ فَرائدٌ ... نُظِمَتْ بأيْدِي الفْهمِ والآراءِ
لا بل سَقَيتَ رياضَ فكرٍ ما حِلٍ ... منَّى بفضْلِك صَيَّبَ الآلاءِ
فهصَرْتُ غُصْنَ معارفٍ ومآثرٍ ... وجنَيْتُ نَوْرَ محامدٍ وثَناءِ
هيْهاتَ ما شِعْرُ الأنام مُقارِناً ... شِعْراً تشرَّفَ منك بالإصْغاءِ
ومما مدحت به أيضاً المرحوم عبد الرحمن العمادي المذكور:
يا ابنَ الأماجدِ أنتَ مِنْ ... أيَّ الأفاضلِ وابنُ مَنْ
كذَبَ الذي حسِب الزَّما ... نَ أتى بمْثِلكُم وظَنّ
стр. 235
أيُقاسَ ما غرس العُلاَ ... يوماً بخَضْراءِ الدَّمَنْ
والآلُ بالغْيثِ المُغِي ... ثِ إذا تَوالى أوْ هَتَنْ
العِلمُ سِرُّ اللهِ لْي ... سَ عليه غيرُكَ يُؤتَمَنْ
والمجدُ سار إلى جَنا ... بِكَ مِن أبيكَ على سَنَنْ
وبك المناصبُ فخرُها ... دون الورَى من قبْلِ أنْ
فإلْيك منَّى روْضةً ... بالشُّكرِ يانِعةَ الفَنَنْ
لِمَ لا يطِيرُ بِىَ الرَّجا ... ء إلى حِماكَ مدَى الزَّمَنْ
وبذَرْتَ لي حَبَّ المُنَى ... ونصَبْتَ لي شَرَكَ المِنَنْ
وملَكْتَ رِقَّ مدائِحِي ... بالخَلْقِ والخُلُقِ الحسَنْ
ومما مدحت به) شيخ الإسلام علم العلماء الأعلام (العلامة قدوة المحققين، وعمدة الفقهاء والمحدثين المرحوم الشيخ احمد المقري المغربي، سقى الله ثراه سحائب الغفران:
فخراً دِمَشْقُ على كلَّ البلادِ بَمن ... أوْلَى البريَّةَ معروفاً وعِرفاناَ
المَقَّرِيُ الذي في بعض أيْسرِ ما ... حوَى من الفضلِ كلٌّ راحَ حَيْراناَ
стр. 236
شمسٌ من الغرْبِ قد كانتْ مشارقُها ... بل دونَها الشمسُ يوم الفخرِ بُرهاناَ
أغَرُّ ما أحْدَقَتْ أيدِي الفِطام به ... إلا وأضْحَى بماء المجْدِ رَيَّانَا
تكاد تقْرأُ في لأْلاَءِ غُرَّتِه ... من سُورةِ العِزَّةِ القَعْساءِ عُنواناَ
له من الفكرِ ما تحْنُو لأيسرِه ... ثواقِبُ الزُّهْرِ إرْشاداً وإذْعاناَ
وسِيرةٌ عن أبى حفْصٍ تلقَّنها ... إلى وَقارٍ يُضاهِي هَدْى سَلْماناَ
مُصاحِبٌ حُسْنَ فعل الخير يعشَقهُ ... مُراقِبٌ ربَّه سِرَّاً وإعْلاناَ
يقْضِي النهارَ بآراءٍ مُسدَّدةٍ ... ويقطعُ الليلَ تسْبيحاً وقُرآناَ
لأيٍّوِرْدٍ نُوَلَّى اليوم وِجْهَتنا ... وقد غدا بحرُه الطَّامِيُّ مُرْجاناَ
لئِنْ مُنِحْنا بلَحْظٍ من مواهبِهِ ... نِلْنا الثُّريَّا وكان الخيرُ عُقْباناَ
شفَى بدرْسِ) الشَّفا (مرضَى دِرايتِنا ... لَّما أفاد مع) الإيضاح (إنْقاناَ
هيْهاتَ هيهاتَ مَن في القوم يُشْبهُهُ ... هل السَّرابُ يُضاهي الغيْثَ هَتَّاناَ
إذا مشَى فعلَى الأعْناقِ مِشْيَتُه ... وإن رأيْتَ رجالَ الحيَّ رُكْباناَ
يا سَّيدَ العلماءِ العاملين ومَن ... هو الإمام المُفدَّى حيثُما كاناَ
أبْرأْتَ ذِمَّةَ دهرٍ جاء يَمْنحُنِي ... بعد الإساءةِ من لُقْياكَ إحساناَ
دهرٌ يُقتَّل آمالي وأوسِعُه ... إذ أنت مِن أهلهِ حَمْداً وشُكْراناَ
فطَأْ كما شِئْتَ لا تنفكُّ مُنتصِراً ... بأَخْمَصَيْكَ من الأعداء تِيجاناَ
стр. 237
واهْنَأْ فأَنت الذي أوْلاهُ خالقُهُ ... من الملائِكِ أنصاراً وأعواناً
واسمَعْ لها من قوافٍ لا يُماثِلُها ... قولٌ من الشَّعر إلا قولُ حَسَّاناَ
واستَجْلِها نُزَهاً لو أنَّها رُزِقتْ ... حظَّا لكانت لعيْنِ الدهرِ إنساناَ
قال: ومما أجبت به لغز في يراع، أرسله إلي الفاضل الذي طابت) بذكر مآثره (الأسماع محمد الكريمي،) وفي ضمنه لغز في مهند (:
فِدَى لك رُوحِي مِن رَشاً مْتَبَّرمِ ... ومن مُنْجِدٍ بالْمستَهامِ ومتْهِمِ
ومِن عاتِبٍ إلاَّ على غير مُذْنِبٍ ... ومِن ظالمٍ إلاَّ غير مُجْرِمِ
سقتْنِي العيونُ النُّجْلُ منك سُلافةً ... جرَتْ قبلَ خلْقِي في عروقي وأعْظُمِي
وأسْلَمني فيك الغرامُ إلى الرَّدَى ... فإن كنتَ مَن يرْضَى بذلك فأسْلَمِ
بعُدتَ ولى في كلَّ عُضْوٍ حُشاشةٌ ... تذُوبُ وطَرْفٌ هامِعُ الْجَفَنِ بالدَّمِ
ولستُ مَلوماً أن مَن أيْقظَ النَّوى ... حُظوظِي التي لم تُجْنِ غيرَ تَنَدُّمِ
جلَبْتُ إلى نفسِي المنيَّةَ عندما ... رمَيتُ فلم تُخْطِئْ فؤادِيَ أسْهُمِي
أتَى اللهُ أن أبْكِى لغير صَبابةٍ ... وأرْتاعَ إلا مِن حبيبٍ بُمؤْلِمِ
стр. 238
سَجِيَّةُ النفسٍ لا تزالُ مَليحةً ... من الضَّيْمِ مَرْمِيّاَ بها كلُّ مُجْرِمِ
أجَمَّعُ شُرَّدَ المعالي وإنَّني ... أبيتُ بفكرٍ في الهوى مُتَقسَّمِ
وأنْدُب أوقاتاً ألذَّ من الُمنَى ... تقَضَّيْنَ لي بين الحَطِيمِ وزَمزمِ
تطارحُني فيهِنَّ ذاتُ تَبَسُّمٍ ... حديثَ هوًى أحْلى من الشُّهْدِ في الْفَمِ
مَوشَّحةُ الأعْطافِ حالِيةُ الطَّلاَ ... تُقلّد عِقْداً من دُموعي ومِن دَمِي
أبَتْ أن تُرَى إلا لِطَرْفِ تفكُّرٍ ... ويَلثِمها إلا شِفَاهُ تَوهُّمِ
أبِيت سَلِيمَ القلبِ منها كأنَّني ... أراقبُ صَفْوَ العيشِ من فَمِ أرْقَمِ
وما أنا مَن يَسْلُو هواها وينْثَني ... إلى أحدٍ غيرِ الكريمِ المُعَظَّمِ
محمدٍ السَّامِي الجَنابِ ومَن غَدَا ... له كَرَمُ الأخْلاقِ دون التَّكَرُّمِ
هُمامٌ لقد أضْحَتْ مآثِرُ فضْلِهِ ... على جَبْهةِ الدنيا كغُرَّةِ أدْهَمِ
ومَوْلًى إذا ضَنَّ السَّحابُ بِوَبْلِهِ ... عليْنَا سَقاناَ مُسْجَماً بعد مُسْجَمِ
له سُؤْدُدٌ حَلَّ السَّماكَيْنِ رفْعةً ... وذلك إرْثٌ فيه من عَهْدِ آدَمِ
وكَفٌّ تحلَّتْ بالسَّماحِ بَنانُهاَ ... بغيْرِ نُضارِ الفضْلِ لم تَتَخَتَّمِ
فما روضةٌ غَنَّاءُ باكيةُ الَحْيَا ... تبَسَّمُ عن ثَغْرَىْ أقَاح وعَنْدَمِ
تُمدَّ بها ريحُ الصَّبا خَطواتِها ... وتَرْفَلُ في ثوبٍ من النَّورِ مُعْلَمِ
بأبْهجَ وجْهاً منه عند هِباتِه ... إذا يَّممت يُمْناهُ آمالُ مُعْدِمِ
فيا ماجداً كل المفاخِر أصبَحتْ ... إلى مجدِه الوَضَّاحِ تُعْزَى وتَنْتَمِي
стр. 239
أتَتْ تتَهادَى منكَ في مِرْطِ دَلَّها ... خَرِيدةُ أفْكارٍ وطَبْعٍ مُسَلَّمِ
وما اصْطَحبَتْ إلا البلاغةَ مَحْرَماً ... وهل غيرُها للبِكْر يُلْفى بمَحْرَمِ
لها صوتُ داودٍ وصورةُ يُوسُفٍ ... وحِكمةُ لُقمانٍ وعِفَّةُ مَرْيَمِ
تُسائِلُنا عمَّا براه إلهنَا ... لتَسْطِيرِ آجالٍ ورِزْقٍ مُقسَّمِ
جَرى قْبلَ خلْق الخلْق في اللَّوْحِ بالذي ... يكونُ وما قد كان مِن قبلُ فاعْلَمِ
يَراعٌ يُراعُ الخَطْبُ منه وإنَّه ... ليُثْمِر من جَدْوَى يَدَيْكَ بأنْعُمِ
أرانِي طريقَ الفضْلِ حتى سلَكْتُه ... وأوْضحَ لي مِن لُغْزِهِ كلَّ مُبْهَمِ
فما اسمٌ رُباعِيٌ إذا بَانَ صَدْرُه ... غدَوْتَ به ذَا لَوْعَةٍ وتَرَنُّمِ
وما هِي إلا بَلْدةٌ في رُبوعِها ... يطيب مُقام المُسْتَهامِ المُتَيَّمِ
وإن مَحت الأفْكارُ من ذَاك ثالِثاً ... بكَيْتَ الصَّبا فيه وعَهْدَ التَّنَعُّمِ
ويُذْكِرُني أخْلاقَك الغُرَّ شِطْرُهُ ... وتحْرِيفُه ضِدٌّ لكم لم يُكَرَّمِ
ويُبْدِى لنا من قَلْبِه الشمسَ في الضُّحَى ... ويطلُعُ فيها أنجُماً بعد أنْجُمِ
وثانِيةِ مَحْمودٌ لدى كلَّ عاشِقٍ ... ومَن ذا يَراهُ مِن وُشاةٍ ولُوَّمِ
ويُسْلِمُني يومَ التَّرَحُّل قلبُه ... ولكنَّه مِن غيرِ كفٍّومِعْصَمِ
ويُوصِلُ ما بين الملوكِ وقَصْدِها ... وإن هَمَّ في أمرٍ على الفوْرِ يفْصِمِ
حَلِيُف نُحُولٍ لم يذُقْ قَطُّ جَفْنُهُ ... مَناماً ولم يطمَعْ بطَيْفٍ مُسَلَّمِ
فَعولٌ ولكن ليس يُدْعَى بفاعلٍ ... قَؤولٌ ولكن ليس بالمُتَكلَّمِ
على أنه قد بان بعْدَ خفائِه ... وأصبحَ مشهوراً لَدَى كلَّ ضَيْغَمِ
стр. 240
فأنْزِلْهُ من نادِيكَ أشْرفَ منزلٍ ... وألْبِسْهُ حَلْياً من قريضٍ مُنظَّمِ
ولولا معانِيكَ العِذابُ وصَوْغُها ... لكان عسيراً بالمديحِ تكلُّمِي
وقابِلْ جوابي بالقَبُولِ تفضُّلاً ... وسامِحْ فإن الفضّلَ للمُتَقَدَّمِ
قال: وقلت متغزلاً:
وافَى الربيعُ فما عليك بِعَارِ ... خَلَعُ العِذارِ ولا ارِْتشافُ عُقارِ
صَهباءُ ليس يجوزُ عندي مَزْجُها ... إلا برِيقَةِ شادِنٍ مِعْطارِ
تدعُ الدُّجى صُبْحاً إذا هيَ أُبْرزتْ ... فكأَنما اعْتُصِرتْ من الأنْوارِ
ُقْم هاتِها حيثُ الهَزَارُ قد اغْتَدَى ... في الأيْكِ مُنعكِفاً على التَّهْدَارِ
طَيرٌ أعاد الغصنَ جُنْكاً رُكَّبَتْ ... أوْتارُه مِن فِضَّةِ الأمْطارِ
وتبُثُّه رِيحُ الصَّبا ويَبُثُّها ... ذِكْرَ الهوى مِن سالِفِ الأعْصارِ
فانْهَضْ لتغْتَنمِ الشَّبيبةَ قبل أن ... يَرْمِي المشِيبُ الصَّفْوَ بالأكدارِ
واشرَبْ على وَرْدِ الرُّبَى إن لم تَجِدْ ... وَرْدَ الخُدودِ لقِلَّةِ الدَّينارِ
وانْصِبْ بفكركَ في الهوى شَرَك المُنَى ... لوقُوعِ ظل أو خَيالٍ سَارِي
هذا ولسْتُ أرَى إذا فُقِد الذي ... أهْوَى جِنانَ الخُلدِ غيرَ النَّارِ
هيْهاتَ ما النَّايُ الرَّخِيمُ ونَشُوةُ ال ... خمرِ القديمِ ونَغْمَةُ الأوْتارِ
وحَنِينُ هيْنَمةِ الرياضِ عشِيَّةً ... وتراسُلُ الأطْيارِ في الأسْحارِ
стр. 241
عِنْدي بأحْسَنَ من مُساجَلةِ الأَحِبَّ ... ةِ بالصَّبابةِ في سَنا الأقْمارِ
من كلَّ معبودِ الجمالِ مُحَكَّمٍ ... فيماَ يَشاَ مُسْتَعْبِدِ الأحْرارِ
قال: وقلت متذكراً لمغاني الأنس التي انمحت آثارها، ولم يبق للاماني ما تشبث به إلا أخبارها:
قَصْرَ الأمير بوادي النَّيْرَ بَيْن سَقَى ... رُباك عّني مِن الوَسْمِىّ مِدْرارُ
كم مَرَّ لي فيك أيّام هَواجرُها ... أصائِلٌ ولَيالِهنَّ أسْحارُ
حيثُ الشَّبيبةُ بِكْرٌ في غَضارَتِها ... وللصَّبابةِ أحْلافٌ وأنْصارُ
حيثُ الرَّياضُ تُغنَّيمي حَمائِمُها ... بالدُّفَّ والجُنْكِ والسَّنْطورُ لي جاَرُ
حيثُ الخمائلُ أفْلاكٌ بها طلَعتْ ... زَهْرٌ من الزُّهْرِ والنُّدمانُ أقْمارُ
حيثُ المُدامةُ رقَّتْ في زُجاجتِها ... يُديرُها فاتِرُ الأجْفانِ سَحَّارُ
عِطْرِيَّةٌ نقضَتْ فيها عوارِضُه ... فَتِيقَ مِسْكٍ له الأرْواحُ سُفَّارُ
ياقُوتةٌ أُفْرِغَتْ في قِشْرِ لُؤْلُؤةٍ ... فَلاحَ للشُّرْب منها النُّورُ والنَّارُ
شمسٌ تعاطَيْتُها من راحَتَيْ قمرٍ ... له من الحسن ما يَرْضَى ويْختارُ
يسْعَى إلى بها تحت الدُّجَى حَذِراً ... من الوُشاةِ لأنَّ الليلَ سَتَّارُ
مُتَوَّجُ الرَّاحِ بالإبْرِيقِ ذا قُرطٍ ... مثل الهلالِ له الجَوْزاءُ زُنَّارُ
стр. 242
يسْقِى وأسْقِيه من ثَغْرِ ومن قَدَحٍ ... إلى الصَّباحِ فمِرْباحٌ وَمِخْسارُ
يضمُّنا بأعالي القصْرِ ثوبُ هوًى ... زُرَّتْ عليه من الأشْواقِ أزْرارُ
أمتَّعُ الطَّرْفَ منَّى في محاسِنِه ... وليس عندي من العُذَّالِ أشْعارُ
حتى تيقَّظَ دهْرِي بعد ما غفَلتْ ... عنَّي حوادِثُه والدهرُ غَدَّارُ
قال: وقلت:
سقَى اللهُ يومَ القصْرِ إذ كان بيْننا ... حديثٌ كُمرْفَضَّ الجُمانِ المُنَضَّدِ
برَوْضٍ يجولُ الماءُ تحت ظِلالِه ... كأيْمٍ مَرُوعٍ أو حُسامٍ مُجَرَّدِ
يلوحُ به قانِي الشَّقيق وقد حكى ... لواحظَ مخْمورٍ كُحِلّنَ بإْثمِدِ
ويَهْمِى به قطرُ النَّدى فتخالُه ... مُبَدَّدَ عِقْدٍ في فِراشِ زُمُرُّدِ
ورَيْحانُة الغَضُّ الشَهِيُّ كأنه ... مَبادِى عِذارٍ فوق خدٍ مُورَّدِ
سقاني به راحَ الرُّضابِ مُهَفْهَفٌ ... فرُحْتُ به لا أفْرُقُ اليومَ من غَدِ
وبتُّ أظنُّ الجُلَّنارَ بدَوْحِة ... نجومْ عَقِيقٍ في سماء زَبَرْجَدِ
إلى أن بدَتْ شمسُ النَّهارِ كأنها ... مَجِنُّ كَمِىٍ قد تحلَّى بعَسْجَدِ
قال: وقلت متغزلا:
قم للمُدامةِ يا نديم فإنها ... شَرَكُ المُنَى وحُبالَةُ الأفْراحِ
حمراءُ صافيةُ المزاجِ كأنَّها ... وَرْدُ الخدودِ أذِيبَ في الأقْداحِ
شمسٌ إذا بزغَتْ لعْيِنك في الدُّجَى ... أغْنَتْكَ عن صُبُحٍ وعن مِصْباحِ
стр. 243
مِسْكِيَّةٌ أنّى فَضَضْتَ خِتامَها ... عَبِق النَّدِىُّ بنَشْرِها الفَضَّاحِ
تفْتَرُّ عن حَبَب ثغورُ كُؤوسِها ... كسِقيط طَلٍّفي ثغورِ أَقاحِ
بسْقِيكَها رَشَأٌ إذا غَنَّى بها ... رقَصتْ لذاك معاطِفُ الأرُواحِ
قال: وقلت أيضاً متغزلاً:
ألَدَيْهِ نَهْبُ النفوسِ مُباحُ ... رَشَأٌ سافِكُ الدَّمَا سَفَّاحُ
أيُّ أسْدٍ تجُولُ حول حِماهُ ... وكِناسٍ له الظُّباَ والرَّماحُ
ابنُ عشرٍ وأربعٍ لو تبدَّى ... في دُجَى الليلِ قلتُ لاحَ الصَّباحُ
وما ربيعُ العيونِ غيرَ مُحيَّا ... هُ إليه أرواحُنا تَرْتَاحُ
ليَ من وَجْنتَيْهِ وَرْدٌ جَنِىٌّ ... م ومُدامٌ من ثَغْرِه وأَقاحُ
تتَدابَى له القلوبُ وإن شَطَّ م ... مَزارٌ وأبْعِدتْ أشْباحُ
إنَّ كُتْبي إليه صُحْفُ الأماني ... وبها الرُّسْلُ بيْنَنا الأرْواحُ
قال: وقلت في الشيب:
لا تَلُمْني على اجْتنابيَ للْكَأْ ... سِ رُوَيْداً فما عَلىَّ مَلامُ
ما ترى الشَّيْبَ فِضَّةً في عِذارِي ... سبَكَتْهُ بنارِها الأيَّامُ
قال: وقلت في غرض اقتضى ذلك:
أساءَ كِبارُنا في الدهرِ حتَّى ... جرَى هذا العقابُ على الصَّغارِ
стр. 244
لقد شربَ الأوائلُ كأْسَ خمرٍ ... غدَتْ منه الأواخِرُ في خُمارِ
قال: وقلت متغزلاً:
ألقى فُؤادِي في أُوَارِى ... قمرٌ سُرَاه مِن اسكدارِ
يْمضِي الدُّجَى ونواظِرِي ... في حُبَّة ترْعَى الدَّرارِي
وأوَدُّ لو علِقَتْ بذيْ ... لِ الوعْدِ منه يَدُ انْتظارِي
يْجنِي فأُبْدِى العذرَ عن ... هـ وليس يْرضى باعْتِذارِي
أتَرَاهُ يدْرِي بالذي ... قاسَيْتُه أم غيرَ دارِ
أشكُو الظَّمأَ أبداً وما ... ء ُالحسنِ في خَدَّيْهِ جارِ
أغْدُو به حَيْرانَ لا ... أدْرِى يميني من يَسارِي
رِيمٌ أبَتْ أخلاقُه ... إلا التَّخَلُّقَ بالنَّفارِ
فعشِقْتُه وعليهِ مِن ... دون الورَى وقَعَ اخْتِيارِي
قال: وقلت متغزلاً:
وشادنٍ أرْكبنِي ... هَواهُ طَرْفَ الخَطَرِ
مُهَفْهَفٍ مُبْتهِجٍ ... يَهْزُو بضَوْء القمرِ
يكادُ أن يشْربَه ... إذا تَبدَّى نظَرِي
стр. 245
أبِيتُ فيه قَلِقاً ... على فِراشِ السَّهرٍ
كأنَّ عقْلِي كُرَهٌ ... لصَوْلجانِ الفِكَرِ
قال: وقلت متغزلا:
بِيَ ريمٌ كِناسُهُ المُرَّانُ ... ما لِقلْبِ من مُقْلتَيِهْ أَمانُ
ذُو عِذارٍ كأنه ظُلْمةٌ الشَّرْ ... كِ ووجْهٍ كأنه الإيمانُ
وكأنَّا من أنْسِه ومُحَيَّا ... هُ بروضٍ تُظِلُّنا الأفْنانُ
خدُّهُ الوردُ والبنُفسجُ صُدْغا ... هُ لعينِي وثَغْرُه الأُقْحٌوَانُ
وكأنَّ الحديثَ منه هو اللُّؤْ ... لُؤ يَرْفَضُّ بيْننا والجُمانُ
وكأن النَّدِىَّ والكأْسُ تُجْلَى ... فيه أُفْقٌ نجومُه النُّدْمانُ
وكأنَّ الأنْفاسَ منه نسِيمٌ ... وكأنَّا إذا شَدَا أغْصانُ
وكأنَّ النُّدمانَ في دَوْحَةِ اللَّه ... وِغُضونٌ ثمارُها الكِتْمانُ
يتعاطَوْن أكُؤُسَ العُتْبِ إذْ طا ... فَ عليهمْ بها المُنَى والأمَانُ
يا سقَى ذلك الزَّمانَ وحَّيا ... هُ مُلِثٌّ مِن الرَّضا هَتَّانُ
زمَنٌ كلُّه ربيعٌ وعيْشٌ ... غُصنُه يانعُ الجَنَى فَيّنانُ
стр. 246
مَرّض لي بالشَّآمِ والعمرُ غَضٌّ ... وشَبابي يَزِينُه العُنْفُوانُ
ابن عَشرٍ وأرْبَعٍ وثَمانٍ ... هِي عيدٌ وبعضُها مِهْرَجاَنُ
قال: وقلت متغزلاً:
نَبَّهْ جُفونَكْ من نُعاسِك ... واسْمَح بريِقك أوْ بكأسِكْ
طاب الصَّبوحُ فهاتِها ... واشْرَبْ معي بحياةِ رَأسِكْ
ما الوَردُ إلا من خُدو ... دِكَ والبَنَفْسَجُ من نُواسِكْ
أفْدِيكَ ظَبيْاً أرْتجِي ... كَ وأتَّقِى سَطَواتِ بَاسِكْ
تخْشَى الأسودُ مَهابةً ... مِن أن تَمُرَّ على كِناسِكْ
قال: وقلت متغزلاً، من قصيدة:
أتُرَى أين حَلَّ أم أين أَمْسَى ... غُصْنُ باَنٍ يُقِلُّ أعْلاهُ شَمْساً
ليتَ أنى وقد ترحَّلَ بِيدٌ ... كُنَّ أمسِ لأسْطُرِ العينِ طرْساَ
لَهْفَ شاكٍ يرى المعاهَد صُماًّ ... بعد ما شَطَّ والمعالِمَ خُرْساَ
صَدَّعُ البَيْنُ منه ثَمّ فُؤاداً ... كان صَخْراً فعاد بالوَجْدِ خَنْساَ
стр. 247
ومنها:
شادِنٌ أظْلمُ الخلائقِ ألْحا ... ظاَ وأمْضَىِ فْعلاً وأكبرُ نَفْساَ
علّمْته الأيَّامُ طُرْقَ التَّجنَّي ... والليالِي أقْرَأْنَه الصَّدَّ دَرْساَ
أطْلَعَ الحسنُ في حديقةِ خدَّي ... هـ وُروداً تركْنَ لَوْنِيَ وَرْساً
ومنها:
طالَما بِتُّ بالخَدائِعِ أسْقي ... هِ ثلاثاً حيناً وأشْرَبُ خَمْساً
نمزُجُ الكأسَ بالحديثِ وما ألْ ... طفَ ذاك الحديثَ معنًى وحِسَّا
لستُ أدْرِى أمِن عُصارةِ خَدَّ ... يْهِ أم الرَّاِح صَفْوُ ما نتَحَسَّى
لا رأَتْ مُقْلتِي مُحيَّاهُ إن كا ... ن فؤادِي يسْلُوه أو يَتَأسَّى
قال: وقلت:
لا تتَّهِمْ بالسوءِ دَهْرَك إنَّهُ ... جَبَلٌ يُجِيبُ صَداكَ منه صَدَاءُ
مِرآتُك الدنياَ وفعلُك صُورةٌ ... فيها فما الشَّنْعاءُ والحَسْنَاءُ
قال: وقلت متغزلاً:
تناَهَى عندَهُ الأملُ ... وقصَّر دونَه العَذَلُ
رَشاً يفْتَرُّ عن بَرَدٍ ... تكاد تُذِيُبه القُبَلُ
стр. 248
يخامِرُ عِطْفَه ثَمَلٌ ... يميلُ به ويْعتدِلُ
يُمثَّل ما يُروَّفُه ... بصَفْحِة خَدَّه الخجَلُ
فليت به كما اتَّصلَتْ ... حشاَيَ الطَّرفُ يتَّصِلُ
إذا ما الخِدْرُ أبْرزَهُ ... تَناهَبُ حُسنَه المُقَلُ
لقد أغْرَاهُ في تَلَفِي ... شَبابٌ ناضِرٌ خَضِلُ
وقَدٌّ حَشْوُهُ هَيَفٌ ... وطَرْفٌ مِلْؤُه كَحَلُ
فما الْخَطَّىُّ غيرَ قَنَا ... قَواٍم زانَهُ المَيَلُ
ولا الهِنْدِيُّ غيرَ ظُباً ... حَواها النَّاظِرُ الغزِلُ
سقَى خَلْساً بذِى إِضَمٍ ... مضَيْن الصَّيَّبُ الهَطِلُ
وعْيشاً حين أذْكرُه ... أمِيلُ كأنني ثَمِلُ
ورَبْعاً كنتُ أعْهَدُه ... وأُنْسِى فيه مُقْتبِلُ
بكَيْتُ دماً على زَمنٍ ... لدَى تَوْدِيعه الأجَلُ
ليالٍ كلُّها سَحَرٌ ... ودهرٌ كلُّه أُصُلُ
) وهي طويلة (قال: وقلت في الحماسة:
لعَمْرُ أبى الرَّاقِي السَّماكَينِ رِفْعَةً ... وحامِي ذِمارَ المجْدِ بالحِلْمِ والبْاَسِ
стр. 249
فما أنا من يرْضَى القليلَ مِن العُلا ... ولا أنا مَّمن يحْتَسِي فضْلةَ الكاَسِ
هي النَّفسُ فاْحمِلْها على الضيْمِ إِنْ تُرِدْ ... لها العِزَّ وانقُضْ راحَتَيْك من النَّاسِ
قال: وقلت أيضاً:
ومُنْتزَه يروقُ الطَّرْفَ حُسناً ... لما فيهِ من المَرْأَى البَدِيعِ
تجولُ كتائِبُ الأزْهارِ فيه ... وقد كُسِبَتْ حُلَى الغَيْثِ المرِيعِ
وبات الوردُ فيها وهْو شاَكِي السَّ ... لاِح يميدُ في الدَّرْعِ الْمَنِيعِ
حكَى مُنْضَمُّ زَنْبقِةِ طُروساً ... وفيها عَرْضُ أحْوالِ الجميعِ
تُنمَّقُ طَيَّها أيْدِي النُّعامَى ... وتبْعثُها إلى مَلِكِ الرَّبيعِ
وقلت إذ أنفذت لبعض الأحبة كتابا، فقبله وتلطف في حسن الجواب:
خُذها سُطوراً إليكَ قد بُعِثتْ ... ترومُ للنَّفسِ ما يُعَّللُهاَ
في طَيَّ بْيضاءَ ظَلْتُ من وَلَهٍ ... فيكَ بأيْدِي اللَّحاظِ أصقُلُهاَ
أكتُبها والدموعُ تَنْقُطُها ... بَعبْرةٍ لا أزالُ أُهْمِلُهاَ
لو كان ظَنَّي إذا بَصُرتَ بها ... نيابةً عن فمِي تُقبَّلُهاَ
لَرُحْت شوقاً إليك مُندرِجاً ... في طَيَّها والنَّسيمُ يَحْمِلُهاَ
قال: وقلت:
مَهْلاً سفينةَ آمالِي لعل بأنْ ... تَهُبَّ يوماً رياحُ اللُّطفِ والكرِم
ويا حُظوظِيَ رِفْقاً لستِ مُدرِكَةً ... غيرَ الذي قسمَ الرحمنُ في القِدَمِ
стр. 250
قال: وقلت أيضاً:
ورَوْضةِ أُنْسٍ بات فيها ابنُ أَيْكَةِ ... يُغرَّدُ والنَّايُ الرَّخِيمُ يُشَنَّفُ
وقد ضمَّنا فيها من الليلِ سابِغاً ... رِداءُ بأكْنافِ الغَمامِ مُسَجَّفُ
فظَلَّتْ عَرانِينُ الأبارِيقِ بالطَّلا ... إلى أن بَدَتْ كافُورةُ الصبحِ تَرْعُفُ
وهذا معنى تصرف فيه وأبدع، وأدار منه على المسامع كأس أدب مترع، وقد سبقه إليه غيره، كابن رشيق في قوله:
صَنَمٌ من الكافورِ بات مُعانِقِي ... في حُلَّتْين تَعفُّفٍ وتَكَرُّمِ
فذكَرْتُ ليلةَ هجْرِه في وَصْلِه ... فجَرتْ بقايا أدْمُعِي كالعَنْدَمِ
فطفِقْتُ أمسحُ مُقْلتِي في جِيدِه ... إذ عادةُ الكافورِ إمْساكُ الدَّمِ
لكنه جعل جيد محبوبة منديله فدنسه، فلو قال:
فجعلتُ عيْني تحت خْمَصِ نْعلِهِ ... إذْ شِيَمةُ الكافورِ إمساكُ الدَّمِ
كان أليق بالأدب.
وممن أجاد في هذا المعنى ابن مرج الكحل الاندلسي، في قوله:
ألاَ بَشَّروا بالصُّبْحِ مِنَّىَ باَكياً ... أضَرَّ به الليلُ الطويلُ مع البُكاَ
следующие страницы →