Полный текст (456 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
ثم لا فيته فاعتذر بعد عتابه، بان اشتغاله بالديوان) منع من الملاقاة، وأنشدني له هذه الأبيات:
وحقَّك لم أتْرُكْ زيارةَ سَّيدِي ... لِلَوّ يَعُوقُ النفسَ عنه ولا لَيْتِ
ولكن بديوانٍ له قمتُ خادماً ... وقد كان فكْرِي قبلَ ذل كالميْتِ
فأدْهَشني حُسْنٌ به ظَلْتُ حائراً ... فأدْخلُ في بيْتٍ وأخرجُ من بَيْتِ
стр. 282
القسم الثاني
محاسن العصريين من أهل المغرب وما ولاهما
стр. 283
مولاي أحمد أبو العباس المنصور بالله
ابن الخليفة أبي عبد الله المهدي بن عبد الله القائم بأمر الله الشريف الحسني:
مِن جَوهرِ النبيُّ محمدٌ ... فعليه من نُورِ الإله بَهاءُ
ملك الآن، المطوف بفضائله وفواضله جيد الزمان، أنام جيد الزمان، أنام الأنام بيقظة حراسته في حرم، فقالوا في ظل ظليل تحت رياض السعد والكرم.
وعطاياه تمائم الفقر واسمه عوذة النقم، وبشر محياه لكل ندى وجود سلم.
وله شرف تحسده الشمس في الشرف، وجو جود إذا وكف أقلع السحب عن مجاراته وكف.
معدن مجد وحسب، وجوهر سيادة ونسب، جمع بين نزاره ومعده، باع تمد به النبوة والخلافة قبل مده:
نَسبٌ تحسَب العُلاَ بحُلاه ... قلّدتْها نجومَها الجوزاء
стр. 284
بدرٌ اتَّخذ أُفق المغربِ هالَة، وبحر ... أفاضَ على كل واردٍ نوَالَه.
له كتائبُ آراء الألبابُ سلبها، وبوادر همم ليس إلا الأرواح طلبها.
لا تزال تخاطبه، من كل أمر عواقبه، بكلام بين عبيد ولبيد، وحبيب والوليد.
أخبرنا الأديب الفشتالي، بقسطنطينية، أنه لما دعت والده شعوب، ووفدت عليه بوارح الخطوب، وجلس أخوه الأكبر مسند الخلافة وسريرها، وظل متزها في روضتها وغديرها، أظهر أنه للملك غير طالب، وأنفق رأس عمره في فتح كنوز العلم والمطالب.
فلما مات أخوه قام ولده في محله، واستولى عليه الغرور بخيله ورجله، فأرخى عليه الشباب، ستارة حجبت عنه الصواب، وأشار عليه بعض خدامه، بقتل من بقي من أعمامه، ليصفى من قذى الأكدار ورده، ولم يدر أن من شرب وحده غص وحده، فمد شباك مكائده، وهي من أعظم مصائده، كالحافر بظلفه، على مدية حتفه.
وأنّى تُنجِّيهِ من الشرِّ حِيلةُ ... وقد طال ما أوْدَتْ بمُحتالِها الحِيَلْ
فلما علم بذلك مولاي أحمد وجف مع أخيه بجيش من الروم وجيش من عنده، قائلا: إن ينصركم الله فلا غالب لكم من بعده، فتمت على ابن أخيه الهزيمة، وعلقت
стр. 285
على جيد تدبيره من الخذلان تميمة، فأصبح لعنان عزمه ثانيا، وذهب لملك الفرنسيس فأمده بما رجع به للحرب ثانيا.
فلما التقت الكتيبة السوداء بالكتيبة الخضراء، أقلعت سحابة النقع بعد ما أمطرت ديمة الدماء الحمراء، فكم أسير في غل ندمه، وقتيل طلع بدره في شفق دمه.
فما أكثر القتلى وما أرخص الأسرى فولج البحر وأغرق نفسه في ماء الغمر، وقال لقصير عمره بيدي لا بيد عمرو. فقلصت السعادة عنه ظلها، وعقد المحس له عقدة لم يذكر عاقدها حلها، ومله الملوان، وضحك على أمله الخذلان، فتبرجت لأحمد عروس تلك الممالك مهنأة بالرفاء والبنين، وأمست ثغورها لنور محياه ضواحك متهللة بالفتح المبين.
فما ألم بتلك الثغور قلحٌ إلا جلاه بمساويك الرماح، ولا نبض عرق كفر إلا فصده بمباضع الصفاح.
مع دخوله بيوت الفضل من أبوابها، وتحليه دون ملوك الزمان بحلى آدابها، حتى أنه كان يحضر دروسها، ويحيى بمنطقه الرائق دروسها، ويطلع في سماء ديوانه شموسها.
وله شعر وإنشاء، بهما طرز المجد موشى، فهو رب السيف والطيلسان، والقلم المسدد والسنان.
لازال المغرب به كامل الأهلة، والشمس تسعى له لتخدم بالسعد محله.
стр. 286
فمن عقده المنظوم، ورحيق أدبه المختوم، قوله:
حرامٌ على طَرْفٍ يراهُ منامُ ... وحَلَّ لجسمٍ قد خفاهُ سِقامُ
وكيف بقلبٍ في هواهُ مُقلَّبٌ ... وأنَّى له بين الضُّلوعِ مُقامُ
فيا شادِناً يرْعى الحشاَ أنت بالحشاَ ... أما لٍمَحَلٍّ أنتَ فيه ذِمامُ
وأحسن من هذا قول الأرجاني، في معناه:
يرْمِي فُؤادِي وهْوَ في سَوْدائِه ... أتراهُ لا يخْشَى على حَوبائِهِ
ومن البليَّةِ وهْوَ يرْمِي نفسَه ... أن يطمعَ المُشتاقُ في إبْقائِهِ
وهاهنا نكتة أدبية، وهو أن الأرجاني أخذ هذا المعنى من قول الحماسي:
قوْمي همُ قتلُوا أُمَيْمَ أخِي ... فإذا رميْتُ يُصيبُني سَهْمِي
إلا أن هذا لا يُعد سرقة، وإنما هو توليد وانتقال من معنى لآخر يضاهيه، وهو من سحر البلاغة واستخراج مخبآت كنوز المعاني، وقل من يهتدي إليه لدقته.
стр. 287
وكانت بعض حظاياه عليه غضبى، وهي مجردة عليه من هجرها عضبا، فأهدى له حرسي وردة من بستانه، وحياه بشير الربيع بنشرها قبل أوانه، فأرسلها إليها مع أبيات يسترضيها، ويستعطف غصن قامتها بنسيم العتاب ويستعفيها:
وافَى بها البستانُ صِنْوُكِ وردةً ... يْقضِى بها لما مطَلْتِ عهودَا
أهْدَى البَهاَرَ محاجِراً وأنى بها ... في وقتِه كيما تكونَ خُدودَا
فبعثْتُها مُرتاةً بنسيمها ... تُثْنىِ من الرَّوضِ النَّضيرِ قُدودَا
وهو في هذا كمن أهدى للبحر الدر، بل للروض الزهر، ولا أقول التمر لهجر.
وقوله أيضا:
لا وطرفٍ علَّم السيفَ فقَدّ ... في قَوام كقَنا الخَطِّ مَيَدْ
ووميضٍ لاح لمَّا ابْتسمَتْ ... من ثَنايا مثْلِ دُرٍّ أو بَرَدْ
ما هلالُ الأُفق إلا حاسدٌ ... لعُلاها وبَهاها والغَيَدْ
ولذا صار ضئيلاً ناحلاً ... كيف لا يفْنَى من حَسَدْ
стр. 288
وللقطب المكي على منواله:
لا وفَرْعٍ كدُجى الليلِ غَسَقْ ... وجبينٍ ضَوؤُه ضوءُ الفَلَقْ
ومُحيّاً كَلِف البدرُ به ... وخدودٍ من حَوالَيْها شَفَقْ
ما أرى الغِزلان إلا سَرقتْ ... منكِ جيداً والْتِفاناً وحَدَقْ
ثم خافَتْ فتولَّتْ شُرَّداً ... كيف لا يشْرُدُ خوفاً مَن سَرَقْ
ومما بسجته على منواله:
لا وغضنٍ راقَ للطَّرْفِ وَرقَ ... وعليه حُلَلُ اللطفِ ورَقْ
وشموسٍ لم تغِبْ عن ناظري ... والشعورُ الليلُ والخَدُّ الشّفَقْ
وعُيونٍ حَرَّمتْ نومِي وما ... حللَّتْ لي غيرَ دمْعِي والأَرَقْ
ما اْحمِرارُ الَّراح إلا خَجلاً ... من رُضابٍ سِكرتْ منه الحَدَقْ
والذي قد حسَبوه حَبَباً ... فوقَ خدَّ الكأسِ قطراتُ العَرَقْ
) تنبيه (هذا القسم عده أهل البديع من المحسنات كقول عبد الله بن المعتز:
لا ورُمَّانِ النُّهودِ ... فوق أغْصانِ القُدودِ
وعناقيدَ من الصُّد ... غِ ووَرْدٍ من خُدودِ
ورسولٍ جاء بالميِ ... عادِ من غيرِ وَعيدِ
стр. 289
ونعيمٍ من وِصالٍ ... في قفاَ طُولِ الصُّدودِ
ما رأتْ عيني كعِيدٍ ... زارَني في يوم عِيدِ
وقد أشار إليه في) الكشاف (ولم يفهمه كثير من الأدباء؛ لأنه من المعاني الوضعية فلا وجه لجعلها محسنة.
وقد بينه الإمام المرزوقي بما لا مزيد عليه، في شرح قوله:
بَقَّيْتُ وَفْرِي وانحرفتُ عن العُلاَ ... ولَقيِتُ أضْيافيِ بوجْهِ عَبوسِ
إن لم أَشُنَّ على ابن حربٍ غارةً ... لم تَخْلُ يوماً من نِهابِ نُفوسِ
فأشار إلى أنه جعل ما يذم به من الصفات سواء اتهم اتصافه بها أم لا؛ لغاية تنفره عنه، بمنزلة المصائب العظيمة عنده، ثم يجعل مقسما به، تأكيدا لعظيم فظاعته، ففيه كناية عن كناية، أو كناية مرتبة عن المجاز، وهو كثير كقوله:
لئن كان ما بُلّغتَ عَني فلاَمني ... صديقيَ شَلَّتْ من يَدَيَّ الأناملُ
وهذا هو القسم المعدود من المحسنات، وكذلك إذا أقسم على الشيء بنفسه، أو
стр. 290
بمساويه كقوله: وثَناياكِ إنها إغْرِيضُ وقد ذكره الزجاج، وفيه مباحث أخر، ليس هذا محلها.
وأخبرني الأديب الفشتلاني، أنه أنشده يوما قول الإبيوردي:
ولو أنّي جُعلتُ أميرَ جيشٍ ... لما حاربْتُ إلاَّ بالسُّؤالِ
فقال صاحب الترجمة: لو كان الشعر لي لقلت:
ولو أنّي جُعِلتُ أميرَ جيشٍ ... لما حاربْتُ إلاَّ بالنَّوالِ
وفي معناه قولي في بعض الرسائل: أعز حصون العباد، ظهور المطهمة الجياد، وخير من ذب عنك العدى، من ملكت قلبه بالندى.
ونحوه قولي:
بنَيْتُ حصوناً تصُون العُلاَ ... إذا ما بناءُ الملوكِ إنْهَدمْ
حصوناً من العدلِ من حولها ... خنادقُ فيها مياهُ الكرمْ
стр. 291
ولابن الرومي، من قصيدة له:
وحاربَ مِن نَعْمائِه رَيْبَ دهْرهِ ... من البَّر والمعروف جُنْدٌ مُجنَّدُ
ولما بلغه) شرح توضيح إبن هشام (الذي صنفه الأستاذ الخال، في مجلدات، أرسل إليه عطية جزيلة، ورجا منه إرسال نسخة منه.
وصور ما كتبه إليه: من عبد الله المجاهد في سبيله، الإمام المنصور بالله أمير المؤمنين، الشريف الحسني، أمد الله بعزيز نصره أوامره، وظفر بنصره عساكره.
إلى الفاضل الذي إذا نحا من العلوم نحوا رفع علمه توضيحا، وجاز تاليا وهو المقدم، ما تمحض من الخلاصة تنقيحا، وشرح ما خفي إبانة وتصريحا الفقيه المثيل، المتقن المتفنن، لازال يعمر من دست العلم منصه، يعمل في ميدانها وخده ونصه.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 292
أما بعد حمد الله الذي ألهم تثقيف أود اللسان، وفتق منه بالبيان رتقا، وصرف حكمة الإعراب على ألسنة الأعراب، فامتد شأؤها في مجال الإبانة طلقا، وأجرى جياد مقاييسه المطردة فلم يتخلف لاحق عن متقدم سبقا.
والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد الذي أرصده سببا للسعادة سفيرا، ودحض به قوادم الشرك فأصبح مهيضا كسيرا، وأعاض جمعه من السلامة تكسيرا، والرضا على آله وأسرته الغر الزهر الذين ينمو شذا ذكرهم عبيرا، ويروق طراز مجدهم حبيرا.
وعن أصحابه الأعلام، الذين فضوا حلق الضلالة المسرودة ولقيت من عاصف بأسهم مبيدا مبيرا.
وصلة الدعاء لعلي هذا المقام الأحمدي المنصوري الحسني بنصر عزيز يقطف من الفتح زهرات الكمائم وسعد جديد لا يزال قرين عزماته الماضية ما انقدح برق في في مسكة الغمائم، فكتبناه لكم من حضرة مراكش، حاطها الله وصنائع الله تعالى لهذا الجناب النبوي الكريم المولى مطردة لطراد كعوب الذابل وأمداد عنابته المطيفة المحدقة بهذه لإيالة العلية واكفة الغمام الوابل.
هذا، وإنه قد اتصل بنا ما تعرفنا به حسن مثابكم، وإرسالكم لعلى هذا المقام، وإنكم ممن ارتشف مجاجة لثته المسكية الختام، واستوفى إيماض عنايته البازغة الشارق، وشام حياها الواكف غير خلب البارق، ليقمص من قمصها
стр. 293
الموشى أنيق الشارة، ويستشف في حزب من حل منها علوى دارة.
وإلى هذا فتعرفوا أن أمثالكم من حملة المعارف، المتفيئين لظلها الوارف، متمم لهم في هذا الجناب قسط النباهة بين وتر وشفع، ونداء أعلامهم في هذا الباب لم يزل نداء رفع، وجنى الكرامة داني الإهتصار، وحظهم منها الإسهاب الذي لا يخل به اقتضاب وإقتصار، وفئتهم المتحيزة إلى هذا المقام لم تزل بالعناية محفوفة، تتعرف من تنويه المقدار مزيته وشفوفه.
وأما الغرض الذي يممتم، والقصد الذي به ألممتم، من خدمة خزانتنا العلية بتصنيفكم المنقح الفصول، المحرر الفروع والأصول،) شرح توضيح العلامة ابن هشام (الذي أبرز منه مكنونه حتى استنار بعد اكتممام، وترك ذكر خالد غير خالد، ونسخ من صيته الطريف والتالد، فلكم التصريح في الحقيقة، والتفرد بمستتر الإضمار، وسابق الحلبة إنما يعرف آخر المضمار، فقد وقع من محلنا الكريم موقع القبول، وهب لنا من إيثارنا كل صبا وقبول، وتوفرت داعية رغبتنا في إتمامه، وإطلاع جنى زهراته من أكمامه، ليتسق إن شاء الله تعالى في سلك خزانتنا العلية اسمه، ويثبت بحمد الله في فهارسها الكريمة رسمه.
стр. 294
والله تعالى يسدد لكم في غرض التوفيق مرامياً، ويجعل قسطكم من التسديد زاكياً ونامياً.
والسلام.
فصل
المكتوب له هذا المنشور العالي، هو أستاذي وخالي، علاّمة العصر في سائر الفنون، وسر الدهر الذي كان في ضميره عن النقص مصون.
سيبوية عصره، وشافعي زمانه في مصره.
تحفة عطارد، وهدية الفلك في كل ماجد.
صاحب الحسب والنسب، الزاهد العابد، الذي لم تمض له طرفة عين في غير طلب الفوائد.
تخرّج على والدي، ثم لازم العلامة أحمد بن قاسم، والعلامة الشمس الرملي.
ثم بعدهما انتهت إليه الرياسة العلمية، وصدر الإفادة والتأليف والتصنيف.
وبه تخرجت، وبعلمه وبركة دعائه انتفعت.
قدس الله تعالى روحه، وجاد بسحب الرحمة ضريحه:
стр. 295
أبو بكر بن إسماعيل بن شهاب الدين
القطب، الرباني، الشنواني، الوفائي.
وجده الأعلى ابن عم السيد علي الشريف الوفائي، التونسي منشأ ومولداً.
بحر العربية الذي استمدت منه جداول الفضائل، وروض الكمال الذي قامت له الأغصان على سوقها الخمائل.
لو رآه المبرد برد به الغليل، أو أحمد لقال: افدي) بالعين (هذا الخليل.
فكم قرّط وشنّف، وألّف وصنّف.
لم أدر أماء الحياة أحلى أم بحار راحاته، أم ما جرى في ظلمات نقسه المكتحل من عين دواته.
أما ترى القلم بغير روح مسه فمشى، وطرز حلل القراطيس ووشى.
стр. 296
في طرسه جداول تشعبت أنهارها، ونبت من السطور على حافاتها رياضها وأزهارها وأنوارها:
فكأنَّ الزُّهورَ فيها شُموعٌ ... ولِذا قيل إنها أَنْوَارُ
وهو لعمري ممن تشرفت الصفات بذاته، ولذا سميت بالتوابع، وتحيرت العبارات في بديع صفاته، إذ رأت ما لم تره عيون المطامع.
وهو والدي وأستاذي وخالي، ومن التأم في زمن الطلب به شعث حالي.
وهو كما سمعت تلمذ لأبي وتخرج بابن قاسم، وهو الرحلة العلامة الذي هو لعقد الفضل في جيد الدهر ناظم.
وله تصانيف كثيرة شهيرة ك) شرح التوضيح (الذي قرّط به آذان الدهر، وتوج به رأس الكمال وهامة الفخر، ونظم به في جيد الفضل قلائد السطور، فاتضحت حلاوة) القطر (وانتثرت طلاوة) الشذور (:
تلكَ آثارُنا تدلُّ عليْنَا ... فانظُروا بعدَنا إلى الآثارِ
وكنت كتبت إليه مكاتيب بعد رحلتي، وأسر الزمان لي في طول غربتي، منها مكتوب صورته:
وجَد الصَّبا للعاشقين رسولاً ... فشَفى بإهْداءِ السَّلام علِيلاَ
стр. 297
قُل للأحِبةِ أنتُم مذ غنْتُمُ ... لم ألْقَ وجهاً للسُّلوِّ جميلاَ
فخلعْتُ أيَّامَ الوِصالِ قصيرةٌ ... ولبِسْتُ ليلاً للهُمومِ طوِيلاَ
حرس الله تلك الذات التي بدرها لا يخشى سراره، لا زالت مشرقة في سماء المعالي أنواره، وكلاء منها روض كمالٍ المجد أوراقه وثماره، وسقاها من وسمى النعماء كل صيب مغدق، بلَ من ولّى سجاياه ما يزهو به خصب كل ربيع ويورق، وحيا الله ذلك المحيا، وروى مواطن مواطئه التي يفاخر بها ثراه الثريا.
لا زالت الفضلاء لا تنصرف عن ناديه؛ لأنه منتهى جموعها، ولا برحت الفضائل من سحب بناننه مخصبا ربيع ربوعها، كما قلت في قصيدة تمسكت بأذيال أفضاله، وتمسكت بعبير نسمات إقباله:
فرائدُ تزْهُو في تَرائِبِ مدْحِه ... وعندِيَ لولا الجِيدُ ما حَسُنَ العِقْدُ
سقَى اللهُ هاتِيكَ الرُّبى سُحْبَ راحةٍ ... لها نسماتٌ من عواطِفِه تحْدُو
وإنَّ بِقاَعاً قد سقاها بَنانُه ... لينْبُتُ في أرجائِها الفخْرُ والمجْدُ
وأنا أسأل الله تعالى أن يطفئ من البعد ضرام صداه، بمشاهدة ذلك الوجه الذي يقطر منه ماء بشره ونداه، ويحكم في عاتق الفراق، سيوف التداني والتلاق، فإن العبد ما دام في أسر البعد، فكره محبوس في سجن الغرام والوجد، متعلقة به إشراك النوى والنوائب، فهو جازم بألاّ يرفع حجاب همه الناصب.
وكيف لا، وإناء القلب مملوء بولائك، وثوب الحياة لحمته وسداه منسوج بيد نعمائك، فأنت نور حدقة الزمان، ونمو حديقة الجنان، والسلام.
стр. 298
فكتب إلي ﵀:
سلامٌ شَذَاهُ يملأُ الأرض نفْحةً ... تُبلِّغُها منِّي يدُ الصَّباَ
وتحملُها هُوجُ الرِّياحِ إلى العُلاَ ... وتنْشُرها في الأرضِ شرقاً ومغرِباً
وسَقَّى ديارَ الرُّوم والجو عابسٌ ... رذاذَ كمالٍ حلَّ فيها وطنَّبَا
وردَّ عليه الغَيْمُ لُؤلُؤَ حَلْيِه ... ففضَّض هاماتِ النَّباتِ وذهَّباَ
لئن كان عن مِصْرٍ توارَى شِهابُها ... فقد لاح في دارِ الخلافةِ كَوْكباَ
وما كان تأْخِيري جوابَك عن قِلًى ... ولكنَّ ضَعْفي للقريحةِ شَيَّبَا
وشرَّقنِي دمعُ الأسَى وأهاضَنِي ... على أنَّ قلبي مِن فِراقِك غَرَّبَا
نأتْ بك ياقُسَّ الفصاحَةِ بلدةٌ ... وخلَّفتْننِي بعد الفِراقِ مُعذَّباَ
فليت الذي شقَّ القلوبَ يَرُمُّها ... وليتَ الذي ساق القطيعةَ قَرَّباَ
سلام كعرف الروض جر عليه النسيم ذيله، بعدما باتت كؤوس القطر تدار عليه نهاره وليله، فأشرقت شمس نهاره على الروابي والبطاح، وأخذت ترشف ريق الغوادي من شفاه الشقيق وثنايا الأقاح، ونشر كافور الطل مسكى الشذى على مجامر الجلنار، ونصبت على ندى الندى سرادقات من مخيمات الأشجار.
стр. 299
يهدى إلى من ألقت إليه العلوم مقاليدها، وملك من التحقيقات الفكرية طارفها وتليدها، أفصح من وشى وجوه الطروس بخطوط المعارف، وأسبل على عرائس الألفاظ فواضل المطارف.
لا زالت عوارف المعارف عليه منهلة، وذيول مجده من بحار المكارم مبتلة.
وبعد فقد ورد علينا المشرف الكريم، فألقينا عليه عصى التسليم، واجتنينا من قطوفه الدانية باكورة التسجيع، وتصدينا من غصون همزاته حمائم الترجيع، ورأيناه قد اشتمل على عتب أرق من دمعة الكئيب، وألطف من معاتبة الحبيب للحبيب.
غير أن عذري مقبول لا يرد، وطول الأسى رفيق لا يود فإن المرض لازمني منذ سنوات ملازمة النجوم للأفلاك، ونصب لصيد الصحة فخاخه والشباك، لا يفارقني إلا مفارقة الجفن للعين، كأنه غريم ملح له على دين.
كأنّ السُّقْم مُحتاجٌ لجسْمِي ... فما ينْفَكُّ عنه قَيْدَ شِبْرِ
إن أردت القيام من مضجعي فلابد من معين، وإن مشيت فلا أستغني عن عصا وقرين.
رفضت يدي القلم وطالما حملته، وجفا يميني بعدما أرضعته من جداول النوال وغذته.
وارتعشت اليد لفراقه أسفا وندما، وصار وجدان الطروس بعده عدما، وأصبحت كأني من أهل الكهف والرقيم، لا أعرف كم لبثت من السنين، وإن كان عندي المقعد المقيم، والسلام.
стр. 300
وما شكاه في كتابه، فالج رماه بأوصابه في دهر أثقله بمصائبه، وعضه بأنياب نوائبه، فكساه لباس البأس والضر، وخلع ثوب الحياة، فقال:
فثوباً لَبِسْتُ وثوباً أجُرّ
وقلت لما أتى نعي وفاته، مضمنا:
رحمَ اللهُ أوْحدَ الدَّهرِ مَن قد ... كان من حِلْيةِ الفضائل حَالِي
ذاك مَن قلتُ سَلْوةً إذ نَعُوه ... ليْسَ حيٌّ على المَنُونِ بخاَلِ
والمصراع الأخير شاهد لترخيم خالد، كما ذكره النحاة.
ولما جاء نعي الخال، أخبرت بموت الوالد أيضا، فقلت في مرثية له:
كأنَّ الليالي غالطَتْني ولم أكُنْ ... أُقدَّرُ أن أغْترَّ بالمكْرِ والحِيَلْ
فقالتْ إذا أعطيْتُكَ الأْمنَ عاجلاً ... من الرُّزْء هل ترْضَى فقلتُ لها أجَلْ
فجاءتْ بفَقْدِي للّذين أحِبُّهمِْ ... وقالتْ لهذا كنتُ أعْنِي فلا تسَلْ
لأنَّيَ لا أخْشَى مُصاباً بُعَيْدَ ذَا ... فالله رَيْبُ الحادثاتِ وما فَعَلْ
وهذا معنى مشهور في كلم فصحاء العرب، ولكنني تصرفت فيه، مع تسمية النوع، تصرفا يعرف حسنه من ذاق حلاوة الأدب.
وفي هذا المعنى يقول الصولي:
كنْتَ السَّوادَ لمُقْلةٍ ... تبْكي عليكَ وناظرُ
стр. 301
مَن شاء بعدَكَ فليَمُتْ ... فعليكَ كُنتُ أحاذِرُ
وهو رثاء في ابن له، وأخطأ صاحب) الموهبة اللدنية (إذ زعم أنه رثاء في النبي ﷺ ، وعزاه لغير قائله.
وفي معناه قول الآخر:
فكلُّ ما كنت أخْشَى قد أصِبْتُ بهِ ... فليس بعدهمُ مِن فائتٍ جَزَعُ
وقال آخر:
اعْتَضْتُ باليأسِ منه صَبْراً ... واعْتدَل اُلحزْنُ والسُّرورُ
فلستُ أرجو ولستُ أخْشَى ... ما أحدَثتْ بعدَه الدُّهورُ
فليَجْهَدِ الدَّهرُ في مُصابِي ... فما عسى جَهْدُه يُضِيرُ
وقال أشجع:
فما أنا مِن رُزْءٍ وإن جَلّ جازِعٌ ... ولا بسُرورٍ بعد مَوْتِكَ فارِحُ
وقال غيره:
لَعمْرِي لئِن كُنَّا فقَدْناكَ سيِّداً ... يحِقُّ لنا طُولُ التَّحزُّنِ والهَلَعْ
لقد جرَّ نفْعاً فقْدُنا لكَ إنَّنَا ... أمِنَّا على كلِّ الرَّزاياَ من الجَزَعْ
وقيل لأم الهيثم - وهي امرأة مع بلاغتها لها علم باللغة، والأزهري كثيراً ما ينقل عنها في) تهذيبه (- لما مات ابنها: ما أسرع ما سلوت عن الهيثم! فقالت: أما والله، لقد رزئته كالبدر في بهائه، والسيف في مضائه، والرمح في
стр. 302
روائه، والله، لقد فريت كبدي، وتصدع قلبي لفقده وبعده، وما اعتضت به إلا الأمن من الرزايا بعده.
وقد أوضح هذا المعنى القائل:
ومَن سَرَّهُ أن لا يَرى ما يسوءُه ... فلا يتَّخِذْ شيئاً يخافُ له فَقْدَا
وهو باب واسع، لو أردنا نظائره سحبنا ذيل المقال، على اثر الملال، فلنقتصر على مقدار الكفاية منه.
стр. 303
محمد الفشتالي
وزير مولاي أحمد
أديب فاس، وريحانة فضلائها الأكياس.
تقدم فيها متقلداً قلادة إنشائها، فائقا برسائله على سائر أدبائها.
وكان في عصره من أجل وزرائها، رافلا في حلل الحبور، تبسم له الدولة الأحمدية بثغور السرور.
وعاد إلى القسطنطينية رسولا من ملك الغرب والعود أحمد، معينا للسفارة وهل أحد أولى بالرسالة من محمد؛ لأنه ممن ألقى إليه مقاليد النهى البشر، وسلمت إليه يد التدبير مفاتيح الرأي والحذر.
وكان بها كثيرا ما يجلو على كأس أنسه، ويسامرني بليل سمره ونقسه، ونحن في مضمار المحاورة نتجارى، حتى مضى لنا معه أُويقات أقصر من إبهام القطاة والحبارى، وأقصر من عمر تلاقي الأحباب، بل سالفة الذباب؛ لأنه ممن أحكم عرى المجد، وجذب عنان الشعر وأحكم الحل والعقد.
فكنت إذا جاذبته أهداب الآداب، وأجلت في ناديه قداح الخطاب، كأني جاث بن الفرزدق أو جرير، لأنه بصير بعورات الكلام خبير.
стр. 304
ولما ورد الروم، كتبت له مهنئا بالقدوم:
قُدومٌ له هذِي الثُّغورُ بواسِمُ ... وليس له غيرُ الزُّهورِ مَباسِمُ
مَسَّراتُ إقبالٍ وعزْمُ قوادِمٍ ... عليها لِطَيْرِ رَفَّتْ قوادِمُ
على فَتْرةٍ وافيْتَ للرُّومِ مُرسَلاً ... فضاءَتْ بنُورِ العلم منها المعالِمُ
فهل أهْدَتِ الأيامُ أعيادَها لناَ ... ففي كلِّ وقتٍ مذ قدِمْتَ مواسِمُ
هذا هناء عرائسه على الألباب مجلوة، وآياته المحكمة بلسان الزمان متلوَّة، سرَّت به الليالي والأيام، حتى كأنه في فم الدنيا ابتسام.
ولعمري لقد أبان هذا الرسول من المرسل كماله، ولا غرو أن خص محمد في زماننا بالرسالة.
قدوم ذهب الأفق في البكر والآصال، وهبت على رياض مجده نسمات الإقبال وقد جريت في هذه التهنئة من الأدب على سننه، وأردت أن تحيى بها فرائض مذهبه ومؤكدات سننه.
فمن مولاي تجتنى ثمرات الألباب، وتطرز حال المعارف والآداب.
فهذا زمان طلعت فيه شمس الفضل من مغربها، فإن فتح مولانا كنوز فكره فالعبد أحق بمطالبها، والسلام.
стр. 305
فأجاب بقوله:
جُذيْلُ حِكاكٍ قد رمى بعظَيمةٍ ... كثاَلثةِ الأثْفَى وهُنَّ عظائِمُ
وذكَّرنِي الظَّعْنَ الذي قد نسِيتُه ... فتىً مُبْشِرٌ بل مُنْذِر لا يُقاوَمُ
كأنِّيَ بالفضلِ الذي هو أهلُه ... يُغطَّى عِراقاً وهو بالنَّقْصِ عالِم
طالعت، أبقاكم الله، السحاة التي لو رآها الفتح لما انفتح له إلى الإحسان باب، ولو طالعها البديع ما ارتدى من مميسه بجلباب.
أقسم بتلك الفقر والقوافي، وهن القوادم في جناح الإحسان والخوافي، لقد سقتني من الأنس بعد الصحو كأسا دهاقا، وملأت فكري وهو المظلم بتنائي السكن إضاءة وإشراقا.
وإني لتارك لعتاب الليالي، إذ جمعتنا في هذه الديار بأمثالكم، لازلتم تقيمون رسوم المعالي، وتجمعون في المكارم بين المقدم والتالي، بمنه وطوله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وله ماء شعر تشربه أفواه الأسماع، ورياض منثور تغرد حمائم قوافيه بمطرب الأسجاع.
стр. 306
فمما دار بيني وبينه من كؤوس المخاطبة، وجال من جياد القول في مضمار المكاتبة، وأنا مسجون بالروم، وليس لي غير القضاء والقدر سجان، في ديار ترى العربي فيها غريب الوجه واليد واللسان، قولي ملغزا في حبات الأحقاق، الملتفة تحت أغصان المعاطف على كثب الأرداف:
أيا رَوْضاً له ظِلُّ ... وشمسُ معارفٍ تعلُو
ويا مَن قولُه فَصْلٌ ... وعُنْصُر ذاتِه فَضلُ
أبِنْ لي ما مُقَيَّدةٌ ... برِدفٍ مالَهُ وَصْلُ
بلا قلبٍ مُحجَّبةٌ ... ومنها العَقْدُ والحَلُّ
على بابِ المسَرّةِ أو ... على كنْزِ الهوَى قُفْلُ
ويحسنُ عَقْدُها لكن ... إذا حلَّيْتَها تحْلُو
فأجاب، وأجاد:
وفِكْرٍ طَلُّهُ وَبْلُ ... لنَدْبٍ فضْلُه أصْلُ
ونظمٍ أرْفَعُ الشُّهبِ ... لأدْنِى قَدرِه نَعْلُ
لَهذِي فَتْكَةٌ بِكْرٌ ... عَتَا في بَدْئِها نَصْلُ
وحُزْتُم قصَبَ السَّبقِ ... فلم يَعُدْ لكم خَصْلُ
وفُزْتُمُ من ثناً جَزْلٍ ... بما ليس له مِثْلُ
فلا زِلْتُمْ ولا زالَتْ ... بكمْ ساعاَتُنا تَحْلُو
وكتبت له ملغزا أيضا:
أيُّها المفرَدُ الذي صار جمعاً ... في المعالِي ورَقَّ لفظاً وطَبْعاَ
أيُّ شيءٍ لدى السَّمواتِ يُلْفَى ... وهْوَ في الأرض بالجَرَاءةِ يَسْعَى
стр. 307
ذُو ثلاثٍ وأربعٍ إن عَدَدْنَا ... وتراهُ إذا تحقَّقْتَ سبعاَ
فأجِبْنِي بجوْهرٍ من نِظامٍ ... كي أُحَلِّي به لساناً وسَمْعاَ
فأجاب، وأجاد:
يا بديعاً حاز المحاسِنَ طَبْعاَ ... وكريماً له المحامِدُ تَسْعَى
لِيَ لُغْزاً أهديتَه في برودٍ ... من مَعانٍ كأنّضها وَشْيُ صَنْعاَ
حاكَه فِكْرُ ماهرٍ قد تنَاهَى ... في ضُروبِ البيان أصْلاً وفَرْعاَ
خامسٌ من بُروجِ دائرةِ الشَّم ... سِ وفي الغابِ بالضُّبارِمِ يُدْعَى
لميَادِن فِكْرِه تتَبارَى ... سُبَّقٌ عندها السَّوابِقُ صَرْعَى
شُقْرُ ذاك اليَراع مع دُهْمِ نِقْسٍ ... شُهْبُ طِرْسٍ يُرضِيه حُسْناً ووَضْعاَ
يُسعِد الكفّض ساعِدَها القوِيَّا ... ن وما للطِّعانِ ضاعَفْتُ دِرْعاَ
والقوافي تمِيلُ مَيْلَ الغوانِي ... للفتى حين يُشْبَعُ الشيخُ صَفْعاَ
إن عهْدِي بالرّميِ عهدٌ قديمٌ ... أنْتَ أقْوَى على قِسِيِّكَ نَزْعاَ
وهذا يشير إلى قول أبي حية النميري:
رمَتْنِي وسِتْرُ اللهِ بيْني وبيْنَها ... عَشِيَّةَ أحْجار الكناسِ رَمِيمُ
стр. 308
ألا رُبّض يومٍ لو رمَتْنِي رمَيْتُها ... ولكن عهْدِي بالنِّضالِ قديمُ
وأنشدني قصيدة هنأ فيها بفتح، فمما اخترته منها قوله:
بُشْرَى تُزَّفُ من الزمان المُقْبِلِ ... بمنَصَّةِ الجَذَلِ الذي لم يَرْحَلِ
يا نجلَ فاطمةٍ وكلّ مُفاخِرٍ ... فهو المُفاخِر دُرَّكمْ بالجَنْدَلِ
لولا ضِياءُ المَشْرَفيَّة والقَنَا ... ضلَّتْ كتائبهُم بليْلٍ ألْيَلِ
بعساكرٍ رمِدتْ بِعثْيَرِ نَقْعِهاَ ... عينُ الغزالةِ في الرَّعِيل الأوّلِ
خطَبتْ سُيوفُك في منابرِ هامِهمْ ... خُطَباً تُذيقُهُم نَقِيعَ الحَنْظَلِ
ومنها، في ختامها:
هاكُمْ أميرَ المؤمنين قوافياً ... فاحَتْ مجامِرُها طِيبها بالَمنْدَلِ
بمديح أهْلِ البيتِ هزَّتْ مِعْطفاً ... هُزْؤاً بمدْح جَرِيرهْم والأخْطَلِ
وقوله في جواب اللغز السابق:) حين يشبع الشيخ صفعا (من مزج الجد بالهزل.
وعليه فأنظر قوله في النتف، التي سميتها) بالشهب السيارة (، وهو:
قيل إن كان في الشباب سرورٌ ... فَبياضُ الوجوه خيرُ وَقارِ
قلتُ رُدُّوا الشَّبابَ لي واصْفَعوني ... واجْعلوني سُخْريَّةً للصِّغارِ
والشيء بالشيء يذكر.
стр. 309
وأجاد التعاويذي في قوله:
وعُلُوُّ السِّنِّ قد ... كسَّر بالشَّيْبِ نشاطِي
كيف سَمَّوه عُلوَّا ... وهْوَ أخْذٌ في انحطاطِ
وقوله:) بعساكر رمدت (إلى آخره كقوله الأرجاني:
والشمسُ فَرْطُ سَناهُ أرْمَدَ عينَها ... فكحَلْنها أيدي الجِيِادِ بإِثْمِدِِ
ومنه قوله في النتف أيضا:
وليلٍ زارَني والسعدُ وَافي ... على رغمِ الُمنافقِِ والُمداجي
رَأَى ليليِ عيُونَ الشُّهْبِ رُمْدًا ... فعصَّبَها بِمُسْوَدِّ الدَّياجِي
وأنشدني في قصيدة له، قالها وقد دعاه داعي النجاح، وأسفرت له شمس الظفر من خلف ستارة الفلاح، وأنشدته المسرة، قول شيخ المعرة:
ابْقَ في نعمةٍ بقاءَ الدُّهورِ ... نافِذَ الأمر في جميع الأمورِ
وقد قدم من غزاة صدع بها شمل الكفر أي صدع، بعدما خط على صحف البسيطة سطور جيش متربة بالنقع، غض بعثيرها الوهاد، وسر بها الفضاء فتضمخ من دم الأعداء بالجساد، والربيع قد نقط تلك الصحف ووشاها، وخط في جانبها النبات وحشاها.
وكسا الأرض خِدمةً لك يامو ... لايَ دون الملوكِ خضْرَ الحريرِ
وغَدت كلُّ رَبْوةٍ تشْتهي الرَّق ... صَ بثوبٍ من النباتِ قصيرِ
стр. 310
فهْيَ تختالُ في زَبَرْجَدةٍ خْض ... راء تُغْذَى بلُؤْلؤ منثورِ
فقدم له عن ذنوب الدهر صفح، والقلاع تعرب عن رفع عزمه بعدما بناها على الفتح، في يوم عده عيد السرور، قهل ملء العيون ملء الصدور.
فقام بين السماطين، وهو إذا رأس كتابه، وناظم عقود الجوهر في سلك خطابه، مهنئا ومنشدا، وفي رياض ناديه مغردا، بقوله أيضا:
قَسَماً بالجفون في سَطوةِ المُلْ ... كِ وقد أُيِّدتْ بحُسن الفُتورِ
وظُباها التي بها تحْتمِي في ... حَوْزةِ الصَّوْن بارقاتُ الثُّغورِ
وبخدٍّ يُكْنى أبا لهب تذ ... كي يد الحسن ناره في الضميرِ
وبرَوضٍ تدِبُّ شوقاً إليهِ ... عَقْربُ الصُّدْغ في ليالي الشُّعورِ
لَهَجرْنا المنامَ حتى تناسَتْ ... نحوَنا للخيالِ طُرْقُ المَسِيرِ
يا ظِباءَ سَنحْنَ مُلتفِتاتٍ ... مُتْلِعاتٍ أجْيادَها للنُّفورِ
أمَّن اللهُ رَوْعَكنَّ فإني ... أرْتجي وَقفْةً بوقْتً يَسير
ومنها:
نَسْمةٌ في باب الإمالةِ تُبْ ... دي عِلَلَ اليِّن في القضيبِ النَّضير
ما عهِدْنا رِيمَ الفلا وغصوناً ... يُشرِقُ الحسنُ في بُرودِ البُدورِ
رافضاتٍ عهْدَنا هلْ لوصْلٍ ... مِن رجاءٍ يطْفي لقلْبي الَحرُورِي
стр. 311
ذابَ شوقاً وأنفق العمرَ سَعْياً ... في رِضاكُمْ وماله من شُعورِ
كان خدِّي مَجْرَى السَّوابق شُهْباً ... بادِياتٍ في لونِها المُستنيرِ
فاسْتحالَتْ حُمْراً وتكمُن طوراً ... من أخاديدِ جَريِها في حَفِيرِ
باعْتكافٍ يحْكي جهادَ جِيادِ ... مُدمِناتٍ على السُّرَى والبُكُورِ
ومن مديحها:
ياَ نَسِيباً أنت المُقدَّم في المدْ ... حِ فلسنا نَرى لكم من نَظيرٍ
كم نَظْمتُمْ للحقِّ عِقْدَ اعْتزازٍ ... ونَثَرْتُم بالحَلِّ نظْمَ الفُجورِ
وبضَرْبِ الهِنديّ كم قد طرَحْتُم ... من ضُروب العِدى بجَمْعِ الكُسورِ
وأدَرْتُم عليهمُ للمنَايا ... أكؤُساً لم تزَلْ بكفِّ المُديِرِ
دام في العزِّ مُلكُكمْ وبيُمْنَي ... عزْمِكم للفتوحِ سيفٌ الظُّهورِ
ما جرَتْ أفْرُسُ الدَّرارى بِمضْما ... رٍ مَيادِينُها بِطُوِل الدُّهورِ
قوله:) يا نسيباً (إلخ، كقول بعضهم مضمنا من قصيدة نبوية:
له النَّسبُ العالي فيا ما دِحَ الورَى ... إذا كان مَدْحٌ فالنَّسيبُ المُقدَّمُ
ولله در إبن خفاجة، في قوله:
مَلِيكُ تبسَّم بِشْرُ المُنَى ... بمَرْآهُ وإمتدَّ خَطْوُ الأمَلْ
فلم أدْرِ والحسنُ صِنْوٌ له ... أأَبْدأُ بالمدحِ أم بالغَزَلْ
стр. 312
وكتب إلي وقد أصابته الحمى فاقتصد، يذكر إشتياقه، ويشكو ما منعه من ملاقاتي وعاقه.
أنا في غربتي وعلتي، ونا خليل لم تبل بملاقاته غلتي، لا أظن نسيان الإخوان، وأعتذر لتقصير الزمان.
كأنَّ زماني خاف لَحناً فلم يكُن ... ليجمَعَ بين السَّاكِنَيْنِ بأوْطانِ
فكتبت له:
كفاك اللهُ ما تخْشَى وغطَّى ... عليك بظلِّ نِعْمتِه الظَّليلِ
أعز الله تعالى أنصار الكرم الفياض والحسب، وحفظ بحمايته معالم الفضل العامرة بالأدب، ببقائك محروسا من هجوم الخطوب، محفوفا بسور منيع من إحاطة القلوب، وأصوات جرس الدعاء به مرفوعة، وسدته بحجاب الصنائع ممنوعة، وله من عطر الثناء نشر وانتشر، فلا يمل حتى يمل نسيم السحر.
والدهر وإن كان ذا غير، من تفكر فيه واعتبر، فكيف يتسلط عليه بآلامه، وهو لا يتسلط على أيادي إنعامه، فإن هم به ونعمه سابغة عليه، فقد ورد:) اتق شر من تحسن إليه (.
أتُهْدِي له الأيامُ سُقْماً وإنما ... مساعِيهِ في أعْناقِهنَّ قَلائِدُ
فإن اعتل فإنما اعتل الكرم والكمال، وإن مرض فقد مرضت الأماني والآمال، والقلوب والأرواح، وإن دعونا له فإنما ندعو لأنفسنا بالصلاح، ورب
стр. 313
مريض لا يُعاد، ولا يحرم الأجر مريض الفؤاد، فلا أقول:
يا ليتَ عِلَّته بي غير أنَّ له ... أجْرَ العليلِ وأني غيرُ مأجوُرِ
وقد بلغني فصده الباسليق، وأنه قد بكى دما عرقه العريق.
وباتَ اعْتلالُك يبْكي دماً ... وتضْحكُ في جِسْمِك العافِيَهْ
وعرق الصحة له في كل منبت شعرة عين باكية، تبكي بدموع العرق على فراق العافية، وليس ببكاء وإنما من استغرب في الضحك قد تدمع عيناه، كما ان الحزين قد يضحك دهشة مما دهاه.
فأضحك الله تعالى ثغر فصاحته، كما ضحكت تباشير صحته، وهنأ الله تعالى الوجود، بسلامة الكرم والجود، وأطلع كوكب سعده في أُفق الإفاقة والإقبال، فإن لكل زمان مقبل غرة وهلال.
والسلام.
)
فصل (
دعانا مرة داعي الصبا، فحرك منا ما حركته من عذبات ألبان أنفاس الصبا، إلى روض أنيق، وواد تزوره السراء من كل فج عميق.
نبهت عيون أزهاره أكف نسيم السحر، ونيطت على قدود قبضه بعد اخضرار عارض نباته تمائم الزهر.
والرِّيحُ تجُذِبُ أطْرافَ الغُصُون كما ... أفْضَى الشَّقِيقُ إلى تنْبِيه وَسْنانِ
стр. 314
في مجلس سكرت فيه أباريق الصهباء، فرجعت أصواتها ترجيع تمتام وفأفأه.
مع خلان، وخلص إخوان، كل منهم قرة، في عيون المسرة.
فيه طراز حلل الليالي، وروضة تنبت أنوار المعالي.
تتحاسد عليه القلوب والعيون، وتختم به صحف الطرف وختامه مسك يتنافس فيه المتنافسون.
قام لديهم ساق كألف على سين أعطى قافه للإبريق، أو غصن عبثت به الصبا فكاد يعقد من اللين ذيل حواشي لطفه الرقيق.
لولا كثيف كثيب ردفه، القائم عليه هيف عطفه.
لولا سِهامُ جفونِه انْتَظَمتْ ... عُقِدَتْ على وجَناتِه القُبَلُ
فنادى: حي على الصبوح، هلموا إلى ريحانة الروح، شقيقة نفس الإنسان، صابون درن الحزان، درياق ملسوع الغموم، مطية لهو ترتحل بها من منازل الهموم، باز له دستبان من ذهب، يصطاد به سوانح الفرح والطرب، حيث لا يسمع صراخ لغير الأوتار، ولا بكاء إلا للقناني ولا رقباء سوى عيون الأزهار.
стр. 315
فلم يزل يحكم فيها الكاسات، ولا يسمعون من عذب ألفاظه غير خذ وهات، في يوم شابت ذوائبه، من قبل ماطر بالعشية شاربه.
فلما دنا المسير، وغاب بدر الكأس المنير، نام بعضهم ثملا سكران، وذهب حافيا رجلان، فنسي نعله، وأودع عند الخمار عقله، فكأنما فر هاربا لما طرح أحمال أحزانه ورماها، وألقى صحيفة فكره والزاد حتى نعله ألقاها.
فكتبت غليه أعزيه فيها، وأخفف عنه مصائب الدهر وأرثيها، بقولي على لسانه مداعبا، ومفاكها له مطايبا.
لقد خانَنا دهرٌ وكنَّا به نعْلو ... يوَدُّ هِلالُ الأفْقِ لو أنه نَعْلُ
وقد كان لي نعلٌ فشتَّتَ شملِها ... وما الدَّهرُ أهلٌ أن يدومَ له شَمْلُ
وكانتْ تَقي بالنَفْسِ رِجْلي فأصبحتْ ... تُفارِقُها من بعد ما آذنَ الثُّكْلُ
وقد كنتُ ذا بِشْرٍ فأصبحتُ حافياً ... وكم حزنتْ من بعدها الكَعْبُ والرِّجلُ
فكم صحَبتْني في سرورٍ وشِدَّةٍ ... ولم تتخلَّف عن مُرادِي ولم تَعْلُ
ونَقَّلَتِ الأقْدامَ للرَّاحِ سُحْرةً ... فعُدْتُ ولا عقلٌ لديَّ ولا نَقْلُ
كذلك عاداتُ الشّراب وفعلُه ... فما اختارَه مُضنّى بهِ وله عَقْلُ
وأنْشَدتُ خِلِّي حين ضاعتْ ولم يكنْ ... ليَنفعْنِي في ذلك الحادِثِ الخِلُّ
وإنَّ أخِلاَّءَ الزَّمانِ غَناهُمُ ... قليلٌ إذا الإنسانُ زَلَّتْ به النَّعْل
فأنشَدني بيْتاً يثبِّتُ مُهجَتي ... لكَيْما فؤادي عن محبتها يسْلُو
стр. 316
تزَوَّدْ من الدنيا متاعاً لغيْرها فقد شمَّرَتْ جَيْدَاءُ وأنْصَرَمَ الحبْلُ
فلَهْفي عليها حين أمْسَت شهيدةً ... وقد جادها بالدَّمعِ قَطْرٌ له هَطْلُ
وأضْحَتَ على وجهِ الثَّرى دون دافنٍ ... ولكن بكفِّ السُّحْبِ أمسى لها غُسْلُ
فلما سمعها الفشتالي استظرفها جدا، وكتب له:
رأيتُ أديباً واضعاً كفَّ حائرٍ ... على ذَقَنٍ إذ للهمُوم به شُغْلُ
فقلتُ له هل بَتن إلفٌ لَوَت به ... نَوىً قَذَفٌ أم لا يُرجَّى له وَصْلُ
فقال علِمْتُم أن جارِيتي يدِي ... وراحِلتي في كلِّ نائبةٍ نَعْلُ
خرجت مع البازِي لِحَانِ مُدامةٍ ... رجاءَ سرورٍ والطَّريقُ بها وَحْلُ
فأُبْتُ وبي من حادثِ الدَّهرِ لَسْعَةٌ ... بخُفَّيْ حُنَينِ لا ثراءٌ ولا عَقْلُ
نأَتْ عن أديمِ الأخمَصَيْنِ وِقايةً ... وما بي شُعورٌ إذ تخطَّفَها الوَبْلُ
كذا فلْيَجِلَّ الخطبُ في وَثَباتِهِ ... بكلِّ كريمٍ لا يفارِقُه فَضْلُ
وفي كلِّ قلبٍ للخُطوبِ مآثِمٌ ... يحِقُّ لأرْبابِ القريضِ بها شُغْلُ
فقلتُ له إن العِيافَة تَقْتضِي ... بتصْحِيفِ نَعْلٍ أن قدرَكم يَعْلُو
تعوَّدَ دهرٌ جُودَكمْ وأتى له ... فألْقَتْ إليه عند ذَا نَعْلَها الرِّجْلُ
وكتب إليه الأديب زين الدين الإشعافي الحلبي:
تَعزَّ أخي إن كنتَ ممَّن له عقلُ ... ولا تُبْدِ أحزاناً إذا ذهبَتْ نَعْلُ
стр. 317
ولا تعْتِبِ الدَّهرَ الخَؤُونَ فدَأْبُه ... لعَقْدِ اجتماعِ الشَّملِ دون المَدى حَلُّ
لَحَى اللهُ دهراً لا يزال مُولعاً ... بتكْديرِ صَفْوِ العيشِ ممَّن له فَضْلُ
يُفرَّقُ حتى شَمْلَ رِجْلِي ونَعْلِها ... أشدَّ فِراقٍ لا يُرَى بعدَهُ شَمْلُ
فما شئْتَ فاصْنَعْ ما اللبيبُ بجازِعٍ ... ولا تاركٍ صَفْواً إذا زَلَّتِ النَّعْلُ
بحقِّكَ قُم نَسْعَى إلى الرّضحِ سُحْرَةً ... نُجدِّدُ أفراحاً لكلِّ صَداً تجْلُو
إلى دارِ لذَّاتٍ وروضِ مَسرّضةٍ ... برَحْبِ فِناها من غُصونِ المُنَى ظِلُّ
ولابن قلاقس، وقد سرقت نعله:
قُلْ لنجْم الدين يا مَن نهْتَدي ... من مُحَّياهُ بأسْنَى قَبَسِ
ما الذي أوْجَب عَوْدِي راجلاً ... بعد أن وَفيْتُكمْ ذَا فَرَس
خلَعوا نعْلِيَ لمَّا علِمُوا ... أنَّني من رَبْعِكم في قُدُسِ
)
تتمة (
يقال في المثل للمتساويين في الخير: فرسا رهان.
وهذا كما أفاده بعضهم باعتبار ابتداء الجري؛ لتساويهما حين الإرسال، وأما في المنتهى فيغلب سبق أحدهما، فكيف يجعلان متساويين، وقد ضربت أنا المثل للمتساويين في الدناءة بفردتي النعل، وثوري الحراث؛ فإنه لا ينتفع بأحدهما دون الآخر، فقلت:
وثَقِيليْن هما ما افْتَرقاَ ... منهما الدَّهرُ أبو الغَدرِ اسْتَغاثْ
стр. 318
فكأنَّ اللُّؤْمَ قد صاغَهُما ... فَرْدَتَيْ نَعْلَيْه أو ثَوْرَيْ حِراثْ
وقد ضربت العرب المثل في هذا برجلي النعامة، فقال الشاعر:
وإني وإيَّاها كرَجْلَيْ نَعامةٍ ... على كلِّ حالٍ مِن غِنِّي وفَقِيرِ
قال القالي في) أماليه (: أي أننا في اتفاقنا لا نختلف؛ لأنه ما من بهيمة تنكسر إحدى رجليها، إلا وتنتفع بالأخرى غير النعامة. انتهى.
ولما قدم رغب في صحبتي، وخطب راغبا مودتي، وود انقطاعي عمن سواه، فلما رأيت كفاءته وصدق مدعاه، كتبت له:
سَلاَ بأَنَةَ الوادي لدَى المنْزِلِ الرّحْبِ ... متى فقَدتْ غُرّض المناقبِ من صَحْبي
فهل في حِماها نَفْحةٌ عَنْبريَّةٌ ... قد استَوْدعَتْها الرِّيحُ من نفَسِ الرَّكْبِ
وهل بين أطْلالِ الرسومِ ونُؤيِها ... حمائِمُ بَانٍ في الرُّبَى طَيَّرتْ لُبِّي
وهل من عُهودٍ قد تقضَّتْ بَقِيَّةٌ ... يُوَفَّى بها حقِّي ويُقْضى بها نَحْبِي
سقى اللهُ عهداً للأحبَّةِ صَيِّباً ... من الطَّرْفِ تغنِيه عن الوابلِ السَّكْبِ
وهَيْفَ غُصونٍ جادَها هاطِلُ الغنى ... فتُنْبِتُ أوراقاً من الشَّجرِ القَضبِ
وكلُّ خليلٍ رَقْرَق الوُدّض صافياً ... فكلُّ مَلامٍ في محبَّتِه يُصْبِي
стр. 319
أُصدِّق فيه الظَّنّ من ضِنَّتِي بهِ ... على كلِّ شيءٍ قد عرفْتُ سِوى قَلْبِي
وما ذاك من سُوءِ الفِعالِ جِبِلَّةٌ ... فكم جاءَ سُوءُ الطَّنِّ من شِدَّةِ الحُبِّ
هذا معنى غير ما قاله المتنبي:
إذا ساء فعلُ المرءِ ساءَت ظُنونُه ... وصدَّقَ ما يعْتادُه مِن تَوَهُّمِ
والحديث شجون.
ومنها:
إذا غاب بَدْرُ التِّمِّ طَلْتُ مُراقِباً ... لمَطْلَعِه من مشرِقِ العيْنِ والغرْبِ
ولكنَّ شمسَ الحُسْنِ من وَجْهِ مُنْيَتِي ... لقد برَزتْ للنَّاظرين بلا حُجْبِ
كذلك بشَمْسِ الغَرْبِ أشرَقَ شرقُنا ... بفضلٍ له قد شاعَ في العُجْمِ والعُرْبِ
وقد كنتُ قِدْماً تُبْتُ عن كلِّ خُلْطةٍ ... تُنَكِّدُ عَيْشِي وهْي من أعْظَمِ الذَّنْبِ
فلمَّا صفَى منه الودادُ ومَشْرَبٌ ... يرُوقُ لِظَامٍ ذِيدَ عن مَوْرِدٍ عَذْبِ
نَقضْتُ على حُكْمِ المُرُءةِ تَوْبَتي ... وقد طَلَعت شمسُ المعالي من الغَرْبِ
وبعد الشعر فصل: مولاي أحمد قد ملأ فضله الجبال والوهاد، فسد على حساده طرق الجحد، وحاز السيادة من ساعة الميلاد، فإنك مهدي إليها من المهد.
وهو يعلم أن عقائل الوداد في خدور الخمول كمينة، وأنها لا تنجلي لغير المحرم ولا يبدين زينة، فإن الزمان مشتق من الزمانة، والإخوان لتقلب قلوبهم من الخيانة، وإن أطلع السباخ النخلة الفينانة، فقد ينبت المرعى على دمن الثرى، وتقطع
стр. 320
الأزرار مالها من ضيق العرى، وما كل جوهر له مشترى، وما كل صاحب يعرف قدر العسكري.
فلذا نفرت حتى عن ظلي، وقاطعت حتى ولدي وأهلي، لكن ما لك من حسن الأخلاق، جذب لك مودتي بالأطواق، والسلام.
قولي:) وما كل صاحب (الخ، إشارة إلى ما ذكره ياقوت في) معجمه (، من أن الصاحب ابن عباد تمنى لقاء ابن أحمد العسكري، فكاتبه في الحضور له، فتعلل بكبر السن، فلما يئس منه جذب السلطان لذلك الصوب، وسار معه، فحين أتى عسكر مكرم، كتب له:
ولمَّا أبيْتُمْ أن تزورُوا ... ضَعُفْنا وما نَقْوَى على الوَخَدانِ
أتيْناكُم من بُعْدِ أرضٍ نزورُكمْ ... على منزلٍ بِكْرٍ لنا وعَوَانِ
نُسائِلُكمْ هل من قِرًي لنَزِيلِكمْ ... بِملْءِ جُفونٍ لا بملْءِ جِفانِ
فأجاب، بنثر، ونظم منه:
أرومُ نُهوضاً ثم يَثْنِي عزِيمَتِي ... تَعوُّذُ أعْضائِي من الرَّجَفانِ
فضَمَّنْتُ بيتَ ابن الشَّريد كأنَّما ... تعمَّد تشْبِيهِي به وعَنانِي
) أُهمُّ بأمْرِ الحزْمِ لو أسْتطِيعُه ... وقد حِيل بين العَيْرِ والنَّزَوانِ (
فلما قرأه استحسنه، وقال: لو خطر ببالي هذا المثل، ما أرسلت ذلك الشعر، لكني ذهلت عنه.
следующие страницы →