Полный текст (456 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
تزَوَّدْ من الدنيا متاعاً لغيْرها فقد شمَّرَتْ جَيْدَاءُ وأنْصَرَمَ الحبْلُ
فلَهْفي عليها حين أمْسَت شهيدةً ... وقد جادها بالدَّمعِ قَطْرٌ له هَطْلُ
وأضْحَتَ على وجهِ الثَّرى دون دافنٍ ... ولكن بكفِّ السُّحْبِ أمسى لها غُسْلُ
فلما سمعها الفشتالي استظرفها جدا، وكتب له:
رأيتُ أديباً واضعاً كفَّ حائرٍ ... على ذَقَنٍ إذ للهمُوم به شُغْلُ
فقلتُ له هل بَتن إلفٌ لَوَت به ... نَوىً قَذَفٌ أم لا يُرجَّى له وَصْلُ
فقال علِمْتُم أن جارِيتي يدِي ... وراحِلتي في كلِّ نائبةٍ نَعْلُ
خرجت مع البازِي لِحَانِ مُدامةٍ ... رجاءَ سرورٍ والطَّريقُ بها وَحْلُ
فأُبْتُ وبي من حادثِ الدَّهرِ لَسْعَةٌ ... بخُفَّيْ حُنَينِ لا ثراءٌ ولا عَقْلُ
نأَتْ عن أديمِ الأخمَصَيْنِ وِقايةً ... وما بي شُعورٌ إذ تخطَّفَها الوَبْلُ
كذا فلْيَجِلَّ الخطبُ في وَثَباتِهِ ... بكلِّ كريمٍ لا يفارِقُه فَضْلُ
وفي كلِّ قلبٍ للخُطوبِ مآثِمٌ ... يحِقُّ لأرْبابِ القريضِ بها شُغْلُ
فقلتُ له إن العِيافَة تَقْتضِي ... بتصْحِيفِ نَعْلٍ أن قدرَكم يَعْلُو
تعوَّدَ دهرٌ جُودَكمْ وأتى له ... فألْقَتْ إليه عند ذَا نَعْلَها الرِّجْلُ
وكتب إليه الأديب زين الدين الإشعافي الحلبي:
تَعزَّ أخي إن كنتَ ممَّن له عقلُ ... ولا تُبْدِ أحزاناً إذا ذهبَتْ نَعْلُ
стр. 317
ولا تعْتِبِ الدَّهرَ الخَؤُونَ فدَأْبُه ... لعَقْدِ اجتماعِ الشَّملِ دون المَدى حَلُّ
لَحَى اللهُ دهراً لا يزال مُولعاً ... بتكْديرِ صَفْوِ العيشِ ممَّن له فَضْلُ
يُفرَّقُ حتى شَمْلَ رِجْلِي ونَعْلِها ... أشدَّ فِراقٍ لا يُرَى بعدَهُ شَمْلُ
فما شئْتَ فاصْنَعْ ما اللبيبُ بجازِعٍ ... ولا تاركٍ صَفْواً إذا زَلَّتِ النَّعْلُ
بحقِّكَ قُم نَسْعَى إلى الرّضحِ سُحْرَةً ... نُجدِّدُ أفراحاً لكلِّ صَداً تجْلُو
إلى دارِ لذَّاتٍ وروضِ مَسرّضةٍ ... برَحْبِ فِناها من غُصونِ المُنَى ظِلُّ
ولابن قلاقس، وقد سرقت نعله:
قُلْ لنجْم الدين يا مَن نهْتَدي ... من مُحَّياهُ بأسْنَى قَبَسِ
ما الذي أوْجَب عَوْدِي راجلاً ... بعد أن وَفيْتُكمْ ذَا فَرَس
خلَعوا نعْلِيَ لمَّا علِمُوا ... أنَّني من رَبْعِكم في قُدُسِ
)
تتمة (
يقال في المثل للمتساويين في الخير: فرسا رهان.
وهذا كما أفاده بعضهم باعتبار ابتداء الجري؛ لتساويهما حين الإرسال، وأما في المنتهى فيغلب سبق أحدهما، فكيف يجعلان متساويين، وقد ضربت أنا المثل للمتساويين في الدناءة بفردتي النعل، وثوري الحراث؛ فإنه لا ينتفع بأحدهما دون الآخر، فقلت:
وثَقِيليْن هما ما افْتَرقاَ ... منهما الدَّهرُ أبو الغَدرِ اسْتَغاثْ
стр. 318
فكأنَّ اللُّؤْمَ قد صاغَهُما ... فَرْدَتَيْ نَعْلَيْه أو ثَوْرَيْ حِراثْ
وقد ضربت العرب المثل في هذا برجلي النعامة، فقال الشاعر:
وإني وإيَّاها كرَجْلَيْ نَعامةٍ ... على كلِّ حالٍ مِن غِنِّي وفَقِيرِ
قال القالي في) أماليه (: أي أننا في اتفاقنا لا نختلف؛ لأنه ما من بهيمة تنكسر إحدى رجليها، إلا وتنتفع بالأخرى غير النعامة. انتهى.
ولما قدم رغب في صحبتي، وخطب راغبا مودتي، وود انقطاعي عمن سواه، فلما رأيت كفاءته وصدق مدعاه، كتبت له:
سَلاَ بأَنَةَ الوادي لدَى المنْزِلِ الرّحْبِ ... متى فقَدتْ غُرّض المناقبِ من صَحْبي
فهل في حِماها نَفْحةٌ عَنْبريَّةٌ ... قد استَوْدعَتْها الرِّيحُ من نفَسِ الرَّكْبِ
وهل بين أطْلالِ الرسومِ ونُؤيِها ... حمائِمُ بَانٍ في الرُّبَى طَيَّرتْ لُبِّي
وهل من عُهودٍ قد تقضَّتْ بَقِيَّةٌ ... يُوَفَّى بها حقِّي ويُقْضى بها نَحْبِي
سقى اللهُ عهداً للأحبَّةِ صَيِّباً ... من الطَّرْفِ تغنِيه عن الوابلِ السَّكْبِ
وهَيْفَ غُصونٍ جادَها هاطِلُ الغنى ... فتُنْبِتُ أوراقاً من الشَّجرِ القَضبِ
وكلُّ خليلٍ رَقْرَق الوُدّض صافياً ... فكلُّ مَلامٍ في محبَّتِه يُصْبِي
стр. 319
أُصدِّق فيه الظَّنّ من ضِنَّتِي بهِ ... على كلِّ شيءٍ قد عرفْتُ سِوى قَلْبِي
وما ذاك من سُوءِ الفِعالِ جِبِلَّةٌ ... فكم جاءَ سُوءُ الطَّنِّ من شِدَّةِ الحُبِّ
هذا معنى غير ما قاله المتنبي:
إذا ساء فعلُ المرءِ ساءَت ظُنونُه ... وصدَّقَ ما يعْتادُه مِن تَوَهُّمِ
والحديث شجون.
ومنها:
إذا غاب بَدْرُ التِّمِّ طَلْتُ مُراقِباً ... لمَطْلَعِه من مشرِقِ العيْنِ والغرْبِ
ولكنَّ شمسَ الحُسْنِ من وَجْهِ مُنْيَتِي ... لقد برَزتْ للنَّاظرين بلا حُجْبِ
كذلك بشَمْسِ الغَرْبِ أشرَقَ شرقُنا ... بفضلٍ له قد شاعَ في العُجْمِ والعُرْبِ
وقد كنتُ قِدْماً تُبْتُ عن كلِّ خُلْطةٍ ... تُنَكِّدُ عَيْشِي وهْي من أعْظَمِ الذَّنْبِ
فلمَّا صفَى منه الودادُ ومَشْرَبٌ ... يرُوقُ لِظَامٍ ذِيدَ عن مَوْرِدٍ عَذْبِ
نَقضْتُ على حُكْمِ المُرُءةِ تَوْبَتي ... وقد طَلَعت شمسُ المعالي من الغَرْبِ
وبعد الشعر فصل: مولاي أحمد قد ملأ فضله الجبال والوهاد، فسد على حساده طرق الجحد، وحاز السيادة من ساعة الميلاد، فإنك مهدي إليها من المهد.
وهو يعلم أن عقائل الوداد في خدور الخمول كمينة، وأنها لا تنجلي لغير المحرم ولا يبدين زينة، فإن الزمان مشتق من الزمانة، والإخوان لتقلب قلوبهم من الخيانة، وإن أطلع السباخ النخلة الفينانة، فقد ينبت المرعى على دمن الثرى، وتقطع
стр. 320
الأزرار مالها من ضيق العرى، وما كل جوهر له مشترى، وما كل صاحب يعرف قدر العسكري.
فلذا نفرت حتى عن ظلي، وقاطعت حتى ولدي وأهلي، لكن ما لك من حسن الأخلاق، جذب لك مودتي بالأطواق، والسلام.
قولي:) وما كل صاحب (الخ، إشارة إلى ما ذكره ياقوت في) معجمه (، من أن الصاحب ابن عباد تمنى لقاء ابن أحمد العسكري، فكاتبه في الحضور له، فتعلل بكبر السن، فلما يئس منه جذب السلطان لذلك الصوب، وسار معه، فحين أتى عسكر مكرم، كتب له:
ولمَّا أبيْتُمْ أن تزورُوا ... ضَعُفْنا وما نَقْوَى على الوَخَدانِ
أتيْناكُم من بُعْدِ أرضٍ نزورُكمْ ... على منزلٍ بِكْرٍ لنا وعَوَانِ
نُسائِلُكمْ هل من قِرًي لنَزِيلِكمْ ... بِملْءِ جُفونٍ لا بملْءِ جِفانِ
فأجاب، بنثر، ونظم منه:
أرومُ نُهوضاً ثم يَثْنِي عزِيمَتِي ... تَعوُّذُ أعْضائِي من الرَّجَفانِ
فضَمَّنْتُ بيتَ ابن الشَّريد كأنَّما ... تعمَّد تشْبِيهِي به وعَنانِي
) أُهمُّ بأمْرِ الحزْمِ لو أسْتطِيعُه ... وقد حِيل بين العَيْرِ والنَّزَوانِ (
فلما قرأه استحسنه، وقال: لو خطر ببالي هذا المثل، ما أرسلت ذلك الشعر، لكني ذهلت عنه.
стр. 321
ثم أن العسكري قصده بحجم غفير من تلامذته، في ساعة لا يصل غليه أحد في مثلها، فحجبه الحجاب، فرفع صوته، يقول:
مالِي أرى القُبَّة الفيْحاءَ مُقْفَلةً ... دُونِي وقد طال ما اسْتَفْتَحْتُ مُقفَلَها
كأنها جنَّةُ الفِرْدَوْسِ مُعْرِضَةً ... وليس لي عَملٌ زَاكٍ فأدْخُلَها
فناداه الصاحب: أدخلها يا أبا أحمد، فلك السابقة.
فبادر له الخدم، وحملوه حتى جلس عنده، فأقبل عليه، ورفعه إلى ارفع مجلس، ثم تحادث معه، وسأله عن مسألة، فقال له: الخبير صادفت.
فقال له: مازلت تغرب في كل شيء حتى المثل السائر.
فقال: تفاءلت عن السقوط للحضرة.
فأدر عليه، وعلى من معه بصلات كانوا يأخذونها إلى أن توفى.
فانظر ما في هذه القصة من لطائف الآداب، وما للصاحب مع جلالة قدره من مكارم الأخلاق، الذي طير ذكره في الآفاق، وخلده في صحائف الدهور، وهكذا فلتكن الصدور.
ولما أراد العود إلى المغرب، قال لي: عندي أمانة من مولاي أحمد، لا أرى غيرك لها أهلا ومحلا، فطال العهد ولم أر لها محلا، فقلت:)
стр. 322
إن محلا وإن مرتحلا (فلما أزف الرحيل كتبت له رقعة فيها: أطال الله عمرك طول مواعيدك، وجعل آمالنا الكمونية مورقة من سحائب جودك.
ولعمري، لقد طال المطال فعرقوب لا يبلغ عرقوبه، وزاد العتب على الإلحاح والعتب بغير جرم عقوبة، ولو لم يكن أملي أضعف من الذباب، ما أرتبط بحبال العنكبوت على هذا الباب، فلله أنت ما أحلمك وما أصبرك على كثرة السؤال والجواب، ولم أر مثلك في الجود، إذ بذلت لي ألوف ألوف من الوعود، ولم تلمني على مقابلتها بالكفران، وها أنا ذا تائب شاكر لهذا الحرمان، إذ لم يكن لمثلك علي منة، وأحمد الله على كل حال متبعا للسنة.
وقد كان يعجبني قول أبي محمد الحكيم:
لُبْسُ الثِّيابِ وتشْييدُ القصورِ وفي ... تلك الثِّيابِ رأيْنا أنفُساً خَرِبَهْ
لأضْرِبَنَّ رجائي ألفَ مَقْرَعةٍ ... فِيكُمْ وأصْلُب آمالِي على خَشَبَهْ
فلما رأيت بعد العهود، وطول حبال الوعود، قلت:
طالتْ مواعيدُك يا سيِّدِي ... والعمرُ قد يقْصُر عن ذَا المِطالْ
فخِلْتُ آمالي لها دُرْبَةٌ ... قد علَّمَتْها المشْيَ فوق الحِبال
стр. 323
ولو ترَى مِثْلاً لها ربَّما ... جرَتْ على فُرْجتِها بالنَّوالْ
واللائق بالعارف بالزمان، أن لا يتعب على أحد من الإخوان، فإن الدهر خرف وهرم، ولو سأل شقيق شقيقه درهما لقال: أودى درم.
فرحم الله الكرام، وعلى الجود الرحمة والسلام.
وهذه رقعة قصدت بها المزح والمجون، ورياضة الطبع الحرون.
وقولي:) أودى درم (مثل.
قال الأعشى:
ولم يُودَ من كنْتَ تسْعَى له ... كما قِيلَ في الحرْبِ أوْدَى دَرِمْ
قال السكري في) شرح ديوان الأعشى (: درم هو دب بن مرة بن ذهل، وكان النعمان يتطلبه، فجهز له سرية؛ فلما ظفروا به مات في أيديهم، قبل وصوله للنعمان، فلما سأل عنه، قالوا: أودى درم. فذهبت مثلا. انتهى.
وقصدت به الدرهم؛ لأن الدرهم فارسي معرب، وأصله درم، وقد يتلفظ به على أصله.
ومثله قولي في الرجل الجليل، يكون خاملا لا يواسيه أحد، فإذا مات عظموه، وتأسفوا عليه:
بكى الخلقُ ذا الفضْلِ لمَّا مضَى ... وقالوا ألا لَيْتَه لو سَلِمْ
ولو كان يسْألُهمْ دِرْهَماً ... لقال له النَّاس أوْدَى دَرِمْ
стр. 324
)
فصل (
ذكر لي يوما أنه مشتاق للقائي، مستوحش لظلمة التنائي، فقلت ما جوابي لك غير قول أبي العيناء للمتوكل، وقد قال له: قد اشتقت لك يا أبا العيناء.
فقال له: يا سيدي، إنما يشتد الشوق على العبد؛ لأنه لا يصل إلى مولاه، أما السيد فمتى أراد عبده دعاه.
وما أكذب الشوق بالمقال، إن لم تقم عليه شواهد الإقبال.
وقد شرحنا حالنا في التنائي والتداني، وقول ناصح الحين الأرجاني:
وإذا رأيتَ العبْدَ يهْرَبُ ثُمَّ لَمْ ... يُطْلَبْ فَمَوْلَى العبدْ منه هاَربُ
فاهتز عطفا، وتاه رقة ولطفا.
ثم قال لي: من أي معنى أخذ هذا؟ قلت: لا أدري.
فقال هو من قول المتنبي:
إذا ترحَّلْتَ عن قومٍ وقد قدَرُوا ... أن لا تُفارِقَهُمْ فالرَّاحِلون هُمُ
فأبدع وأبدع، وأعلم أنه من الأدب بمرأى ومسمع.
ومنه أخذ القائل:
ليس ارْتحالُك ترتْادُ الغنى سفَراً ... بل المْقامُ على بُؤْسٍ هو السَّفَرُ
والمتنبي أخذه من قول الطائي:
стр. 325
وما الفَقْرُ بالبيدِ الفضاءِ بل التي ... نبَتْ بي وفيها ساكِنُوها هي الفَقْرُ
ولما رأى وزراء الروم، وما هم عليه من دارس الرسوم، من تكبر بلا نفع يرجى، وتبختر كل دابة منهم حتى العرجى، قال أهؤلاء عني الغزى بقوله:
مِن آلة الدَّسْتِ ما عند الوزير سِوَى ... تَحرِيكِ لِحيتِه في حالِ إيماءِ
فهْوَ الوزيرُ ولا أزْرٌ يَشُدُّ به ... مِثْلَ العَروضِ له بَحْرٌ بلا ماءِ
فذيلته بديهة له، وقلت:
عسى تدورُ عليهمْ دائراتُ رَدًى ... تُقطِّعَنَّهمُ تقْطيعَ أحْشائي
فقد شابه الرئيس المرءوس، وقام على جرب الأبدان قرع الرءوس، وما هذه الدول، إن لم يعرها الآن خلل، إلا كسقف السماء، وقبة الخضراء، قائمة بلا عمد ولا أطناب ولا وتد، فهي كبيوت الأشعار، لا تظلل في حضر ولا أسفار.
كما قلت:
جيوشٌ مالها في المُلْك نَفْعٌ ... حكَتْ صُوَراً تُصوَّرُ في كتابِ
رأيتُ قتالَهمْ من غيْرِ نَبْلِ ... كمثلِ الضَّربِ في كُتُبِ الحسابِ
стр. 326
وعلى بحر العروض يعجبني هنا قول الأرجاني:
راعَ الفؤادَ نَوَى الخَلِيطِ ولم يكنْ ... قبل النَّوى من حادثٍ بمَرُوعِ
وأرى فُؤادي في الزَّمانِ كأنَّه ... بيْتُ العروضِ بُراد للتَّقْطيعِ
وللحظيري:
وعِرْضٍ بلا ذنْبٍ يُقطَّعُ دائماً ... كبيتِ عَروضٍ والحوادثُ أطْوارُ
وقلت في معناه:
دوائرُ أفلاكٍ تلوحُ بُحورُها ... بأصْفارٍ نجْمٍ قابلتْها بتَصْريعِ
كما خُطَّ في رَسْمِ العَروضِ دوائرٌ ... جميعُ الذي مُعَدٌّ لتقْطِيعِ
وقلت أيضا:
وأنِّي في تضْييعِ ما قد جمعتُه ... لأجْلِ الذي يُولِي الوزيرُ من الغِنَى
كبائعِ بيتٍ كان فيه مَقَرًّهُ ... يقول كفاَني بيتُ شِعْرِيَ مَسْكَناَ
стр. 327
محمد بن إبراهيم الفاسي
نزيل مصر
شمس فصاحة طلعت في آخر الزمان من المغرب، لو رآه ابن سعيد لنسي بفكاهة مفاكهته) المرقص والمطرب (.
ما كنت أظن المغرب تنجب له بمثيل، إن الزمان بمثله لبخيل.
ارتحل لمصر، واختلط بناسها، وميز حال فصولها وأجناسها.
ولما قدم كتبت له خاطبا لعقائل وداده، جاليا كئوس المؤانسة على فؤاده:
أيا شمسَ أهلِ المغربِ شَرَّفْتَ مِصرَنا ... وقلَّدتَه عِقداً نقيساً من الأُنسِ
فصار رَبيعاً باعْتدالِ قُدومِكم ... ولا بِدْعَ فيما قلتُ في شرَف الشَّمسِ
وكانت حالي معه حالية، وموارد أنسي به من قذى الكدر صافية، أراضعه ثدى الآداب، وأتخذه ممن مودته تدخل بيت القلب بغير إذن وحجاب.
стр. 328
إلى أن أرتحل إلى المحلة، وجعل كرم قاضيها مقر أمله ومحله، وفارق إخلاءه وصحبه، لما كابده من صحبته الأمر بين الفقر والغربة، فانعطفت عليه أغصان المسرة وألهنا، وأقام في رياض المكارم تحت ظلال المنى.
إلى أن حالت الحال، وأذنت شمس حياته بالزوال، فجاد بنفسه، وغاب في مغرب رمسه، بعدما وقف على أطلال الهمم، باكيا على دارس رسوم الكرم.
وكان مغرما معي بالمزاح، لابسا للخلاعة وبرد الجد عنه غير مزاح.
وأنشدني له يوما قوله:
حكَيْتُ إبليسَ خَناً ... وصُورةً مِن عَوَرِهْ
يا سابني عن العَمَى ... عندِي نِصْفُ خَبَرِهْ
فقلت له: قد سبقك إلى هذا الباخرزي، في قوله:
فلا تحسَبُوا إبْليسَ علَّمني الخَنَا ... فإنِّيَ منه بالفضائح أبْصَرُ
وكيفَ يرى إبْليسُ مِعْشارَ ما أرَى ... وقد فُتِحتْ عَيْنايَ لِي وهْوَ أعْوَرُ
وهو من قول الآخر:
وكنتُ فتًى من جُنْدِ إبْليسَ فارْتَقَى ... بِيَ الحالُ حتى صار إبْليسُ من جُنْدِي
ولو مات مِن قَبْليِ لأحْيَيْتُ بعدَه ... طرائِقَ فِسْقٍ ليس يُحسِنُها بَعْدِي
وكان إذا أغار على معنى أغار، ولا يبالي بأنه يرى مغزاه إذا انجلى الغبار، تبعا لمذهب القائل:
فإنَّ الدرهمَ المضروبَ باسْمِي ... أحَبُّ إليَّ من دينارِ غَيْرِي
стр. 329
كقوله:
يا تاركاً شُرْباً لقهوتِنا التي ... تجلُو صدَا القلبِ الكئيبِ العاني
في ترْكِ مثلِك شُربَها لِيَ راحةٌ ... توفيرُها وطهارةُ الفِنْجانِ
وهو من قول ابن الرومي:
يا لائمي في الرَّاحِ غيرَ مُقصِّرٍ ... مازال ظنُّكَ سيِّئاً في الرَّاحِ
فأفَلُّ ما في تَرْكِ مِثْلِك شُرْبَها ... توفيرُها وطهارةُ الأقْداحِ
ولم يزل باللهو معروفا، وبغزلان النقا مشغولاً مشغوفا، لاسيما إذا تفتح عن ورد الخدود أكمام العذار، وشاهد صنع الله الذي يولج الليل في النهار.
وقالُوا أتَتْ كُتْبُ العِذارِ بغزْلِهِ ... فقلتُ لهم لا تعْجَلوا فبِها وُلِّى
ويقال أن هذا الأمر أذهب خبره وخبره، ومحا بيد الفنا عينه وأثره، حتى عصفت رياح المنية بروضه القشيب، وهصرت يد الردى يانع غصنه الرطيب، فاحتضر واحتضر، بأمر الملك المقتدر.
لازال جدثه روض من رياض الجنان، ولابرح مجرى لجداول الرحمة والرضوان.
فمن العنبر الذي أذكته مجامر فكره، وقذفته في سواحل المحاورة بحور شعره، ما أنشده لي من قوله مضمنا:
قلُ للقضيبِ ورَاحُ الريِّح تعطِفُه ... أثْناءَ بُرْدٍ من الأزْهار مُنْتسِجِ
стр. 330
أشْبَهتَ قامةَ من أهْواهُ لو طلَعتْ ... أعْلاَك شمسٌ وفُقتَ المِسْك في الأرَجِ
لك البِشارةُ فاخْلَعْ ما عليك فقدْ ... ذُكِرتَ ثَمَّ على ما فيكَ من عِوَجِ
ولابن أبي حجلة مضمنا:
قل للهلالِ وغَيْمُ الأُفْقِ يسْترُه ... حكَيْتَ طَلْعةَ من أهْواهُ بالبَلَجِ
لك البِشارةُ فاخْلَع ما عليك فقدْ ... ذُكِرْتَ ثَمَّ على ما فيك من عِوَجِ
وأنشدني له أيضا مضمنا:
أأسْلُو في الهوَى طَعْمَ الهوانِ ... ورَبْعُ الحسنِ مَأْهُولُ المغانِي
ومَن أهواهُ واصَلنِي جِهاراٍ ... وصِرتُ من الَّقيبِ على أمانِ
وقد حلَّ العِذارُ بوجْنَتيْهِ ... بمنْزلةِ الرَّبيعِ من الزَّمانِ
وأنشدني قصيدة، منها:
أتُسِلُ دمْعِي ثم تسألُ ما جرِى ... عجباً لعَمْرِك ما رأيتُ وما أرَى
هذِي دِماَ نفْسٍ هواكَ أذابَها ... فهَمَتْ على خَدِّي نجِيعاً أحْمرَا
ومنها:
مَن كان يقْبِضُه جلالُ الحُبِّ عن ... بِسْطِ الجمالِ فلم يزَلْ مُتَحيِّرَا
فأنا جمَالِيُّ الغرامِ وهكذا ... وِرْدُ الجمالِ لن تَراه مُكَدَّرَا
стр. 331
ومنها في حسن الختام:
وإليْكهاَ والحسنُ بعضُ صفاتِها ... بِكْراً تُحاكِيها الملاحةُ منْظرَا
قد زََّفها فكْري إليك ومهْرُها ... نَقْدُ القَبولِ وسقُّها أن تُمْهَرَا
حاشاكَ تُهمِلها ويعرِفُ قدرَها ... من قد ترى بين الثُريَّا والثَرَى
ختَم البيانُ بها فكلُّ سليم طَبْ ... عٍ صار من عَجَب بها مُتَحيِّرَا
وله في الهجاء مضمنا:
لقد قلتُ للِطُّورِيّ لمَّا بدَا لنا ... كجُلمودِ صخْرٍ حطَّهُ السَّيلُ من عَلِ
بوجْهٍ كليْلِ الهجْرِ أسْودَ طائلٍ ... ألا أيُّها الليلُ الطَّويلُ ألا ابْخَلِ
ومما أنشدنيه لنفسه قوله:
ولمَّا دار بالخَدَّيْن نَبْتٌ ... حكَى عصرَ الصِّبا قبلَ المشِيبِ
تيَّقنْتُ الوِصالَ وليس وَعْدٌ ... هناكَ ولا خُلُوةٌّ ولا رقِيبِ
ولكن دَارَةُ القمرِ اسْتَتمَّتْ فدلَّتْنا على مطَرٍ قريبِ
وأنشدت له قولي في معناه:
على خَدِّه مُذ لاح نَبْتُ عِذارِهِ ... جرَتْ أدمُعي في الخدِّ ذاتَ صَبِيبِ
إذا ما اسْتدارَتْ دَارَةُ البدْرِ حولَه ... فإنَّ وقوعَ القَطْرِ غيرُ عجيبِ
стр. 332
ومما أنشدنيه قوله من لفظه مضمنا:
يا سالبَ الغُصْنَ حُسْنَ القَدِّ والمَيَلِ ... مُلْبِسَ الشمسِ ثوبَ الحُزْنِ والخجَل
ما شاَن خدَّك نبْتُ بل صفاَ فترَا ... ءتْ في سَناهُ ظِلالُ الهُدْبِ والمُقَلِ
فاثْبُتْ على حُبِّه يا قلبُ تَحْظَ بهِ ... فهل سمعْتَ بظِلٍّ غيرِ مُنْتقِلِ
ومعنى البيت الثاني مما سبق إليه، كقول الأرجاني:
أعِدْ نظراً فما في الخدِّ نبْتٌ ... حَماهُ اللهُ من رَيْبِ المَنُونِ
ولكن رَقَّ ماءُ الخدِّ حتَّى ... أراكَ خيالَ أهْدابِ الجُفونِ
ومما قلته في معناه مضمنا:
صَقِيلُ خُدودِهِ مِرْآةُ قلبي ... وماءُ الحسنِ رَقَّ به ورَاقاَ
تُحِيطُ به العيونُ إذا تَبَدَّى ... وهل طَرْفٌ يُطِيقُ له فِراقاَ
فَخالُوا رِقَّةَ الأهْدابِ فيه ... عِذاراً قد كساَ بدْراً مَحاقاَ
وظَلْنا نجْتلي منه مُحيَّا ... كأنَّ عليه من حَدقٍ نِطاقاَ
وكان يهوى بمصر غلاما وقد دب ظل العذار على ورد خده، وجعل حارس الحسن بنفسجه سياج ورده، هام به هيام سعد بن أنيس بورده، ووهبه روحا لابسة حلل المودة، فكان لا يسر إلا إذا اصطبح من عذاره بالآس ثم لما أدركه الغرق من الوجد واليأس، عمل فيه مزدوجة لم يدركها مدرك، فكان ذلك سببا
стр. 333
لصده المهلك، فارتحل لافتضاحه للمحلة الكبرى، فكتبت له إذ ذاك قصيدة، لأجدد له الذكرى.
منها:
مَن لم يُدِمْ ذكرَ الحبيبِ النَّاسي ... ومعاهداً فيها فليس بناَسِ
بِي مَن كساَ جسْمِي السِّقامَ وَعَلَّني ... بمُدَامِ دمْعِي يالَهُ من كاسِ
في نُقْطةٍ من خالِه يرجُو الوفاَ ... دمعٌ زيادتُه بغيْرِ قِياسِ
لمَّا خشِيتُ على الكرَى من مَدْمعِي ... أوْدعتُه في طَرْفِه النَّعَّاسِ
يقْسُو علىَّ فؤادُه ياليْتَه ... يَعْدِيه لِينُ قَوَامِه الميَّاسِ
تاللهِ ما حُبِّي لعارِضِ خدَّه ... كالوَرْدِ بل حُبِّي له كالآسِ
ومنها:
يا جوهراً للمجْدِ صار مُجرَّداً ... ما أنتَ إلا الرُّوحُ لْلأكْياسِ
لو لم تُحدِّثْ عن شمائِلِك الصَّبا ... لم تكْتسِب ذا الطِّيبَ في الأنْفاسِ
يا راحلاً عنِّي ومُجْرِىَ أدْمُعِي ... ما في وُقوفِكَ ساعةً من باَسِ
عِقْدٌ على جِيدِ الزَّمانِ مُنظَّمٌ ... روْضٌ له ظِلٌّ على الجُلاَّسِ
لم أسْتطِعْ وصْفِي لهيبَ صَبابتِي ... مَن يُودِعُ النِّيرانَ في القِرْطاسِ
ومنها:
فاسْتَجْلِها بِكْراً نتيجةَ ليْلةٍ ... صَهْباءَ سالبِةً عُقولَ النَّاسِ
لا زال يا إنْسانَ عيْنِ العصرِ مِن ... ذِكْرِي بسالفِ عْهدِكَ اسْتِئْناسِي
стр. 334
مولاي أما الشوق فقد اشتعل ضراما، وكاد عذابه أن يكون غراما، حتى قال فم الجفن: يا نار كوني بردا وسلاما.
فأني ألقي إلي كتاب كريم، فاح منه شميم عرار نجد وما بعد العشية من شميم، فمتعت بما هو أحلى من الوصل بعد الهجر، ومن الأمن بعد الخوف، ومن البرد بعد السقم، ولم أدر أطيف منام، أو زائر أحلام، أم قرب نوى بعد البعاد، أم حبيب وافى بلا ميعاد، من أديب أشرق بدر مجده ساطعا، وألبسني برد المسرة أخضر يانعا.
أهُمُّ ببَسْطِ حِجْرِي لالْتقاطٍ ... إذا حاضَرْتَ بالدُّرِّ النَّسيقِ
فحدانى أن أحث مطي الهمم، إلى نحو كعبة الفضل والكرم، فحركت مجمل الطبع حتى عبق عنبرا وندا، وهززت قضب اليراع على خدي الطرس فانتثر أقاحا ووردا.
وقد كنت ممن زجر عن هذه الصناعة طبعه، فإنها كما قيل كالياسمين لا يساوي جمعه.
ولسان التقصير، كما قيل قصير لاسيما والجود عبد أنت سيده، والفضل عقد أنت مقلده، والبلاغة سوار ليس لغيرك عليه يد، ورداء المعارف مستعار منك، وان كان لا يسترد، وللفصاحة ماء لا يجري في غير ناديك، وينبوعه لا يتدفق إلا من أياديك.
стр. 335
ولو صوَّرت نفسَك لم تزِدْها ... على ما فيكَ من كَريِم الطِّباعِ
وزمان الأنس غابت عني أسراره، وطريق المجد أظلم دوني ليله ونهاره، وانطوى عني دجاه وضحاه، فسامرت نسره ونعائمه، ونفضت بعصا النسيار نجوده وتهائمه، وعود الهوى، قد يبس وذوى، وعهدي قديم بالنضال، وأني في السبق قد أثقلني قيد الكلال.
ولا ينكر من القرائح جمودها، ولا من نيران الذكاء خمودها، وقد غاض الكرام، وفاض اللئام، والحر لا يستعبد بغير الوداد، ولسان المرء من خدم الفؤاد.
ولولا ابتسام ثغر المنى، وامتداد خط الأمل لنا لمل كل قلب عاني، يقتات السوف والأماني.
فقد صرفت عن كل شيء وجه ميلي، لما نفر عني كل شيء حتى صبح ليلي، واستوحشت من كل شيء حتى ظلي، ومللت حتى الملل فقلت من لليلي ومن لي.
إنَّ دهراً يلُفُّ شملي بسعدي ... لزمان يهم بالإحسان
وفي المثل:) أعطي العبد كراعا، فطلب ذراعا (.
стр. 336
فعسى أن تمنوا بسطور، هي سلالم يترقى بها إلى السرور.
لا زلت ترفل في ثوب بقاء بالصحة معلم، وتقيل في ربيع مسرة حماه عن الاكدار محرم، ألما الظلال عذبى المشارب، تسطر محامده بين دفتي المشارق والمغارب، ما حن صديق إلى صديق، وصرف بدارهم النجوم دينار الشمس الأنيق، والسلام.
فأجاب بقوله:
أسَقِيطُ طَلًّ في حديقة آسِ ... أم ذا حبابٌ دار فوق الكاسِ
أم دُرُّ ثَغْرِ الأُقْحُوانةِ باسِمٌ ... أم دمعُ طَرْفِ النَرْجِس النَّعَّاسِ
أم جَنَّةٌ جُنَّ النَّسيمُ بحُسنِها ... أغْصانُها من ذاك في وَسْواسِ
أم هذِه زُهْرُ النجومِ تزيَّنتْ ... منها السماءُ هِدايةَ للنَّاسِ
أم ذا هو السِّحرُ الحلالُ حَلاَ أم الْ ... عذبُ الزُّلالُ وكلُّ عُضْوٍ حاَسِي
أم رُقعةٌ رفَعتْ لواءَ بيانها ... فأتى البديعُ لها ذليلَ الرَّاسِ
نطقَتْ بكلِّ فضيلةٍ ظلَّتْ لها الْ ... أحداقُ بين مُحقِّقٍ أو خاَسِي
الشِّعرُ فاخَر أنْجُمَ الشِّعْرَى بها ... والجَوُّ قال الفضْلُ للِقرْطاسِ
مَن ذا يُطاوِلها ومطْلَعُ نُورِها ... أفُقُ الشَهابِ وظُلمةُ الأنْقاَسِ
وافَتْ فما وفَّيْتُ بعضَ حقوقِها ... إَلا ببَذْل النَّفُسِ والأنْفاسِ
طار الفؤادُ لها وَقارُها ... ما في وقوفِكِ ساعةً من باَسِ
جاءتْ تُحدِّثُ عن محاسنك التي ... شُدَّت إلى حُسنِ الثَّناَ بِمِراسِ
أمَّا الفصاحةُ صَحَّ أنَّكَ قُسُّهاَ ... بالرَّغم من غِمْرٍ حسودٍ قاسِي
стр. 337
ِللهِ دَرُّ عَقِيلةٍ أبرَزتَها ... عقَلتْ بِبَهْجتِها عقولَ النَّاسِ
مِن كلِّ بيتٍ كاد يُشبِه لفظُه ... معناه كلٌّ دَقَّ عن إحْساسِ
شَرحَتْ ليَ الوُدَّ القديمَ وذكَّرَتْ ... قلباً فَديْتُك لم يكنْ بالنَّاسِي
ما أخطأتْ رَشَداً وإن تكُ أبْطَأتْ ... خيرُ اللِّقا ما كان بعدَ الْياَسِ
فالحُبُّ أن أرْضى بما تَرْضى وها ... حُبِّي وحَقِّك راسخٌ بأساسِ
كُنْ كيفَ شئْتَ فشِيمَتيِ حِفْظُ العهُو ... دِ وإننِّي طَوْدُ الوفاءِ الرَّاسي
يا مَن زهاَ حُرُّ القرِيضِ بلفْظِه ... وغَنِي به الإنْشاءُ من إفْلاسِ
ومَن اسْتَنَارتْ منه مصرُ وأُفْقُها ... لَّما كساها الفضلُ خيرَ لِباسِ
ومَن انْمَحَى ذنبُ الزَّمانِ لأجْلِه ... وغَدَتْ به الأيامُ كالأعْراسِ
دُمْتَ المُقدَّمَ في المجادةِ والإجا ... دةِ والإفادة والنَّدى والباَسِ
وإلَيْكهاَ وهي الملاحةُ نَفْسُها ... والحسنُ بالأنْواع والأجْناسِ
فإذا أصاخَ لها الحسودُ حسِبْتَه ... ما بين كأس أو ظِباءِ كِناس
عذْراءُ تبسطُ عُذْرَ تقْصيري ومِن ... داءِ التطاوُل فهْيَ نِعْمَ الآسِي
أنَّى لمْثلِي أن يجيءَ بِمثْلِ ما ... تأْتِي وأين الشَّمسُ مِن نِبْراسِ
لكنَّهاَ ردُّ السَّلامِ سلكْتُ فيهِ الطُّولَ قدْرَ زيادةِ اسْتِئْناسِ
فعلَيْكَ من أوْفَى السَّلام أَبَرَّه ... مَّمن يُكابِد بُعْدَه ويُقاسِي
حَلَّ المْحَلَّةَ جسمُه والقلبُ في ... مصرٍ لديكَ وأهلُه في فاسِ
بعد تقبيل ثريا ذلك الثرى، الذي عبق في المشام عنبرا، وقلد جيد الزمان دررا.
стр. 338
لا زال منبع البيان، ومنتجع الأعيان، ولبرح جوهر حصبائه يفضله العيان، على قلائد العقيان.
هذا، وقد وصل إلى، وصل الله لك أسباب العلا وألبسك رائق الحلى، كتابك الخطير في رقعة من محاسن لفظك الرائق الجلباب، المزري برونق ريق الشباب، وبهجة من بدائع خطك المستوقف للناظر، المخجل بحسنه الوشي الفاخر، والروض الناضر، فأجناني ثمر البر يانعا، وجلى على وجه الود لأبيض ناصعا.
وأراني كيفَ انِقيادُ القَوافِي ... في زمامِ البيانِ سَمْعاً وطَوْعاَ
وفتح للمخاطبة بابا، طالما كنت له هيابا، ورفع حجابا، ترك القلب وجابا.
مازلت أغازلها أملا، فلا أطيق لها عملا، وألاحظها أمدا، وأذوب دونه كمدا.
وفي تَعَبٍ من يحسُدُ الشمسَ نورَها ... ويزعُم أن يأْتي لها بضَرِيب
لا جرم أنه اقتضاني خالص ود، وصحيح عهد، لم يلتفت مني إلى معذرة، ولم يكلآني إلى ما في الوسع من المقدرة، وقد يعود على علمك بحر القريحة ثمدا، وحسام الذهن معضدا فتكلفتها بحكم هذا الغرام تحت حصر، ونازح بصر، فإن سمحت بالإغضاء، وسامحت في الإقنضاء، سلمت لك اليد البيضاء، وظهرت لشكرك بالقضاء.
стр. 339
وأما العذر الذي توخيت - ولا عدمت - شرحه، وحميت بقوة الكلام سرحه، فأنت غني عن تكلفات إيضاحه، ومد أوضاحه، فالذي يثبت في النفوس، من الود المصون المحروس، لا يخشى عليه من تسلط الطموس والدروس.
ولا أقول إن ودي لك كالتير، إذ لا يصفو ما لم يشبه لهيب الجمر، ولا كالراح، حيث يفتقر في الرفة إلى مر المساء والصباح.
بل أقول: إن ودي لك - أبيت اللعن - كالفرات العذب، يشفي غليل القلب، ويطفي لهيب الصب، يحل بالأرض الميتة فيحيها، ويمر بالروضة الذابلة فيتوجها بالأزهار ويحليها.
وأنت - أعزك الله - لا تثريب عليك إذ كل يعمل على شاكلته، ويجري في أموره على مقتضى مرتبته، فإن حنو السيد - وأنت ذاك - يستكثر قليله، وإخلاص العبد، وهو أنا، يستحقر، كما علمت جليله، والحق أغلب، ومعرفي المرء نفسه أصوب.
وإن تفضلت بالاستفسار عن أحوال العبد، فالحال في خير، والمآل يعلمه الله تعالى.
وبالجملة، فسهم المصيبة إن سدده الدهر فعلى مثله وقع، والتألم بمثل هذه الحالة قد ارتفع.
ولم أرَ مثل الصَّبْرِ أما مذاقْهُ ... فحُلْوٌ وأما وجهُه فجميلُ.
وكذلك كل من دعا الصبر لما شاء أجاب، وأراه من نشره الأفق المنجاب، وأقامه بين مبرات وألطاف، وأعطاه مما أحب جني قطاف.
стр. 340
ولله در القائل:
يعيشُ المرءُ ما استغْنَى بخْيرٍ ... ويبْقَى العًودُ ما بَقِيَ اللَحاءُ
وهو الدهْرُ لا يُرَدّ عن مراده، ولا يصادر في إصداره وإيراده.
فيومٌ عليناَ ويومٌ لناَ ... ويومٌ نساءُ ويومٌ نُسَرُ
على أن طول الغيبة ليس لشيء، علم الله آثرته على لقياكم، إذ استبدله طوعا لكنه ارتكاب للأخف من الضررين، واختيار للأهون من الشرين.
عسى غلطاً يُثْنِى الزمانُ عِنانَه ... بدَوْرِ أمورٍ والأمورُ تدورُ
فتُدرَك آمالٌ وتُقْضى مآرِبٌ ... ويحدثَ من بعدِ الأمور أمورُ
فلذلك قدمت من البحر بالوشل، وسرحت في رياض المنى بين عسى ولعل، فقد قيل إذا دار الفلك، فعليك أو فلك، ولله في خلقه أمر لا تدرك العقول حكمته،) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَينْشُرُ رَحْمَتَهُ (.
وما اجتليته في كتابك الخطير، وروض كتابك المطير، استدعي شيئا من نظم العبد ونثره، والتنويه بذلك من خامل ذكره.
فلا عدمت منك مولى على الإحسان مثابرا، وحكيما لكسر إكسير الخاطر جابرا.
مع تشتيت الحال لبعد مزارك، ونأي داري عن دارك.
стр. 341
وأقسم أني صممت عن التغافل عن الجواب، وهو الأولى بالصواب، إذ ليس بلبيب من يقيس الشبر بالباع، والجبان بالشجاع، وكيف لا، وكل من تكلف فوق طاقته، افتضح لساعته، ولكن عدم الامتثال محذور، والملجأ إلى ما لا يطاق معذور.
فتكلفت لما يعرض عليك من المسمطات، سوى القصيدة المشار إليها بذكر بعضها، فإنها متقدمة على ورود مشرفتكم.
فمثلك من سد الخلل، وتجاوز عن الزلل.
والله يبقيك، ومن كل سوء يقيك، والسلام.
قوله في القصيدة:) حلٌ المَحلَّة (الخ، كقول ابن الخازن:
يوماَ بحُزْوَي ويوماً بالعقِيق ويو ... ماً بالعُذَيْبِ ويوماً بالخُليْصاءِ
ولأبي تمام:
بالشَّام أهْليِ وبغداد الهوَى وأنا ... بالرَّقْمَتَيْن وبالفُسْطاطِ إخْوانِي
وللأمير أبي فراس الحمداني:
يا هل لصَبٍ بِكَ قد زِدْتَه ... على بَلايَا أسْرِه أسْرَا
قد عدِمَ الدنيا ولذَّاتِها ... لكنَّه ما عدِمَ الصَّبْرَا
فهْوَ أسيرُ الجسم في بلدةٍ ... وهْوَ أسير القلبِ في أُخْرِى
стр. 342
ولابن عبد ربه الأندلسي صاحب) العقد (:
الجسمُ في بلدٍ والرُّوحُ في بلدِ ... يا وَحْشةَ الروح بل يا غُرْبَةَ الجسَدِ
إن تَبْكِ عيناك يا من قد كلِفْتُ به ... مِن رحمةٍ فهما سهْمانِ في كَبِدِي
ولابن الفارض:
كيفَ يلْتَذُّ بالحياةِ مُعنًّى ... بين أحشائِهِ كوَرْىِ الزِّنادِ
في قُرَى مِصْرَ جسمُه والأُصَيْحا ... بُ شَاماً والقلبُ في بغدادِ
وقلت أنا في مثله:
شُتِّتَ النَّوْمُ والأحَّبةُ عني ... مع تأْليفِ أدْمُعِي ووُلوعِي
أنا في بلْدةٍ وأهْلي بأُخْرَى ... وحبيبي بغير تِلكَ الرُّبوعِ
فكأن الزَّمانَ مني اشْتَرى الصَّفْ ... وَبنَقْدٍ أسالَهُ من دمُوعِي
وقوله في المنثور:) وُدِّي لك (الخ، كقول أبي محمد بن سفيان من شعراء) القلائد (: كتبت وما عندي أصفى من الراح، وأضواء من سقط الزند عند الاقتداح.
وقول أبي محمد بن القاسم الوزير في جوابه:
стр. 343
كتبت عن ود لا أقول كصفو الراح، فإن فيها جناحا، ولا كسقط الزند فربما كان شحاحا، ولكن أصفى من ماء الغمام، وأضواء من القمر ليلة التمام.
فراجعه بقوله: كتبت - دام عزك - عن ود كمء الورد نفحه، وعهد كصفائه صفحه، ولا أقول أصفى من ماء الغمام فقد يكون معه الشرق، ولا أضواء من قمر التمام، فقد يدركه النقص ويمحق.
وليس ما وقع فيه الاعتراض مختصا بصفو الراح، ولا بسقط الزند عند الاقتداح، فإن أمور هذا العالم هذا سبيلها، وجياد الكرم تجود كيفما أرسلها مجيلها.
وعلى ذكر القصة قلت:
إن الصفَّي الذي كنتُ أعهَدُه ... عند المُلَّماتِ ذُخْراً للوداد مُذِقْ
وقد يغَصّ بخيْر الزْادِ آكلُه ... وقد يكون من الماء الزُّلالِ شَرَقْ
وقلت أيضا:
إن كنتَ تُوجعني بالّلوم في زَللِي ... وظَلْتَ تُبْرِيءُ من الدّاءِ بالدَّاءِ
فقد يسوغُ بضَرْبِ الظَّهر غُصةُ مَن ... قد اسْتغاثَ فلم يُنْجِدْه بالماءِ
стр. 344
)
فصل (
كنت في عنفوان الشباب أهوى الهزل والخلاعة، مع هذا الأديب، لكثرة ما عنده من الأهواء، فكتبت له يوما، وقد رأيته يتحدث مع بعض الأحداث: ما بال مولاي مغرى بتقديم الذكور على الإناث، ومرتكبا لأثام تطلق بها حور الجنان بالثلاث؛ ذلك لأن الرجل خير من المرأة بالاتفاق، فلذا تخلف عن الخلاق، وشق جيب الشقاق، كما قلت:
أديبٌ مالَ عن حبِّ الغواني ... وبالغلْمان أصبح ذا اكتِراثِ
أقلت برأي أرباب المعاني ... فغلبت الذكور على الإناث
وما سواه من خلاف القياس، وإن لم يخل مثله عن لبس والتباس وإيران تحت لحاف خطر.
وممن خالف المعاني، الأديب الأصفهاني، حيث قال:
هاتيكَ حبيبتي ازْدَهَتني طِيباً ... أوْسَعتُ بها ابنَ هانِئٍ تكْذيباَ
لو أمْعَنت النُّحَاةُ فيها نظراً ... لم تدْعُ إلى المذكَّر منها التَّغليباَ
والتغليب باب واسع الموارد، كثير المصائد والأوابد، فلينظر الصواب، ولا يرسل الباز في الضباب.
стр. 345
الوزير عبد العزيز الثعالبي الأديب
ساحر تخلب نفثاته العقول، وفاضل الأيام من فضله غرر وحجول.
إن ذكر رقة طبعه في الشمأل والشمول، أو شعره فما أبيات غيره إلا دارسات رسوم وطلول.
إذا طرز بكلامه برود المجد، تخاله من جارو سكان تهامة ونجد.
قدت من أديم المجد خلاله، ففضح الرياض وسحر السحر أقواله.
ديمة مجد أمطرت سحائبه وسماء فضل شرف كواكبها مناقبه.
شمائلُ لا جَيْبُ الزَّمانِ مُعطَّراً ... حكاَها ولا خَدُّ الشَّمول مُوَرَّدَا
أطلع في رياض ورده وسوسنه، وأصبح للفقه ملكا فضائله في صحف الدهر) مدونة (.
بمثله بطون الإمكان عقيمة، فلو رآه الثعالبي توج به) تتمة اليتيمة (.
إذا جلى كواعب كلمانه فضحت الكواكب نورا، وإذا أنشد عد نثره سواه هباءً منثورا.
ولما قدم قسطنطينية الروم اجتمع به الأفاضل، وعظمه من بها من الصدور والأماثل، فكتبت إليه مادحا، ولعذب أدبه مائحا، بقولي من قصيدة:
وافَتْ وطَرْفُ النَّجم مكحُولُ الحَدَقْ ... وعارِضُ الظلماءْ في خَدِّ الشَّفَقْ
سكْرانةٌ الألحاظِ من خمر الصِّبا ... تعثُر في ذيلِ ظلامٍ وفَرَقْ
стр. 346
واستعْجلَتْ في خَطْوِها تكان أن ... تسِبقَ طَيْفَ آملٍ لها طَرَقْ
مائسةٌ تفضَحُ أغْصانَ النقَا ... لها من الحلْىِ ثِمارٌ ووَرقْ
فأبْصَرتْني للسَّقام لابساً ... ملابساً من وَشْيِ أفكارِي أدَقّ
فابْتَسمتْ فكاد مِن بارِقِها ... فحمُ الدُّجى يحَرْقُه ضوْء الفَلقْ
ما اهتزَّ عصنُ البانِ إلَّا فَرَقاً ... لأنَّه لهَيَفِ القَدَّ سَرَقْ
ومنها:
ماءُ الجمال في رياض خدَّها ... راقَ لنا ظِرى وُرُودُه وَرَقَ
ماذُقتُه وماءُ صَفْوِى كدِرٌ ... بهَجْرِها فكيف لي منه شَرَقْ
وِرْدٌ بأفْواهِ المُنَى مُتعَذَبٌ ... كوِرْد بحرٍ قد نفَى قَذَى الملَقْ
عبدُ العزيز مَن بعِزَّ مْجدِه ... أحيى زماناً فيه للفضْل رِمَقْ
رَوْضٌ سحابُ الفضل جادَ نَوْرَه ... حتى زهَا مُقْتَطَفاً ومُنتَشَق
للفضلِ مالكٌ وفي مِضمارِه ... من أشْهبِ بقَصَب السَّبْقِ أحَقّ
خُذْها عروساً لبست ثوبَ البهاَ ... سعَتْ إليك بين خَبَّ وعَنَق
لو صُرَّ دُرٍ طَرَقتْ أسماعَه ... أهْدى لها دُرَّ الثّناء في طَبَقْ
قد وصف السّحرَ لسانُ طِرْسِها ... بعارِض خُطَّ على خَدَّ الورَقْ
حتى غَدا العْنبرُ يُلْقى نفسَه ... في النْار من غَيْظٍ لديه وحَنَقْ
стр. 347
ومدحه صاحبُنا الأديب أبو المعالي الطَّالُوِىَ بقصيدة أنشدنيها، منها:
لعبدِ العزيز الأوْحدِى الثَّعالِبي ... بدائعُ فاقتْ مُبْدَعاتِ الثَّعالِبي
فما بعدَها في الدَّهرِ تُلْقَى يَتيمةٌ ... ولا قبلَها وَشَّتهُ أقلامُ كاتبِ
سَوادُ سطورٍ في بياضِ مَهارِقٍ ... وشَامٌ على خدّ لحسناء كاعبِ
وإلاَّ لَمّى وَسْط الشَفاهِ يُعَلُّ مِن ... جَنَى النَّحلِ ممزوجاً بماءِ المذَانِبِ
وإلاَّ رياضٌ قد كسَتْها يدُ الصَّبا ... طرائفَ وَشْىٍ من نسيجِ السَّحائبِ
كأنَّ عليها عَبْقرِىُّ مَطارِفِ ... ومن حُلَلِ الدَّيباجِ وَشْىُ عصائبِ
فكيف ترَى عينٌ يتيمةَ دهْرِها ... وأمٌّ سجاَياهُ وَلودُ الغرائبِ
فاللهِ مولى قد شهدْنا بما وَشى ... مُكاتبةَ الصَّادَيْن صابٍ وصاحبِ
وحَكَّم في نْظمِ القريضِ خواطراً ... أبتْ غيرَ نظمِ النَّيراتِ الثَّواقبِ
فما يَشْكُرِىُّ القومِ يوماً وإن شدَا ... بنظْمِ القوافِى عنده غيرَ ناعبِ
فكم بنت فكرٍ قد جلاها بنَانُه ... علينا وما غيرُ الأديبِ بخاطبٍ
كأنَّ صَباَ دَارِين فَضَّتْ عضيَّة ... على عِطْفها الميَّاسِ مسْكَ الحقائبِ
ومرَّتْ بوادي الشّجْرِ مجُتازَةَ الَلوَى ... لوِىَ الرَّملِ فيه البانُ مُرْخَى الذَّوائبِ
تجُاذِبُ من نجْدٍ شَمِيمَ عَرارِهِ ... فيرْنُو لها الحَوْذانُ من لْحظِ غاضبِ
стр. 348
وواَفتْ الزَّرواءِ ليلاً فساجلَتْ ... على الكرْخ داراً بالدُّموِع السَّواكبِ
وللمغْربِ الأقْصَى ثنَتْ من عِنانِها ... تَؤمُّ حِمىَ البيْضاءِ عَزَّتْ لطِالبِ
بحيث تَرى البيْتَ الإمامِىَّ معتلًى ... تطوفُ به الأمْلاكُ من كلَّ جانبٍ
مَجَرُّ العوالِى السمْهرِيَّة والقَنا ... ومجْرَى الجيادِ المُقْرباتِ السَّلاِهبِ
عليها أسود الإنْس في يوم سِلمِها ... وفي الحرْبِ تُلقَى دامِيات المَخالبِ
بها يكْلأُ اللهُ الخلافةَ في حِمىَ ... مليكٍ قصىَّ العزْمِ داني المواهِبِ
حِمَى الملكِ المنْصورِ موْلاىَ أحمدٍ ... إمامِ الهدى رامِى العِدى بالمقَانِبِ
أسودٌ على متْن السَّراحيبِ غابُها ... من الأسَل الخطَّىَ دامِى الثَّعالبِ
تلَوَّى بأيْدِى الدَّارِ عينَ كأنَّها ... صِلالُ نقاً مَذْعورةٌ في مسارِبِ
تَرى السَّرْدَ نَهْياً والقَتِرَ حَبابَةُ ... فتكْرعُ في حوضٍ من الدَّمَّ راغبِ
مُؤيَّدُ دينِ اللهِ مُشْتجِرُ القَنا ... ومُعترِك الَهيْجا بماضِي القواضِبِ
سليلُ الوغَى إن ينتضى يومَ مَعْرَكٍ ... وفيه المنايَا مُزَّفتْ في الكتائبِ
ومنها:
فيا ابْنَ الألَى هذِى مناقبُ فخرِهمْ ... وهل بعد هذا الفخرِ شَأْوٌ لطالبِ
لَعِنْدى على بُعْدِ الدَّيارِ ونأيِها ... قلائدُ نظمِ كالنَّجومِ الثَواقبِ
ولكن قوافِى الشّعرِ كيف أجيِدُها ... وفيكمْ أتَى التَّنْزيلُ يا آلَ طالبِ
стр. 349
وأنّى لأهْوَى أن أكونَ مع الصَّبا ... رسولاً إلى البيْضاءِ تُقْضَى مآرِبِى
لدَى ملِكٍ دانى النَّوالِ وكفُّه ... لراجيهِ أندْى من غّيوثٍ سَواكِبِ
على كلَّ خطّ منأسرَّةِ وجْهِه ... دليلٌ على أن الرَّجا غيرُ كاذبِ
لُسدِتِه مأوَى العُفاةِ بَعْثتُها ... قوافِ عسى عَّنى تقومُ بواجبِ
عليها من المدْحِ الإمَامِىّ جوْهرٌ ... ترَقْرَق ماءَ في متونِ القواضبِ
وأنشدني الفاضل عبد العزيز بقسطنطينية قصيدة، منها:
زُجاجةُ الفجْر أبدتْ خَمْرةَ الشَّفقِ ... ولُجَّة الصَّبحِ أخْفَتْ نَرْجسَ الأفُقِ
فبات في زُهُر طِلاً ... وليس غيرُ دخانِ النَّدّ من غَسَقِ
والليلُ قد قلَّد الإصْباحَ حين بدَا ... كأسْودٍ لابسٍ طوْقاً من الورِقِ
وما محاَ الصُّبحُ نِقْسَ الليلِ واسْتَترتْ ... سَوْساَنةُ الفجْرِ يوماً وَرْدةُ الشَّفَقِ
لكن دمُ اللَّيلِ لمَّا سالَ عَنْدَمُه ... أنَتْ لتْقطعَه كافورةُ الفَلَقِ
في روضةٍ أودعَتْها السُّحْبُ سِرَّ شَذاً ... فنَمَّ وَفْدُ الصَّبا عن نَشْرِه العَبِقِ
فيها لكُمْتِ كؤوسِ الرَّاح مُعْتركٌ ... وليس غيرُ اْحمرارِ الوردِ من عَلَقِ
حيثُ الأسِنةُ زُرقٌ من بَنَفْسَجهِ ... وخَضْرُ أوراقهِ فيهنَّ كالدرَقِ
وللشَّقيقِ اْحمرارٌ في جوانِبهِ ... كأنَّهن جِراحاتٌ على نَسَقِ
والرّيحُ فوق مُتُونِ الماء طالعةٌ ... بيضاً على زَرَدٍ مفْكوكة الَحلَقِ
والرّوضُ مثلُ أبى حفْصٍ وبهْجتُه ... كخُلْقِه وشذَا ربَّاهُ كالخلقِ
نَجْلُ السّرِىّ أبى العباس من ظَهرتْ ... آياتُ سُؤددِه في وجْهِه الطَّلقِ
وعلى بنوالها قول الحلي:
فَيْرُوزَجُ الصُّبحِ أم ياقُوتَهُ الشَّفَقِ ... بَدتْ فهيَّجتِ الورْقاءَ في الورَقِ
стр. 350
وبيت الشقيق من قول القاضي عياض:
انْظُر إلى الزرْعِ وخاماتِه ... تحُكى وقد ماسَتْ أمامَ الرّياحْ
كَتيِبةً خضْراءَ مهزومَةً ... شقائِقُ النُّعمانِ فيها جِراحْ
ولابن الزقاق الأندلسي
نُثِر الوَرْدُ في الغدِيرِ وقدْ ... درّجه بالُهبُوب نَشْرُ الرّياحْ
مثل دِرْعِ الكِمِىَّ مزَّقَها الطَّعْ ... نُ فسالتْ بهِ دِماءُ الجِراحْ
стр. 351
العلامة محمد دكروك المغربي
عابد زاهد، فهو مِشْكاةُ نورٍ تعلَّق قلبُه بالمساجدِ.
فأحاديثُه مصابيحُ الأنوار، وذاتهُ مشْكاةُ العلومِ والأشرار، وآثارُه مُشرِقةٌ بالكمال، وحِماهُ مَرْتَعٌ لسَوارِح الطَّلب والآمال.
تَعْبَق أرواحُ العُلا من حلاه النَّادَ، وتفُوح في مجامِر الذَّكاء الوقَّاد، وتُبشَّر بالنَّجاح، وتُنادى: حّي على خيْر الفَلاح.
مع صِيتٍ هو المِسْك الفَتِق، والروضُ المثمِرُ الأنِيق، وخُلقٍُ بكلّ ذكرٍ جميل خَلِيق، فلا يُدركه مُبار خلْفه جَرىَ، هيهات هيهات فات ذَا أثراً.
وكنتُ وأدْهَمُ الشَّبيبة طرِب العِنان، ووَرَقُها خَضِرٌ ماِئس الأفْنان، ووُرْقً مطُوقةٌ بروائع الأفْتِنان، أرُودُ مساقِطَ النَّدى، حتى عَلِق به حَبْلُ الرَّجا، وأنا في إبَّان الطَّلب، أتَّجرِ في بِضاعة الأدَب، فنزلْتُ بساحتِه، وحطَطْتُ رَحْلى على ماء سماحِته، كما قال الكِنْدى:
وحطَطتُ رَحْلىِ في بني ثُعَلٍ ... إن الكريمَ للكريمِ مَحَلّ
فورَدْتُ مَنْهَل إفادتِه الصَّافِى، وقرأتُ عليه عِلْمَى العروضِ والقوافي، وهو شِفاءُ الغليل، لا سيِما في علم الخليل، فقد تخَرّج به طُلاَّبهُ، وضُربَتْ به أوْتادُه وامتدَّتْ
стр. 352
أسبابُه، حتى قامَت به الأدِلَّة، وسلِمَتْ بلا فاصلةٍ كلَّ عِلَّة، وجرَتْ في بحارِه مياهُ الفضائل، حتى كاد أن يكذب القائل:
مثلُ العروضِ له بحرٌ بلا ماء
فكم وَشَّى رِداءَ الآدابِ ووَشَّع، وردَّ شمْسَها من المغرِب كما رُدت ليُوشَع، ولكل عصرٍ يُوشَعُ يَردُّ شمسَ الفضْل بعد الأُفول، وتشرِق شمسُ العصْرِ على القصْرِ والطُّلول.
يُقْرِى وفودَ الطَّلب بيانا، ويُقِرُّ عيونَ الأمل حُسناً وإحْسانا.
وله في المعالي أرُومة، وفي مغارِس الفضْل جُرْثُومة.
غُذَّىَ بلبِانِ وليدا وعُدّ لَبيد إذا قِيس بفصاحتِه بَليدا.
رَاق في جِيد دهْرِه قِلادَةُ الأوْصاف، وتَحلَّت بَعذْبِ مدائحِه أفواهُ الرُّواة من سائرِ الأطراف، حتى تَهادَتْه الدَّوَل، لَذِيذِ الكَرَى للمُقَل.
فهو أنْدَى على الأكْباد من قَطْر النَّدى، وألَذُّ في أفواهِ الأجْفانِ من كُحْلِ الكرَى.
فالكونُ إمَّا ناطِقٌ فمُعظَّمٌ ... حُرُماتِهِ أو ناطقٌ فَمُسَّبحُ
ثم إن الدهرَ اقتطف ثمرةَ فؤادِه، وقطَع فِلْذَة كبدِه ببعض أولادِه، فهادر إلى طَيْبَةَ وقال بها في ظِلال النَّعيم، إلى أن دعاهُ لجِوارِه المولى الكريم.
وكنتُ كتْبتُ إليه أسّلية، وأصبَّره في بَنيِه وأعزَيه:
كُنِ المُعزَّ لا المُعزَّى بهِ ... إنكان لا بُدّ من الواحدِ
لعل اللهَ يُخلِف ما أخذ من بَنِيك ومالِك، ويجعلُ الباقَي منهم كما قيل في المَثَل: فَتًى ولا كمالِك. وأنت لا تعدِم أجْرَ الصبِر على كمالِك.
стр. 353
فكم نبَتَ من غصن غصون، وطلع من حَّبةٍ سنابلُ حبّاتُها دُرٌ مَكْنون.
وفي الله الخَلفُ من كل ضائع، وما المالُ والأهلُون إلا ودائِع.
والسلام.
وكان أمْلىَ علىَّ من أشعاره، وبدائع فوائدِه وآثاره، ما حَدني عليه الدهرُ فمزَّقة أبْدِى سَباَ، وهجم عليه الضَّباعُ والنّسيان فَنهَب وسبَى.
وسهمُ الرَّزايا بالنَّفائِس مُولَعُ
)
تتَّمة وفائدة مهمَّة (
في تفسير هذا المثل، قال ابن خاَلَوَيْه في كتاب) ليس (: ليس أحدٌ سمَّى نواة النَّخلة جَريمةً إلا أوساً الأنْصارىّ، في حديثٍ له، وهو أن أوسا بن حارثة لم يكن له ولد إلا مالِك، ولأخيه خمسةُ أولاد، فلما حضَره الموتُ، قال له قومه: كنَّا نأمرُك بالتَّزوُّج في شبابِك فلم تفعل! فقال: لم يِهِلك هالك، ترك مالِك، وإن كان الخزرجُ ذا عَدَد، فليس كمالكٍ وَلَد.
стр. 354
فلعل الذي استخرج النَّخلةَ من الَجريِمة، والنارَ من الوَثِيمة، أن يجعل لمالِكِ نسْلا، ورجالا بُسْلا.
يا مالكُ، المِنيَّةُ ولا الدَّنِيَّة، والعتابُ قبل العِقاب، والتجَلُّد لا التَّبلُّد.
واعلم أنَّ القبرَ خيرٌ من الفقر.
وشَرُّ شاربٍ المُشْتَفّ، وأقبحُ طاعمٍ المُقْتَعِف.
وذَهابُ البصر، خيرٌ من كثيرٍ من النَّظر.
ومن كَرَم الكريم، الدَّفاع عن الحريم.
ومَن قلَّ ذَلَّ، ومن أَمِر فَلّ.
وخيرُ الغِنى القناعة، وشر الفقر الضراعة.
والدهر يومان، فيوم لك، ويومٌ عليك، وكلاهما مُنْتَحْذَر، وإنما تَعُزُّ مَن تَرى، ويغرَّك مَن لا تَرى، ولو كان الموتُ يُشْتَرى، لسلِم منه أهلُ الدنيا.
الشَّريفُ: الأبْلَج، والَّلئيم: الُعَلْهَج.
والموتُ المَقِيت، خيرٌ من أن يُقال هَبِيت.
وكيف السَّلامة، لمن ليست له إقامة.
وشرٌّ من المُصيِبة سوءُ الخلُق، وكل مجموٍع إلى تَلَف، حبَاَك إلهُك.
قالوا: فكان مِن نَسْل مالك بعدَد الخَزْرَج، أو نحوهم.
стр. 355
تفسيره: الجريمة: التمرةُ تُسمَّى بها النَّواة؛ لأنها منها.
والوَثيمة: حجَر القَدَّاحة.
وأمِر بمعنى: كَثُر.
والهِبيت: الضعيف الجبان.
والأبْلج: السيد الوَضَّاح.
والُمَعلَهج: المختلطِ النسب.
следующие страницы →