Полный текст (456 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
العلامة محمد دكروك المغربي
عابد زاهد، فهو مِشْكاةُ نورٍ تعلَّق قلبُه بالمساجدِ.
فأحاديثُه مصابيحُ الأنوار، وذاتهُ مشْكاةُ العلومِ والأشرار، وآثارُه مُشرِقةٌ بالكمال، وحِماهُ مَرْتَعٌ لسَوارِح الطَّلب والآمال.
تَعْبَق أرواحُ العُلا من حلاه النَّادَ، وتفُوح في مجامِر الذَّكاء الوقَّاد، وتُبشَّر بالنَّجاح، وتُنادى: حّي على خيْر الفَلاح.
مع صِيتٍ هو المِسْك الفَتِق، والروضُ المثمِرُ الأنِيق، وخُلقٍُ بكلّ ذكرٍ جميل خَلِيق، فلا يُدركه مُبار خلْفه جَرىَ، هيهات هيهات فات ذَا أثراً.
وكنتُ وأدْهَمُ الشَّبيبة طرِب العِنان، ووَرَقُها خَضِرٌ ماِئس الأفْنان، ووُرْقً مطُوقةٌ بروائع الأفْتِنان، أرُودُ مساقِطَ النَّدى، حتى عَلِق به حَبْلُ الرَّجا، وأنا في إبَّان الطَّلب، أتَّجرِ في بِضاعة الأدَب، فنزلْتُ بساحتِه، وحطَطْتُ رَحْلى على ماء سماحِته، كما قال الكِنْدى:
وحطَطتُ رَحْلىِ في بني ثُعَلٍ ... إن الكريمَ للكريمِ مَحَلّ
فورَدْتُ مَنْهَل إفادتِه الصَّافِى، وقرأتُ عليه عِلْمَى العروضِ والقوافي، وهو شِفاءُ الغليل، لا سيِما في علم الخليل، فقد تخَرّج به طُلاَّبهُ، وضُربَتْ به أوْتادُه وامتدَّتْ
стр. 352
أسبابُه، حتى قامَت به الأدِلَّة، وسلِمَتْ بلا فاصلةٍ كلَّ عِلَّة، وجرَتْ في بحارِه مياهُ الفضائل، حتى كاد أن يكذب القائل:
مثلُ العروضِ له بحرٌ بلا ماء
فكم وَشَّى رِداءَ الآدابِ ووَشَّع، وردَّ شمْسَها من المغرِب كما رُدت ليُوشَع، ولكل عصرٍ يُوشَعُ يَردُّ شمسَ الفضْل بعد الأُفول، وتشرِق شمسُ العصْرِ على القصْرِ والطُّلول.
يُقْرِى وفودَ الطَّلب بيانا، ويُقِرُّ عيونَ الأمل حُسناً وإحْسانا.
وله في المعالي أرُومة، وفي مغارِس الفضْل جُرْثُومة.
غُذَّىَ بلبِانِ وليدا وعُدّ لَبيد إذا قِيس بفصاحتِه بَليدا.
رَاق في جِيد دهْرِه قِلادَةُ الأوْصاف، وتَحلَّت بَعذْبِ مدائحِه أفواهُ الرُّواة من سائرِ الأطراف، حتى تَهادَتْه الدَّوَل، لَذِيذِ الكَرَى للمُقَل.
فهو أنْدَى على الأكْباد من قَطْر النَّدى، وألَذُّ في أفواهِ الأجْفانِ من كُحْلِ الكرَى.
فالكونُ إمَّا ناطِقٌ فمُعظَّمٌ ... حُرُماتِهِ أو ناطقٌ فَمُسَّبحُ
ثم إن الدهرَ اقتطف ثمرةَ فؤادِه، وقطَع فِلْذَة كبدِه ببعض أولادِه، فهادر إلى طَيْبَةَ وقال بها في ظِلال النَّعيم، إلى أن دعاهُ لجِوارِه المولى الكريم.
وكنتُ كتْبتُ إليه أسّلية، وأصبَّره في بَنيِه وأعزَيه:
كُنِ المُعزَّ لا المُعزَّى بهِ ... إنكان لا بُدّ من الواحدِ
لعل اللهَ يُخلِف ما أخذ من بَنِيك ومالِك، ويجعلُ الباقَي منهم كما قيل في المَثَل: فَتًى ولا كمالِك. وأنت لا تعدِم أجْرَ الصبِر على كمالِك.
стр. 353
فكم نبَتَ من غصن غصون، وطلع من حَّبةٍ سنابلُ حبّاتُها دُرٌ مَكْنون.
وفي الله الخَلفُ من كل ضائع، وما المالُ والأهلُون إلا ودائِع.
والسلام.
وكان أمْلىَ علىَّ من أشعاره، وبدائع فوائدِه وآثاره، ما حَدني عليه الدهرُ فمزَّقة أبْدِى سَباَ، وهجم عليه الضَّباعُ والنّسيان فَنهَب وسبَى.
وسهمُ الرَّزايا بالنَّفائِس مُولَعُ
)
تتَّمة وفائدة مهمَّة (
في تفسير هذا المثل، قال ابن خاَلَوَيْه في كتاب) ليس (: ليس أحدٌ سمَّى نواة النَّخلة جَريمةً إلا أوساً الأنْصارىّ، في حديثٍ له، وهو أن أوسا بن حارثة لم يكن له ولد إلا مالِك، ولأخيه خمسةُ أولاد، فلما حضَره الموتُ، قال له قومه: كنَّا نأمرُك بالتَّزوُّج في شبابِك فلم تفعل! فقال: لم يِهِلك هالك، ترك مالِك، وإن كان الخزرجُ ذا عَدَد، فليس كمالكٍ وَلَد.
стр. 354
فلعل الذي استخرج النَّخلةَ من الَجريِمة، والنارَ من الوَثِيمة، أن يجعل لمالِكِ نسْلا، ورجالا بُسْلا.
يا مالكُ، المِنيَّةُ ولا الدَّنِيَّة، والعتابُ قبل العِقاب، والتجَلُّد لا التَّبلُّد.
واعلم أنَّ القبرَ خيرٌ من الفقر.
وشَرُّ شاربٍ المُشْتَفّ، وأقبحُ طاعمٍ المُقْتَعِف.
وذَهابُ البصر، خيرٌ من كثيرٍ من النَّظر.
ومن كَرَم الكريم، الدَّفاع عن الحريم.
ومَن قلَّ ذَلَّ، ومن أَمِر فَلّ.
وخيرُ الغِنى القناعة، وشر الفقر الضراعة.
والدهر يومان، فيوم لك، ويومٌ عليك، وكلاهما مُنْتَحْذَر، وإنما تَعُزُّ مَن تَرى، ويغرَّك مَن لا تَرى، ولو كان الموتُ يُشْتَرى، لسلِم منه أهلُ الدنيا.
الشَّريفُ: الأبْلَج، والَّلئيم: الُعَلْهَج.
والموتُ المَقِيت، خيرٌ من أن يُقال هَبِيت.
وكيف السَّلامة، لمن ليست له إقامة.
وشرٌّ من المُصيِبة سوءُ الخلُق، وكل مجموٍع إلى تَلَف، حبَاَك إلهُك.
قالوا: فكان مِن نَسْل مالك بعدَد الخَزْرَج، أو نحوهم.
стр. 355
تفسيره: الجريمة: التمرةُ تُسمَّى بها النَّواة؛ لأنها منها.
والوَثيمة: حجَر القَدَّاحة.
وأمِر بمعنى: كَثُر.
والهِبيت: الضعيف الجبان.
والأبْلج: السيد الوَضَّاح.
والُمَعلَهج: المختلطِ النسب.
стр. 356
)
الخاتمة (
اعلم أنّى كنتُ في رحلتي مُتَّجِراً في بضائع الفوائد، مُغرَماً بَصْيد الشَّوارِد وقَيْد الأوابِد، اسْتِعلام خبرِ مَن لم أرَه من الأدباء والفضلاء، فسألتُ مَن لِقيتهُ من المغرب عمَّن قرُب عهدُه بها من الأعيان، وعن خَبايا الدَّفائن التي ادّخروها وهم أقلُّ من القليل، والدَّهرُ حَسود بخيل.
فمِمَّن تعطّرتُ بِطيب أخْبارِه، وتفكَّهْت بباكورَةِ ثمارِه بالمغرب:
стр. 357
حسان الدَّين بن أبي القاسم الدَّرْعِيّ المغربي
أديب حسام طَبْعِه مُرهَف، ومَشْرِ فيُّه بحُلَى الآدابِ والعلمِ مُشرَّف.
قدرُه أغْلَى من النُّجوم الزَّاهية، ومِسْك مدادِه يُرخِص شّذاهُ الغاليِة.
فاخَرت الأرضُ السماءَ بمطالعِ شمْسِه، وعَلِم قُطرُه به أن يومَه خيرٌ مِن أمْسِه.
فهو رَوْضٌ تُقَّبل الأرضَ فيه ثغوُ الزُّهور، وتُطرَّز بُرودُ الآداب بمالَه من المنظوِم والمنْثور.
أخبرني صاحُبنا محمد بن إبراهيم الفَاسِىّ - لا زال في رَوْح ورَيحْان، ولا برٍح
стр. 358
جَدَتُه روضة من رياض الجِنان - أنه أنشده لنفْسِه مُضّمنا، يخاطب محمد بن يعقوب الأندلسي:
ولي صاحبٌ قد هَذَّبتْ لي يدُ الصَّفَا ... مَودَّتَه في غِيبَةٍ وعَيانِ
ولكن هَوائي مَعْ هواُ تخالفَا ... تخالُفَ رُؤْيَا السّجنِ للفَتَيانِ
فيَهوْى بني نجْدٍ ولِينَ خُصورِهمْ ... وأهْوَى بناتِ الغَوْرِ طولَ زمانِي
يُذكّرُنِى حالِي وإيَّاهُ قولَه ... رَفيقُك فَيْسِيٌّ وأنْتَ يَمانِي
стр. 359
عبد العزيز الفشتْاَلِيّ
أديبٌ عَذْبُ الَّلسان، معاضي شَباَ السَّنان.
له دَمَثُ أخْلاق وشمائِل، تجرُّ وراءَها ذُيولَ الصَّبا والشَّمائِل.
ألطفُ من وَجَناتِ وَرْدٍ عِذارُها الآس، وأسحرُ من عيون الغِيد إذا غازَلها النعُّاس.
إن خَطَّ زَيَّن بُرْدَ البلاغةش ووَشَّاه، وتغَايَر على أخْذِ الرّقَّةِ لفظُه ومعْناه:
فيَطَرب السَّمعُ لألفاظِه ... ويرَقُص القلبُ لمْعناهُ
بهمَّةٍ هي خِذْن القَضَا، ولُطْفِ طبعٍ ألَذّ من ذنْبٍ محاه الرِّضا.
فرِيدٌ هِمّتُه إلى هضَبات الهمَّة ناظِرَة، وحيدٌ تقفُ دون اشْتهارِه الأمثالُ السَّائرة.
عَبثَت بالبيان راحاتُ فكرِه السَّاحرة، فأيقظَتْ من مَهْدِ الألفاظِ عيونَ المعاني الفاتِرَة.
стр. 360
وكان قبلَ ما جرَّ عليه الدهرُ ذُيولَه قام لإقْبالِه، وقرَّ به في الدولة العَلويَّة الأحْمدية على أمْثاله.
فممَّا ارتشَفَه فم السمع والآذان، وروِىَ بَنمِيرِه العذبِ ظامِئُ الأذْهان، قولُه:
حين أزْمعتُ عند خوفِ البعادِ ... وعَدَتْنِي من الفِراقِ العوادِي
قال صَحْبِي وقد أطلْتُ الْتِفاتي ... أيُّ تركْتَ فلتُ فؤادِي
стр. 361
عبد السلام بن سَنوُس المَغْرِبِيّ
أديب فاس، ومِسْك غِزْلان ذلك الكنِاس، ورَيحْانُهُ أهْدَى نفْحُه خبَره إلى الصَّبا الطّيب الأنْفاس.
فالله طيب الأخْبار، وما أهْداه لي من المَسارَ. مِن كلّ حديثٍ هو لِعْين الفخرِ قُرة، وفي وَجْهِ دُهْمِ الليالِي غُرّة.
ألفاظُه تضحكُ على ثُغورِ الأنوار، الضاحكة لُبكاء الأمّطار.
أنشدني له بعضُ الأدباء:
وبدرٍ لاح من تحتِ السلاهمْ ... يقولُ لكلَّ قلبٍ قد سَلاهُمْ
لئن خشُنَتْ ملابسُه عليهِ ... فقد خشنَتْ على الوَرْدِ الكمائِمْ
السلاهم: جمع سلهامة، وهي بلغة أهل المغرب بُرْنس أبيض خِشن.
وأنشدني عبد العزيز الثّعالِبي شعراً له في القمر، منه:
دَعْ ذَا وقل للناس ما طارقٌ ... يطرُقُهمْ جَهْراً ولا يَّتقِى
ليس له رُوحُ على أنهُ ... يركبُ ظهرَ الأدُهَمِ الأبَلقِ
شيخٌ رأَى آدمَ في عْصرِه ... وهو إلى الآن بِخَدّ نقىِ
وهو بوَسْط البحر مَعْ قومِه ... لاَ ينْثىِ عن نَهجِه الضَّيَّق
هذا ويمْشِي الأرْضَ في لْيلةٍ ... أعجِبْ به من موثَقٍ مطُلّقِ
стр. 362
فتارةً ينزلُ تحت الثَّرَى ... وتارةً وَسْطَ السَّما يرْتَقِىَ
وتارةً يُبْصَرُ في مغرِبِ ... وتارةً يُبْصَرُ في مشرِق
وتارةً تُبْصِرُه سابحاً ... يجّرِى بشاطِى البحْر كالزَّوْرقِ
وتارة تحسَبُه وهْوَ في ... ضَيْعَتِه والبعضُ منه بقَىِ
ذُبابةً من صارمٍ مُرْهَفٍ ... بارزةً من جَفْنِه المُطْبَق
يدْنُو إلى عُرْسٍ بَهَا حُسْنِها ... يخُتْطِفُ الأبْصارَ بالرَّوْنَقِ
حتى إذا جامَعهَا يرْتدِى ... بحُلةٍ سوْداءَ كالمُحْرَقِ
وهْوَ على عادتِه دائماً ... يُجامِعُ الأنْثَى ولا يَلْتقَيِ
ثُم يُجوبُ القَفْرَ من أجْلِها ... مًشْتملاً في مِطرَفٍ أزْرَقِ
حتى إذا قابَلها ثانياً ... تشُكُّه بالرُّمْحِ في المفَرْقِ
وبعد ذا تُلْبِسُه خلِعةً ... يا حُسْنَها في لَونِها المُونِقِ
فجسْمهُ من ذهبٍ جامدٍ ... وجلدُه صِيغَ من الزَّنْبَقِ
ثم يُرَى في حال إتْمامِهِ ... مثلَ مَجِنّ المِحْرَبِ المُلتقى
وهْو إذا أبْصَرْتهَ هكذا ... أحسنُ مِن صاحِبَةِ المَفْرِقِ
وقد نُسِب هذا لغيره.
стр. 363
السيد عبد الخالق الفاَسِيّ
أديبٌ تَجْتَنِى منه الألْبابً يانِعَ ثمراتِها، وسماه لم تخرُج بدُورُ كمالِه عن هالاتها.
فرعٌ من شجرةِ النُّبوة، المَسْقيِة بماء الوَحْى والفُتوَّة.
فعَلاَ وسَماَ، فأصلُه ثابت وفرعُه في السَّما.
فطِرازُه مُذْهَب على كُمّ المجْد، أنه من ذُؤابةٍ تَنًوس بين تِهامة ونجْد.
عِقْدٌ على صْدرِ المناقب العليَّة، وتاجٌ معقودٌ برأسْ العصابة العَلَويَّة.
تَولَّد بين المصطفى ووَصِيَّة ... ولا غَزْوَان تزْكُو هناك الغَرائِسُ
شَمَّامةٌ في يدِ الأدب، ورَيحْانة من رياحِين العرب.
لم تزل سيّارةُ المسائل تَلَقط أخبارَه، ورُكْبان الأخبار تتزوَّد وتَمْتاز أشعارَه.
فمما أنشدني له الأديب محمد الفاَسِي:
إذا ما رْمتَ نُصحَ النَّاسِ طُرا ... تحَرّ المُقْبلين ذوِى الإياَبِ
فلا تُسْمِعَ سِوى مَن كان حَبَّا ... وإلا لا خَراجَ على خَرابِ
стр. 364
السيد يحيى القُرطْبِيّ
هو فيما بَلغني روضٌ مُخصِب ربيع، من وادٍ بالفضل مَرِبع.
مِن فُرُوعِ الدَّوْحَةِ العَليّة العلَوية، وثمراتِ تلك الشجرةِ النبوية، الباسِقة بما سقاَها من ماء الندى، والمُورقة المُثْمرة بالعلم والهُدَى.
فَخَارٌ لو أنَّ الشمسَ تُكْسى سَنائًهُ ... لما غشِيَتْها المُظْلمِاتُ الدَّوَامِس
أسِر بالأنْدلس في وَقعةٍ أسَرَتْ أفراحَ القلوب، وشَقَّت قلوبَ المؤمنين قبل الُجْيوب، فأصبحَ في حالٍ تعُدُّ المَنايا أمانياَ، ويَرى لضَعْفِ الدّين الموتَ طبيبِاً شافيا.
إذ عَثُرتْ خيولُ الفِتَن والنّقَم، بَذوِى المروءةِ والنّعم، فأرسلَ قصيدةً نعَى بها الإسلام، ونادى ملوكَ الرُّوم وعلَماءها الأعْلام، فلم يجد بها صَفيِا، يقول له لقد أسْمَعْتَ لو ناديتَ حَيا، وذلك في عهد السلطان سُلَيمان، الذي دخل في خبركان، وهي هذه:
لكلّ شئ إذا ما تمّ نُقْصانُ ... فلا يُغَرُّ بطيبِ العيش إنسانُ
هيَ الأمور كما شاهدُتَها دِوَلٌ ... مَن سرَّه زمنٌ ساءتْه أزْمانُ
وعالَمُ الكونِ لا تْبقَى محاسنُه ... ولا يدومُ على حالٍ لها شَانُ
стр. 365
يمُزَّقُ الدهرُ منَّا كلَّ سابِغةٍ ... إذا نَبَتْ مَشْرَ فيَّات وخُرْصانُ
وينْتضَى كلَّ سيفِ للفناءِ ولو ... كان ابن ذِى يَزِنٍ والغِمْدُ غُمْدانُ
أينَ الملوكُ ذوو التّيجانِ مِن يَمَنٍ ... وأينَ منهم أكاليلٌ وتيِجانُ
وأين ما شادَه شَدَّادُ من إرَمِ ... وأين ما سَاسَهُ في الفُرْس ساَسانُ
وأين ما حازَه قارونُ من ذهبٍ ... وأين عادٌ وشَدّادٌ وقَحْطانُ
أتى على الكلَّ أمرٌ لا مَرَدّ له ... حتى قَضَوْا فكأنَّ الكُلَّ ما كانُوا
وصار ما كان مِن مُلْكِ ومن مَلكِ ... كما حكَى عن خَيالِ الطَّيْفِ وَسْنانُ
دار الزَّمانُ على دَارَا وقاتلِه ... وأمَّ كِسْرَى فما آواهُ إيوَانُ
كأنّما العَّصْبُ لم يُسْهِل سَببٌ ... يوماً ولم يَمْلكِ الدُّنْيا سُليمانُ
فَجائِعُ الدَّهرِ أنواعٌ مُنوَّعةٌ ... وللزَّمانِ مَسرَّاتٌ وأحْزانُ
وللمصائبِ سُلْوانٌ يُهوَّبُها ... وما لِماَ حلَّ بالإسْلامِ سُلْوانُ
دَهَى الجزيرةَ خَطْبٌ لا عَزائ له ... هَوىَ له أحُدٌ وانْهدَّ ثَهْلانُ
أصابَها العينُ في الإسْلام فامْتُحنتْ ... حتى خلَتْ منه أقْطارٌ وبُلدْانُ
فَسلْ بَلَنْسِيةً ما شأْنُ مُرْسَيةٍ ... وأين قُرْطَبةٌ أم أين جَيَّانُ
стр. 366
وأين حِمْصٌ وما تحْويهِ من تُرَهٍ ... ونهْرُها العذبُ فيَّاضٌ ومَلآْن
كذا طُلَيْطُلًةُ دارُ فكْم ... من فاضلٍ قد سمَا فيها له شَانُ
وأين غَرْناطَةٌ دارُ الجهادِ وكمْ ... أُسْدٍ بها وهُم في الحرْب عُقْبان
وأين حَمْراؤُها العَلْيا وزْخرُفُها ... كأنَّها من جِنِان الخُلْدِ عَدْنان
قواعدُ كُنَّ أركانَ البلادِ فما ... عسى البكاء إذا لم تَبْقَ أَرْكانُ
والماء يجْرِي بساحاتِ القصور بها ... قد حَفَّ جدْولَها زَهْرٌ ورَيحْانُ
ونهرُها العذبُ يحكي في تَلسلهُ ... سيوفَ هندٍ لها في لحوَ لمعانُ
وأين جامُعها المشهوُر كم تُليِتْ ... في كلّ وقْتٍ به آيٌ وفُرْقانُ
وعالِمٌ كان فيه للجَهُول هدًى ... مُدرّسٌ وله في العِلمْ تِبْيانُ
وعابدٌ خاضعٌ للهِ مُبْتهلٌ ... والدَّمعُ منه على الخدَّيْنِ طوفانُ
وأين مَالَقَةٌ مَرْسَى المراكِبِ كمْ ... أرْسَتْ بشاحتِها فُلكٌ وغِرْبانُ
وكم بداخِلها من شاعرٍ فَطِنٍ ... وذِى فُنونٍ له حِذْقٌ وتِبْيانُ
стр. 367
وكم بخارِجها من مَزْهٍ فرجٍ ... وَجَنَّةٍ حولَها نهرٌ وبُسْتانُ
وأين جارتُها الزَّهْرَاء وقبَّتُها ... واين يا قومُ أبْطالٌ وفُرسانُ
وأين بَسطةُ دارِ الزَّعْفرانِ فهلْ ... رأى شبيهاً لها في الحُسن إنْسانً
وكم شجاع زعيمٍ في الوغَى بطَلٍ ... بدَا له في العِدى فَتْكٌ وإمْعانُ
كم جَنْدلتْ يدُه من كافرٍ فَغدا ... تبْكيهِ من أرْضِه أهلٌ ووِلدانُ
ووَادياً مَن غدَتْ بالكفر عامرةً ... ورُدَّ توحيدُها شِرْكٌ وطُغْيانُ
كذا الْمَرِيةُ دارُ الصّالحين فكمْ ... قُطْبٍ بها عَلمٍ غَوْثٍ له شانُ
تبْكِى الحنيفَّيةُ البيْضاء من أسَف ... كما بكَى لفِراق الإلْفش هَيْمانُ
حتى المحاريبُ تبْكى وهْىَ جامدةٌ ... حَّى المنابرُ تبكى وهىْ عِيدانُ
على ديارٍ من الإسْلام خاليةٍ ... قد أقْفَرتُ ولها بالكفر عمرْانُ
حيثُ المساجد قد أمْسَت كنائسَ ما ... بهِنَّ إلا نَواقيسٌ وصلْبانُ
يا غافلاً وله في الدَّهرِ موعِظةٌ ... إن كنتَ في سِنَةٍ فالدهرُ يْقظانُ
وماشياً مرِحاً يُلْهِيه موطِنهُ ... أبَعْدَ حِمْصٍ تَغُرُّ المرْءَ أوْطانُ
تلك المصيبةُ أنْتْ ما تقدَّمَها ... ومالَها مَعْ طويلِ الدَّهْر نِسيْانُ
يا راكبينً عتِاقَ الخْيل ضامِرة ... كأنَّها في مجالِ السَّبْق عِقْبانُ
وحاملينَ سُيوفَ الهنْدِ مُرهَفةً ... كأنَّها في ظلام الليلِ نِيرانُ
стр. 368
ورائعينَ وراء النهَّرِ من دَعَةٍ ... لهم بأوْطانِهم عِزٌ وسُلطانُ
أعندكُمْ نَبَا من أمْر أندْلس ... فقد سَرَى بحديثِ القومِ رُكبانُ
كم يْستغيثُ صنادِيدُ الرّجالِ وهُمْ ... أسْرَى وقْتلى فلا يهتزّ إنْسانُ
ماذا التقاطُع في الإسْلام بينكمُ ... وأنُتُم يا عبادَ اللهِ إخْوانُ
إلا نُفوسٌ أبيِاَّتٌ لها هِممٌ ... أمَا على الخيرِ أنْصارٌ وأعْوانُ
يا مَن لنُصْرةِ قومٍ قُسَّموا فِرقاً ... سطَا عليهم بها كفرٌ وطغْيانُ
بالأمسْ كانوا مْلوكاص في منازِلهمْ ... واليومَ هم في قُيودِ الكفرِ عُبْدانُ
فلو تراهمْ حيَارى لا دليلَ لهمْ ... عليهمُ من ثيابِ الذُّلّ ألوانُ
فلو رأيتَ بُكاهُمْ عند بَيْعِهمُ ... لهالَكَ الأمرُ واسْتَهْوتكْ أحْزانُ
يا رُبّ طفلِ وأم حيلَ بينهُما ... كما تفُرَّق أرواحٌ وأبْدانُ
وغادةٍ ما رأتْها الشمسُ بارزةً ... كأنَّما هيَ ياقوتٌ ومَرْجان
يقودُها مِلجُ عند السَّبْي صاغِرة ... والعينُ باكيةٌ والقلبُ حَرَّان
لمثْل هذا يذوبُ القلبُ من كمدٍ ... إن كان في القلب إسْلامٌ وإيمانُ
هل للجهادِ بها من طالب فلقدْ ... تزَخْرفَتْ جَنَّةُ المأوى لها شَانُ
وأشرفَ الحورُ والولدانُ مِن عُرَفٍ ... فازَتْ لعَمْرِى بهذا الخيْر شُجْعانُ
ثُمَّ الصَّلاُ على المختارِ من مْضَر ... ما هبَّ رِيح صَباً واهتز أغصانُ
стр. 369
)
فصل (
هنا تُكَسب العَبرات، لتُطِفئ نيران الحَسرات.
فهذه الأنْدلس دارُ الإسلام، ملكها الكفُارُ وبُدَّل نورُها بالظَّلام.
وجوامعُها صارت كناِئس، وأسودُها لكِلاب الكفرِة فرائس.
وجامعُ قُرْطبَةَ الكبيرة مملوءة بالكتُب مسدُودُ الباب، ومأْوًى للحشَرات ومَرْقدٌ للكِلاب.
وأسطولُ الرُّوم يُنْفَق عليه الأموال، فتخرجُ رؤساؤهم بُعدَد الحرب والرّجال، ويأخذون الجِزيْة من فقراء المسلمين، فإذا عادوا عَدُّ أنفسهم عُزاةً غانِمين.
ولولا أهلُ المغرب والجزائرِ، لم يكن للدّين مُعين ولا ناصر.
وقد سلَّط الله عليهم بنى الأصْفر، فصار عَيْشُهم أسودَ بالموْتِ الأحمر.
وسَّلط على قُسْطَنْطِينيَّة دوامَ الطَّاعون الجارِف، فقلوبُهم راجِفة وعيونُهم بالدّماء ذوارِفِ.
وتَرى حريقَ تلك الدّيار، لا يخُمد في ليلٍ ولا نهار، لما بِها من ظَلمَة الوُزَرا، وإنّما طَغَوا بُعلماء سوء وقضاة عمّ جهلهمُ سائر الورَى.
لعَمْركَ قد عمّ الحريقُ بَبلْدَةٍ ... بها علماءُ الروم في الجهل والعَمَى
ومن مالكِ وافَى رسولُ حريقهمْ ... دعاهمُ إلى نارِ الجحيم جَهَنمَّاَ
فقال أقفلوها واقبضوا أُجْرةً لها ... فإن هُدِمتُ يُنْبنَى بها ما تهدّماَ
стр. 370
فطالَبْهم خُزَّانُها بَوقودٍها ... وما صَرفوهُ في زمانٍ تًقدَّماَ
فأفْتاَهُم المْفتى بأنَّ ضَمانةُ ... عليهمْ وأن الغُرْمَ للبُطء مَغْنمَاَ
ومن كثْرة الدَّيْن المحيط بما لِهْم ... أباح رِشاً قد كان رَبّىَ حرَّماَ
فهذه إِنْذارات ثلاث، جرت عادةُ الله بعَدها بالخَراب، واسْتئصال مَن بها بأشدّ العذاب والعِقاب، كما قال الله تعالى) وَإذَا أَرَدْناَ أَنْ نُهْلِك قَرْيةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِها فحقّ عَلَيْها القَوْل فَدَمَّرْناَهَا تَدْمِيرا.
وهذا المعنى في الحريق ظنَنْتُ أنَّى لم أسَبق إليه. ثم رأيتُه شعر أبى الحسن المنجَّم حيث قال:
أقولُ وقد عانْيتُ دارَ ابْنِ صورةٍ ... وللنّار فيها مارِجٌ يتَضرَّمُ
كذا كلُّ مالٍ أصُله من نهاوِشٍ ... فعمَّا قليل في نَهابرَ يُغرَمُ
وما هُو إلا كافرٌ طالَ حَبْسُه ... فجاءتُه لَّما اسُتَنبْطاتهُ جَهَنَّمُ
ومثله قول الآخر، فيمن انْكسَرت يدُه.
قالوا فلان على ما فيهِ من عِبرَ ... قد أصْبَحَتْ مذُه مَذْمومَةَ الأثَرِ
تأخَّرَ القْطعُ عنها وهُىَ سارِقةٌ ... فجاءها الكسُرُ يسْتَقْصى عن الخبرِ
وقوله) يستقصى (الخ فيه لُطف، يعرفه من له شَمَّة من الأدب
стр. 371
ذكر مكة المشَّرفة ومن بحماها
صانها الله وحَماها وزادها تشريفا وتكريما وتعظيما .
стр. 372
لَّما اْمتطَيْتُ مطاياَ الهِممَ، ووجَّهتُ وَجْه عزْمى إلى قِبْلة الأمم، ورَعيْتُ بالأحْداق حدائقَ تلك المسارح، وقد سالَتْ بأعْناق المَطىّ الأباطِح، في وَفْدٍ ركب عزمُهم غاربَ المَسرَّة وامْتطَى، وهَتْهمُ النُّجبُ إلى أوْدِية بضلُّ فيها القَطَا، فقطعُوا مَهامِةَ وأطْلال، يخاف أن يَسْرِى بها طَيْفُ الخيال.
فكم لاحت جداول موارد النوق جسورها، وسارت بهم سفائن بر والسراب بحورها. فكأنَّها أشْجار، يحرّكها صَبا الأسْحارِ.
تَسْقيها من السُّرى غمائِمهُ، وتزهو على نَوْرِ الخدودش كمائمهُ.
والشَّمالُ تحْدُوهم بمِسْكىّ الأنْفاس، والسماءُ حديقةُ نرَجسَ بين رَيحْانٍ وآس.
حتى الْتَتقط كف الصَّباح زُهرِه، وقطَفتْ بَنَفْسجَ الظَّلمْاء راحةُ فجْره، ووَرَد سِرْحانهُ غديرَ الصَّباح ونادَى القُمْرى على منارِ الدَّوح: حي على الفلاح.
ولم أزل أدْابث في التَّسْيار، إلى أن نفضْتُ عن منِكب المشقَّة غُبارَ الأسْفار، فنزلتُ بجوار بيُت الله الحرام، وتطيبتُ بمِسْك تراب الحطيم والمقَام.
وقلتُ:
بمكَّة لى غَناء ليس يفْنَى ... جِوارُ اللهِ والبيتِ المُعظمْ
ففيها كِيمياء سعادةٍ قد ظفرْت بها من الحَجر المُكرَّم.
стр. 373
فلما أفَضْتُ من تلك المناسِك بتلك البِقاع، طُفْتُ بها بل بالمسَرَّة طَوافَ الوَداع، وخرجتُ من أحبّ البلاد، والله لا يدعُو إلى دارهِ إلا مَن اسْتَخْلصَه من العباد.
وما دَرَى البيتُ أنى بعد فُرْقتِه ... ما سِرْتُ من حَرم إلاَّ إلى حَرَمِ
قاصداً طَيْبةَ الطَّيبة المُطَيَّبَة، وارداً موارد آمالي المُسْتَعْذَبة.
وقد قيل في زُرقِ العيون شآمةٌ ... وعنْدِيَ أن اليُمْنَ في عيْنها الزَرْقَا
فكلَّما سَرى في الصّبا نَسْرُ بطاحِها، وَدَدتُ لو أعارَتْني الُعابُ خفِافَ جناحِها، إلى أن لمَعت أنوارُ الهُدَى، من سماء العُلا وقبِاب الحمَى.
لِمَهْبط الوحْي حقَّا ترحلُ النُّجبُ ... وعند هذا المُرَجَّى يْنتَهي الطَّلبُ
فنزلتً اعتِنقُ الأراكَ مُسلّما، وكِدْتُ إلمُ أخْفافَ الرّواحل، إذ أوْصلتْني إلى أعذبِ المناهل، ولم اقلْ على قلق الوَضين أشْرقي بدَم الوَتين.
فإذا المَطيِ بنا بَلغْنَ مُحَّمداً ... فظهُورهنَّ على الرّجالِ حَرام
قرَّبْنَنَا من خيرِ مَن وَطِئ الثَّرىَ ... فلَها علْيناَ حُرْمَةٌ وذِمامُ
فحلَلْتُ في أرفعِ مَقام، تُفاخِر فيه الرُّوس الأقْدام، ويشَهد نَشرُ المِسك بفضل غُبارِه، وتُقرُّ الجواهرُ بأنَّها دون حَصاه فضْلاً عن أحْجارِه.
стр. 374
وفاخَرتِ الشُّهبَ الحصىَ والجنادِلُ
فلذا صحَّ رَمْىُ الجمار، بحصْبائِها الصّغار، ولم يِصحَّ والدُّرَر، وما ذاك إلا لِشَرَفٍ خصَّة بها خالقُ القُوى والقُدَر.
فنزَّهْتُ عيونَ أملي في روضةٍ ذاتِ أنْوار، وعِلمتُ وهي من رياض الجَّنة أني لا أدخلُ بعدَها النَّار.
وأنا الآن منتِظرٌ لألطاف رَبّى، وهو في كلَّ الأمورِ حسْبى، أن يُعيدني لجوارِه، واجتْلاء نُورِ حَبيِبه ومخُتارِه، به إليه مُتوسّلا، وفي نَيْل رجائي مُتوكّلا لا مُتأكّلا.
وقد تأمَّلت دعوةَ أبي الأنبياء إبراهيم، وقولَه:) فاجْعَلْ أَفْئدِة مِنَ النَّاسِ تَهْوِى إلَيْهمْ (إذ لم يقل: اجْعل الناسَ تهْوِى إليهم:؛ لأن المرادَ أنَّ الشوق يجذبُهم إليه، ويعُلق مشكاة قلوبهم بسلاسلِ أنوارِه، حتى يراهم بغيرِ اخْتيارٍ له مُتوجّهين، وهم تحمُّل المشاقّ بوَعْثاء السفر غيرُ متضجَّرين.
كأنما هو مِغناطيسُ أنفسِنا ... فحيثما كان دارَتً نحوَهُ الصُّورُ
ولذا جعل الطائفُ البيتَ على يَسارِ؛ لأن القلبَ في جهِةِ اليَسار، وقد كان قبل الوُصولِ مائلاً إليه، فلما وصل دام على ما كان عليه.
كما قلتُ:
قل لَمن لامَ على سَعْيي له ... قصَّرِ الَّلْومَ وإن شئْتَ لُمِ
مَن أتى قْلبي إليه ساعِياً ... كيف لا يسْعَى إليه قدَمِي
стр. 375
ذكر الدولة الحسَنيَّة
ومن بها من بَقِيّة العلماء والشعراء والأعيان
هو بيتٌ أسّستْ عُمُدُه على الخِلافة، وقُطَّرت من شَعْبِ شجَرتِه مياهُ اللطافة، وغرِست بين أثلاثِ المجدِ اعوادُه، فاستراحَتْ عنده الآمالُ وتعِبتً حُسَّادُه.
قَصْرُ مَعالٍ يردُّ الطرفَ كليلا، ونسيمَ الشمالٍ عَليلا.
أعْلَى الممالِكِ ما يُبْنَى على الأسَلِ فهو سُورُ الخطوب، وخليفُة أخْلاق الصّبا والَجنوب.
تُقصَد بتُحَفِ المدائح، فيشترونَها بنقْد المنائح.
فعندهم مَحطَّ الرُّكْبان من الأطْراف، وريحُ المحامدِ مَتْجَرُ الأشْراف.
فإذا كان الدَّهر قاتِمَ الأعْماق، مُسوَدَّ النَّواحِى، فوجوُهْهم نُجومِى ووَضَّاحُ عُرَرِهم صَباحِى.
فكم راضُوا الزمنَ بعد الحِرَان، فأصبحَ سَهْل القِيادَ رخِىّ العِنان.
стр. 376
تتحلّى بذكرِهم الأفواه، ويفوح نشر الطيب خالطته الأفواه وغُرَرُهم في حباه الليالي والأيام، يعجَزُ عن وصِفها أفْواه الدُّوِىّ وألسنةُ الأقلام.
في سماءِ مَعالٍ ماء مجَرّتها مَورُود، ينبتُ في حافاتهِ شقائِقُ الشَّقيقِ مُتورّدةَ الخدود.
فاكتحَلتْ بالسحرَ مقْلةُ دياجيِها، وقُلَّدتْ بجواهر النُّجوم لَبَّاتُ لياليِها.
إلى أن أدّبتْ أمانةُ المُلكْ إلى:
стр. 377
أبى نُمىّ بن بَرَكات
فهطَلتْ منه على رياضِ الحرمَينْ سحائبُ البركات.
وله شعرٌ نفحاتُه ذكِية، وفصاحتُه عَليَّه عَلَوية، كقوله في المقام اليُوسُفِى بمصر والأداهمِ أحْجال، والقُيود كما قيل خلا خيِلُ الرّجال، وقد لمعَ برَقُ الحِجار فكاد يطيرُ شوقاً لحِمى النَّوى والحِجاز:
ما يلْمعُ البرقُ من تِلقْا ديارهمُ ... إلا ولىِ مدْمَعٌ بالسَّفْحِ هَطّالُ
واللهِ لولا قيودٌ في قوائمنا ... من الجميل وفي الأعْناقِ أغلالُ
لكان لي في بلاِدِ اللهِ مُتّسَعٌ ... وفي الملوكش لُباناتٌ وآمالُ
لي حُرْمةُ البيتِ والجارِ القديم ومن ... أتاكمُ وكهولُ الحي أطْفالُ
أتيْتُكُمْ وجلابيبُ الصّبا قشبٌ ... فكيفَ أرْحلُ عنكمْ وهْىَ أسمال
وفي البيت الأخير معنى لطيفِ، وهو كقولي:
تاللهِ ما فارقْتُ لي وطناً به ... بُردٌ جرَرْتُ من الشبيبةِ زَاهِي
إلا لأنّي أسْتحِي من رَدّهِ ... خَلفَاً أرقّعُه بعُذْرٍ واهِي
стр. 378
شهاب الدين أحمد الفَيّوميّ
ومن فحول شعرائِه المقلَّدين جيِدَ محَّبتهم بطَوْقِ ولائه: شهاب الدين أحمد الفَيّوميّ
أديبٌ نسقَ من جواهرِ كلامهِ أكاليل دُر ما لمْنظومِها سِلك، وجرَت مياهُ البلاغة في رياضِ نظامهِ فذابتْ كذَوْب التْبر أخًلصه السَّبك.
إذا امتَدّ خطوُه إلى المجدِ وكرَم الخيِم، وهو أسرعُ من رَجْع يدِ الذَئب وأوْسع من خَطو الظّليم.
جمَعْت له الحظُوطُ من تلاِلها ووِهادِهاً، وقِيدَت له القلوب بأزِمةِ ودادها.
وأنشده يوماً قصيدة بائيَّة، امتدَحه بها، فلما وصل إلى قوله فيها:
يهتْزُّ من تحت السّلاحِ كأنه ... رَيْحانةٌ لعِبتْ بها ريحُ الصّبا
جَثَي على رُكبتْيه ووَثب، وتطايرَ من إحداقه شَرَرُ الغضب، وكاد أن يُكلمه بألسنِة السيوف، ويخلعَ عليه خلعة حمراء بلا أزْرار فصلَتها يدُ الحتوف، فلما قال بعده:
في كلّ مَنْبِتِ شَعْرةٍ من جسِمه ... أسَدٌ يمدُ إلى الفرِيسةِ مخْلباَ
قال: عفوتُ عماَّ فات، أولئك يُبدّل الله سيَّئاتهم حسَنات.
) وديوان (شعره مشهور، ودرُّ برَاحتِه في نادي الأدب مَنثْور.
ولما ارْتحل إلى القاهرة، قال متشوّقا بأم القرى معاهدَه ومآثره:
стр. 379
يا رَبّ وَصْلٌ ولا سَلْوةٌ ... لا زَوْرةٌ مِن طْيفِهمْ لالِقاَ
إن لم يكنْ في وَصْلِهمْ مَطْمعٌ ... فلا تعُذّبْ مُهجتِي بالبَقَا
وله فيه مدائح عديمةُ الأمثال، سائرة في الآفاق سَيْرَ الأمثال، منها قصيدته التي عارض بها قصيدة صَفَّي الدّين الحّلىّ، التي مطلعُها:
أذابَ التّبرَ في كأسِ اللّجينِ ... رَشاً مْخضُوبُ اليَديْنِ
وأولها:
بدَتْ فأرْتْكَ شمسَ المَطْلعَين ... فتاةٌ أسْهرتْ بالمطلِ عَيْني
وعلى منوالها قصيدة الشّهاب المْنصُوري، أحد الشهب السّبعة، وأولها:
بكيْتك يا غزالَ الأجْرعيْنِ ... وقد رِبحتْ عليكَ الأجْرَ عَيْنيِ
ومن شعره قوله مضمنا:
لقد عذَلتُ فلانَ الدّين حين علا ... عليه عَبْدٌ فقال أقلل من العذَلِ
فإن عَلاني مَن دوني فلا عَجبٌ ... ليِ أسُوةٌ بانْحاطِ الشّمسِ عن زُحَلِ
وله أيضا:
أواخِرُ الخمر فيها ... على الأوائِل فَضْلُ
تمرُّ دَوْراً فَدَوْراً ... وكلَّما مَرّ يَحلو
وله في من اسمه حسين:
تركْتَ جَفْني واصلا والكَرَى ... راه فجُدْ بالوَصْل فالوصلُ زَينْ
стр. 380
ولا تُحبِنْيِ عن سؤاليِ بلاَ ... فالقلبُ يخْشَى كَرْبَ لاَ يا حُسَينْ
وفي قوله:) زين (إيهامٌ غيرُ زَيْن، لأن العامَّة تقول في حروف الهجاء زين، والصحيح فيها زَاء بالمدّ والقصر، ويقال زَىْ بزنة كَى، كما قاله ابن جِنّى وأما هذه فتحريف قبيح.
وله أيضا:
حَجَّ للبْيتِ اخْتِلاساً ... وفَساداً فلأَنامِ
مُذ رآهُ النَّاسُ قالوا ... حَجَّ للبيْتِ الَحرامِ
стр. 381
السيد حسن بن أبي نُمَىّ
ثم خلفَه ابنه حسن، ومَن حديثُ مناقِبه مستفيضٌ حَسن.
وما محاسٍنُ شَئ كلُه حَسَنُ
فقد سارتْ بمآثره الرُّكبان، وتحلّى بذكرِه كل لسان.
فالحِلّ يعرفُه والَحَرم، والمجدُ ينطِقُ بمحامدِه والكَرَم.
وإنما المرءُ حديثٌ بعدَهُ ... فكُنْ حديثاً حَسناً لمن وَعى
فقد خَفَتْ في الخافِقَين راياتُ مَكارمِه، ونُصِبتْ على أعلام كماتِها بين مَعالِمه، وسرَتْ سحائبُ كرمِه ولها من غُرَّته برِيق، وتفرَّقت أنهارُ جودِه في كلّ فَريق، حتى طَفت على هضَباتِ الُعذَيْب والعقِيق.
وله فَضْل فضاء عَلَوي حلَّ بين الرّفْق والباس، وأبس عن إدْراك حَدْسه فيه إياس،
стр. 382
بين حماسةٍ وسماحة، وفصاحةٍ وصَباحَة.
إذا زان قوماً بالمناقبِ واصِفٌ ... ذكَرْ فضْلاً يَزينُ المناقِبَا
وجلالهُ هْيبةٍ لا تُريد حاجباً، وشِيمٌ شمٌ لو تجسَّمت كانت بوجهِ الدَّهر عَيْناً وحاجبا.
فكم أوردَ النجَّيعَ سيفَه المجرّد عن العلاِئق، وأصدَره ثائرا على غَدِير لامَته من الدماء شقائِق.
مِن فِتْية إذا تصافحوا بالصِّفاح، تهللَّتْ ضاحكةً بالنَّجِيع ثُغورُ الجراح.
حَلِيمٌ إذا ما الحِلمُ فَكَّ حِزامَهُ ... وَقُوفٌ ولو كان الوُقُوفُ على جَمِرْ
مع محاضرات لو سمع بها الرَّاغب سعَى لها راغِبا، وأبكارُ أفْكارٍ لا يكافِئها إلا مَن كان بمتاع الحياةِ خاطِبا.
ما عُذْرُ مَن ضربَتْ به أعْراقُه ... حتَّى بلغْنَ إلى النَّبيّ مُحَمدٍ
أنْ لا يَمُدّ إلى المكارم باعَةُ ... وينالَ غاياتٍ العُلا والسُّوددِ
مْتخلفّاً حتىَّ تكونَ ديُولهُ ... أيْدِي الزَّمانِ عمائماً للفَرقَدِ
بلَغني أن بعض بني عمَه ورَد نَدِبَّه، جارا لِذيْل التّيهِ والَحمِيَّة الهاشِمَّية، فتصدَّر عليه شخصٌ في ذلك النَّادي، فتجعَّدت أساريرُ وسيفُ حِدَّتِه من غْمِد التَّصير بادِى، فلما فِطن لذلك قال: إنه ليقودُنِي زِمامُ العجَب، ويُهزُّ عِطْفَ أرْيَحِيَّني ساعدِ الطَّرب، بقصيدِة المُتنّبي، التي أوَلها:
стр. 383
فؤادٌ ما تُسلَّيهِ المُدامُ ... وعُمْرق مثل ما تهَبُ اللَّئامُ
فتسلَى بذلك وتعلَّل، وتبَّسمَ وجهُ مسَرَّته بعد القُطوب وتهلَّل، إذ فِهم تلْويَحه، لقوله فيها.
ولو كان المكانُ له عُلُوٌّ ... لطارَ الجيْيشُ وانْحَطَّ القَتامُ
وفي معناه قولي، من فصل: لو كان الشَّرفُ بالمكان، ما انحطَّتْ النارُ وعَلاَ الدُّخان.
وقولي من قصيدة:
لم أدْرِ يومَ الحربِ هل ثار الثَّرَى ... أم خَيْمةٌ نُصِبتْ عليه وقد سَرَى
أم نالَهُ شرَفٌ بِمَسّ نِعالهِ ... فَعلاَ رُءوسَ عِداهُ حين تكبَّرَا
أم راح مُشْتكِياً إلى خَلاَّقِه ... دَوْسَ الجِيادِ عليه حّتى يُنْصَرَا
ومما يحسُن إيراده هنا قول أحمد المعرّىّ:
قل للرّئيس أبي محَّمدِ الرّضا ... قولَ أمْريِ أبْلاَه حُسْنَ بلاءِ
مِن حوْلِ برْكتِك البهية سادةُ الْعلماء والفضلاء والرؤساءِ
لو أنْصفوك وهم قِيامٌ أشْبَهَتْ ... أشخاصُهمْ أمْثالَها في الماءِ
ومنه أخذ الأرَّجاِني قوله:
هذا الزمانُ على ما فيه من كَدَرِ ... يحْكى انْقلابُ لياليهِ بأهْليِه
стр. 384
غديرَ ماء تراءَى في أسافِله ... خَيالُ قومٍ تمَشَّوْا في نَواحِيهِ
فالرّجلُ تنُظْرُ مرفوعاً أسافِلُها ... والرأسُ ينُظْرَ منكَوساً أعاليهِ
وقوله) على ما فيه من كدر (من حَشْو الَّلوزِيَنج، أما ترى قول المعرّي
والخِلُّ يُبْدِى لي ضمائِرَهُ ... مع الصّفاءِ ويُخْفِيها معَ الكَدَرِ
وأحسن من هذا كله قولي:
خليَلّى ذِي الدنيا الدّنَّيةُ لم تزَلْ ... تُعادِي حُرّا شريفَ المناقبِ
أسافِلُها تعلُو أعالِيهاَ كما ... يَراهُ لبيبٌ عارفٌ بالعواقبِ
إذا صُوّرتْ للنّاسِ معكوسةً بدَتْ ... فلا تَعْجَبَبنْ والدّهرُ بَحْرُ العجائبِ
عَوْدٌ إلى سيرة ابن سيد النَّاس، الذي تسير الصبا بعبير لطفه ديبة الأنفاس: كنت قبل أن تعرى أفراس الصَّبا، ويتفرَّق شْملُ الأيام أيْدِي سَباَ، لمَّا أرْتحا مع والدي لذلك المُمَجَّد، لنجْتليَ وجهَ المليحةِ في الخِمارِ الأسْود، رأيتُه وقد أبْيَضَّ على لِمَّتِه، وثَقب الشيبُ مِغُفَرَ هامتِه، وقد علا هامَ السَّتين، وتَرقّى شرَف السَّبعين.
وإن امرأ قد سار سْبعين حِجَّةَ ... إلى مَنْهلٍ من وِرْدِه لَقريبُ
مُشمَّراً لِمخَاضِها واقفاً على حياضِها، بفكْرةٍ ما كانت النّيرانُ تخ لو رُزقتْ بعضَ ذكائها، وبِكْرِ هِمَّة إذا جُليِتْ لا يُعَدُّ غير المجد أكْفائِها.
стр. 385
قد قَلَّمَتْ يدُ عزائِمه أظفارَ الخُطوب، وكادت لا تطأ الحرمً بغْير إذْنِه الصَّبا والَجنوب.
يسوق لأعْدائِه جُنودً الحتوف، ويرى وُجودَهم ذنْباً لا يعتذِرُ عنه غيرُ ألسنةِ السيُّوف.
فكل حديث صدَر منهم وحَدثَ، لا يرفُعه إلا التّيمًم بتراب الجَدَث.
ولى صَوارِمَه تْذيبَ قولِهمُ ... فُهنَّ إلسِنةٌ أفْواهُها القِمَمُ
إذا تربَّعَ رأيهُ في نادٍ واحْتَبى، قامتْ بين يدَيَه الهِمَمُ وحُلَّت الحُبَى.
يضَطْرب لهِيبتِه إذ هبَّت رياحُ النَّصر سُمْر الرّماح، وساَلت بسوابح الجُرْدِ وأعْناق المطايا الوِهادُ والبِطاح.
وكان من سُنَّةِ سلَفه، ومَن خَلَفهم مِن خير خَلَفِه، أن يُقدَّم للإمامة مَن قَّدمَتْه الأيَّام، وفي المثَل:) أكبرُ منك بيومٍ أعرفُ منك بعام (.
وكان يليه سِنَّا ذُو الرَّأْي الصَّائب، أغرُّ السَّعْد والوجهِ والمناقب:
стр. 386
أخوه السيد الجلّ ثَقَبَة
مَن لو وَجَّه لدُرّ الكواكب سِنانَ هِمَّتِه ثَقَبَه.
ومِشْكاةُ بصيرتهِ مُشْرِقَةٌ بنُور اليقين، وكلامُه ينُثر على الفصاحة نِثارَ الجوهر الثَّمين.
وكُلَّ مَن نَسَله يُحدثَّ نفسَه بالإمامَة، وأن يْتلُوَ في صحيِفها آياتِ مجدِه أمامَه.
فمنهم من جعل لذلك وَسيلَته، الدُّخولَ في حواشِيه ومُصاهرتَه، ولسانُ حالِه يُنادِى فيما يُبدِْئُ ويُعيد:) مَا لَناَ فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ماَ نُرِيدُ (.
стр. 387
فلما برع: حسين وترعْرَع، ولبِس لَامَةَ النَّجابةِ وتدرَّع.
وهو بحرُ نَوال أمواجُه الهِمَم، وروضُ سيادةِ الفخْرِ والكَرَم.
لم يزَل يرسلُ له هدايا وتُحَف، ويتضرَّع له بمودةٍ بأنواع الخلوص تُحَفّ.
فقال له والده يوما في أثناء الكلام: إيذَن لحسين في أن يلىَ الرّفادة في هذا العام.
فقال له: تريد أن تُضيِف السّباع، وهذه ضِباع المُنْحَنَى جِياع! فلما علم ما في هذه الكناية، صرع من النّكاية، صرَّح اليأسُ بجوابِه، وهجم على قلبه همٌّ أحلَّ تباريحَ الَجوَى بِه.
فرجع بخُفَّىْ حُنَين، وشاهد منه كَرْبَلا حسين، حتى ذات بسيفِ الحسرة طعمَ الشَّهادة، ولِبس عليه الدَّهرُ من دياجِيه حِدادَه.
فسقَى قبرَه رَبّقُ الغوادي الباسمِة البُروق، وإن كان فيه بحرُ كرمٍ يَعذُب في أفواهِ الأمانيّ ويَرُوق.
стр. 388
ثم نهض أخوه:
مسعود
على قدمه، طالعاً بدُره المسعود بين نجوم أتْباعِه وخَدمِه.
وهو إذ ذاك في المعرفة عَلمَ، وفي طريق المجد ثَبْتُ القلب ثابتُ القَدَم.
يتبَّسم لغُرّتِه وجهُ النَّهار، ويُناجِه السَّعدُ بما في ضمائِره من الأسْرار.
وله حسناتُ شعرٍ ما خُطّ في مجموع الدّهرِ مثُلها، ولا سجَعت وُرْقُ الفصاحةِ بلحْنه في ذُؤابةٍ هاشميةٍ قبْلَها.
ومسعود لو مَسَّ عوداً بْعدِه أوْرَق، لِما جال في بِثْر مُحيًّاه من ماء النَّدى وتَرقْرق.
مع شجاعةٍ يرتعد لها الأسدُ والأسَل، وبَعُدّ الصّعنَ في الهْيجاء كالقُبَل.
كما قلتُ فيه:
قومٌ غزوتَهمُ رأيتَ جسومَهمْ ... مُقَلاً لهنَّ إشارةٌ المتكلَّمِ
من كلّ مُقْلِة طَعْنةٍ نجلاءَ مُذ ... نظَرتْ فِراقَ الرُّوحِ تَبْكى بالدّمِ
رمِدتْ فكحَّلها مَراوِدُ شُمرِه ... من اثْمِدِ النَّقْعِ المُثارِ المظْلمِ
وكأنَّما رمَدتْ لخوفِ قواضِبٍ ... صَلَّتْ فتسجُدُ وهْىَ ذاتُ تَيمُّمِ
стр. 389
فلم يزل يخطُب من المُلْك كواعبَ أبكارِه، حتى أدركَه الغرقُ في حِياض مِماتِه المُترَعَة من بحارٍ أفكاره.
فأرسَى بسواحل شَعُوب، وأنشدتْه الحالُ بلسان الخُطوب:
عَياه به مات المحِبُّونَ مِن قبلُ
فبلغ في سفينة أملِه وفاتَه، وسبقه الأجلُ كما سبق السَّيفُ العّذَل وفاتَه.
فرأيت جَنازتَه والدموع حوله طُوفان، وقد أرْسَت سفينةُ تابوتهِ على جُودِيّ الفَناء والأحزان.
стр. 390
فلما بدَّل الأمْنِيَّة بالمنِيَّة، وسقاه الدهرُ كأسَ المَنُون رَويّة، قام مقامَه:
أبو طالب
مترشَحا لأمرها، مترقّبا بعد موت ثَقَبة لاجْتلاء بدرِها.
وكان قبلُ لا يرِد مورداً من مناهل آمالِه، إلا وقد غَصّ بقّذَى رُقبائِه وعُذَّاله:
لم ترِدْ ماء حسنِك العينُ إلّا ... شَرِقتْ قبل رِبّها برقيبِ
فأراد والدُه أن يقلّد بصارِمها، ويجعلَ هياكلَ جيِاده في أجْيادها مُقامَ تمائِمها، فأرسل الأميرَ بَهْرام، فَرَطاً يستسْقىِ له ماءَ المَرام، وهو منتِظرٌ لها انتظارَ ليلةٍ القّدْر، راجياً أن يُحلَّ منها محلَّ القلب من الصَّدر.
فنثَر على ذلك الرسول، جواهرَ الإحسان والقَبُول، وأهدى له مع كتاب العهد
следующие страницы →