← Тараджим

Тараджим · id 1522

ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا

الشهاب الخفاجي

Полный текст (456 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

مَرّض لي بالشَّآمِ والعمرُ غَضٌّ ... وشَبابي يَزِينُه العُنْفُوانُ ابن عَشرٍ وأرْبَعٍ وثَمانٍ ... هِي عيدٌ وبعضُها مِهْرَجاَنُ قال: وقلت متغزلاً: نَبَّهْ جُفونَكْ من نُعاسِك ... واسْمَح بريِقك أوْ بكأسِكْ طاب الصَّبوحُ فهاتِها ... واشْرَبْ معي بحياةِ رَأسِكْ ما الوَردُ إلا من خُدو ... دِكَ والبَنَفْسَجُ من نُواسِكْ أفْدِيكَ ظَبيْاً أرْتجِي ... كَ وأتَّقِى سَطَواتِ بَاسِكْ تخْشَى الأسودُ مَهابةً ... مِن أن تَمُرَّ على كِناسِكْ قال: وقلت متغزلاً، من قصيدة: أتُرَى أين حَلَّ أم أين أَمْسَى ... غُصْنُ باَنٍ يُقِلُّ أعْلاهُ شَمْساً ليتَ أنى وقد ترحَّلَ بِيدٌ ... كُنَّ أمسِ لأسْطُرِ العينِ طرْساَ لَهْفَ شاكٍ يرى المعاهَد صُماًّ ... بعد ما شَطَّ والمعالِمَ خُرْساَ صَدَّعُ البَيْنُ منه ثَمّ فُؤاداً ... كان صَخْراً فعاد بالوَجْدِ خَنْساَ

стр. 247

ومنها: شادِنٌ أظْلمُ الخلائقِ ألْحا ... ظاَ وأمْضَىِ فْعلاً وأكبرُ نَفْساَ علّمْته الأيَّامُ طُرْقَ التَّجنَّي ... والليالِي أقْرَأْنَه الصَّدَّ دَرْساَ أطْلَعَ الحسنُ في حديقةِ خدَّي ... هـ وُروداً تركْنَ لَوْنِيَ وَرْساً ومنها: طالَما بِتُّ بالخَدائِعِ أسْقي ... هِ ثلاثاً حيناً وأشْرَبُ خَمْساً نمزُجُ الكأسَ بالحديثِ وما ألْ ... طفَ ذاك الحديثَ معنًى وحِسَّا لستُ أدْرِى أمِن عُصارةِ خَدَّ ... يْهِ أم الرَّاِح صَفْوُ ما نتَحَسَّى لا رأَتْ مُقْلتِي مُحيَّاهُ إن كا ... ن فؤادِي يسْلُوه أو يَتَأسَّى قال: وقلت: لا تتَّهِمْ بالسوءِ دَهْرَك إنَّهُ ... جَبَلٌ يُجِيبُ صَداكَ منه صَدَاءُ مِرآتُك الدنياَ وفعلُك صُورةٌ ... فيها فما الشَّنْعاءُ والحَسْنَاءُ قال: وقلت متغزلاً: تناَهَى عندَهُ الأملُ ... وقصَّر دونَه العَذَلُ رَشاً يفْتَرُّ عن بَرَدٍ ... تكاد تُذِيُبه القُبَلُ

стр. 248

يخامِرُ عِطْفَه ثَمَلٌ ... يميلُ به ويْعتدِلُ يُمثَّل ما يُروَّفُه ... بصَفْحِة خَدَّه الخجَلُ فليت به كما اتَّصلَتْ ... حشاَيَ الطَّرفُ يتَّصِلُ إذا ما الخِدْرُ أبْرزَهُ ... تَناهَبُ حُسنَه المُقَلُ لقد أغْرَاهُ في تَلَفِي ... شَبابٌ ناضِرٌ خَضِلُ وقَدٌّ حَشْوُهُ هَيَفٌ ... وطَرْفٌ مِلْؤُه كَحَلُ فما الْخَطَّىُّ غيرَ قَنَا ... قَواٍم زانَهُ المَيَلُ ولا الهِنْدِيُّ غيرَ ظُباً ... حَواها النَّاظِرُ الغزِلُ سقَى خَلْساً بذِى إِضَمٍ ... مضَيْن الصَّيَّبُ الهَطِلُ وعْيشاً حين أذْكرُه ... أمِيلُ كأنني ثَمِلُ ورَبْعاً كنتُ أعْهَدُه ... وأُنْسِى فيه مُقْتبِلُ بكَيْتُ دماً على زَمنٍ ... لدَى تَوْدِيعه الأجَلُ ليالٍ كلُّها سَحَرٌ ... ودهرٌ كلُّه أُصُلُ ) وهي طويلة (قال: وقلت في الحماسة: لعَمْرُ أبى الرَّاقِي السَّماكَينِ رِفْعَةً ... وحامِي ذِمارَ المجْدِ بالحِلْمِ والبْاَسِ

стр. 249

فما أنا من يرْضَى القليلَ مِن العُلا ... ولا أنا مَّمن يحْتَسِي فضْلةَ الكاَسِ هي النَّفسُ فاْحمِلْها على الضيْمِ إِنْ تُرِدْ ... لها العِزَّ وانقُضْ راحَتَيْك من النَّاسِ قال: وقلت أيضاً: ومُنْتزَه يروقُ الطَّرْفَ حُسناً ... لما فيهِ من المَرْأَى البَدِيعِ تجولُ كتائِبُ الأزْهارِ فيه ... وقد كُسِبَتْ حُلَى الغَيْثِ المرِيعِ وبات الوردُ فيها وهْو شاَكِي السَّ ... لاِح يميدُ في الدَّرْعِ الْمَنِيعِ حكَى مُنْضَمُّ زَنْبقِةِ طُروساً ... وفيها عَرْضُ أحْوالِ الجميعِ تُنمَّقُ طَيَّها أيْدِي النُّعامَى ... وتبْعثُها إلى مَلِكِ الرَّبيعِ وقلت إذ أنفذت لبعض الأحبة كتابا، فقبله وتلطف في حسن الجواب: خُذها سُطوراً إليكَ قد بُعِثتْ ... ترومُ للنَّفسِ ما يُعَّللُهاَ في طَيَّ بْيضاءَ ظَلْتُ من وَلَهٍ ... فيكَ بأيْدِي اللَّحاظِ أصقُلُهاَ أكتُبها والدموعُ تَنْقُطُها ... بَعبْرةٍ لا أزالُ أُهْمِلُهاَ لو كان ظَنَّي إذا بَصُرتَ بها ... نيابةً عن فمِي تُقبَّلُهاَ لَرُحْت شوقاً إليك مُندرِجاً ... في طَيَّها والنَّسيمُ يَحْمِلُهاَ قال: وقلت: مَهْلاً سفينةَ آمالِي لعل بأنْ ... تَهُبَّ يوماً رياحُ اللُّطفِ والكرِم ويا حُظوظِيَ رِفْقاً لستِ مُدرِكَةً ... غيرَ الذي قسمَ الرحمنُ في القِدَمِ

стр. 250

قال: وقلت أيضاً: ورَوْضةِ أُنْسٍ بات فيها ابنُ أَيْكَةِ ... يُغرَّدُ والنَّايُ الرَّخِيمُ يُشَنَّفُ وقد ضمَّنا فيها من الليلِ سابِغاً ... رِداءُ بأكْنافِ الغَمامِ مُسَجَّفُ فظَلَّتْ عَرانِينُ الأبارِيقِ بالطَّلا ... إلى أن بَدَتْ كافُورةُ الصبحِ تَرْعُفُ وهذا معنى تصرف فيه وأبدع، وأدار منه على المسامع كأس أدب مترع، وقد سبقه إليه غيره، كابن رشيق في قوله: صَنَمٌ من الكافورِ بات مُعانِقِي ... في حُلَّتْين تَعفُّفٍ وتَكَرُّمِ فذكَرْتُ ليلةَ هجْرِه في وَصْلِه ... فجَرتْ بقايا أدْمُعِي كالعَنْدَمِ فطفِقْتُ أمسحُ مُقْلتِي في جِيدِه ... إذ عادةُ الكافورِ إمْساكُ الدَّمِ لكنه جعل جيد محبوبة منديله فدنسه، فلو قال: فجعلتُ عيْني تحت خْمَصِ نْعلِهِ ... إذْ شِيَمةُ الكافورِ إمساكُ الدَّمِ كان أليق بالأدب. وممن أجاد في هذا المعنى ابن مرج الكحل الاندلسي، في قوله: ألاَ بَشَّروا بالصُّبْحِ مِنَّىَ باَكياً ... أضَرَّ به الليلُ الطويلُ مع البُكاَ

стр. 251

ففي الصُّبحِ للصَّبَّ المُتَيَّمِ راحةٌ ... إذا الليلُ أجْرَى دَمْعَه وإذا شكا ولا عَجَبٌ أن يُمسِك الصُّبحُ عَبْرَتِي ... فلم يزلِ الكافورُ للدَّمِ مُمسِكا وقد قلت أنا في هذا المعنى أيضاً: وساقَ ليَ السُّرورُ غداً طبيباً ... له طَرَفٌ يُشِير إلى التَّصابِي رأَى في الكأْسِ صُبّض دَمِ الحُمَيَّا ... فذَرَّ عليه كافورَ الحُبابِ قال: ومما قلته أيضاً: سقَى صَوْبُ الحَياَ زَمناً ... سرقْناهُ من الغِيَرِ وقد مَدّ الغَمامٌ رِدَا ... لَه هُدْبٌ من المَطرِ ومما كتبه إلى الأمير منجك: يا وحيداً في السَّجاياَ ... والمزاياَ باتَّفاقِ وشِهاباً في سموا ... تِ العُلى سامِي الطَّباقِ وجَواداً عندَه الأفْ ... راسُ عَرْجاً في السَّباقِ أنْتَ بَحرٌ دونَه الأبْ ... حُرُ من بعضِ السَّواقِي لا تسُمْني حَصْرَ أوْصا ... فِك فكرِي في وِثَاقِ راعَني الدهرُ كما قدْ ... رُعْتَ مِصْراً بالفِراقِ ومما كتبه إلى الأمير أيضاً: قد بشَّرتْك بمِصْرَ بعضُ معاشر ... لم يعلَموا الأقْوالَ في تأْوِيِلهاَ

стр. 252

مِصرُ أقلُّ نَدَى أيادِيك التي ... مِن فَيْضِ نائِلها أصابِعُ نِيِلهاَ وهذا كثير الأمثال، كقول ابن نباته المصري: وافَتْ أصابعُ نِيلِناَ ... فْيضاً وطافَتْ بالبلادِ وأتَتْ بكلَّ مسَرَّةٍ ... ما ذِي أصابعُ بل أياَدِي واحسن من هذا كله قولي من قصيدة نبوية: أصابعُ سيَّدِ السَّاداتِ منها ... لقد رَوَّى الزُّلالُ صَدَى الفُؤادِ فلو منها ينالُ النَّيلُ ظُفْراً ... لما مَصَّ الأصابعَ للتَّنادِي وعهْدِي بالأصابعِ في أيادٍ ... فكم في ذِي الأصابع مِن أياَدِي

стр. 253

الفاضل أبو الطيب بن رضى الدين الغزي، نزيل الشام كان شامة الشام، وغرة الليالي والأيام. وله في الفضل والأدب فنون، ثم تبدلت الفنون كما يقال جنون، فاشتغل بدائه، وصار هوى الأحبة منه في سويدائه، فاعتزل الناس، وصار وسواس حليه حلى الوسواس، بعدما كان طبعه ارق من شمائل الشمال، ومعانيه أدق من دلائل الدلائل. وشعره لفضله شعار، وحسن خطه يتعلم منه الحسن نمنمة العذار. كقوله: صادفْتُه والحسنُ حِلْيَتُه ... كالرَّيم لا رُعثاً ولا قُلباَ والعِيدُ للألْحاظِ أبرَزهُ ... والبدرُ أقربُ منه لِي قُرْباَ

стр. 254

أهْوَى لتهْنِئتي ومَدَّ يداً ... وَفْقَ المُنَى فتناولَ القَلْباَ ومد اليد المعتاد، للمصافحة في الأعياد، مسنون لإظهار القرب والاتحاد، فجعلها لأخذ الفؤاد معنى بديع. ومثله ما قلته في مد اليد المسنون المأمور به في الدعاء، وهو مما لم اسبق إليه، فان أمر السائل بمد اليد، بمعنى خذ ما طلبت وأزيد: دعَوْناكَ من بعد قولِ ادْعُنِي ... فكيفَ نُرَدُّ وكنَّا دُعِيناَ أُمِرْنا بمَدَّ يدَىْ سائلٍ ... ليْملأَها أكْرمُ الأكْرمِيناَ وهذِي وجوهُ الرَّجاءِ اغْتَدتْ ... ترى بِعيونِ الظُّنونِ اليقِيناَ ومن شعره قوله من قصيدة: مؤنَّبي لا برِحْتَ في عَذَلٍ ... فحبَّذا حُبُّه علىَّ وَلِى غُصْنُ دَلالٍ أغَرُّ طلعته ... شمسُ الضُّحَى فوق ناعِمٍ خَضِلِ يجُولُ في عِطْفِه الدَّلالُ إذا ... تحمِل نَقَوَيْهِ فَتْرةُ الكَسَلِ رَقَّمتُ في طِرْس خَدَّه قُبَلاً ... فظلَّ يْمحُو بَنانُه قُبَلِى وأخْجَلَ الوَردَ في نَضارتِهِ ... شَقِيقُ خَدٍّ في وَرْدَتَيْ خَجِلِ

стр. 255

وقوله أيضاً: ترامَتْ نحوها الإبلُ ... وشامَتْ بَرْقَها المُقَلُ فتاةٌ من بني مُصَرٍ ... يُجاذِبُ خَصْرَها الكَفَلُ فما الخَطَّارُ إن خطَرتْ ... وما المَيَّالةُ الذُّبُلُ تَكَنَّفَها لُيوثُ وَغَى ... يُحاذِرُ بأْسَها الأجَلُ لَئن شَطَّ المزَارُ بها ... وأقْفَر دونَها الطَّلَلُ يمثَّلها الفؤادُ بهِ ... ويُدِنيها لَه الأمَلُ وكمْ لي يومَ كاظِمَةٍ ... فُؤادٌ خافِقٌ وَجِلُ وطَرْفٌ بعدَ بُعْدِهمُ ... بِمِيلِ السُّهْدِ مُكتَحِلُ علِقْتُ بها غَداةَ غدَتْ ... مَواطِئَ نعْلِها المُقَلُ فإن سارَتْ بأَخْمَصِها ... تداعَي الوابِلُ الهَطِلُ وإن قرَّت تَقَرُّ العْي ... نُ فِينا يُضْرَب المثَلُ وقوله: لم أَنْسَ ليلةَ زارنِي ... والبدرُ يجنَحُ للغُروبْ ثَمِلاً يميلُ كأنما ... عَبثتْ به رِيحُ الجَنُوبْ ولرَّبما جاد البَخيلُ ... وربَّما صدقَ الكَذُوبْ

стр. 256

فنَهَضْتُ إجلالاً له ... والقلبُ بالُّلقْيا طَرُوبْ وفرَشْتُ خَدَّي مَوْطِئاً ... فمشَى عليهِ ولا لُغُوبْ وضمَمْتُه ولثَمْتُ فَا ... هُ ألذَّ من كأسٍ وَكُوبْ حتى بدَا الإصْباحُ وه ... وَلدىَّ مِن أدْهَى الخُطوبْ ولَوَى به مِن حيثُ جا ... ءَ ومُقْلتِي عَبْرَى سَكُوبْ هذا الذي أهْواهُ إذ ... حازَ البهاءَ على ضُروبْ ملأَ المسامِعَ والخوا ... طِرَ والنَّواظرَ والقُلوبْ وقوله: وشِرْبٍ أدامُوا الوِرْدَ من أكْؤُسِ الطّلا ... وقد أنِفُوا الإصْدارَ عن ذلك الوِرْدِ سقَطْنا عليهم كَي نَلَذَّ لديهمُ ... سُقوطَ النَّدى عند الصَّباحِ على الوَرْدِ وقوله: عاطَيْتهُ حَلْبَ العصير ولا سِوَى ... زُهْرِ السَّماءِ تِجاهَ زَهْرِ المجلسِ أنظُرْ إليهِ كأنه مُتَبَّرمٌ ... مَّما تغازِلُه عيونُ النَّرْجِسِ وكأن صَفْحَة خدَّه ياقُوتةٌ ... وكأنَّ عارضَة خَمِيلةٌ سُنْدُسِ واصله لابن هانئ الأندلسي: عاطَيتْهُ كأْساً كأنَّ شُعاعَها ... شمسُ النَّهارِ يُضِيئُهُ إشْراقُهاَ

стр. 257

أنظُرْ إليه كأنَّه مُتَنَصَّلٌ ... بجُفونِه مما جَنَتْ أحْداقُهاَ وكأنَّ صفْحةَ خدَّه وعِذارَهُ ... تُفْاحةٌ حَفَّتْ بها أوْراقُها وقوله: خالَسْتُه نظَراً وكان مُورَّداً ... فازْدادَ حتى كاد أن يتَلهَّباَ أنظُر إليهِ كأنَّهُ مُتنصَّلٌ ... بجُفونِه من طُولِ ما قد أذْنَبَا وكأن صفْحَةَ خدَّه وعِذارَه ... تُفَّاحةٌ رُمِيَتْ لتَقْتُل عَقْرباً

стр. 258

ومن أربابها المدلجين إلى منازل الفناء، السائرين عند وصولي إلى دار البقاء، الأمجد الاوحد، العلم المفرد: عبد الحق الشامي، المعروف بالحجازي وهو، كما أخبرت به، ذو فضل جسيم، والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم. أما الفصاحة فهو من الغر المحجلين يوم رهانها. وأما الفضائل فهو من السابقين في حلبة ميدانها، المرتضعين در المعالي في حجور الفضائل، المرتدين برود المكارم وشملة الشمائل، العاكفين في حرم العفاف، المعتطفين لجنى الغض القطاف. فمن ثماره المتفتح عنها عيون أنواره، الدالة على طيب المغرس وزكاء المثبت، قوله من قصيدة طويلة: سقَى الرَّبْعَ هَطَّالٌ من المُزْنِ ساكِبُ ... وجادَتْ عليه السُّارياتُ السَّوارِبُ

стр. 259

هَدِيَّةُ رَجَّافِ العَشِىَّ كأنه ... كتائبُ تقْفُو إثْرَهُنَّ كتائبُ وكلَّ صَدوقِ البَرْقِ دانٍ رَبابُة ... تنُوءُ فُوَيقَ الأرض منه الهَيادِبُ تُزجَّيه أنْفاسُ الشَّمالِ وتمْترِي ... ضُروعَ عَزَالِية الصَّبا والجَنْائبُ يُرَوَّي بها في سَيْبِه باطِنَ الثَّرَى ... وتُمْحَى لسُقْياها المُحُولُ اللَّوازِبُ كأنَّ هدِيرَ الرعدِ في جَنَبَاتِه ... هديرُ قُرومٍ هيَّجَتْها الضَّوارِبُ كأنَّ دموعَ المُزْنِ وهْيَ سواكِبٌ ... دموعُ مُحِبٍ فارقَتْه الحبائِبُ فذَاك الحيَا لا زال في أرْبُع الحِمَى ... مَريئاً بِهِ منها الزُّلالُ الخَضارِبُ فتُصِبح منه الأرضُ مُخْضَرّة الرُّبى ... مُجلَّلةً بالرَّيطِ منها الأهاضِبُ ويُصبحُ منثُوراً بها رَيَّقُ الحَياَ ... كما نَثرتْ من جِيدها السَّمْطَ كاعِبُ خمائلُ فيها للظَّباءِ مسارِحٌ ... وفيها لأذيالِ الرياحِ مساَحِبُ وفيها لأطْرافِ الغصونِ ونَوْرِها ... عيونٌ علَتْ من فوقِهنَّ حواجِبُ كأن ثُغورَ النَّوْرِ وهْيَ بواسِمٌ ... بأرْجائِهاَ القُصْوى نجومٌ ثوَاقِبُ تَهادَى ظِباءُ الوحْشِ في عَرَصاتِها ... كما تَتَهادَى في القصورِ المرَازِبُ كأن الرُّسوم الدَّارساتِ تَصَبُّرِي ... عَشيَّةَ حُفَّتْ بالقَطِين الرَّكائِبُ فوا أسفاً لا القلْبُ من سَكْرةِ الهَوى ... يُفِيقُ ولا من غَيْبةِ الشَّوقِ آيِبُ فمن لي بحِفْظِ العهدِ من ذِى صَبابةٍ ... أضاعَتْ هواهُ المُذْنباتُ العواتِبُ

стр. 260

تهُب معي من هَجْعِة العجْزِ رّبما ... تُنَالُ بأشْفاعِ الجُدودِ المطَالِبُ فقد تُدْرَك الحاجاتُ وهْيَ فوائِتٌ ... وقد تَصْدُق الآمالُ وهْيَ كواذِبُ وقوله:) هدية رجاف (المراد بالرجاف: الماء الجاري،) واصل معناه (المتحرك المضطرب، ولهذا سمي البحر رجافاً، كما قاله أهل اللغة. ولهذا أجاد القائل في مرتعش اليد: ما هَزَّ راحتَه سِوى فيْضِ النَّدَى ... والبحرُ مِن أسْمائِه الرَّجَّافُ وقوله:) وفيها لأطراف الغصون (البيت، كقول ابن نباته السعدي، من قصيدة له، مطلعها: رضِبناَ ولم تَرْض السيوفُ القواضِبُ ... نُجاذِبُها عن هامِهِمْ وتُجاذِبُ ومنها: خلَقْنا بأطْرَافِ القَنا في ظُهورِهْم ... عُيوناً لها وَقْعُ السُّيوفِ حَواجِبُ وتابعة أبو إسحاق إبراهيم الغزي، فقال: خلَقْنا لهم في كلَّ عيْنٍ وحاجبٍ ... بسُمْرِ القَنا والبِيضِ عَيْناً وحاجِباً وهنا لنا فائدة نفيسة، وهي ان من أهل المعاني من ادعى أن بيت الغزي أبدع،

стр. 261

لما فيه من الطباق بين السمر والبيض، ورد العجز على الصدر، واللف والنشر، ومراعاة النظير. وادعى انه يجوز أن يراد بالعين فيه الرئيس، وبالحاجب من يتبعه وحجابه، والمعنى أن رماحنا وسيوفنا نالت الحاجب والمحجوب، والرئيس والمرءوس، مع اشتماله على التورية والاستعارة، وهو جمعيه مما خلا عنه البيت الأول، مع ما فيه من الافتخار بقتال الأعداء الثابتين، دون المنهزمين، ف انه لا يفتخر بمثله. وبهذا عيب البيت الثاني أيضاً، وان ذكر صاحب) إيضاح المعاني (انه ابلغ لاشتماله على زيادة معنى، وهو الإشارة إلى انهزامهم، وأطال فيه وأسهب، وبعد وقرب. والحق ما ذهب إليه خطيب المعاني، فان الفضل للمتقدم، وبيت النباتي، أحلى لما فيه من التشبيه البديع، بجعل اثر الطعنة المستديرة) من الرمح (عيناً، وشطبة السيف فوقها حاجباً، والأغراب بجعل الظهر محل العين والحاجب. وأما انهزامهم فلا يدل على عدم شجاعتهم، حتى يخل بالفخر؛ فان الشجاع ينهزم ممن هو أشجع منه، ولهذا قالوا:) الفرار مما لا يطاق من سنن المرسلين

стр. 262

(كما فر موسى حين هم به القبط. وما ذكره من معنى العين والحاجب سخيف، وتخيل ضعيف،) مع أن جعل الضرب في العين والحاجب من العجائب (. وقد مر لي ما نحوت فيه نحو ابن نباتة بعينه وحاجبه، وهو: وتنْظرُه في قلِبيَ الصَّبَّ أعينٌ ... عليْها لَمحْنَّىِ الضُّلوعِ حواجِبُ وما ذكر من النقد عليه نقله ابن الشجري في) أمياله (عن الشريف المرتضى، وقال: انه عاب عليه قوله:) بظهورهم (وقال: لو قال:) بصدورهم (كان امدح؛ لان الطعن والضرب في الصدور أدل على الإقدام والشجاعة للطاعن والضارب، والمطعون والمضروب، لان الرجال إذا وصف قرنه بالإقدام مع ظهوره عليه، كان امدح من وصفه بالانهزام، كما قال أبو تمام:

стр. 263

حَرامٌ على أرْماحِنا طَعْنُ مُدْبرٍ ... وتنْدَقُّ في أعْلَى الصُّدورِ صُدورُهَا ولذا قال بعض المحققين: القول بان قد للتكثير في قوله: قد أتْرُكُ القِرْنَ مُصفَرَّاً أنامِلُه ... كأنَّ أثْوابَهُ مُجَّتْ بفِرْصادِ لمناسبة مقام المدح، من قصور الفهم. رحلة المؤلف إلى حلب ثم لم أزل أتوكا على البيضاء والصفراء، وأقيل تحت قباب الخضراء والزرقاء، حتى قذفتني لهوات المهامة إلى حلب الشهباء، والناس بين مقوض وراحل، وما هذه الأيام إلا عقب ومراحل، إذ ذهب الذين يعاش في أكنافهم كل مذهب، وبقيت في خلف كجلد الأجرب، إن تركته أذى جسدك، وان حككته أدميته ولوثت يدك. على أنَّنِي مِن بعد ذلك كلَّهِ ... وللهِ منَّى الحمدُ عِرْضِىَ أمْلَسُ فألقيت فيها عصا التسيار، عن كاهل العزائم، لما تفتحت بها عن زهرة المسرة خضر الكمائم، فإذا هي روضة مخضرة الأفنان، أو قطعة من الفردوس أهدتها لنا الجنان.

стр. 264

وكأنَّما الخْضراءُ من طَرَبِ بها ... نثَرتْ كواكبَها على الأغْصانِ ولها حصن كأنه وكر لنسر السماء، أو هامة معممة) بسحابة د كناء (. أرضها مفروشة بديباج نبت مرصع بالزهور، وحيطانها مجللة بستائر البهاء والنور. نسيمها أعطر من عرف شميمها، وأهلها الطف وارق من نسيمها، من كل فاضل ملئت بالفضل ثيابه، وما جد قد حشى بالكرم أهابه، وأديب رقت شمائله. فلولا البُرْدُ يُمْسِكُه لسَالاَ وعذبت كلماته ورسائله. فأرْشَفَنا على ظماءِ زُلالا فكان ممن لمعت بوارق بشره، وباحت خواطر نسيم لطفه بأسرار نشره، الفاضل الكامل، المرتدي بحبر الشمائل، العاكف في حرم الافادة، الطالع نجمه من أفق السعادة:

стр. 265

أبو الوفاء بن عمر بن عبد الوهاب الشافعي، العرضي الحلبي فلقيني منه حبر مجيد، وأديب يضع القلادة في الجيد. له فضل لم تنظر عين الدهر لمنافيه، بل كلما أجال طرفه رأى كل المنى فيه، فإذا واد خصيب النوى والثمر، وحديقة منمنمة الأطراف والطرر، سقتها غمائم نداه، وباكرها صيب جدواه، بلا منة لحوامل السحائب، ولا انتظار لقوافل الصبا والجنائب. صرف نقد أوقاته، وراس مال عمره وحياته، في تحصيل ربح الفضل والعبادة،) وترك فضل العيش وفضول الناس لما رأى في تركهما من السعادة

стр. 266

(،) وراى في (كل بكرة وعيشة، حبلى جنين نوائبهما في مشيمة المشية. ولما شمت كرمه وسيبه، وردت ربيعاً زر عليه جيبه، انتدب لملاقاتي، وابتدر وخير أنوار الربيع ما بكر. وكتب إلى مادحاً، ولزند فكري قادحاً قوله: أرَى الشَّهْباءَ للعَليا قِباباً ... ألم تَر أُفْقَها أبْدَى شِهاباَ وقبلُ كسَتْ معالِمَها الدَّياجِي ... مُسَرْبِلةً ذُرَاها والهِضاباَ وكدَّرَ صَفْوَ منهلِها قَتامٌ ... أحال شرابَها الصَّافِي سَراباَ وجرَّعَها كُؤوسَ الجَوْرِ صِرْفاً ... ولو سُقَىِ الغرابُ بها لشاَباَ وكان الجهلُ مُتَّسِعَ الفَيافِي ... يَضِلُّ الألمِعيُّ بها الصَّواباَ وضاق العلمُ ذَرْعاً حين سُدَّتْ ... مناهِجُه وضاق بها رِحاباَ تُعلَّلُها المطامِعُ كاذباتٍ ... وكم عادتْ سحائبُها ضَباباَ إلى أن حَلَّها رُوحُ المعالِي ... وطَوَّقَ عِقْدَ مِنَّتِه الرَّقاباَ إمامُ العلمِ بحْثاً واكْتساباً ... مُشِيدُ الفضْلِ إرْثاً وانْتشاباَ فَواصَلها بغيرِ سباقِ وَعْدٍ ... وفاجَأَها بنِعمتِه احْتساباَ فأهْلأ بالذي منه اسْتنارَتْ ... معالُمها وقد عَزَّتْ جَناباَ وقد وَطِئتْ على هَامِ الثُّريَّا ... ونظَّمتِ النُّجومَ لها نِقاباَ فقَرَّ بِها وقَرَّ بها وِداداً ... وقَرَّ عُيونَ أهْليها اقْتِراباَ

стр. 267

وقد ظفِرتْ بكَنْزِ المجدِ حتَّى ... أحال التَّبْرَ للذَّهبِ التُّراباَ وفاضَ بحارُ كفَّيْهِ علوماً ... وأتْبَعها بمنْطقِه عُباباً ونَصَّر وجْهَ روض الفضل لَّما ... سقاهُ من فوائدِه رَباباَ قد ازْدحَمتْ بمَوْردِه عُفاةُ ال ... فضائلِ حين ما ساَل انْصِباباَ وقد ملأُوا رَكاياهُم ورَامُوا ... ذخائرَه انْتهازاً وانتْهاباً إذا جال السُّؤالُ بفكرِ شخْصٍ ... قُبَيلَ النُّطقِ لَبَّاهُ جواباَ فيا ذُخْرَ العلومِ فدَتْكَ نفْسِي ... ونادَتْك العُلا تَبْغى الثّضوَاباَ أقِلْ قلَمي عِثاراً زلَّ فيه ... فما وَفَّى المديحَ ولا أصاَباَ وكنتُ نبَذْتُ شِعْرِي في قِفارٍ ... نسيتُ الأُنْسَ منه حين غاَباَ إذِ الأيَّامُ قد رفَعتْ بُغاثاً ... فحالَت أنّها تُرْقِى العُقاباَ وظنُّوا أنهمْ كنَزُوا علوماً ... وأيْمُ اللهِ ما ملَكوا نِصاباَ أأمْدحُ مَن بنَظْمِي ليس يَدْرِي ... حَبيباً قد أردْتُ أم الحَبْاباَ وكان القصدُ من قَصْدِي تُجازَي ... من الممدوحِ لو فهِم الخِطاباَ لولا أنَّك السَّامي مقاماً ... له الأفْلاكُ طَأْطَأتِ الرَّقاباَ وكان بمَدْحِك العالي افْتِخارِي ... لما ذَهَّبْتُ بالمدحِ الكِتاباَ

стр. 268

فدُمْ يا زِينةَ الدُّنْيا بمجْدٍ ... تقنَّعت العُلا منه احْتجاباَ ثم كتب بعدها: لقد طفحت أفئدة العلماء بشرا، وارتاحت أسرار الكاملين سراً وجهرا، وأفعمت من المسرة صدور الصدور، وطارت الفضائل بأجنحة السرور، بيمن قدوم من اخضرت رياض التحقيق بأقدامه، وغرقت بحار التدقيق من سحائب أقلامه، وتلألأت غرر المباحث اشراقاً، واجريت مسائل الطالبين في ميادين التوضيح سباقاً. أعنى به جهينة أخبار العلوم، وخازن أسرار المنطوق والمفهوم، المؤسس لدعائم الأحكام فرعاً واصلاً، والسابق في مضمار التحقيقات منذ كان طفلاً. وقد خدمته بهذه القصيدة التي كتبتها عجلاً، وكنت أضمرت إلا أفوه بكلمة منها خجلاً،) لكن ظننت بالمولى كل جميل، ورأيت سترها بذيلي السماح والصفح) من فضله الجزيل. هذا وان العبد كتب تاريخاً سماه) معادن الذهب، في الأعيان) المشرفة بهم حلب سيعرض بعضه عليكم، ويؤتي بأنموذج منه لديكم، وجل القصد أن تكتبوا إلى نسبكم وأشياخكم، ومقروآتكم، وبعض شيء من المنظوم والمنثور، لنطرز حلله بطراز المأثور. والسلام.

стр. 269

وأنشدني من شعره قوله: بوَرْدِ الخدّ رَيْحانٌ مُحِيطٌ ... وتَرْكِي حُبّه لا أستطِيعُ وقلتُ النفسُ خَضْراً يا عَذُولي ... كما قد قلت والزّمن الرّبيعُ وهذا مثل عامي، يقولون:) النفس خضراء، تشتهي كل شيء (. وقولهم:) تشتهي (الخ، جملة مفسرة لخضراء. وكان اصله ما ورد في الحديث:) أرواح الشهداء في أجواف طيور خضر.

стр. 270

أخوه محمد بن عمر العرضي فاضل نجيب حسيب، صحبني وبرد سبابه قشيب، وغصنه في رياض المعالي رطيب: إذ غُصنُ ذاك الشبابِ مُعْتدِلٌ ... لم تطْمَعِ الحادثاتُ في مَيَلِهْ ومخايل النجابة عليه لائحة، وطيور البلاغة في قفص سطور خطه صادحة، بكل ما هو اسر من التهاني، وأمان الظافر بالأماني، وحلل فضله زاه بآدابه طرازها، وعدات الدهر فيه قد حان انجازها، وقد يجود البخيل الشحيح، وكم لاح تحت الرغوة من لبن صريح. فلم تضل فيه الظنون، لما قضت ما في ذمته من الديون، وفكت ما عندها من مغلقات الرهون. فأنشدني من مقطعاته، واهدي إلى من مخبآته قوله: لم أزلْ من صَحيفةِ القلبِ أمْليِ ... في دُجَى الاغْتِرابِ سَطْرَ مِثالِكْ

стр. 271

ناصباً هُدْبَ جَفْنِ عْيني شِباكاً ... فعسَى أن أصِيدَ طَيْفَ خيالِكْ وقوله: يا ليلةً طَالَتْ على عاشقٍ ... باتَ من الوجْدِ على جَمْرِ كليلةِ الميلادِ في طُولها ... تسِحُّ فيها العينُ بالقَطرِ كأنها ثِكْلَى جَنِينٍ لها ... أغرَّ قد سمَّتْه بالفجْرِ وقوله أيضاً: ارْفُقُوا فالْفؤادُ ليس بجَلْدٍ ... وارْحموا ذلَّتي وطولَ عَوِيلي أنا شحَّاذُ حُسنِكم وعيونِي ... يا غُناةَ الجَمالِ كالكَشْكُولِ وقوله أيضاً: قال لي الحبُّ لِمْ وضعْتَ على الأنْ ... فِ عُيوناً وفي عُيونِك مَقْنَعْ قلتُ مذ خَطَّ كاتِبُ الحسنِ نُوناً ... فوقَ ثَغْرِ كحاجبْين وأبْدَعْ فجعلْتُ العيونَ أرْبَعَ عَلَّى ... أن أرَى يا رَشاً حواجبَ أرْبَعْ

стр. 272

وقوله أيضاً: ما قَصُرتْ تلك الليالي التي ... في جُنْحِها بِتُّ سَمِيرَ المِلاحْ لكنَّ أشْواقِي لذاك الرَّشا ... قد عَالَجَنْتِي خوْف وِشْكِ البَراحْ شقِقْتُ جَيْباً كالدُّجَى حالِكاً ... عن صَدْرِه فانْجابَ عنه الصَّباحْ وقوله أيضا: قد رَماني بالهُونِ ساقِي زَمانِي ... فكأنَّي دِرْدِىُّ كاسِ المُدامِ فأرَاقَتْنَي النَّدامى بُظلْمٍ ... في الزَّوايا ومَوْطِئَ الأقْدامِ وقوله أيضاً: عاب قومٌ شُرْبَ المُدامِ ولم يَدْ ... رُوا بأنَّ التَّعْييب عَيْنُ العُيوبِ جَبْرُ قلبِ الأقْداح بالرَّاحِ خَيْرٌ ... في اعْتقادِي من كسْرِ كأسِ القلوبِ وقوله: إن ذاكَ الرَّشَأ الخِشْفَ الذي ... مات عنه وَالِدٌ فهْوَ كَظِيمْ زادَه مَوْتُ أبيهِ قِيمَةً ... كان دُرَّا فغَدا اليومَ يتيمْ

стр. 273

وقوله أيضاً: قد زَهِدْنا عِشْقاً لدِينارِ خَدٍّ ... سَبَكَتْهُ حُسْناً يمينُ البَارِي وتركْتُ النَّوالَ والمالَ علَّى ... أن أرَى فيه مَالِكَ الدَّينارِ وقوله أيضاً: كان عهْدِي بالرُّوم فيها يَضُوعُ ال ... عِلْمُ والآن ضاع فيها العُلومُ شَّيبتْ فَوْدَ سيَّدِ الرُّسْلِ هُودٌ ... ولقد شَّيَبتْ فؤادِي الرُّوم وقوله: كأني وآمالي إذا ما تقَهْقَرتْ ... وبَرْقُ أمانِيّ سَرابٌ وخُلَّبُ عَروسٌ تُجِيد الرَّقْصَ حيناً إلى وَرَا ... وحيناً إماماً وهْيَ بالبَيْنِ تَلْعَبُ وقوله مُضمناً: السَّيفُ لَّما حكاه لْحَظُ ناظِرِه ... ناديْتُه بِلسان في الهوِى لَهِجِ لكِ البِشارةُ فاخْلَعْ ما عليك فقد ... ذُكِرت ثمَّ على ما فيك من عِوَجِ وقوله: أيُّها الرَّيمُ هل تَرِيمُ بنَظْرَةْ ... عَلَّ يصحُو الفؤادُ مِن بَعْدِ سَكْرَهْ بأبي أنْتَ غُصنُ باَنٍ تثَنَّي ... وغدَا يمزُجُ الدَّلالَ بخَطْرَهْ

стр. 274

ألِفُ القَدَّ زانَها نُقْطةُ الخْا ... ل فأضْحَى وواحدُ الحسنِ عَشْرَةْ عارِضٌ أخضرٌ وبِيضُ ثَنايَا ... سَوَّدَا وجهَ عِيشَتي بعد خُضْرَهْ أنت زَهرٌ غضٌّ وقلبي كَمامٌ ... فلماذا أوْقَدْتَ بيْتَكَ جَمْرَةْ زرَعتْ مقلتِي بخدَّيْكَ وَرْداً ... فأجِنْيِ قِطافَ زَرْعِيَ زَهْرَةْ يا أبا عُذْرةَ الملاحةِ إني ... بين مَوْتَي هَواكَ من حَيَّ عُذْرَهْ كَعْبةُ الحسنِ كلَّ وقتٍ إليها ... في ركابِ الُمنَى أحُجُّ بِفِكْرَةْ

стр. 275

ووالد هذين الفاضلين الحبر، علامة زمانه، شيخ الإسلام عمر بن عبد الوهاب العرضي نسيج وحده، وفريد فضله ومجده. بحر لا تكدره الدلاء، ولا تنزف بعض موارده الملاء. لم يزل صدراً للإفادة والإفتاء بحلب، ترعى في ربيع فضله سوائم الطلب. وتآليفه وتصانيفه تنقلها الركبان، وتقف دونها سوابق الحسن والاستحسان. حتى رقى شرف السبعين، وصعد إليها بدرجات السنين، رافلاً في حلل الغنى، حتى جر الدهر عليه أذيال الفنا. وهو آخر من صنف بحلب، وأفاد، وأجاد. ومن اجل مصنفاته) شرح الشفاء (في مجلدات، ولنا عليه اعتراضات، بيناها في) شرحنا (.

стр. 276

وله نظم ونثر، كقوله في) شرح) الكافية للجامي، وله عليه) حاشية جليلة (: لِلِه دَرُّ إمامٍ طالما سَطَعتْ ... أنوارُ أفْضالِه من عِلْمِه السَّامي ألفاظُه أسْكرَتْ أسْماعَنا طَرباً ... كأنها الخمرُ تُسْقَى من صَفَا اللجاَمِ ولشيخه محمد بن الحنبلي فيه أيضاً: لِكافيةِ الإعراب شرْحٌ مُنقَّحٌ ... ذَلولُ المعاني ذُو انْتسابٍ إلى الجَامِي معانِيهِ تُجْلَى حين تُتْلَى كأنما ... هي الخمر تبدُو شمسُها في صَفَا اللجاَمِ ولصاحبنا الشيخ عبد الله الدنوشري: للِه شَرْحٌ به شَرْحُ الصُّدورِ لنا ... كأنَّه الدُّرُّ أو أزْهارُ أكْمامِ قد أسكرَ السَّمْعَ إذ تُتْلَى عجائبُه ... والسُّكرُ لاغَرْ وَمعروفٌ مِن الجاَمِ

стр. 277

صلاح الدين الكوراني الحلبي فاضل، شاعر، ناظم، ناثر، مكثر، مسهب، مطرب، معجب. رايته بحلب يعاني حرفة الوراقة، ويكتب للقضاة الوثائق التي شدت وثاقه، وقد قيده الكبر، وعاقه الدهر أبو العبر، فحجل بين الغرائب والرغائب، وفتل بيد فكره في الذروة والغارب، وهو في مهد الخمول راقد، فمرت به النوائب وهو على طريقها قاعد. وقد كان امتدحني بعدة قصائد، منها قوله: شِهابُ المعالي قد أضاءَتْ به الشَّهْباَ ... وقد أطْلَعتْ من غُرَّ أفكارِه الشُّهْباَ ومن قبلُ أخْبارُ الثَّناءِ تواتَرتْ ... وقد ملأتْ أسماعَنا لُؤلُؤاً رَطْباَ وكان التَّمَنَّي أن يُطابِقَ سْمعُناَ ... نواظرَنا واسْتغرقَتْ قلْبَنا حُبَّاً وقد أعْرَبتْ ألفاظُه مَعْ تأخُّرٍ ... عن السَّبْقِ حتى فاقَتِ العَرَبَ العَرْباَ فمن منطقٍ عذبٍ وفضلٍ مُوجَّهٍ ... إلى المدح إيجاباً وللحاسدِ السَّلْباَ

стр. 278

بنَي غُرَّ أبْحاثٍ له قد تأسَّسَتْ ... فلم يستطِعْ باغِي الجوابِ لها نِقْبَا إذا كان منه الفهمُ في البحْثِ سابقاً ... وذلك منه لا يفارِقُه دَأْباَ فأهلاً بَمن يحْيا به مَشْرِقُ العُلا ... وقد كان كالعَنْقاء جاوَزتِ الغَرْبَا ومن حلَبٍ كان الفِطامُ من الُمنَى ... فقد يبِسَتْ منها ضُروعُ الُمنَى حَلْباَ إلى أن أتاحَ اللهُ بعضَ بقيَّةٍ ... من الحَزم حتى زَاحَمُوا المنْهَلَ العَذْبَا فتَبَّاً لمن قد زاغَ عن وُدَّه وقدْ ... تبَدَّى ثَبُوتَ القولِ إذ أظْهَروا اَلحرْباَ ومُذ قدأتَي هذا الزَّمانُ بمْثِلهِ ... لبيباً عِلمْنا أنه قد حَوى لُبَّا قدِ اغْدَوْدَقتْ يُمْناه من بَرْقِ بِشْرِه ... وقد سحَبتْ غُرُّ المعالي له سُحْباَ وأسْقَت أيادِي فضْلهِ سُحُبَ النَّدى ... وقد غرَستْ من حُبَّه في الحشاَ حَبَّاً له قلمٌ إن ينْفُثِ السَّحْرَ نافعاً ... فما ضَرَّهُ أن لا يغادِرَه عَضْباً فيا مَن له في مصرَ والشام هِمَّةٌ ... وباَعٌ طويلٌ يَبْهَر الرُّوم والعُرْباَ على حلَبٍ لَّما قدِمْتُم تبسَّمَتْ ... ثغورُ مبانِيها وتاهَتْ بكم عُجْباَ وأبناؤُها القومُ الذين مُرادُهمْ ... وِدادٌ ولا يبْغُون مالاً ولا كَسْبَا على ذا مَضى عهدُ الأخِلاَّءِ والذي ... يرُومُ خِلافَ الوُدَّ يستَوْجِبُ السَّبَّا وأشكُو إليكَ الدهرَ عَبْدَك إنَّنا ... نُسائِلُه سِلْماً يجاوبُنا حَرْباً وكم قَعَدتْ عن سبْقِها كلُّ صافِنٍ ... تُساَبِقُها العَرْجاَ وتَلْحَقُها اَلحدْباَ وإنَّي على فِعْلِ الزمانِ لواجدٌ ... بُكاءً على الخنْساءِ في صَخْرِها أرْبَى وقد زَعَمُوا أن الدُّخانَ مُجَفَّفٌ ... فداوَيْتُ دَمْعي في تَناوُلِه شُرْباَ

стр. 279

وفي كلَّ معْنَى فيه قد رَقَّ رِقَّةٌ ... أُعلَّلُه مَن كان سارَقَه غَصْباَ وعبدُك ذيَّاك الصَّلاحُ مُقصَّرٌ ... بمدْحِك لكن لا يقولُ به كِذْباً ولو لم يكن قَيْدُ الكتابةِ عائقي ... وثقلةُ توقيعي الوثائقَ والكُتْباَ لحاولْتُ من عَجَّاج فِكرِك قَطْرةٌ ... كما يشْرَبُ العُصفورُ من مائِه عَبَّا فكيفَ وقد أصْبَحتُ عبداً مُكاتَباً ... ولا عِتْقَ لي حتى أرَى الَّلحْدَ والتَّرْباَ فلا زلتَ في أعْلَى مقامٍ إذا حدَتْ ... حُداةُ حِجازٍ في السُّرَى تُطْرِبُ الرَّكْباَ وأنشدني له: لَعمرُكَ لم أشْرَبْ دُخاناً لأجْلِ أنْ ... تُسَرَّ به نفسٌ تدَانَي خُروجُهاَ ولكن زنابيرُ الهموم لَسَعْنَنِي ... فدَخَّنْتُ حتى يسْتَبِين خُرُوجُهَا ولما أنشدني هذا، أنشدته قطعاً لي في معناه. منها قولي: ما شرِبْتُ الدُّخانَ إذ سِرْتُ عنكُمْ ... لِتَلَةٍّ به عن الأحْزانِ أحْرَقتْني الأشواقُ فالقلبُ منها ... صار بالوجْدَ مَخْزَنَ النَّيرانِ فخشِيتُ الأنْفاسَ تَفْضَحُ حالِي ... فلهذا ستَرْتُها بالدُّخانِ

стр. 280

السيد احمد بن النقيب الحلبي سيد عجنت بماء الوحي والنبوة، وغرست نبعته في ساحة الفضل والفتوة، له مناقب هي الوشى حسناً وبهجة. إذا نُشِرتْ كانت مُمَسَّكةَ النَّشْرِ وغرائب رغائب في الكرم واضحة المحجة. يظَلُّ بها مُستْعبِدَ النَّظمِ والنَّثْرِ اجتليت بحلب محياه، فأكرمني بجوده ونداه، ومدحته شكراً لما اولاه: وكذا الهاشِميُّ مثلُك لا يُمْ ... دَحُ إلا بهاشَمِي الكلامِ فاستعار) ديواني (، واشتغل بمطالعته وانتخابه، وفي اثناء ذلك دعوته فلم يجب،

стр. 281

ثم لا فيته فاعتذر بعد عتابه، بان اشتغاله بالديوان) منع من الملاقاة، وأنشدني له هذه الأبيات: وحقَّك لم أتْرُكْ زيارةَ سَّيدِي ... لِلَوّ يَعُوقُ النفسَ عنه ولا لَيْتِ ولكن بديوانٍ له قمتُ خادماً ... وقد كان فكْرِي قبلَ ذل كالميْتِ فأدْهَشني حُسْنٌ به ظَلْتُ حائراً ... فأدْخلُ في بيْتٍ وأخرجُ من بَيْتِ

стр. 282

القسم الثاني محاسن العصريين من أهل المغرب وما ولاهما

стр. 283

مولاي أحمد أبو العباس المنصور بالله ابن الخليفة أبي عبد الله المهدي بن عبد الله القائم بأمر الله الشريف الحسني: مِن جَوهرِ النبيُّ محمدٌ ... فعليه من نُورِ الإله بَهاءُ ملك الآن، المطوف بفضائله وفواضله جيد الزمان، أنام جيد الزمان، أنام الأنام بيقظة حراسته في حرم، فقالوا في ظل ظليل تحت رياض السعد والكرم. وعطاياه تمائم الفقر واسمه عوذة النقم، وبشر محياه لكل ندى وجود سلم. وله شرف تحسده الشمس في الشرف، وجو جود إذا وكف أقلع السحب عن مجاراته وكف. معدن مجد وحسب، وجوهر سيادة ونسب، جمع بين نزاره ومعده، باع تمد به النبوة والخلافة قبل مده: نَسبٌ تحسَب العُلاَ بحُلاه ... قلّدتْها نجومَها الجوزاء

стр. 284

بدرٌ اتَّخذ أُفق المغربِ هالَة، وبحر ... أفاضَ على كل واردٍ نوَالَه. له كتائبُ آراء الألبابُ سلبها، وبوادر همم ليس إلا الأرواح طلبها. لا تزال تخاطبه، من كل أمر عواقبه، بكلام بين عبيد ولبيد، وحبيب والوليد. أخبرنا الأديب الفشتالي، بقسطنطينية، أنه لما دعت والده شعوب، ووفدت عليه بوارح الخطوب، وجلس أخوه الأكبر مسند الخلافة وسريرها، وظل متزها في روضتها وغديرها، أظهر أنه للملك غير طالب، وأنفق رأس عمره في فتح كنوز العلم والمطالب. فلما مات أخوه قام ولده في محله، واستولى عليه الغرور بخيله ورجله، فأرخى عليه الشباب، ستارة حجبت عنه الصواب، وأشار عليه بعض خدامه، بقتل من بقي من أعمامه، ليصفى من قذى الأكدار ورده، ولم يدر أن من شرب وحده غص وحده، فمد شباك مكائده، وهي من أعظم مصائده، كالحافر بظلفه، على مدية حتفه. وأنّى تُنجِّيهِ من الشرِّ حِيلةُ ... وقد طال ما أوْدَتْ بمُحتالِها الحِيَلْ فلما علم بذلك مولاي أحمد وجف مع أخيه بجيش من الروم وجيش من عنده، قائلا: إن ينصركم الله فلا غالب لكم من بعده، فتمت على ابن أخيه الهزيمة، وعلقت

стр. 285

على جيد تدبيره من الخذلان تميمة، فأصبح لعنان عزمه ثانيا، وذهب لملك الفرنسيس فأمده بما رجع به للحرب ثانيا. فلما التقت الكتيبة السوداء بالكتيبة الخضراء، أقلعت سحابة النقع بعد ما أمطرت ديمة الدماء الحمراء، فكم أسير في غل ندمه، وقتيل طلع بدره في شفق دمه. فما أكثر القتلى وما أرخص الأسرى فولج البحر وأغرق نفسه في ماء الغمر، وقال لقصير عمره بيدي لا بيد عمرو. فقلصت السعادة عنه ظلها، وعقد المحس له عقدة لم يذكر عاقدها حلها، ومله الملوان، وضحك على أمله الخذلان، فتبرجت لأحمد عروس تلك الممالك مهنأة بالرفاء والبنين، وأمست ثغورها لنور محياه ضواحك متهللة بالفتح المبين. فما ألم بتلك الثغور قلحٌ إلا جلاه بمساويك الرماح، ولا نبض عرق كفر إلا فصده بمباضع الصفاح. مع دخوله بيوت الفضل من أبوابها، وتحليه دون ملوك الزمان بحلى آدابها، حتى أنه كان يحضر دروسها، ويحيى بمنطقه الرائق دروسها، ويطلع في سماء ديوانه شموسها. وله شعر وإنشاء، بهما طرز المجد موشى، فهو رب السيف والطيلسان، والقلم المسدد والسنان. لازال المغرب به كامل الأهلة، والشمس تسعى له لتخدم بالسعد محله.
следующие страницы →