ابن أبي وقاص لينظر: إن ركبوا الإبل وجنبوا الخيل فهو الظعن، وإن ركبوا الخيل وجنبوا الإبل فهي الغارة. ثم قال ﵇: والّذي نفسي بيده لئن ساروا إليه لأسيرن إليهم ثم لأناجزنهم،
فذهب سعد يسعى إلى العقيق فإذا هم قد ركبوا الإبل وجنبوا الخيل، بعد ما تشاوروا نهب المدينة فأشار عليهم صفوان بن أمية ألا يفعلوا فإنّهم لا يدرون ما يغشاهم، فعاد فأخبر النبي ﷺ .
قدوم أبي سفيان مكة
وقدم أبو سفيان مكة فلم يصل إلى بيته حتى أتى هبل فقال: قد أنعمت ونصرتني وشفيت نفسي من محمد وأصحابه، وحلق رأسه.
أول من قدم إلى مكة بخبر أحد
فكان أول من قدم مكة بخبر أحد وانكشاف المشركين عبد اللَّه بن [أبي] [ (١) ] أمية بن المغيرة فكره أن يأتيهم بهزيمة أهلهم، فقدم الطائف وأخبر أن أصحاب محمد قد ظفروا وانهزمنا. ثم قدم وحشيّ مكة فأخبرهم بمصاب المسلمين وقد سار أربعا على راحلته، ووقف على الثنية التي تطل الحجون فنادى: يا معشر قريش! أبشروا، قد قتلنا أصحاب محمد مقتلة لم يقتل مثلها في زحف قط، وجرحنا محمد فأثبتناه بالجراح، وقتل حمزة. فسرّوا بذلك.
قتلى المسلمين وقتلى المشركين
وقتل من المسلمين بأحد أربعة وسبعون [ (٢) ] : أربعة من قريش وسائرهم من الأنصار، ويقال: خمسة من قريش. وقتل من المشركين أربعة وعشرون،
وأسر من المشركين أبو عزة عمرو [ (٣) ] بن عبد اللَّه بن عمير بن وهب بن حذافة بن جمح، ولم يؤسر منهم غيره فقال: يا محمد، منّ عليّ! فقال رسول اللَّه ﷺ : إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، لا ترجع إلى مكة تمسح عارضيك تقول: خدعت [وفي رواية سحرت] محمدا مرتين، ثم أمر به عاصم بن ثابت فضرب عنقه،
ويقال:
стр. 212
إن المشركين لما انصرفوا بحمراء الأسد في أول الليل ساعة، ثم حلوا وتركوا أبا عزّة نائما مكانه حتى ارتفع النهار، ولحقه المسلمون وهو مستنبه يتلدد، وكان الّذي أخذه عاصم بن ثابت، فأمره النبي ﷺ فضرب عنقه.
صلاة رسول اللَّه ﷺ على شهداء أحد
ولما انصرف المشركون أقبل المسلمون على أمواتهم،
فكان حمزة ﵁ فيمن أتي به أولا، فصلى عليه رسول اللَّه ﷺ وقال: رأيت الملائكة تغسله، لأن حمزة كان جنبا ذلك اليوم. ولم يغسّل ﷺ الشهداء، وقال: لفوهم بدمائهم وجراحهم، فإنه ليس أحد يجرح في سبيل اللَّه إلا جاء يوم القيامة جرحه لونه لون الدم وريحه ريح مسك، ثم قال: ضعوهم، أنا الشهيد على هؤلاء يوم القيامة.
فكان حمزة أول من كبّر عليه رسول اللَّه ﷺ ، ثم جمع إليه الشهداء. فكان كلما أتي بشهيد وضع إلى جنب حمزة فصلى عليه وعلى الشهداء، حتى صلى عليه سبعين مرة، ويقال: كان يؤتى بتسعة وحمزة عاشرهم فيصلي عليهم ثم ترفع التسعة وحمزة مكانه، ويؤتى بتسعة آخرين فيوضعون إلى جنب حمزة فيصلي عليهم حتى فعل ذلك سبع مرات. ويقال: كبّر عليهم تسعا وسبعا وخمسا. وقيل: لم يصلّ عليهم.
أخرجه أبو داود [ (١) ] من حديث جابر وأنس وابن عباس ﵃: وهو مذهب مالك، والليث بن سعد والشافعيّ، وأحمد، وداود [ (٢) ] : ألا يصلى على المقتول في المعركة. وقال فقهاء الكوفة والبصرة والشام: يصلى عليهم.
стр. 213
خبر دفن القتلى ودفن حمزة
وقال ﷺ للمسلمين، احفروا وأوسعوا وأحسنوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في القبر. وقدموا أكثرهم قرآنا، فكانوا يقدمون أكثرهم قرآنا في القبر، ولما واروا حمزة ﵁ أمر رسول اللَّه ﷺ ببردة تمدّ عليه وهو في القبر، فجعلت البردة إذا خمّروا [ (١) ] رأسه بدت قدماه، وإذا خمّروا رجليه ينكشف وجهه، فقال ﷺ : غطوا وجهه، وجعل على رجليه الحرمل [ (٢) ] . فبكى المسلمون وقالوا:
يا رسول اللَّه! عم رسول اللَّه لا نجد له ثوبا؟ فقال: تفتح الأرياف والأمصار فيخرج إليها الناس ثم يبعثون إلى أهليهم، إنكم بأرض حجاز [ (٣) ] جردية [الجردية التي ليس بها شيء من الأشجار] [ (٤) ] والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون. والّذي نفسي بيده لا يصبر أحد على لوائها وشدتها إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة.
مصعب بن عمير
ومر ﷺ على مصعب بن عمير وهو مقتول في بردة [ (٥) ] فقال: لقد رأيتك بمكة وما بها أحد أرق حلة منك ولا أحن لمّة منك، ثم أنت شعث الرأس في بردة. ثم أمر به فقبر.
وكان كثير من الناس حملوا موتاهم إلى المدينة فدفنوهم، فنادى منادي رسول اللَّه ﷺ : ردّوا القتلى إلى مضاجعهم. فلم يردّ أحد إلا رجل واحد أدركه المنادي ولم يدفن، وهو شماس بن عثمان المخزوميّ.
موقف المسلمين للثناء على اللَّه
ولما فرغ ﷺ من دفن أصحابه ركب فرسه وخرج، والمسلمون حوله:
عامتهم جرحى، ولا مثل لبني [ (٦) ] سلمة وبني عبد الأشهل ومعه أربع عشرة امرأة،
стр. 214
فلما كانوا بأصل الحرة قال:
اصطفوا فنثني على اللَّه، فاصطف الرجال صفين خلفهم النساء ثم دعا فقال: اللَّهمّ لك الحمد كله، اللَّهمّ لا قابض لما بسطت ولا باسط لما قبضت، ولا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا هادي لمن أضللت ولا مضل لمن هديت، ولا مقرب لما باعدت ولا مباعد لما قربت. اللَّهمّ إني أسألك النعيم المقيم الّذي لا يحول ولا يزول، اللَّهمّ إني أسألك الأمن يوم الخوف، والغنى يوم الفاقة، عائذا بك اللَّهمّ من شر ما أعطيتنا وشرّ ما منعت منا. اللَّهمّ توفنا مسلمين. اللَّهمّ حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. اللَّهمّ عذب كفرة أهل الكتاب الذين يكذبون رسولك ويصدون عن سبيلك، اللَّهمّ أنزل عليهم رجسك وعذابك إله الحق.
آمين.
دخول رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة
وأقبل حتى طلع على بني عبد الأشهل وهم يبكون على قتلاهم
فقال: لكن حمزة لا بواكي له:
فخرج الناس ينظرون إلى سلامته، فقالت أم عامر الأشهلية:
كل مصيبة بعدك جلل [ (١) ] وجاءت أم سعد بن معاذ [وهي كبشة بنت رافع بن معاوية] [ (٢) ] بن عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر، [وهو خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج] [ (٢) ] تعدو نحو رسول اللَّه ﷺ وقد وقف على فرسه، وسعد ابن معاذ آخذ بعنان الفرس،
فقال سعد: يا رسول اللَّه: أمي، فقال: مرحبا بها،
فدنت حتى تأملت رسول اللَّه ﷺ وقالت: أما إذ رأيتك سالما فقد أشوت المصيبة [ (٣) ] .
فعزاها ﷺ بعمرو بن معاذ ابنها ثم قال: يا أم سعد: أبشري وبشّري أهليهم أن قتلاهم ترافقوا في الجنة جميعا- وهم اثنى عشر رجلا- وقد شفعوا في أهليهم، قالت: رضينا برسول اللَّه، ومن يبكي عليهم بعد هذا؟ ثم قالت:
ادع يا رسول اللَّه لمن خلفوا. قال: اللَّهمّ اذهب حزن قلوبهم، وأجبر مصيبتهم، وأحسن الخلف على من خلفوا. ثم قال: خلّ أبا عمرو الدابة. فخلى سعد الفرس، فتبعه الناس فقال: يا أبا عمرو، إن الجراح في أهل دارك فاشية، وليس منهم مجروح
стр. 215
إلا يأتي يوم القيامة جرحه كأغزر ما كان: اللون لون الدم والريح ريح المسك، فمن كان مجروحا فليقرّ في داره وليداو جرحه، ولا يبلغ معي بيتي، عزمة مني.
فنادى فيهم سعد، عزمة من رسول اللَّه ألا يتبع رسول اللَّه جريح من بني عبد الأشهل، فتخلف كل مجروح. فباتوا يوقدون النيران ويداوون الجراح، وإن فيهم لثلاثين جريحا، ومضى سعد مع رسول اللَّه ﷺ حتى جاء بيته فما نزل عن فرسه إلا حملا، واتكأ على سعد بن عبادة وسعد بن معاذ حتى دخل بيته، فلما أذّن بلال بصلاة المغرب خرج على مثل تلك الحال يتوكأ على السعدين فصلى ثم عاد إلى بيته.
خبر البكاء على حمزة
ومضى سعد بن معاذ إلى نسائه فساقهن حتى لم تبق امرأة إلا جاء بها إلى بيت رسول اللَّه ﷺ ، فبكين حمزة ﵁ بين المغرب والعشاء، والناس في المسجد يوقدون النيران يتكمدون [ (١) ] بها من الجراح. وأذّن بلال ﵁ حين غاب الشفق فلم يخرج رسول اللَّه ﷺ ، فجلس بلال عند بابه حتى ذهب ثلث الليل، ثم ناداه الصلاة يا رسول اللَّه،
فهب ﷺ من نومه وخرج، فإذا هو أخف في مشيته منه حين دخل، وسمع البكاء فقال: ما هذا؟ فقيل: نساء الأنصار يبكين على حمزة. فقال: رضي اللَّه عنكن وعن أولادكن، وأمر أن ترد النساء إلى منازلهن، فرجعن بعد ليل مع رجالهن.
وصلى رسول اللَّه ﷺ العشاء ثم رجع إلى بيته، وقد صفّ له الرجال ما بين بيته إلى مصلّاه يمشي وحده حتى دخل، وباتت وجوه الأوس والخزرج على بابه يحرسونه فرقا [ (٢) ] من قريش أن تكر، ويقال: إن معاذ بن جبل ﵁ جاء بنساء بني سلمة، وجاء عبد اللَّه بن رواحة ﵁ بنساء بلحارث [بن الخزرج] [ (٣) ]
فقال ﷺ : ما أردت هذا! ونهاهن الغد عن النوح أشد النهي.
شماتة المنافقين
وجعل عبد اللَّه بن أبيّ بن سلول والمنافقون يشمتون معه ويسرّون بما أصاب
стр. 216
المسلمين، ويظهرون أقبح القول: فيقول ابن أبيّ لابنه عبد اللَّه- وهو جريح قد بات يكوي الجراحة بالنار- ما كان خروج معه إلى هذا الوجه برأي! عصاني محمد وأطاع الولدان، واللَّه لكأنّي كنت انظر إلى هذا. فقال ابنه: الّذي صنع اللَّه لرسوله [ (١) ] وللمسلمين خير.
ما قالت اليهود والمنافقون شماتة بقتلى أحد
وأظهرت اليهود القول السيء فقالوا: ما محمد إلا طالب ملك، ما أصيب هكذا نبي قط! أصيب في بدنه، وأصيب في أصحابه! وجعل المنافقون يخذّلون عن رسول اللَّه ﷺ أصحابه ويأمرونهم بالتفرق عنه، ويقولون: لو كان من قتل منكم عندنا ما قتل. وسمع عمر بن الخطاب ﵁ ذلك في أماكن، فمشى إلى رسول اللَّه ﷺ يستأذنه في قتل من سمع ذلك منه من يهود والمنافقين.
فقال ﵇: يا عمر، إن اللَّه مظهر دينه ومعزّ نبيه، ولليهود ذمة فلا أقتلهم، قال: فهؤلاء المنافقون! قال: أليس يظهرون شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأني رسول اللَّه؟ قال: بلى يا رسول اللَّه! وإنما يفعلون ذلك تعوذا من السيف، فقد بان لنا أمرهم، وأبدى اللَّه أضغانهم عن هذه النكبة! فقال: نهيت عن قتل من قال لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه يا ابن الخطاب، إن قريشا لن ينالوا منا مثل هذا اليوم حتى نستلم الركن.
ما نزل من القرآن في غزوة أحد
ونزل في غزوة أحد من قوله تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ من سورة آل عمران إلى آخرها [ (٢) ] ، وكان قد نزل قبل أن يخرج ﷺ إلى حد قوله تعالى: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [ (٣) ] . فلم يصبروا وانكشفوا، فلم يمدّ رسول اللَّه ﷺ بملك واحد يوم أحد.
стр. 217
خبر معاوية بن المغيرة وكان هو الّذي مثّل بحمزة
وكان معاوية بن المغيرة بن أبي العاص قد انهزم ومضى على وجهه ونام قريبا من المدينة، فلما أصبح دخلها، وأتى عثمان بن عفان ﵁، فلما رآه قال:
ويحك أهلكتني وأهلكت نفسك، وأدخله بيته. ثم سأل فيه رسول اللَّه ﷺ فأجله ثلاثا فإن وجد بعدهن قتل. فجهزه عثمان. وخرج بعد ثلاث فأدركه زيد بن حارثة وعمار بن ياسر بالجماء [ (١) ] فرمياه حتى قتلاه، وكان هو الّذي مثّل بحمزة ﵁.
غزوة حمراء الأسد
ثم كانت غزوة حمراء الأسد [ (٢) ] يوم الأحد صبيحة أحد. وذلك أن عبد اللَّه ابن عمرو بن عوف المزني [ (٣) ] أو في باب النبي ﷺ ليلة الأحد، وبلال على الباب بعد ما أذّن وهو ينتظر خروج النبي ﷺ ، فلما خرج أخبره المزني أنه أقبل من أهله حتى كان بملل إذا قريش قد نزلوا، فسمع أبا سفيان وأصحابه يشتورون [ (٤) ] ليرجعوا حتى يستأصلوا من بقي، وصفوان يأبى ذلك عليهم. فدعا رسول اللَّه ﷺ أبا بكر وعمر ﵄ وذكر لهما ذلك، فقالا: أطلب العدو يا رسول اللَّه، ولا يقتحمون على الذرية، فلما صلى الصبح يوم الأحد- ومعه وجوه الأوس والخزرج، وقد باتوا في المسجد على بابه- أمر بلالا فنادى: إن رسول اللَّه يأمركم بطلب عدوكم، ولا يخرج معنا إلا من شهد القتال بالأمس.
خروج جرحى أحد للغزو
فخرج سعد بن معاذ إلى داره يأمر قومه بالمسير وكلها جريح فقال: إن رسول اللَّه ﷺ يأمركم أن تطلبوا عدوكم. فقال أسيد بن حضير- وبه سبع جراحات
стр. 218
يريد أن يداويها- سمعا وطاعة للَّه ولرسوله، وأخذ سلاحه ولم يعرّج على دواء، ولحق برسول اللَّه ﷺ ، وجاء سعد بن عبادة قومه، وجاء أبو قتادة إلى طائفة فبادروا جميعا. وخرج من بني سلمة أربعون جريحا- بالطفيل بن النعمان ثلاثة عشر جرحا [ (١) ] ، وبخراش بن الصمة عشر جراحات-
حتى وافوا رسول اللَّه ﷺ فقال لما رآهم: اللَّهمّ ارحم بني سلمة.
اللواء
ودفع رسول اللَّه ﷺ لواءه إلى أبي بكر، وقيل: لعليّ ﵄، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وأقام على حرسه عبّاد بن بشر.
خبر عبد اللَّه ورافع ابني سهل
وكان عبد اللَّه ورافع ابنا سهل بن رافع بن عدي بن زيد بن أمية بن زيد الأنصاريان، رجعا من أحد وبهما جراح كثيرة فخرجا يزحفان، فضعف رافع فحمله عبد اللَّه على ظهره عقبة ومشى عقبة [ (٢) ] .
فدعا لهما رسول اللَّه ﷺ لما أتياه وقال: إن طالت بكم مدة كانت لكم مراكب من خيل وبغال وإبل، وليس ذلك بخير لكم،
ولم يخرج أحد لم يشهد أحدا سوى جابر بن عبد اللَّه، واستأذنه رجال لم يخرجوا أحدا فلم يأذن لهم.
خروج رسول اللَّه ﷺ
ولما اجتمع الناس ركع رسول اللَّه ﷺ ركعتين في المسجد ودعا بفرسه على باب المسجد- وعليه الدرع والمغفر- فركب، وإذا بطلحة ﵁، فقال:
يا طلحة، سلاحك. فأسرع ولبس سلاحه- وبه تسع جراحات- وأقبل فقال له ﷺ : أين ترى القوم الآن؟ قال: هم بالسّيالة. قال: ذلك ظننت، أما إنهم- يا طلحة- لن ينالوا منا مثل أمس حتى يفتح اللَّه مكة علينا.
стр. 219
الطلائع
وبعث ﷺ ثلاثة نفر من أسلم طليعة في آثار القوم هم: سليط [ (١) ] ونعمان ابنا سفيان بن خالد بن عوف بن دارم وآخر [من أسلم من بني عوير، لم يسمّ لنا] [ (٢) ] فقتلوا، ومضى ﷺ في أصحابه حتى عسكروا بحمراء الأسد. وكان عامة زادهم التمر. وحمّل سعد بن عبادة ﵁ ثلاثين بعيرا حتى وافت الحمراء، وساق جزرا لينحر، وكان ﷺ يأمر في النهار فيجمع الحطب، فإذا أمسوا أمر أن توقد النيران، فيوقد كل رجل نارا، فقد أوقدوا خمسمائة نار حتى رئيت من مكان بعيد. وذهب ذكر معسكر المسلمين ونيرانهم في كل وجه، فكان ذلك مما كبت اللَّه به عدوهم.
خبر معبد الخزاعي وانصراف المشركين
ولقي معبد بن أبي معبد الخزاعي-[وهو يومئذ مشرك، وكانت خزاعة سلما للنّبيّ ﷺ ] [ (٣) ]- رسول اللَّه ﷺ فقال: يا محمد، لقد عز علينا ما أصابك في نفسك وما أصاب أصحابك، ولوددنا أن اللَّه أعلى كعبك، وأن المصيبة كانت بغيرك، ثم مضى، فوجد أبا سفيان وقريشا بالروحاء وهم مجمعون على الرجوع:
فأخبرهم أن محمدا وقومه وأصحابه قد تركهم يتحرقون عليهم [ (٤) ] مثل النيران، وأنهم في طلبهم، فانصرفوا سراعا خائفين من الطلب لهم. وبعث أبو سفيان مع نفر من عبد القيس مرّ بهم يريدون المدينة أن يعلموا [ (٥) ] رسول اللَّه ﷺ أنهم أجمعوا الرجعة إليه،
فلما بلغوه ﷺ ذلك قال: حسبنا اللَّه ونعم الوكيل.
فنزل في ذلك قوله تعالى: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [ (٦) ] ، وقوله تعالى: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ [ (٧) ] . وبعث معبد الخزاعي رجلا فأخبر رسول اللَّه ﷺ بانصراف أبي
стр. 220
سفيان ومن معه خائفين، فانصرف ﷺ إلى المدينة بعد ثلاث.
سرية أبي سلمة بن عبد الأسد إلى قطن
ثم كانت سرية أبي سليمة بن عبد الأسد إلى قطن: وهو جبل بناحية فيد به ماء لبني أسد بن خزيمة بنجد، وذلك في المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرا:
دعاه رسول اللَّه ﷺ لهلال المحرم واستعمله على خمسين ومائة رجل، وعقد له لواء، وأمره أن يرد أرض [ (١) ] بني أسد، وأن يغير عليهم قبل أن تلاقي عليه جموعهم، وأوصاه ومن معه بتقوى اللَّه، فسار. وكان الّذي هيّج هذا أن رجلا من طيِّئ- يقال له الوليد بن زهير بن طريف- قدم المدينة، وأخبر أن طليحة وسلمة ابني [ (٢) ] خويلد تركهما قد سارا- في قومهما ومن أطاعهما- لحرب رسول اللَّه، فلما بلغ رسول اللَّه ﷺ ذلك، بعث أبا سلمة. وخرج الطائي معه دليلا ونكّب بهم عن الطريق، وسار بهم ليلا ونهارا حتى انتهوا بعد أربع إلى قطن، فوجدوا سرحا فأخذوه وثلاثة رعاء مماليك، ونذر بهم [ (٣) ] القوم فتفرقوا في كل وجه، وورد أبو سلمة الماء وقد تفرقوا عنه، فبعث في طلب النّعم والشاء فأصابوا منها ولم يلقوا أحدا، فانحدروا إلى المدينة. وأعطى أبو سلمة الطائيّ الّذي دلهم رضاه من المغنم، ثم أخرج صفيا لرسول اللَّه ﷺ عبدا، ثم أخرج الخمس، وقسم ما بقي بين أصحابه فأقبلوا بها إلى المدينة. ويقال: كان بين المسلمين وبين القوم قتال قتل فيه رجل من المشركين، واستشهد مسعود بن عروة.
غزوة بئر معونة
ثم كانت غزوة بئر معونة- وهي ماء لبني عامر بن صعصعة [ (٤) ] ، وقيل:
قرب حرة بني سليم- في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرا. وسببها أن عامر ابن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة- أبا براء ملاعب، الأسنّة
قدم على رسول اللَّه ﷺ وأهدى له فرسين وراحلتين، فقال: لا أقبل
стр. 221
هدية مشرك، وردهما،
وعرض عليه الإسلام فلم يسلم ولم يبعد، وقال: يا محمد، إني أرى أمرك هذا حسنا شريفا، وقومي خلفي، فلو أنك بعثت نفرا من أصحابك معي لرجوت أن يجيبوا دعوتك ويتبعوا أمرك، فإن هم اتبعوك فما أعزى أمرك!
فقال ﷺ : إني أخاف عليهم أهل نجد.
فقال عامر: لا تخف عليهم، أنا لهم جار أن يعرض لهم أحد من أهل نجد.
خبر القراء وخروجهم إلى بئر معونة
وكان من الأنصار سبعون رجلا شببة، يسمون القراء، كانوا إذا أمسوا أتوا ناحية المدينة فتدارسوا وصلّوا، حتى إذا كان وجاء الصبح [ (١) ] استعذبوا من الماء وحطبوا من الحطب فجاءوا به إلى حجر النبي ﷺ ، فكان أهلوهم يظنون أنهم في المسجد، وأهل المسجد يظنون أنهم في أهليهم، فبعثهم النبي ﷺ ، وأمرّ عليهم المنذر بن عمرو بن حنيس بن حارثة بن لوذان بن عبد ودّ بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الساعدي: أحد النقباء، وكتب معه كتابا. فساروا ودليلهم المطّلب من بني سليم، حتى [إذا] [ (٢) ] كانوا ببئر معونة وهو ماء من مياه بني سليم- عسكروا بها وسرّحوا ظهرهم، وبعثوا في سرحهم الحارث بن الصّمة بن عمرو بن عتيك بن عمرو بن عامر، وهو مبذول، ابن مالك بن النجار، وعمرو بن أمية بن خويلد بن عبد اللَّه بن إياس بن عبيد ابن ناشرة بن كعب بن جدي بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة [جدي بضم الجيم وفتح الدال] الضمريّ، وقدّموا حرام بن ملحان، وهو مالك بن خالد بن زيد ابن حرام بن جندب [ (٣) ] بن عامر بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري بكتاب رسول اللَّه ﷺ إلى عامر بن الطفيل في رجال من بني عامر، فلم يقرءوا الكتاب.
خبر عامر بن الطفيل ومقتل القراء
ووثب عامر بن الطفيل على حرام فقتله، واستصرخ بني عامر فأبوا- وكان أبو براء بناحية نجد- فاستصرخ قبائل من سليم- عصية ورعلا [ (٤) ]- فنفروا معه
стр. 222
حتى وجدوا القراء فقاتلوهم، فقتلوا ﵃ إلا المنذر بن عمرو فإنّهم أمّنوه إن شاء، فأبى أن يقبل أمانهم حتى يأتي مقتل حرام، فلما أتى مصرعه قاتلهم حتى قتل، وأقبل الحارث [بن الصمة] [ (١) ] وعمرو بن أمية بالسرح والخيل واقفة، فقاتلهم الحارث حتى قتل بعد ما قتل منهم عدة. وأعتق عامر بن الطفيل عمرو ابن أمية عن أمّه وجزّ ناصيته.
وكان ممن قتل يومئذ عامر بن فهيرة: طعنه جبار بن سلمى بن مالك بن جعفر ابن كلاب الكلابيّ بالرمح ثم انتزعه، فذهب بعامر في السماء حتى غاب عنه وهو يقول: فزت واللَّه! فأسلم جبار لما رأى من أمر عامر.
دعاء رسول اللَّه على أصحاب الغدر
ولما بلغ رسول اللَّه خبر بئر معونة «جاء معها في ليلة واحدة مصاب [خبيب ابن عدي] [ (٢) ] ومرثد بن أبي مرثد وبعث محمد بن مسلمة، فجعل يقول: هذا عمل أبي براء، قد كنت لهذا كارها. ودعا على قتلتهم بعد الركعة من الصبح في صبح تلك الليلة التي جاء الخبر فيها. فلما قال: سمع اللَّه لمن حمده، قال: اللَّهمّ اشدد وطأتك على مضر، اللَّهمّ عليك ببني لحيان وزغب ورعل وذكوان، وعصيّة فإنّهم عصوا اللَّه ورسوله، اللَّهمّ عليك ببني لحيان وعضل والقارة، اللَّهمّ أنج الوليد ابن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين.
غفار غفر اللَّه لها، وأسلم سالمها اللَّه. ثم سجد. فقال ذلك خمس عشرة ليلة، ويقال: أربعين يوما، حتى نزلت: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ [ (٣) ] .
حزن رسول اللَّه ﷺ على القراء وما نزل فيهم من القرآن
ولم يجد رسول اللَّه ﷺ على قتلى ما وجد على قتلى بئر معونة، وأنزل اللَّه فيهم قرآنا نسخ بعد ما قرئ مدة «بلغوا قومنا [عنا] [ (٤) ] أنا لقينا ربنا فرضي عنا
стр. 223
ورضينا عنه» .
هدية أبي براء إلى رسول اللَّه ﷺ
وأقبل أبو براء فبعث ابن أخيه لبيد بن ربيعة بفرس هدية لرسول اللَّه ﷺ فرده وقال: لا أقبل هدية مشرك، قال: فإنه قد بعث يستشفيك من وجع به [وكانت به الدبيلة] [ (١) ] فتناول النبي ﷺ مدرة من الأرض فتفل فيها ثم ناوله وقال: دفها [ (٢) ] بماء ثم اسقها إياه.
ففعل فبرأ. ويقال: بعث إليه بعكة [ (٣) ] عسل فلم يزل يلعقها حتى برأ، وشق على أبي براء ما فعل عامر بن الطفيل.
مقتل المشركين
وقدم عمرو بن أمية على رسول اللَّه ﷺ بعد ما لقي بصدور قناة [ (٤) ] رجلين من بني كلاب قد قدما على رسول اللَّه فكساهما وأمنهما، فقتلهما للذي أصابت بنو عامر من القراء.
فقال له النبي ﷺ : بئس ما صنعت! قتلت رجلين قد كان لهما مني أمان وجوار! لأدينهما.
وأخرج ديتهما دية حرّين مسلمين، فبعث بها وبسلبهما إلى عامر بن الطفيل.
غزوة الرجيع (سرية مرثد بن أبي مرثد)
ثم كانت غزوة الرجيع: وهو ماء لهذيل بين مكة وعسفان بناحية الحجاز، وذلك في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرا. وذلك أن بني لحيان جعلت فرائض لعضل والقارة [رحم من بني الهون بن خزيمة بن مدركة إخوة بني أسد بن خزيمة] على أن يقدموا على النبي ﷺ فيكلموه أن يخرج إليهم نفرا يدعونهم إلى الإسلام ليقتلوا من قتل سفيان بن نبيح الهذلي [ (٥) ] ، ويبيعوا سائرهم على قريش بمكة، فقدم
стр. 224
سبعة نفر من عضل والقارة مقرّين بالإسلام، فقالوا: يا رسول اللَّه، إن فينا إسلاما فاشيا، فابعث معنا نفرا من أصحابك يقرئونا القرآن ويفقهونا في الإسلام.
خروج مرثد وأصحابه إليهم ومقتلهم
فبعث معهم ستة وقيل عشرة، وهو الأصح كما وقع في كتاب الجامع الصحيح للبخاريّ ﵀، وأمرّ عليهم مرثد بن أبي مرثد الغنوي [ويقال: عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح] فخرجوا حتى إذا كانوا بماء لهذيل- يقال له الرجيع، قريب من الهدّة- لقيهم [ (١) ] مائة في أيديهم السيوف فقاموا ليقاتلوهم، فقالوا: ما نريد قتالكم، ولا نريد إلا أن نصيب منكم من أهل مكة ثمنا، ولكم عهد اللَّه وميثاقه لا نقتلكم، فاستأسر خبيب بن عدي الأنصاري، وزيد بن الدّثنّة بن معاوية بن عبيد بن عامر بن بياضة الأنصاريّ البياضيّ وعبد اللَّه بن طارق بن عمرو بن مالك البلويّ، وأبيّ أبو سليمان عاصم بن ثابت، ومرثد، وخالد بن أبي البكير، ومعتّب ابن عبيد: أن يقبلوا جوارهم.
خبر عاصم بن ثابت حمى الدّبر
ورماهم عاصم حتى فنيت نبله، ثم طاعنهم حتى كسر رمحه، ثم كسر غمد سيفه، وقاتل حتى قتل. فبعث عليه الدبر [ (٢) ] فحمته، فلم يدن منه أحد إلا لدغت وجهه، ثم بعث اللَّه في الليل سيلا فاحتمله فذهب به فلم يقدروا عليه.
وذلك أنه كان قد نذر ألا يمسّ مشركا ولا يمسّه مشرك. وكانوا يريدون أن يجزوا رأسه ليذهبوا به: إلى سلافة بنت سعد بن الشّهيد لتشرب في قفة قحفة [ (٣) ] الخمر، فإنّها نذرت إن أمكنها اللَّه منه أن تفعل ذلك من أجل أنه قتل لها ابنين في يوم واحد.
خبر الأسرى يوم الرجيع
وقتلوا [ (٤) ] معتّبا، وخرجوا بخبيب بن عدي بن مالك بن عامر بن مالك بن
стр. 225
مجدعة بن جحجبي بن كلفة بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، وعبد اللَّه بن طارق، وزيد بن الدّثنّة، وهم موثقون بأوتار قسيّهم، فنزع عبد اللَّه بن طارق يده من رباطه وأخذ سيفه، فقتلوه رجما بالحجارة وقبروه بمرّ الظهران.
خبر خبيب بن عدي بمكة
وقدموا مكة بخبيب وزيد فابتاع خبيبا حجير بن أبي إهاب بثمانين مثقالا ذهبا، ويقال: بخمسين فريضة [ (١) ] ويقال: اشترته ابنة [ (٢) ] الحارث بن عامر بن نوفل بمائة من الإبل. [وكان حجير بن أبي إهاب قد ابتاع خبيب بن عدي لزوج أخته عقبة ابن الحارث بن عامر بن نوفل، ليقتله بأبيه: قتل يوم بدر] [ (٣) ] واشترى زيدا صفوان بن أمية بخمسين فريضة ليقتله بأبيه. ويقال: أنه شرك فيه أناس من قريش.
وحبس حجير خبيبا- لأنه كان في ذي القعدة وهو شهر حرام- فأقام محبوسا في بيت ماويّة [ (٤) ] ، مولاة بني عبد مناف، وحبس زيد عند نسطاس مولى صفوان ابن أمية، ويقال: عند قوم من بني جمح، فرأت ماوية خبيبا وهو يأكل عنبا من قطف مثل رأس الرجل في يده، وما في الأرض يومئذ حبة عنب، فعلمت أنه رزق رزقه اللَّه، فأسلمت بعد ذلك، وكان يجهر بالقرآن فيسمعه النساء فيبكين، فلما أعلمته ماوية- بعد انسلاخ الأشهر الحرم- بقتله، ما اكترث لذلك، وطلب حديدة فأتته بموسي مع ابنها أبي حسين [ (٥) ] ، مولى بني الحارث بن عامر بن نوفل ابن عبد مناف بن قصي فقال له ممازحا له: وأبيك إنك لجريء! أما خشيت أمّك
стр. 226
غدري حين بعثت معك بحديدة، وأنتم تريدون قتلي؟ فقالت ماوية: يا خبيب، إنما أمنتك بأمان اللَّه، فقال: ما كنت لأقتله! ثم أخرجوه في الحديد إلى التنعيم [ (١) ] ومعه النساء والصبيان والعبيد وجماعة من أهل مكة ومعه زيد بن الدّثنّة.
مقتل خبيب
فصلى خبيب ركعتين أتمهما من غير أن يطول فيهما- وكان أول من سن الركعتين عند القتل [ (٢) ]- ثم قال: اللَّهمّ أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا. ثم أوثقوه رباطا وقالوا: ارجع عن الإسلام ونخلي سبيلك. فقال: لا إله إلا اللَّه! واللَّه ما أحب أني رجعت عن الإسلام وأنّ لي ما في الأرض جميعا! قالوا: أفتحب أن محمدا في مكانك وأنت جالس في بيتك؟ فقال: واللَّه ما أحب أن يشاك محمد شوكة وأنا جالس في بيتي. فجعلوا يقولون: يا خبيب ارجع! قال: لا أرجع أبدا. قالوا: أما واللات والعزى لئن لم تفعل لنقتلنك! قال: إن قتلي في اللَّه لقليل [ (٣) ] ، فجعلوا وجهه من حيث جاء، فقال: ما صرفكم وجهي عن القبلة؟ ثم قال: اللَّهمّ إني لا أريد إلا وجه عدو، اللَّهمّ ليس هاهنا أحد يبلغ رسولك عني السلام فبلغه أنت عني السلام،
فقال رسول اللَّه ﷺ وهو جالس مع أصحابه وقد أخذته غمية [ (٤) ]-: وعليه السلام ورحمة اللَّه، ثم قال: هذا جبريل يقرئني من خبيب السلام.
ثم أحضروا أبناء من قتل ببدر- وهم أربعون غلاما- فأعطوا كل غلام رمحا فطعنوه برماحهم، فاضطرب على الخشبة، وقد رفعوه إليها. وانفلت فصار [ (٥) ] وجهه إلى الكعبة فقال: الحمد للَّه [ (٦) ] فطعنه أبو سروعة- واسمه عقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصيّ- حتى أخرجها من ظهره، فمكث ساعة يوحّد ويشهد أن محمدا رسول اللَّه ثم مات ﵁، وتولى قتل زيد نسطاس، وقد روي أن غزوة الرجيع كانت قبل
стр. 227
بئر معونة.
غزوة بني النضير
ثم كانت غزوة بني النضير في ربيع الأول على رأس سبعة وثلاثين شهرا من مهاجر النبي ﷺ ، ويقال: كانت في جمادى الأولى [ (١) ] سنة أربع، وروى عقيل ابن خالد وغيره عن ابن شهاب قال: كانت غزوة بني النضير بعد بدر بستة أشهر.
سببها، وغدر اليهود برسول اللَّه ﷺ
سببها أن عمرو بن أمية الضمريّ لما قتل الرجلين من بني عامر خرج رسول اللَّه ﷺ إلى بني النضير يستعين في ديتهما- لأن بني النضير كانوا حلفاء بني عامر، وكان ذلك يوم السبت- فصلى في مسجد قباء ومعه رهط من المسلمين. ثم جاء بني النضير ومعه دون العشرة من أصحابه [ (٢) ] فيجدهم في ناديهم، فجلس يكلمهم أن يعينوه في الكلابيين اللذين قتلهما عمرو بن أمية، فقالوا: نفعل، اجلس حتى نطعمك، ورسول اللَّه ﷺ مستند إلى بيت، فخلا بعضهم إلى بعض، وأشار عليهم حيي بن أخطب أن يطرحوا عليه حجارة من فوق البيت الّذي هو تحته فيقتلوه، فانتدب لذلك عمرو بن جحاش ليطرح عليه صخرة، وهيأ الصخرة ليرسلها على رسول اللَّه ﷺ وأشرف بها، فجاء الوحي بما همّوا به، فنهض ﷺ سريعا كأنه يريد حاجة ومضى إلى المدينة. فلما أبطأ لحق به أصحابه- وقد بعث في طلب [ (٣) ] محمد بن مسلمة- فأخبرهم بما همت به يهود، وجاء محمد بن مسلمة فقال:
اذهب إلى يهود بني النضير فقل لهم: [إن رسول اللَّه أرسلني إليكم] [ (٤) ] أن اخرجوا من بلده، فإنكم قد نقضتم العهد بما هممتم به من الغدر، وقد أجّلتهم عشرا، فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه.
أمر إجلاء بني النضير
فأخذوا يتجهزون في أيام، ثم بعث حيي بن أخطب مع أخيه جدي [ (٥) ] بن
стр. 228
أخطب إلى النبي ﷺ : إنا لا نخرج، فليصنع ما بدا له. وقد غره عبد اللَّه بن أبي بأن أرسل إليه سويدا وداعسا بأن يقيم بنو النضير ولا يخرجوا: فإن معي من قومي وغيرهم [من العرب] [ (١) ] ألفين، يدخلون معكم فيموتون من آخرهم دونكم.
فلما بلّغ جدي رسالة أخيه حييّ كبّر رسول اللَّه ﷺ ومن معه وقال:
حاربت يهود.
ونادى مناديه بالمسير إلى بني النضير.
مسير رسول اللَّه ﷺ إليهم وحصارهم
وسار رسول اللَّه ﷺ في أصحابه فصلى العصر بفضاء بني النضير وقد قاموا على جدر [ (٢) ] حصونهم ومعهم النبل والحجارة، ولم يأتهم ابن أبيّ واعتزلتهم [ (٣) ] قريظة فلم تعنهم بسلاح ولا رجال، وجعلوا يرمون يومهم بالنبل والحجارة حتى أمسوا، فلما صلى رسول اللَّه ﷺ العشاء- وقد تتام أصحابه- رجع إلى بيته في عشرة من أصحابه، وعليه الدرع والمغفر وهو على فرس. واستعمل عليا ﵁ على العسكر، ويقال: بل استعمل أبا بكر ﵁. وبات المسلمون محاصريهم يكبرون حتى أصبحوا. وأذن بلال ﵁ بالمدينة، فغدا رسول اللَّه ﷺ في أصحابه الذين كانوا معه فصلى بالناس في فضاء بني خطمة، واستعمل على المدينة ابن أمّ مكتوم.
قتال بني النضير
وحملت مع رسول اللَّه ﷺ قبة أدم أرسل بها سعد بن عبادة، فضربها بلال ودخلها رسول اللَّه ﷺ ، فرمى عزوك- من اليهود- فبلغ نبله القبة، فحولت حيث لا يصلها النّبل. ولزم النبي ﷺ الدّرع وظل محاصرهم ست ليال من ربيع الأول. وحينئذ حرّمت الخمر، على ما ذكره أبو محمد بن حزم. وفقد عليّ ﵁ في بعض الليالي
فقال النبي ﷺ : إنه في بعض شأنكم! فعن قليل جاء برأس عزوك:
وقد كمن له حتى خرج في نفر من اليهود يطلب غرّة من المسلمين، وكان شجاعا راميا، فشدّ عليه عليّ ﵁ فقتله، وفرّ اليهود، فبعث معه
стр. 229
النبي ﷺ أبا دجانة وسهل بن حنيف، في عشرة فأدركوا اليهود الذين فروا من علي ﵁ فقتلوهم، وأتوا برءوسهم فطرحت في بعض البئار [ (١) ] . وكان سعد بن عبادة ﵁ يحمل التمر إلى المسلمين.
تحريق نخلهم وشرط إجلائهم
وأمر رسول اللَّه ﷺ بالنخل فقطعت وحرّقت، واستعمل على ذلك أبا ليلى المازني وعبد اللَّه بن سلام فشق على يهود قطع النّخل، وبعث حيي بن أخطب إلى النبي ﷺ بأنه يخرج ومن معه.
فقال ﵇: لا أقبله اليوم، ولكن اخرجوا منها ولكم [دماؤكم و] [ (٢) ] ما حملت الإبل إلا الحلقة [ (٣) ] ،
فلم يقبل حييّ، وحالفت عليه طائفة ممن معه وأسلّم منهم يامين بن عمير بن كعب [ابن عمّ عمرو ابن جحاش] [ (٤) ] وأبو سعد بن وهب ونزلا فأحرزا أموالهما، ثم نزلت يهود على أن لهم ما حملت الإبل إلا الحلقة، وجعل يامين لرجل من قيس عشرة دنانير.
ويقال: خمسة أوسق من تمر حتى قتل عمرو بن جحاش غيلة، فسرّ رسول اللَّه ﷺ بقتله.
كيف كان جلاؤهم
وأقام على حصار يهود خمسة عشر يوما حتى أجلاهم وولي إخراجهم محمد ابن مسلمة. وكانوا في حصارهم يخربون بيوتهم [بأيديهم] [ (٥) ] مما يليهم، والمسلمون يخربون مما يليهم ويحرّقون، حتى وقع الصلح، جعلوا يحملون الخشب ويحملون النساء والذرية، وشقوا سوق المدينة والنساء في الهوادج عليهنّ الحرير والديباج وحلي الذهب والمعصفرات وهن يضربن بالدفوف ويزمرن بالمزامير تجلدا- وكبارهم يومئذ حييّ بن أخطب، وسلّام بن أبي الحقيق- وقد صف لهم الناس وهم يمرون، فكانوا على ستمائة بعير، فنزل أكثرهم بخيبر فدانت لهم، وذهبت طائفة منهم إلى الشام، فكان ممن صار منهم إلى خيبر أكابرهم كحيي بن أخطب، وسلام ابن أبي الحقيق، وحزن المنافقون لخروجهم أشد الحزن.
стр. 230
أموال بني النضير
وقبض رسول اللَّه ﷺ الأموال والحلقة: فوجد خمسين درعا وخمسين بيضة [ (١) ] ، وثلاثمائة سيف وأربعين سيفا. وقال عمر ﵁: ألا تخمّس ما أصبت.
فقال ﷺ : لا أجعل شيئا جعله اللَّه لي دون المؤمنين- بقوله: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ [ (٢) ] كهيئة ما وقع فيه السهمان للمسلمين.
وكانت بنو النضير من صفايا رسول اللَّه ﷺ جعلها حبسا لنوائبه، وكان ينفق على أهله منها: كانت خالصة له، فأعطى من أعطى منها، وحبس ما حبس، وكان يزرع تحت النخل، وكان يدخل منها قوت أهله سنة من الشعير والتمر لأزواجه وبني المطلب [ (٣) ] ، وما فضل جعله في الكراع والسلاح.
واستعمل على أموال بني النضير أبا رافع مولاه، وكانت صدقاته منها ومن أموال مخيريق.
المهاجرون والأنصار
وكان رسول اللَّه ﷺ لما تحول من بني عمرو بن عوف إلى المدينة تحول المهاجرون فتنافست فيهم الأنصار أن ينزلوا عليهم حتى اقترعوا فيهم السهمان، فما نزل أحد من المهاجرين على أحد من الأنصار إلا بقرعة، فكان المهاجرون في دور الأنصار وأموالهم.
خبر قسمة أموال بني النضير على المهاجرين دون الأنصار
فلما غنم رسول اللَّه ﷺ بني النضير بعث ثابت بن قيس بن شمّاس فدعا الأنصار كلها- الأوس والخزرج- فحمد اللَّه وأثنى عليه، وذكر الأنصار وما صنعوا بالمهاجرين، وإنزالهم إياهم في منازلهم، وأثرتهم على أنفسهم، ثم
قال: إن أحببت قسمت بينكم وبين المهاجرين ما أفاء اللَّه عليّ من بني النضير، وكان
стр. 231
المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم وأموالكم، وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دوركم.
فقال سعد بن عبادة وسعد بن معاذ: يا رسول اللَّه، بل تقسمه للمهاجرين، ويكونون في دورنا كما كانوا. ونادت الأنصار: رضينا وسلمنا يا رسول اللَّه.
فقال رسول اللَّه ﷺ : اللَّهمّ ارحم الأنصار وأبناء الأنصار.
وقسم ما أفاء اللَّه عليه على المهاجرين دون الأنصار إلا رجلين كانا محتاجين: سهل بن حنيف بن واهب بن العكيم بن ثعلبة بن مجدعة بن الحارث بن عمرو بن خناس (ويقال خنساء) بن عوف بن مالك بن الأوس الأنصاري، وأبو دجانة سماك بن خرشة بن لوذان بن عبد ودّ بن ثعلبة الأنصاري. وأعطى سعد بن معاذ سيف ابن أبي الحقيق، وكان سيفا له ذكر. ووسّع ﷺ في الناس من أموال بني النضير، وأنزل اللَّه تعالى في بني النضير «سورة الحشر» .
وفي جمادى الأولى [ (١) ] مات عبد اللَّه بن عثمان عن رقية.
زواج رسول اللَّه ﷺ بأم سلمة
وفي شوال من هذه السنة تزوج رسول اللَّه ﷺ بأم سلمة ﵂.
غزوة بدر الموعد
ثم كانت غزوة بدر الموعد لهلال ذي القعدة على رأس خمسة وأربعين شهرا.
وسببها أن أبا سفيان بن حرب لما أراد أن ينصرف يوم أحد نادى: موعد بيننا وبينكم بدر الصفراء رأس الحول نلتقي فيه فنقتتل. فقال عمر بن الخطاب ﵁ وقد أمره رسول اللَّه ﷺ : نعم، إن شاء اللَّه.
سوق بدر الصفراء وكراهية أبي سفيان الخروج إلى الموعد
وكانت بدر [ (٢) ] الصفراء مجمعا للعرب في سوق يقام لهلال ذي القعدة إلى ثمان
стр. 232
منه، فلما دنا الموعد كره أبو سفيان الخروج وأحبّ ألا يوافي رسول اللَّه ﷺ الموعد، وكان يظهر أنه يريد الغزو في جمع كثيف، فيبلغ أهل المدينة عنه أنه يجمع الجموع ويسير في العرب، فتأهب المسلمون له.
رسالة أبي سفيان نعيم بن مسعود لتخذيل المسلمين
وقدم [ (١) ] نعيم بن مسعود الأشجعي مكة فأخبر أبا سفيان [ (٢) ] وقريشا بتهيؤ المسلمين لحربهم. وكان عاما [ (٣) ] جدبا، أعلمه أبو سفيان بأنه كاره للخروج إلى لقاء المسلمين، واعتل بجدب الأرض. وجعل له عشرين فريضة توضع تحت يد سهيل بن عمرو، على أن يخذل المسلمين عن المسير لموعده وحمله على بعير. فقدم المدينة وأرجف بكثرة جموع أبي سفيان حتى رعّب [ (٤) ] المسلمين، وهو يطوف فيهم حتى قذف الرعب في قلوب المسلمين ولم تبق لهم نية في الخروج. واستبشر المنافقون واليهود وقالوا: محمد لا يغلب! - من هذا الجمع- فبلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ حتى خشي ألا يخرج معه أحد. وجاءه أبو بكر وعمر ﵄ وقد سمعا ما سمعا- وقالا: يا رسول اللَّه، إن اللَّه مظهر دينه ومعزّ نبيه، وقد وعدنا القوم موعدا، ولا نحب أن نتخلف فيرون أن هذا جبن، فسر لموعدهم، فو اللَّه إن في ذلك لخيرة.
فسرّ رسول اللَّه ﷺ . ثم قال: والّذي نفسي بيده لأخرجنّ وإن لم يخرج معي أحد.
فبصّر اللَّه المسلمين وأذهب ما كان رعبهم الشيطان، وخرجوا بتجارات لهم إلى بدر فربحت ربحا كثيرا.
خروج المسلمين إلى بدر
واستخلف رسول اللَّه ﷺ على المدينة عبد اللَّه بن رواحة، وسار في ألف وخمسمائة، فيهم عشرة أفراس، وحمل لواءه علي بن أبي طالب ﵁، فانتهوا إلى بدر ليلة هلال ذي القعدة، وقام السّوق صبيحة الهلال فأقاموا ثمانية أيام والسوق قائمة. وخرج أبو سفيان من مكة في ألفين معهم خمسون فرسا ثم رجعوا من مجنة [ (٥) ] ، [وذلك أن أبا سفيان بدا له الرجوع فقال: يا معشر قريش، ارجعوا
стр. 233
فإنه لا يصلحنا إلا عام خصيب غيداق نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن، وإن عامكم هذا عام جدب، فإنّي راجع فارجعوا. فرجع الناس، فسمّاهم أهل مكة: «جيش السويق» . يقولون: إنما خرجتم تشربون السويق] [ (١) ] .
خبر مجدي بن عمرو، وبني ضمرة
وقام مجدي بن عمرو من بني ضمرة [- ويقال: مخشيّ بن عمرو-] والناس مجتمعون في سوقهم، والمسلمون أكثر ذلك الموسم فقال: يا محمد لقد أخبرنا أنه لم يبق منكم أحد، فما أعلمكم إلا أهل الموسم!.
فقال رسول اللَّه ﷺ : ما أخرجنا إلا موعد أبي سفيان وقتال عدونا، وإن شئت مع ذلك نبذنا إليك وإلى قومك العهد ثم جالدناكم [ (٢) ] قبل أن نبرح منزلنا هذا.
فقال الضمريّ: بل نكف أيدينا عنكم ونتمسك بحلفك.
معبد الخزاعي ينذر أهل مكة
وانطلق [ (٣) ] معبد بن أبي معبد الخزاعي سريعا- بعد انقضاء الموسم [ (٤) ]- إلى مكة، وأخبر بكثرة المسلمين وأنهم أهل ذلك الموسم وأنهم ألفان، وأخبرهم بما قال رسول اللَّه ﷺ للضمري. فأخذوا في الكيد والنفقة لقتال [ (٥) ] رسول اللَّه ﷺ ، واستجلبوا من حولهم من العرب وجمعوا الأموال، وضربوا البعث على أهل مكة فلم يترك أحد منهم إلا أن يأتي بمال، ولم يقبل من أحد أقل من أوقية لغزو الخندق.
وأنزل اللَّه تعالى: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [ (٦) ] يعني نعيم بن مسعود.
وعاد رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة فكانت غيبته عنها ست عشرة ليلة. وذكر
стр. 234
أبو محمد بن حزم أن بدر الموعد بعد ذات الرقاع [ (١) ] .
سرية عبد اللَّه بن عتيك لقتل أبي رافع اليهودي، وسبب ذلك
ثم كانت سرية عبد اللَّه بن عتيك إلى أبي رافع سلّام بن أبي الحقيق حتى قتل سحر ليلة الاثنين لأربع خلون من ذي الحجة على رأس ستة وأربعين شهرا، وقيل:
كان قتله في جمادى الأولى سنة ثلاث. وكان سبب ذلك أن أبا رافع كان قد أجلب في غطفان ومن حوله من مشركي العرب، وجعل لهم الجعل العظيم لحرب رسول اللَّه ﷺ فإنه كانت له رياسة قريظة بعد يوم بعاث [ (٢) ]- فبعث ﷺ عبد اللَّه ابن عتيك بن الحارث بن قيس بن هيشة بن الحارث بن أمية بن زيد بن معاوية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأنصاري [ (٣) ]- وكانت أمه بخيبر يهودية أرضعته- وبعث معه أربعة هم: عبد اللَّه بن أنيس، وأبو قتادة، والأسود بن الخزاعي، ومسعود بن سنان، وأمرهم بقتله، ونهى عن قتل النساء والولدان، فانتهوا إلى خيبر ونزلوا على أم عبد اللَّه [ابن عتيك] [ (٤) ] ليلا- وقد تلقتهم بتمر وخبز- فكمنوا [ (٥) ] حتى هدأت الرّجل، واستفتحوا على أبي رافع.
فقالت امرأته: ما شأنكم؟ فقال لها عبد اللَّه بن عتيك- وكان يرطن باليهودية-:
جئت أبا رافع بهدية. ففتحت له فدخل بمن معه- وأبو رافع نائم- فعلوه بأسيافهم وقد صاحت المرأة، واتكأ عبد اللَّه بن أنيس بسيفه على بطنه حتى بلغ الفراش، وهلك. فنزولا، ونسي أبو قتادة الأنصاري قوسه فرجع فأخذها، [فوقع من الدرجة] [ (٦) ] فانكفت رجله فاحتملوه. وقام الصّائح وأتت يهود، فخرج منهم أبو
стр. 235
ذؤيب [ (١) ] الحارث في آثار القوم ومعه جمع، فنجاهم اللَّه منهم. وقد كمنوا يومين حتى سكن الطلب،
ثم أقبلوا إلى المدينة ورسول اللَّه ﷺ على المنبر، فقال: أفلحت الوجوه! فقالوا: أفلح وجهك يا رسول اللَّه! قال: أقتلتموه؟ قالوا: نعم، كلنا يدّعي قتله. وأروه أسيافهم فقال: هذا قتله، هذا أثر الطعام في سيف عبد اللَّه ابن أنيس.
فكانت غيبتهم عشرة أيام. ويقال: كانت هذه السرية في رمضان سنة ست [ (٢) ] .
تعليم زيد بن ثابت كتابة اليهود
وفي هذه السنة الرابعة أمر رسول اللَّه ﷺ زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد ابن لوذان بن عمرو بن عوف بن غنم بن مالك النجار الأنصاريّ ﵁ أن يتعلم كتاب يهود،
وقال: لا آمن أن يبدلوا كتابي.
وولد الحسين بن علي ﵄ في قول بعضهم- لليال خلون من شعبان.
غزوة ذات الرقاع
ثم كانت غزوة ذات الرقاع: وسمّيت بذلك لأنها كانت عند جبل فيه بقع حمر وبيض وسود كأنها رقاع، وقيل: سميت بذلك لأنها رقعوا راياتهم، ويقال أيضا: ذات الرقاع شجرة بذلك الموقع يقال لها ذات الرقاع. وأصح الأقوال ما رواه البخاري من طريق أبي موسى قال: خرجنا مع النبي [ (٣) ] ﷺ في غزاة [ (٤) ]- ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه- فنقبت أقدامنا، ونقبت قدماي، وسقطت أظفاري، وكنا [ (٥) ] نلفّ على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع لما كنا
стр. 236
نعصب من الخرق على أرجلنا [ (١) ] .
ما فيها من دلائل النبوة
وفي هذه الغزاة ظهر من أعلام النبوة: ظهور بركة الرسول ﷺ في أكل أصحابه من ثلاث بيضات حتى شبعوا ولم تنقص، وسبق جمل جابر بعد تخلفه، وبرء الصبي مما كان به، وقصة الأشاءتين [ (٢) ] ، وقصة غورث [بن الحارث] [ (٣) ] وقصة الجمل لما برك يشكو.
الخروج إلى الغزوة
وخرج رسول اللَّه ﷺ ليلة السبت لعشر خلون من المحرم على رأس سبعة وأربعين شهرا، وقدم صرار [ (٤) ] يوم الأحد لخمس بقين منه، وغاب خمس عشرة ليلة. وسببها أن [قادما- قدم يجلب له] [ (٥) ] من نجد إلى المدينة- أخبر أن بني أنمار بن بغيض، وبني سعد بن ثعلبة بن ذبيان بن بغيض، قد جمعوا لحرب المسلمين، فخرج ﷺ في أربعمائة، وقيل: في سبعمائة، وقيل: ثمانمائة، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان ﵁، وبثّ السرايا في طريقه فلم يروا أحدا، ثم قدم محالّهم وقد ذهبوا إلى رءوس الجبال وأطلّوا على المسلمين، فخاف الفريقان بعضهم من بعض.
صلاة الخوف
وصلى رسول اللَّه ﷺ صلاة الخوف، فكان أوّل ما صلاها يومئذ، وقد خاف أن يغيروا عليه وهم في الصلاة، فاستقبل القبلة وطائفة خلفه وطائفة مواجهة للعدو، فصلى بالطائفة التي خلفه ركعة وسجدتين ثم ثبت قائما فصلوا خلفه ركعتين وسجدتين ثم سلموا، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم ركعة وسجدتين،
стр. 237
والطائفة الأولى مقبلة على العدو، فلما صلى بهم ركعة ثبت جالسا حتى أتموا لأنفسهم ركعة وسجدتين ثم سلّم. هكذا ذكر ابن إسحاق والواقدي وغيرهما من أهل السّير، وهو مشكل.
تحقيق القول في صلاة الخوف متى كانت
فإنه قد جاء في رواية الشافعيّ وأحمد والنّسائيّ عن أبي سعيد: أن رسول اللَّه ﷺ حبسه المشركون يوم الخندق عن الظهر والعصر والمغرب والعشاء فصلاهن جمعا، وذلك قبل نزول صلاة الخوف. قالوا: وإنما نزلت صلاة الخوف بعسفان، كما رواه أبو عيّاش الزّرقيّ قال: كنا مع النبي ﷺ بعسفان فصلى بنا الظهر، وعلى المشركين يومئذ خالد بن الوليد، فقالوا: لقد أصبنا منهم غفلة، ثم قالوا: إن لهم صلاة بعد هذه هي أحب إليهم من أموالهم وأبنائهم. فنزلت- يعني صلاة الخوف- بين الظهر والعصر، فصلى بنا العصر ففرقنا فرقتين، وذكر الحديث.
أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي [ (١) ] . وعن أبي هريرة ﵁ قال:
كان رسول اللَّه ﷺ نازلا بين ضجنان [ (٢) ] وعسفان محاصر المشركين، فقال المشركون: إن لهؤلاء صلاة هي أهم إليهم من أبنائهم وأبكارهم، أجمعوا أمركم ثم ميلوا عليهم ميلة واحدة. فجاء جبريل ﵇ فأمره أن يقسم أصحابه نصفين، وذكر الحديث. رواه النّسائيّ [ (١) ] والترمذي [ (٣) ] وقال: حسن صحيح. وقد علم بلا خلاف أن غزوة عسفان كانت بعد الخندق فاقتضى هذا أن ذات الرقاع بعدها بل بعد خيبر. ويؤيد هذا أن أبا موسى الأشعري وأبا هريرة ﵄ شهداها:
أما أبو موسى الأشعري فإنه قدم بعد خيبر، وقد جاء في الصحيحين عنه: أنه شهد غزوة ذات الرقاع، وأنهم كانوا يلفّون على أرجلهم الخرق لما نقبت، فسميت بذلك، وأما أبو هريرة، فعن مروان بن الحكم أنه سأل أبا هريرة: هل صليت مع رسول اللَّه ﷺ صلاة الخوف؟ قال: نعم، قال: متى؟ قال: عام غزوة
стр. 238
نجد، وذكر صفة من صفات صلاة الخوف. أخرجه [ (١) ] الإمام أحمد وأبو داود والنسائي. وإنما جاء أبو هريرة مسلما أيام خيبر.
وكذلك قال عبد اللَّه بن عمر، قال: غزوت مع رسول اللَّه ﷺ قبل نجد، فذكر صلاة الخوف. وإجازة [ (٢) ] عبد اللَّه في القتال كانت عام الخندق. وقد قال البخاري: إن ذات الرقاع بعد خيبر، واستشهد بقصة [ (٣) ] أبي موسى وإسلام أبي هريرة.
وقال ابن إسحاق: إنها كانت في جمادى الأولى بعد غزوة بني النضير بشهرين، وقد قال بعض من أرّخ: إن غزوة ذات الرقاع أكثر من مرة، فواحدة كانت قبل الخندق، وأخرى بعدها.
وقد قيل: إن قصة جمل جابر وبيعه من رسول اللَّه ﷺ كانت في غزوة ذات الرقاع. وفي ذلك نظر، لأنه جاء أن ذلك كان في غزوة تبوك.
وبعث ﷺ جعال بن سراقة بشيرا إلى المدينة بسلامته وسلامة المسلمين.
خبر الربيئة: عباد بن بشر وعمار بن ياسر
وكان رسول اللَّه ﷺ قد أصاب في محالهم نسوة منهن جارية وضيئة كان زوجها يحبها، فلما انصرف رسول اللَّه ﷺ راجعا إلى المدينة حلف زوجها ليطلبن محمدا، ولا يرجع إلى قومه حتى يصيب محمدا، أو يهريق فيهم دما، أو يتخلص صاحبته.
فبينا رسول اللَّه ﷺ في مسيرة في عشية ذات ريح فنزل في شعب فقال: من رجل يكلأنا [ (٤) ] الليلة؟
فقام عمار بن ياسر وعباد بن بشر فقالا: نحن يا رسول اللَّه نكلؤك: وجعلت الريح لا تسكن، وجلسا على فم الشّعب. فقال أحدهما لصاحبه:
أي الليل [ (٥) ] أحب إليك [أن أكفيكه، أوله أم آخره] [ (٦) ] ؟ قال: [بل] [ (٧) ] اكفني
стр. 239
أوله. فنام عمار بن ياسر وقام عباد بن بشر يصلي، وأقبل عدو اللَّه يطلب غرّة وقد سكنت الريح. فلما رأى سواده من قريب قال: يعلم اللَّه إن هذا لربيئة القوم:
ففوّق له سهما فوضعه فيه، فانتزعه [فوضعه] [ (١) ] ، ثم رماه بآخر فوضعه فيه، فانتزعه فوضعه، ثم رماه الثالث فوضعه فيه. فلما غلبه الدم ركع وسجد، ثم قال لصاحبه: اجلس فقد أتيت: فجلس عمار، فلما رأى الأعرابي أن عمارا قد قام علم أنهم قد نذروا به. فقال عمار: أي أخي؟ ما منعك أن توقظني في أول سهم رمى به؟ قال: كنت في سورة أقرأها- وهي سورة الكهف- فكرهت أن أقطعها حتى أفرغ منها. ولولا إني خشيت أن أضيع ثغرا أمرني به رسول اللَّه ﷺ ما انصرفت ولو أتى على نفسي. ويقال: بل هو عمارة بن حزم، وأثبتهما عباد بن بشر.
خبر فرخ الطائر
وجاء رجل بفرخ طائر، فأقبل أبواه، أو أحدهما حتى طرح نفسه في يد الّذي أخذ فرخه، فعجب الناس من ذلك،
فقال رسول اللَّه ﷺ : أتعجبون من هذا الطائر؟ أخذتم فرخه فطرح نفسه رحمة لفرخه! واللَّه لربكم أرحم بكم من هذا الطائر بفرخه.
خبر صاحب الثوب الخلق
ورأى ﷺ رجلا وعليه ثوب منخرق فقال: أما له غير هذا؟ قالوا: بلى يا رسول اللَّه، إن له ثوبين جديدين في العيبة [ (٢) ] ، فقال له: خذ ثوبيك. فأخذ ثوبيه فلبسهما ثم أدبر فقال ﷺ : أليس هذا أحسن؟ ما له ضرب اللَّه عنقه! فسمع ذلك الرجل، فقال: في سبيل اللَّه يا رسول اللَّه! فقال ﷺ : في سبيل اللَّه.
فضربت عنقه بعد ذلك في سبيل اللَّه.
стр. 240
خبر البيضات
وجاءه علبة [ (١) ] بن زيد الحارثي بثلاث بيضات وجدها في مفحص [ (٢) ] نعام، فأمر جابر بن عبد اللَّه بعملها، فوثب فعملها وأتى بها في قصعة، فأكل ﷺ وأصحابه منه بغير خبز، والبيض في القصعة كما هو، وقد أكل منه عامتهم.
خبر غورث
وقيل: إن حديث غورث بن الحارث كان في هذه الغزاة [ (٣) ] ، وقيل: كان في غزوة ذات الرقاع التي بعد الخندق- لما أخرجا في الصحيحين [ (٤) ] عن جابر بن عبد اللَّه ﵁ قال: أقبلنا مع رسول اللَّه ﷺ حتى إذا كنا بذات الرقاع، قال: كنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول اللَّه ﷺ ، قال: فجاء رجل من المشركين- وسيف رسول اللَّه ﷺ معلّق بشجرة- فأخذ سيف نبي اللَّه ﷺ [ (٥) ] فاخترطه [ (٦) ] ،
فقال لرسول اللَّه ﷺ : أتخافني؟ قال: لا. قال: فمن يمنعك مني؟ قال: اللَّه يمنعني منك [ (٧) ] ! قال: فتهدده أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فأغمد السيف وعلّقه.
قال: فنودي بالصلاة فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين. قال: فكانت لرسول اللَّه ﷺ أربع ركعات وللقوم ركعتان. واللفظ لمسلم.
تحريم الخمر
قال البلاذريّ: وفي سنة أربع من الهجرة حرّمت الخمر.
غزوة دومة الجندل
ثم كانت غزوة دومة الجندل. خرج إليها رسول اللَّه ﷺ في الخامس والعشرين
стр. 241
من ربيع الأول على رأس تسعة وأربعين شهرا في ألف من المسلمين، واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاريّ.
سبب غزوة دومة الجندل
وسببها أن رسول اللَّه ﷺ أراد أن يدنو إلى أدنى الشّأم، وقيل له: إنها طرف من أفواه الشأم فلو دنوت لها كان ذلك مما يفزع قيصر، وذكر له أن بدومة الجندل جمعا كثيرا من [الضافطة] [ (١) ] ، وأنهم يظلمون من مرّ بهم، ويريدون أن يدنوا [ (٢) ] من المدينة. فندب الناس وسار مغذّا [ (٣) ] للسير، ونكّب عن طريقهم، فكان يسير الليل [ (٤) ] ويكمن النهار، ومعه دليل من بني عذرة يقال له: مذكور. فلما كان بينه وبين دومة الجندل يوم أو ليلة، هجم على ماشيتهم [ورعاتهم فأصاب منها ما أصاب] [ (٥) ] ، وفرّ باقيهم، فتفرق أهل دومة لما بلغهم الخبر، ونزل ﷺ بساحتهم فلم يجد بها أحدا، فأقام أياما وبث سراياه، فعادت بإبل ولم يلق أحدا، وعاد إلى المدينة في العشرين من ربيع الآخر. ووادع في طريقه عيينة بن حصن الفزاري.
زواجه بأم سلمة ثم بزينب بنت جحش ونزول آية الحجاب
وفي ليال بقين من شوال تزوج أم سلمة، وقيل: تزوجها سنة اثنين بعد بدر، وقيل: قبل بدر.
وفي ذي القعدة من هذه السنة تزوج ابنة عمته زينب بنت جحش. وقيل:
تزوجها سنة ثلاث، ويقال: سنة خمس، وقيل: تزوجها سنة ثلاث مع زينب أم المساكين. ونزلت آية الحجاب. وفي هذه السنة أمر زيد بن ثابت بتعلم كتاب اليهود، وفيها رجم اليهودي واليهودية، وفي جمادى الآخرة خسف القمر وصلى صلاة الخسوف. وزلزلت [ (٦) ] المدينة. وسابق بين الخيل، وقيل: في سنة ست،
стр. 242
وجعل بينها سبقا ومحللا.
غزوة المريسيع «بني المصطلق»
ثم كانت غزوة المريسيع، ويقال: غزوة بني المصطلق وهم بنو جذيمة بن كعب ابن خزاعة، فجذيمة هو المصطلق. والمريسيع ماء لخزاعة بينه وبين الفرع نحو من يوم، وبين الفرع والمدينة ثمانية برد [ (١) ] . وكانت في سنة ست من الهجرة، وقيل:
سنة خمس. خرج رسول اللَّه ﷺ يوم الاثنين لليلتين خلتا من شعبان، واستخلف على المدينة زيد بن حارثة، وقال ابن هشام: استعمل أبا ذر، ويقال: نميلة بن عبد اللَّه الليثي، [ودفع راية المهاجرين إلى أبي بكر ﵁] [ (٢) ] ، وقيل:
إلى عمار بن ياسر، وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة.
سببها
وسببها أن الحارث بن أبي ضرار بن حبيب [بن الحارث بن عائد [ (٣) ]] بن مالك بن جذيمة [بن سعد] [ (٣) ] بن كعب بن خزاعة سيد بني المصطلق، جمع لحرب رسول اللَّه ﷺ من قومه ومن العرب [جمعا] [ (٤) ] كبيرا، فتهيّئوا [ (٥) ] ليسيروا إليه، وكانوا ينزلون ناحية الفرع، فبلغ خبرهم رسول اللَّه ﷺ فبعث بريدة بن الحصيب بن عبد اللَّه بن الحارث بن الأعرج بن سعد بن رزاح بن عدي بن سهم ابن مازن بن الحارث بن سلامان بن سلّم بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر الأسلمي- يعلم علم ذلك، فأتاه بخبرهم. فندب الناس وأخبرهم خبر عدوّهم، فأسرعوا الخروج، وقادوا ثلاثين فرسا منها: عشرة للمهاجرين، وعشرون للأنصار، ولرسول اللَّه ﷺ فرسان هما: لزاز والظّرب. وخرج كثير من المنافقين ليصيبوا من عرض الدنيا ولقرب السفر عليهم.
стр. 243
إسلام رجل من عبد القيس
فلقي ﷺ في طريقه رجلا في طريقه من عبد القيس فأسلم، وسأل: أي الأعمال أحب إلى اللَّه؟ فقال له النبي ﷺ : الصلاة في أول وقتها.
فكان بعد ذلك لا يؤخر الصلاة إلى الوقت الآخر.
فأصاب عينا من المشركين فضرب عنقه بعد أن عرض عليه الإسلام فأبي.
الانتهاء إلى المريسيع ولقاء العدو
وانتهى ﷺ إلى المريسيع [وهو ماء لخزاعة من ناحية قديد إلى الساحل] وقد بلغ القوم مسير رسول اللَّه ﷺ وقتله عينهم، فتفرق عن الحارث من كان قد اجتمع إليه من أفناء [ (١) ] العرب، وضرب له ﷺ قبة من أدم، وكان معه من نسائه عائشة وأم سلمة ﵄. فصف أصحابه وقد تهيأ الحارث للحرب، ونادى عمر ابن الخطاب ﵁ في الناس: قولوا لا إله إلا اللَّه تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم. فأبوا ورموا بالنبل، فرمى المسلمون ساعة بالنبل ثم حملوا على المشركين حملة رجل واحد، فما أفلت منهم إنسان، وقتل منهم عشرة وأسر سائرهم، وسبيت النساء والذرية، وغنمت الإبل والشاء، ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد يقال له: هشام بن صبابة، أصابه رجل من الأنصار من رهط عبادة بن الصامت وهو يرى أنه من العدوّ [ (٢) ] ، فقتله خطأ.
شعار المسلمين
وكان شعارهم: يا منصور أمت أمت. وقيل: بل أغار عليهم ﷺ وهم غارّون ونعمهم تسقي على الماء. والحديث الأول أثبت.
وكان من خبر الرجل الّذي قتل: أنه خرج هشام بن صبابة في طلب العدو، فرجع في ريح شديدة فوجد رجلا [من رهط عبادة بن الصامت يقال له أوس] فقلته وهو يظنه مشركا، فأمر رسول اللَّه ﷺ أن تخرج ديته، [ويقال: قتله رجل من بني عمرو بن عوف] فقدم أخوه مقيس بن صبابة من مكة مسلما فيما يظهر يطلب دية أخيه، فأمر له النبي ﷺ بالدّية فقبضها، ثم عدا على قاتل أخيه
стр. 244
فقتله، ثم ارتدّ ولحق بقريش وقال شعرا، فأهدر ﷺ دمه، حتى قتله نميلة [ابن عبد اللَّه الليثي] [ (١) ] يوم الفتح.
الأسرى والغنائم
وأمر ﷺ بالأسرى فكتّفوا، واستعمل عليهم بريدة بن الحصيب، وأمر بما وجد في رحالهم من متاع وسلاح فجمع، وسيقت النّعم والشاء، واستعمل عليها شقران: مولاه. واستعمل على المقسم- مقسم الخمس وسهمان المسلمين- محمية ابن جزء [ (٢) ] بن عبد يغوث بن عويج بن عمرو بن زبيد الأصغر الزبيدي، فأخرج رسول اللَّه ﷺ الخمس من جميع المغنم فكان يليه محمية بن جزء [ (٢) ] ، وكان يجمع إليه الأخماس. وكانت الصدقات على حدتها، أهل الفيء بمعزل عن الصدقة، [وأهل الصدقة] [ (٣) ] بمعزل عن الفيء. فكان يعطي من الصدقة اليتيم والمسكين والضعيف، فإذا احتلم اليتيم نقل إلى الفيء وأخرج من الصدقة ووجب عليه الجهاد، فإن كره الجهاد وأباه لم يعط من الصدقة شيئا، وخلى بينه وبين أن يكتسب لنفسه.
وكان رسول اللَّه ﷺ لا يمنع سائلا:
فأتاه رجلان يسألانه من الخمس فقال [ (٤) ] :
إن شئتما أعطيتكما منه، ولا حظّ فيها لغني ولا لقوي مكتسب.
قسمة الغنائم
وفرّق السبي فصار في أيدي الرجال، وقسم المتاع والنعم والشاء، وعدلت الجزور بعشر من الغنم، وبيعت رثة المتاع فيمن يزيد، وأسهم للفرس سهمان ولصاحبه سهما، وللراجل سهما، وكانت الإبل ألفي بعير وخمسة آلاف شاة، وكان السّبي مائتي أهل بيت.
خبر جويرية بنت الحارث وزواج رسول اللَّه بها، وبركتها على أهلها
وصارت جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار في سهم ثابت بن قيس بن شماس
стр. 245
أو ابن له، فكاتبها على تسع أواق من ذهب،
فبينا النبي ﷺ على الماء إذ دخلت عليه تسأله في كتابتها وقالت: يا رسول اللَّه، إني امرأة مسلمة وتشهدت وانتسبت، وأخبرته بما جرى لها واستعانته في كتابتها، فقال: أو خير من ذلك، أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك! قالت: نعم. فطلبها من ثابت فقال: هي لك يا رسول اللَّه.
فأدى ما عليها وأعتقها وتزوجها، وخرج الخبر إلى الناس وقد اقتسموا رجال بني المصطلق وملكوهم ووطئوا نساءهم، فقالوا: أصهار النبي! فأعتقوا ما بأيديهم من ذلك السبي. وكانت جويرية ﵂ عظيمة البركة على قومها.
فداء أسرى بني المصطلق
ويقال: إن رسول اللَّه ﷺ جعل صداقها عتق كل أسير من بني المصطلق، ويقال: جعل صداقها عتق أربعين من قومها، وقيل: كان السبي: منهم من منّ عليه رسول اللَّه ﷺ بغير فداء، ومنهم من افتدى، وذلك بعد ما صار السبي في أيدي الرجال، فافتديت المرأة والذرية بست فرائض، وكانوا قدموا المدينة ببعض السبي، فقدم عليهم أهلوهم فافتدوهم، فلم تبق امرأة من بني المصطلق إلا رجعت إلى قومها، قال الواقدي: وهذا الثبت. وقيل: إن الحارث افتدى ابنته جويرية من ثابت بن قيس بما افتدى به امرأة من السبي ثم خطبها النبي ﷺ إلى أبيها فأنكحها: وكان اسمها برّة، فسماها [ (١) ] ﷺ جويرية [ (٢) ] . قال الواقدي: وأثبت هذا عندنا حديث عائشة أن النبي ﷺ قضى عنها كتابتها وأعتقها وتزوجها.
خبر العزل
وسئل رسول اللَّه ﷺ في هذه الغزوة عن العزل فقال: ما عليكم أن لا تفعلوا؟ ما من نسمة كائنة يوم القيامة إلا وهي كائنة.
فقال رجل من اليهود لأبي سعيد الخدريّ ﵁، وقد خرج بجارية يبيعها في السوق: لعلك تريد بيعها وفي بطنها منك سخلة [ (٣) ] ؟ فقال: كلا، إني كنت أعزل عنها. فقال: تلك الموءودة الصغري!
فلما أخبر رسول اللَّه ﷺ بذلك قال: كذبت يهود.
стр. 246
خبر جهجاه وسنان على الماء
وبينا المسلمون على ماء المريسيع إذ أقبل سنان بن وبر الجهنيّ- وقيل: هو سنان بن تيم اللَّه، وهو من جهينة بن سود بن أسلم- حليف الأنصار- ومعه فتيان من بني سالم يستقون. [وعلى] [ (١) ] الماء جمع من المهاجرين والأنصار. فأدلى دلوه، وأدلى جهجاه بن مسعود بن سعد بن حرام الغفاريّ- أجير عمر بن الخطاب ﵁ دلوه.
تنازعهما واختلاف المهاجرين والأنصار
فالتبست دلو سنان ودلو جهجاه وتنازعا، فضرب جهجاه سنانا فسال الدم، فنادى: يا للخزرج! وثارت الرجال، فهرب جهجاه وجعل ينادى في العسكر:
يا لقريش! يا لكنانة! فأقبلت قريش وأقبلت الأوس والخزرج، وشهروا السلاح حتى كادت تكون فتنة عظيمة، فقام رجال في الصلح فترك سنان حقه.
تحريض عبد اللَّه بن أبيّ وما كان من مقالته في ذلك
وكان عبد اللَّه بن أبيّ جالسا في عشرة من المنافقين فغضب وقال: واللَّه ما رأيت كاليوم مذلة! واللَّه إن كنت لكارها لوجهي هذا، ولكن قد غلبوني. قد فعلوها، قد نافرونا وكاثرونا في بلدنا، وأنكروا منتنا، واللَّه ما صرنا وجلابيب [ (٢) ] قريش هذه إلا كما قال القائل: «سمّن كلبك يأكلك» ، واللَّه لقد ظننت أني سأموت قبل أن أسمع هاتفا يهتف بما هتف به جهجاه وأنا حاضر لا يكون لذلك مني غير [ (٣) ] ، واللَّه لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ. ثم أقبل على من حضر من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم! أحللتموهم بلادكم، ونزلوا منازلكم، وآسيتموهم [ (٤) ] في أموالكم حتى استغنوا. أما واللَّه لو أمسكتم [عنهم ما] [ (٥) ] بأيديكم لتحولوا [ (٦) ] إلى غير بلادكم، ثم لم ترضوا ما فعلتم حتى جعلتم
стр. 247
أنفسكم- أغراضا [ (١) ] للمنايا فقتلتم دونهم [ (١) ] ، فأيتمتم أولادكم وقللتم وكثروا.
إبلاغ زيد بن أرقم رسول اللَّه مقالة عبد اللَّه بن أبيّ
وكان زيد بن أرقم حاضرا- وهو غلام لم يبلغ أو قد بلغ- فحدّث رسول اللَّه ﷺ بذلك، وعنده نفر من المهاجرين والأنصار، فتغير وجهه ثم قال:
يا غلام، لعلك غضبت عليه؟ قال: لا واللَّه، لقد سمعت منه. قال: لعله أخطأ سمعك! قال: لا يا نبي اللَّه. قال: فلعله شبه عليك؟ قال: لا واللَّه لقد سمعت منه يا رسول اللَّه.
وشاع في العسكر ما قاله ابن أبيّ، حتى ما كان للناس حديث إلا هو. وأنّب جماعة من الأنصار زيد بن أرقم، فقال- في جملة كلام-: وإني لأرجو أن ينزل اللَّه على نبيه، حتى تعلموا أني كاذب أم غيري. وقال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول اللَّه! مر عباد بن بشر فليأتك برأسه. فكره ذلك
وقال: لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه.
وبلغ الخبر ابن أبيّ، فحلف باللَّه ما قال من ذلك شيئا، ثم مشى [ (٢) ] إلى رسول اللَّه ﷺ وحلف باللَّه ما قال.
رحيل رسول اللَّه بعد مقالة المنافقين
وأسرع رسول اللَّه ﷺ عند ذلك السير، ورحل في ساعة لم يكن يرتحل فيها.
فأقبل عمر بن الخطاب ﵁ حتى جاء رسول اللَّه ﷺ وهو في فيء شجرة عنده غليم أسيود يغمز ظهره [ (٣) ] فقال: يا رسول اللَّه! كأنك تشتكي ظهرك! فقال: تقحّمت بي الناقة [ (٤) ] الليلة. فقال عمر: يا رسول اللَّه، ائذن لي أن أضرب عنق ابن أبيّ في مقالته. فقال: لا يتحدث الناس أن محمدا قتل أصحابه.
طلوع رسول اللَّه على العسكر ومقالة سعد بن عبادة
ويقال: لم يشعر أهل العسكر إلا برسول اللَّه ﷺ قد طلع على راحلته وكانوا في حر شديد، وكان لا يروح حتى يبرد، إلا أنه لما جاءه ابن أبيّ رحل في تلك
стр. 248
الساعة، فكان أوّل من لقيه سعد بن عبادة ﵁، ويقال: أسيد بن حضير. فقال: خرجت يا رسول اللَّه في ساعة ما كنت تروح فيها! قال:
أو لم يبلغك ما قال صاحبكم ابن أبيّ، زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعزّ منها الأذلّ؟
قال: فأنت يا رسول اللَّه تخرجه إن شئت، فهو الأذل وأنت الأعز، يا رسول اللَّه! ارفق به، فو اللَّه لقد جاء اللَّه بك وإن قومه لينظمون له الخرز، ما بقيت عليهم إلا خرزة واحدة عند يوشع اليهودي ليتوجوه، فما يرى إلا قد سلبته ملكه.
تصديق اللَّه خبر زيد بن أرقم
وبينا رسول اللَّه ﷺ يسير من يومه ذلك- وزيد بن أرقم يعارضه براحلته يريد وجهه،
ورسول اللَّه ﷺ يستحث راحلته فهو مغذّ في المسير- إذ نزل عليه الوحي فسرّي [ (١) ] عنه، فأخذ بأذن زيد بن أرقم حتى ارتفع عن مقعده عن راحلته وهو يقول: وفت [ (٢) ] أذنك يا غلام وصدّق اللَّه حديثك!
ونزل في ابن أبيّ:
إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ [ (٣) ] وكان عبادة بن الصامت قبل ذلك قال لابن أبيّ:
ايت رسول اللَّه يستغفر لك، فلوى رأسه معرضا، فقال له عبادة: واللَّه لينزلنّ في ليّ رأسك قرآن يصلّى به. ومرّ عبادة بن الصامت بابن أبيّ- عشية راح رسول اللَّه ﷺ من المريسيع، وقد نزل فيه القرآن- فلم يسلّم عليه، ثم مرّ أوس بن خوليّ فلم يسلّم عليه، فقال: إن هذا الأمر قد تمالأتما عليه. فرجعا إليه فأنّباه [ (٤) ] وبكّتاه بما صنع، وبما نزل القرآن إكذابا لحديثه. فقال: لا أعود أبدا.
حديث عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبي عن أبيه وخبره
وجاء ابنه عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبيّ فقال: يا رسول اللَّه، إن كنت تريد أن تقتل [ (٥) ] أبي فيما بلغك عنه فمرني به، فو اللَّه لأحملن إليك رأسه قبل أن تقوم
стр. 249
من مجلسك هذا. واللَّه لقد علمت الخزرج ما كان فيها [ (١) ] رجل أبرّ بوالده [ (١) ] مني، وإني لأخشى- يا رسول اللَّه- أن تأمر غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أن انظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس فأقتله فأدخل النار، وعفوك أفضل، ومنّك أعظم.
فقال رسول اللَّه ﷺ : ما أردت قتله، وما أمرت به، ولنحسنن صحبته ما كان بين أظهرنا.
فقال: يا رسول اللَّه! إن أبي كانت هذه البحيرة قد استقوا [ (٢) ] عليه ليتوجوه، فجاء اللَّه بك فوضعه ورفعنا بك، ومعه قوم يطيفون به [ (٣) ] يذكرونه أمورا قد غلب اللَّه عليها. وقال عبد اللَّه في ذلك شعرا.
سير رسول اللَّه
ولما خرجوا من المريسيع قبل الزوال لم ينخ [ (٤) ] أحد إلا لحاجة أو لصلاة، ورسول اللَّه ﷺ يستحث راحلته بالسوط في تراقيها [ (٥) ] حتى أصبحوا، ومدّوا يومهم حتى انتصف النهار، ثم راحوا مردين [ (٦) ] ، فنزل من الغد ماء يقال له:
بقعاء.
الريح التي أنذرت بموت كهف المنافقين رفاعة بن التابوت
فأخذتهم ريح شديدة- اشتدت إلى أن زالت الشمس ثم سكنت آخر النهار- حتى أشفقوا منها، وسألوا رسول اللَّه ﷺ عنها، وخافوا أن يكون عيينة بن حصن خالف إلى المدينة، وقالوا: لم تهج هذه الريح إلا من حدث.
فقال ﷺ : ليس عليكم بأس منها، فما بالمدينة من نقب [ (٧) ] إلا عليه ملك يحرسه، وما كان ليدخلها
стр. 250
عدو حتى تأتوها، ولكنه مات اليوم منافق عظيم النفاق بالمدينة: فلذلك عصفت الريح.
وكان موته للمنافقين غيظا شديدا، وهو رفاعة بن زيد بن التابوت [ (١) ] [أحد بني قينقاع، وكان عظيما من عظماء يهود، وكهفا للمنافقين] [ (٢) ] ، مات ذلك اليوم. وكانت هذه الريح أيضا بالمدينة حين دفن عدو اللَّه فسكنت.
جزع المنافقين لموته
وقال عبادة بن الصامت يومئذ لابن أبيّ: أبا حباب! مات خليلك. قال:
أي أخلائي؟ قال: من موته فتح للإسلام وأهله! رفاعة بن زيد [ (١) ] بن التابوت، قال: يا ويلاه! كان واللَّه وكان وكان، وجعل يذكر. فقال له عبادة: اعتصمت واللَّه بالذّنب الأبتر! قال: من خبّرك يا أبا الوليد بموته؟ قال: رسول اللَّه أخبرنا الساعة أنه مات هذه الساعة، فأسقط في يديه وانصرف كئيبا حزينا. فلما دخلوا المدينة وجدوا عدو اللَّه مات في تلك الساعة.
خبر ناقة رسول اللَّه التي فقدت، ومقالة المنافق
وفقدت ناقة رسول اللَّه ﷺ القصواء- من بين الإبل وهي سارحة، فتطلبها المسلمون في كل وجه، فقال زيد بن اللصيت [القينقاعي] [ (٣) ] وكان منافقا: أفلا يخبره اللَّه بمكان ناقته! فأنكر القوم ذلك عليه، وأسمعوه كل مكروه، وهموا به،
فهرب إلى رسول اللَّه ﷺ متعوذا به وقد جاءه الوحي بما قال، فقال- والمنافق يسمع-: إن رجلا من المنافقين شمت أن ضلت ناقة رسول اللَّه وقال:
ألا يخبره اللَّه بمكانها؟ فلعمري أن محمدا ليخبر بأعظم من شأن الناقة! ولا يعلم الغيب إلا اللَّه، وإن اللَّه قد أخبرني بمكانها، وأنها في هذا الشعب: مقابلكم، قد تعلق زمامها بشجرة، فاعمدوا عمدها. فذهبوا فأتوا بها من حيث قال رسول اللَّه ﷺ .